بكَوْنِها أُخْتًا شَيْئًا. وهذا كُلُّه معنى كلامِ ابْنِ اللَّبَّانِ.
فصل: والمسائِلُ التى تَجْتَمِعُ فيها قَرابَتانِ، يَصِحُّ الإرْثُ بهما سِتٌ؛ إحْداهُنَّ فى الذُّكورِ، وهى عَمٌّ هو أخٌ لأمٍّ، وخَمْسٌ فى الإناثِ، وهى بِنْتٌ هى أُخْتٌ، أو بِنْتُ ابنٍ، وأُمُّ هى أُخْتٌ، وأُمُّ أُمٍّ هى أُخْتٌ لِأَبٍ، وأُمُّ أَبٍ هى أُخْتٌ لِأُمٍّ، فمَنْ وَرَّثَهم بأقْوَى القَرابَتَيْنِ، وَرَّثَهم بالبُنُوَّةِ والأُمُومَةِ، دُونَ الأُخُوَّةِ، وبُنُوَّةِ الابْنِ. واخْتَلفوا فى الجَدَّةِ إذا كانتْ أُخْتًا، فمنهم مَنْ قال: الجُدودةُ أقْوَى؛ لأنَّها جِهَةُ وِلادَةٍ لا تَسْقُطُ بِالْوَلَدِ. ومنهم مَنْ قال: الأُخُوَّةُ أقْوَى؛ لأنَّها أكْثَرُ مِيراثًا (١٦). قال ابن سُرَيْجٍ وغَيْرُه: هو الصّحيحُ. ومَنْ وَرَّثَ بِأَقْوى القَرابَتَيْنِ لَم يَحْجُبِ الأُمَّ بإخْوَةِ نَفْسِها، إلَّا ما حَكاه سَحْنُونُ، عن مالكٍ، أنَّه حَجَبها بذلك. والصَّحِيحُ عنه الأوّلُ. ومَنْ وَرَّثَ بالْقَرابَتَيْنِ حَجَبها بِذلك. ومتى كانتِ البِنْتُ أُخْتًا، والميِّتُ رَجُلٌ، فهى أُخْتٌ لأُمٍّ، وإِنْ كان امْرأةً فهى أُخْتٌ لِأَبٍ. وإِنْ قيل: أُمٌّ هى أُخْتٌ لأُمٍّ، أو أُمُّ أُمٍّ هى أُخْتٌ لأُمٍّ، أو أُمُّ أبٍ هى أُخْتٌ لِأَبٍ. فهو محالٌ.
مسائل من ذلك: مَجُوسِىٌّ تَزَوَّجَ ابْنَتَه، فأوْلَدها بنتًا، ثمَّ ماتَ عنهما، فلهما الثُّلُثانِ، لأنَّهما ابْنَتانِ، ولا تَرِثُ الكُبْرَى بالزَّوْجِيّةِ شيئًا فى قولِهم جميعًا. فإنْ ماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ بِنتًا، هى أُخْتٌ لأبٍ، فلها النِّصْفُ بالبُنُوَّةِ، والباقى بالأُخُوَّةِ، وإِنْ ماتَتِ الصُّغْرى قبلَ الكُبْرى، فقد تَرَكَتْ أُمًّا، هى أُخْتٌ لأَبٍ، فلها النّصْفُ، والثُّلُثُ بالقَرابَتَيْنِ، ومَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى القَرابَتَيْنِ لم يُوَرِّثْها بالأُخُوَّةِ شيئًا فى المسْأَلَتَيْنِ. وقال ابنُ سُرَيْجٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ الشّافِعىِّ رَضِىَ اللَّهُ عنه تَوْريثَها بالقَرابَتَيْنِ فى المسْأَلَتَيْنِ؛ لأنَّه لم يَمْنَعْ تَوْريثَ الشَّخْصِ بِفَرْضٍ وتَعْصيبٍ، لتوْريثِه ابْنَ العَمِّ إذا كان زَوْجًا، أو أخًا لأُمٍّ، وإنَّما مُنِعَ الإِرْثُ بِفَرْضَيْنِ. فإنْ كان المجوسِىُّ أوْلَدَها بِنْتَيْنِ، ثُمّ ماتَ وماتَتِ الْكُبْرى بَعْدَه، فقد تَرَكَتْ بِنْتَيْنِ، هما أُخْتانِ لأَبٍ، وإِنْ لم تَمُتِ الْكُبْرى، بل ماتتْ إحْدى الصّغيرَتَيْنِ، فقد تَرَكَتْ أُخْتًا لِأَبَوَيْنِ، وأمًّا هى أُخْتٌ لِأَبٍ؛ فلأُمِّها السُّدُسُ بِكَوْنِها أُمًّا، والسُّدُسُ بِكَوْنِها أُخْتًا لِأَبٍ، وانْحَجَبَتْ بِنَفْسِها وأُخْتِها
стр. 4552
عَنِ السُّدُسِ، وللْأُخْتِ النِّصْفُ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، لها الثُّلُثُ بِالأُمومَةِ، ولا شىءَ لها بالأُخُوَّةِ، ولا تَنْحَجِبُ بها، وللأُخْتِ النِّصْفُ، فقد اسْتَوى الْحُكْمُ فى الْقَوْلَيْنِ، وإنِ اخْتَلَفَ طريقُهما. وعلى ما حكاه سَحْنونُ، لها السُّدُسُ، وتَنْحَجِبُ بِنَفْسِها، وأُخْتِها. وإِنْ أوْلَدَها المجوسِىُّ ابنًا، وبِنْتًا، ثمَّ ماتَ، وماتَتِ الصُّغْرى بعدَه، فقد خلَّفَتْ أُمًّا هى أختٌ لأبٍ، وأخًا لأمٍّ وأَبٍ؛ فَلأُمِّها السُّدُسُ، والباقى لِلْأَخِ، ولا شىءَ لِلْأُمِّ بالأُخُوَّةِ؛ لأنَّ الأخَ لِلأَبَوَيْنِ يَحْجُبها. وعلى القَوْلِ الآخرِ؛ للأُمِّ الثُّلُثُ كامِلًا. وإِنْ تَزَوّجَ المجوسِىُّ أُمَّه، فأوْلَدَها بِنْتًا، ثمَّ مات (١٧) فلأُمِّهِ السُّدُسُ، ولابْنَتِه النِّصْفُ، ولا تَرِثُ أُمُّه بالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا (١٨)، ولا ابنتُه بِكَوْنِها أُخْتًا لأُمٍّ شَيْئًا. وإِنْ ماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد خَلَّفَتْ بِنْتًا هى بنْتُ ابنٍ، فلها الثُّلُثانِ بالقَرابَتَيْنِ. وعلى القَوْلِ الآخرِ؛ لها النّصْفُ. وإِنْ ماتتِ الصُّغرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُمًّا هى أُمُّ أبٍ، فلها الثُّلُثُ بالأُمومَةِ لا غيرُ، على القَوْلَيْنِ جميعًا. وإِنْ تَزَوَّجَ ابنتَه، فأوْلَدَها بِنْتًا (١٩)، ثمَّ تزوَّجَ الصُّغْرى، فأَوْلَدها بِنْتًا، ثمَّ ماتَ، وماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيْها لأَبيها، إحْداهما بِنْتُها (٢٠)، والأُخْرى بِنْتُ بِنْتِها، فَلِبنتِها النِّصْفُ، والباقى بينهما. وعلى القوْلِ الآخرِ، لبنْتِها النِّصْفُ، والباقى للصُّغْرى. وإن ماتَتِ الوُسْطى بَعْدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيها؛ إحْداهُما أُمُّها، والأُخْرى بِنْتُها؛ فلأُمِّها السُّدُسُ، ولبِنْتِها النِّصْفُ، والباقى بينهما. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقى للعَصَبَةِ. وإِنْ ماتَتِ الصُّغْرى بعدَه، فقد خَلّفَتْ أُخْتَيها؛ إحداهما أمُّها، والأُخْرى جَدَّتُها؛ فلأُمِّها السُّدُسُ، والباقى بينهما، وقد انْحَجَبَتِ الأُمُّ بِنَفْسِها، وبِأُمِّها عنِ السُّدُسِ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ مَن جَعَلَ الأُخُوّةَ أقْوَى، فللكُبْرَى النِّصْفُ، وللْوُسْطى الثُّلُثُ، والباقَى لِلْعَصَبَةِ. ومَنْ جَعَلَ الجُدودَةَ أقْوَى، لم يُوَرِّثِ
стр. 4553
الكُبْرَى شَيْئًا؛ لأنَّها لا تَرِثُ بالأُخُوَّةِ، لِكَوْنِها ضَعيفةً، ولا بالْجُدودَةِ، لِكَوْنِها مَحْجوبَة بالأُمومَةِ. وإن ماتتِ الصُّغْرى بعدَ الوُسْطَى، فقد خَلَّفَتْ جَدَّةً هى أُخْتٌ لِأَبٍ، فلها الثُّلُثُ بالقَرابَتَيْنِ، ومَنْ وَرَّثَ بإحْداهما، فلها السُّدُسُ عندَ قَوْمٍ. وعندَ ابْنِ سُرَيْجٍ ومَنْ وافَقَه لها النِّصْفُ، وهو اخْتيار الخَبْرِىِّ. مجوسىٌّ تزوَّجَ أُمَّه، فأوْلَدها بِنْتًا، ثمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَه، فأوْلَدَها ابنًا، ثمَّ تَزَوَّجَ الابنُ جَدَّتَه، فأوْلَدها بنتًا، ثمَّ ماتَ الْمَجُوسىُّ، ثمَّ ماتتْ أُمُّه، فقد خَلَّفَتْ بِنْتًا هى بنتُ ابنٍ، وبنتًا أُخْرى هى بنتُ ابنِ ابنٍ، وخلَّفَتِ ابنَ ابنٍ هو زَوْجُها؛ فلابْنَتِها الثُّلُثانِ، والباقى بينَ الكُبْرَى وابْنِها على ثَلاثةٍ، وتصحُّ من تِسْعَةٍ؛ للْكُبْرِى أرْبَعةٌ، وللصُّغْرى ثلاثةٌ، وللذَّكرِ سَهْمان. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقى للذَّكَرِ وَحْدَه. فإنْ ماتَتْ بعدَه بِنْتُه، فإنَّ الكُبْرى جَدَّتُها أمُّ أبيها، وهى أُخْتُها مِن أُمِّها، فلها السُّدُسان بالقَرابَتَيْنِ، وفى الثّانى لها السُّدُسُ بإحْداهما.
فصل: وإِنْ وَطِئَ مُسْلِمٌ بَعْضَ مَحارِمِه بِشُبْهةٍ، أو اشْتراها وهو لا يَعْرِفُها فَوَطِئها، فولَدتْ له، واتَفَقَ مِثْلُ هذه (٢١) الأنْسابِ (٢٢)، فالحكمُ فيها مِثْلُ هذا سواءً.
١٠٤٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا غَرِقَ الْمُتَوَارِثَانِ، أَوْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا، وُرِّثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)
وجملةُ ذلك أَنَّ المُتوَارِثَيْنِ إذا ماتا، فجُهِلَ أوَّلُهما مَوْتًا، فإنَّ أحمدَ قال: أذْهبُ إلى قولِ عمرَ، وعلىٍّ، وشُرَيْحٍ، وإبراهيمَ، والشَّعْبىِّ: يَرِثُ بَعْضُهم من بعضٍ. يعْنى من تِلادِ مالِه دون طارِفِه، وهو ما وَرِثَه مِن مَيِّتٍ معه. وهذا قولُ مَن ذكَره الإِمامُ أحمدُ،
стр. 4554
وهو قولُ إياس بنِ عَبْدٍ (١) المُزَنىِّ، وعطاءٍ، والحسَنِ، وحُمَيْدٍ الأعْرَجِ، وعَبْدِ اللَّهِ بن عُتْبةَ، وابْنِ أبى لَيْلَى، والحسَنِ بنِ صالحٍ، وشَريكٍ، ويحيى بنِ آدمَ، وإسحاقَ، وحُكِىَ ذلك عن ابن مَسْعودٍ. قال الشّعْبىُّ: وَقَعَ الطَّاعونُ بالشَّامِ عامَ عَمَوَاسٍ، فجعلَ أهلُ البَيْتِ يمُوتون عن آخِرِهم، فكُتِبَ فى ذلك إلى عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه. فكتبَ عمرُ: أنْ وَرِّثوا بعضَهم مِن بعضٍ (٢). ورُوِىَ عن أبى بكر الصِّدِّيقِ، وزَيْدٍ، وابنِ عَبّاسٍ، ومُعاذٍ، والحسَنِ بنِ علىٍّ، رضى اللَّه عنهم، أنَّهم، لم يُوَرِّثُوا بعضَهم من بعضٍ، وجَعَلوا ما لكلِّ واحدٍ للأحْياءِ مِن وَرَثَتِه. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو الزِّنادِ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ومالِكٌ والشَّافِعىُّ، رَضِىَ اللَّه عنهم، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، والحسَنِ البَصْرِىِّ، وراشِدِ بنِ سَعْدٍ (٣)، وحكيمِ بنِ عُمَيْرٍ (٤)، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ. ورُوِىَ عَنْ أحْمدَ ما يدلُّ عليه، فإنَّه قال فى امْرَأَةٍ وابْنِها ماتَا، فقال زَوْجُها: ماتَتْ فَوَرِثْناها، ثمَّ ماتَ ابْنِى فَوَرِثْتُه. وقالَ أخوها: ماتَ ابنُها فَوَرِثَتْهُ، ثمَّ ماتَتْ فَوَرِثْناها. حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالَ دَعْوى صاحِبه، وكان ميراثُ الابْنِ لأبيه، وميراثُ المرأةِ لِأَخيها وزَوْجِها نِصْفَيْنِ. فجعلَ ميراثَ كلِّ واحدِ منهما للأحْياءِ مِنْ وَرَثَتِه. فيَحْتَمِلُ أنْ يُجْعَلَ هذا رِوايةً عنْ أحمدَ فى جميعِ مسائلِ البابِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ هذا قَوْلَه فيما إذا ادَّعَى وارِثُ كُلِّ مَيِّتٍ أنَّ مَوْرُوثَه كان آخِرَهما مَوتًا، ويَرِثُ كُلُّ واحِدٍ منهما منَ الآخَرِ، إذا اتَّفَقَ وُرَّاثُهم على الجَهْلِ بكيْفِيَّةِ مَوْتِهم؛ لأنَّ مع التَّداعِى تَتَوجَّهُ اليمينُ (٥)، على المُدَّعَى عليه، فيحْلِفُ على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، ويتوَفَّرُ
стр. 4555
الميراثُ له، كما فى سائرِ الحُقوقِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفقُوا على الجهلِ، فلا تتَوَجَّهُ يَمينٌ؛ لأن اليمينَ لا يُشْرَعُ فى مَوْضِعٍ اتَّفقوا على الجَهْلِ به. واحتجَّ مَنْ قال بعَدمِ تَوْريثِ بعضِهم مِن بعضٍ، بما روَى سعيدٌ (٦)، حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ: أَنَّ قَتْلَى الْيَمامَةِ، قتْلَى صِفِّينَ والْحَرَّةِ، لَمْ يُوِّرثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْض، وَوَرَّثُوا عَصَبَتَهُم الأَحْيَاءَ. وقال (٦): حَدّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن جَعْفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه: أَنَّ أُمَّ كُلْثوم بنتَ علىٍّ تُوُفِّيَتْ هى وابنُها زيدُ بنُ عمَرَ، فالْتَقَتِ الصَّيْحَتانِ فى الطَّريقِ، فلم يُدْرَ أيُّهُما ماتَ قَبْلَ صاحِبه، فلمْ تَرِثْه ولم يَرِثْها. وأنَّ أهْلَ صِفِّينَ، وأهْلَ الْحَرَّةِ لم يتَوارَثوا. ولأنَّ شَرْطَ التَّوْريثِ حياةُ الوارِثِ بعْدَ مَوْتِ الموْرُوثِ، وهو غيرُ مَعْلومٍ، ولا يَثْبُتُ التَّوريثُ مع الشَّكِّ فى شَرْطِه، ولأنَّه لم تُعْلَمْ حياتُه حينَ مَوْتِ مَوْرُوثِه، فلم يَرِثْه، كالْحَمْلِ إذا وَضَعَتْه مَيِّتًا، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّوْريثِ فلا نُثبِتُه بالشَّكِّ، ولأنَّ تَوْريثَ كُلِّ واحدٍ منهما خَطَأٌ يَقِينًا؛ لأَنَّه لا يَخْلُو من أنْ يكونَ مَوْتُهما معًا، أو سَبَقَ أحَدُهما به، وتَوْريثُ السّابقِ بالموْتِ والميِّتِ معه خطأٌ يقينًا، مخالفٌ للإِجْماعِ، فكيفَ يُعْمَلُ به! فإنْ قيلَ: فمى قَطْعِ التَّوْريثِ قَطْعُ تَوْريثِ المَسْبوقِ بالمَوْتِ، وهو خَطَأٌ أيضًا. قُلْنا: هذا غيرُ مُتَيقَّن؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ مَوْتَهُما جيعًا، فلا يكونُ فيهما مَسْبوقٌ. وقد احتجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بما رَوى إياسُ بنُ عَبْدٍ (٧) المُزَنىُّ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِم بَيْتٌ. فقال: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. والصَّحيحُ أَنَّ هذا إنَّما هو عن إياسٍ نَفْسِه، وأنَّه هو المسئولُ، وليس بروايةٍ عنِ النّبىِّ ﷺ . هكذا رواه سعيدٌ فى "سُنَنِه" (٨). وحَكاهُ الإِمامُ أحْمدُ عنه. وقال أبو ثَوْرٍ، [وابن سُرَيْجٍ] (٩)، وطائِفةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: يُعْطَى كُلُّ وارثٍ
стр. 4556
اليَقينَ، ويُوقَفُ المشْكوكُ فيه، حَتّى يَتَبَيَّن الأمْرُ، أو يَصْطَلِحوا. وقال الْخَبْرِىُّ: هذا هو الحُكْمُ فيما إذا عُلِمَ مَوْتُ أحدِهما قَبْلَ صاحِبِه. ولم يذكرْ فيه خلافًا.
