← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

للزَّوْجاتِ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن. وهو قولُ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأبى حنيفةَ وأصحابِه. والرِّوَايةُ الأُخْرَى، أَنَّ الميراثَ للأرْبَعِ. وعندَ مالكٍ الميراثُ كلُّه للمُطلَّقةِ. وإن كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّق إحْداهُنَّ ثلاثًا فى مرضِه، ثم نَكَحَ أُخْرَى فى عِدَّةِ المُطَلَّقةِ، أو طَلَّقَ امرأةً واحدةً، ونكَحَ أخْتَها فى عِدَّتِها، ومات فى عِدَّتِها، فالنِّكاحُ باطلٌ، والميراثُ بين المُطلَّقةِ وباقِى الزَّوْجاتِ الأوائلِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ. وقال الشافعىُّ: النِّكاحُ صحيحٌ، والميراثُ للجَديدةِ مع باقِى المَنْكوحاتِ دُونَ المُطَلَّقةِ. ويَجِىءُ على قولِه القديمِ وَجْهان؛ أحدهما، أن يكونَ الميراثُ بين المُطلَّقةِ وباقِى الزَّوْجاتِ، كقولِ الجُمْهورِ، ولا شىءَ للمَنْكوحةِ. والثانى، أن يكونَ بينهنَّ على خَمْسةٍ، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ خُمْسُه. فإن مات بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المُطلَّقةِ، ففى مِيرَاثِها رِوَايتانِ؛ إحْداهما، لا ميراثَ لها، فيكونُ الميراثُ لباقِى الزوجاتِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأهلِ العراقِ. والثانية، تَرِثُ معهُنَّ ولا شىءَ للمَنْكوحةِ. وقال الشافعىُّ، رَضِىَ اللَّه عنه: الميراثُ للمَنْكوحاتِ كُلِّهِنَّ، ولا شىءَ للمُطَلَّقةِ. وإن تزَوَّجَ الخامسة بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المُطلَّقةِ، صَحَّ نِكاحُها. وهل ترِثُ المطلقةُ؟ على رِوَايتَيْن؛ إحْداهما، لا تَرِثُ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يَلْزَمُ مَنْ قال: يصِحُّ النِّكاحُ فى العِدَّةِ. أن يَرِثَ ثمانِ نِسْوةٍ، وأن يَرِثَه أُخْتان، فيكونُ مُسْلِمٌ يَرِثُه ثمانِ نسْوةٍ أو أُخْتان (٧٢)، وتَوْرِيثُ المُطلَّقاتِ بعدَ العِدَّة يَلْزَمُ منه هذا، أو حِرْمانُ الزَّوجاتِ المَنْصُوصِ على مِيراثِهِنَّ، فيكونُ مُنْكِرًا له غيرَ قائلٍ به. فعلَى هذا يكونُ الميراثُ للزَّوْجاتِ دون المُطلَّقةِ. والرِّواية الثانية، تَرِثُ المُطلَّقةُ. فيُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، يكونُ الميراثُ بين الخَمْسِ. والثانى، يكونُ للمُطلَّقةِ والمَنْكوحاتِ الأوائلِ دُونَ الجَديدةِ؛ لأنَّ المريضَ ممنوعٌ من أن يَحْرِمَهُنَّ ميراثَهُنَّ بالطَّلاقِ، فكذلك يُمْنَعُ من تَنْقِيصِهِنَّ منه، وكِلَا الوَجْهَينِ بعيدٌ؛ أمَّا أحَدُهما فيَرُدُّه نَصُّ الكتابِ على تَوْرِيثِ الزَّوْجاتِ، فلا يجوزُ مخالَفَتُه بغير نَصٍّ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ على صورةٍ مخصوصةٍ من النَّصِّ فى مَعْناه، وأمَّا الآخَرُ فلِأَنَّ اللَّه تعالى لم

стр. 4587

يُبِحْ نكاحَ أكثرَ من أرْبعٍ، ولا الجَمْعَ بين الأُخْتَيْنِ. فلا يَجُوزُ أن يَجْتَمِعْنَ فى ميراثِه بالزَّوْجِيَّةِ. وعلى هذا لو طَلَّقَ أرْبعًا فى مرضِه، وانْقَضتْ عِدَّتُهنَّ، ونكَحَ أرْبعًا سِواهُنَّ، ثم مات من مرضِه، فعلى الأوَّلِ تَرِثُه المَنْكوحاتُ دون المُطلَّقاتِ. وعلى الثانى يكونُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أَنَّ المِيراثَ كلَّه للمُطلَّقاتِ. وعلى الثانى هو بين الثَّمانِ. وقال مالكٌ: الميراثُ للمُطلَّقاتِ، ولا شىءَ للمَنْكُوحاتِ؛ لأنَّ نكاحَهُنّ غيرُ صحيحٍ عندَه. وإن صَحَّ من مَرَضِه، فتزوَّجَ أرْبعًا فى صِحَّتِه ثم مات، فالميراثُ لَهُنَّ فى قولِ الجمهورِ، ولا شىءَ للمُطَلَّقاتِ إلَّا (٧٣) فى قولِ مالكٍ ومَنْ وافَقَه. وكذلك إن تزوَّجَتِ المُطلَّقاتُ لم يَرِثْنَ شيئًا، إلَّا فى قَوْلِه وقولِ مَنْ وافقَه. ولو طَلَّقَ أرْبعًا بعدَ دُخُولِه بِهِنَّ ثلاثًا فى مَرَضِه، وقال: قد أخْبَرْنَنِى بانْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ. فكَذَّبْنَه، فلَه أن يَنْكِحَ أرْبعًا سِواهُنَّ، إذا كان ذلك فى مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضاءُ العِدَّةِ فيها، ولا يُقْبَلُ قولُه عليهنَّ فى حِرْمانِ الميراثِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ، واللُّؤْلُؤِىِّ، إذا كان بعدَ أرْبعةِ أشهُرٍ. وقال زُفَرُ: لا يجوزُ له التَّزْويجُ أيضًا. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى لا حَقَّ لهنَّ فيه، فقُبِلَ قولُه فيه. فعلى هذا إن تزوَّجَ أرْبعًا فى عَقْدٍ واحدٍ، ثم مات، ورِثَه المُطَلَّقاتُ دون المَنْكُوحاتِ، إلَّا أنْ يَمُتْنَ قبلَه، فيكونَ الميراثُ للمَنْكُوحاتِ. وإن أقْرَرْنَ بانْقِضاءِ عِدَّتِهنَّ، وقُلْنا: الميراثُ لَهُنَّ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة. فالميراثُ للمَنْكوحاتِ أيضًا. وإن مات منهنَّ ثلاثٌ، فالميراثُ للباقيةِ. وإن مات منهنَّ واحدةٌ، ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ أو اثْنَتانِ، أو مات من المُطلَّقاتِ اثْنَتان، ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ لباقِى المُطلَّقاتِ. وإن مات من المُطلَّقاتِ واحدةٌ ومن المَنْكُوحاتِ ثلاثٌ، أو من المُطلَّقاتِ اثْنَتانِ، ومن المَنْكُوحاتِ اثْنَتانِ، أو من المُطلَّقاتِ ثلاثٌ ومن المَنْكُوحاتِ واحدةٌ، فالميراثُ بين البَواقِى من المُطلَّقاتِ والمَنْكُوحاتِ معا؛ لأنَّه لو اسْتَأْنَفَ العَقْدَ على الباقياتِ من الجميعِ، جاز فكان صحيحًا. وإن تَزَوَّجَ المَنْكُوحاتِ فى أرْبعَةِ عُقودٍ، فمات من المُطلَّقاتِ واحدةٌ، وَرِثَت مكانَها الأُولى من المَنْكُوحاتِ. وإن مات اثنتانِ، ورِثَتِ الأُولَى والثانيةُ. وإن مات ثلاثٌ، ورِثَت الأُولَى والثانيةُ والثالثةُ من المَنْكوحاتِ، مع مَنْ بَقِىَ من

