حُرٌّ، أو غيرُه من العَصَباتِ، فله الباقى. وإن كان نِصْفُه حُرًّا، فله نصفُ ما بَقِىَ، إلّا على القَوْلَيْنِ الآخرين. ابنٌ نصفُه حرٌّ، وابنُ ابنٍ ثُلُثُه حُرٌّ، وأخٌ ثلاثةُ أرباعِه حُرٌّ؛ للأعْلَى النِّصْفُ، وللثَّانى ثُلث الباقى، وهو السُّدُسُ، وللأَخِ ثلاثةُ أرباعِ الباقى، وهو الرُّبُعُ. وعلى القولِ الآخرِ، للابْنِ النصْفُ، ولابنِ الابنِ الثُّلُثُ، والبَاقى للأخِ. ثلاثةُ إخوةٍ مُفْتَرِقين، نصفُ كلِّ واحدٍ حُرٌّ؛ للأخِ من الأُمِّ نصفُ السُّدُسِ، وللأخِ من الأبَوَيْنِ نصفُ الباقى، وللأخِ من الأبِ نِصْفُ الباقى، وتصِحُّ من ثمانيةٍ وأربعينَ، للأخِ من الأُمِّ أربعةٌ، وللأخِ من الأبوينِ اثنان وعشرون، وللأخِ من الأبِ أحَدَ عَشَرَ. وعلى القولِ الآخَرِ، للأخِ من الأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ، وللأخِ من الأبَوَيْن النِّصْفُ، وللأخِ منَ الأبِ ما بَقِىَ. فإنْ كان معهم بنتٌ حُرَّةٌ، فلها النِّصْفُ، ولا شىءَ للأخِ من الأُمِّ، وللأخِ من الأبَوَيْن الرُّبُعُ، وللأخِ من الأبِ الثُّمُنُ، والباقى للعَصَبَةِ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقى للأخِ من الأبَوَيْن وحدَه، فإن كان نصفُ البنتِ حُرًّا، فلها الرُّبُعُ، وللأَخِ من الأُمِّ رُبُعُ السُّدُسِ، وللأخِ من الأبَوَيْن نِصْفُ الباقى، وللأخِ من الأبِ نِصْفُ الباقى.
فصل: بنتٌ نصفُها حُرٌّ، لها الرُّبُعُ، والباقى للعَصَبَةِ، فإنْ لم يكُنْ عَصَبَةٌ فلها النِّصْفُ بالفَرْضِ والرَّدِّ، والباقى لذوى (١٥) الرَّحِمِ، فإنْ لم يكُنْ فلبيتِ المالِ، فإنْ كان معها أمٌّ حُرَّةٌ، فلها الرُّبُعُ؛ لأنَّ البنْتَ الحُرة تحْجُبها عن السّدُسِ، فنصفُها يحجُبها عن نِصْفِه، وإِنْ كان معها امرأةٌ، فلها الثُّمن، ونِصْفُ الثُّمُنِ، وإِنْ كان معها أخٌ مِن أمٍّ، فله نِصْفُ السُّدُسِ، وإِنْ كان معها بنتُ ابْنٍ، فلها الثّلُثُ؛ لأنَّها لو كانت كُلُّها أمةً، لَكان لبنتِ الابنِ النّصفُ، ولو كانتْ حرَّةً، لَكان لها السّدُسُ، فقد حَجَبتْها حُرِّيَّتُها عن الثُّلُثِ، فنِصْفُها يحْجُبها عن السُّدُس. وكلُّ مَنْ ذكرنا إذا كان نصفُه حُرًّا، فله نصفُ مالَه فى الحُرِّيَّةِ، وإِنْ كان ثُلُثُه حُرًّا، فله ثُلثُه، وإِنْ كان معها بنتٌ أُخْرَى حُرَّةٌ، فلها رُبُع المالِ، وثلثُه بينهما على ثلاثةٍ عندَ من جمعَ الحُرِّيَّةَ فيهما؛ لأنَّ لهما بحُرِّيَّةٍ
стр. 4517
نصفًا، وبنصفِ حُرِّيَّةِ نصفَ كمالِ الثُّلُثَينِ. وفى الخِطابِ والتَّنْزِيلِ للحُرَّةِ رُبُعٌ وسُدُسٌ، وللأُخْرى سُدُسٌ؛ لأنَّ نصفَ إحْداهما يَحْجُبُ الحُرَّةَ عن نصفِ السُّدُسِ فيَبْقَى لها رُبعٌ وسُدُسٌ، والحُرَّةُ تحْجُبُها عن سُدُسٍ كاملٍ، فيَبْقَى لها سُدُسٌ. فإن كان نِصْفُها رَقيقًا، ومعهما عَصَبَةٌ، فلهما رُبعُ المالِ وسُدُسُه بينهما؛ لأنهما لو كانتا حُرَّتَيْن كان لهما الثُّلُثان، ولو كانت الكبرى وحْدَها حُرَّةً كان لها النِّصْفُ، وكذلك الصُّغْرَى، ولو كانَتا أَمَتَيْن كان المال للعَصَبَةِ، فقد كان لهما مالٌ وثُلُثان، فلهما رُبعُ ذلك، وهو رُبعٌ وسُدُسٌ، وطَرِيقُها بالبَسْطِ أن تقولَ: لو كانَتا حُرَّتَيْن، فالمسألةُ من ثلاثةٍ، وإن كانت الكُبْرَى وحدَها حُرَّةً، فهى من اثْنَيْن، وكذلك إذا كانت الصُّغْرَى وحدَها حُرَّةٌ. وإن كانَتا أَمَتَيْنِ، فهى من سَهْمٍ، فتَضْرِبُ اثْنَيْن فى ثلاثةٍ، تكُنْ سِتَّة، ثم [فى الأحْوالِ الأَرْبَعةِ تَكنْ أربعةً وعشرين] (١٦) لِلْكُبْرى نصْفُ المالِ فى حالٍ ثلاثةٌ، وثُلُثُه فى حالٍ سَهْمانِ، صار لها خمسةٌ من أربعةٍ وعشرين، وللأُخْرَى مثلُ ذلك، وللعَصَبَةِ المالُ فى حالٍ، والنِّصْفُ فى حالَيْن، والثُّلُثُ فى حالٍ، وذلك أربعةَ عشرَ سَهْمًا من أربعةٍ وعشرين. ومن جَمَعَ الحُرِّيَّةَ فيهما جعل لهما النِّصْفَ والباقىَ للعَصَبَةِ. وإذا لم يكُنْ عَصَبَة نَزَلْتَهما على تقدير الرَّدِّ، فيكونُ حكمهما حُكْمَ اثْنَيْنِ نِصْفُ كل واحدٍ منهما حُرٌّ، على ما قُلْناه. ثلاثُ بَناتِ ابنٍ مُتَنازلاتٌ، نِصْفُ كلِّ واحدةٍ حُرٌّ وعَصَبةٌ، للأُولى الرُّبُعُ، وللثانيةِ السُّدُسُ؛ لأنَّها لو كانت حُرَّةً كان لها الثُّلُثُ، وللثالثةِ نِصْفُ السُّدُسِ فى (١٧) قولِ البَصْرِيِّين؛ لأنَّك تقول للسُّفْلَى: لو كانتا أمتَيْن كان لكِ النِّصْفُ، ولو كانتْ إحْداهما حُرَّةً كان لكِ السُّدُسُ، فبينهما ثُلُثٌ، فتَحْجُبُكِ العَلْياءُ عن رُبعٍ، والثانيةُ عن نِصْفِ سُدُس، فيَبْقَى لكِ سُدُسٌ لو كُنْتِ حُرَّةً، فإذا كان نِصْفُك حُرًّا، كان لك نِصْفُه. وفى التَّنْزِيل، للثالثة نِصْفُ الثُمُنِ وثُلُثُه؛ وذلك لأنَّنا لو نَزَّلْنا كلَّ واحدةٍ حُرَّةٍ وحْدَها، كان لها النِّصْفُ. فهذه ثلاثةُ أحْوالٍ من ابنيْن اثْنَين. ولو كُنّ إماءً، كان المالُ للعَصَبَةِ. ولو كُنَّ
стр. 4518
أحْرارًا كان للأُولى النِّصْفُ، وللثانية السُّدُسُ، والثُّلُثُ للعَصَبةِ. ولو كانت الأولَى والثانيةُ حُرَّتَيْنِ، فكذلك. ولو كانت الثانيةُ والثالثةُ حُرتيْن، فللثَّانية النِّصْفُ، وللثالثةِ السُّدُسُ، والثُّلُثُ للْعَصبَةِ. فهذا أربعةُ أحوالٍ، من ستةٍ ستَّة، والمسائلُ كُلّها تَدْخُل فيها، فتَضْرِبُها فى ثمانيةِ أحْوالٍ، تكُنْ ثمانيةً وأربعين، للعلْيا النِّصْفُ، فى أربعةِ أحوالٍ، اثنا عَشَرَ، وهى الرُّبُعُ، وللثَّانيةِ النّصفُ فى حالَيْن، والسُّدسُ فى حالَيْن، وهى ثمانيةٌ، وذلك هو السُّدُسُ، وللثّالثةِ النِّصْفُ فى حالٍ، والسُّدُسُ فى حالَيْن، وهى خَمْسَةٌ، وهى نِصْفُ الثُّمُنِ، وثُلثُه. وقال قومٌ: تُجمَعُ الحُرِّيَّةُ فيهنَّ، فيكونُ فيهنَّ حُرِّيَّةٌ ونِصفٌ، لهنَّ بها ثُلثٌ وربُعٌ للأولى، وللثّانيةِ رُبعانِ، وللثّالِثَةِ نِصْفُ سُدُسٍ، فإن كان معهنَّ رابعةٌ كان لها [نِصْفُ سُدُس] (١٨) آخرُ. ثلاثُ أخَواتٍ مُفتَرِقاتٍ نصفُ كُلِّ واحدةٍ حُرٌّ وأمٌّ حُرّةٌ وعمٌّ، للَّتِى من قِبَلِ الأبوين الرّبُعُ، وللَّتى من قِبَلِ الأبِ السُّدُسُ، وللَّتِى من قبلِ الأمّ نصفُ السُّدسِ، وللأُمِّ الثُّلُثُ؛ لأنَّها لا تُحْجَبُ إلَّا باثنين من الإخْوةِ والأخَواتِ، ولم تَكْمُل الحُرِّيَّةُ [فى اثْنَتَيْنِ] (١٩)، وللعَمِّ ما بَقِىَ. وهكذا لو كانت أختٌ حُرَّةٌ وأخرى نِصْفُها حُرٌّ وأمٌّ حرةٌ، فللأمّ الثّلثُ؛ لما ذكَرْناه. وقال الخَبْرِىُّ: للأُمِّ الرُّبُعُ، وحَجْبُها بالجُزْءِ، كما تُحْجَبُ بنصفِ البنتِ، والفرقُ بينهما أَنَّ الحَجْبَ بالولَدِ غَيْرُ مُقدَّرٍ، بلْ هو مُطْلَقٌ فى الولدِ والجُزءِ مِنَ الولدِ، وفى الإخوةِ مقدّرٌ باثنينِ، فلا يثبتُ بأقلَّ منهما، ولذلك لم تُحْجَبْ بالواحدِ عن شىءٍ أصْلًا. وهذا قولُ ابن اللَّبّانِ. وحَكَى القَوْلَ الأوَّلَ عن الشَّعْبىِّ، وقال: هذا غَلَطٌ. وفى البابِ اختلاف كثيرٌ، وفروعٌ قَلَّ ما تَتَّفِقُ، وقلَّ ما تجىءُ مسألة إلا ويُمْكِنُ عملُها بقياسِ ما ذكَرْناه.
١٠٤٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا مَاتَ، وخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِى يَدِهِ، وإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ، فَلَها خُمْسُ مَا فِى يَدِه)
قد ذكرْنا فى بابِ الإِقرارِ مَن يَثْبُتُ النّسَبُ بقوله، ومن لا يثبتُ، ونذكرُ ههُنا ما
стр. 4519
يَسْتَحِقُّ المُقَرُّ به من الميراثِ، إذا لم يثبتْ نَسَبُه، فنقول: إذا أقَرّ بعضُ الورثةِ بمُشارِكٍ (١) فى الميراثِ، فلم يَثْبُتْ نَسَبُه، لَزِمَ المُقِرَّ أنْ يَدْفَعَ إليه فَضْلَ ما فى يده عن ميراثِه. وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزَاعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وابنِ أبى لَيْلى، والحسَنِ بنِ صالحٍ، وشَرِيكٍ، ويحيى بن آدمَ، ووَكِيعٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأهْلِ البَصْرةِ. وقال النَّخَعىُّ، وحَمَّاد، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه: يُقاسِمُه ما فى يدِه؛ لأنَّه يقول: أنا وأنت سَواءٌ فى مِيرَاثِ أبِينا، وكأنَّ ما أخذه المُنْكِرُ تَلِفَ، أو أخَذتْه يدٌ عاديةٌ، فيسْتَوِى فيما بَقِىَ. وقال الشَّافعىُّ، رضى اللَّه عنه، وداودُ: لا يلزمُه فى الظَّاهرِ دفعُ شىءٍ إليه، وهل يلزمُه فيما بينَه وبين اللَّهِ تعالى؟ على قَوْلَيْنِ: أصَحُّهما لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لا يَرِثُ مَنْ لا يثْبُت نَسَبُه. وعلى القولِ (٢) الذى يَلزَمُه دَفْعُ شىءٍ إليه، ففى قَدْرِه وَجْهَان، كالمذْهبينِ المُتقدِّمَيْنِ. ولَنا، على الشّافعىِّ، أنَّه أقرَّ بحَقٍّ لمُدَّعِيه، يُمْكِنُ صِدْقُه فيه، ويَدُ المُقِرّ عليه، وهو مُتَمكِّن منْ دَفْعِه إليه، [فيلزمُه (٣) ذلك، كما] (٤) لو أقرّ بمُعَيَّنٍ، ولأنَّه إذا عَلِمَ أَنَّ هذا أخوه، وله (٥) ثُلُثُ التَّركِةِ، ويتعيَّنُ اسْتِحْقاقُه لها، وفى يدِه بَعْضُه وصاحبُه يطلُبه، لَزِمَه (٦) دَفْعُه إليه، وحَرُمَ عليه منعُه منه، كما فى سائِر المواضِعِ، وعَدَمُ ثبوتِ نسبِه فى الظَّاهرِ، لا يَمْنَعُ وُجوبَ دفْعِه إليه، كما لو غَصَبَه شيئًا، ولم تَقُم البَيِّنةُ بغَصْبه. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّه أقرَّ له بالفاضِلِ عن ميراثِه، فلم يَلْزَمْه أكثَرُ ممَّا أقَرَّ به، كما لو أقَرَّ له بشىءٍ مُعَيَّنٍ، ولأنَّه حَقٌّ يتعلَّقُ بمحلٍّ مُشْتَرَكٍ بإقْرارِ أحدِ الشَّرِيكَيْنِ، فلم يَلْزَمْه أكثرُ من قِسْطِه، كما لو أقرَّ أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ على العَبْدِ بجنايةٍ، فعلى هذا، إذا خَلَّفَ ابْنينِ، فأقَرَّ
стр. 4520
أحدُهما بأخٍ، فللمُقَرّ له ثُلُثُ ما فى يد المُقِرِّ، وهو سُدُسُ المالِ؛ لأنَّه يقولُ: نحن ثلاثة، لكلِّ واحدٍ منَّا الثُّلُثُ، وفى يَدِى النِّصْفُ، ففضَل فى يدِى لك السُّدُسُ، فيدْفَعُه إليه، وهو ثلثُ ما فى يدِه. وفى قولِ أبى حنيفةَ يَدْفعُ إليه نِصْفَ ما فى يَدِه، وهو الرُّبعُ، وإِنْ أقَرَّ بأختٍ دفع إليها خمسَ ما فى يدِه، يقولُ: نحن أخَوانِ وأختٌ، فلك الخُمسُ من جميعِ المالِ، وهو خُمُسُ ما فى يَدِى، وخُمُسُ ما فى يدِ أخى. فيَدْفَعُ إليها خمسَ ما فى يدِه، وفى قولِهم يدفع إليها ثُلُثَ ما فى يدِه.