ومن مَسائِلِ ذلك؛ أخَوانِ غَرِقا، أحَدُهما مَوْلَى زَيْدٍ، والآخَرُ مَوْلَى عَمرٍو؛ مَن وَرَّثَ كُلَّ واحدٍ منهما مِن صاحِبه، جَعَلَ ميراثَ كُلِّ واحدٍ منهما لمَوْلى أخيه، ومَن لم يُوَرِّثْ أحدَهما من صاحِبه، جَعَلَ ميراثَ كُلِّ واحدٍ منهما لِمَوْلاه، ومَنْ قال بالوَقْفِ، وَقَفَ مالَهما. فإنِ ادَّعى كُلُّ واحدٍ مِن المَوْلَيَيْنِ أَنَّ مَوْلاه آخِرُهما موتًا، حَلَفَ كُلُّ واحدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوى صاحِبه، وأخَذَ مالَ مَوْلاهُ على مَسْألةِ الخِرَقِىِّ. وإِنْ كانتْ لهما أُخْتٌ، فلها الثُّلُثانِ من مالِ كُلِّ واحدٍ منهما على القَوْلِ الأوَّلِ، والنِّصْفُ على القَوْل (١٠) الثَّانى. وإِنْ خَلَّفَ كُلُّ واحدٍ منهما بِنْتًا وزَوْجَةً، فمَنْ لم يُوَرِّثْ بعضَهم من بعضٍ، صَحَّحَها من ثمانيةٍ، لامْرأتِه الثُّمُنُ، ولابْنَتِه النِّصْفُ، والباقى لِمَوْلاه. ومَن وَرَّثَهم، جَعَل البَاقىَ لِأخيه، ثُمّ قَسَّمَه بَيْنَ وَرَثَةِ أخيه على ثمانيةٍ، ثمَّ ضَرَبها فى الثَّمانِيةِ الأُولى، فصَحَّتْ من أربعةٍ وسِتِّين (١١)؛ لامْرأتِه ثمانيةٌ، ولا بْنَتِه اثْنانِ وثلاثون، ولامْرَأةِ أخيه ثُمُنُ الباقى ثلاثَةٌ، ولابْنَتِه اثْنا عَشَرَ، ولموْلاه الباقى تِسْعَةٌ. أخٌ وأُخْتٌ غَرِقا، ولهما أمٌّ وعمُّ وزَوْجانِ، فمَن وَرَّثَ كُلَّ واحدٍ مِن صاحبِه، جعَل ميراثَ الأَخِ بينَ امْرَأتِه وأُمِّه وأُخْتِه على ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فما أصابَ الأُخْتَ منها فهو بينَ زَوْجِها وأُمِّها وعَمِّها على سِتَّةٍ، فصحَّتِ المسْألَتانِ من ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ لامْرَأةِ الأَخِ ثَلَاثةٌ، ولِزَوْجِ الأُخْتِ ثَلاثَةٌ، وللأُمِّ أربعةٌ بميراثِها مِن الأَخِ، واثْنانِ بميراثِها من الأُخْتِ، وللعَمِّ سَهْمٌ، وميراثُ الأُخْتِ بينَ زَوْجِها وأُمِّها وأخيها على سِتَّةٍ؛ لأخيها سَهْمٌ بينَ أُمِّه وامرأته وعَمِّه على اثْنَى عَشَرَ، تَضْرِبُها فى الأُولَى، تكُنْ من اثنينِ وسَبْعين، والضَّرَرُ فى هذا القَوْلِ على مَن يَرِثُ مِنْ أحَدِ الميِّتَيْنِ
стр. 4557
دُونَ الآخرِ، ويَنْتَفِعُ به مَن يَرِثُ منهما. ثلاثَةُ إخْوَةٍ لأبَوَيْن (١٢)، غَرِقوا، ولهم أمٌّ وعَصَبَةٌ (١٣)، فقَدِّرْ مَوْتَ أحَدِهم أوَّلًا، فلأُمِّه السُّدُسُ، والباقى لأخَوَيْهِ، فتَصِحُّ مِن اثْنَى عَشَرَ، لِكُلِّ واحدٍ مِن أخَوَيْهِ خَمْسَةٌ، بينَ أُمِّه وعَصَبَتِه، على ثلَاثةٍ، فتَضْرِبُها فى الأُولَى، تكُنْ سِتَةً وثلاثين، للأُمِّ من ميراث الأَوَّلِ السُّدُسُ سِتَّةٌ، وممَّا وَرِثَه كُلُّ واحدٍ من الأخَوَيْنِ خمسةٌ، فصارَ لها سِتَّةَ عَشَرَ، والباقى لِلْعَصَبَةِ، ولها من ميراثِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأخَوَيْن (١٤) مِثْلُ ذلك. ذكرَ هذه المسْأَلَةَ أبو بكرٍ. ثلاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقينَ غَرِقُوا، وخَلَّفَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهم أُخْتَه لِأَبَوَيْهِ، فقَدِّرْ مَوْتَ الأَخِ مِن الأبَوَيْنِ أوّلًا عن أُخْتِه مِنْ أبَوَيْهِ، وأخَوَيْه مِن أبيهِ، وأخَوَيْهِ مِنْ أُمِّهِ، فصَحَّتْ مَسْأَلَتُه مِنْ ثَمَانِيةَ عَشَرَ؛ لِأخِيهِ مِنْ أُمِّهِ مِنها ثَلاثَةٌ بين أُخْتِه مِنْ أَبَوَيْه وأُخْتِه مِنْ أُمِّهِ، على أَرْبَعَةٍ، وأَصابَ الأخَ مِنَ الأَبِ مِنْها اثْنانِ (١٥)، بَيْنَ أخيه مِنْ أبَوَيْهِ، وأُخْتِه مِنْ أبيهِ، على أرْبَعَةٍ، فَتَجْتَزِئُ بإحْداهما، وتَضْرِبُها فى الأُولَى، تَكُنِ اثْنَيْنِ وسَبْعين، ثمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الأَخِ مِنَ الأُمِّ، عن أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ، وأخٍ، وأُخْتٍ لأُمٍّ، فَمَسْأَلَتُه مِنْ خَمْسَةٍ. [مات أخُوه لأمِّه عن ثلاثِ أخَواتٍ مُفْتَرِقات، فهى من خمسةٍ] (١٦) أيضًا، تَضْرِبُها فى الأُولَى، تَكُنْ خَمْسَةً وعِشْرين، ثُمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الأَخِ مِنَ الأَبِ، عَنْ أُخْتٍ لأبَوَيهِ، وأخٍ وأُخْتٍ لِأبيه، فهى مِن سِتَّةٍ، ثمَّ ماتَ الأخُ مِنَ الأبِ عن ثَلاثِ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فهى مِنْ خَمْسَةٍ، تَضْرِبُها فى الأُولَى، تَكُنْ ثَلاثينَ. فَإنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأخَويْنِ، فلم يَقْتَسِموا التَّركِةَ حتَّى غَرِقَ الأخَوانِ، وخَلَّفَ أحَدُهما امْرَأةً وبِنْتًا وعَمًّا؛ وخَلّفَ الآخَرُ ابْنَيْنِ، وابْنَتَيْنِ؛ الأُولى مِنْ أرْبَعَةٍ، ماتَ أحَدُهم عن سَهْمٍ، ومَسْألَتُه مِنْ ثمانيةٍ، لِأخِيه مِنْها ثَلاثَةٌ، بينَ أوْلَادِه على سِتَّةٍ، رَجَعوا إلى اثْنَيْنِ، تَضْرِبُها فى ثمانيةٍ، تكُنْ سِتَةَ عَشَرَ، وفَريضَةُ الآخَرِ مِن سِتَّةٍ، يتَّفِقانِ
стр. 4558
بالنِّصْفِ، فاضْرِبْ نِصْفَ إحْداهما فى الأُخْرى، تَكُنْ ثَمانِيةً وأرْبَعينَ، ثمَّ فى أرْبَعَةٍ، تَكُنْ مِائةً واثْنَيْنِ وتِسْعينَ، للبِنْتِ نِصْفُها، ولِأوْلادِ الأَخِ عن أبيهِم رُبُعُها، وعن عَمِّهِم ثَمانِيَةَ عَشَرَ، صارَ لهم سِتّةٌ وسِتُّونَ، ولامْرَأةِ الأَخِ سِتَّةٌ، ولِبِنْتِه أرْبَعَةٌ وعِشْرونَ.
فصل: وإِنْ عُلِمَ خُروجُ رُوحِهما مَعًا فى حالٍ واحِدَةٍ، لم يَرِثْ أحَدُهما صاحِبَه، ووَرِثَ كُلَّ واحِدٍ الأحْياءُ مِنْ وَرَثَتِه؛ لأنَّ تَوْريثَه مَشْروطٌ بحَياتِه بعْدَه، وقد عُلِمَ انْتِفاءُ ذلك. وإِنْ عُلِمَ أَنَّ أحَدَهما ماتَ قبلَ صاحِبه بِعَيْنِه، ثُم أَشْكَلَ، أُعْطِىَ كُلُّ وارِثٍ اليَقينَ، ووُقِفَ الباقى حتَّى يَتبيّنَ الأمْر أو يَصْطَلِحوا. قال القاضِى: وقِياسُ المذهبِ أن يُقَسَّمَ على سَبيلِ ميراثِ الْغَرْقَى الذين جُهِلَ حالهُم. وإن ادَّعى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أنَّه آخرُهما مَوْتًا، فهى مَسْألَةُ الخِرَقِىِّ. وقَدْ نَصَّ فيها الإِمامُ أحْمَدُ على أنَّ وَرَثَةَ كُلِّ مَيّتٍ يَحْلِفونَ، ويخْتَصُّون (١٧) بمِيراثِه، فيَحْتَمِلُ أنْ يُقاسَ على هذه الصُّورَةِ سائِرُ الصُّوَرِ، فَتُخَرَّجُ (١٨) فى الْجَميعِ رِوايتانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْتَصَّ هذا الحُكْمُ بهذِه الصّورَةِ دُونَ غَيْرِها؛ لأنَّ هذه الصُّورَةَ فيها مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، والْيَمينُ على مَنْ أَنْكَرَ، بخِلافِ بَقيَّةِ الصُّوَرِ، واللَّهُ أعلمُ.
١٠٤٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يَرِثْ لَمْ يَحْجُبْ)
يَعْنى مَن لم يَرِثْ لِمَعْنًى فيه، كالْمُخالِفِ فى الدِّينِ، والرَّقيقِ، والقَاتِلِ، فهذا لا يَحْجُبُ غيرَه، فى قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ من الصَّحابَةِ، والتَّابِعينَ، إلَّا ابْنَ مَسْعودٍ، ومَنْ وافَقَه، فإنَّهم يَحْجُبونَ الأُمَّ، والزّوْجَيْنِ بالْوَلَدِ الكافِرِ، والقاتِلِ، والرَّقِيقِ، ويَحْجُبونَ الأُمَّ بالإِخْوَةِ الذين هم كذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وداودُ. وتابَعَه الْحَسَنُ فى القاتِلِ دونَ غَيْرِه. ولَعَلَّهم تَمَسَّكوا بِعُمومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (١). ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (١). وقَوْلِه تعالى:
стр. 4559
﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢). وقَوْلِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢). وهؤلاءِ أوْلادٌ، وإخْوَةٌ، وعَدَمُ إرْثِهم لا يَمْنَعُ حَجْبَهم، كالإِخْوَةِ مع الأبَوَيْنِ يَحْجُبونَ الأُمَّ، ولا يَرِثونَ. ولَنا، أنَّه وَلَدٌ لا يَحْجُبُ الإِخْوَةَ مِنَ الأُمِّ، ولا يَحْجُبُ وَلَدَه، ولا الأبَ إلى السُّدُسِ، فلم يَحْجُبْ غيرَهم، كالْميِّتِ، ولأنَّه لا يُؤَثِّرُ فى حَجْبِ غيرِ الأُمِّ والزَّوْجَيْنِ، فلم يُؤَثِّرْ فى حَجْبِهم، كالميِّتِ، والآيةُ أُرِيدَ بها وَلَدٌ مِنْ أهْلِ الميراثِ، بِدَليلِ أنَّه لمَّا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. أرادَ به الوارِثَ، ولم يَدْخُلْ هذا فيهم، ولمَّا قالَ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ (٣). لم يَدْخُلْ هذا فيهم. وأمَّا الإخْوَةُ مع الأبِ، فهم مِن أهْلِ الْميراثِ، بدليلِ أنَّه لَوْلا الأبُ لَوَرِثُوا، وإنَّما قُدِّم عليهم غيرُهم، ومُنِعوا مع أهْلِيَّتِهم؛ لأنَّ غيرَهم أوْلَى منهم، فامْتِناعُ إرْثِهم لِمانِعٍ، لا لانْتِفاءِ المُقْتَضِى.
فصل: فأمَّا مَنْ لم (٤) يَرِثْ لِحَجْبِ غيرِه له، فإنَّه يَحْجُبُ، وإِنْ لم يَرِثْ، كالْإخْوَةِ يَحْجُبونَ الأُمَّ، وهم مَحْجوبونَ بالأبِ؛ لأنَّ عَدَمَ إرْثهم لم يَكُنْ لمِعْنًى فيهم، ولا لانْتِفاءِ أهْليَّتِهم، بل لِتَقْديمِ غيرِهم عليهم، والمَعْنى الذى حُجِبوا به فى حالِ إرْثِهم مَوْجودٌ، مع جَجْبِهم عنِ الميراثِ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. فعلى هذا، إذا اجْتَمَعَ أبَوانِ وَأخوانِ أو أُخْتانِ؛ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، والباقى لِلْأَبِ، ويَحْجُبُ الأخَوانِ الأُمَّ عنِ السُّدُس، ولا يَرِثون شَيْئًا. ولو ماتَ رَجُلٌ، وخَلَّفَ أباه وأُمَّ أبيه وأُمَّ أُمِّ أُمِّهِ، لَحَجَبَ (٥) الأبُ أُمّه عنِ الميراثِ، وحَجَبَتْ أُمُّه أُمَّ أُمِّ الأُمِّ، على قَوْلِ مَنْ يَحْجُبُ الجَدَّةَ بابْنِها، والبُعْدَى مِنَ الجَدّاتِ بِمَنْ هى أقْرَبُ منها، ويكونُ المالُ جميعُه لِلأَبِ.
стр. 4560
فصل: فى ميراث الحَمْلِ: إذا ماتَ الإِنْسانُ عن حَمْلٍ يَرِثه، وُقِفَ الأمْرُ حتَّى يُتَبَيَّنَ، فإنْ طالبَ الوَرَثَةُ بالقَسْمِ (٦)، لم يُعْطوْا كُلَّ المالِ، بِغيرِ خِلافٍ، إلَّا ما حُكِى عنْ دَاودَ، والصَّحيحُ عنه مِثْلُ قَوْلِ الْجَماعَةِ، ولكنْ يُدْفَعُ إلى مَنْ لا يَنْقُصُه الحملُ كَمالُ مِيراثِه، وإلى مَن يَنْقُصُه أقَلُّ ما يُصيبُه، ولا يُدْفَعُ إلى مَنْ يُسْقِطُه شىءٌ، فأمَّا مَن يُشارِكُهُ، فأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ قالوا: يُوقَفُ لِلْحَمْلِ شىءٌ، ويُدْفَعُ إلى شُرَكائِه الباقى. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُه، واللَّيْثُ، وشَرِيكٌ، ويحيى بنُ آدمَ. وهو روايةُ الرَّبيعِ عن الشَّافِعِىِّ. والمشْهورُ عنه أنَّه لا يُدْفَعُ إلى شُرَكائِه شىءٌ؛ لأنَّ الحملَ لا حَدَّ له، ولا نَعْلَمُ كمْ يُتْرَكُ له. وقد حَكَى الماوَرْدِىُّ، قال: أخْبَرنِى رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمنِ، وَرَدَ طالِبًا لِلْعِلْمِ، وكان مِنْ أهْلِ الدِّينِ والْفَضْلِ، أنَّ امْرَأةً وَلَدَتْ باليَمنِ شَيْئًا (٧) كالكِرْشِ، فَظُنَّ أنْ لا وَلَدَ فيه، فأُلْقِىَ على قارِعَةِ الطَّريقِ، فَلمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وحَمِىَ بها، تَحرَّكَ فَأُخِذَ وشُقَّ، فَخَرجَ منه سَبْعَةُ أوْلادٍ ذُكورٍ، وعاشوا جَميعًا، وكانوا خَلْقًا سَويًّا، إلَّا أنَّه كان فى أعْضَادِهم قِصَرٌ، قال: وصارَعنِى أحَدُهم فَصَرَعَنِى، فكنْتُ أُعَيَّرُ به، فيُقال: صَرَعَكَ سُبُعُ رَجُلٍ. وقد أخْبَرنِى مَنْ أثِقُ به سَنَةَ ثمانٍ وسِتِّمائةٍ، أو سَنَةَ تِسْعٍ، عنْ ضَرِيرٍ بدِمَشْقَ أنَّه قال: وَلَدتْ امْرَأتِى فى هذه الأيَّامِ سَبْعَةً فى بَطنٍ واحِدٍ، ذُكورًا وإناثًا. وكان بدِمَشْقَ أمُّ وَلَدٍ لبعْض كُبَرائِها، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَه مَنْ كان يَقْرَأُ علىَّ، وكانتْ تَلِدُ ثَلاثَةً فى كُلِّ بَطْنٍ. وقال غيرُه: هذا نادرٌ، ولا يُعَوَّلُ عليه، فلا يجوزُ مَنْعُ الميراثِ مِنْ أجْلِه، كما لو لم يَظْهَرْ بِالْمَرْأةِ حَمْلٌ. واخْتَلفَ القائلون بالْوَقْفِ فيما يُوقَفُ، فَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُوقَفُ نَصيبُ ذَكَرَيْنِ، إن كان ميراثُهما أَكْثرَ، أو ابْنَتَيْنِ إنْ كان نصيبُهما أَكْثَرَ. وهذا قولُ محمدِ بنٍ الحسَنِ، واللُّؤْلُؤِىِّ. وقال شَرِيكٌ: يُوقَفُ نَصيبُ أرْبَعَةٍ، فإنِّى رَأيْتُ بنى إسماعيلَ أَرْبَعَةً، وُلِدُوا فى بَطنٍ واحِدٍ، محمد، وعمر، وعلىّ. قال يحيى بنُ آدمَ: وأظُنُّ الرّابِعَ إسْماعيلَ. ورَوى ابنُ المُباركِ هذا القوْلَ عن أبى حنيفةَ، وروَاه الرَّبِيعُ عنِ
стр. 4561
الشّافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال اللّيْثُ، وأبو يوسفَ: يُوقَفُ نَصيبُ غُلامٍ، ويُؤْخَذُ ضَمينٌ من الوَرَثَةِ. ولَنا؛ أَنَّ وِلادَةَ التّوْأمَيْنِ كَثيرٌ مُعْتادٌ، فلا يَجوزُ قَسْمُ نَصيبِهما، كالْواحِدِ، وما زَادَ عليهما نادِرٌ، فلم يُوقَفْ له شىءٌ كالخامِس، والسَّادِس، ومتَى وَلَدَتِ المرْأةٌ مَنْ يَرِثُ الموْقُوفَ كُلَّه أخَذَه، وإِنْ بَقِىَ مِنْه شَىْءٌ رُدَّ الى أَهْلِهِ، وإِنْ أعْوَزَ شَيْئًا رَجَعَ على مَنْ هو فى يَدِه.