стр. 4588

المطُلَّقاتِ. وهذا على (٧٤) قِياسِ قولِ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ واللُّؤْلُؤِىِّ. وأمَّا زُفَرُ فلا يَرَى صِحَّةَ نِكاحِ المَنْكوحاتِ حتى يُصَدِّقَه المُطَلَّقاتُ. وأمَّا الشافِعىُّ فيُباحُ عنده التَّزْويجُ فى عِدَّة المُطلَّقاتِ، فعلَى قولِه إذا طَلَّقَ أرْبعًا، ونَكَحَ أربعًا، فى عَقْدٍ أو عُقودٍ (٧٥)، ثم مات من مَرَضِه فالميراثُ للمَنْكُوحاتِ. وعلى قولِه القَديمِ يُخَرَّجُ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أَنَّ الميراثَ بين الثَّمانِ. والثانى، أَنَّ الميراثَ للمُطلَّقاتِ دون المَنْكُوحاتِ. فإن مات بعضُ المُطلَّقاتِ، أو انْقَضَتْ عِدَّتُهن فلِلْمَنْكُوحاتِ ميراثُ المَيِّتَاتِ. وإن ماتت واحدةٌ فلِلزَّوجاتِ رُبْعُ ميراثِ النِّساءِ. وإن ماتَتِ اثْنَتانِ فللزَّوْجاتِ نصفُ المِيراثِ. فإن مات ثلاثٌ، فلهنَّ ثلاثةُ أرْباعِ الميراثِ إنْ كان نِكاحُهُنَّ فى عَقْدٍ واحدٍ. وإن كان فى عُقودٍ مُتَفَرِّقةٍ، فإذا ماتت واحدةٌ من المُطلَّقاتِ، فمِيراثُها للأُولى من المَنْكُوحاتِ، ومِيراثُ الثانيةِ للثانيةِ، ومِيراثُ الثالثةِ للثالثةِ. فصل: إذا قال الرجلُ لنِسائه: إحْداكُنَّ طالقٌ. يعنى واحدةً بعَيْنِها، طَلُقَتْ وحدَها، ويُرْجَعُ إلى تَعْيِينه، ويُؤْخَذُ بنَفَقَتِهِنَّ كُلِّهنَّ إلى أن تُعَيَّنَ. وإن كان الطَّلاقُ بائنًا، مُنِعَ منهنَّ إلى أن يُعَيِّنَ. فإن قال: أرَدْتُ هذه. طَلُقَت وحدَها. وإن قال: لم أُرِدْ هؤلاءِ الثلاث. طَلُقَتِ الرابعةُ. وإن عاد، فقال: أخْطَأْتُ، إنَّما أرَدْتُ هذه. طَلُقَتِ الأُخْرَى. وإن مِتْنَ أو إحْداهنَّ قبلَ أن يُبَيِّنَ، رُجِعَ إلى قولِه، فمَن أقَرّ بطَلاقِها حَرَمْناه مِيراثَها، وأحْلَفْناه لوَرَثةِ مَنْ لم يُعَيِّنْها. وهذا قولُ الشافِعىِّ. وإن لم يَعْنِ بذلك واحدةً بعَيْنِها، أو ماتَ (٧٦) قبلَ التَّعْيِينِ، أُخْرِجَتْ بالقُرْعةِ، وكذلك إن طَلَّقَ واحدةً من نِسائِه بعَيْنِها، فأُنْسِيَها، فمات، أُخْرِجَت بالقُرْعةِ، فمَن تَقَعُ عليها القُرْعةُ فلا مِيراثَ لها. رُوِىَ ذلك عن علِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قول أبى ثَوْرٍ. ورَوَى عطاءٌ، عن ابن عباسٍ، أن رَجُلًا سأَله فقال: إنَّ لى ثلاثَ نِسْوةٍ، وإنِّى طَلَّقْتُ إحْداهُنّ فبتَتُّ

стр. 4589

طَلَاقَها. فقال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إن كنتَ نَوَيْتَ واحدةً منهنَّ بعَيْنها ثم أُنْسِيتَها، فقد اشْتَركْنَ فى الطَّلاقِ، وإن لم تكنْ نَوَيْتَ واحدةً بعَيْنِها، فطَلِّقْ أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ. وقال الشافعىُّ، وأهْلُ العراقِ: يُرْجَعُ إلى تَعْيِينه فى المسائلِ كُلِّها. فإن وَطِئ إحداهُنَّ كان تَعْيِينًا لها بالنِّكاحِ، فى قول أهلِ العراقِ، وبعضِ أصحابِ الشافِعىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال الشافعىُّ: لا يكونُ تَعْيِينًا. فإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، فالميراثُ بينهنَّ كُلِّهنَّ، فى قول أهلِ العراقِ. وقال مالكٌ: يَطْلُقنَ كُلُّهُنَّ، ولا ميراثَ لَهُنَّ. وقال الشافعىُّ: يُوقَفُ مِيراثُهُنّ، وإن كان الطَّلاقُ قبل الدُّخولَ دَفَعَ إلى كل واحدةٍ نِصْفَ مَهْرٍ، ووَقَفَ الباقىَ فى مُهُورِهِنّ. وقال داودُ: يَبْطُلُ حُكْمُ طَلاقهِنَّ؛ لمَوْضِعِ الجَهالةِ، ولكل واحدةٍ مَهْرٌ كاملٌ، والميراثُ بَيْنَهُنَّ. وإن متْنَ قبلَه، طَلُقَتِ الآخِرَةُ، فى قولِ أهلِ العراقِ. وقال الشافعىُّ: يُرْجَعُ إلى تَعْيِينه، على ما ذكَرْناه. ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا يُعارِضُه قولُ ابن عباسٍ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ يَعْتَرِفُ لعلِىٍّ بتَقْديمِ قولِه، فإنَّه قال: إذا ثَبَتَ لنا عن علىٍّ قولٌ، لم نَعْدُه إلى غيرِه. وقال: ما عِلْمِى إلى عِلْمِ علِىٍّ، إلَّا كالقَرَارةِ إلى المُثْعَنْجَرِ (٧٧). ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن الآدَمِىٍّ، فتُسْتَعْمَلُ فيه القُرْعةُ عندَ الاشْتِباه، كالعِتْقِ. وقد ثبَتَ (٧٨) ذلك فى العِتْقِ بخَبَرِ عِمْرانَ بن الحُصَيْنِ (٧٩). ولأنَّ الحُقوقَ تَساوتْ على وجهٍ تَعَذّرَ تَعْيِينُ المُسْتَحِقِّ فيه من غير قُرْعةٍ، فيَنْبَغِى أن تُسْتَعْملَ فيه القُرْعةُ، كالقِسْمةِ والسَّفَرِ (٨٠) بين النِّساءِ، فأمَّا قَسْمُ الميراثِ بين الجميعِ، ففيه دَفْعٌ إلى إحْداهُنَّ مالا تَسْتَحِقُّه، وتَنْقِيصُ بَعْضِهِنَّ حَقَّها يقينًا، والوَقْفُ إلى غير غايةٍ تَضْييعٌ لحُقُوقِهنَّ، وحِرْمانُ الجميعِ مَنْعُ الحَقِّ عن صاحِبه يَقِينًا. ولو كان له امْرأتانِ، فطَلَّقَ إحْدَاهُما، ثم ماتَت إحداهما، ثم مات، أُقْرِعَ بينهما، فَمن