فصل: وإِنْ أقَرَّ جميعُ الورثةِ بوارثٍ، أو أقَرَّ به المَيِّتُ ليَثْبُتَ نسبُه منه، ثَبَتَ نَسَبُه، سواءً كان الورثةُ واحدًا، أو جماعةً. وبهذا قال النّخعِىُّ، والشّافِعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ: لا يثبتُ نَسَبُه. والمشهورُ عن أبى يوسفَ، أنَّه لا يثبُت النّسَبُ إلا بإقْرارِ ابْنَيْنِ ذَكَرَيْنِ كانا أو أُنْثَيَيْن، عَدْلين أو غيرِ عَدْلين. ونحوُه عن مالكٍ. ورَوَى ابنُ اللَّبانِ، قال أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، عن رجلٍ من أهلِ المدينةِ، قال: جاء رجلٌ وأختُه إلى عمرَ بنِ الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومعهما صَبِىٌّ، فقالا: هذا أخُونا. فقال عمرُ: لا أُلْحِقُ بأبِيكُما مَن لم يُقِرَّ به. ولَنا، أَنَّ [عَبْدَ بن زَمْعَةَ] (٧) ادّعى نَسَبَ ولدِ (٨) وليدَةِ أبيه، وقال: هذا أخى، وُلِدَ على فِراشِ أبى. فَقَبِلَ النّبِىُّ ﷺ قولَه، وأثبتَ النّسَبَ به (٩). ولأنَّ الوارِثَ يقومُ مَقامَ مَوْروثه، بدليلِ أنَّه يثْبُتُ باعْترافِه ما يَثْبُت باعْترافِ الموروثِ على نفسِه من الدَّيْنِ، وغيرِه، كذا النّسب، ولأنَّ الوارثَ يخْلُف المَوْرُوثَ فى حقوقِه، وهذا منها. ولا خلافَ بينهم فى وُجوبِ دَفْعِ ميراثِه إليه، إلَّا أنْ يكونَ المُقَرُّ به يُسْقِطُ المُقِرَّ، كأخٍ يُمرُّ بابن، أو ابنِ ابنٍ، أو أخٍ من أبٍ
стр. 4521
يُقِرُّ بأخٍ من أُبَوَيْن، فإنَّ الشَّافعىَّ فى ظاهرِ مَذْهبِه أثْبَتَ النَّسبَ، ولم يُورِّثْه؛ لئَلَّا يكونَ إقرارًا من غيرِ وارثٍ، فثُبوتُ ميراثِه يُفْضِى إلى سُقُوطِ نسَبِه وميراثِه. ولَنا، أنَّه إقرارٌ من كلِّ الورَثَةِ، يثْبُتُ (١٠) به النَّسَبُ بمن يَرِثُ، لو ثبتَ نَسَبُه بغيرِ إقْرارِه، فيجبُ أنْ يَرِثَ، كما لو لم يُسْقِطْه، ولأنَّه ابنٌ ثابتُ النَّسَبِ، لم يَمْنَعْ إرْثَهَ مانِعٌ مُتَّفَقٌ عليه، أشْبهَ ما لو ثبَت ببيِّنةٍ، والاعْتبارُ بكَوْنِه وارثًا حالَةَ الإقرارِ، أو بكَوْنِه وارثًا لولا الإِقرارُ، بدليلِ أنَّه لو اعْتُبِرَ الحالُ الثَّانى، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ، إذا أقَرَّ بمُشاركٍ فى الميراثِ؛ لأنَّه يكونُ إقرارًا من بعضِ الوَرَثةِ، فإن قالوا: إنَّما ثَبتَ؛ لأنَّ المُقَرَّ به أيضًا مُقِرٌّ بنفسِه مُدَّعٍ لنَسَبِه. قُلْنا: وههُنا مِثْلُه، فاسْتَويا.
فصل: إذا خلَّف ابنا واحدًا، فأقَرَّ بأخٍ من أبيه، دَفَع إليه نصْفَ ما فى يده. فى قولِ الجميعِ. فإنْ أقَرَّ بَعدَه (١١) بآخَر، فاتَّفقا عليه، دفَعا إليه ثُلُثَ ما فى أيْدِيهما. فى قولِ الجميعِ. فإنْ أنكَرَ المُقَرُّ به ثانيًا الْمُقَرَّ به فى (١٢) الأوَّلِ، لم يثْبُتْ نَسَبُه. قال القاضي: هذا مَثَلٌ للعامَّةِ، تقول: أَدْخِلْنِى أُخْرِجْكَ. وليس له أن يأْخُذَ أكثرَ من ثُلُثِ ما فى أيْدِيهما؛ لأنَّه لم يُقِرَّ له بأكثرَ منه. وقال الشّافعىُّ: يَلْزَمُ المُقِر أنْ يَغرَمَ له نصفَ التَّركَةِ؛ لأنَّه أتْلَفه عليه بإقْرارِه الأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَبْطُلَ نسَبُ الأوَّلِ؛ لأنَّه ثبتَ بقولِ مَن هو كُلُّ الورَثةِ حالَ الإِقْرارِ. وإن لم يُصدِّق المُقَرُّ (١٢) به الأوَّلُ بالثَّانِى، لم يثْبُتْ نسبُه، ويدْفَعُ إليه المُقِرُّ ثُلُثَ ما بَقِىَ فى يدِه؛ لأنَّه الفضلُ الذى فى يده. ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه دفعُ ثُلُثِ جميعِ المالِ؛ لأنَّه فَوَّته عليه بدَفعِ النِّصْفِ إلى الأوَّلِ، وهو يُقِرُّ أنَّه لا يسْتَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ. وسواءٌ دفَعه إليه بحُكْمِ الحاكم، أو بغيرِ حُكْمِه؛ لأنَّ إقْرارَه عِلَّةُ حُكمِ الحاكمِ. وسواءٌ عَلِمَ بالحالِ عنْدَ إقرارِه الأوَّلِ، أو لم يَعْلَم؛ لأنَّ العَمْدَ والخطَأ واحدٌ فى ضَمانِ ما
стр. 4522
يَتْلَف. وحكى نحوُ هذا عن شَرِيك، ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ عَلِمَ بالثّانى حينَ أقرَّ بالأوَّلِ، وعلم أنَّه إذا أقرَّ به بعَد الأوَّلِ، لا يُقْبَلُ، ضَمِنَ؛ لتَفويتهِ حقَّ غيرِه بتَفْريطِه، وإنْ لم يَعْلم، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه (١٣) يجبُ عليه الإقرارُ بالأوَّلِ إذا عَلِمه، ولا يُحْوِجُه إلى حاكمِ، ومنْ فَعَلَ الواجِبَ فقدْ أحْسَنَ، وليس بخائنٍ، فلا يَضْمَنُ. وقيل: هذا قياسُ قولِ الشّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الدَّفْعُ بحُكْمِ حاكمٍ، دفَع إلى الثَّانى نِصْفَ ما بَقِىَ فى يدِه؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكمِ كالأخْذِ منه كَرْهًا، وإِنْ دفَعه بغيرِ حاكمٍ، دَفَعَ إلى الثّانى ثُلُثَ جميعِ المالِ؛ لأنَّه دفعَ إلى الأوَّلِ ما ليس له تبرُّعًا. ولَنا على الأوَّلِ، أنَّه أقرَّ بما يجبُ عليه الإِقرارُ به، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو قَطَعَ الإمامُ يدَ السَّارِقِ، فسَرى إلى نفسِه. وإِنْ أقرَّ بعدَهما بثالثٍ، فصدَّقاه؛ ثبت نسبُه، وأخَذ رُبُعَ ما فى يد كلِّ واحدٍ منهم، إذا كان مع كلِّ واحدٍ ثُلُثُ المالِ، وإنْ كذَّباه، لم يثبُتْ نسَبُه، وأخذ رُبُعَ ما فى يدِ المُقَرِّ به، وفى ضمانِه له ما زادَ التفصيلُ فى التى قبلها. وعلى مثْلِ قولِنا قال ابنُ أبى لَيْلى، وأهلُ المدينةِ، وبعضُ أهلِ البَصْرةِ.
فصل: ومتى أرَدْتَ مَعْرِفةَ الفضلِ، فاضرِبْ مسألةَ الإِقرارِ فى مسألةِ الإِنْكارِ، ثم تَضْربُ ما للمُقِرِّ من مسألةِ الإِقرارِ فى مسألةِ الإِنكارِ، إذا كانتا مُتَبايِنَتَيْنِ، وتضْربُ ما للمُنْكِرِ فى مسألةِ الإِنكارِ فى مسألةِ الإِقْرارِ، فما كان بينهما فهو الفضْلُ. فإنْ لم يكُن فى يده فَضْلٌ، فلا شىءَ للمُقَرِّ له، كثلاثةِ إخْوةٍ مُفْتَرِقين، أقَرَّ الأخُ من الأمِّ بأخٍ أو أختٍ، فلا شىءَ للمُقَرِّ له؛ لأنَّه على غيرِه، وسواءٌ أقرَّ بأخٍ من أمٍّ أو غيرِه. وعِنْدَ أبى حنيفةَ، إنْ أقَرَّ بأخٍ من أُمٍّ، فله نِصْفُ ما فى يده، وإِنْ أقرَّ بأَخٍ منْ أبَوَيْن، فللمُقَرِّ به خمسةُ أسْباع ما فى يدِه. وإن كُنَّ ثلاثَ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فأقرَّت الأختُ من الأُمِّ بأخٍ، فَإنْ كان فى المسألةِ عَصَبَةٌ، فلا شىءَ له، وإنْ لم يكُنْ فها عَصَبَةٌ، فله سُدُسُ ما بَقِىَ فى يدها؛ لأنَّ مسألةَ الإِنكارِ من خمسةِ، والإِقرارِ من سِتَّةٍ، إذا ضَرَبْتَ إحْداهما فى الأُخْرَى، كانتْ ثلاثين،
стр. 4523
لها سهمٌ من مسألةِ الإِنْكارِ، فى مسألةِ الإِقْرارِ، سِتَّةٌ، ولها فى الإِقرارِ خمسةٌ، يفضُل فى يدِها سهمٌ، فهو للأخِ من أىِّ جهةٍ كان. وإن أقرَّت الأُخْتُ من الأبِ بأخٍ لها، صحَّتْ من تسعين، لها عَشَرةٌ، ويفضُل لأخيها ثمانيةٌ. وإِنْ أقرَّت بأخٍ من أبَوَين، دَفعَتْ إليه جميعَ ما فى يدها. وإِنْ أقرّتْ بأخٍ من أمٍّ، أو بأمٍّ للميّتِ، أو جَدّةٍ، أو بِعَصَبَةٍ، فله سُدُسُ ما فى يَدِها. وإِنْ خَلَّفَ أرْبَعَ أخواتٍ من أب، وعَمًّا، فأقَرَّ الأخَواتُ بأخٍ لهنَّ، فلا شىءَ له، وإِنْ أقْرَرْنَ بأخْتٍ من أبَوَيْن، دفعنَ إليها ثلاثةَ أَرْباعِ ما فى أيديهنَّ. وإِنْ أقْرَرْنَ بأختٍ من أبٍ، فلها خُمُسُ ما فى أيْدِيهنَّ، وأيَّتُهُنَّ أقرَّتْ وحدَها، دفعَت إليها ممَّا فى يدِها بقَدْرِ ذلك. وإِنْ أقرَّتْ إحْداهُنَّ بأخٍ وأختٍ، فمسألةُ الإِقرارِ من سبعةٍ، والإِنكارِ من ستَّةٍ، تضربُ إحْداهما فى الأُخْرى، تكُنِ اثْنينِ وأربعينَ، لها سهمٌ فى ستَّةٍ، وفى يدها سبعةٌ، يفضُل فى يدِها سهمٌ لهما. وإِنْ أقَرَّ الأرْبعُ بهما فضَلَ لهما أربعةُ أسْهُمٍ، فإنْ كان المُقَرُّ بهما يَتَصادقانِ، اقْتَسماها بينهم أثلاثًا، فإن تجاحَدا، فلا شىْءَ للأخِ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّه لا حقَّ له فى الثُّلُثَيْنِ، ويكونُ المُقَرُّ به للأُخْتِ؛ لأنَّها تَدَّعى خُمسَ الثُّلُثين، وإِنْ جَحَدَتْه، ولم يَجْحَدْها، لم يُلْتفَتْ إلى جَحْدِها، لإِقْرارِ الأخَواتِ المعروفاتِ به (١٤)، وإن جَحَدها، ولم تجحَدْه، احْتَمَلَ أن يكونَ المُقَرُّ به لها، لإِقرارِه بأنَّه لا يسْتَحِقُّ شيئًا من الثُّلُثينِ، وكونِها تدَّعِى من الثُّلُثينِ مثلَ هذه الفَضْلةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تسْتحِقَّ إلَّا ثُلُثَ أرْبَعةِ الأسْهُمِ (١٥)، لإِقرْارِها بها للأخِ. والأوَّلُ أوْلَى، إنْ شاءَ اللَّه تعالى. وإِنْ أقَرَّ العمُّ بأُخْتٍ، أو أخَواتٍ من أبٍ، أو أبَوَين، فلا شىءَ لهم. وإنْ أقرَّ بأخٍ، أو أختٍ من أُمٍّ، أو بأُمٍّ، أو جَدَّةٍ، فللمُقَرِّ له السُّدُسُ. وإِنْ أقرَّ بأخٍ من أبَوَيْنِ، أو من أبٍ، أو بابْنَيْن من ولدِ الأُمِّ، فلهم جميعُ ما فى يدِه. وإِنْ خلَّف أُمًّا، وأخًا من أبَوَيْن، فأقرَّتِ الأُمُّ بأخٍ من أُمٍّ، أو من أبَوَين، فله السُّدُسُ، وهو نصفُ ما فى يدِها. وإنْ أقرَّتْ بأخٍ من أبٍ، فصدَّقها الأخُ من
стр. 4524
الأبَوَيْن، فله السُّدُسُ، وهو نِصْفُ ما فى يدها، ولا شَىْءَ للمُقَرِّ به (١٦)، وإِنْ لم يُصَدِّقْها، فقد أقرت له بما لا يدَّعِيه، فيَحْتَمِلُ أنْ يُقَرَّ فى يَدِها، ولا يَصحُّ إقْرارُها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَصْطَلِحا عليه؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ عنهما، وقد أشْكَلَ أمْرُه، ويَحْتمِلُ أنْ يكونَ لبيتِ المالِ؛ لأنَّه مالٌ لم يثْبُتْ له مُسْتَحِقٌّ ولا يدَّعِيه أحدٌ. فإنْ أقرَّ الأخُ بأخٍ له من أبوَيْن، فله ثلاثةُ أثمانِ ما فى يده؛ لأنَّ مسألةَ الإِقْرارِ من اثْنى عَشَرَ، له منها خمسةٌ، وفى يدِه ثمانيةٌ، فالفاضِلُ فى يدِه ثلاثةٌ.
فصل: إذا خَلَّف ابْنَيْن، فأقَرَّ الأكْبرُ بأخَوَيْن، فصدَّقَه الأصْغَرُ فى أحدِهما، ثبَت نسبُ المُتَّفَقِ عليه، فصاروا ثلاثةً، فمَسْألةُ [الإقْرارِ (١٧) إذًا من ثلاثةٍ، ومسألةُ الإِنْكارِ (١٨) من أربعةٍ، فتضْرِبُ مسْألةَ] (١٩) الإقْرارِ فى مَسْألةِ الإِنكارِ، تكُنِ اثْنَى عَشَرَ، للأصْغَرِ سَهْمٌ، من مسألةِ الإِنْكارِ فى مسألةِ الإِقرارِ، أربعةٌ، وللأكبرِ سَهْمٌ فى مسألةِ الإِنكارِ، ثلاثةٌ، وللمتَّفَقِ عليه إنْ أقَرَّ بصاحِبِه مثلُ سهمِ الأكْبَرِ، وإِنْ أنْكرَ مثلُ سهمِ الأصْغَرِ. وذكر أبو الخطّابِ أنَّ المتّفَقَ عليه إن صدَّقَ بصاحبِه. لم يأخذْ من المُنْكِرِ إلَّا رُبُعَ ما فى يدِه؛ لأنَّه لا يدَّعِى أكثرَ منه، ويأخذُ هو والمختلَفُ فيه من الأكْبَرِ نِصْفَ ما بيدِه، فتصِحُّ من ثمانيةٍ؛ للمُنْكِرِ ثلاثَةُ أثمانٍ، وللمُقِرِّ سهمانِ، وللمُتَّفَقِ عليه سهمانِ، وللآخَرِ سَهْمٌ. وذكرَ ابنُ اللَّبَّانِ أنَّ هذا قياسُ قولِ مالكٍ، والشَّافعىِّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وفى هذا نَظَرٌ؛ لأنَّ المُنْكِرَ يُقِرُّ أنَّه لا يَسْتَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ، وقد حضرَ مَنْ يَدَّعِى الزِّيادةَ، فوجَبَ دَفْعُها إليه، ونظيرُ هذا ما لو ادَّعَى إنسانٌ دارًا فى يدِ رجلٍ، فأقَرَّ بها لغيرِه، فقال المُقَرُّ له: إنَّما هى لهذا المدَّعِى. فإنَّها تُدْفَعُ إليه. وقد ردَّ الْخَبْرِىُّ على ابن اللَّبَّانِ هذا القولَ، وقال: على هذا يَبْقَى مع المُنْكِرِ ثلاثةُ أثمانٍ، وهو لا يدَّعى إلَّا
стр. 4525
الثُّلُثَ، وقد حَضَرَ مَنْ يدّعِى هذه الزّيادةَ، ولا مُنازِعَ له فيها، فيجبُ دَفْعُها إليه. قال: والصَّحيحُ أنْ يَضُمَّ المُتَّفَقُ عليه السُّدُسَ الذى يأخذُه من المُقَرِّ به، فيَضُمَّه إلى النِّصْفِ الذى بيدِ المُقَرِّ بهما، فيقْسِمَانِه أثلاثًا، وتصِحُّ من تِسْعةٍ؛ للمُنْكِرِ ثلاثةٌ، ولكلِّ واحدٍ من الآخَرَيْن سهمان. وهذا قولُ أبى يوسف إذ تَصادَقا، ولا يَسْتَقِيمُ (٢٠) هذا على قولِ مَنْ لم يُلزمْ المُقِرَّ أكثرَ مِن الفَضْلِ عن ميراثِه؛ لأنَّ المُقَرَّ بهِما، والمُتَّفَق عليه، لا ينقُصُ ميراثُه عن الرُّبُعِ، ولم يحصُلْ له على هذا القول إلَّا التُّسْعانِ. وقيل: يَدْفَعُ الأكبرُ إليهما نِصْفَ ما فى يدِه، ويأخذُ المُتَّفَقُ عليه من الأصْغرِ ثُلُثَ ما فى يدِه، فيحْصُلُ للأصْغرِ الثُّلُثُ، وللأكْبرِ الرُّبُعُ، للمُتَّفَق عليه السُّدُسُ والثُّمنُ، وللمُخْتَلَفِ فيه الثُّمُنُ، وتصحُّ من أربعةٍ وعشرين، للأصْغرِ ثمانيةٌ، وللمُتَّفَقِ عليه سبعةٌ، وللأكبرِ سِتةٌ، وللمُخْتَلَفِ فيه ثلاثةٌ. وفيها أقوالٌ كثيرةٌ سِوَى هذا.