مسائل مِنْ ذلك: امْرَأةٌ حامِلٌ وبِنْتٌ، لِلْمَرْأةِ الثُّمُنُ، ولِلْبِنْتِ خُمُسُ الباقى. وفى قَوْلِ شَريكٍ تُسْعُه. وفى قَوْلِ أبى يوسفَ ثُلُثُه بِضَمِينٍ. ولا يُدْفَعُ اليها شَىْءٌ فى المشْهورِ عن الشّافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وإِنْ كان مَكانَ البِنْتِ ابْنٌ، دُفِعَ إليه ثُلُثُ الباقى، أو خُمُسُه، أو نِصْفُه، على اخْتِلافِ الأقْوالِ. ومتى زَادَتِ الفُروضُ على ثُلُثِ المالِ، فميراثُ الإِناثِ أَكْثَرُ، فإذا خَلَّفَ أبَوَيْنِ، وامْرَأةً حامِلًا، فلِلْمَرْأةِ ثَلاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وعِشْرينَ، وللْأَبَوَيْنِ ثمانِيةٌ منها، ويُوقَفُ سِتَّةَ عَشَرَ، ويَسْتَوِى ههُنا قولُ مَنْ وَقَفَ نَصيبَ [ابْنَتَيْنِ، وقولُ مَن وَقَفَ نَصِيبَ] (٨) أرْبَعَةٍ. وقال أبو يوسفَ: تُعْطَى المرأةُ ثُمُنًا كامِلًا، والأَبَوَان ثُلُثًا كامِلًا، ويُؤْخَذُ منهم ضَمينٌ. فإنْ كان معهم بنتٌ دُفِعَ إليها ثَلاثَةَ عَشَرَ من مائةٍ وعِشْرين. وفى قَوْلِ شَرِيكٍ، ثَلاثَةَ عَشَرَ من مائتينِ وسِتّةَ عَشَرَ. وفى قَوْلِ أبى يوسفَ، ثَلاثَةَ عَشَرَ من اثنين وسَبْعينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الكُلِّ ضُمَناءُ من البِنْتِ؛ لاحْتِمالِ أنْ يُولَدَ أكْثَرُ مِنْ واحِدٍ، ومِنَ الباقينَ لاحتمالِ أنْ تعولَ المسْأَلةُ. وعلى قَوْلِنا يُوافَقُ بَيْنَ سَبْعَةٍ وعِشْرينَ ومائةٍ وعِشْرينَ بالأثْلاثِ، وتَضْرِبُ ثُلُثَ إحْداهما فى جميعِ الأُخْرى، تكُنْ ألفًا وثمانين، وتُعْطِى البِنْتَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فى تِسْعَةٍ، تكُنْ مائةً وسَبْعَةَ عَشَرَ، ولِلْأَبَوَيْنِ والمرْأةِ أحَدَ عَشَرَ فى أرْبعينَ، وما بَقِىَ فَهو مَوْقوفٌ. زَوْجٌ وأُمٌّ حامِلٌ من
стр. 4562
الأبِ، المسْألةُ من ثمانِيَةٍ، للزَّوْجِ ثَلاثَةٌ، وللأُمِّ سَهْمٌ، ويُوقَفُ (٩) أرْبَعَةٌ. وقال أبو يوسفَ: هى مِنْ ثمانيةٍ، يُدْفَعُ إلى الزَّوْجِ ثَلَاثةٌ، وإلى الأُمِّ سَهْمانِ (١٠)، وتَقِفُ ثلَاثَةً، وتَأْخُذُ منها ضَمِينًا، هكذا حَكى الْخَبْرِىُّ عنه. فإنْ كان فى المسْألةِ مَنْ يَسْقُطُ بِوَلَدِ الأبَوَيْنِ، كَعَصَبَةٍ، أو أحَدٍ مِنْ وَلَدِ الأبِ، لم يُعْطَ شَيْئًا. ولو كان فى هذه المسْألَةِ جَدٌّ، فللزَّوْجِ الثُّلُثُ، وللأُمِّ السُّدُسُ، ولِلْجَدِّ السُّدُسُ، والباقى مَوْقوفٌ. وقال أبو حنيفَةَ: للزّوْجِ النِّصْفُ، وللأُمِّ السُّدُسُ، وللجَدِّ السُّدُسُ، ويُوقَفُ (١١) السُّدُسُ بينَ الجَدِّ والأُمِّ، ولا شىءَ لِلْحَمْلِ؛ لأنَّ الجَدَّ يُسْقِطُه. وأبو يوسفَ يَجْعَلُها مِنْ سَبْعَةٍ وعِشْرينَ، ويَقِفُ أرْبعةَ أسْهُمٍ. وحُكى عَنْ شَريكٍ، أنَّه كان يقولُ بِقَوْلِ عَلىٍّ فى الجَدِّ، فيقِفُ ههُنا نَصيبَ الإِناثِ، فيَكونُ عِنْدَه من تِسْعَةٍ، وتَقِفُ (١٢) منها أرْبَعة. ولو لم يَكُنْ فيها زَوْجٌ، كان للأُمِّ السُّدُسُ وللجَدِّ ثُلُثُ الباقى، وتَقِفُ عَشَرَةً من ثمانِيةَ عَشَرَ. وعندَ أبى حنيفةَ للجَدِّ الثُّلُثَانِ، وللأُمِّ السُّدُسُ، ويُوقَفُ السُّدُسُ بَيْنَهما. قولُ أبى يوسفَ، يَقفُ الثُّلُثَ، ويُعْطَى كُلُّ واحِدٍ منهما ثُلُثًا، ويُؤْخَذُ منهما ضَمينٌ. ومتى خَلَّفَ وَرَثَةً، وأُمًّا تَحْتَ الزَّوْجِ، فَيَنْبَغِى للزَّوْجِ الإمْساكُ عنْ وَطْئِها، ليَعْلَمَ أحامِلٌ هِى أمْ لا؟ كذا رُوِىَ عن علىٍّ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، فى آخرينَ. وإِنْ وَطِئها قبلَ اسْتبْرائِها، فأتَتْ بِوَلدٍ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، وَرِثَ؛ لأنَّا (١٣) نَعْلَمُ أنَّها كانتْ حامِلًا به، وإِنْ وَلَدَتْه لأكْثرَ مِن ذلك، لم تَرِثْ، إلَّا أنْ يُقِرَّ الوَرَثَةُ أنَّها كانتْ حامِلًا به يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِها.
فصل: ولا يَرِثُ الْحَمْلُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أحدُهما، أنْ يُعْلَمَ أنَّه كان مَوْجودًا حالَ
стр. 4563
الموتِ، ويُعْلَمُ ذلك بأنْ تَأْتِىَ به لِأقلَّ من سِتّةِ أشْهُرٍ، فإنْ أتتْ به لأكثرَ من ذلك نَظَرْنا، فإنْ كان لها زَوْجٌ أو سَيِّدٌ يَطَؤُها لم يَرِثْ، إلَّا أنْ يُقِرَّ (١٤) الوَرَثَةُ أنَّه كان مَوْجودًا حالَ الموْتِ، وإِنْ كانتْ لا توطَأُ، إمَّا لِعَدِم الزَّوْجِ، أو السَّيِّدِ، وإمَّا لِغَيْبتِهما (١٥)، أو اجْتِنابِهما الوطءَ، عَجْزًا أو قَصْدًا أو غَيْرَه، وَرِثَ ما لم يُجاوِزْ أكْثَرَ مُدَّةِ الحمْلِ، وذلك أرْبَعُ سِنِينَ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن، وفى الأُخْرَى سَنَتان. والثَّانى، أنْ تَضَعَه حَيًّا، فإنْ وَضَعَتْه مَيِّتًا لم يَرِثْ، فى قولهم جميعًا، واخْتُلِفَ فيما يَثْبُتُ به الميراثُ من الحياةِ، واتَّفقُوا على أنَّه إذا اسْتَهلَّ صارِخًا وَرِثَ، ووُرِثَ. وقد رَوَى أبو داودَ (١٦) بإسْنادِه، عن أبى هُريْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ". ورَوى ابنُ ماجَه (١٧) بإسْنادِه، عن جابِرٍ، عنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَه. واخْتَلَفوا فيما سِوَى الاسْتِهْلالِ، فقالتْ طائِفَةٌ: لا يَرِثُ حتَّى يَسْتَهِلَّ، ولا يَقومُ غَيْرُه مَقامَه، ثمّ اخْتَلفوا فى الاسْتِهْلالِ ما هو؟ فقالتْ طائِفَةٌ: لا يَرِثُ حتَّى يَسْتَهِلَّ صارِخًا. فالمشهورُ عن أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لا يَرِثُ حتَّى يَسْتَهِلَّ. ورُوِى ذلك عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والحسَنِ بنِ علىٍّ، وأبي هُريرةَ، وجابِرٍ، وسعيد بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وشُرَيْحٍ، والحسَنِ، وابنِ سِيريِنَ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، ورَبِيعةَ، ويحيى بنِ سَعيدٍ، وأبي سَلَمةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، ومالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسْحاقَ؛ لأنّ مَفْهومَ قَوْلِ النَّبىِّ، ﷺ : "إذَا اسْتَهَلَّ الْمَولودُ وَرِثَ". أنَّه لا يَرِثُ بغيرِ الاسْتِهلالِ، وفى لَفْظٍ ذَكَرَه ابنُ سُراقَةَ، عن النَّبىِّ ﷺ ، أنّه قال فى الصَّبِىِّ المَنْفُوسِ: "إذَا وَقَعَ صَارِخًا فَاسْتَهَلَّ، وَرِثَ، وَتَمَّتْ دِيَتُهُ، وَسُمِّىَ، وصُلِّىَ عَلَيْهِ، وَإنْ وَقَعَ حَيًّا وَلَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا، لَمْ تَتِمَّ دِيَتُهُ، وفِيهِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ، عَلَى
стр. 4564
الْعَاقِلَةِ" (١٨). ولأنَّ الاسْتِهْلالَ لا يَكونُ إلَّا مِن حَىٍّ، والْحَرَكَةُ تكونُ من غيرِ حَىٍّ، فإنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّما إذا خَرَجِ من مَكانٍ ضَيِّقٍ، فَتَضامَّتْ أجْزاؤُه، ثمَّ خَرَجَ إلى مَكانٍ فَسيحٍ، فإنَّه يَتَحَرَّكُ من غَيرِ حياةٍ فيه، ثمَّ إنْ كانتْ فيه حياةٌ، فلا نَعْلَمُ كَوْنَها مُسْتقِرَّةً؛ لِاحْتمالِ أنْ تَكونَ كحرَكَةِ المذْبوحِ، فإنَّ الحَيَواناتِ تَتَحَرَّكُ بعدَ الذَّبْحِ حَرَكَةً شديدةً، وهى فى حُكْم الميِّتِ، واخْتُلِفَ فى الاسْتِهلالِ ما هو؟ فقيلَ: هو (١٩) الصُّراخُ خاصَّةً. وهذا قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنا فى هذه المسْألَةِ. ورواه أبو طالبٍ (٢٠)، عن أحْمدَ، فقال: لا يَرِثُ إلَّا مَنِ اسْتَهَلَّ صارِخًا. وإنَّما سُمِّىَ الصُّراخُ من الصَّبِىِّ الاسْتِهْلالَ تَجَوزًا، والأصْلُ فيه أَنَّ النَّاسَ إذا رَأوْا الهِلالَ صاحُوا عند رُؤْيَتِه، واجْتَمعُوا، وأراه بَعْضُهم بَعْضًا، فَسُمِّىَ الصَّوْتُ عند اسْتِهلالِ الهِلالِ اسْتهلالًا، ثمَّ سُمِّىَ الصَّوْتُ من الصَّبِىِّ الموْلودِ اسْتِهْلالًا؛ لأنَّه صَوْتٌ عندَ وُجودِ شيْءٍ يُجْتَمَعُ له، ويُفْرَحُ به. وروى يوسفُ بنُ موسى، عن أحمدَ، أنَّه قال: يَرِثُ السَّقْطُ ويُورَثُ، إذا اسْتَهَلَّ. فقيل له: ما اسْتِهْلالُه؟ قال: إذا صاحَ أو عَطَسَ أو بَكَى. فعلى هذا كُلُّ صَوْتٍ يوجَدُ منه، تُعْلَمُ به حياتُه، فهو اسْتِهْلالٌ. وهذا قوْلُ الزُّهْرِىِّ، والقاسِمِ بنِ محمد؛ لأنَّه صَوْتٌ عُلِمَتْ به حياتُه، فأشْبَهَ الصُّراخَ. وعن أحمدَ روايةٌ ثالِثةٌ، إذا عُلِمتْ حياتُه بِصَوْتٍ أو حَرَكَةٍ أو رَضاعٍ أو غَيرِه، وَرِثَ، وَثَبَتَ له أحْكامُ المُسْتَهِلِّ، لأنَّه حَىٌّ فتَثْبُتُ له أحْكامُ الحياةِ، كالْمُسْتَهِلِّ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وداودُ. وإِنْ خَرَجَ بَعْضُه حَيًّا فاسْتَهلَّ، ثمَّ انْفَصَلَ باقِيه مَيِّتًا، لم يَرِثْ. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: إذا خَرَجَ أكْثرُه فاسْتَهلَّ ثمَّ ماتَ، وَرثَ؛ لقَوْلِه ﵇: "إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ". ولَنا، أنَّه لم يَخْرُجْ جميعُه، فَأشْبَهَ ما لو ماتَ قبلَ خُروجِ أكْثَرِه.
стр. 4565
فصل: وإِنْ وَلَدتْ تَوْأمَيْنِ، فاسْتَهلَّ أحَدُهما، ولم يُعْلَمْ بِعَيْنِه، فإنْ كانا ذَكَرَيْنِ، أو أُنْثَيَيْنِ، أو ذَكَرًا وأُنْثَى، لا يَخْتَلِفُ ميراثُهما، فلا فَرْقَ بينهما، وإِنْ كانا ذَكَرًا وأُنْثى يَخْتَلِفُ ميراثُهما، فقال القاضى: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: يُقْرَعُ بينهما، فَمَنْ أخْرَجَتْه القُرْعَةُ جُعِلَ الْمُسْتَهِلَّ، كما لو طَلَّقَ إحْدى نِسائِه فلم تُعْلَمْ بِعَيْنِها ثمَّ ماتَ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ. وقال الخَبْرِىُّ: ليس فى هذا عنِ السَّلَفِ نَصٌّ. وقال الفَرَضِيُّونَ: تُعْمَلُ المسْأَلَةُ على الحالَيْنِ، ويُعْطَى كُلُّ وارِثٍ الْيَقينَ، ويُوقَفُ الباقى حتَّى يَصْطَلِحوا عليه. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَسَّمَ بينهم على حَسَبِ الاحْتمالِ.
ومن مَسائلِ ذلك: رَجُلٌ خَلَّفَ أمَّه وأخاه وأُمَّ وَلَدٍ حامِلًا منه، فَوَلَدَتْ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، ولم يُعْلَمْ بِعَيْنِه، فقيل: إنْ كان الابْنُ المُسْتَهِلَّ، فللأُمِّ السُّدُسُ، والباقى له، تَرِثُ أُمُّه ثُلُثَه، والباقى لِعَمِّه، فاضْرِبْ ثَلَاثَةً فى سِتَّةٍ، تَكُنْ ثمانِيةَ عَشَرَ، لِأُمِّ الميِّتِ ثَلاثَةٌ، ولأُمِّ الوَلَدِ خَمْسَةٌ، ولِلْعَمِّ عَشَرَةٌ. وإِنْ كانتِ البِنْتُ المُسْتَهِلَّةَ، فالمسْألَةُ من سِتَّةٍ، فَتَموتُ البِنْتُ عَنْ ثَلاثَةٍ، لأُمِّها سَهْمٌ، ولِعَمِّها سَهْمانِ، والسِتَّةُ تَدْخُلُ فى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فَمَنْ له شىءٌ مِن الثّمانِيَةَ عَشَرَ مَضْروبٌ فى واحِدٍ، ومَنْ له شىءٌ مِنَ السِّتَّةِ مَضْروبٌ فى ثَلاثَةٍ، فسُدُسُ الأُمِّ لايَتَغَيَّرُ، ولِلْعَمِّ مِنَ السِّتَّةِ أرْبَعَةٌ فى ثَلاثَةٍ اثنا عَشَرَ، وله مِنَ الثَّمانِيَة عَشَرَ عَشَرَةٌ فى واحدٍ، فهذا اليقينُ فيأخُذُه، ولأُمِّ الوَلَدِ خَمْسَةٌ فى سَهْمٍ، وسَهْمٌ فى ثَلَاثَةٍ، فيأْخُذُها، ويَقفُ سَهْمَيْنِ بَيْنَ الأَخِ وأُمِّ الوَلَدِ حتَّى يَصْطَلِحا عليها. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقْتَسِما (٢١) بينهما. امرأةٌ حامِلٌ وعَمٌّ، وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ابنًا وبِنْتًا، واسْتَهَلَّ أحَدُهما، ولم يُعْلَمْ، فالمْسألَتانِ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرينَ، إذا أعْطَيْتَ كُلَّ واحدٍ أقَلَّ من (٢٢) نَصِيبِه بَقِيَتْ ثَلَاثَةٌ مَوْقوفَةٌ، فإنْ كان معهما بنْتٌ، فَكُلُّ واحدَةٍ من المسْأَلَتَيْنِ من اثْنَيْنِ وسَبْعينَ، والموْقوفُ اثنا عَشَرَ. امْرَأةٌ وعمٌّ وأُمٌّ حامِلٌ مِنَ
стр. 4566
الأبِ، وَلَدَتْ ابْنًا وبِنْتًا، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، فإنْ كان المُسْتَهِلُّ الأخَ، فهى من سِتَّةٍ وثلاثينَ، وإِنْ كانَتِ الأخْتُ المُسْتَهِلَّةَ، فهى من ثَلاثَةَ عَشَرَ، فالمسْأَلَتانِ مُتبايِنَتانِ، فاضْرِبْ إحْداهما فى الأُخرى، تَكُنْ أربعمائةً وثمانيةً وسِتِّينَ، وكُلُّ مَن له شىءٌ من إحْدى المسْأَلَتَيْنِ مَضْروبٌ فى الأُخْرَى، فيَدْفَعُ [إلى كُل] (٢٣) واحدٍ أقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، يَبْقى أرْبَعَةَ عَشَرَ، منها تِسْعَةٌ بَيْنَ الْمَرْأةِ والعَمِّ، وخَمْسَةٌ بَيْنَ الأُمِّ والعَمِّ. فإنْ كانتِ المرْأةُ والأُمُّ حامِلَيْنِ، فَوَضَعَتا مَعًا، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، فكُلُّ واحدةٍ منهما تَرْجِعُ إلى سِتَّةٍ وثلاثين، فيعْطَى كُلُّ وارثٍ أقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، ويَبْقَى أحَدَ عَشَرَ، منها أرْبَعةٌ مَوْقوفَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَةِ والأُمِّ، وسَبْعَةٌ بينَ الأُمِّ والعَمِّ.