стр. 4590

وَقَعتْ عليها قُرعةُ الطَّلاقِ لم يَرِثْها إن كانت الْمَيِّتةُ، ولم تَرِثْهُ إن كانت الأُخْرَى. وفى قولِ أهلِ العراقِ: يرِثُ الأُولَى، ولا تَرِثُه الأُخْرَى. وللشافِعىِّ قَوْلان؛ أحدهما، يُرْجَعُ إلى تَعْيِينِ الوارثِ، فإن قال: طَلَّقَ المَيِّتةَ. لم يَرِثْها، ووَرِثَتْهُ الْحَيَّةُ. وإن قال: طَلَّقَ الحيّةَ. حَلَفَ على ذلك، وأخَذَ مِيراثَ المَيِّتةِ، ولم تُوَرَّثِ الحَيَّةُ. والقولُ الثانى، يُوقَفُ من مال المَيِّتَةِ مِيراثُ الزَّوجِ، ومن مالِ الزَّوْجِ ميراثُ الْحَيَّةِ. وإن كان له امرأتان قد دَخَل بإحْداهما دون الأُخْرَى، وطَلّق إحداهما لا بِعَيْنِها، فمَن خَرَجت لها القُرْعةُ فلها حُكْمُ الطَّلاقِ، وللأُخْرَى حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وقال أهلُ العراقِ: للمَدْخُولِ بها ثلاثةُ أرباعِ الميراثِ إن مات فى عِدَّتِها، وللأُخْرَى رُبْعُه؛ لأنَّ للمَدْخُولِ بها نِصْفَه بِيَقينٍ، والنِّصْفُ الآخرُ يَتَداعيانِه، فيكونُ بينهما. وفى قولِ الشَّافِعِىِّ: النِّصْفُ للمَدْخُولِ بها، والثانى مَوْقوفٌ. وإن كانتا مَدْخُولًا بهما، فقال فى مرضِه: أرَدْتُ هذه. ثم مات فى عِدَّتِها، لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّ الإقْرارَ بالطَّلاقِ فى المرضِ كالطَّلاقِ فيه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ. وقال زُفَرُ: يُقْبَلُ قولُه، والميراثُ للأُخْرى. وهو قياسُ قولِ الشافعىِّ. ولو كان للمريضِ امرأةٌ أخْرَى سِوَى هاتَيْنِ، فلها نِصْفُ الميراثِ، وللاثْنتَيْنِ نِصْفُه. وفى قولِ الشافعىِّ نِصْفُه مَوْقوفٌ. فصل: ولو كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ إحداهُنَّ غيرَ مُعَيَّنةٍ، ثم نَكَحَ خامسةً بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها، ثم مات ولم يُبَيِّنْ، فللخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ والمَهْرُ، ويُقْرعُ بين الأرْبعِ. وقال أهلُ العراقِ: لَهُنَّ ثلاثةُ أرْباعِ الميراثِ بَينهنَّ. وإن كُنَّ غيرَ مدخولٍ بِهِنَّ، فلهُنَّ ثَلاثةُ مُهورٍ ونِصْفٌ. وفى قولِ الشافعىِّ، يُوقَفُ ثلاثةُ أرباعِ الميراثِ، ومَهْرٌ ونِصْفٌ بين الأرْبعِ، فإن جاءت واحدةٌ تَطْلُبُ مِيراثَها لم تُعْطَ شيئًا. وإن طَلَبهْ اثْنتانِ دُفِعَ إليهما رُبْعُ المِيراثِ، وإن طلبَه ثلاثٌ دُفِعَ إليهنَّ نِصْفُه، وإن طلبَه الأرْبَعُ دُفِعَ إليهنَّ. ولو قال بعد نِكاحِ الخامسةِ: إحْداكُنَّ طالِقٌ. فعلى قولِهم، للخامسةِ رُبْعُ المِيراثِ؛ لأنَّها شَرِيكةُ ثلاثٍ، وباقِيه بين الأرْبعِ كالأولى، وللخامسةِ سَبْعةُ أثمانِ مَهْرٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ نَقَصها وثلاثًا معها نِصْفَ مَهْرٍ، ويَبْقَى للأَربعِ ثلاثةٌ وثُمنٌ بينهنَّ، فى قولِ أهلِ العراقِ. فإن تَزَوَّجَ بعدَ ذلك سادسةً، فلها رُبْعُ المِيراثِ، ومهرٌ كاملٌ، وللخامسةِ ربعُ ما بَقِىَ وسَبْعةُ أثمانِ مَهْرٍ، وللأربع ما بَقِىَ وثلاثةُ مُهورٍ وثُمْنٌ، ويكونُ الرُّبعُ مَقْسُومًا على أربعةٍ

стр. 4591

وسِتِّين. فإن قال بعد ذلك: إحداكُنَّ طالقٌ. لم يَخْتَلِفِ الميراثُ، ولكن تَخْتَلِفُ المُهورُ، فللسَّادسةِ سبعةُ أثْمانِ مَهْرٍ، وللخامسةِ خمسةٌ وعشرونَ جزءًا من اثنينِ وثلاثينَ من مَهْرٍ، ويَبْقَى للأربع مَهْرانِ وسبعةٌ وعشرونَ جزءًا من مَهْرٍ. وعندَ الشافعىِّ يُوقَفُ ربعُ الميراثِ بين السِّتِّ، وربعٌ آخرُ بين الخمسِ، وباقِيه بين الأرْبعِ، ويوقفُ نصفُ مَهْرٍ بين السِّتِّ، ونصفٌ بين الخَمْسِ، ونصفٌ بين الأرْبعِ، ويُدْفَعُ إلى كل واحدةٍ نِصفٌ. باب الاشْتِرَاك فى الطُّهْر إذا وَطِئَ رجلانِ امرأةً فى طُهْرٍ واحدٍ وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ من مثْلِه، فأَتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، مثل أن يَطَأَ الشَّرِيكانِ جارِيَتَهما المُشْتَرَكةَ، أو يَطَأَ الإِنسانُ جارِيَتَه ثم يَبِيعَها قبلَ أن يَسْتَبْرِئَها، فيَطَؤُها المُشْتَرِى قبلَ اسْتِبْرائِها، أو يَطؤُها رجلانِ بشُبْهَةٍ، أو يُطَلِّقَ رجلٌ امرأتَه فيتَزوَّجَها غيرُه فى عِدَّتِها ويَطأَها، أو يطَأُ إنسانٌ جارِيةَ آخرَ أو امرأتَه بشُبْهةٍ فى الطُّهْرِ الذى وَطِئَها فيه سَيِّدُها أو زَوْجُها، ثم تأْتى بولدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فإنَّه يُرَى القافةَ معهما. وهذا قولُ عطاءٍ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافعىِّ، وأبى ثورٍ، فإن ألْحَقَتْه بأحدِهما، لَحِقَ به، وإن نَفَتْه عن أحدِهما، لَحِقَ الآخَرَ، وسواءٌ ادَّعَياه أو لم يَدَّعِياه، أو ادَّعاه أحدُهما وأنْكَره الآخَرُ، وإن أَلحقَتْه القافةُ بهما، لَحِقَهما وكان ابْنَهُما. وهذا قولُ الأَوْزاعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وروَاه بعضُ أصحابِ مالكٍ عنه. وقال مالكٌ: لا يُرَى ولدُ الحُرَّةِ للقافةِ (٨١)، بل يكونُ لصاحبِ الفِرَاشِ الصَّحِيحِ دُونَ الوَاطئِ بِشُبْهةٍ. وقال الشافعىُّ: لا يُلْحَقُ بأكثرَ من واحدٍ، فإن ألحقَتْه القافةُ بأكثرَ من واحدٍ، كان بمَنْزِلَةِ أن لا يُوجَدَ قافةٌ. ومتى لم يُوجَدْ قافةٌ، أو أُشْكِلَ عليها، أو اخْتَلَفَ القائمانِ فى نَسَبِه، فقال أبو بكر: يَضِيعُ نَسَبُه، ولا حُكْمَ