فصل: إذَا خَلَّفَ ابنًا، فأقَرَّ بأخَوين دَفْعةً واحدةً، فتَصادَقا، ثبَت نَسَبُهما. وإِنْ تجاحَدا، فكذلك فى أحدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّ نسبَهما ثَبتَ بإقرارِ من هو كُلُّ الورَثةِ قَبْلَهما. وفى الآخرِ، لا يثبتُ؛ لأنَّ الإِقْرارَ بكلِّ واحدٍ منهما لم يصْدُرْ من كلِّ الورثةِ، ويَدْفَعُ إلى كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثَ ما فى يدِه. وإِنْ صَدّقَ أحدُهما بصاحبِه، وجَحَدَه الآخَرُ، ثبتَ نسبُ المُتَّفَقِ عليه، وفى الآخرِ وجهان. ويَدْفَعُ إلى كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثَ ما بِقىَ فى يدِه.
فصل: ولو خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِين، فأقَرَّ أحدُهم بأخٍ، وأُخْتٍ، فصدَّقَه أحدُ أخَوَيْه فى الأَخِ، والآخَرُ فى الأخْتِ، لم يثبتْ نسَبُهما، ويَدْفَعُ المُقِرُّ بهما إليهما ثُلُثَ ما فى يدِه، ويَدْفعُ المُقِرُّ بالأخِ إليه رُبُعَ ما فى يدِه، ويَدْفَعُ المُقِرُّ بالأختِ إليهما سُبُعَ ما فى يدِه، فأصلُ المسألةِ ثلاثةُ أسْهُمٍ؛ سهمُ المُقِرِّ يُقْسَمُ بينه وبينهما على تِسْعةٍ، فله سِتّةٌ، ولهما ثلاثةٌ، وسهمُ المُقِرِّ بالأخِ بينهما على أربعةٍ، له ثلاثةٌ ولأخيه سهمٌ، وسَهْمُ المُقِرِّ بالأُخْتِ بينه
стр. 4526
وبينها (٢١) على سَبْعةٍ (٢٢)، له سِتَّةٌ (٢٣)، ولها سَهْمٌ، وكلُّها متباينة، فاضرِبْ أرْبعةً فى سبعةٍ، فى تِسْعَةٍ، فى أصْلِ المسْألَةِ، تكنْ سَبْعَمائة وسِتَّة وخَمْسينَ، للمُقِرِّ بهما سِتّةٌ، فى أربعةٍ، فى سَبْعةٍ، مائةٌ وثمانيةٌ وستون، وللمُقِرِّ بالأخْتِ سِتّةٌ، فى أرْبعةٍ، فى تِسْعةٍ، مائتان وسِتَّةَ عَشَرَ، وللمُقِرِّ بالأخِ ثلاثة، فى سَبْعةٍ، فى تِسْعةٍ، مائةٌ وتِسْعةٌ وثمانون، وللأخِ المُقَرِّ به سهمانِ، فى أرْبعةٍ، فى سَبْعةٍ، سِتةٌ وخمسون، وسهمٌ فى سبعةٍ (٢٢)، فى تِسْعةٍ، ثلاثةٌ وسِتّون، فيجْتَمعُ له مائةٌ وتِسْعَةَ عَشَرَ، وللأخْتِ سهمٌ، فى أرْبعةٍ، فى سَبْعةٍ، ثمانيةٌ وعشرون، وسهمٌ فى أرْبعةٍ، فى تِسْعةٍ، ستَّةٌ وثلاثون، يَجْتَمِعُ لها أرْبعةٌ وسِتّون، ولا فَرْقَ بينَ تصَادُقِهما، وتجاحُدِهما؛ لأنَّه لا فضْلَ فى يدِ أحدِهما عن ميراثهِ. ولو كان فى هذه المسْألةِ ابنٌ رابعٌ، لم يُصدِّقْه فى واحدٍ منهما، كان أصْلُ المسْألةِ من أربعةِ (٢٤) أسْهُمٍ، على أحَدَ عَشَرَ، وسَهْمٍ على تِسْعةٍ، وسَهْمٍ على خَمْسةٍ، وسَهْمٍ يَنْفرِدُ به الجاحِدُ، فتصِحُّ المسألةُ منْ ألفٍ وتِسْعِمائةٍ وثمانين سهمًا، وطريقُ العَمَلِ فيها كالتى قَبْلَها.
فصل: إذا خلَّفَ بنْتًا وأخْتًا، فأقرَّتا لصغيرةٍ، فقالتِ البِنْتُ: هى أُخْتٌ. وقالتِ الأخْتُ: هى بنتٌ. فلها ثلُثُ ما فى يدِ الأخْتِ لا غيرُ. وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلى، ولمحمّدِ بنِ الحسَنِ، واللُّوْلُؤىِّ، ويحيى بن آدمَ، تخْبِيطٌ كثيرٌ، يطُولُ ذِكْرُه. وإِنْ خَلَّفَ امرأةً وبنتًا وأخْتًا، فأقْرَرْنَ بصغيرةٍ، فقالتِ المرأة: هى امرأةٌ. وقالتِ البنتُ: هى بنتٌ. وقال الأختُ: هى أُخْتٌ. فقال الْخَبْرِىُّ: تُعْطَى ثُلُثَ المالِ؛ لأنَّه أكثرُ ما يُمْكِنُ أنْ يكونَ لها، ويُؤْخَذُ من المُقِرَّاتِ على حَسَبِ إقْرارِهنَّ، وقد أقرّتْ لها البنْتُ بأربعةِ أسْهمٍ من أربعةٍ وعشرين، وأقرّتْ لها الأختُ بأرْبعةٍ ونِصْفٍ، وأقرّتِ المرأةُ بسهْمٍ ونصفٍ،
стр. 4527
وذلك عَشَرَةُ أسْهُمٍ، لها (٢٥) منها ثمانيةٌ، وهى أربعةُ أخماسِها، فخُذْ لها من كلِّ واحدةٍ أربعةَ أخْماس ما أقرّتْ لها به، واضْربِ المسْألةَ فى خَمْسةٍ، تكُنْ مائةً وعشرين، ومنها تَصِحُّ، فإذا بلَغَتِ الصَّغِيرةُ، فصدَّقت إحداهُنَّ، أخذَتْ منها تمامَ ما أقرَّتْ لها به، ورَدَّتْ على الباقِيَتَيْنِ ما أخذَتْه ممَّا لا تَسْتَحِقُّه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: يُؤْخَذُ لها من (٢٦) كلِّ واحدةٍ ما أقرّتْ لها به. وإذا بلَغَتْ فصدَّقتْ إحْداهُنَّ، أمْسَكتْ ما أُخِذَ لها منها، وردَّت على الباقِيَتَيْن الفَضْلَ الذى لا تَسْتَحِقُّه عليهما (٢٧)، وهذا القولُ أصْوَبُ، إنْ شاء اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ فيه احْتياطًا على حَقِّها. ثلاثةُ إخْوةٍ لأبٍ، ادَّعَتِ امرأةٌ أنَّها أُخْتُ المَيِّتِ لأبيه وأمّه، فصَدَّقها الأكبرُ، وقال الأوْسَطُ: هى أختٌ لأُمٍّ. وقال الأصْغَرُ: هى أختٌ لأبٍ. فإنَّ الأكْبَرَ يَدْفَعُ إليها نِصْفَ ما فى يدِه، ويدفعُ إليها الأوْسَطُ سُدُسَ ما فى يدِه، ويَدْفعُ إليها الأصْغَرُ سُبُعَ ما فى يدِه، وتَصِحُّ من مائةٍ وسِتّةٍ وعِشْرين؛ لأنَّ أصْلَ مسألتِهم ثلاثةٌ، فمسألةُ الأكْبرِ من اثْنَيْن، والثَّانى من سِتَّةٍ، والثّالثِ من سبْعةٍ، والاثْنانِ تدخُل فى السِّتَّةِ، فتَضْرِبُ سِتَّةً فى سَبْعَةٍ، تكُنِ اثْنينِ وأربعين، فهذا ما فى يدِ كلِّ واحدٍ منهم، فتأخذُ من أكبرِ نِصْفَه أحَدًا (٢٨) وعِشْرين، ومن الأوْسطِ سُدُسَه سبعةً، ومن الأصْغرِ سُبْعَه سِتَّةً، صار لها أربعةٌ وثلاثون. وهذا قياسُ قولِ ابنِ أبى لَيْلَى. وفى قولِ أبى حنيفةَ تأخذُ سُبُعَ ما فى يدِ الأصْغرِ، فيُضَمُّ نِصْفُه إلى ما بيدِ أحدِهما، ونِصْفُه إلى ما بيد الآخَرِ، ويُقاسِمُ الأوْسَطَ على ثَلَاثةَ عَشَرَ، له عَشَرةٌ، ولها ثلاثةٌ، فيَضُمُّ الثلَاثة إلى ما بيدِ الأكْبرِ، ويُقاسِمهُ ما بيدِه على أرْبعةٍ، لها ثلاثةٌ، وله سَهْمٌ، فاجْعَلْ فى يد الأصغرِ أربعةَ عَشَرَ؛ ليكونَ لسُبُعِه نِصْفٌ صحيحٌ، واضْرِبْها فى ثلَاثَةَ عَشَرَ، تكُنْ مائةً واثنين وثمانين، فهذا ما بيدِ كلِّ واحدٍ منهم، تأخُذُ من
стр. 4528
الأصْغرِ سُبُعَه، وهو ستّةٌ وعشرون، تُضَمُّ إلى ما بيدِ كلِّ واحدٍ من إخوتِه ثلاثةَ عَشَرَ، فيصيرُ معه (٢٩) مائةٌ وخمسةٌ وتسعون، وتأْخُذُ من الأوْسطِ منها ثلاثةً من ثلَاثَةَ عَشَرَ، وهى خمسةٌ وأربعون، تضُمُّها إلى ما بيدِ الأكْبَرِ، يصير معه مائتان وأربعون، فتأخذُ ثلاثةَ أرْباعِها، وهى مائةٌ وثمانون، ويَبْقَى له ستون، ويَبْقَى للأوْسطِ مائةٌ وخمسون، وللأصْغَرِ مائةٌ وستةٌ وخمسون، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى سُدُسِها، وهو أحدٌ وتسعون.
فصل: وإذا خَلَّفَ ابنًا، فأقَرَّ بأخٍ، ثم جَحَدَه، لم يُقْبَلْ جَحْدُه، ولَزِمَه أَنْ يَدْفَعَ إليه نِصْفَ ما بيدِه. فإنْ أقرّ بعدَ جَحْدِه بآخرَ، احْتَمَلَ أنْ لا يَلزَمَه له شىءٌ؛ لأنَّه لا فَضْلَ فى يدِه عنْ مِيراثِه. وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلَى. فإنْ كان لم يدْفَعْ إلى الأَوَّلِ شيئًا، لَزِمَه أنْ يَدْفَعَ إليه نِصْفَ ما بيدِه، ولا يَلْزَمُه للآخَرِ شىءٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه دَفْعُ النّصْفِ الباقى كلِّه إلى الثانى؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه. وهذا قولُ زُفرَ، وبعض البَصْرِيِّين. ويَحْتَمِلُ أن يلزمَه ثُلُث ما فى يدِه للثَّانى؛ لأنَّه الفضْلُ الذى فى يدِه، على تَقْديرِ كَوْنِهم ثلاثةً، فيصير كما لو أقرّ بالثانى (٣٠) مِنْ غيرِ جَحْدِ الأوَّلِ. وهذا أحدُ الوُجوهِ لأصْحابِ الشافعىِّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وقال أهلُ العِراقِ: إنْ كان دَفَعَ إلى الأوَّلِ بقَضاءٍ، دَفَعَ إلى الثّانى نِصْفَ ما بَقِىَ فى يدِه، وإن كان دَفَعَه بغير قضاءٍ، دَفَعَ إلى الثّانى ثُلُثَ جميعِ المالِ. وإن خَلَّفَ ابنين، فأقَرَّ أحَدُهما بأخٍ، ثم جَحَدَه، ثم أقَرَّ بآخَرَ، لم يلزَمْه للثَّانى شىءٌ؛ لأنَّه لا فَضْلَ فى يدِه. وعلى الاحْتمالِ الثانى يَدْفَعُ إليه نِصْفَ ما بَقِىَ فى يدِه. على الثّالِثِ يلزمُه رُبُعُ ما بَقِىَ فى يدِه. ولا يَثْبُتُ نسبُ واحدٍ منهما فى هذه الصورةِ، ويثبتُ نسبُ المُقَرِّ به الأوَّلِ فى المسألةِ الأُولَى، دون الثانى.
فصل: إذا مات رجلٌ، وخَلَّفَ ابنين، فمات أَحَدُهما، وترك بنْتًا، فأقرَّ الباقى بأخٍ له من أبيه، ففى يدِه ثلاثةُ أرْباعِ المالِ، وهو يَزْعُمُ أَنَّ له رُبُعًا، وسُدُسًا، فيفْضُلُ فى يدِه
стр. 4529
ثُلُثٌ يُردُه على المُقَرِّ به. وإِنْ أقرَّت به البِنْتُ وَحْدَها، ففى يدِها الرُّبُعُ، وهى تَزْعُمُ أنَّ لها السُّدُسَ، يفْضُلُ فى يدِها نِصْفُ السُّدُس، تدْفَعُه إلى المُقَرِّ له. وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلَى. وقال أبو حنيفةَ: إنْ أقَرَّ الأخُ، دَفَعَ إليه نِصْفَ ما فى يدِه، وإِنْ أقرَّتِ البنتُ، دَفعتْ إليه خَمْسَةَ أسباعِ ما فى يدِها؛ لأنَّها تَزْعُمُ أنّ له رُبُعًا، وسُدُسًا، وهو خمسةٌ من اثنى عَشَر، ولها السُّدُسُ، وهو سهمانِ، فيصيرُ الجميعُ سَبْعةً، لها منها (٣١) سَهْمان، وله خَمْسَةٌ. بنتانِ وعمٌّ، ماتتْ إحداهما، وخلَّفتِ ابنًا وبنتًا، فأقرَّتِ البنتُ بخالةٍ، ففَرِيضةُ الإنْكارِ من تِسْعَةٍ، وفريضةُ الإِقرارِ من سبعةٍ وعشرين، ولها (٣٢) منها سَهْمان، وفى يدِها ثلاثةٌ، فَتَدْفَعُ إليها سهمًا، وإِنْ أقرَّ بها الابنُ، دَفَعَ إليها سَهْمين، وإِنْ أقَرَّتْ بها البنتُ الباقيةُ دفَعتْ إليها التُّسعَ، وإِنْ أقرّ بها العَمُّ. لم يدْفَعْ إليها شيئًا. وإِنْ أقرَّ الابنُ بخالٍ له، فمسألةُ الإِقْرارِ من اثنى عَشَرَ، له منها سَهْمان، وهما السُّدُسُ، يَفْضُلُ فى يدِه نِصْفُ تُسْعٍ. وإِنْ أقرّتْ به أخْتُه دفعتْ إليه رُبُعَ تُسعٍ، فإنْ أقرّتْ به البِنْتُ الباقيةُ فلها الرُّبُعُ، وفى (٣٣) يَدِها الثُّلُثُ، فتَدْفعُ إليه نِصْفَ السُّدُسِ، وإِنْ أقَرَّ به العمُّ دَفَع إليه جميعَ ما فى يدِه. ابنانِ، مات أحدُهما عن بنتٍ، ثمّ أقَرَّ الباقى منهما بأمٍّ لأبيه، ففَرِيضةُ الإِنْكارِ من أربعةٍ، للمُقِرِّ فيها ثلاثةُ أرْباعِها، وفريضةُ الإِقْرارِ من اثنين وسبعين، للمُقِرِّ منها أربعون، يفضُلُ فى يدِه أربعةَ عَشَرَ سهمًا، يدْفَعُها إلى المرأةِ التى أقَرَّ لها، وترجِعُ بالاخْتصارِ إلى ستَّةٍ وثلاثين؛ للمُقِرِّ منها عشرون، وللبنتِ تسعةٌ، وللمُقَرِّ لها سَبْعةٌ. ومذهبُ أبى حنيفةَ تُعْمَلُ كذلك، إلَّا أنَّه يَجْمَعُ سِهامَ الأمِّ، وهى سَبْعَةَ عَشَرَ، إلى سهامِ الْمُقِرِّ، وهى أربعون، فتقْسِم عليها ثلاثَةَ أرباعِ المالِ، فما أصابَ كلَّ واحدٍ فهو له، فتَضْرِبُ سبعةً وخمسين فى أربعة، تكُنْ مائتين وثمانيةً وعِشرين، فللبنتِ سهمٌ فى سبعةٍ وخمسين، وللمُقِرِّ أربعون فى ثلاثةٍ، تكنْ مائةً وعشرين، وللأُمِّ سَبْعَةَ عَشَرَ فى ثلاثةٍ، أحدٌ
стр. 4530
وخمسون. وإن أقرَّتْ بها البنتُ، فلها من فَرِيضةِ الإِقْرارِ خَمْسَةَ عَشَرَ سهمًا، وفى يدِها الرُّبُعُ، وهو ثمانيةَ عَشَرَ، يفضُلُ فى يدِها ثَلَاثَةٌ، تدفَعُها إلى المُقَرِّ لها. وإِنْ أقرَّ الابنُ بزَوْجةٍ لأبيه، وهى أمُّ الميِّتِ الثَّانى، فمسألةُ الإِقرارِ من ستَّةٍ وتسعين، له (٣٤) منها ستةٌ وخمسون، وفى يدِه (٣٥) ثلاثَةُ أرباعٍ، يفْضُل معه سِتَّةَ عَشَرَ سهمًا، يدْفَعُها إلى المُقَرِّ لها، ويكونُ له ستّةٌ وخمسون، ولها سِتَّةَ عَشَرَ، وللبنْتِ أربعةٌ وعشرون، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى اثنى عَشَرَ؛ لأنَّ سهامَهم كُلَّها تَتَّفِقُ بالأثْمانِ، فيكونُ للمُقِرِّ سَبْعةٌ، وللمقَرِّ لها سهمان، وللبِنْتِ ثلاثةٌ. وفى قولِ أبى حنيفة: تُضَمُّ سهامُ المُقَرِّ لها، وهى تسعةَ عَشَرَ إلى سهامِ المُقِرِّ، فتكونُ خمسةً وسبعين، وتُقْسَم عليها ثلَاثةُ الأرباعِ، وهما يتَّفِقان بالأثْلاثِ، فترْجع السِّهامُ إلى ثُلُثِها خَمْسَةٍ وعشرين (٣٦)، تَضْرِبُها فى أرْبعَةٍ، تكُنْ مائةً، للبِنْتِ سهمٌ فى خمسةٍ وعشرين، وللمرأةِ تِسْعَةَ عَشَرَ فى سهم، وللمُقِرِّ ستّةٌ وخمسون، وما جاءَ من هذا البابِ فهذا طريقٌ له. أَبوان وابنتانِ، اقتسموا التَّرِكَةَ، ثمّ أقرُّوا ببنْتٍ للميِّتِ، فقالت: قد اسْتَوْفَيْتُ نَصِيبى من تَركَةِ أبى. فالفَرِيضةُ فى الإِقْرارِ من ثمانِيَةَ عَشَرَ؛ للأبَوَيْنِ سِتَّةٌ، ولكلِّ بنتٍ أربعةٌ، فأَسْقِطْ منها نصيبَ البنتِ المُقَرِّ بها، يبْقَى أربَعَةَ عَشَرَ؛ للأبَوَيْنِ منها ستَّةٌ، وإنَّما أخذا ثُلُثَ الأربعةَ عَشَرَ، وذلك أربعةُ أسْهُمٍ وثُلُثا سَهْمٍ، فَيبْقَى لهما فى يد البِنْتين سهمٌ وثُلُثٌ، يأْخُذانِها منها، فاضْرِبْ ثلاثةً فى أربعةَ عَشَرَ، تكُنْ اثنين وأربعينَ، فقد أخذَ الأبوان أربَعَةَ عَشَرَ، وهما يسْتحِقَّان ثَمانِيَةَ عَشَرَ، يَبْقَى لهما أربعةٌ، يأخُذانِها منهما، ويَبْقَى للابنتَيْن أربعةٌ وعشرون، وإِنْ قالتْ: قد اسْتَوْفَيْتُ نِصْفَ نصيبى. فأَسْقِطْ سَهْمين من ثمانِيَةَ عَشَرَ، يَبْقَى سِتَّةَ عَشَرَ، قد أخَذا ثُلُثَها، خَمْسَةً وثُلُثًا، ويَبْقَى لهما ثُلُثا سهمٍ، فإذا ضَربْتها فى ثلاثةٍ، كانتْ ثمانيةً وأربعين، قد أخذا منها سِتَّةَ عَشَرَ، يَبْقَى لهما سَهْمان.