فصل: واذا وَلَدَتِ الْحامِلُ تَوْأمَيْنِ، فسُمِعَ الاسْتِهلالُ من أحَدِهما، ثمَّ سُمِعَ مَرَّةً أُخَرى، فلم يُدْرَ أهو مِن الأَوَّلِ، أو من الثّانى، فيَحْتَمِلُ أنْ يَثْبُتَ الميراثُ لِمَنْ عُلِمَ اسْتِهْلالُه دونَ مَن شَكَكْنا فيه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ اسْتِهلالِه. فعلى هذا الاحْتمالِ، إنْ عُلِمَ المُسْتَهِلُّ بِعَيْنِه، فهو الوارِثُ وَحْدَه، وإِنْ جُهِلَ عَيْنُه، كان كما لو استَهَلَّ واحِدٌ منهما لا بِعَيْنِه. وقال الفَرَضِيُّونَ: يُعْمَلُ على الأحْوالِ، فيُعْطَى كُلُّ وارثٍ الْيَقينَ، ويُوقَفُ الباقى.
ومن مسائِلِ ذلك: أُمٌّ حامِلٌ وأُخْتٌ لأبٍ وعَمٌّ، وَلَدَتِ الأُمُّ بنْتَيْنِ، فاسْتَهلَّتْ إحداهُما، ثمَّ سُمِعَ الإسْتِهلالُ مَرَّةً أُخرى، فلم يُدْرَ هل اسْتَهلَّتِ الأُخْرى، أو تَكَرَّرَ من واحِدَةٍ؟ فقيل: إنْ كان منهما جميعًا، فقد ماتَتا عن أرْبَعَةٍ من سِتَّةٍ، ولا يُعْلَمُ أوَّلُهما مَوْتًا، فَحُكْمُهما حُكْمُ الغَرْقَى، فَمن ذَهَبَ إلى أنَّه لا تُورَّثُ إحْداهما من الأُخْرَى، قال: قد خَلَّفتا أُمًّا وأُخْتًا وعَمًّا، فَتَصِحُّ من ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وانْ كان الاسْتِهلالُ من واحِدَةٍ، فقد ماتَتْ عن ثَلَاثَةٍ من سِتَّةٍ، فتَصِحُّ من اثْنَى عَشَرَ، وبَيْنَهما مُوافَقَةٌ
стр. 4567
بالسُّدُس، فتَصيرُ سِتَّةً وثلاثينَ، لِلأُمِّ اثْنا عَشَرَ، ولِلْأُخْتِ كذلك، ولِلْعَمِّ تِسْعَةٌ، ونَقِفُ ثَلاثةً، تَدَّعِى الأُمُّ منها سَهْمَيْنِ، والعَمُّ سَهْمًا، وتَدَّعيها الأُخْتُ كُلَّها، فيكونُ سَهْمانِ بينها وبينَ الأُمِّ، وسَهْمٌ بينها وبين العَمِّ. زَوْجٌ وَجَدٌّ وأُمُّ حامِلٌ، ولدتْ ابنًا، وبِنْتًا، فاسْتَهلَّ أحَدُهما، ثمَّ سُمِعَ الاسْتِهلالُ مَرَّةً أُخرى، فلم يُدْرَ ممَّنْ هو؟ فإنْ كان الاسْتِهلالُ تَكرَّرَ من البِنْتِ، فهى الأَكْدَرِيَّةُ، وماتَتْ عن أرْبَعَةٍ، بينَ أُمِّها وَجَدِّها، فَتَصِحُّ من أحَدٍ وثمانينَ، وإِنْ تَكَرَّرَ من الأَخِ لم يَرِثْ شَيْئًا، والمسْألَةُ مِنْ سِتَّةٍ، لِلْجَدِّ منها سَهْمٌ، وإِنْ كان منهما، فللأُمِّ السُّدُسُ، ولِلزَّوْجِ النِّصْفُ، ولِلْجَدِّ السُّدُسُ، ولهما السُّدُسُ على ثَلاثَةٍ، فَتَصِحُّ من ثمانِيَةَ عَشَرَ، والثَّلَاثَةُ التى لهما بينَ الجدِّ والأُمِّ على ثلاثَةٍ، فصارَ للأُمِّ أربَعَةٌ، ولِلْجَدِّ خَمْسَةٌ وثَمانِيةَ عَشَرَ، تُوافِقُ أحَدًا وثمانين بالأتْسَاع، فتصيرُ مِائَةً واثْنَيْنِ وسِتِّينَ، لِلزَّوْج حَقُّه مِنَ الأَكْدَرِيَّةِ أرْبَعَةٌ وخَمْسون، ولِلْأُمِّ تُسْعا المالِ من مَسْألَةِ اسْتِهْلالِهما مَعًا، سِتَّةٌ وثلاثون، ولِلْجَدِّ السُّدُسُ من مَسْألَةِ اسْتِهلالِ الأَخِ وَحْدَه، سَبْعَةٌ وعِشْرون، يَبْقى خَمْسَةٌ وأرْبعون، يَدَّعى الزَّوْجُ منها سبعةً وعِشْرين، والأُمُّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، ويَدَّعى منها الجَدُّ سَبْعَةً وثلاثين، وَتعولُ الثّمانِيَةُ الفاضِلَةُ لِلْأُمِّ، فيَحْتَمِلُ أنْ تُدْفَعَ إليها؛ لأنَّ الزَّوْجَ والجَدَّ يُقِرَّانِ لها بها.
فصل: وإذا ضُرِبَ بَطْنُ حامِلٍ فأسْقطَتْ، فعلى الضَّارِبِ غُرَّةٌ مَوْروثَةٌ عنِ الْجَنِينِ، كأنَّه سَقَطَ حَيًّا. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ، وسائِرُ الفُقَهاءِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عنْ رَبِيعَةَ، واللَّيْثِ، وهو شُذوذٌ لا يُعَرَّجُ عليه. فإنْ قيل: فكيف تُوَرِّثونَ منه، وهو لا يَرِثُ؟ قُلْنا: نُوَرِّثُ منه؛ لأنَّ الواجِبَ بَدَلٌ عنه، فَوَرِثَتْه وَرَثَتُه، كدِيَةِ غَيْرِ الْجَنِينِ، وأمّا تَوْريثُه فمِنْ شُروطِه كَوْنُه حَيًّا حين مَوْتِ مَوْروثِه، ولا يَتَحقَّقُ ذلك، فلا نُوَرِّثُه مع الشَّكِ فى حياتِه.
فصل: ودِيَةُ المَقْتولِ مَوْروثَةٌ عنه، كسائِرِ أمْوالِه، إلَّا أنَّه اخْتُلِفَ فيها (٢٤) عن
стр. 4568
علىٍّ، فرُوِى عنه مِثْلُ قَوْلِ الجَماعَةِ، وعنه لا يَرِثُها إلَّا عَصَبَاتُه الذين يَعْقِلُون عنه. وكان عمرُ يَذْهَبُ إلى هذا، ثمَّ رَجَعَ عنه، لَمَّا بَلَغَه عن النَّبِىِّ ﷺ ، تَوْريثُ الْمَرْأةِ مِن دِيَةِ زَوْجِها. قال سعيدٌ (٢٥)، حدَّثنا سُفيانُ، حدَّثنا الزُّهْرِىُّ، سَمِعَ سَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، يقول: كان عمرُ بنُ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقول: الدِّيَةُ لِلْعاقِلَةِ، ولا تَرِثُ الْمَرْأةُ من دِيَةِ زَوْجِها شَيْئًا. فقال له الضَّحاكُ الكِلابىُّ: كَتَبَ إلىَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِىِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ. قال التِّرمِذِىُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وروى الإِمامُ أحْمدُ (٢٦) بإسْنادِه، عن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى أَنَّ العَقْلَ مِيراثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتيلِ عَلَى فَرَائِضِهِم. وبإسْنادِه (٢٧) عن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ مَالِ زَوْجهَا وَعَقْلِهِ، وَيَرِثُ هُوَ مِنْ مَالِهَا وَعَقْلِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ". إلَّا أَنَّ فى إسْنادِه رَجُلًا مَجْهولًا. وقال إبراهيمُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الدِّيَةُ عَلَى الْمِيرَاثِ، والْعَقْلُ عَلَى الْعَصَبَةِ" (٢٨). وقال أبو ثَوْرٍ: هى على الميراثِ، ولا تُقْضَى منها دُيونُه، ولا تُنَفَّذُ مِنْها وَصاياهُ. وعن أحمدَ نَحْوٌ من هذا. وقد ذَكَرَ الخِرَقِىُّ فى مَن أوْصَى بِثُلُثِ مالِه لِرَجُلٍ، فقُتِلَ، وأُخِذَتْ دِيَتُه، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فى إحدى الروايتين. والأُخرى، ليس لِمَنْ أَوْصَى له بالثُّلُثِ مِن الدِّيَةِ شىءٌ، ومَبْنَى هذا على أَنَّ الدِّيَةَ على (٢٩) مِلْكِ الميِّتِ، أو على مِلْكِ الوَرَثَةِ ابتداءً؟ وفيه روايتان؛ إحداهُما، أنَّها تحْدُث على
стр. 4569
مِلْكِ الميّتِ؛ لأنَّها بَدَلُ نَفْسِه، فيكونُ بَدَلُها له، كدِيَةِ أطْرافِه المقْطوعَةِ منه فى الحياةِ، ولأنَّه لو أسْقَطَها عن القاتِلِ بعدَ جَرْحِه إيَّاه، كان صحيحًا، وليس له إسْقاطُ حَقِّ الوَرَثَةِ، ولأنَّها مالٌ مَوْروثٌ، فأشْبَهَتْ سائِرَ أمْوالِه. والأُخْرَى، أنَّها تحْدُث على مِلْكِ الوَرَثَةِ ابتداءً؛ لأنَّها إنَّما تُسْتَحَقُّ بَعْدَ المَوْتِ، وبالْمَوْتِ تَزولُ أمْلاكُ الميِّتِ الثَّابِتَةُ له، ويَخْرُجُ عن أنْ يكونَ أهْلًا لِلْمِلكِ، وإنما يَثْبُتُ المِلْكُ لِوَرَثَتِه ابتداءً. ولا أعْلَمُ خِلافًا فى أَنَّ المَيِّتَ يُجَهَّزُ منها، إنْ كان قَبْلَ تَجْهيزِه؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ له شَىْءٌ، لَوَجَبَ تَجْهيزُه على من عليه نَفَقَتُه لو كان فقيرًا، فأوْلَى أنْ يَجِبَ ذلك فى دِيَتِه.
فصل: فى ميراثِ المفْقودِ، وهو نَوْعانِ؛ أحدُهما، الغالِبُ مِنْ حَالِه الهلاكُ، وهو مَنْ يُفْقَدُ فى مَهْلَكَةٍ، كالَّذى يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وقد هَلَكَ جَماعَةٌ، أو فى مَرْكَبٍ انْكَسَرَ، فَغَرِقَ بَعْضُ أهْلِه، أو فى مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فيها النَّاسُ، أو يُفْقَدُ من بَيْنِ أهْلِه، أو يَخْرُجُ لِصَلاةِ العِشاءِ أو غَيْرِها من الصَّلواتِ، أو لحِاجَةٍ قريبَةٍ، فلا يَرْجِعُ، ولا يُعْلَمُ خَبَرُه، فهذا يُنتَظَرُ به أرْبَعُ سنين، فإنْ لم يَظْهَرْ له خَبَرٌ، قُسِّمَ مالُه، واعْتَدَّتْ امْرَأتَّه عِدَّةَ الوَفاةِ، وحَلَّتْ لِلْأَزْواجِ، نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ. وذَكَرَ القَاضى أنَّه لا يُقَسَّمُ مالُه، حتَّى تَمْضِىَ عِدَّةُ الوَفاةِ بَعْدَ الأرْبَعِ سنين؛ لأنَّه الوَقْتُ الذى يُباحُ لامْرَأتِه التَّزَوُّجُ (٣٠) فيه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العِدَّةَ إنَّما تكونُ بَعْدَ الْوَفاةِ، فإذا حُكِمَ بِوفَاتِه فلا وَجْهَ لِلْوُقوفِ عَنْ قَسْمِ مالِه. وَإنْ ماتَ للمَفْقودِ مَنْ يَرِثُه قَبْلَ الحُكْمِ بِوَفاتِه، وُقِفَ لِلْمَفْقودِ نَصيبُه من مِيراثِه، وما يُشَكُّ فى مُسْتَحِقِّه، وقُسِمَ باقِيه؛ فإنَّ بانَ حَيًّا، أخَذَه، ورُدَّ الفَضْلُ إلى أهْلِه، وإِنْ عُلِمَ أنَّه ماتَ بَعْدَ مَوْتِ مَوْروثِه، دُفِعَ نصيبُه مع مالِهِ إلى وَرَثَتِه، وإن عُلِمَ أنَّه كان مَيِّتًا حينَ مَوْتِ مَوْروثِه، رُدَّ المَوْقوفُ إلى وَرَثَةِ الأَوَّلِ، وإِنْ مَضَتِ المُدَّةُ، ولم يُعْلَمْ خَبَرُه، رُدَّ أيضًا إلى وَرَثَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مشكوكٌ فى حَياتِه حينَ مَوْتِ مَوْروثِه، فلا نُوَرِّثُه مع الشَّكِ، كالْجَنِينِ
стр. 4570
الذى سقَطَ (٣١) مَيِّتًا، وكذلك إنْ عَلِمنا أنّه ماتَ، ولم يُدْرَ متى ماتَ. ولم يُفَرِّقْ سائِرُ أهْلِ العِلْمِ بينَ هذه الصُّورَةِ وبينَ سائِرِ صُورِ الفِقْدانِ فيما عَلِمنا، إلَّا أَنَّ مالِكًا، والشَّافِعىَّ، فى القَديمِ، وافَقا فى الزَّوْجَةِ أنَّها تَتَزَوَّجُ خَاصَّةً. والأظْهَرُ من مذْهَبِه مِثْلُ قَوْلِ الباقينَ، فأمَّا مالُه فاتّفَقوا على أنَّه لا يُقَسَّمُ حتَّى تَمْضِىَ مُدَّةً لا يَعيشُ فى مِثْلِها، على ما سَنَذْكُره فى الصُّورَةِ الأُخْرى، إنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّه مَفْقُودٌ لا يَتَحَقَقُ مَوْتُه، فأشْبَهَ التَّاجِرَ والسَّائِحَ. ولَنا، اتِّفاقُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على تَزْويِج امْرَأتِه على ما ذَكَرْناه فى العِدَدِ، وإذا ثَبَتَ ذلك فى النِّكاحِ مع الاحْتِياطِ لِلْأَبْضاعِ، ففى المالِ أوْلَى، ولأنَّ الظَّاهِرَ هَلاكُه، فأشْبَهَ ما لو مَضَتْ مُدَّةٌ لا يَعيشُ فى مِثْلِها. النَّوْعُ الثَّانى، مَن ليس الغالِبُ هَلاكَه، كالْمُسافِرِ لِتجِارَةٍ، أو طَلَبِ عِلْمٍ، أو سِياحَةٍ، ونحوِ ذلك، ولم يُعْلَمْ خَبَرُه، ففيه رِوايتانِ؛ إحْداهما، لا يُقَسَّمُ مالُه، ولا تَتَزَوَّجُ امْرَأتُه، حتَّى يُتَيَّقَنَ مَوْتُه، أو يَمْضِىَ عليه مُدَّةٌ لا يَعيشُ فى مِثْلِها، وذلك مَرْدودٌ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعىِّ (٣٢)، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ، وهو المشْهورُ عن مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ الأصْلَ حياتُه، والتَّقْديرُ لا يُصارُ إليه إلَّا بِتَوْقيفٍ، ولا تَوْقيفَ ههُنا، فَوَجَبَ التَّوَقُفُ عنه. والروايةُ الثّانيةُ، أنَّه يُنْتَظَرُ به تَمامُ تِسْعين سَنَةً مع سَنَةِ يومَ فُقِدَ. وهذا قَوْلُ عبدِ المَلكِ بنِ الماجِشُون؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعيشُ أكْثَر من هذا. وقال عبدُ اللَّهِ ابنُ عبدِ الْحَكَمِ: يُنْتَظَرُ به إلى تَمامِ سَبْعينَ سَنَةً مع سَنَةِ يومَ فُقِدَ. ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "أعْمَارُ أُمَّتِى مَا بَيْنَ السَّبْعينَ والسِّتِّينَ" (٣٣). أو كما قال؛ ولأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعِيشُ أكْثَرَ من هذا، فأشْبَهَ التِّسْعينَ. وقال الحَسَنُ بْنُ زيادٍ: يُنْتَظَرُ به تَمامُ مائةٍ وعِشْرينَ سَنَةً. قال: ولو فُقِدَ وهو ابنُ سِتِّينَ سَنَةً، وله مال، لم يُقَسَّمْ مالُه حتَّى يَمْضِىَ