стр. 4592

لِاخْتيارِه، ويَبْقَى على الجَهالةِ أبدًا. وهو قولُ (٨٢) مالكٍ. وقال ابنُ حامدٍ: يُتْركُ حتى يَبْلُغ فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما. وهو قولُ الشافعىِّ الجديد، وقال فى القديمِ: يُتْرَكُ حتى يُمَيِّزَ، وذلك لِسَبْعٍ أو ثَمانٍ، فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما، ونفقَتُه عليهما، إلى أن ينْتَسِبَ إلى أحدِهما، فيرْجِعَ الآخرُ عليه بما أَنْفَقَ. وإذا ادَّعَى اللَّقِيطَ اثنانِ، أُرِىَ القافةَ معهما. وإن مات الولدُ المُدَّعَى فى هذه المواضعِ قبلَ أن يُرَى القافةَ، وله ولدٌ، أُرِىَ ولدهُ القافةَ مع المُدَّعِينَ. ولو مات الرَّجُلانِ أُرِىَ الْقافةَ مع عَصَبتِهما. وإن ادَّعاه أكثرُ من اثْنَيْنِ، فألحقَتْه القافةُ بهم، لَحِقَ. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُلْحَقُ بثلاثةٍ، ومُقْتَضَى هذا أن (٨٣) يُلْحَقَ بهم وإن كَثُرُوا. وقال القاضى: لا يُلْحَقُ بأكثرَ من ثلاثةٍ. وهو قولُ محمدِ بن الحسنِ. ورُوِىَ عن أبى يوسفَ. وقال ابنُ حامدٍ: لا يُلْحَقُ بأكثرَ من اثْنَيْنِ. ورُوِىَ أيضًا عن أبى يوسفَ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وشَرِيكٌ، ويحيى بن آدَمَ: لا حكمَ للقافةِ، بل إذا سَبَقَ أحدُهما بالدَّعْوَى (٨٤)، فهو ابنُه. فإن ادَّعيَاه معا، فهو ابْنُهما. وكذلك إن كَثُرَ الواطِئُون وادَّعَوْه معا، فإنَّه يكونُ لهم جميعا. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى فى ذلك بالقُرْعةِ واليَمِينِ. وبه قال ابنُ أبى لَيْلَى، وإسحاقُ. وعن أحمدَ نحوُه إذا عُدِمَت القافةُ. وقد ذَكَرْنا أكثرَ هذه المسائل مَشْرُوحةً مَدْلُولًا عليها فى مواضِعِها، والغرضُ ههُنا ذِكْرُ مِيرَاثِ المُدَّعَى، والتَّوْرِيثُ منه، وبيانُ مَسائِله. مسألة: إذا أُلْحِقَ باثْنَيْنِ، فمات، وتَرَكَ أُمَّه حُرّةً، فلها الثُّلُثُ، والباقِى لهما، فإن كان لكلِّ واحدٍ منهما ابنٌ سِوَاهُ، أو لأحَدِهما ابْنانِ، فلأُمِّه السُّدُسُ. فإن مات أحدُ الأبوَيْنِ، وله ابنٌ آخرُ، فمالُه بينهما نِصْفَيْنِ، فإن مات الغلامُ بعدَ ذلك، فلأُمِّه السدسُ، والباقى للباقى من أبوَيْه، ولا شىءَ لإِخْوَتِه؛ لأنَّهما مَحْجُوبانِ بالأَبِ الباقى. فإن كان الغلامُ تَرَكَ ابنًا، فللباقِى من الأبَوينِ السدسُ، والباقى لِابْنِه. وإن مات قبلَ

стр. 4593

أبَوَيْه، وترك ابنًا، فلهما جميعًا السدسُ، والباقى لِابْنِه. فإن كان لكلِّ واحدٍ منهما أبَوانِ، ثم ماتَا، ثم ماتَ الغلامُ وله جَدّةٌ أُمُّ أُمٍّ وابنٌ، فلأُمِّ أُمِّه نصفُ السُّدسِ، ولأُمَّى المُدَّعِيَيْنِ نِصْفُه، كأنَّهما جَدَّةٌ واحدةٌ، وللجَدِّيْنِ السُّدُسُ، والباقى للابنِ، فإن لم يكُن ابنٌ، فللجَدَّيْنِ الثلثُ؛ لأنَّهما بمنزلةِ جَدٍّ واحدٍ، والباقى للأخَوَينِ. وعند أبى حنيفةَ، الباقى كلُّه للجَدَّيْنِ؛ لأنَّ الجَدَّ يُسْقِطُ الإِخْوةَ. وإن كان المُدَّعِيان أخوَيْنِ، والمُدَّعَى جارِيةً، فماتا وخَلَّفَا أبَاهما، فلهما من مالِ كلِّ واحدٍ نِصْفُه، والباقى للأبِ. فإن مات الأبُ بعدَ ذلك فلها النصفُ؛ لأنَّها بنتُ ابْنٍ. وحَكَى الخَبْرِىُّ عن أحمدَ وزُفَرَ وابنِ أبِى زائدةَ (٨٥)، أَنَّ لها الثُّلُثينِ؛ لأنَّها بنتُ ابْنَيْه (٨٦) فلها يراثُ بِنْتَى ابنٍ، وإن كان المُدَّعِى ابنًا، فمات أبَواهُ، ولأحدِهما بنتٌ، ثم مات أبوهُما، فمِيراثُه بين الغلامِ والبنتِ على ثلاثةٍ. وعلى القولِ الآخَرِ، على خمسةٍ؛ لأنَّ الغلامَ يضْرِبُ بنَصيبِ ابْنَىِ ابْنِ. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بنتٌ، فللغُلامِ من مالِ كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثاه، وله من مالِ جَدِّه نِصْفُه. وعلى القولِ الآخَرِ، له ثُلُثاه، ولهما سُدْساه. وإن كان المُدَّعِيان رَجُلًا وعَمّةً، والمُدَّعَى جاريةُ، فماتا، وخَلَّفَا أبَوَيْهِما، ثم مات أبو الأَصْغَرِ، فلها النِّصْفُ، والباقى لأبى العَمِّ؛ لأنَّه أبوه. وإذا مات أبو العَمِّ، فلها النِّصْفُ من مالِه أيضًا. وعلى القولِ الآخَرِ، لها الثُّلُثان؛ لأنَّها بنتُ ابنٍ وبنتُ ابْنِ ابْنٍ. وإن كان المُدَّعِى رجلًا وابْنَه، فمات الابنُ، فلها نِصْفُ مالِه. وإذا مات الأبُ فلها النِّصْفُ أيضًا. وعلى القولِ الآخَرِ لها الثُّلُثانِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا تَدَاعَى الأبُ وابْنُه، قُدِّمَ الأبُ، ولم يكُنْ للابنِ شىءٌ. وإن مات الأبُ أَوَّلًا، فمالُه (٨٧) بين ابْنِه وبينهما على ثلاثةٍ، ثم تأخذ نصفَ مالِ الأصْغرِ، لكَوْنِها بِنْتَه، وباقِيه لأنَّها أخْتُه، وفى كلِّ ذلك إذا لم يَثْبُتْ نَسَبُ المُدَّعِى، وُقِفَ نَصِيبُه، ودُفِعَ إلى كلِّ وارثٍ اليَقِينُ، ووُقِفَ الباقِى حتى يثْبُتَ نَسَبُه أو يَصْطَلِحُوا. فلو كان المُدَّعُون ثلاثةً، فمات أحَدُهم، وتَرَكَ ابنًا وألْفًا، ثم مات الثانى، وترَك ابنًا