стр. 4531
فصل: إذا أقرَّ بعضُ الوَرَثَةِ ممَّنْ أُعِيلَتْ له المسألةُ بِمَنْ يُعصِّبُه، فيذهبُ العَوْلُ، مثلُ مسألةٍ فيها زوجٌ وأختانِ، أقرَّتْ إحْداهما بأخٍ لها، فاضْرِبْ مسألةَ الإِقْرارِ، وهى ثمانيةٌ، فى مسألة الإِنْكارِ، وهى سبعةٌ، تكُنْ سِتّةً وخمسين؛ للمُنْكِرَةِ سهمان، فى مسألةِ الإِقْرارِ سِتّةَ عَشَرَ، وللمُقِرّةِ سَهْمٌ فى مَسْألةِ الإِنكارِ سَبْعَةٌ، يفْضُلُ فى يدِها تِسْعَةُ أسهمٍ، فيُسْأَلُ الزَّوْجُ، فإنْ أنْكَرَ أُعْطِىَ ثلاثةً فى ثمانيةٍ، أربعةٌ وعشرون، ودفعتِ المُقِرَّةُ إلى المُقَرِّ له ما فَضَل فى يدِها كلّه، وإن أقرّ الزَّوْجُ به فهو يدَّعِى أربعةً، والأخُ يدَّعِى أربعةَ عَشَرَ، فتجْمَعُها تكُنْ ثمانيةَ عَشَرَ، وتَقْسِمُ عليها التّسْعَةَ، فتدفعُ إلى الزَّوْجِ سَهْمين، وإلى الأَخِ سَبْعةً، فإنْ أقرَّتِ الأخْتان به، وأنكَرَ الزَّوْجُ، وهو ينْكِرُها، ففيه ثلاثةُ أوجه؛ أحدها، أنْ تُقَرَّ فى يد مَنْ هى فى يدِه؛ لأنَّ إقرارَه بَطَلَ لعَدَمِ تصْديقِ المُقَرِّ له. والثَّانى، يَصْطَلِحُ عليها الزّوجُ والأُختان، له نِصْفُها، ولهما نِصْفُها؛ لأنَّها لا تَخْرُجُ عنهم، ولا شىْءَ فيها للأخِ؛ لأَنَّه لا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ له فيها شىءٌ بحالٍ. الثّالثُ، يُؤْخَذُ إلى بيتِ المالِ؛ لأنَّه مالٌ لم يثبُتْ له مالكٌ. ومذهبُ أبى حنيفةَ، رضِىَ اللَّهُ عنه، فى الصُّورةِ الأولى، إنْ أنكَرَ الزَّوْجُ، أخَذَتِ المُقِرّةُ سَهْمَيْها من سَبْعَةٍ، فتقْسِمُها بينها وبين أُخْتِها على ثلاثةٍ، فتضْرِبُ ثلاثةً فى سَبْعَةٍ، تكُنْ أحدًا وعشرين (٣٧)، لهما منها سِتّةٌ، لها سهمانِ، ولأخْتِها أرْبَعةٌ. وإِنْ أقَرّ الزَّوْجُ ضُمَّ سِهامُه إلى سَهْمَيْهما، تكُنْ خمسةً، واقْتَسَماها بينهم على سَبْعَةٍ؛ للزّوجِ أربعةٌ، وللأخِ سَهْمان، وللأخْتِ سهمٌ، ثم تَضْرِبُ سَبْعةً فى سبعةٍ، تكنْ تسعةً وأربعينَ، ومنها تصحُّ؛ للمُنْكِرَةِ سَهْمان فى سبعة، أربَعَةَ عَشَرَ، وللزَّوجِ أربعةٌ فى خمسةٍ، وللأخِ سهمان فى خمسةٍ، وللمقرّة سهمٌ فى خَمْسةٍ. فإنْ خلَّفت أُمًّا وزوجًا، وأختًا من أبٍ، فأقرَّتِ الأختُ بأخٍ لها، فمسألةُ الإِنكارِ من ثمانيةٍ، ومسألةُ الإِقْرارِ من ثمانيةَ عَشَرَ، ويتَّفقانِ بالأَنْصَافِ، فاضْرِبْ نِصْفَ إحْداهما فى الأُخْرَى، تكُنِ اثْنَيْن وسبعين؛ للأُمِّ ثمانيةَ عَشَرَ، وفى يد
стр. 4532
المُقِرَّةِ (٣٨) سبعةٌ وعشرون، ولها من مسْأَلةِ الإِقْرارِ ثمانيةٌ، يَفْضُلُ فى يدِها تِسْعَةَ عَشَرَ، فَيُسْأَلُ الزَّوْجُ، فإنْ أنكرَ أخذَ الأخُ سِتّةَ عَشَرَ، وبَقِيَتْ ثلاثةُ أسْهُمٍ، فيها الأوْجُهُ الثّلاثَةُ، وإن أقرَّ فهو يَدَّعِى تِسْعةً؛ لأنَّه يدَّعِى تَمامَ النصْفِ، والأخُ يدَّعِى سِتّةَ عَشَرَ، فَتَضُمُّ التِّسْعةَ إلى سِتَّةَ (٣٩) عَشَرَ، تكُنْ خمسةً وعِشْرين، والتّسْعَةَ عَشَرَ لا تُوافِقُها، فتَضْرِبُ خَمْسةً وعشرين، فى اثنين وسبعين، تكُنْ ألفًا وثمانِمائةٍ، ثم كلُّ مَنْ له شىءٌ من اثنين وسبعين، مَضْرُوبٌ فى خمسةٍ وعشرين، ومَنْ له شىءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وعشرين، مضروبٌ فى تِسْعَةَ عَشَرَ. وسُئِلَ المغيرةُ الضَّبِّىُّ عن هذه المسْأَلةِ، فأجاب بهذا، وذكرَ أَنَّه قولُ النَّخَعِىِّ. قال يحيى بنُ آدمَ: وهى فى قولِ حَمَّادٍ وأبى حنيفةَ؛ من عشرين سهمًا. يعنى للأُمِّ رُبُعُها خمسةٌ، والباقى بين الزَّوْجِ والأخِ، والأختِ، على قَدْرِ سِهامِهم من فريضَةِ الإِقْرارِ، للزَّوْج تِسْعَةٌ، وللأخِ أرْبعةٌ، وللأُخْتِ سهمان. وإِنْ صَدَّقَتْها الأمُّ وَحْدَها دونَ الزَّوْجِ، أُعْطِيَتِ الأُمُّ السُّدُسَ، والأخُ والأختُ الثّلُثَ بينهما على ثلاثةٍ، وللزَّوجِ ثلاثة أثْمانٍ، ويَبْقَى الثُّمُنُ فيه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ.
فصل: وإِنْ أقَرَّ وارثٌ بمَنْ لا يَرِثُ، ويسْقُطُ به ميراثُه، كأُخْتٍ منْ أبٍ أقَرَّتْ بأخٍ لها، فى مسْألةٍ فيها زوجٌ وأختٌ من أبوين، أو أقرّتْ بأخٍ من أبَوَيْن، سَقَطَ ميراثُها، ويُقَسَّمُ المالُ بَيْنَ الزَّوجِ والأخْتِ نِصْفَين، إنْ صدَّقاها فى الصورة الأولى، وفى الثّانية، للزَّوْجِ النّصْفُ، والباقى بينَ الأَخِ والأُخْتِ على ثلَاثَةً، وإِنْ كذَّباها، فالمُقَرُّ به هو السُّبُعُ، ففيه الأوجُهُ الثّلاثَةُ فى الصُّورةِ الأُولَى، ويَدْفَعُ إلى الأبَوَينِ فى الصُّورَةِ الثَّانيةِ. وإِنْ خَلَّفَتْ زوجًا وأُمًّا وأختين لأمٍّ وأُخْتَيْن لأبٍ، فأقَرَّتْ إحْداهما بأخٍ لها، سقطَ ميراثُها، ولا شيءَ للأخِ، وللأُخْرى خُمُسُ المالِ، والبّاقى بَيْنَ سائِر الورَثَةِ على سِتَّةٍ، إنْ أقَرُّوا فاضْرِبْ سِتّةً فى خَمْسَةٍ، تكنْ ثلاثين، وإِنْ أنْكَرتِ الأمُّ، فلها العُشُرُ أيضًا، والباقى بَيْنَ الزّوْجِ
стр. 4533
والأخْتينِ من الأُمِّ على خَمْسَةٍ، وإِنْ أنْكَرَتْهُ الأُخْتان مِنَ الأُمِّ، فلهما الخُمُسُ أيضًا، والباقى كلُّه للزَّوْجِ، وتصحُّ مِنْ عَشَرَةٍ، وإِنْ أنْكَره الزَّوْجُ فله خُمُسٌ وعُشْرُ، فَيَبْقَى خُمُسُ المالِ، لا يدعيه أحدٌ، يُقِرُّون به للأُخْتِ المُقِرَّةِ، وهى تُقِرُّ به لهم، ففيه الأوْجُه الثّلاثة، إلّا أنَّنا إذا قُلْنا: يُقَسّمُ بينهم. فلا شىءَ فيه للأُخْتِ المُنْكِرَةِ، ولا للمُقِرِّ به بحالٍ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ لهما شىءٌ بحالٍ.
فصل: امرأةٌ وعمٌّ ووَصِىٌّ لرجُلٍ بثُلُثِ مالِه، فأقَرَّتِ المرْأَةُ والعمُّ، أنَّه أخو الميِّتِ، وصدَّقهما، ثَبَتَ نَسَبُه، وأخَذَ ميراثَه. وإِنْ أقرّتْ به المرْأةُ وحْدَها، فلم يُصدِّقْها المُقَرُّ به، لم يؤَثِّرْ إقرارُها شيئًا، وإِنْ صَدَّقها الأخُ وَحْدَه، فللمرأةِ الرُّبُعُ بكَمالِه، إلَّا أنْ يُجيزَ الوصيَّةَ، وللعمِّ النِّصْفُ، ويَبْقَى الرُّبُعُ يُدْفَعُ إلى الوَصِىِّ، وإِنْ صَدَّقها العَمُّ، ولم يُصَدِّقْها الوَصِىُّ، فله الثُّلُثُ، وللمَرْأةِ الرُّبُعُ، والباقِى يُقِرُّ به العَمُّ لمن لَا يَدَّعِيه، ففيه الأوْجُهُ الثّلاثةُ. وإِنْ أقرّ به العَمُّ وَحْدَه، فصَدَّقه المُوصَى له، أخَذَ ميراثَه، وهو ثلاثَةُ أرباعِ المالِ، وللمرأةِ السُّدُسُ، ويَبْقَى نِصْفُ السُّدُس، فيَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ لها؛ لأنَّ المُوصَى له يعْتَرِفُ ببُطْلانِ الوَصِيَّةِ، أو وُقوفِها على إجازةِ المرأةِ ولم تُجِزْها، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ فيه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ، وإِنْ لم يُصدِّقْه، أَخَذَ الثّلُثَ بالوَصِيَّةِ، والمرأةُ السُّدُسَ بالميراثِ، ويَبْقَى النِّصْفُ فيه الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ.
١٠٤٣ - مسألة؛ قال: (وَالقَاتِلُ لَا يَرِثُ المَقْتُولَ، عمدًا كَانَ القَتْلُ أَوْ خَطَأً)
أجْمعَ أهْلُ العِلْمِ على أَنَّ قاتِلَ العَمْدِ لا يَرِثُ من المقْتُولِ شيئًا، إلا ما حُكِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب وابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهما وَرَّثاه، وهو رأىُ الخَوارجِ؛ لأنَّ آيةَ الميراثِ تتَناولُه بعمومِها، فيجبُ العملُ بها فيه، ولا تَعْويلَ على هذا القولِ؛ لشُذوذِه، وقيامِ الدَّليلِ على خلافِه. فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطَى دِيَةَ ابنِ قَتَادَةَ المُدْلِجِىِّ (١) لأخِيه دونَ
стр. 4534
أبيه، وكان حَذَفَه بسيْفِه فقَتَلَه. واشتَهرتْ هذه القصّةُ بَيْنَ الصّحابةِ رضى اللَّه عنهم، فلم تُنْكَرْ، فكانتْ إجماعًا، وقال عمرُ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، يقول: "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَىْءٌ" رواه مالِكٌ فى مُوَطَّئِه، والإمامُ أحمدُ بإسنْادِه (٢). ورَوى عمرو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النّبِىِّ ﷺ نحوَه. رواه ابنُ اللَّبَّانِ بإسنادِه، ورواهما ابنُ عبدِ الْبَرِّ فى "كتابِه". ورَوَى ابنُ عبّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَإنَّهُ لَا يَرِثُهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْره، وإِنْ كَانَ والِدَهُ أوْ وَلَدَهُ، فَلَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ". روَاه الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه (٣)، ولأنَّ تَوْريثَ القاتِلِ يُفْضِى إلى تكْثيرِ القَتْلِ؛ لأنَّ الوارِثَ رُبَّما استَعْجَلَ مَوْتَ مَوْرُوثِه، ليأخُذَ ماله، كما فعلَ الإسْرائيلىُّ الذى قَتَلَ عَمَّه، فأنْزلَ اللَّه تعالى فيه قصّةَ البقرةِ. ويُقال (٤): ما وُرِّثَ قاتلٌ بَعْدَ عاميلَ، وهو اسمُ القَتيلِ. فأمَّا القَتْلُ خَطَأً، فذهب كثيرٌ من أهْلِ العِلْمِ إلى أنّه لا يَرِثُ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزيد، وعبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعودٍ، وعبدِ اللَّه بنِ عَبّاسٍ، ورُوِىَ نَحْوُه عن أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال شُرَيْحٌ، وعُرْوَةُ، وطاوسٌ، وجابرُ بنُ زيد، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبىُّ، والثَّوْرِىُّ، وشَرِيكٌ، والحَسَنُ بنُ صَالحٍ، ووَكيعٌ، والشَّافِعىُّ، ويحيى بنُ آدمَ، وأصْحابُ الرَّأى. وورَّثَه قومٌ من المالِ دون الدِّيَةِ. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسيَّبِ، وعمرو بنِ شُعَيْبٍ، وعَطاءٍ، والحسَنِ، ومُجاهدٍ، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحولٍ، والأَوْزاعىِّ، وابنِ أبى ذِئْبٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ. ورُوِىَ نحوُه عن علىٍّ؛ لأنَّ ميراثَه ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ،
стр. 4535
تَخَصَّصَ قاتِلُ العَمْدِ بالإِجْماعِ، فوجَبَ البقاءُ على الظَّاهرِ فيما سِواهُ. ولَنا؛ الأحاديثُ المذكورةُ، ولأنَّ مَنْ لا يَرِثُ منَ الدِّيَةِ لا يرِثُ منْ غَيْرِها، كقاتلِ العَمْدِ، والمُخالفِ فى الدِّينِ، والعُموماتُ مُخصَّصةٌ بما ذكَرْناه.