стр. 4571
عليه سِتُّون سَنَةً أُخرى، فيكونُ له مع سِنِّهِ يومَ فُقِدَ مائةٌ وعِشْرون سَنَةً، فَيُقَسَّمُ مالُه حينئذٍ بَيْنَ وَرَثَتِه إنْ كانوا أحْياءَ، وإِنْ ماتَ بعضُ وَرَثَتِه قبلَ مُضِىِّ مائةٍ وعِشْرينَ، وخَلَّفَ وَرَثَةً لم يكُنْ لهم شىءٌ من مالَ المفْقودِ، وكان مالُه لِلْأَحْياءِ من وَرَثَتِه، ويوقَفُ لِلْمَفْقودِ حِصَّتُه من مالِ مَوْروثِه الذى ماتَ فى مُدَّةِ الانْتِظارِ، فإنْ مَضَتِ المُدَّةُ ولم يُعْلَمْ خَبَرُ الْمَفْقودِ، رُدَّ الْمَوْقوفُ إِلى وَرَثَةِ مَوْروثِ الْمَفْقودِ، ولم يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَفْقودِ. قال اللُّؤْلُؤِىُّ: وهذا قوْلُ أبى يوسف. وحَكَى الْخَبْرِىُّ عن اللُّؤْلُؤِىِّ أنَّه قالَ: [إنَّ المَوْقوفَ لِلْمَفْقودِ، وإِنْ لم يُعْلَمْ خَبَرُه يَكونُ لِوَرَثَتِهِ. قال] (٣٤): وهو الصَّحيحُ عِنْدى، والذى ذَكَرْناه هو الذى حكاه ابْنُ اللَّبَّانِ عن اللُّؤْلُؤِىِّ، فقال: لو ماتَتِ امْرَأةُ الْمَفْقودِ قَبْلَ تمامِ مائةٍ وعِشْرين سَنَةً بِيَوْمٍ، أو بعدَ فَقْدِه بِيَوْمٍ، تَمَّتْ (٣٥) مائةٌ وعِشْرونَ سَنَةً، لم تُوَرَّثْ منه شَيْئًا، ولم نُورِّثْه منها؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ أيَّهما ماتَ أوَّلًا. وهذا قياسُ قَوْلِ مَنْ قالَ فى الْغَرْقَى: إنَّه لا يُوَرَّثُ أحَدُهم من صاحِبِه، ويَرِثُ كُلَّ واحِدٍ (٣٦) الأحْياءُ مِنْ وَرَثَتِه. قال القَاضِى: هذا قِياسُ قَوْلِ أحمدَ. واتَّفَقَ الْفُقهاءُ على أنَّه لا يَرِثُ المْفقودَ إلّا الأحْياءُ مِنْ وَرَثَتِه يَوْمَ قَسْمِ مالِه، لا مَنْ ماتَ قبلَ ذلك، ولو بِيَوْمٍ. واخْتَلَفوا فى مَن ماتَ وفى وَرَثَتِه مَفْقودٌ، فمذْهَبُ أحمدَ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ، على أنَّه يُعْطَى كُلُّ وارِثٍ (٣٧) من وَرَثَتِه الْيَقينَ، ويُوقَفُ الباقى حتى يُتَبَيَّنَ أمْرُه، أو تَمْضِىَ مُدَّةُ الانْتِظارِ، فتَعْمَلُ المسْألَةَ على أنَّه حَىٌّ، ثمَّ على أنَّه مَيِّتٌ، وتَضْرِبُ إحْداهُما فى الأُخْرى إنْ تَبايَنَتا، أو فى وَفْقِهما إنِ اتَّفَقَتا، وتَجْتَزِئُ إحْداهُما إنْ تَماثَلَتا، أو بِأكْثَرِهما إن تَناسَبَتا، وتُعْطِى كُلَّ واحِدٍ أقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، ومَنْ لا يَرِثُ إلَّا مِنْ أحَدِهما لا تُعْطِيه شَيْئًا، وتَقِفُ الباقىَ. ولهم أنْ يَصْطَلِحوا على ما زادَ على نَصيبِ الْمَفقودِ، واخْتارَه ابْنُ اللَّبَّانِ؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ عنهم. وأنْكَرَ ذلك الوَنِّىُّ (٣٨)، وقالَ: لا فائِدَةَ فى أنْ يَنْقُصَ بَعْضُ الوَرَثَةِ عَمّا يَسْتَحِقُّه فى مَسْأَلَةِ الحياةِ،
стр. 4572
وهى مُتَيَقَّنَةٌ (٣٩)، ثمَّ يُقالُ له: لك أنْ تُصالِحَ على بَعْضِه. بل إنْ جازَ ذلك، فالأوْلى أنْ نُقَسِّمَ المسْألَةَ على تَقْديرِ الْحياةِ، ونَقِفَ نَصيبَ الْمَفْقودِ لا غيْرُ. والأوَّلُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ الزَّائِدَ عن (٤٠) نَصيبِ المَفْقودِ من الموْقوفِ مَشْكوكٌ فى مُسْتَحِقِّه، ويَقِينُ الْحَياةِ مُعارَضٌ بِظُهور الْمَوْتِ، فَيَنْبَغى أنْ يُوَرَّثَ (٤١) كالزَّائدِ عن الْيَقينِ فى مَسائِلِ الْحَمْلِ. والاسْتِهْلالِ، ويَجوزُ لِلْوَرَثَةِ الْمَوْجودينَ الصُّلْحُ عليه؛ لأنَّه حَقُّهُم، لا يَخْرُجُ عنهم، وإباحَةُ الصُّلْحِ عليه لا تَمْنَعُ وُجُوبَ وَقْفِه، كما تَقَدَّمَ فى نَظائِرِه، وَوُجوبُ وَقْفِه لا يَمْنَعُ الصُّلْحَ عليه لذلك، ولأنَّ تَجْويزَ أخْذِ الإنْسانِ حَقَّ غَيْرِه بِرِضَاه وَصُلْحِه، لا يَلْزَمُ منه جَوازُ أخْذِه بِغَيْرِ إذْنِه. وظاهِرُ قَوْلِ الوَنِّىِّ هذا أنْ تُقَسَّمَ المسْألَةُ على أنَّه حَىُّ، ويَقِفَ نَصيبَه لا غَيْرُ. وقال بَعْضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: يُقَسَّمُ المالُ على الْمَوْجودينَ؛ لأنَّهم مُتَحَقِقونَ، والمَفْقودُ مَشْكوكٌ فيه، فلا يُورَّثُ مع الشَّكِ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: القَوْلُ قَوْلُ مَنِ الْمالُ فى يَدِه، فلو ماتَ رَجُلٌ، وخَلَّفَ ابْنَتَيْه، وابْنَ ابْنٍ، أبوه مَفْقُودٌ، وَالْمالُ فى يَدِ الابْنَتَيْنِ، فاخْتَصَموا إلى القاضِى، فإنَّه لا يَنْبَغى للقاضِى أنْ يُحَوِّلَ الْمالَ عن مَوْضِعِه، ولا يَقِفَ منه شَيْئًا، سواءً اعْتَرفَتِ الابْنتانِ بِفَقْدِه، أو ادَّعَتا مَوْتَه. وإِنْ كان المالُ فى يَدِ ابنِ الْمَفْقودِ، لم يُعْطَ الابْنَتانِ إلَّا النِّصْفَ، أقلَّ ما يكونُ لهما، وإِنْ كانَ المالُ فى يَد أجْنَبِىٍّ، فَأَقَرَّ بأنَّ الابْنَ مَفْقودٌ، وُقِفَ له النِّصْفُ فى يَدَيْهِ، وإِنْ قال الأجْنَبِىُّ: قد ماتَ الْمَفْقودُ، لَزِمَه دَفْعَ الثُّلُثَيْنِ إلى البِنْتَيْنِ، ويُوقَفُ الثُّلُثُ، إلَّا أنْ يُقِرَّ ابْنُ الابْنِ بِمَوْتِ أبيه، فيُدْفَعَ إليه الباقى. والْجُمْهورُ على الْقَوْلِ الأَوَّلِ.
ومن مَسائِلِ ذلك: زَوْجٌ وأُمٌّ وأُخْتٌ وَجَدٌّ وأخٌ مَفْقودٌ، مَسْألةُ الْمَوْتِ، من سَبْعَةٍ وعِشْرينَ؛ لأنَّها مَسْألَةُ الأكْدَرِيَّةِ، ومَسْألَةُ الْحَياةِ من ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وهما يَتَّفِقانِ بالأتْساعِ، فتَضْرِبُ تُسْعَ إحْداهما فى الأُخْرى، تَكُنْ أرْبَعَةً وخَمْسينَ، للزَّوْجِ النِّصْفُ من مَسْألَةِ الْحَياةِ، والثُّلُثُ من مَسْألَةِ الْمَوْتِ، فَيُعْطَى الثُّلُثَ، ولِلْأُمِّ التُّسْعانِ من
стр. 4573
مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، والسُّدُسُ من مَسْأَلَةِ الْحَياةِ، فَتُعْطَى السُّدُسَ، ولِلْجَدِّ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا من مَسْأَلةِ الْمَوْتِ، وتِسْعَةٌ من مَسْألَةِ الْحياةِ، فَيَأْخُذُ التِّسْعَةَ، ولِلأُخْتِ ثمانيةٌ من مَسْأَلَة الْمَوْتِ، وثلاثةٌ منٍ مَسْأَلَةِ الْحياةِ، فَتَأْخُذُ ثلاثةً، ويَبْقى خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْقوفَةً، إنْ بانَ أَنَّ الأخَ حَىٌّ أخَذَ سِتَّةً، وأخَذَ الزَّوْجٍ تِسْعَةً، وإِنْ بان مَيِّتًا، أو مَضَتِ المُدَّةُ قَبْلَ قُدومِه، أخَذَتِ الأُمُّ ثَلَاثَةً، والأُخْتُ خَمْسَةً، والجَدُّ سَبْعَةً. واخْتارَ الخَبْرِىُّ أَنَّ المُدَّةَ إذا مَضَتْ، ولم يَتَبيَّن أمرُه، أنْ (٤٢) يُقَسَّمَ نصيبُه مِن الْمَوْقوفِ على وَرَثَتِه؛ لأنَّه (٤٣) كان مَحْكومًا بِحَياتِه؛ لأنَّها الْيَقينُ، وإنَّما حَكَمْنا بِمَوْتِه بِمُضِىِّ الْمُدَّةِ. ولَنا، أنَّه مالٌ مَوْقُوف لِمَنْ يُنْتَظَرُ مِمَّنْ لا يُعْلَمُ حالُه، فإذا لم تُتَبَيَّنْ حياتُه، لم يكُنْ لورثتِه، كالموقوفِ للحَمْلِ، وللورثةِ أن يصْطلِحْوا على التِّسعةِ قبلَ مُضِىِّ المُدَّةِ. زوجٌ وأبَوان وابْنَتانِ مَفْقودَتان، مسألةُ حياتِهما من خمسةَ عشرَ، وفى حياةِ إحْداهما من ثلاثَةَ عشرَ، وفى مَوْتِهما من سِتَّةٍ، فتَضْربُ ثُلُثَ السِّتَّةِ فى خمسةَ عشرَ، ثمَّ فى ثلاثةَ عشرَ، تكُنْ ثَلاثَمائة وتِسْعينَ، ثمَّ تُعْطِى الزَّوجَ والأبَوَيْنِ حُقوقَهم من مَسْألةِ (٤٤) الحياة مضروبًا فى اثْنَيْنِ، ثمَّ فى ثلاثةَ عشرَ، وتَقِفُ الباقِىَ. وإن كان فى المسألةِ ثلاثةٌ مَفْقُودُون، عَمِلْتَ لهم أرْبعَ مَسائل. وإن كانوا أرْبعةً عَمِلْتَ لهم خَمْسَ مَسائل. وعلى هذا. وإن كان المفقودُ يَحْجُبُ ولا يَرِثُ، كزَوجٍ وأُخْتٍ من أبَوَيْن وأختٍ من أبٍ وأخٍ لها مَفْقودٍ، وَقَفْتَ السُّبعَ بينهما وبين الزَّوْجِ والأخْتِ من الأبَوَيْنِ. وقيل: لا يُوقَفُ ههُنا شىءٌ، وتُعْطَى الأختُ من الأبِ السُّبعَ؛ لأنَّها لا تُحْجَبُ بالشَّكِّ، كما لا تُوَرَّثُ (٤٥) بالشَّكِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ دَفْعَ السُّبعِ إليها توْريِثٌ بالشك، وليس فى الوَقْفِ حَجْبٌ يقينًا، إنَّما هو تَوَقُّفٌ عن صَرْفِ المالِ إلى إحْدَى الجِهَتينِ المَشْكُوكِ فيها. ويعارضُ قولَ هذا القائلِ قولُ مَنْ قال:
стр. 4574
إنَّ اليقينَ حياتُه، فيُعْمَلُ على أنَّه حَىٌّ، ويُدْفَعُ المالُ إلى الزوجِ والأُختِ من الأبوينِ. والتَّوَسُّطُ بما ذَكَرْناه أوْلَى. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: والأسيرُ كالمفقودِ، إذا انْقَطع خبرُه. وإن عُلِمَتْ حياتُه، وَرِثَ، فى قولِ الجُمهورِ. وحُكِىَ عن سعيد بن المُسَيَّبِ أنَّه لا يَرِثُ؛ لأنَّه عَبْدٌ، وحُكِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ، وقَتادةَ. والصحيحُ الأولُ. والكُفَّارُ لا يَمْلِكُون الأحْرارَ. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: فى التَّزويِج فى المرضِ والصِّحةِ. حُكْمُ النِّكاحِ فى المرضِ والصِّحَّةِ سواءٌ فى صِحَّةِ العَقْدِ، وتَوْريثِ كلِّ واحدٍ منهما من صاحبِه، فى قَوْلِ الجُمهورِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالكٌ: أىُّ الزَّوجَيْنِ كان مريضًا مَرَضًا مَخُوفًا حالَ عقدِ النِّكاحِ، فالنِّكاحُ فاسدٌ، لا يتَوارَثان به، إلَّا أن يُصِيبَها، فيكونُ لها المُسَمَّى فى ثلاثةٍ مُقَدَّمًا على الوَصِيَّةِ. وعن الزُّهْرِىِّ، ويحيى بن سعيدٍ، مثلُه. واخْتَلفَ أصحابُ مالكٍ فى نِكاحِ مَنْ لم يَرِثْ، كالأمَةِ والذِّمِّيَّةِ، فقال بعضُهم: يَصِحُّ؛ [لأنَّه لا] (٤٦) يُتَّهَمُ بقَصْدِ تَوْرِيثِها. ومنهم مَنْ أبْطَله؛ لجوازِ أن تكونَ وارثةً. وقال رَبِيعةُ، وابنُ أبى لَيْلَى: الصَّداقُ والميراثُ من الثُّلُثِ. وقال الأوزاعِىُّ: النِّكاحُ صحيحٌ، ولا مِيراثَ بينهما. وعن القاسِم ابن محمدٍ، والحسنِ: إن قَصَدَ الإضرارَ بورثتِه، فالنِّكاحُ باطلٌ، وإلَّا فهو صحيحٌ. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَصِحُّ فى الصِّحّةِ، فيَصِحُّ فى المرض كالبَيْعِ، ولأنَّه نِكاحٌ صَدَرَ من أهْلِه فى مَحَلِّه بِشَرْطِه، فيَصِحُّ كحالِ الصِّحةِ، وقد روَيْنا أَنَّ عبدَ الرحمنِ ابن أُمِّ الحَكَمِ (٤٧) تَزَوَّجَ فى مَرَضِه ثلاثَ نِسْوةٍ، أصْدَقَ كلَّ واحدةٍ ألْفًا ليُضَيِّقَ بهِنَّ على امْرَأتِه، ويَشْرَكْنَها فى مِيراثِها، فأُجِيزَ ذلك. وإذا ثَبَتَ صِحَّةُ النِّكاحِ، ثَبَتَ الميراثُ بعُمُوم الآيةِ.
стр. 4575
فصل: ولا فَرْقَ فى ميراثِ الزَّوْجَيْنِ بينَ ما قَبْلَ الدُّخولِ وبَعْدَه؛ لعُمومِ الآية، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى لِبَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ بالميراثِ، وكان زوجُها مات عنها قبلَ أن يَدْخُل بها، ولم يَفْرِضْ لها صداقًا (٤٨). ولأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ ثابتٌ، فيُوَرَّثُ به، كما بعدَ الدُّخولِ.