стр. 4594

وألْفَيْنِ، ثم مات الثالثُ، وترَك ابنا وعِشْرِينَ ألفًا، [ثم مات الغُلامُ] (٨٨)، وترك أرْبعةَ آلافٍ، وأُمًّا حُرّةً، وقد ألْحَقَتْه الْقافةُ بهم، فقد ترَك خمسةَ عشرَ ألفًا وخَمْسمائة، فلأُمِّه سُدُسُها، والباقى بين إخْوتِه الثَّلاثةِ أثْلاثًا. وإن كان مَوْتُهم قبلَ ثُبُوتِ نَسَبِه، دُفِعَ إلى الأُمِّ (٨٩) ثُلُثُ تَرِكَتِه، وهو ألفٌ وخَمْسُمائة؛ لأنَّ أَدْنَى الأحْوالِ أن يكونَ ابنَ صاحبِ الألْفِ، فيَرِثُ منه خَمْسَمائةٍ، وقد كان وُقِفَ له من مالِ كلِّ واحدٍ من المُدَّعِين نِصْفُ مالِه، فيُرَدُّ إلى ابْنِ صاحبِ الألْفِ، وابنِ صاحبِ الألْفَيْنِ، ما وُقِفَ من مالِ أبَوَيْهما؛ لأنَّه إن (٨٩) لم يكُنْ أخًا لهما فذلك لهما من مالِ (٩٠) أبوَيْهِما، وإن كان أخَا أحدِهما، فهو يَستحِقُّ ذلك، وأكثرَ منه بإرْثِه منه، ويُرَدُّ على ابنِ الثالثِ تِسْعَةُ آلافٍ وثُلُثُ ألفٍ، ويَبْقَى ثُلُثا ألفٍ مَوْقُوفةً بينه وبين الأُمِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أخاه، فيكونُ قد مات عن أربعةَ عشرَ ألفًا، لأُمِّه ثُلُثُها، ويَبْقَى من مالِ الابنِ ألفانِ وخَمْسُمائة مَوْقوفةً يَدَّعِيها ابنُ صاحبِ الألْفِ كلِّها، ويَدَّعِى منها ابنُ صاحبِ الألْفَيْنِ ألْفَيْنِ وثُلُثًا، فيكونُ ذلك موقوفًا بينهما وبين الأُمِّ، وسُدسُ الأَلْفِ بين الأُمِّ وابنِ صاحبِ الألْفِ. فإن ادَّعَى أخَوانِ ابْنًا، ولهما أبٌ، فمات أحَدُهما، وخَلَّفَ بنتًا، ثم مات الآخَرُ قبلَ ثُبوتِ نَسَبِ المُدَّعَى، وُقِفَ من مالِ الأَوَّلِ خَمْسةُ أتْساعِه، منها تُسْعانِ بين الغلامِ والبنتِ، وثلاثةُ أتْساعٍ بينه وبين الأبِ، ويُوقَفُ من مالِ الثاني خمسةُ أسْداسٍ بينَه وبين الأبِ. فإن مات الأبُ بعدَهما، وخَلَّفَ بنتًا، فلها نصفُ مالِه، ونصفُ ما وَرِثَه عن ابْنتِه، والباقى بين الغُلامِ وبنتِ الابْنِ؛ لأنَّه ابنُ ابْنِه بيَقِين، ويُدْفَعُ إلى كلّ واحدٍ منهم من المَوْقُوفِ اليقينُ، ويُوقفُ الباقى، فتُقَدِّرُه مَرّةً ابنَ صاحبِ البنتِ، ومرةً ابنَ الآخَرِ، وتَنْظُرُ مالَه من كلِّ واحدٍ منهم فى الحالَيْنِ، فتُعْطِيه أقَلَّهما، فللغُلامِ فى حالٍ كُلُّ (٩٠) المَوْقُوفِ من مالِ

стр. 4595

الثانى، وخُمْسُ المَوْقُوفِ من مالِ الأوَّلِ، وفى حالٍ كلُّ الموقوفِ من مالِ الأَوَّلِ، وثُلُثُ المَوْقُوفِ من الثانى، فله أقَلُّهما، ولبنتِ المَيِّتِ الأَوَّلِ فى حالٍ النَّصْفُ من مالِ أَبِيها، وفى حالٍ السُّدُسُ من مالِ عَمِّها، ولبِنْتِ الأبِ فى حالٍ نِصْفُ الموْقوفِ من مالِ الثانى، وفى حالٍ ثلاثةُ أعْشارٍ (٩١) من مالِ الأوَّلِ، فتَدْفَعُ إليها أقَلَّهما، ويَبْقَى باقِى التَّرِكَةِ مَوْقُوفًا بينهم حتى يَصْطَلِحُوا عليه. ومن الناسِ مَن يُقَسِّمُه بينهم على حَسَبِ الدَّعَاوَى. ومتى اخْتَلَفَتْ أجْناسُ التَّرِكةِ، ولم يَصِرْ بعضُها (٩٢) قصاصًا عن بعض، قُوِّمَتْ، وعُمِلَ فى قِيمَتِها على ما بَيَّنَّا فى الدَّراهمِ إن تَرَاضَوْا على ذلك، أو يَبِيعُ الحاكمُ عليهم ليَصِيرَ الحقُّ كلُّه من جِنْسٍ واحدٍ، لما فيه من الصَّلَاحِ لهم، ويُوقَفُ الفَضْلُ المشكوكُ فيه بينهم على الصُّلْحِ. ولو ادَّعَى اثنانِ غلامًا، فألْحقتْه القافةُ بهما، ثم مات أحدُهما، وترَك ألفًا وبِنْتًا وعَمًّا، ثم مات الآخَرُ، وتَرك ألْفَيْنِ وابْنَ ابنِ، ثم مات الغلامُ، وتَرَك ثلاثةَ آلافٍ وأُمًّا، كان للبنتِ من تَركةِ أبيها ثُلُثُها، وللغلامِ ثُلُثاها، وتَرِكِةُ الثانِى كلُّها له؛ لأنَّه ابْنُه، فهو أحَقُّ من ابنِ الابنِ، ثم مات الغلامُ عن خمسةِ آلافٍ وثُلُثَىْ ألفٍ، فلأُمِّه ثلثُ ذلك، ولأُخْتِه نِصْفُه، وباقِيه لِابْنِ الابنِ؛ لأنَّه ابنُ أخِيه، ولا شىءَ لِلْعَمِّ. وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُه، فلابْنةِ الأَوَّلِ ثلثُ الألفِ، ويُوقَفُ ثُلُثاها وجَمِيعُ تَركِةِ الثانى. فإذا مات الغلامُ، فلأمِّه من تَركَتِه ألفٌ وتُسْعَا ألفٍ؛ لأنَّ أقلَّ أحوالِه أن يكونَ ابنَ الأوَّلِ، فيكونُ قد مات عن ثلاثةِ آلافٍ وثُلُثَىْ ألفٍ، ويُرَدُّ المَوْقُوفُ من مالِ أبى البِنْتِ على البنتِ والعَمِّ، فيَصْطَلحانِ عليه؛ لأنَّه لهما، إمَّا عن صاحِبِهما أو الغُلامِ، ويُرَدُّ الموقوفُ من مالِ الثانى إلى ابنِ ابْنِه؛ لأنَّه له إمَّا عن جَدِّه، وإمَّا عن عَمِّه، وتُعْطَى الأُمُّ من تَركِةِ الغلامِ ألفًا وتُسْعَىْ ألفٍ؛ لأنَّه أقلُّ مالها، ويَبْقَى ألفٌ وسَبعةُ أتْساعِ ألفٍ تَدَّعِى الأُمُّ منها أرْبعةَ أتْساعِ ألفٍ، تَمامَ ثُلُثِ خَمْسة آلافٍ، ويَدَّعِى منها ابنُ الابْنِ ألفًا وثُلُثًا، تَمامَ