فصل: والقتلُ المانِعُ مِنَ الإرْثِ هو القَتْلُ بِغيرِ حَقٍّ، وهو المضمونُ بِقَوَدٍ، أو دِيَةٍ، أو كفّارَةٍ، كالعَمْدِ، وشِبْهِ العَمْدِ، والخَطَأِ، وما أُجْرِىَ (٥) مُجْرَى الخطأِ؛ كالقَتْلِ بالسَّبَبَ، وقَتْلِ الصَّبِىِّ، والمجْنونِ، والنَّائمِ، وما ليس بمَضْمونٍ بشىءٍ مما ذكرْنا لم يَمْنَعِ الميراثَ؛ كالقَتْلِ قِصاصًا أو حَدًّا، أو دَفْعًا عن نفسِه، وقتْلِ العادلِ الباغِىَ، أو مَنْ قَصَدَ مَصْلَحَةَ مُوَلِّيه بما لَهُ فِعْلُه؛ مِنْ سَقْى دواءٍ، أو بَطِّ خُرَاجٍ، فماتَ. ومَنْ أَمرَه إنسانٌ عاقلٌ كبيرٌ بِبَطِّ خُرَاجِه، أو قَطْعِ سَلْعَةٍ منه، فتَلِفَ بذلك، وَرِثَه فى ظاهرِ المذْهَبِ. قال أحمدُ: إذا قَتَلَ العادِلُ الباغِىَ فى الحربِ يرِثُه. ونقل محمدُ بنُ الحَكَمِ عن أحمدَ، فى أرْبعَةٍ شَهِدوا على أُخْتِهم بالزِّنَى، فرُجِمَتْ، فَرَجَمُوا مع النَّاس: يَرِثونَها هم غيْرُ قَتَلَةٍ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، تَدُلُّ على أن القتْلَ يَمْنَعُ الميراثَ بكلِّ حالٍ، فإنَّه قال، فى روايةِ ابنيْه صالحٍ، وعبدِ اللَّهِ: لا يَرِثُ العادِلُ الباغِىَ، ولا يَرِثُ (٦) الباغِى العادلَ. وهذا يدلُّ على أَنَّ القتْلَ يَمْنَعُ الميراثَ بكلِّ حالٍ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ، أخذًا بظاهرِ لَفْظِ الحديثِ، ولأنَّهُ قاتلٌ، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ، والمجنونَ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحباه: كُلُّ قَتْل لا مأثَمَ فيهِ لا يَمْنَعُ الميراثَ، كقَتْلِ الصَّبِىِّ، والمجنونِ والنَّائمِ، والسَّاقِطِ على إنسانٍ من غيرِ اخْتيارٍ منه، وسائقِ الدَّابَّةِ، وقائدِها، وراكِبها، إذا قتَلتْ بيَدِها، أو فِيها، فإنَّه يَرِثُه؛ لأنَّه قتل غيرُ مُتَّهَمٍ فيه، ولا مَأْثمَ فيه، فأشْبَهَ القتلَ فى الحدِّ. ولَنا، على أبى حنيفةَ وأصحابِه عمومُ الأخْبارِ، خصَّصنا منها القَتْلَ الذى لا يُضْمَنُ، ففيما عَداه يَبْقَى على مُقتضاها، ولأنَّه قَتْلٌ مضمونٌ فيمنعُ الميراثَ كالخطأِ. ولَنا، على الشّافعىِّ، أنَّه فِعْلٌ مَأذونٌ فيه، فلم يَمْنَعِ الميراثَ، كما لو أطْعَمه أو سَقاه
стр. 4536
باختيارِه، فأفْضَى إلى تَلَفِه، ولأنَّه حُرِّمَ الميراثُ فى مَحَلِّ الوِفَاقِ، كيْلا يُفْضى إلى إيجادِ القَتْلِ المُحرَّمِ، وزَجْرًا عن إعْدامِ النَّفْس المعْصومةِ، وفى مَسْألتِنا حِرْمانُ الميراثِ يَمْنَعُ إقامةَ الحدودِ الواجبةِ، واستيفاءَ الحُقوق المشْروعَةِ، ولا يُفْضى إلى إيجادِ قَتلٍ مُحرَّمٍ، فهو ضِدُّ ما ثبتَ فى الأصْلِ، ولا يصحُّ القياسُ على قَتْلِ الصّبِىِّ، والمجنونِ؛ لأنَّه قتلٌ محرّمٌ، وتفويتُ نَفْسٍ مَعْصومةٍ، والتوريثُ يُفْضِى إليه، بخلافِ مَسألتِنا. إذا ثبتَ هذا، فالمشارِكُ فى القَتْلِ فى الميراثِ كالمُنْفَرِدِ به؛ لأنَّه يلْزمُه منَ الضَّمانِ بحسَبه، فلو شِهدَ على مَوْروثهِ مع جماعةٍ ظُلْمًا فقُتِل، لم يَرِثْه، وإِنْ شَهِدَ بحقٍّ، وَرثه؛ لأنَّه غيرُ مَضْمونٍ.
فصل: أربعةُ إخْوةٍ، قَتَلَ أكْبرُهم الثَّانى، ثم قَتَل الثَّالثُ الأصْغَرَ، سَقَطَ القِصاصُ عنِ الأكْبَرِ؛ لأنَّ ميراثَ الثَّانى صار للثّالِثِ والأصْغَرِ نِصْفَيْنِ، فلمَّا قتلَ الثَّالِثُ الأصْغَر لم يَرِثْه، وورثه الأكْبرُ، فرجَعَ إليه نِصْفُ دَمِ نَفْسِه، وميراثُ الأصْغرِ جميعُه، فسقَطَ عنه القِصاصُ، لميراثِه بعضَ دمِ نَفْسِه، وله القِصاصُ على (٧) الأَصْغَرِ، وَيَرِثُه فى ظاهرِ المَذْهَبِ، فإنِ اقتُصَّ منه وَرثه، وَيرِثُ إخْوتَه الثّلاثةَ. ولو أَنّ ابْنَيْن قتلَ أحَدُهما أحدَ أبَويْهِما، وهما زَوْجانِ، ثم قتلَ الآخرُ أباه الآخَرَ، سقطَ القِصاصُ عن القاتِلِ الأوَّلِ، ووجبَ على القاتلِ الثّانى؛ لأنَّ الأوَّلَ لمَّا قَتَلَ أباه، وَرِثَ مالَه ودَمَه أخوه وأُمُّه، فلَّما قَتَلَ الثَّانى أُمَّه، وَرِثَها قاتلُ الأبِ، فصار له من دَمِ نَفْسِه ثُمُنُه، فسقطَ القِصاصُ عنه لذلك، وله القِصاصُ على الآخَرِ، فإنْ قَتَلَه وَرثه فى ظاهرِ المذْهَبِ. وإن جَرَحَ (٨) أحدُهما أباه، والآخَرُ أُمَّهُ، وماتا فى حالٍ واحدةٍ، ولا وارثَ لهما سِوَاهما، فلكلِّ واحدٍ منهما مالُ الذى لم يَقْتُلْه، ولكلِّ واحدٍ منهما القِصَاصُ على صاحبِه. وكذلك لو قَتَلَ كُلُّ واحدٍ منهما أحدَ الأبَوَيْنِ، ولم يكُونا زَوْجَيْن، فلكلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على أخيه، إلَّا أَنَّه لا يُمْكِنُ أحدُهما الاسْتيفاءَ إلَّا بإبْطالِ حَقّ الآخرِ فيسْقُطانِ. وإِنْ عفا أحدُهما عن
стр. 4537
الآخَرِ، فللآخرِ قَتْلُ العافِى، ويرِثُه فى الظّاهِرِ. وإِنْ بادرَ أحدُهما فقتلَ أخاه، سَقَطَ القِصاصُ عنه، وورِثَه فى الظَّاهرِ عنه، ويَحْتملُ ألَّا يرِثَه، ويَجِبُ القِصاصُ عليه بقتْلِه، لأنَّ القِصَاصَيْن لما تسَاويا، وتعذَّرَ الجمعُ بين استيفائهما، سَقَطا، فلم يَبْقَ لهما حُكْمٌ، فيكونُ المُسْتَوفِى منهما مُعْتَدِيًا باسْتيفائِه، فلا يَرِثُ أخاه، ويجبُ القِصاصُ عليه بقتْلِه. وإِنْ أشْكَلَ كيْفيَّةُ مَوْتِ الأبوَين، وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ قَتِيلَه أوَّلُهما موتًا، خُرّجَ فى تَوْريثِهما، ما ذَكَرْناه فى الغَرْقَى، من تَوْريثِ كلِّ واحدٍ من المَيِّتيْنِ من الآخَرِ، ثم يَرِثُ كلُّ واحدٍ منهما بَعْضَ دمِ نَفْسِه، فيسْقُطُ القِصاصُ عنهما. ومن لا يَرَى ذلك، فالجوابُ فيها كالتى قبلَها. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ القِصاصُ بكلِّ حالٍ؛ للشُّبْهَةِ، وأنْ (٩) يكونَ لكلِّ واحدٍ دِيَةُ الآخرِ ومالُه.
١٠٤٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا، إلَّا أنْ يَكُونَ مُعْتَقًا، فَيَأْخُذَ مَالَهُ بِالْوَلَاءِ)
أجْمعَ أهلُ العِلْمِ على أَنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المُسْلِمَ. وقالَ جمهورُ الصَّحابةِ والفقهاءُ: لا يَرِثُ المسلمُ الكافِرَ. يُرْوَى هذا عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وأُسامةَ بنِ زيدٍ، وجابرِ بن عبدِ اللَّهِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عمرو بنُ عثمانَ (١)، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِىُّ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَمرو بنُ دينارٍ، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، ومالكٌ، والشّافِعىُّ، وعامةُ الفقهاءِ. وعليه العَمَلُ. ورُوِى عن عمرَ، ومُعاذٍ، ومعاويةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أنَّهم ورَّثوا المسلمَ من الكافرِ، ولم يُوَرِّثُوا الكافرَ من المسْلمِ. وحُكِىَ ذلك عن محمدِ بنِ الحَنفِيَّةِ، وعلىِّ بنِ الحسينِ، وسعيدِ بنِ المسيَّب، ومَسْروقٍ، وعبدِ اللَّه بن مَعْقِلٍ، والشَّعبىِّ، والنَّخَعِىِّ، ويحيى بنِ يَعْمُرَ، وإسحاقَ. وليس بموثوقٍ به عنهم. فإنّ أحمدَ قال: ليس بين النّاسِ
стр. 4538
اختلافٌ فى أَنَّ المسلمَ لا يرثُ الكافِرَ. ورُوِىَ أَنَّ يحيى بنَ يَعْمُرَ احتجَّ لقولِه، فقال: حدّثنى أبو الأسْودِ، أَنَّ مُعاذًا حدَّثه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الْإِسْلَامُ يَزِيدُ ولَا يَنْقُصُ" (٢). ولأنَّنا نَنْكِحُ نِساءَهم، ولا ينْكِحون نِسَاءَنا، فكذلك نَرِثُهم، ولا يَرِثُوننا. ولنا؛ ما رَوى أسامةُ بنُ زَيْدٍ، عنِ النّبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِم، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ". متفقٌ عليه (٣). ورَوى أبو داودَ بإسنادِه: عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبد اللَّهِ بن عَمْرو، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلّتَيْنِ شَتَّى" (٤). ولأنَّ الوِلايةَ مُنْقَطِعةٌ بينَ المسْلمِ والكافِرِ، فلم يَرِثْه، كما لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلمَ. فأمَّا حَديثُهم فيَحْتَملُ أنَّه أرادَ أَنَّ الإسلامَ يزيدُ بِمنْ يُسْلِمُ، وبما يُفْتَحُ من البلادِ لأهْلِ الإِسْلامِ، ولا يَنْقُصُ بمن يَرْتَدُّ، لقلةِ من يَرْتَدُّ، وكثْرةِ من يُسْلِمُ، وعلى أَنَّ حديثَهم مُجْملٌ، وحديثَنا مُفَسِّرٌ، وحديثَهم لم يُتَّفَقْ على صحَّتِه، وحديثَنا مُتَّفقٌ عليه، فتعيَّن تقديمُه. والصَّحيحُ عن عُمرَ، أنَّه قال: لَا نَرِثُ أَهْلَ المِلَلِ، وَلا يَرِثُونَنَا (٥). وقال فى عَمَّةِ الأشْعَثِ: يَرِثُها أهْلُ ديِنها (٥). فأمَّا المُعْتَقُ إذا خالفَ دينُه دينَ مُعْتِقِه، فسنذكره
стр. 4539
فى بابِ الوَلاءِ، إنْ شاءَ اللَّه تَعالى.
فصل: فأمَّا الكُفَّارُ فيتوارَثونَ، إذا كان دينُهم واحدًا، لا نعلمُ بينَ أهْلِ العلم فيه خلافًا، وقولُ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ" دليلٌ على أَنَّ بعْضَهم يَرِثُ بَعْضًا. وقولُه: "لَا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْن شَتَّى". دليلٌ على أنَّ أهلَ المِلّةِ الواحدةِ يَرِثُ بَعْضُهم بَعْضًا. وقولُ النّبِىِّ ﷺ : "وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ" (٦). دليلٌ عَلى أنّ عقيلًا وَرِثَ أبا طالبٍ دُونَ جَعْفرٍ، وعلىٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسْلِميْنِ، وكان عَقِيلٌ عَلى دينِ أبيه، مُقيمًا بمكةَ، فباعَ رِباعَه بمكةَ، فلذلك لما قيل للنّبِىِّ ﷺ : أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ قال: "وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ" (٦). وقال عمرُ فى عمَّةِ الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ: يَرِثُها أهْلُ دينها. فإن اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم، فاخْتَلَفَ (٧) عن أحمدَ، فرُوِىَ عنه، أَنَّ الكُفْرَ كُلَّه مِلّةٌ واحدَةٌ، يَرِثُ بعضُهم بَعْضًا. روَاه عنه حَرْبٌ، واخْتارَه الخَلَّالُ. وبه قال حَمادٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ، وداودُ؛ لأنَّ تَوْريثَ الآباءِ من الأبْناءِ، والأبْناءِ من الآباءِ، مذكورٌ فى كتاب اللَّهِ تعالى ذِكْرًا عامًّا، فلا يُتْرَكُ إلَّا فيما اسْتَثْناه الشَّرعُ، وما لم يسْتَثْنِه الشَّرْعُ يَبْقَى على العُمومِ، ولأنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٨). عامٌّ فى جميعِهم. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ الكُفرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ، لا يَرِثُ بَعْضُهم بعضًا. اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو قولُ كثيرٍ من أهْلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". ينْفى تَوارُثَهما، ويخُصُّ عمومَ الكتابِ، ولم نَسْمَعْ عن أحمدَ تصريحًا بذكرِ أقْسامِ المِلَلِ. وقال القاضى أبو يَعْلى: الكُفرُ ثلاثُ مِلَلٍ: اليهوديَّةُ، والنَّصرانيَّةُ، ودينُ مَنْ عداهم؛ لأنَّ مَنْ عَداهم يجْمَعُهم أنَّهم لا كِتابَ لهم. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وعَطاءٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، والضَّحَّاكِ، والحَكَمِ، والثَّوْرىِّ،
стр. 4540
واللَّيْثِ، وشَرِيكٍ، ومُغِيرةَ الضَّبىِّ (٩)، وابنِ أبى لَيْلَى، والحسنِ بن صالحٍ، ووكيعٍ. ورُوِىَ ذلك عن مالكٍ. ورُوِىَ عن النّخعِىِّ، والثَّوْرىِّ، القَوْلانِ معًا. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنْ يكونَ الكفرُ مِللًا كثيرةً، فتكونَ المَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وعبادةُ الأوْثانِ مِلَّةً أخرى، وعبادةُ الشَّمْسِ مِلَّةً، فلا يَرِثُ بَعْضُهم بعضًا. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، ورَبِيعةُ، وطائِفةٌ من أهْلِ المدينةِ، وأهْلُ البصْرَةِ، وإسحاقُ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ، إن شاء اللَّه تعالى؛ لقولِ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". ولأنَّ كلَّ فريقَيْنِ منهم لا مُوالاةَ بينهم، ولا اتِّفاقَ فى دينٍ، فلم يَرِثْ بعضُهم بعضًا، كالمسلمين والكُفَّارِ، والعُموماتُ فى التَّوريثِ مَخْصُوصةٌ، فيُخَصُّ منها مَحِلُّ النِّزاعِ بالخبرِ والقياس، ولأن مُخالفينا قَطَعوا التَّوْريثَ (١٠) بينَ أهْلِ الحرْبِ وأهلِ دارِ الإسلامِ، معَ اتِّفاقِهم فى الملَّةِ؛ لانْقطاعِ المُوالاةِ، فمع اخْتِلافِ المِلَّةِ أوْلَى. وقولُ مَنْ حَصَرَ المِلَّةَ بعَدَمِ الكتابِ غيرُ صحيحٍ، فإنَّ هذا وصفٌ عَدَمِىٌّ، لا يقْتَضِى حُكْمًا، ولا جَمْعًا، ثم لَابُدَّ لهذا الضّابطِ من دليلٍ يَدُلُّ على اعْتبارِه، ثم قد افْتَرقَ حُكْمُهم، فإنَّ المَجُوسَ يُقِرُّونَ بالجِزْيةِ، وغيرُهم لا يُقِرُّ بها، وهم مُخْتلِفُون فى مَعْبوداتِهم، ومُعْتَقداتِهم، وآرائِهم، يَسْتَحِلُّ بعضُهم دماءَ بعضٍ، ويكَفِّرُ بعضُهم بعضًا، فكانوا مِللًا كاليهودِ والنَّصارَى. وقد رُوِى ذلك عَنْ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فإن إسماعِيلَ بنَ أبى خالدٍ، روَى عن الشَّعْبى، عن علىٍّ ﵇، أنَّه جعلَ الكُفْرَ مِللًا مُخْتلِفةً. ولم يُعْرَفْ له مخالفٌ فى الصَّحابةِ، فيكونُ إجماعًا.