فصل: فأمَّا النِّكاحُ الفاسِدُ، فلا يَثْبُتُ به التَّوارثُ بين الزَّوْجينِ؛ لأنَّه ليس بنكاحٍ شرعىٍّ. وإذا اشْتَبَهَ مَنْ نِكاحُها فاسدٌ بمَنْ نكاحُها صحيحٌ، فالمنْقوُل عن أحمدَ، أنَّه قال فى مَن تَزَوَّجَ أُخْتَينِ، لا يَدْرِى أيَّتَهما تَزَوَّجَ أوَّلَ: فإنَّه يُفَرَّقُ بينهما. وَتَوَقَّفَ عن أن يقولَ فى الصَّداقِ شيئًا. قال أبو بكرٍ: يتَوَجَّهُ على قَوْلِه أن يُقْرَعَ بينهما. فعلى هذا الوجهِ يُقْرَعُ بينهما فى الميراثِ إذا مات عنهما. وعن النَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، ما يَدُلُّ على أن المَهْرَ والميراثَ يُقَسَّمُ بينهنَّ على حَسَبِ الدَّعاوَى والتَّنْزِيلِ، كميراثِ الخَنَاثَى. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. وقال الشافِعِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يُوقَفُ المشْكوكُ فيه من ذلك، حتَّى يَصْطَلِحْنَ عليه، أو يَتَبَيَّنَ الأمرُ. فلو تَزَوّجَ امرأةً فى عَقْدٍ، وأربعًا فى عقدٍ، ثمَّ مات، وخَلَّفَ أخًا، ولم يُعلمْ أىُّ العَقْدينِ سَبَقَ، ففىِ قول أبى حنيفةَ، كلُّ واحدةٍ تَدَّعِى مَهْرًا كاملًا يُنْكِرُه الأخُ، فتُعْطَى كلُّ واحدةٍ نِصْف مَهْرٍ، ويُؤْخَذُ رُبْعُ الباقى تَدَّعِيه الواحدةُ والأرْبَعُ، فيُقَسَّمُ للواحدةِ (٤٩) نِصْفه، وللأَرْبع نِصْفُه. وعند الشافِعِىِّ، أكثرُ ما يَجِبُ عليه أرْبَعةً مُهُورٍ فيُؤْخَذُ (٥٠) ذلك، يُوقَفُ منها مَهْرٌ بين النساءِ الخَمْسِ، ويَبْقَى ثلاثةٌ تَدَّعِى الواحدةُ رُبْعَها ميراثًا، ويَدَّعِى الأخُ ثلاثةَ أرْباعِها، فيُوقَفُ منها ثلاثةُ أرباعِ مَهْرٍ بينَ النِّساءِ الخَمْسِ، وباقِيها وهو مَهْران ورُبعٌ بين الأَرْبعِ والأخِ (٥١)، ثمَّ يُؤْخَذُ ربعُ ما بَقِىَ،
стр. 4576
فيُوقَفُ بين النِّساءِ الخَمْسِ، والباقِى للأخِ. وإن تزوَّجَ امرأةً فى عَقْدٍ، واثنتينِ فى عَقْدٍ، وثلاثًا فى عَقْدٍ، ولم يُعْلَمِ السَّابقُ، فالواحدةُ نِكاحُها صحيحٌ، فلها مَهْرُها، ويَبْقَى الشَّكُّ فى الخَمْس، فعلى قولِ أهلِ العراقِ لهنَّ مَهْران بيَقِينٍ، والثالثُ لهنَّ فى حالٍ دون حالٍ، فيكونُ لَهُنَّ نِصْفُه، ثم يُقَسَّمُ ذلك بينهنَّ لكلِّ واحدةٍ نِصْفُ مَهْرٍ، ثم يُؤْخَذُ رُبْعُ الباقِى لَهُنَّ ميراثًا، فللواحدة رُبْعُه يَقِينًا، وتَدَّعِى نِصْفَ سُدُسِه، فتُعْطَى نِصْفَه، فيصيرُ لها من الرُّبْعِ سُدُسُه وثُمْنُه، وذلك سَبْعةٌ من أرْبعةٍ وعِشْرينَ، والاثْنَتانِ تَدَّعِيَان ثُلُثَيْه، وهو سِتَّةَ عشرَ سهمًا، فيُعْطَيْنَ نِصْفَه، وهو ثمانيةُ أسْهُمٍ، والثلاثُ يَدَّعِينَ ثلاثةَ أرباعِه، وهو ثمانيةَ عشرَ سهمًا، فيُعْطَيْنَ تُسْعَه. وهذا قول محمدِ بن الحسنِ. وعلى قولِ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ، تُقَسّمُ السَّبْعَةَ عشرَ بين الثَّلاثِ والاثْنَتَيْنِ نِصْفَيْنِ، فيَصِيرُ الرُّبعُ من ثمانيةٍ وأربعينَ سهمًا، ثم تضربُ الاثْنَيْنِ فى الثَّلاثِ، ثم فى الثَّمانيةِ والأرْبعين، تكُنْ مائتَيْنِ وثمانيةً وثمانينَ، فهذا رُبْعُ المالِ. وعند الشافِعِىِّ تُعْطَى الواحدةُ مَهْرَها، ويُوقَفُ ثلاثةُ مُهُورٍ؛ مَهْرانِ منها بين الخَمْسِ، ومَهْرٌ تَدَّعِيه الوإحدةُ، والاثْنَتانِ رُبْعه مِيراثًا، وتَدَّعِيه الثَّلاثُ مَهْرًا وثلاثةُ أرباعِه تَدّعِيه الأُخرى ميراثًا وتَدّعِيه الثلاثُ مهرًا، ويُؤْخَذُ ربعُ ما بَقِىَ فيُدْفَعُ رُبْعُه إلى الواحدةِ، ونِصْفُ سُدُسِه بين الواحدةِ والثلاثِ موقوفٌ، وثُلُثاه بين الثَّلاثِ والاثْنَتَيْنِ موقوفٌ، فإن طَلَبَتْ واحدةٌ من الخَمْسِ شيئا من الميراثِ الموقوفِ، لم يُدْفَعْ إليها شىءٌ، وكذلك إن طَلَبه أحدُ الفريقَيْنِ، لم يُدْفَعْ إليه شىءٌ. وإن طلبتْ واحدةٌ من الثلاثِ، وواحدةٌ من الاثْنَتَيْنِ، دُفِعَ إليهما رُبْعُ الميراثِ. وإن طَلَبَتْه واحدةٌ من الاثْنَتَيْنِ، واثْنتانِ من الثَّلاثِ، أو الثَّلاثُ كلُّهنَّ، دُفِعَ إليهنَّ ثُلُثُه. وإن عَيَّنَ الزَّوْجُ المَنْكوحاتِ أوَّلًا، قُبِلَ تَعْيينُه وثَبَتَ. وإن وَطِئَ واحدةً منهنَّ، لم يكُنْ ذلك تَعْيِينًا لها. وهذا قولُ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وللمَوْطوءةِ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرُ المِثْلِ، فيكون الفضلُ بينهما مَوْقُوفًا. وعلى قول أهلِ العراقِ، يكونُ تَعْيِينًا، فإن كانت المَوْطُوءَةُ من الاثْنَتَيْنِ، صَحَّ نِكاحُها، وبَطَلَ نِكاحُ الثَّلاثِ، وإن كانت من الثَّلاثِ، بَطَلَ نِكاحُ الاثْنَتَيْنِ، وإن وَطِئَ واحدةً من الاثْنَتَيْنِ، وواحدةً من الثَّلاثِ، صحَّ نِكاحُ الْفَرِيقِ المَبْدوءِ بوَطْءِ واحدةٍ منه، وللمَوْطُوءةِ التى لم يَصِحَّ نِكاحُها مَهْرُ مِثْلِها، فإن
стр. 4577
أشْكَلَ أيضًا، أُخِذَ منه اليقينُ، وهو مَهْران مُسَمَّيانِ ومَهْرُ مِثْلٍ، ويَبْقَى مَهْرٌ مُسَمًّى تَدَّعِيه النِّسْوةُ، ويُنْكِرُه الأخُ، فيُقَسَّمُ بينهما، فيَحْصُلُ للنِّسْوةِ مَهْرُ مِثْلٍ ومُسَمَّيانِ ونِصْفٌ، منها مَهْرٌ مُسَمًّى، ومَهْرُ مِثْلٍ يُقَسَّمُ بين المَوْطُوءتَيْنِ نِصْفَيْنِ، ويَبْقَى مُسَمًّى ونصفٌ بينَ الثَّلاثِ الباقياتِ، لكلِّ واحدةٍ نِصْفُ مُسَمًّى، والميراثُ على ما تقدَّم. وعندَ الشافِعىِّ، لا حُكْمَ للوَطْءِ فى التَّعْيِينِ، وهل يقوم تَعْيِينُ الوارثِ مَقامَ تَعْيينِ الزَّوْجِ؟ فيه قولان. فعلى قوله، يُؤْخَذُ مُسَمًّى ومَهْرُ مِثْلٍ للمَوْطوءَتَيْنِ، تُعْطى كلُّ واحدةٍ الأقَلّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ، ويَقِفُ الفضلُ بينهما، ويَبْقَى مُسَمَّيان ونصفٌ، يَقِفُ أحَدَهما بين الثلاثِ اللَّاتِى لم يُوطَأْنَ، وآخرَ بين الثَّلاثِ والاثْنَتَيْنِ، والميراثُ على ما تقدَّم. وحُكِىَ عن الشَّعْبىِّ والنَّخَعِىّ، فى مَن له أرْبَعُ نِسْوةٍ بَتَّ (٥٢) طلاقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَحَ خامسةً، ومات ولم يُدْرَ أيَّتهُنُّ طَلَّقَ، فللخامسةِ رُبْعُ الميراثِ، وللأرْبعِ ثلاثةُ أرْباعِه بيْنَهُنَّ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ إذا كان نكاحُ الخامسةِ بعدَ انْقضاءِ عِدّةِ المُطَلَّقةِ. ولو أنَّه قال بعدَ نكاحِ الخامسةِ: إحدى نسائِى طالِقٌ. ثم نَكَحَ سادسةً، ثم مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، فللسَّادسةِ رُبْعُ الميراثِ، وللخامسةِ رُبْعُ ثلاثةِ الأرْباعِ الباقِيةِ (٥٣)، وما بَقِىَ بين الأرْبَعِ الأُوَلِ أرْباعًا. وفى قولِ الشافِعىِّ، ما أشْكَلَ من ذلك موقوفٌ على ما تقدَّم.
فصل: فى الطَّلاق. إذا طَلّقَ الرجلُ امرأتَه طلاقًا يَمْلِكُ رَجْعَتَها فى عِدَّتِها، لم يَسْقُطِ التَّوارثُ بينهما، ما دامتْ فى العِدَّةِ، سواءٌ كان فى المرضِ أو الصِّحةِ. بغير خلافٍ نعلَمُه. ورُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلِىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وذلك لأنَّ الرَّجْعِيةَ زَوْجةٌ يَلْحَقُها طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، ويَمْلِكُ إمْساكَها بالرَّجعةِ بغيرِ رِضاها ولا وَلِىٍّ ولا شُهُودٍ ولا صَدَاقٍ جَدِيد، وإن طَلَّقها فى الصحةِ طلاقًا بائِنًا أو رَجْعِيًّا، فبانَتْ بانْقضاءِ عِدَّتِها، لم يَتَوارثًا إجماعًا. وإن كان
стр. 4578
الطَّلاقُ فى المرضِ الْمَخُوفِ، ثم مات من مَرَضِه ذلك فى عِدَّتِها، وَرِثَتْه ولم يَرِثْها إن ماتت. يُرْوَى هذا عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال عُرْوةُ، وشُرَيْحٌ، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ فى أهل العراقِ، ومالكٌ فى أهلِ المدينةِ، وابنُ أبى ليلَى. وهو قولُ الشافِعىِّ فى القَدِيم. ورُوِىَ عن [عُتْبةَ بن] (٥٤) عبدِ اللَّه ابن الزُّبَيرِ: لا تَرِثُ مَبْتُوتة. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وعبدِ الرحمن بن عَوْفٍ. وهو (٥٥) قولُ الشافِعىِّ الجديدُ؛ لأنَّها بائِنٌ، فلا تَرِثُ، كالبائنِ فى الصِّحَّةِ، أو كما لو كان الطَّلاقُ باخْتِيارها، ولأنَّ أسبابَ المِيراثِ مَحْصُورةٌ فى رَحِمٍ ونكاحٍ ووَلاءٍ، وليس لها شىءٌ من هذه الأسْباب. ولَنا، أَنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وَرَّثَ تُماضِرَ بنتَ الأصْبَغِ الكَلْبِيَّةَ من عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، وكان طَلَّقها فى مرضِه فبَتَّها (٥٦). واشْتَهر ذلك فى الصحابةِ فلم يُنْكَرْ، فكان إجماعًا. ولم يَثْبُتْ عن علِىٍّ ولا عبدِ الرحمنِ خلافٌ فى هذا، بل قد رَوَى عُرْوةُ عن عثمانَ أنَّه قال لعبدِ الرحمنِ: لئِن مِتَّ لأُوَرِّثَنْها منك. قال: قد عَلِمتُ ذلك. وما رُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ إن صَحَّ (٥٧)، فهو مَسْبوقٌ بالإِجْماعِ. ولأنَّ هذا قَصَدَ قَصْدًا فاسدًا فى الميراثِ، فعُورِضَ بنَقِيض قَصْدِه، كالقاتِلِ القاصِدِ اسْتِعجالَ الميراثِ يُعاقَبُ بحِرْمانِه. إذا ثَبَتَ هذا، فالمشْهورُ عن أحمدَ أنَّها تَرِثُه فى العِدَّةِ وبَعْدَها ما لم تتزوجْ. قال أبو بكرٍ: لا يخْتَلِفُ قولُ أبى عبدِ اللَّه فى المَدْخولِ بها، إذا طَلَّقها المريضُ، أنَّها تَرِثُه فى العِدَّة، وبعدَها (٥٨) ما لم تتزَوَّجْ. رُوِى ذلك عن الحسنِ. وهو قولُ الْبَتِّىِّ، وحُمَيدٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، وبعضِ البَصْريِّين، وأصْحابِ الحَسَنِ، ومالكٍ فى أفل
стр. 4579
المدينةِ. وذُكِرَ عن أُبَىّ بن كَعْبٍ، لما رَوَى أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمن، أَنَّ أباه طَلَّق أمَّه وهو مريضٌ، فمات، فوَرِثَتْه بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة. ولأنَّ سببَ تَوْرِيثِها فِرَارُه من مِيراثِها، وهذا المعنَى لا يزولُ بانْقِضاءِ العِدَّة. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يدلُّ على أنَّها لا تَرِثُ بعدَ العِدَّةِ، فإنَّه قال، فى رِوايِة الأثْرم: يَلْزَمُ مَنْ قال: له أن يتزوَّجَ أرْبعًا قبلَ انقضاءِ عِدَّةِ مُطَلَّقاتِه. أنَّه لو طَلَّق أربعَ نِسْوةٍ فى مَرَضِه، ثم تزوجَ أربعًا، ثم مات من مَرَضِه ذلك، أَنَّ الثمانِىَ يَرِثْنَه كُلَّهُنَّ، فيكون مُسْلِمًا (٥٩) يَرِثُه ثمانِ نِسْوةٍ. وهذا [إنْكارٌ لِقَوْلٍ] (٦٠) يَلْزَمُ منه تَوْرِيثُ ثمانٍ، وتَوْرِيثُها بعدَ العِدَّةِ يَلْزَمُ منه ذلك، ولأنَّه قال فى المُطَلَّقةِ قبلَ الدُّخُولِ: لا تَرِثُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ لها. وهذه كذلك فلا تَرِثُ. وهذا قولُ عُرْوَةَ، وأبى حنيفةَ وأصحابِه، وقولُ الشافِعىِّ القديمُ؛ لأنَّها تُباحُ لزَوْجٍ آخرَ، فلم تَرِثْه، كما لو كان فى الصحةِ، ولأنَّ تَوْرِيثَها بعَد العِدَّةِ يُفْضِى إلى توريثِ أكثرَ من أربعِ نِسْوَةٍ، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو تَزَوَّجتْ، وإن تزوَّجتِ المَبْتوتةُ لم تَرِثْه، سواءٌ كانت فى الزَّوْجِيَّةِ، أو بانتْ من الزَّوْجِ الثانى. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال مالكٌ فى أهلِ المدينةِ: تَرِثُه؛ لما ذَكَرْنا للرِّوايةِ الأُولَى، ولأنَّها شخصٌ يَرِثُ مع انْتفاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فوَرِثَ معها، كسائرِ الوارِثينَ. ولَنا، أَنَّ هذه وارثةٌ من زَوْجٍ، فلا تَرِثُ زَوْجًا سِوَاهُ، كسائرِ الزَّوْجاتِ، ولأنَّ التَّوْرِيثَ (٦١) من حُكْمِ النِّكاحِ، فلا يجوزُ اجْتماعُه مع نكاحٍ آخرَ، كالعِدّةِ، ولأنَّها فَعَلَتْ باخْتيارِها ما يُنافِى نِكاحَ الأَوَّلِ لها، فأشْبَهَ ما لو كان فَسخُ النِّكاحِ من قِبَلِها.
فصل: ولو صحَّ من مَرَضِه ذلك، ثم مات بعدَه، لم تَرِثْهُ، فى قول الجمهورِ. ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، والشعبىِّ، والثَّوْرىِّ، وزُفَرَ، أنَّها تَرِثُه؛ لأنَّه طلاقُ مَرَضٍ قُصِدَ به الْفرارُ من الميراثِ، فلم يَمْنَعْه، كما لو لم يَصِحَّ. ولَنا، أَنَّ هذه بائنٌ بطَلاقٍ فى غير مَرَضِ
стр. 4580
الموتِ، فلم تَرِثْه، كالمُطَلَّقةِ فى الصِّحَّةِ، ولأنَّ حُكْمَ هذا المرضِ حُكْمُ الصِّحَّةِ فى العَطَايا والإِعتاقِ والإِقْرارِ، فكذلك فى الطَّلاقِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا قَصَدَ الفرارَ بالطَّلاقِ فى صِحّتِه.
فصل: ولو طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا فى مَرَضِه قبلَ الدُّخولِ بها، فقال أبو بكرٍ: فيها أرْبَعُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لها الصَّداقُ كاملًا والميراثُ، وعليها العِدَّةُ. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهو قولُ الحسنِ، وعطاءٍ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ الميراثَ ثَبَتَ للمَدْخولِ بها لفرارِه منه، وهذا فارٌّ، وإذا ثَبَتَ الميراثُ ثبتَ وجوبُ [العِدَّةِ و] (٦٢) تكْمِيلُ الصَّداقِ، وينْبَغِى أن تكونَ العِدَّةُ عِدَّةَ الوَفاةِ؛ لأنَّا جَعَلْناها فى حُكْمِ مَنْ تُوُفِّىَ عنها وهى زوجةٌ، ولأنَّ الطَّلاقَ لا يُوجِبُ عِدّةً على غيرِ مدخولٍ بها. الثانية، لها الميراثُ والصَّداقُ، ولا عِدَّةَ عليها. وهو قول عَطاءٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ حقٌّ عليها، فلا يجبُ بفرارِه. والثالثة، لها الميراثُ ونصفُ الصَّداقِ، وعليها العِدَّةُ. وهذا قولُ مالكٍ، فى روايةِ أبى عُبَيْدٍ عنه؛ لأنَّ مَنْ تَرِثُ يجبُ أن تَعْتَدَّ، ولا يَكْمُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على تَنْصِيفِه بالطَّلاقِ قبلَ المَسِيسِ، ولا تجوزُ مخالَفَتُه. والرابعة، لا ميراثَ لها، ولا عِدَّةَ عليها، ولها نصفُ الصَّداقِ. وهو قول جابرِ بن زَيدٍ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ، والشَّافِعىِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ. قال أحمدُ: قال جابرُ بن زيدٍ: لا ميراثَ لها، ولا عِدَّةَ عليها. وقال الحسنُ: تَرِثُ. قال أحمدُ: أذهبُ إلى قولِ جابرٍ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على تَنْصيفِ الصَّداقِ، ونَفَى العِدَّةَ عن المُطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ بقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٦٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٦٤). ولا يجوزُ مخالفةُ نَصِّ الكتابِ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّم. وأمَّا الميراثُ، فإنَّها ليستْ بزَوْجةٍ ولا
стр. 4581
مُعْتَدَّةٍ من نِكاحٍ، فأشْبَهَتِ المُطلَّقةَ فى الصِّحَّةِ. واللَّه أعلم. ولو خَلَا بها، وقال: لمَّا أطَأْها. وصَدَّقَتْه، فلها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ للوَفاةِ، ويكْمُلُ لها الصَّدَاقُ؛ لأنَّ الخَلْوةَ تَكْفِى فى ثُبُوتِ هذه الأحْكامِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصْحابِه.