стр. 4596

ثُلُثَىْ خَمْسة آلافٍ، وتَدَّعِى البنتُ والعَمُّ جميعَ الباقِى، فيكونُ ذلك موقوفًا بينهم حتى يَصْطَلِحُوا. ولو كان المولودُ فى يَدَىِ امْرأتَينِ فادَّعَياهُ (٩٣) معًا، أُرِىَ الْقافةَ معهما، فإن ألْحَقَتْه بإحداهُما، لَحِقَ بها ووَرثِها، ووَرِثَتْه فى إحْدَى الرِّواياتِ. وإن ألحقتْه بهما، أو نَفَتْه عنهما، لم يَلْحَقْ بواحدةٍ منهما. وإن قامت لكلِّ واحدةٍ منهما بَيِّنةٌ، تعارَضَتا، ولم تُسْمَعْ بَيِّنَتُهما. وبهذا قال أبو يوسفَ، واللُّؤْلُؤىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَثْبُتُ نَسَبُه منهما، ويَرِثانِه ميراثَ أُمٍّ واحدةٍ، كما يُلْحَقُ برَجُلَيْنِ. ولَنا، أَنَّ إحْدَى البِنْتَينِ كاذِبةٌ يَقِينًا، فلم تُسْمَعْ، كما لو عُلِمَتْ، ومن ضَرُورةِ رَدِّها رَدُّهما؛ لعَدَمِ العِلْمِ بعَيْنها، ولأنَّ هذا مُحَالٌ، فلم يثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ ولا غيرِها، كما لو كان الولدُ أكبرَ منهما. ولو أَنَّ امرأةً معها صَبِىٌّ، ادَّعاه رَجُلانِ، كلُّ واحدٍ يَزْعُمُ أنَّه ابْنُه منها، وهى زَوْجَتُه، فكَذَّبَتْهُما، لم يَلْحَقْهُما، وإن صَدَّقَتْ أحَدَهُما، لَحِقَه، كما لو كان بالغًا، فادَّعَياه، فصَدَّقَ أحَدَهُما. ولو أَنَّ صَبِيًّا مع امرأةٍ، فقال زَوْجُها: هو ابْنِى من غيرِكِ. فقالت: بل هو ابْنِى منكَ. لَحِقَهُما جميعا.

стр. 4597

كتاب الوَلَاء قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١). يعنى الأَدْعِياء. وقال النبىُّ ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٢). وقال سعيدٌ: حدثنا سُفْيانُ، عن عبدِ اللَّه بن دِينار، عن ابن عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ الوَلَاءِ، وعن هِبَتِه. مُتَّفَقٌ عليهما (٣) وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّه مَنْ تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيهِ" (٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال ﷺ : "مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُم" (٥). حديث صحيحِ. ورَوى الخَلَّالُ، بإِسْنادِه عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن عبدِ اللَّه ابن

стр. 4598

أبى أَوْفَى. قال: قال لى (٦) النَّبِىُّ ﷺ : "الوَلَاءُ لُحْمةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ" (٧). ١٠٥٠ - مسألة؛ قال: (وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ، وإِنْ اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا) أَجْمعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ مَن أعْتَقَ عَبْدًا، أو عَتَقَ عليه، ولم يَعْتِقْه سَائِبَةً (١)، أَنَّ له عليه الوَلَاءَ. والأصلُ فى هذا قولُ النبىِّ ﷺ : "الوَلَاءُ لمن أعْتَقَ" (٢). وأجْمَعُوا أيضًا على أَنَّ السَّيدَ يَرِثُ عَتِيقَه إذا مات جَمِيعَ مالِه، إذا اتَّفقَ دِيناهُما، ولم يَخْلُفْ وارثًا سِوَاهُ؛ وذلك لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الوَلاءُ لُحْمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ" (٣). والنَّسَبُ يُورَثُ به، ولا يُورَثُ، كذلك الوَلَاءُ. ورَوَى سعيدٌ (٤)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن زِيَادٍ، حَدَّثنا شُعْبةٌ، عن الحَكَمِ، عن عبدِ اللَّه بن شَدَّادٍ، قال: كان لِبِنْتِ حَمْزةَ مَوْلًى أعْتَقَتْه، فمات، وتَرَك ابْنَتَه ومَوْلَاتَه، فأعْطىَ النبىُّ ﷺ ابْنَتَه النِّصْفَ، وأعْطىَ مَوْلاتَه بنتَ حَمْزَةَ النِّصْفَ. قال (٥): وحدَّثنا خالدُ بن عبدِ اللَّه، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "المِيراثُ لِلْعَصَبةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ [عَصَبةٌ، فَلِلْمَوْلَى"] (٦). وعنه، أن رَجُلًا

стр. 4599

أعْتَقَ عبدًا، فقال للنبىِّ ﷺ : ما تَرَى فِى مالِه؟ قال: "إنْ مَاتَ، ولَمْ يَدَعْ وَارِثًا (٧)، فَهُوَ لَكَ" (٨). فصل: ويُقَدَّمُ المَوْلَى فى الميراثِ على الرَّدِّ وذَوِى الأرْحامِ، فِى قولِ جُمْهورِ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتابعينَ ومَنْ بَعْدَهم، فإذا مات رَجُلٌ، وخَلَّفَ بِنْتَه ومَوْلاه، فلِبِنْتِه النصفُ، والباقى لِمَوْلاه. وإن خَلَّفَ ذا رَحِمٍ ومَوْلاه، فالمالُ لمَوْلاه دون ذى (٩) رَحِمِه. وعن عمرَ وعلىٍّ تَقْديمُ (١٠) الرَّدِّ على المَوْلَى. وعنهما وعن ابنِ مَسْعُودٍ تَقْدِيمُ ذَوِى (١١) الأرْحامِ على المَوْلَى. ولعَلَّهم يَحْتَجُّون بقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١٢). ولَنا، حَدِيثُ عبدِ اللَّه بن شَدَّادٍ، وحديثُ الحسنِ، ولأنَّه عَصَبةٌ يَعْقِلُ عن مَوْلَاهُ، فيُقَدَّمُ على الرَّدِّ وذِى الرَّحِمِ، كابْنِ العَمِّ. فصل: وإن كان لِلْمُعْتَقِ عَصَبةٌ من نَسَبِه، أو ذَوُو فَرْضٍ تَسْتَغْرِقُ فُروضُهم المالَ، فلا شىءَ لِلمَوْلَى. لا نعلمُ فى هذا خِلافًا؛ لما تقدَّم من الحَدِيثِ، ولقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِها، فَمَا أبْقتِ الفُرُوضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١٣). وفى لفْظٍ: "فلِأَوْلَى (١٤) عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (١٣). والعَصَبةُ من القَرابةِ أَوْلَى من ذى الوَلاءِ؛ لأنَّه مُشَبَّهٌ بالقَرابةِ، والمُشَبَّهُ به أقْوى من المُشَبَّهِ، ولأنَّ النَّسَبَ أقْوى من الوَلاءِ، بدَلِيلِ أنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحْريمُ والنَّفَقةُ وسُقُوطُ القِصَاصِ ورَدُّ الشّهادةِ، ولا يتعلَّق ذلك بالوَلَاءِ.