فصل: وقياسُ المذهبِ عِندى، أن المِلَّةَ الواحدةَ يتَوارَثُون، وإنِ اختلفتْ ديارُهم؛ لأنَّ العُموماتِ من النُّصوص تَقْتَضِى توريثَهم، ولم يَرِدْ بتخْصيصِهم نَصٌّ، ولا إجْماعٌ، ولا يصِحُّ فيهم قياسٌ، فيجبُ العَملُ بعمومِها. ومفهومُ قولِه ﵇:
стр. 4541
"لَا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". أَنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَتَوارَثُون. وضبطُه (١١) التوريثَ بالملَّةِ والكُفْرِ والإِسلامِ، دليلٌ على أَنَّ الاعتبار به دُونَ غيرِه، ولأنَّ مُقْتَضى التَّوْريثِ موجودٌ، فيَجِبُ العَمَلُ به، ما لم يَقُمْ دليل على تَحَقُّقِ المانِعِ. وقد نَصَّ أحمدُ فى رِوايَة الأثْرَمِ، فى من دَخَلَ إلينا بأمانٍ فقُتلَ، أنَّه يبعَثُ بِدِيته إلى مَلِكِهم حتَّى يَدْفَعَها إلى وَرَثَتِه (١٢). وقد رُوِىَ أَنَّ عمرو بنَ أُمَيَّةَ كان مع أهْلِ بئْرِ مَعُونَةَ، فسَلِم ورَجَعَ إلى المدينةِ، فوجَدَ رَجُلَيْنِ فى طَرِيقه من الْحَىِّ الذى قتَلُوهم، وكانا أتيَا النّبىَّ ﷺ فى أمانٍ، ولم يَعْلَمْ عمرٌو، فقتَلهما، فوداهُما النَّبِىِّ ﷺ (١٣). ولا شَكَّ فى أنَّه بعثَ بِديتِهما إلى أهْلِهما. وقال القاضى: قياسُ المذهبِ عندى، أنَّه لا يرثُ حَرْبِىٌّ ذِميًّا، ولا ذِمِّىٌّ حَرْبِيًّا؛ لأنَّ المُوالاةَ بينهما مُنْقَطِعةٌ، فأمَّا المُسْتَأمَنُ فيَرِثُه أهلُ الحرْب، وأهلُ دارِ الإسْلامِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أَنَّ المُسْتَأمَنَ لا يَرِثُه الذّمِّىُّ؛ لأنَّ دارَهما مختلِفةٌ. قال القاضى: ويَرِثُ أهْلُ الحرْبِ بعضُهم بعضًا، سواءٌ اتّفقتْ ديارُهم، أو اختلفتْ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا اختلفتْ ديارُهم، بحيثُ كان لكلِّ طائفةٍ مَلِكٌ، ويرَى بعضُهم قَتْلَ بَعْضٍ، لم يَتَوارَثا؛ لأنَّهم لا مُوالاةَ بينهم، أشْبَهَ أهْلَ دارِ الحربِ، فجعلوا اتِّفاقَ الدَّارِ، واخْتلافَها ضابطًا للتَّوْريثِ، وعدمِه. ولا نعلمُ فى هذا كلِّه (١٤) حُجَّةً من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، معَ مُخالفتِه لعمومِ النَّصِّ المُقْتَضِى للتَّوْريثِ، ولم يَعْتَبْروا الدِّينَ فى اتفاقِه، ولا اخْتِلافِه، مع وُرودِ الخبرِ فيه، وصِحَّةِ العبْرَةِ فيها، فإنَّ المسلمين يَرِثُ بعضُهم بعضًا، وإنِ اخْتَلَفتِ الدَّارُ بهم، فكذلك الكُفَّارَ. ولا يَرِثُ المسْلِمُ كافرًا، ولا الكافِرُ مسْلِمًا؛ لاخْتلافِ الدِّينِ بهم، وكذلك لا يَرِثُ مُخْتَلِفا الدِّينِ أحدُهما من صاحِبِه شيئًا.
стр. 4542
١٠٤٥ - مسألة؛ قال: (وَالْمُرتدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ قبلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ)
لا نعلمُ خلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ فى أنَّ المُرْتدَّ لا يَرِثُ أحدًا. وهذا قولُ مالكٍ، والشَّافِعىِّ، وأصحاب الرَّأْىِّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّه لا يَرِثُ مُسْلمًا، لقولِ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا" (١). ولا يرثُ كافرًا؛ لأنَّه يُخالِفُه فى حُكْمِ الدِّينِ؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على كُفْرِه، فلم يثْبُتْ له حُكْمُ أهْلِ الدِّينِ الذى انْتَقلَ إليه، ولهذا لا تَحِلُّ ذَبِيحتُهم، ولا نِكاحُ نِسائِهم، وإنِ انْتَقلوا إلى دينِ أهْلِ الكِتابِ. ولأنَّ المُرْتَدّ تزولُ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ له واسْتِقْرارُها، فلأَنْ لا يثْبُتُ له مِلْكٌ أوْلى. ولو ارْتَدَّ مُتَوارِثان، فمات أحدُهما، لم يَرِثْه الآخرُ، فإنَّ المُرْتَدَّ لا يَرِثُ، ولا يُورَثُ. وإِنْ رَجَعَ المُرْتَدُّ إلى الإِسْلامِ قَبْلَ قَسْمِ الميراثِ، قُسِمَ له، على ما سنذْكُره فى المسْألةِ التى بعدَها، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: والزّنْدِيقُ كالمُرْتَدِّ فيما ذكرنا. والزّنْديقُ هو الذى يُظْهِرُ الإسلامَ ويَسْتَسِرُّ بالكُفْرِ، وهو المُنافق، كان يُسَمَّى فى عَصْرِ النّبىِّ ﷺ مُنافِقًا، ويُسَمَّى اليومَ زِنْديقًا. قال أحمدُ: مالُ الزِّنْديقِ فى بَيْتِ المالِ.
فصل: إذا ارْتَدَّ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ فى الحالِ، ولم يَرِثْ أحدُهما الآخرَ، وإِنْ كانتْ رِدّتُه بَعْدَ الدُّخولِ، ففيه رِوَايتانِ؛ إحْداهما، يتَعَجَّلُ الفُرْقَةَ. والأخرى، يَقِفُ على انْقضاءِ العِدَّةِ، وأيُّهما ماتَ لم يَرِثْه الآخرُ (٢). وحكمُ رِدَّتِهما جميعا كحُكْمِ رِدَّةِ أحدِهما، فى فَسْخِ النِّكاحِ، وامْتناعِ الميراثِ. وقال أهل
стр. 4543
العراقِ: إذا ارْتَدَّ الزَّوجان معا، فهما على النِّكاحِ؛ لأنَّ دِينَهما لم يخْتلِفْ، فأشْبَها الكافِرَيْن الأصْلِيَّيْن، إلَّا أنَّهما لا يتوارَثانِ فى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ المُرْتَدَّ لا يَرِثُ المُرْتَدَّ ما داما فى دارِ الإسلام، فإن لحِقَا بدارِ الحَرْبِ تَوارَثَا؛ لأنَّ حُكْمَهما صار كحُكْمِ أهلِ دارِ الحَرْبِ. ولَنا، أنَّهما لا يتوَارَثان فى دارِ الحَرْبِ كالمسلمِ مع الكافرِ.
١٠٤٦ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ عَلى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، قُسِمَ لَهُ) .
اختلفتْ الرِّوايةُ فى مَن أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ ميراثِ مَوْرُوثِه المسلِمِ؛ فنقلَ الأثْرَمُ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ، أنَّه يَرِثُ. ورُوِىَ نحوُ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ مَسْعودٍ. وبه قال جابرُ بنُ زَيْدٍ، والحسَنُ، ومَكْحولٌ، وقتادةُ، وحُمَيْدٌ، وإياسُ بنُ معاويةَ، وإسحاقُ، فعلى هذا إنْ أسْلَم قَبْلَ قَسْمِ بَعْض المالِ وَرِثَ ممَّا بَقِىَ. وبه قال الحسنُ. ونَقَلَ أبو طالبٍ، فى مَن أسْلَمَ بَعْدَ المَوْتِ: لا يَرِثُ، قدْ وَجَبَت المواريثُ لأهْلِها. وهذا المشهورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والزُّهْرِىُّ، وسليمانُ بنُ يَسَارٍ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وأبو الزِّنادِ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشّافِعىُّ، رضِىَ اللَّهُ عنهم، وعامَّةُ الفُقهاءِ؛ لقولِ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" (١). ولأنَّ المِلْكَ قد انتقلَ بالموْتِ إلى المسلمين، فلم يُشارِكْهم مَنْ أسلمَ، كما لو اقْتَسَموا، ولأنَّ المانِعَ من الإرْثِ مُتحَقِّقٌ حالَ وُجودِ المْوتِ، فلم يَرِثْ، كما لو كان رَقِيقًا فأُعْتِقَ، أو كما لو بَقِىَ على كُفْرِه. ولنَا، قولُ النّبىِّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَىْءٍ فَهُوَ لهُ". رواه سعيدٌ (٢) من طَرِيقَيْن عن عُرْوَةَ، وابنِ أبى مُلَيْكَةَ، عنِ النّبىِّ ﷺ ، ورَوَى أبو داودَ (٣)، بإسْنادِه: عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال
стр. 4544
رسولُ اللَّه ﷺ : "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فى الجَاهِلِيَّة فَهُوَ عَلى مَا قُسِمَ، وكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلَامُ فَهُوَ عَلى قَسْمِ الإِسْلَامِ". ورَوى ابنُ عَبْدِ البرِّ، بإسنادِه فى "التَّمْهيدِ"، عن زَيْدِ بنِ قَتادَةَ العَنْبَرِىِّ، أنَّ إنْسانًا مِنْ أهْلِه ماتَ على غَيْرِ دينِ الإِسْلامِ، فَوَرثَتْهُ أُخْتِى دونِى، وكانَتْ على دينهِ، ثُمَّ إن جَدِّى أسْلَمَ، وشَهِدَ مع النَّبِىِّ ﷺ حُنَيْنًا، فَتُوفّىَ، فَلَبِثْتُ سَنَةً، وكان تَرَكَ ميراثًا، ثمّ إنَّ أُخْتى أَسْلَمَتْ، فَخاصَمَتْنِى فى الميراثِ إلى عُثْمانَ رَضِىَ اللَّه عَنْه، فحدَّثَه عَبْدُ اللَّه بنُ أَرْقمٍ، أنَّ عُمرَ قَضى أنَّه مَنْ أسْلَمَ عَلى ميراثٍ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، فلهُ نَصِيبُه، فَقَضَى به عُثمانُ، فَذَهَبَتْ بذاك الأَوَّلِ، وشارَكَتْنى فى هذا (٤). وهذه قضيةٌ انتشرتْ فلم تُنْكَرْ فكانتْ (٥) إجماعًا، ولأنَّه لو تجدَّدَ له صَيْدٌ بعدَ مَوْتِه وَقَعَ فى شَبَكَتِه التى نَصَبها فى حياتِه، لَثَبتَ له المِلْكُ فيه، ولو وَقَعَ إنسانٌ فى بئْرٍ حَفَرَها، لَتعلَّقَ ضَمانُه بِتَرِكَتِه بعدَ مَوْتِه، فجازَ أنْ يتجدّدَ حَقُّ من أسْلَمَ من وَرَثَتِه بِتَركَتِه، ترغيبًا فى الإسلامِ، وحثًّا عليه، فأمّا إذا قُسِمَتْ التَّرِكَةُ، وتعيَّنَ حَقُّ كُلِّ وارثٍ، ثُمَّ أسْلَمَ، فلا شىءَ له، وإِنْ كان الوارِثُ واحدًا، فإذا تَصَرّفَ فى التَّركَةِ، واحْتازها، كان بمَنْزِلَةِ قِسْمَتِها.
فصل: ومَنْ كان رَقِيقًا حينَ مَوْتِ مَوْرُوثِه، فأُعْتِقَ قَبْلَ القِسْمَةِ، لم يَرِثْ. نصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى رواية محمدِ بنِ الحَكَمِ، وفَرَّقَ بينَ الإسلامِ والعِتْقِ، وعلى هذا جمهورُ الفقهاءِ مِنَ الصَّحابَةِ، ومن بَعْدَهم. ورُوِىَ عنِ ابنِ مَسْعودٍ أنَّه سُئِلَ عَنْ رَجلٍ مات، وتَرَكَ أباه عَبْدًا، فأُعْتِقَ قَبْلَ أن يُقْسَمَ ميراثُه، فقال: له مِيرَاثُه. وحُكِىَ عَنْ مَكْحولٍ، وقَتادةَ، أنّهما وَرَّثا مَنْ أُعْتِقَ قبلَ القِسْمَةِ؛ لأنَّ المانِعَ منَ الميراثِ
стр. 4545
زالَ قبلَ القِسْمَةِ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ، قال أبو الحسَنِ التَّمِيمِىُّ: يُخَرَّجُ على قَوْلِ من وَرَّثَ المسلمَ، أنْ يُوَرَّثَ العَبْدُ إذا أُعْتِقَ. وليسَ بصحيحٍ؛ فإنَّ الإسلامَ قُرْبَةٌ وهو أعْظَمُ الطَّاعاتِ، والقُرَبُ وردَ الشَّرْعُ بالتَّأليفِ عليها، فوردَ الشَّرْعُ بتَوْريثِه، تَرْغيبًا له فى الإِسلامِ، وحَثًّا عليه، والعِتْقُ لا صُنْعَ له فيه، ولا يُحْمَدُ عليه، فلم يَصِحَّ قِياسُه عليه، ولولا ما وَرَدَ مِنَ الأثَرِ مِنْ تَوْرِيثِ مَنْ أسْلَمَ، لَكانَ النَّظَرُ يَقْتَضِى أن لا يَرِثَ مَنْ لم يكُنْ مِنْ أهْلِ الميراث حينَ الموْتِ؛ لأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ به إلى الوَرَثَةِ، فيَسْتَحِقُّونَه، فلا يَبْقَى لمنْ حَدَثَ شىءٌ، لكنْ خالَفْناه فى الإِسلامِ للأثَرِ، وليس فى العِتْقِ أثرٌ يَجِبُ التَّسْليمُ له، ولا هو فى معنَى ما فيه الأثرُ، فَيَبْقَى على مُوجِبِ القياسِ.
١٠٤٧ - مسألة؛ قال: (وَمَتَى قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ، فَمالُهُ فَىْءٌ)
اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى مالِ المرْتَدِّ إذا ماتَ، أو قُتِلَ على رِدَّتِه، فرُوِىَ عنه أنَّه يكونُ فَيْئًا فى بيتِ مالِ المسْلمِين. قال القَاضى: هو صحيحٌ فى المذْهَبِ. وهو قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، والشَّافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمَدَ ما يدلُّ على أنَّه لِوَرَثَتِه منَ المُسْلمين. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّديقِ، وعلىٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، والأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأهلُ العِراقِ، وإسحاقُ. [إلَّا أَنَّ] (١) الثَّوْرِىَّ، وأبَا حنيفةَ، واللُّؤْلُؤىَّ، وإسحاقَ، قالوا: ما اكْتَسَبه فى رِدَّتِه يكونُ فَيْئًا. ولم يُفَرِّق أصْحابُنا بين تِلادِ مالِه وطَارِفِه. ووجْهُ هذا القَوْلِ أنَّه قولُ الخَلِيفتَيْن الرَّاشِدَيْن، فإنَّه يُرْوَى عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ، قال: بَعَثنِى أبو بكرٍ عِنْدَ رُجوعِه إلى أهْلِ الرِّدَّةِ أنْ أُقَسِّمَ أموالَهم بينَ وَرَثَتِهم المُسْلِمين. ولأنَّ رِدَّتَه ينْتَقِلُ بها مالُه، فوجَبَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى وَرَثَتِه المُسْلمين، كما لوِ انْتَقَلَ بالموْتِ. ورُوِىَ عنْ أحْمدَ، رِوايةٌ ثالِثَةٌ (٢)، أَنَّ مالَه لِأهْلِ دينِه الذى اخْتارَه، إنْ كان
стр. 4546
منه من يَرِثُه، وإلَّا فهو فَىْءٌ. وبه قال داودُ. ورُوِىَ عن عَلْقَمَةَ، وسعيدِ بنِ أبى عَرُوبَة (٣)؛ لأنَّه كافرٌ، فَوَرِثَه أهْلُ دينِه، كالحَرْبِىِّ، وسائِرِ الكُفّارِ. والمشهورُ الأَوَّلُ؛ لقولِ النّبِىِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" (٤). وقولُه: "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" (٤). ولأنَّه كافرٌ، فلا يَرِثُه المسْلِمُ، كالكافِرِ الأصْلىِّ، ولأنَّ مالَه مالُ مُرْتَدٍّ، فأشبَهَ الذى كَسَبَه فى رِدَّتِه، ولا يُمْكِنُ جَعْلُه لأهْلِ دينِه؛ لأنَّه لا يَرِثُهم، فلا يَرِثونَه، كغيرِهم من أهْلِ الأدْيانِ، ولأنَّه يُخالِفُهم فى حُكْمِهم؛ فإنَّه لا يُقَرُّ على ما انْتَقَلَ إليه، ولا تُؤْكَلُ له ذَبِيحةٌ، ولا يَحِلُّ نِكاحُه إنْ كان امرأةً، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ مع الذّمِىِّ. فإنْ قيل: إذا جَعَلْتُموه فَيْئًا فقد ورَّثْتُموه للمسلمين. قُلْنا: لا يَأْخُذونَه ميراثًا، بل يَأْخُذونه فَيْئًا، كما يُؤْخَذُ مالُ الذّمىِّ إذا لم يَخْلُفْ وارثًا، وكالعُشُور.