فصل: ولو طَلَّقَ المدخولَ بها طلاقًا رَجْعِيًّا ثم مَرِضَ فى عِدَّتِها، ومات بعد انقضائِها، لم تَرِثْه؛ لأنَّه طلاقُ صِحَّةٍ. وإن طَلَّقها واحدةً فى صِحَّتِه، وأبَانَها فى مَرَضِه، ثم مات بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فحْكُمُها حُكْمُ ما لو ابْتَدأ طلاقَها فى مَرَضِه؛ لأنَّه فرَّ من مِيراثِها. وإِنْ طلقَها واحدةً فى صِحَّتِه، وأُخْرَى فى مَرَضِه، ولم يُبِنْها حتى بانَتْ بانْقضاءِ عِدَّتِها، لم تَرِثْ؛ لأنَّ طَلاقَ المرضِ لم يَقْطعْ مِيراثَها، ولم يُؤَثِّرْ فى بَيْنُونَتِها.
فصل: وإن طَلَّقها ثلاثًا فى مَرَضِه، فارْتَدَّتْ، ثم أسْلَمتْ، ثم مات فى عِدّتِها، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدهما، تَرِثُه. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها مُطلَّقةٌ فى المرضِ، أشْبَهَ ما لو لم تَرْتَدَّ. والثانى، لا تَرِثُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافِعىِّ؛ لأنَّها فَعَلَتْ ما يُنافِى النِّكاحَ، أشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَتْ. ولو كان هو المُرْتَدَّ، ثم أسْلَمَ ومات، وَرِثَتْه. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصحابُه. وقال الشافِعىُّ: لا تَرِثُه. ولَنا، أنَّها مُطلَّقةٌ فى المَرَضِ، لم تَفْعَلْ ما يُنافِى نِكاحَها، مات زَوْجُها فى عِدَّتِها، فأشْبَهَ ما لو لم تَرْتَدَّ. ولو ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَيْنِ بعَد الدُّخولِ من غيرِ طلاقٍ، ثم عاد إلى الإِسْلامِ قبلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وَرِثَه الآخرُ؛ لأنَّ النِّكاحَ باقٍ. فإن انْقَضتِ العِدَّةُ قبلَ رُجُوعه، انْفَسخَ النِّكاحُ، ولم يَرِثْ أحدُهما الآخرَ. وإن قُلْنا: إنَّ الفُرْقةَ تُتَعَجَّلُ عنَد اخْتلافِ الدِّين، لم يَرِثْ أحدُهما الآخرَ. ويتَخَرَّجُ أن يَرِثَه الآخَرُ إذا كان ذلك فى مرضِ موتِه؛ لأنَّه تَحْصُلُ به البَيْنُونةُ، فأشْبَهَ الطَّلاقَ. وهو قولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا ارْتَدَّتِ المرأةُ، ثم ماتتْ فى عِدَّتِها، وَرِثَها الزَّوْجُ.
فصل: إذا طلَّقَ المسلمُ المريضُ زوجَتَه الأمةَ والذِّمِّيَّةَ طلاقًا بائنًا، ثم أسْلَمتِ الذِّمِّيَّةُ، وعَتَقَتِ الأَمةُ، ثم مات فى عِدَّتِهِمِا، لم تَرِثَاهُ؛ لأنَّه لم يكُنْ عندَ الطَّلاقِ فارًّا. وإن قال
стр. 4582
لهما فى المرضِ: إذا عَتَقْتِ أنتِ، أو أسْلَمْتِ أنتِ (٦٥)، فأنْتما طالِقَتانِ. فعَتَقَتِ الأمةُ، وأسْلَمتِ الذِّمِّيَّةُ، ومات، وَرِثَتاه؛ لأنَّه فارُّ. فإن قال لهما: أنتُما طالِقتَانِ غدًا. فعَتَقَتِ الأمةُ. وأسْلَمتِ الذِّمِّيَّةُ، لم تَرثاهُ؛ لأنَّه غيرُ فارٍّ. وإن قال سَيِّدُ الأمةِ: أنتِ حُرَّةٌ غدًا. وقال الزَّوْجُ: أنتِ طالقٌ غدًا. وهو يعلمُ بَقْولِ السَّيِّدِ، وَرِثَتْه؛ لأنَّه فارٌّ. وإن لم يَعْلَمْ، لم تَرِثْه؛ لعدمِ الفرارِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافِعىُّ، ولم أعلمْ لهم مخالِفًا.
فصل: وإذا قال لِامرأتِه فى صحتِه: إذا مَرِضْتُ فأنتِ طالقٌ. فحُكْمُه حكمُ طَلاقِ المرضِ سَواءً. فإن أقَرَّ فى مَرَضِه أنَّه كان طَلَّقها فى صِحَّتِه ثلاثًا، لم يُقْبَلْ إقْرارُه عليها، وكان حُكْمُه حُكْمَ طلاقِه فى مَرَضِه. وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافِعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه. ولَنا، أنَّه إقرارٌ بما يَبْطلُ به حَقُّ غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقرَّ بمالها.
فصل: وإن سأَلَتْه الطَّلاقَ فى مَرَضِه، فأجابَها، فقال القاضِى: فيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا تَرِثُه؛ لأنَّه ليس بفارٍّ. والثانية، تَرِثُه؛ لأنَّه طَلَّقها فى مَرَضِه. وهو قولُ مالكٍ. وكذلك الحكمُ إن خالَعها، أو عَلَّقَ الطَّلاقَ على مَشِيئَتِها فشاءت، أو على فِعْلٍ من جِهَتِها لها منه بُدٌّ ففَعَلَتْه، أو خَيَّرَها فاخْتارتْ نَفْسَها. والصحيحُ فى هذا كلِّه أنَّها لا تَرِثُه؛ لأنَّه لا فِرَارَ منه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافِعىِّ. وإن لم تَعْلَمْ بتَعْلِيق طلاقِها، ففَعَلَتْ ما عُلِّقَ عليه، وَرثَتْه؛ لأنَّها مَعْذُورةٌ فيه. ولو سأَلَتْه طَلْقةً، فطَلَّقها ثلاثًا، وَرِثَتْه؛ لأنَّه أبانَها بما لم تَطْلُبْه منه. وإن عَلّقَ طَلاقَها على فِعْلٍ لا بُدَّ لها منه، كصلاةٍ مكتوبةٍ، وصيامٍ واجبٍ فى وقتِه، ففعَلَتْهُ، فحُكْمُه حُكْمُ طلاقِها ابتداءً، فى قولِهم جميعا. وكذلك إن عَلَّقه على كلامِها لأبَوَيْها أو لأحدِهما. وإن قال فى مَرَضِه: أنتِ طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ. ونحوه ممَّا ليس من فِعْلِها ولا فِعْلِه، فوُجِدَ الشَّرطُ فطُلِّقَتْ به، وَرِثَتْه.
فصل: فإن عَلَّقَ طلاقَها فى الصِّحَّةِ على شرطٍ وُجِدَ فى المرضِ، كقُدُومِ زَيْدٍ،
стр. 4583
ومَجِئِ غدٍ، وصلاتِها الفَرْضَ، بانَتْ ولم تَرِثْ؛ لأنَّ اليمينَ كانتْ فى الصِّحَّةِ. وذكر القاضِى روايةً أخرى، أنَّها تَرِثُ، وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ وقعَ فى المرضِ. والأوَّلُ أصَحُّ. وإن عَلَّقَه على فِعْلِ نَفْسِه، ففَعَلَه فى المرضِ، وَرِثَتْه؛ لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بها فى المرضِ، فأشْبَهَ ما لو كان التَّعْليقُ فى المرضِ. ولو قال فى الصِّحَّةِ: أنتِ طالقٌ إن لم أضْرِبْ غُلامِى. فلم يَضْرِبْه حتى مات، وَرِثَتْه. وإن ماتتْ، لم يَرِثْها. وإن مات الغلامُ والزوجُ مريضٌ، طَلُقَتْ، وكان كتَعْلِيقِه على مَجِىء زيدٍ أيضًا. وكذلك (٦٦) إن قال: إن لم أُوَفِّكِ مَهْرَكِ فأنتِ طالقٌ. وإن ادّعَى الزوجُ أنَّه وَفَّاها مَهْرَها فأنَكَرتْه، صُدِّقَ الزّوْجُ فى تَوْرِيثِه منها؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النكاحِ، ولم تُصَدَّقْ فى براءتِه منه؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُه فى ذِمَّتِه. ولو قال لها فى الصِّحَّةِ: أنتِ طالقٌ إن لم أتَزَوّجْ عليك. فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قول الحسنِ. ولو قَذَفَ المريضُ امرأتَه، ثم لَاعَنها فى مرضِه، فبانتْ منه، ثم مات فى مرضِه، وَرِثَتْه. وإن ماتتْ، لم يَرِثْها. وإن قَذفها فى صِحَّتِه، ولَاعَنها فى مرضِه، ومات فيه، لم تَرِثْه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافِعىِّ، واللُّؤْلُؤىِّ. وذكر القاضى روايةً أخرى، أنَّها تَرِثُ. وهو قولُ أبى يوسفَ. وإن آلَى منها فى مرضِه، ثم صحَّ، ثم نُكِسَ فى مرضِه، فبانَت بالإِيلاءِ، لم تَرِثْهُ.
فصل: وإذا أسْتكْرَه الابنُ امرأةَ أبيه على ما يَنْفِسخُ به نكاحُها، من وَطْءٍ أو غيرِه، فى مرضِ أبيه، فمات أبُوه من مرضِه ذلك، وَرِثَتْه، ولم يَرِثْها إن ماتتْ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. فإن طاوَعَتْه على ذلك، لم ترِثْ؛ لأنَّها مُشاركِةٌ فيما يَنْفَسِخُ به نكاحُها، فأشْبَهَ ما لو خالَعَتْه. وسواءٌ كان للمَيِّتِ بَنُونَ سِوَى هذا الابنِ، أو لم يكُنْ. فإذا انْتَفتِ التُّهْمةُ عنه، بأن يكونَ غيرَ وارثٍ، كالكافرِ والقاتلِ والرَّقِيقِ، أو كان ابنًا من الرَّضاعةِ، أو ابن ابنٍ مَحْجُوبٍ بابنٍ للميتِ، أو بأبَوْينِ، أو ابْنينِ، أو كان للميتِ امرأةٌ أُخْرَى تَحُوزُ ميراثَ الزوجاتِ، لم ترثْ؛ لِانتفاءِ التُّهْمةِ. ولو صار ابنُ الابنِ وارثًا بعدَ ذلك، لم تَرِثْ؛ لِانْتفاءِ التُّهْمةِ حالَ الوَطْءِ. ولو كان حالَ الوَطْءِ وارثًا، فعاد مَحْجوبًا عن الميراثِ، لوَرِثتْ؛ لوُجودِ التُّهْمةِ حين الوَطْءِ. ولو كان للمريضِ امْرأتانِ،
стр. 4584
فاسْتَكْرَه ابنُه إحْداهُما، لم ترِثْه؛ لِانتفاء التُّهْمةِ عنه، لكَوْنِ ميراثِها لا يرجِعُ إليه. ولو اسْتَكْرَه الثانيةَ بعدَها، لوَرِثَت الثانيةُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ فى حَقِّها، ولو اسْتَكْرَهَهُما معًا، دَفْعةً واحدةً، وَرِثَتا جميعا. وهذا كله قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. وأمَّا الشافِعىُّ، فإنَّه لا يَرَى فَسْخَ النِّكاحِ بالوَطْءِ الحرامِ. وكذلك الحكمُ فيما إذا وَطِىءَ المريضُ مَنْ يَنْفَسِخُ نكاحُه بوَطْئِها، كأمِّ امْرأتِه أو ابْنَتِها، فإنَّ امرأتَه تَبِينُ منه، وترِثُه إذا مات فى مرضِه، ولا يَرِثُها، وسواءٌ طاوَعَتْه المَوْطوءةُ أو أكْرَهَها، فإن مُطاوَعَتها ليس للمرأةِ فيه فعلٌ يَسْقُطُ (٦٧) به مِيراثُها. فإن كان زائلَ العقلِ حينَ الوَطْءِ، لم ترِثْ امرأتُه منه شيئًا؛ لأنَّه ليس له قَصْدٌ صحيحٌ، فلا يكونُ فارًّا من ميراثِها. وكذلك لو وَطِئَ ابنُه امرأتَه مُسْتَكْرِهًا لها، وهو زائلُ العقلِ، لم ترِثْ لذلك. فإن كان صَبِيًّا عاقلًا، ورِثَتْ؛ لأنَّ له قَصْدًا صحيحًا.
وقال أبو حنيفةَ: هو كالمجَنْونِ؛ لأنَّ قولَه لا عِبْرةَ به. وكذلك الحكمُ فيما إذا وَطِئَ بِنْتَ امرأتِه أو أُمَّها. وللشافِعىِّ فى وَطْءِ الصَّبِىِّ بِنْتَ (٦٨) امْرأتِه أو أمَّها قَوْلان؛ أحدهما، لا يَنْفَسِخُ به نكاحُ امْرأتِه؛ لأنَّه (٦٩) لا يُحَرِّمُ. والثانى، أَنَّ امْرأتَه تَبِينُ بذلك، ولا ترِثُه ولا يرثُها. وفى القُبْلةِ والمُباشَرةِ دُونَ الفَرْجِ روايتان؛ إحداهما، تَنْشُرُ الحُرْمَة. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه؛ لأنَّها مُباشَرةٌ تَحْرُمُ فى غيرِ النِّكاحِ والمِلْكِ، فأشْبَهتِ الوَطْءَ. والثَّانية، [لا تَنْشُرُها؛ لأنَّها ليست] (٧٠) بسببٍ للبَعْضِيَّة، فلا تَنْشُرُ الحُرْمة، كالنَّظرِ والخَلْوةِ. وخَرَّجَ أصحابُنا فى النَّظَرِ إلى الفَرْجِ والخَلْوةِ لشَهْوةٍ وجْهًا أنَّها تَنْشُرُ الحُرْمةَ.