стр. 4600

فصل: وإن اخْتَلفَ دِينُ السَّيِّدِ وعَتِيقهِ، فالوَلاءُ ثابتٌ. لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لِعُمومِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (١٥). ولقولِه: "الْوَلَاءُ لُحْمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ" (١٦). ولُحْمةُ النَّسَبِ تَثْبُتُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، وكذلك الوَلَاءُ، ولأنَّ الوَلاءَ إنَّما يَثْبُتُ له عليه لإِنْعامِه بإعْتاقِه، وهذا المعنى ثابتٌ مع اخْتِلافِ دِينِهِما، ويَثْبُتُ الوَلَاءُ للذَّكَرِ على الأُنْثَى، والأُنْثَى على الذَّكَرِ، ولكلِّ مُعْتِقٍ، لعُمومِ الخبرِ والمَعْنى، ولِحَدِيثِ عبدِ اللَّه بن شَدَّادٍ. وهل يَرِثُ السَّيِّدُ مَوْلاه مع اختلافِ الدِّينِ؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، يَرِثُه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ. وبه قال أهلُ الظَّاهِرِ. واحْتَجَّ أحمدُ بقَوْلِ علىٍّ: الوَلاءُ شُعْبةٌ من الرِّقِّ. وقال مالكٌ: يَرِثُ المُسْلِمُ مَوْلاه النَّصْرانِىَّ؛ لأنَّه يَصْلُحُ له تَمَلُّكُه (١٧)، ولا يَرِثُ النَّصْرانىُّ مَوْلاه المُسْلِمَ؛ لأنَّه لا يصْلُحُ له تَمَلُّكُه. وجمهورُ الفُقَهاءِ (١٨) على أنَّه لا يَرِثُه مع اخْتلافِ دِينِهِما؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا يَرِثُ الْمُسْلمُ الْكافِرَ ولا الْكافِرُ المُسْلِمَ" (١٩). ولأنَّه ميراثٌ، فيَمْنَعُه اختلافُ الدِّينِ، كميراثِ النَّسَبِ، ولأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ مانعٌ من الميراثِ، فمَنَعَ المِيراثَ بالوَلاءِ، كالقَتْلِ والرِّقِّ، يُحَقِّقُه أَنَّ المِيراثَ بالنَّسَبِ أقْوَى، فإذا مَنَعَ الأقْوَى فالأضْعَفُ أوْلَى، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْحَقَ الوَلاءَ بالنَّسَبِ، بقوله: "الوَلَاءُ لُحْمةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ". وكما يَمْنَعُ اختلافُ الدِّينِ التَّوارُثَ مع صِحَّةِ النَّسَبِ وثُبُوتِه، كذلك يَمْنَعُه مع صِحَّةِ الوَلاءِ وثُبوتِه، فإذا اجْتمعا على الإِسلامِ، تَوارثَا كالمُتَناسِبَيْن، وهذا أصَحُّ فى الأثَرِ والنَّظَرِ، إن شاءَ اللَّه تعالى، فإن كان للسَّيِّدِ عَصَبةٌ على دِينِ العَبْدِ، وَرِثَه دونَ سَيِّدِه. وقال داودُ: لا يَرِثُ عَصَبَتُه مع حَياتِه. ولَنا، أنَّه بمَنْزِلةِ ما لو كان الأَقْرَبُ من العَصَبةِ مُخالِفًا لدِينِ المَيِّتِ والأَبْعدُ على دِينِه، وَرِثَ دُونَ القَريبِ.

стр. 4601

فصل: وإن أعْتَقَ حَرْبِىٌّ حَرْبِيًّا، فله عليه الولاءُ؛ لأنَّ الوَلاءَ مُشَبَّهٌ بالنَّسَبِ، والنسبُ ثابِتٌ بين أهل الحَرْبِ، فكذلك الْوَلاءُ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أهلَ العراقِ، فإنَّهم قالوا: العِتْقُ فى دارِ الحَرْبِ والكِتَابةُ والتَّدْبيرُ لا يَصِحُّ، ولو اسْتَولدَ أمَتَه، لم تَصرْ أُمَّ وَلَدٍ، مُسْلِمًا كان السيدُ أو ذِمِّيًّا أو حَرْبِيًّا. ولَنا، أَنَّ مِلْكَهُم ثابتٌ، بدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٢٠) فَنَسَبها إليهم، فصَحَّ عِتْقُهُم كأهلِ الإِسلامِ، وإذا صَحَّ عِتْقُهم ثَبَتَ الولاءُ لهم؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". فإن جاءَنا المُعْتَقُ مُسْلِمًا، فالوَلاءُ بحالِه. فإن سُبِىَ مَوْلَى النِّعْمةِ، لم يَرِثْ ما دام عبدًا، فإن أُعْتِقَ، فعليه الوَلاءُ لمُعْتِقِه، وله الوَلَاءُ على مُعْتَقِه. وهل يَثْبُتُ لمُعْتِقِ السَّيِّد وَلاءٌ على مُعْتَقِه؟ يَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ؛ لأنَّه مَوْلَى مَوْلاه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ؛ لأنَّه ما حَصَلَ منه إنْعامٌ عليه ولا سَبَبٌ لذلك. فإن كان الذى اشْتراه مَوْلاهُ فأَعْتَقَه، فكلُّ واحدٍ منهما مَوْلَى صاحِبِه يَرِثُه بالوَلاءِ. وإن أسَرَه مَوْلاهُ فأَعْتَقَه، فكذلك. وإن أسَرَهُ مَوْلاهُ وأجْنَبِىٌّ فأعْتَقاه، فولاؤُه بينهما نِصْفَيْنِ. فإن مات بعدَه المُعْتِقُ الأوَّلُ، فلِشَرِيكِه نصفُ مالِه؛ لأنَّه مَوْلَى نِصْفِ مَوْلاهُ على أحدِ الاحْتِمالَينِ. والآخَر لا شىءَ له؛ لأنَّه لم يُنْعِمْ عليه. وإن سُبِىَ المُعْتَقُ فاشْتَراهُ رجلٌ، فأعْتَقَه، بَطَلَ وَلاءُ الأوَّلِ وصار الوَلاءُ للثانى. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقيل: الولاءُ بينهما. واختاره ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه ليس أحَدُهما أَوْلَى من الآخَرِ. وقيل: الولاءُ للأوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ. ولَنا، أَنَّ السَّبْىَ يُبْطِلُ مِلْكَ الأوَّلِ الحَرْبىِّ، فالولاءُ التَّابِعُ له أَوْلَى، ولأنَّ الولاءَ بَطَلَ باسْتِرْقاقِه، فلم يَعُدْ بإعْتاقِه. وإن أعْتَقَ ذِمِّىٌّ عَبْدًا كافِرًا، فهَرَبَ إلى دارِ الحَرْبِ فاسْتُرِقَّ، فالحُكْمُ فيهَ كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَه الحربىُّ سَواءً. وإن أعْتَقَ مسلمٌ كافِرًا، فهَرَبَ إلى دارِ الحربِ، ثم سَبَاهُ المسلمون، فذَكَرَ أبو بكرٍ والقاضِى، أنَّه لا يجوزُ اسْتِرْقاقُه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فى اسْتِرْقاقِه إبْطالَ ولاءِ المسلمِ المَعْصُوم. قال ابن