فصل: والزِّنْديقُ، كالمرتدِّ؛ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ. وقال مالكٌ فى الزِّنْديقِ الذى (٥) يُتّهمُ بِزَىِّ (٦) وَرَثَتِه عِنْدَ مَوْتِه: مالُه لِوَرَثَتِه مِنَ المسْلمين، مثلُ مَنْ يَرْتَدُّ إذا حَضَرَه الموتُ. قال: وتَرِثُه زَوْجَتُه، سواءٌ انْقَضَتْ عِدّتُها، أو لم تَنْقَضِ، كالتى يُطلِّقُها زَوْجُها فى مَرَض مَوْتِه؛ ليحْرِمَها الميراثَ؛ لأنَّه فارٌّ من ميراثِ مَنِ انْعَقدَ سَببُ ميراثِه، فوَرِثَه، كالمُطَلَّقةِ فى مَرَض الموْتِ. ولَنا؛ قولُ النّبىِّ ﷺ : "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ". وقياسُ المذْهَبِ أَنَّ أحَدَ الزّوْجَيْنِ إذا ارْتَدَّ فى مَرَضِ مَوْتِه، يَرِثُه الآخَرُ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يَفْسَخُ النِّكاحَ فى مَرَضِ مَوْتِه، فأشْبَهَ الطَّلاقَ، وفِعْلَ المرْأةِ ما يفْسَخُ نِكاحَها، ويُخَرَّجُ فى ميراثِ سائرِ الورثَةِ مثلُ [ما فى] (٧) الزَّوْجَيْنِ، فيكونُ مثلَ مذهبِ مالكٍ. وقال أبو يوسفَ: إذا ارتدّتْ المريضَةُ، فماتَتْ فى عِدَّتِها، أو لَحِقَتْ بِدارِ الْحَرْبِ، وَرِثَها زَوْجُها. ورَوَى اللُّؤْلُؤِىُّ، عن أبى حنيفةَ: إذا ارْتَدَّ الرّجُلُ، فَقُتِلَ على رِدَّتِه، أو لَحِقَ
стр. 4547
بدارِ الحرْبِ، بانتْ منه امْرأتُه، فإنْ كانتْ مَدْخولًا بها وَرِثَتْه، إذا كان ذلك قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وإن كانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بها، بانتْ ولم تَرِثْهُ. وإِنْ ارتَدَّتِ الْمرأةُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، فماتتْ، لم يَرِثْها زَوْجُها؛ لأنَّها عندَهم لا تُقْتَلُ، فلم تَكُنْ فارَّةً من ميراثِه، بخلافِ الرَّجُلِ.
فصل: وارْتِدَادُ الزّوْجَيْنِ معًا، كارْتدَادِ أحَدِهما؛ فى فَسْخِ نكاحِهما، وعَدَمِ مِيراثِ أحَدِهما مِنَ الآخَرِ، سواءٌ لَحِقا بدارِ الحَرْبِ، أو أَقَاما بدارِ الإِسْلامِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشّافِعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا ارتدَّا معًا، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، ولم يتَوارَثا؛ لأنَّ المرتدَّ لا يَرِثُ المُرْتَدَّ ما داما فى دارِ الإِسْلامِ، فإِن لَحِقا بدارِ الحَرْبِ تَوارَثَا. ولَنا؛ أنَّهما مُرْتدَّانِ، فلم يَتوَارَثا، كما لو كانا فى دارِ الإسْلامِ. ولو ارْتدَّا جميعًا، ولهما أولادٌ صغارٌ، لم يَتْبَعوهم فى رِدَّتِهم، ولم يَرِثُوا منهم شيئًا، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، سواءٌ لَحِقوهم بدارِ الحَرْبِ، أو لم يَلْحَقُوهم. وبهذا قال الشّافِعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: مَنْ ألْحَقُوه بدارِ الحرْب منهم يصيرُ مُرْتدًّا، يجوزُ سَبْيُه، ومن لم يُلْحِقُوه بدارِ الحرْبِ، فهو فى حُكْمِ الإِسْلامِ. فَأَمَّا مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ بستةِ أشْهُرٍ؛ فذكرَ الخِرَقِىُّ، رضِىَ اللَّهُ عنه، ما يدلُّ على أنَّه يجوزُ اسْتِرْقاقُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلِى، الشّافِعىّ. والقولُ الثَّانى: لا يُسْبَوْنَ. وهو منصوصُ (٨) الشّافِعىِّ.
فصل: فإذا لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحرْبِ، وُقِفَ مالُه، فإنْ أسْلَم دُفِعَ إليه، وإِنْ ماتَ صار فَيْئًا. وبهذا قال مالكٌ، والشّافِعىُّ، رضى اللَّه عنهما. وجعلَ أهْلُ العراقِ لِحَاقَه بِدارِ الحرْبِ كمَوْتِه، فى زَوَالِ مِلْكِه، وصَرْفِ مالِه إلى من يُصْرَفُ إليه إذا ماتَ، فإنْ عادَ إلى الإسلام، فله ما وُجِد من مالِه، ولا يَرْجِعُ على وَرَثَتِه بِشىءٍ ممَّا أتْلَفُوه، إلَّا أنْ يكونُوا اقْتَسَمُوه بِغَيْرِ حُكْمِ حاكمٍ. ولم يَخْتَلِفوا فيما اكْتَسَبَهُ (٩) فى دارِ الحرْبِ، أو أخْرَجَه من مالِه إلى دارِ الحرْبِ، أنَّه فَىْءٌ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: إذا ارتدَّ المسْلِمُ، زالَ مِلْكُه
стр. 4548
عَنْ مالِه، ولم يَصِحَّ تصُرُّفُه فيه بشىءٍ من التَّصَرُّفاتِ، فإنْ أسْلَم رُدَّ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأنفًا. وقال أبو يوسفَ: إنَّما أحْكُمُ بمَوْتِه يومَ يَخْتَصِمونَ فى مالِه، لا يَوْمَ لحاقِه بدارِ الحرْبِ ولَنا، أنَّه حُرٌّ منْ أهْلِ التّصرُّفِ، ويَبْقَى مِلْكُه بَعْدَ إسْلامِه، فلم يُحْكَمْ بزوالِ مِلْكِه، كما لو لم يَرْتَدَّ، ويَجِبُ رَدُّ ما أُخِذَ من مالِه، أو أُتْلِفَ عليهِ، كغيرِه.
فصل: ومتى ماتَ الذِّمِّىُّ، ولا وارِثَ له، كان مالُه فَيْئًا، وكذلِكَ ما فَضَلَ من مالِه عن وارثِه، كمنْ ليس له وارثٌ إلَّا أحَدَ الزَّوْجَيْنِ، فإنَّ الفاضِلَ عن ميراثِه يكونُ فَيْئًا؛ لأنَّه مالٌ (١٠) ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ، فكان فَيْئًا، كَمالِ الميِّتِ المُسْلمِ الذى لا وارِثَ له.
فصل: فى ميراثِ الْمَجُوسِ، ومَن جَرَى مَجْراهم، ممَّنْ يَنْكِحُ ذَواتَ الْمَحارِمِ، إذا أسْلَموا وتَحاكَمُوا إلَيْنا. لا نعلمُ بَيْنَ عُلَماءِ المسلِمَينَ خِلافًا فى أنَّهم لا يَرِثونَ بِنكاحِ ذَواتِ الْمَحارِمِ، فأمَّا غيرُه من الأنْكِحَةِ، فكُلُّ نِكاحٍ اعتقدُوا صِحتَه، وأُقِرُّوا عليه بعدَ إسْلامِهم، تَوارَثوا به، سواءً وُجِدَ بِشُروطِه الْمُعْتَبرةِ فى نكاحِ المسلمين، أو لم يُوجَدْ، وما لا يُقَرُّون عليه بَعْدَ إسْلامِهم لا يتَوارثون به، والمجوسُ وغيرُهم فى هذا سواءٌ، فلو طلّقَ الكافرُ امْرَأَتَه ثلاثًا، ثمَّ نَكَحَها، ثمَّ أسْلَما، وماتَ أحدُهما، لم يُقَرَّا عليه، ولم يَتَوارَثا به. وكذلك إنْ ماتَ أحدُهما قَبْلَ إسْلامِهما، لم يَتوارَثا. فى قَوْلِ الجميعِ. وإِنْ تَزَوّجَها بغيرِ شُهودٍ، ثمَّ ماتَ أحدُهما، وَرِثَه الآخَرُ. وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، والشّافِعىُّ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وقال زُفَرُ، واللُّؤْلُؤِىُّ: لا يَتَوارَثانِ. وإِنْ تزوّجَ امرأةً فى عِدَّتِها، تَوارَثا، فى ظاهِرِ كلامِ (١١) أحْمدَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فإنَّه قال: إذا أسْلَما، وقَدْ نَكَحَها فى العِدَّةِ أُقِرَّا عليه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال القاضى: إنْ أسْلَما بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، أُقِرَّا، وإِنْ أسْلَما قَبْلَه (١٢) لم يُقَرأ. فعلى هذا إنْ ماتَ أحدُهما قبلَ انْقضاءِ العِدَّةِ، لم
стр. 4549
يَتَوارَثا، وإِنْ ماتَ بعدَه، تَوارَثا. وهذا قولُ الشّافِعىِّ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وتأوَّلَ القاضِى روايةَ أحمدَ، على مَن أسْلَمَ بعدَ انْقِضاءِ العِدّةِ. وإِنْ تزوَّجَها وهى حُبْلى مِنْ زَوْجٍ، أو زنًى، فالحُكْمُ فيه كالتى قَبْلَها سواءٌ؛ لأنَّ الزِّنَى مُوجِبٌ للعِدَّةِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى الحاملِ مِنْ زَوْجٍ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه، فى الحامِلِ مِنْ زَوْجِ: لَا يَتَوارَثانِ. وقال أبو حَنيفةَ، والشّافِعىُّ، فى الحامِلِ مِنَ الزِّنى: يتوارثان. وقال أبو يوسفَ، وزُفَرُ، واللُّؤْلُؤِىُّ: لا يتوارَثانِ. وأصْلُ الخِلافِ فى الميراثِ الاختلافُ فيما يُقَرَّانِ عليه إذا أسْلَما، أو تَحاكَما إلَيْنا، ونذكرُ ذلك فى مَوْضِعه إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فأمَّا القَرابَةُ فَيَرِثُونَ بجمِيعِها، إذا أمْكَنَ ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ عمرَ، علىٍّ، وابنِ مَسْعودٍ، وابنِ عَبّاسٍ، وزَيْدٍ فى الصَّحِيحِ عنه. وبه قال النّخَعِىُّ، والثّورِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو حَنيفةَ، وأصْحابُه، ويحيى بنُ آدمَ، وإسْحاقُ، وداودُ، والشّافِعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه. واختارَه ابنُ اللَّبَّانِ. وعنْ زيدٍ، أنَّه وَرَّثَه بأقْوَى القرابَتَيْنِ، وهى التى لا تَسْقُطُ بحالٍ. وبه قال الحسَنُ، والزّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ومالِكٌ، واللّيْثُ، وحَمّادٌ، وهو الصَّحِيحُ عن الشَّافِعىِّ. وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومَكْحولٍ، والشّعْبىِّ، القولانِ جميعًا، واحْتَجُّوا بأنَّهما قَرابتانِ، لا يُورَثُ بهما فى الإِسلامِ، فلا يُورَثُ بهما فى غيرِه، كما لو أسْقَطَتْ إحْداهما الأُخْرَى. ولَنا، أَنَّ اللَّهَ تعالى فَرَضَ للأُمِّ الثُّلُثَ، وللأُخْتِ النِّصْفَ، فإذا كانتِ الأُمُّ أُخْتًا، وَجَبَ إعْطاؤُها ما فَرَضَ اللَّه تعالى لها (١٣) فى الآيَتَيْنِ، كالشَّخْصَيْنِ، ولأنَّهما قَرابتانِ، تَرِثُ بِكُلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَرِدةً، لا تَحْجُبُ إحداهما الأُخْرى، ولا تَرْجُحُ بها، فتَرِثُ بهما مُجْتَمِعَيْنِ، كزَوْجٍ هو ابنُ عَمٍّ، أو ابنُ عَمٍّ هو أخٌ مِن أُمٍّ، وكَذَوِى الأرْحامِ المُدْلِين بِقَرابَتَيْنِ. وقياسُهم فاسدٌ؛ لأنَّ القَرابَتَيْنِ فى الأصْلِ تُسْقِطُ إحْداهما الأُخْرى إذا كانتا فى شَخْصَيْنِ، فكذلِكَ إذا كانَتا فى شَخْصٍ. وقولُهم: لا يُورَثُ بهما فى الإِسْلامِ. ممنوعٌ، فإنَّه إذا وُجِدَ ذلك
стр. 4550
مِنْ وَطْءِ شُبْهةٍ فى الإِسلامِ وَرِثَ بهما، ثمَّ إنَّ امْتِناعَ الإِرْثِ بهما فى الإِسلامِ لِعَدَمِ وجودِهما، ولو تُصوِّرَ وجودُهما لَوَرِثَ بهما، بدليلِ أنَّه قد وَرِثَ بنَظِيرِهما فى ابنِ عَمٍّ هو زَوْجٌ، أو أخٌ مِنْ أُمٍّ. قال ابنُ اللَّبَّانِ: واعتبارُهم عِنْدى فاسِدٌ، من قِبَلِ أنّ الجَدَّةَ تكونُ أُخْتًا لأبٍ، فإنْ وَرَّثُوها بكونِها جَدّةً، لكَوْنِ الابْنِ يُسْقِطُ الأُخْتَ دونها، لزمَهم تَوْرِيثُها، بكَوْنِها أُخْتًا، لِكَوْنِ الأُمِّ تُسْقِطُ الجدّةَ دونَها. وخالفوا نَصَّ الكِتابِ فى فَرْضِ الأُخْتِ، وورَّثُوا الجَدّةَ التى لا نَصَّ للْكِتاب فى فَرْضِها، وهو مُخْتَلَفٌ فيه، فنهم مَنْ قال: هو طُعْمَةٌ، وليس بِفَرْضٍ مُسَمًّى (١٤). ويَلْزَمُهم أَنَّ الميِّتَ إذا خَلَّفَ أُمَّه، وأُمَّ أُمٍّ هى أُخْتٌ، أن لا يُورِّثوها شيئًا؛ لأنَّ الجُدودَةَ مَحْجوبَةٌ، وهى أقْوَى القَرابَتَيْنِ. وإِنْ قالوا: نُوَرِّثُها مَعَ الأُمِّ بكَوْنِها أُخْتًا. نَقَضوا اعتبارَهم بكوْنِها أقْوَى القَرابَتَيْنِ، وجَعَلوا الأُخوَّةَ تارةً أقْوى، وتارةً أضْعَفَ. وإِنْ قالوا: أقْوَى القَرابَتَيْنِ الأُخوَّةُ؛ لأنَّ ميراثَها أوْفَرُ. لَزِمَهم فى أمٍّ هى أُخْتٌ جَعْلَ الأخُوّةِ أقْوى مِنْ جِهَةِ الأُمومَةِ، ويَلْزَمُهم فى إسْقَاطِ ميراثِها مع الابْنِ والأخِ مِنَ الأبَوَيْنِ ما لَزِمَ القائلين بِتَقْديمِ الجُدودَةِ مَعَ الأُمِّ. فإنْ قالوا: تَوْرِيثُها بالقرابتَيْنِ يُفْضى إلى حَجْبِ الأُمِّ بنَفْسِها، إذا كانتْ أُخْتًا، وللميّتِ أُخْتٌ أُخْرى. قلنا: وما المانِعُ مِنْ هذا؟ فإنَّ اللَّهَ تعالى حَجَبَ الأُمَّ بالأُخْتَيْنِ بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١٥). من غَيْرِ تَقْييدٍ بِغيرِها. ثم هم قد حَجَبُوها عن ميراثِ الأُخْتِ بِنَفْسِها، فقدْ دَخَلوا فيما أنْكَرُوه، بَلْ هو أعْظَمُ؛ لأنّهم فَرُّوا من حَجْبِ التّنْقيصِ إلى حَجْبِ الإسْقاطِ، وأسْقَطوا الفَرْضَ الذى هو أوفرُ بالكُلّيَّةِ مُحافَظةً على بعض الفَرْض الأدْنى، وخالَفوا مَدْلولَ أرْبَعةِ نُصوصٍ مِنْ كِتابِ اللَّه تَعالى؛ لأنَّهم أعْطوا الأُمَّ الثُّلُثَ، وإنَّما فَرَضَ اللَّه لها مَعَ الأخْتيْنِ السُّدُسَ. والثّانى، أَنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما فَرَضَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُخْتَيْنِ ثُلُثًا، فأعْطوْا إحْداهما النّصْفَ كامِلًا. والثّالث، أنّ اللَّه تعالى فَرَضَ للأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْن، وهاتان أُخْتان، فلم يَجْعلوا لهما الثُّلُثَيْنِ. الرَّابع، أنّ مُقْتَضى الآيَةِ أنْ يَكونَ لِكُلِّ واحِدَةٍ من الأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ، وهذه أُخْتٌ، فلم يُعْطُوها
стр. 4551
بكَوْنِها أُخْتًا شَيْئًا. وهذا كُلُّه معنى كلامِ ابْنِ اللَّبَّانِ.