فصل: وإن فعَلتِ المريضةُ ما يَفْسَخُ نِكاحَها، كرَضاعِ امرأةٍ صغيرةٍ لزَوْجِها، أو رَضاعِ زَوْجِها الصَّغِيرِ، أو ارْتَدَّتْ، أو نحوَ ذلك، فماتَتْ فى مرضِها، وَرِثها الزَّوْجُ ولم ترِثْه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا يَرِثُها. ولَنا، أنَّها أحدُ الزَّوْجينِ فَرَّ من
стр. 4585
ميراثِ الآخرِ، فأشْبَهَ الرَّجُلَ. وإن عَتَقَتْ (٧١)، فاختارتْ نفسَها، أو كان الزَّوْجُ عِنِّينًا فأُجِّلَ سَنَةً، ولم يُصِبْها حتى مَرِضَتْ فى آخرِ الحَوْلِ، فاخْتارتْ فُرْقَتَه، وفُرِّقَ بينهما، لم يتَوارَثا فى قولِهم أجْمَعِينَ. ذكَره ابنُ اللَّبَّانِ فى "كتابه". وذكرَ القاضِى فى المُعْتَقةِ إذا اخْتارتْ نفسَها فى مَرَضِها، لم يرِثْها؛ وذلك لأنَّ فَسْخَ النِّكاحِ فى هذيْن المَوْضِعَيْنِ لِدَفْعِ الضَّررِ، لا للْفرَارِ من الميراثِ. وإن قَبَّلت ابنَ زَوْجِها لشَهْوةٍ، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحدهما، يَنْفَسِخُ نِكاحُها ويرِثُها إذا كانت مريضةً، وماتت فى عِدَّتِها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. والثانى، لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ به. وهو قولُ الشافعىِّ. ولو أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابنةَ أخِيه وهى صغيرةٌ، ثم بلغَتْ، ففَسخَتِ النِّكاحَ فى مَرَضِها، لم يَرِثْها الزَّوْجُ. بغير خلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ النِّكاحَ من أصْلِه غيرُ صحيحٍ فى صحيحِ المذهبِ، وهو قولُ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّتِه، ولها الخيارُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ وأصحابِه، إلَّا أَنَّ الفَسْخَ لإِزالةِ الضَّررِ لا من أجْلِ الْفرارِ، فلم يَرِثْها، كما لو فَسَختِ المُعْتَقةُ نِكاحَها. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: إذا طلَّقَ المريضُ امرأتَه، ثم نكَحَ أُخْرَى، ومات من مرضِه فى عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، ورِثَتَاه جميعا. هذا قولُ أبى حنيفةَ وأهلِ العراقِ، وأحدُ قَوْلَى الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّه عنه. والقوُل الآخرُ، لا تَرِثُ المَبْتوتةُ، فيكونُ الميراثُ كلُّه للثانيةِ. وقال مالكٌ: الميراثُ كلُّه للمُطَلَّقةِ؛ لأنَّ نكاحَ المريضِ عندَه غيرُ صحيحٍ. وجَعَلَ بعضُ أصحابِنا فيها وَجْهًا، أَنَّ الميراثَ كلَّه للمُطَلَّقةِ؛ لأنَّها تَرِثُ منه ما كانت تَرِثُ قبلَ طلاقِها، وهو جميعُ الميراثِ، فكذلك بعدَه. وليس هذا بصحيحٍ، فإنَّها إنَّما تَرِثُ ما كانت تَرِثُ لو لم يُطَلِّقْها، ولو لم يُطَلِّقْها وتزَوَّج عليها، لم تَرِثْ إلَّا نِصْف ميراثِ الزَّوْجاتِ، فكذلك إذا طَلَّقَها. فعلى هذا لو تزوَّجَ ثلاثًا فى مرضِه، فليس للمُطلَّقةِ إلَّا رُبْعُ ميراثِ الزَّوْجاتِ، ولكلِّ واحدةٍ من الزَّوْجاتِ رُبْعُه. وإن مات بعدَ انْقضاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، فالميراثُ
стр. 4586
للزَّوْجاتِ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن. وهو قولُ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأبى حنيفةَ وأصحابِه. والرِّوَايةُ الأُخْرَى، أَنَّ الميراثَ للأرْبَعِ. وعندَ مالكٍ الميراثُ كلُّه للمُطلَّقةِ. وإن كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّق إحْداهُنَّ ثلاثًا فى مرضِه، ثم نَكَحَ أُخْرَى فى عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، أو طَلَّقَ امرأةً واحدةً، ونكَحَ أخْتَها فى عِدَّتِها، ومات فى عِدَّتِها، فالنِّكاحُ باطلٌ، والميراثُ بين المُطلَّقةِ وباقِى الزَّوْجاتِ الأوائلِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ. وقال الشافعىُّ: النِّكاحُ صحيحٌ، والميراثُ للجَديدةِ مع باقِى المَنْكوحاتِ دُونَ المُطَلَّقةِ. ويَجِىءُ على قولِه القديمِ وَجْهان؛ أحدهما، أن يكونَ الميراثُ بين المُطلَّقةِ وباقِى الزَّوْجاتِ، كقولِ الجُمْهورِ، ولا شىءَ للمَنْكوحةِ. والثانى، أن يكونَ بينهنَّ على خَمْسةٍ، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ خُمْسُه. فإن مات بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المُطلَّقةِ، ففى مِيرَاثِها رِوَايتانِ؛ إحْداهما، لا ميراثَ لها، فيكونُ الميراثُ لباقِى الزوجاتِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأهلِ العراقِ. والثانية، تَرِثُ معهُنَّ ولا شىءَ للمَنْكوحةِ. وقال الشافعىُّ، رَضِىَ اللَّه عنه: الميراثُ للمَنْكوحاتِ كُلِّهِنَّ، ولا شىءَ للمُطَلَّقةِ. وإن تزَوَّجَ الخامسة بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المُطلَّقةِ، صَحَّ نِكاحُها. وهل ترِثُ المطلقةُ؟ على رِوَايتَيْن؛ إحْداهما، لا تَرِثُ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يَلْزَمُ مَنْ قال: يصِحُّ النِّكاحُ فى العِدَّةِ. أن يَرِثَ ثمانِ نِسْوةٍ، وأن يَرِثَه أُخْتان، فيكونُ مُسْلِمٌ يَرِثُه ثمانِ نسْوةٍ أو أُخْتان (٧٢)، وتَوْرِيثُ المُطلَّقاتِ بعدَ العِدَّة يَلْزَمُ منه هذا، أو حِرْمانُ الزَّوجاتِ المَنْصُوصِ على مِيراثِهِنَّ، فيكونُ مُنْكِرًا له غيرَ قائلٍ به. فعلَى هذا يكونُ الميراثُ للزَّوْجاتِ دون المُطلَّقةِ. والرِّواية الثانية، تَرِثُ المُطلَّقةُ. فيُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، يكونُ الميراثُ بين الخَمْسِ. والثانى، يكونُ للمُطلَّقةِ والمَنْكوحاتِ الأوائلِ دُونَ الجَديدةِ؛ لأنَّ المريضَ ممنوعٌ من أن يَحْرِمَهُنَّ ميراثَهُنَّ بالطَّلاقِ، فكذلك يُمْنَعُ من تَنْقِيصِهِنَّ منه، وكِلَا الوَجْهَينِ بعيدٌ؛ أمَّا أحَدُهما فيَرُدُّه نَصُّ الكتابِ على تَوْرِيثِ الزَّوْجاتِ، فلا يجوزُ مخالَفَتُه بغير نَصٍّ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ على صورةٍ مخصوصةٍ من النَّصِّ فى مَعْناه، وأمَّا الآخَرُ فلِأَنَّ اللَّه تعالى لم
стр. 4587
يُبِحْ نكاحَ أكثرَ من أرْبعٍ، ولا الجَمْعَ بين الأُخْتَيْنِ. فلا يَجُوزُ أن يَجْتَمِعْنَ فى ميراثِه بالزَّوْجِيَّةِ. وعلى هذا لو طَلَّقَ أرْبعًا فى مرضِه، وانْقَضتْ عِدَّتُهنَّ، ونكَحَ أرْبعًا سِواهُنَّ، ثم مات من مرضِه، فعلى الأوَّلِ تَرِثُه المَنْكوحاتُ دون المُطلَّقاتِ. وعلى الثانى يكونُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أَنَّ المِيراثَ كلَّه للمُطلَّقاتِ. وعلى الثانى هو بين الثَّمانِ. وقال مالكٌ: الميراثُ للمُطلَّقاتِ، ولا شىءَ للمَنْكُوحاتِ؛ لأنَّ نكاحَهُنّ غيرُ صحيحٍ عندَه. وإن صَحَّ من مَرَضِه، فتزوَّجَ أرْبعًا فى صِحَّتِه ثم مات، فالميراثُ لَهُنَّ فى قولِ الجمهورِ، ولا شىءَ للمُطَلَّقاتِ إلَّا (٧٣) فى قولِ مالكٍ ومَنْ وافَقَه. وكذلك إن تزوَّجَتِ المُطلَّقاتُ لم يَرِثْنَ شيئًا، إلَّا فى قَوْلِه وقولِ مَنْ وافقَه. ولو طَلَّقَ أرْبعًا بعدَ دُخُولِه بِهِنَّ ثلاثًا فى مَرَضِه، وقال: قد أخْبَرْنَنِى بانْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ. فكَذَّبْنَه، فلَه أن يَنْكِحَ أرْبعًا سِواهُنَّ، إذا كان ذلك فى مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضاءُ العِدَّةِ فيها، ولا يُقْبَلُ قولُه عليهنَّ فى حِرْمانِ الميراثِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ، واللُّؤْلُؤِىِّ، إذا كان بعدَ أرْبعةِ أشهُرٍ. وقال زُفَرُ: لا يجوزُ له التَّزْويجُ أيضًا. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى لا حَقَّ لهنَّ فيه، فقُبِلَ قولُه فيه. فعلى هذا إن تزوَّجَ أرْبعًا فى عَقْدٍ واحدٍ، ثم مات، ورِثَه المُطَلَّقاتُ دون المَنْكُوحاتِ، إلَّا أنْ يَمُتْنَ قبلَه، فيكونَ الميراثُ للمَنْكُوحاتِ. وإن أقْرَرْنَ بانْقِضاءِ عِدَّتِهنَّ، وقُلْنا: الميراثُ لَهُنَّ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة. فالميراثُ للمَنْكوحاتِ أيضًا. وإن مات منهنَّ ثلاثٌ، فالميراثُ للباقيةِ. وإن مات منهنَّ واحدةٌ، ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ أو اثْنَتانِ، أو مات من المُطلَّقاتِ اثْنَتان، ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ لباقِى المُطلَّقاتِ. وإن مات من المُطلَّقاتِ واحدةٌ ومن المَنْكُوحاتِ ثلاثٌ، أو من المُطلَّقاتِ اثْنَتانِ، ومن المَنْكُوحاتِ اثْنَتانِ، أو من المُطلَّقاتِ ثلاثٌ ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ بين البَواقِى من المُطلَّقاتِ والمَنْكُوحاتِ معا؛ لأنَّه لو اسْتَأْنَفَ العَقْدَ على الباقياتِ من الجميعِ، جاز فكان صحيحًا. وإن تَزَوَّجَ المَنْكُوحاتِ فى أرْبعَةِ عُقودٍ، فمات من المُطلَّقاتِ واحدةٌ، وَرِثَت مكانَها الأُولى من المَنْكُوحاتِ. وإن مات اثنتانِ، ورِثَتِ الأُولَى والثانيةُ. وإن مات ثلاثٌ، ورِثَت الأُولَى والثانيةُ والثالثةُ من المَنْكوحاتِ، مع مَنْ بَقِىَ من
стр. 4588
المطُلَّقاتِ. وهذا على (٧٤) قِياسِ قولِ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ واللُّؤْلُؤِىِّ. وأمَّا زُفَرُ فلا يَرَى صِحَّةَ نِكاحِ المَنْكوحاتِ حتى يُصَدِّقَه المُطَلَّقاتُ. وأمَّا الشافِعىُّ فيُباحُ عنده التَّزْويجُ فى عِدَّة المُطلَّقاتِ، فعلَى قولِه إذا طَلَّقَ أرْبعًا، ونَكَحَ أربعًا، فى عَقْدٍ أو عُقودٍ (٧٥)، ثم مات من مَرَضِه فالميراثُ للمَنْكُوحاتِ. وعلى قولِه القَديمِ يُخَرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أَنَّ الميراثَ بين الثَّمانِ. والثانى، أَنَّ الميراثَ للمُطلَّقاتِ دون المَنْكُوحاتِ. فإن مات بعضُ المُطلَّقاتِ، أو انْقَضَتْ عِدَّتُهن فلِلْمَنْكُوحاتِ ميراثُ المَيِّتَاتِ. وإن ماتت واحدةٌ فلِلزَّوجاتِ رُبْعُ ميراثِ النِّساءِ. وإن ماتَتِ اثْنَتانِ فللزَّوْجاتِ نصفُ المِيراثِ. فإن مات ثلاثٌ، فلهنَّ ثلاثةُ أرْباعِ الميراثِ إنْ كان نِكاحُهُنَّ فى عَقْدٍ واحدٍ. وإن كان فى عُقودٍ مُتَفَرِّقةٍ، فإذا ماتت واحدةٌ من المُطلَّقاتِ، فمِيراثُها للأُولى من المَنْكُوحاتِ، ومِيراثُ الثانيةِ للثانيةِ، ومِيراثُ الثالثةِ للثالثةِ.
فصل: إذا قال الرجلُ لنِسائه: إحْداكُنَّ طالقٌ. يعنى واحدةً بعَيْنِها، طَلُقَتْ وحدَها، ويُرْجَعُ إلى تَعْيِينه، ويُؤْخَذُ بنَفَقَتِهِنَّ كُلِّهنَّ إلى أن تُعَيَّنَ. وإن كان الطَّلاقُ بائنًا، مُنِعَ منهنَّ إلى أن يُعَيِّنَ. فإن قال: أرَدْتُ هذه. طَلُقَت وحدَها. وإن قال: لم أُرِدْ هؤلاءِ الثلاث. طَلُقَتِ الرابعةُ. وإن عاد، فقال: أخْطَأْتُ، إنَّما أرَدْتُ هذه. طَلُقَتِ الأُخْرَى. وإن مِتْنَ أو إحْداهنَّ قبلَ أن يُبَيِّنَ، رُجِعَ إلى قولِه، فمَن أقَرّ بطَلاقِها حَرَمْناه مِيراثَها، وأحْلَفْناه لوَرَثةِ مَنْ لم يُعَيِّنْها. وهذا قولُ الشافِعىِّ. وإن لم يَعْنِ بذلك واحدةً بعَيْنِها، أو ماتَ (٧٦) قبلَ التَّعْيِينِ، أُخْرِجَتْ بالقُرْعةِ، وكذلك إن طَلَّقَ واحدةً من نِسائِه بعَيْنِها، فأُنْسِيَها، فمات، أُخْرِجَت بالقُرْعةِ، فمَن تَقَعُ عليها القُرْعةُ فلا مِيراثَ لها. رُوِىَ ذلك عن علِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قول أبى ثَوْرٍ. ورَوَى عطاءٌ، عن ابن عباسٍ، أن رَجُلًا سأَله فقال: إنَّ لى ثلاثَ نِسْوةٍ، وإنِّى طَلَّقْتُ إحْداهُنّ فبتَتُّ
стр. 4589
طَلَاقَها. فقال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إن كنتَ نَوَيْتَ واحدةً منهنَّ بعَيْنها ثم أُنْسِيتَها، فقد اشْتَركْنَ فى الطَّلاقِ، وإن لم تكنْ نَوَيْتَ واحدةً بعَيْنِها، فطَلِّقْ أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ. وقال الشافعىُّ، وأهْلُ العراقِ: يُرْجَعُ إلى تَعْيِينه فى المسائلِ كُلِّها. فإن وَطِئ إحداهُنَّ كان تَعْيِينًا لها بالنِّكاحِ، فى قول أهلِ العراقِ، وبعضِ أصحابِ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال الشافعىُّ: لا يكونُ تَعْيِينًا. فإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، فالميراثُ بينهنَّ كُلِّهنَّ، فى قول أهلِ العراقِ. وقال مالكٌ: يَطْلُقنَ كُلُّهُنَّ، ولا ميراثَ لَهُنَّ. وقال الشافعىُّ: يُوقَفُ مِيراثُهُنّ، وإن كان الطَّلاقُ قبل الدُّخولَ دَفَعَ إلى كل واحدةٍ نِصْفَ مَهْرٍ، ووَقَفَ الباقىَ فى مُهُورِهِنّ. وقال داودُ: يَبْطُلُ حُكْمُ طَلاقهِنَّ؛ لمَوْضِعِ الجَهالةِ، ولكل واحدةٍ مَهْرٌ كاملٌ، والميراثُ بَيْنَهُنَّ. وإن متْنَ قبلَه، طَلُقَتِ الآخِرَةُ، فى قولِ أهلِ العراقِ. وقال الشافعىُّ: يُرْجَعُ إلى تَعْيِينه، على ما ذكَرْناه. ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا يُعارِضُه قولُ ابن عباسٍ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ يَعْتَرِفُ لعلِىٍّ بتَقْديمِ قولِه، فإنَّه قال: إذا ثَبَتَ لنا عن علىٍّ قولٌ، لم نَعْدُه إلى غيرِه. وقال: ما عِلْمِى إلى عِلْمِ علِىٍّ، إلَّا كالقَرَارةِ إلى المُثْعَنْجَرِ (٧٧). ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن الآدَمِىٍّ، فتُسْتَعْمَلُ فيه القُرْعةُ عندَ الاشْتِباه، كالعِتْقِ. وقد ثبَتَ (٧٨) ذلك فى العِتْقِ بخَبَرِ عِمْرانَ بن الحُصَيْنِ (٧٩). ولأنَّ الحُقوقَ تَساوتْ على وجهٍ تَعَذّرَ تَعْيِينُ المُسْتَحِقِّ فيه من غير قُرْعةٍ، فيَنْبَغِى أن تُسْتَعْملَ فيه القُرْعةُ، كالقِسْمةِ والسَّفَرِ (٨٠) بين النِّساءِ، فأمَّا قَسْمُ الميراثِ بين الجميعِ، ففيه دَفْعٌ إلى إحْداهُنَّ مالا تَسْتَحِقُّه، وتَنْقِيصُ بَعْضِهِنَّ حَقَّها يقينًا، والوَقْفُ إلى غير غايةٍ تَضْييعٌ لحُقُوقِهنَّ، وحِرْمانُ الجميعِ مَنْعُ الحَقِّ عن صاحِبه يَقِينًا. ولو كان له امْرأتانِ، فطَلَّقَ إحْدَاهُما، ثم ماتَت إحداهما، ثم مات، أُقْرِعَ بينهما، فَمن
стр. 4590
وَقَعتْ عليها قُرعةُ الطَّلاقِ لم يَرِثْها إن كانت الْمَيِّتةُ، ولم تَرِثْهُ إن كانت الأُخْرَى. وفى قولِ أهلِ العراقِ: يرِثُ الأُولَى، ولا تَرِثُه الأُخْرَى. وللشافِعىِّ قَوْلان؛ أحدهما، يُرْجَعُ إلى تَعْيِينِ الوارثِ، فإن قال: طَلَّقَ المَيِّتةَ. لم يَرِثْها، ووَرِثَتْهُ الْحَيَّةُ. وإن قال: طَلَّقَ الحيّةَ. حَلَفَ على ذلك، وأخَذَ مِيراثَ المَيِّتةِ، ولم تُوَرَّثِ الحَيَّةُ. والقولُ الثانى، يُوقَفُ من مال المَيِّتَةِ مِيراثُ الزَّوجِ، ومن مالِ الزَّوْجِ ميراثُ الْحَيَّةِ. وإن كان له امرأتان قد دَخَل بإحْداهما دون الأُخْرَى، وطَلّق إحداهما لا بِعَيْنِها، فمَن خَرَجت لها القُرْعةُ فلها حُكْمُ الطَّلاقِ، وللأُخْرَى حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وقال أهلُ العراقِ: للمَدْخُولِ بها ثلاثةُ أرباعِ الميراثِ إن مات فى عِدَّتِها، وللأُخْرَى رُبْعُه؛ لأنَّ للمَدْخُولِ بها نِصْفَه بِيَقينٍ، والنِّصْفُ الآخرُ يَتَداعيانِه، فيكونُ بينهما. وفى قولِ الشَّافِعِىِّ: النِّصْفُ للمَدْخُولِ بها، والثانى مَوْقوفٌ. وإن كانتا مَدْخُولًا بهما، فقال فى مرضِه: أرَدْتُ هذه. ثم مات فى عِدَّتِها، لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّ الإقْرارَ بالطَّلاقِ فى المرضِ كالطَّلاقِ فيه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ. وقال زُفَرُ: يُقْبَلُ قولُه، والميراثُ للأُخْرى. وهو قياسُ قولِ الشافعىِّ. ولو كان للمريضِ امرأةٌ أخْرَى سِوَى هاتَيْنِ، فلها نِصْفُ الميراثِ، وللاثْنتَيْنِ نِصْفُه. وفى قولِ الشافعىِّ نِصْفُه مَوْقوفٌ.
فصل: ولو كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ إحداهُنَّ غيرَ مُعَيَّنةٍ، ثم نَكَحَ خامسةً بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، ثم مات ولم يُبَيِّنْ، فللخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ والمَهْرُ، ويُقْرعُ بين الأرْبعِ. وقال أهلُ العراقِ: لَهُنَّ ثلاثةُ أرْباعِ الميراثِ بَينهنَّ. وإن كُنَّ غيرَ مدخولٍ بِهِنَّ، فلهُنَّ ثَلاثةُ مُهورٍ ونِصْفٌ. وفى قولِ الشافعىِّ، يُوقَفُ ثلاثةُ أرباعِ الميراثِ، ومَهْرٌ ونِصْفٌ بين الأرْبعِ، فإن جاءت واحدةٌ تَطْلُبُ مِيراثَها لم تُعْطَ شيئًا. وإن طَلَبهْ اثْنتانِ دُفِعَ إليهما رُبْعُ المِيراثِ، وإن طلبَه ثلاثٌ دُفِعَ إليهنَّ نِصْفُه، وإن طلبَه الأرْبَعُ دُفِعَ إليهنَّ. ولو قال بعد نِكاحِ الخامسةِ: إحْداكُنَّ طالِقٌ. فعلى قولِهم، للخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ؛ لأنَّها شَرِيكةُ ثلاثٍ، وباقِيه بين الأرْبعِ كالأولى، وللخامسةِ سَبْعةُ أثمانِ مَهْرٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ نَقَصها وثلاثًا معها نِصْفَ مَهْرٍ، ويَبْقَى للأَربعِ ثلاثةٌ وثُمنٌ بينهنَّ، فى قولِ أهلِ العراقِ. فإن تَزَوَّجَ بعدَ ذلك سادسةً، فلها رُبْعُ المِيراثِ، ومهرٌ كاملٌ، وللخامسةِ ربعُ ما بَقِىَ وسَبْعةُ أثمانِ مَهْرٍ، وللأربع ما بَقِىَ وثلاثةُ مُهورٍ وثُمْنٌ، ويكونُ الرُّبعُ مَقْسُومًا على أربعةٍ