فصل: والمسائِلُ التى تَجْتَمِعُ فيها قَرابَتانِ، يَصِحُّ الإرْثُ بهما سِتٌ؛ إحْداهُنَّ فى الذُّكورِ، وهى عَمٌّ هو أخٌ لأمٍّ، وخَمْسٌ فى الإناثِ، وهى بِنْتٌ هى أُخْتٌ، أو بِنْتُ ابنٍ، وأُمُّ هى أُخْتٌ، وأُمُّ أُمٍّ هى أُخْتٌ لِأَبٍ، وأُمُّ أَبٍ هى أُخْتٌ لِأُمٍّ، فمَنْ وَرَّثَهم بأقْوَى القَرابَتَيْنِ، وَرَّثَهم بالبُنُوَّةِ والأُمُومَةِ، دُونَ الأُخُوَّةِ، وبُنُوَّةِ الابْنِ. واخْتَلفوا فى الجَدَّةِ إذا كانتْ أُخْتًا، فمنهم مَنْ قال: الجُدودةُ أقْوَى؛ لأنَّها جِهَةُ وِلادَةٍ لا تَسْقُطُ بِالْوَلَدِ. ومنهم مَنْ قال: الأُخُوَّةُ أقْوَى؛ لأنَّها أكْثَرُ مِيراثًا (١٦). قال ابن سُرَيْجٍ وغَيْرُه: هو الصّحيحُ. ومَنْ وَرَّثَ بِأَقْوى القَرابَتَيْنِ لَم يَحْجُبِ الأُمَّ بإخْوَةِ نَفْسِها، إلَّا ما حَكاه سَحْنُونُ، عن مالكٍ، أنَّه حَجَبها بذلك. والصَّحِيحُ عنه الأوّلُ. ومَنْ وَرَّثَ بالْقَرابَتَيْنِ حَجَبها بِذلك. ومتى كانتِ البِنْتُ أُخْتًا، والميِّتُ رَجُلٌ، فهى أُخْتٌ لأُمٍّ، وإِنْ كان امْرأةً فهى أُخْتٌ لِأَبٍ. وإِنْ قيل: أُمٌّ هى أُخْتٌ لأُمٍّ، أو أُمُّ أُمٍّ هى أُخْتٌ لأُمٍّ، أو أُمُّ أبٍ هى أُخْتٌ لِأَبٍ. فهو محالٌ.
مسائل من ذلك: مَجُوسِىٌّ تَزَوَّجَ ابْنَتَه، فأوْلَدها بنتًا، ثمَّ ماتَ عنهما، فلهما الثُّلُثانِ، لأنَّهما ابْنَتانِ، ولا تَرِثُ الكُبْرَى بالزَّوْجِيّةِ شيئًا فى قولِهم جميعًا. فإنْ ماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ بِنتًا، هى أُخْتٌ لأبٍ، فلها النِّصْفُ بالبُنُوَّةِ، والباقى بالأُخُوَّةِ، وإِنْ ماتَتِ الصُّغْرى قبلَ الكُبْرى، فقد تَرَكَتْ أُمًّا، هى أُخْتٌ لأَبٍ، فلها النّصْفُ، والثُّلُثُ بالقَرابَتَيْنِ، ومَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى القَرابَتَيْنِ لم يُوَرِّثْها بالأُخُوَّةِ شيئًا فى المسْأَلَتَيْنِ. وقال ابنُ سُرَيْجٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ الشّافِعىِّ رَضِىَ اللَّهُ عنه تَوْريثَها بالقَرابَتَيْنِ فى المسْأَلَتَيْنِ؛ لأنَّه لم يَمْنَعْ تَوْريثَ الشَّخْصِ بِفَرْضٍ وتَعْصيبٍ، لتوْريثِه ابْنَ العَمِّ إذا كان زَوْجًا، أو أخًا لأُمٍّ، وإنَّما مُنِعَ الإِرْثُ بِفَرْضَيْنِ. فإنْ كان المجوسِىُّ أوْلَدَها بِنْتَيْنِ، ثُمّ ماتَ وماتَتِ الْكُبْرى بَعْدَه، فقد تَرَكَتْ بِنْتَيْنِ، هما أُخْتانِ لأَبٍ، وإِنْ لم تَمُتِ الْكُبْرى، بل ماتتْ إحْدى الصّغيرَتَيْنِ، فقد تَرَكَتْ أُخْتًا لِأَبَوَيْنِ، وأمًّا هى أُخْتٌ لِأَبٍ؛ فلأُمِّها السُّدُسُ بِكَوْنِها أُمًّا، والسُّدُسُ بِكَوْنِها أُخْتًا لِأَبٍ، وانْحَجَبَتْ بِنَفْسِها وأُخْتِها
стр. 4552
عَنِ السُّدُسِ، وللْأُخْتِ النِّصْفُ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، لها الثُّلُثُ بِالأُمومَةِ، ولا شىءَ لها بالأُخُوَّةِ، ولا تَنْحَجِبُ بها، وللأُخْتِ النِّصْفُ، فقد اسْتَوى الْحُكْمُ فى الْقَوْلَيْنِ، وإنِ اخْتَلَفَ طريقُهما. وعلى ما حكاه سَحْنونُ، لها السُّدُسُ، وتَنْحَجِبُ بِنَفْسِها، وأُخْتِها. وإِنْ أوْلَدَها المجوسِىُّ ابنًا، وبِنْتًا، ثمَّ ماتَ، وماتَتِ الصُّغْرى بعدَه، فقد خلَّفَتْ أُمًّا هى أختٌ لأبٍ، وأخًا لأمٍّ وأَبٍ؛ فَلأُمِّها السُّدُسُ، والباقى لِلْأَخِ، ولا شىءَ لِلْأُمِّ بالأُخُوَّةِ؛ لأنَّ الأخَ لِلأَبَوَيْنِ يَحْجُبها. وعلى القَوْلِ الآخرِ؛ للأُمِّ الثُّلُثُ كامِلًا. وإِنْ تَزَوّجَ المجوسِىُّ أُمَّه، فأوْلَدَها بِنْتًا، ثمَّ مات (١٧) فلأُمِّهِ السُّدُسُ، ولابْنَتِه النِّصْفُ، ولا تَرِثُ أُمُّه بالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا (١٨)، ولا ابنتُه بِكَوْنِها أُخْتًا لأُمٍّ شَيْئًا. وإِنْ ماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد خَلَّفَتْ بِنْتًا هى بنْتُ ابنٍ، فلها الثُّلُثانِ بالقَرابَتَيْنِ. وعلى القَوْلِ الآخرِ؛ لها النّصْفُ. وإِنْ ماتتِ الصُّغرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُمًّا هى أُمُّ أبٍ، فلها الثُّلُثُ بالأُمومَةِ لا غيرُ، على القَوْلَيْنِ جميعًا. وإِنْ تَزَوَّجَ ابنتَه، فأوْلَدَها بِنْتًا (١٩)، ثمَّ تزوَّجَ الصُّغْرى، فأَوْلَدها بِنْتًا، ثمَّ ماتَ، وماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيْها لأَبيها، إحْداهما بِنْتُها (٢٠)، والأُخْرى بِنْتُ بِنْتِها، فَلِبنتِها النِّصْفُ، والباقى بينهما. وعلى القوْلِ الآخرِ، لبنْتِها النِّصْفُ، والباقى للصُّغْرى. وإن ماتَتِ الوُسْطى بَعْدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيها؛ إحْداهُما أُمُّها، والأُخْرى بِنْتُها؛ فلأُمِّها السُّدُسُ، ولبِنْتِها النِّصْفُ، والباقى بينهما. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقى للعَصَبَةِ. وإِنْ ماتَتِ الصُّغْرى بعدَه، فقد خَلّفَتْ أُخْتَيها؛ إحداهما أمُّها، والأُخْرى جَدَّتُها؛ فلأُمِّها السُّدُسُ، والباقى بينهما، وقد انْحَجَبَتِ الأُمُّ بِنَفْسِها، وبِأُمِّها عنِ السُّدُسِ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ مَن جَعَلَ الأُخُوّةَ أقْوَى، فللكُبْرَى النِّصْفُ، وللْوُسْطى الثُّلُثُ، والباقَى لِلْعَصَبَةِ. ومَنْ جَعَلَ الجُدودَةَ أقْوَى، لم يُوَرِّثِ
стр. 4553
الكُبْرَى شَيْئًا؛ لأنَّها لا تَرِثُ بالأُخُوَّةِ، لِكَوْنِها ضَعيفةً، ولا بالْجُدودَةِ، لِكَوْنِها مَحْجوبَة بالأُمومَةِ. وإن ماتتِ الصُّغْرى بعدَ الوُسْطَى، فقد خَلَّفَتْ جَدَّةً هى أُخْتٌ لِأَبٍ، فلها الثُّلُثُ بالقَرابَتَيْنِ، ومَنْ وَرَّثَ بإحْداهما، فلها السُّدُسُ عندَ قَوْمٍ. وعندَ ابْنِ سُرَيْجٍ ومَنْ وافَقَه لها النِّصْفُ، وهو اخْتيار الخَبْرِىِّ. مجوسىٌّ تزوَّجَ أُمَّه، فأوْلَدها بِنْتًا، ثمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَه، فأوْلَدَها ابنًا، ثمَّ تَزَوَّجَ الابنُ جَدَّتَه، فأوْلَدها بنتًا، ثمَّ ماتَ الْمَجُوسىُّ، ثمَّ ماتتْ أُمُّه، فقد خَلَّفَتْ بِنْتًا هى بنتُ ابنٍ، وبنتًا أُخْرى هى بنتُ ابنِ ابنٍ، وخلَّفَتِ ابنَ ابنٍ هو زَوْجُها؛ فلابْنَتِها الثُّلُثانِ، والباقى بينَ الكُبْرَى وابْنِها على ثَلاثةٍ، وتصحُّ من تِسْعَةٍ؛ للْكُبْرِى أرْبَعةٌ، وللصُّغْرى ثلاثةٌ، وللذَّكرِ سَهْمان. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقى للذَّكَرِ وَحْدَه. فإنْ ماتَتْ بعدَه بِنْتُه، فإنَّ الكُبْرى جَدَّتُها أمُّ أبيها، وهى أُخْتُها مِن أُمِّها، فلها السُّدُسان بالقَرابَتَيْنِ، وفى الثّانى لها السُّدُسُ بإحْداهما.
فصل: وإِنْ وَطِئَ مُسْلِمٌ بَعْضَ مَحارِمِه بِشُبْهةٍ، أو اشْتراها وهو لا يَعْرِفُها فَوَطِئها، فولَدتْ له، واتَفَقَ مِثْلُ هذه (٢١) الأنْسابِ (٢٢)، فالحكمُ فيها مِثْلُ هذا سواءً.
١٠٤٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا غَرِقَ الْمُتَوَارِثَانِ، أَوْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا، وُرِّثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)
وجملةُ ذلك أَنَّ المُتوَارِثَيْنِ إذا ماتا، فجُهِلَ أوَّلُهما مَوْتًا، فإنَّ أحمدَ قال: أذْهبُ إلى قولِ عمرَ، وعلىٍّ، وشُرَيْحٍ، وإبراهيمَ، والشَّعْبىِّ: يَرِثُ بَعْضُهم من بعضٍ. يعْنى من تِلادِ مالِه دون طارِفِه، وهو ما وَرِثَه مِن مَيِّتٍ معه. وهذا قولُ مَن ذكَره الإِمامُ أحمدُ،
стр. 4554
وهو قولُ إياس بنِ عَبْدٍ (١) المُزَنىِّ، وعطاءٍ، والحسَنِ، وحُمَيْدٍ الأعْرَجِ، وعَبْدِ اللَّهِ بن عُتْبةَ، وابْنِ أبى لَيْلَى، والحسَنِ بنِ صالحٍ، وشَريكٍ، ويحيى بنِ آدمَ، وإسحاقَ، وحُكِىَ ذلك عن ابن مَسْعودٍ. قال الشّعْبىُّ: وَقَعَ الطَّاعونُ بالشَّامِ عامَ عَمَوَاسٍ، فجعلَ أهلُ البَيْتِ يمُوتون عن آخِرِهم، فكُتِبَ فى ذلك إلى عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه. فكتبَ عمرُ: أنْ وَرِّثوا بعضَهم مِن بعضٍ (٢). ورُوِىَ عن أبى بكر الصِّدِّيقِ، وزَيْدٍ، وابنِ عَبّاسٍ، ومُعاذٍ، والحسَنِ بنِ علىٍّ، رضى اللَّه عنهم، أنَّهم، لم يُوَرِّثُوا بعضَهم من بعضٍ، وجَعَلوا ما لكلِّ واحدٍ للأحْياءِ مِن وَرَثَتِه. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو الزِّنادِ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ومالِكٌ والشَّافِعىُّ، رَضِىَ اللَّه عنهم، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، والحسَنِ البَصْرِىِّ، وراشِدِ بنِ سَعْدٍ (٣)، وحكيمِ بنِ عُمَيْرٍ (٤)، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ. ورُوِىَ عَنْ أحْمدَ ما يدلُّ عليه، فإنَّه قال فى امْرَأَةٍ وابْنِها ماتَا، فقال زَوْجُها: ماتَتْ فَوَرِثْناها، ثمَّ ماتَ ابْنِى فَوَرِثْتُه. وقالَ أخوها: ماتَ ابنُها فَوَرِثَتْهُ، ثمَّ ماتَتْ فَوَرِثْناها. حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالَ دَعْوى صاحِبه، وكان ميراثُ الابْنِ لأبيه، وميراثُ المرأةِ لِأَخيها وزَوْجِها نِصْفَيْنِ. فجعلَ ميراثَ كلِّ واحدِ منهما للأحْياءِ مِنْ وَرَثَتِه. فيَحْتَمِلُ أنْ يُجْعَلَ هذا رِوايةً عنْ أحمدَ فى جميعِ مسائلِ البابِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ هذا قَوْلَه فيما إذا ادَّعَى وارِثُ كُلِّ مَيِّتٍ أنَّ مَوْرُوثَه كان آخِرَهما مَوتًا، ويَرِثُ كُلُّ واحِدٍ منهما منَ الآخَرِ، إذا اتَّفَقَ وُرَّاثُهم على الجَهْلِ بكيْفِيَّةِ مَوْتِهم؛ لأنَّ مع التَّداعِى تَتَوجَّهُ اليمينُ (٥)، على المُدَّعَى عليه، فيحْلِفُ على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، ويتوَفَّرُ
стр. 4555
الميراثُ له، كما فى سائرِ الحُقوقِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفقُوا على الجهلِ، فلا تتَوَجَّهُ يَمينٌ؛ لأن اليمينَ لا يُشْرَعُ فى مَوْضِعٍ اتَّفقوا على الجَهْلِ به. واحتجَّ مَنْ قال بعَدمِ تَوْريثِ بعضِهم مِن بعضٍ، بما روَى سعيدٌ (٦)، حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ: أَنَّ قَتْلَى الْيَمامَةِ، قتْلَى صِفِّينَ والْحَرَّةِ، لَمْ يُوِّرثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْض، وَوَرَّثُوا عَصَبَتَهُم الأَحْيَاءَ. وقال (٦): حَدّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن جَعْفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه: أَنَّ أُمَّ كُلْثوم بنتَ علىٍّ تُوُفِّيَتْ هى وابنُها زيدُ بنُ عمَرَ، فالْتَقَتِ الصَّيْحَتانِ فى الطَّريقِ، فلم يُدْرَ أيُّهُما ماتَ قَبْلَ صاحِبه، فلمْ تَرِثْه ولم يَرِثْها. وأنَّ أهْلَ صِفِّينَ، وأهْلَ الْحَرَّةِ لم يتَوارَثوا. ولأنَّ شَرْطَ التَّوْريثِ حياةُ الوارِثِ بعْدَ مَوْتِ الموْرُوثِ، وهو غيرُ مَعْلومٍ، ولا يَثْبُتُ التَّوريثُ مع الشَّكِّ فى شَرْطِه، ولأنَّه لم تُعْلَمْ حياتُه حينَ مَوْتِ مَوْرُوثِه، فلم يَرِثْه، كالْحَمْلِ إذا وَضَعَتْه مَيِّتًا، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّوْريثِ فلا نُثبِتُه بالشَّكِّ، ولأنَّ تَوْريثَ كُلِّ واحدٍ منهما خَطَأٌ يَقِينًا؛ لأَنَّه لا يَخْلُو من أنْ يكونَ مَوْتُهما معًا، أو سَبَقَ أحَدُهما به، وتَوْريثُ السّابقِ بالموْتِ والميِّتِ معه خطأٌ يقينًا، مخالفٌ للإِجْماعِ، فكيفَ يُعْمَلُ به! فإنْ قيلَ: فمى قَطْعِ التَّوْريثِ قَطْعُ تَوْريثِ المَسْبوقِ بالمَوْتِ، وهو خَطَأٌ أيضًا. قُلْنا: هذا غيرُ مُتَيقَّن؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ مَوْتَهُما جيعًا، فلا يكونُ فيهما مَسْبوقٌ. وقد احتجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بما رَوى إياسُ بنُ عَبْدٍ (٧) المُزَنىُّ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِم بَيْتٌ. فقال: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. والصَّحيحُ أَنَّ هذا إنَّما هو عن إياسٍ نَفْسِه، وأنَّه هو المسئولُ، وليس بروايةٍ عنِ النّبىِّ ﷺ . هكذا رواه سعيدٌ فى "سُنَنِه" (٨). وحَكاهُ الإِمامُ أحْمدُ عنه. وقال أبو ثَوْرٍ، [وابن سُرَيْجٍ] (٩)، وطائِفةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: يُعْطَى كُلُّ وارثٍ