стр. 4602

اللَّبَّانِ: ولأنَّ له أمانًا بعِتْقِ المسلمِ إيَّاه. والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّه، جَوازُ اسْتِرْقاتِه؛ لأنَّه كافرٌ أصْلِىٌّ، كِتَابِىٌّ، فجاز اسْتِرقاتُه كمُعْتَقِ الحَرْبىِّ، وكغيرِ المُعْتَقِ. وقولُهم: فى اسْتِرْقاقِه إبطالُ وَلاءِ المُسْلمِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، بل متى أُعْتِقَ عاد الولاءُ للأوَّلِ، وإنَّما امْتَنَع عَمَلُهُ فى حالِ رِقِّه لمانِعٍ، وإن سَلَّمْنا أَنَّ فيه إبطالَ وَلائِه، فكذلك فى قَتْلِه، وقد جاز إبطالُ ولائِه بالقَتْلِ، فكذلك بالاسْتِرْقاقِ، ولأنَّ القَرابةَ يَبْطُل عَمَلُها بالاسْتِرْقاقِ، فكذلك الولاءُ. وقولُ ابنِ اللَّبَّانِ: له أمانٌ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه (٢١) لو كان له أمانٌ (٢٢)، لم يَجُزْ قَتْلُه ولا سَبْيُه. فعلى هذا، إن اسْتُرِقَّ ثم أُعْتِقَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الولاءُ للثانى؛ لأنَّ الحُكْمَيْنِ إذا تَنَافَيا كان الثابتُ هو الآخِرَ منهما، كالنَّاسِخِ والمَنْسُوخِ. واحْتَمَلَ أنَّه للأوَّلِ؛ لأنَّ ولاءَه ثَبَتَ وهو معصومٌ، فلا يزولُ بالاسْتِيلاءِ، كحقيقةِ المِلْكِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه بينهما، وأيُّهما مات كان للثَّانى. وإن أَعْتَقَ مُسْلمٌ مُسْلِمًا، أو أعْتَقَه ذِمِّىٌّ، فارْتَدَّ ولَحِقَ بدارِ الحربِ، فسُبِىَ، لم يَجُز اسْتِرقاقُه. وإن اشْتُرِىَ فالشِّراءُ باطِلٌ، ولا يُقْبَلُ منه إلَّا التَّوْبةُ أو القَتْلُ. فصل: ولا يَصِحُّ بيعُ الوَلاءِ ولا هِبَتُه، ولا أن يَأْذَنَ لمَوْلاه فيُوالِى مَن شاء. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سَعِيدُ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٌ، وإياسُ بن معاويةَ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. وكَرِهَ جابرُ بن عبدِ اللَّه بَيْعَ الولاءِ. قال سعيدٌ (٢٣): حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّه: إنَّما الوَلاءُ كالنَّسَبِ فَيَبِيعُ (٢٤) الرَّجُلُ نَسَبَه! . وقال (٢٣): حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرو بن دِينارٍ، أَنَّ مَيْمُونةَ وَهَبَتْ ولاءَ سليمانَ بن يَسَارٍ لابنِ عباسٍ، وكان مُكَاتبًا. ورُوِىَ أَنَّ مَيْمُونةَ وَهَبَتْ ولاءَ موالِيها

стр. 4603

للعباسِ. وولاؤُهم اليومَ لهم. وأنَّ عُرْوةَ ابْتاعَ ولاءَ طَهْمانَ لِوَرَثةِ مُصْعَبِ بن الزُّبَيرِ. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعطاءٍ: أَذِنْتُ لِمَولاىَ أن يُوَالِىَ مَن شاءَ فيَجُوزُ؟ قال: نَعَمْ. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْع الوَلاءِ وعن هِبَتِه (٢٥). وقال: "الوَلاءُ لُحْمةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ" (٢٦). وقال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه" (٢٥). ولأنَّه مَعْنًى يُورَثُ به فلا يَنْتَقِلُ كالقَرابةِ. وفِعْلُ هؤلاءِ شاذٌّ يخالِفُ قولَ الجُمهورِ، وتَرُدُّه السُّنَّةُ، فلا يُعَوَّلُ عليه. فصل: ولا يَنْتَقِلُ الوَلاءُ عن المُعْتِقِ بمَوْتِه، ولا يَرِثُه ورَثَتُه، وإنَّما يَرِثُونَ المالَ به مع بَقائِه للمُعْتِقِ. هذا قولُ الجمهورِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزَيْدٍ، وابنِ مسعودٍ، وأَبَىِ بن كَعْبٍ، وابنِ عمرَ، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وأُسامةَ بنِ زيدٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوُسُ، وسالمُ بن عبدِ اللَّه، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وأبو الزِّنادِ، وابنُ قُسَيْطٍ (٢٧)، ومالكٌ والثَّورِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وداودُ. وشَذَّ شُرَيْحٌ، وقال: الوَلاءُ كالمالِ، يُورَثُ عن المُعْتِقِ، فمن مَلَكَ شيئًا حياتَه فهو لِوَرَثَتِه. وروَاه حَنْبلٌ، ومحمدُ بن الحَكَمِ، عن أحمدَ. وغَلَّطَهُما أبو بكرٍ، وهو كما قال؛ فإنَّ رِوايةَ الجماعةِ عن أحمدَ مثلُ قولِ الجماعةِ، وذلك لقولِه ﵇: "الوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ" (٢٨). وقوله: "الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ". والنَّسَبُ لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به، ولأنَّه معنى يُورَثُ به، فلا يَنْتَقِلُ، كسائرِ الأسْبابِ (٢٩)، واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 4604

١٠٥١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أعْتَقَ سَائِبةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الوَلَاءُ، فَإنْ أخَذَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا، رَدَّهُ فى مِثْلِه) قال أحمدُ، فى روايةِ عبدِ اللَّهِ: الرجلُ يُعْتِقُ عَبْدَه سائِبةً، هو الرجلُ يقولُ لِعَبْدِهِ: قد أعْتَقْتُكَ سائِبَةً. كأنَّه يَجْعَلُهِ للَّه، لا (١) يكون ولاؤُه لمَوْلاه، قد جَعَلَه للَّه وسَلَمَه. عن (٢) أبى عمرو الشَّيْبانِىِّ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعودٍ: السَّائبةُ يَضَعُ مالَه حيثُ شاءَ. وقال أحمدُ، قال عمرُ: السَّائبةُ والصَّدَقةُ لِيَوْمِها. ومتى قال الرجلُ لِعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ سائبةً، أو أعْتَقْتُكَ ولا وَلاءَ لِى عليك. لم يَكُن له (٣) عليه وَلاءٌ. فإن مات، وخَلَّفَ مالًا، ولم يَدَعْ وارثًا، اشْتُرِىَ بمالِه رِقَابٌ، فأُعْتِقُوا. فِى المَنْصُوصِ عن أحمدَ. وأعْتَقَ ابنُ عمرَ عبدًا سائبةً، فمات، فاشْتَرَى ابنُ عمرَ بمالِه رِقَابًا فأعْتَقَهُم. وقال عمرُ بن عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحولٌ، وأبو العَالِيةِ، ومالكٌ: يُجْعَلُ ولاؤُه لجماعةِ المسلمينَ. وعن عَطاءٍ (٤) أنَّه قال: كنا نَعْلَمُ أنَّه إذا قال: أنْتَ حُرٌّ سائِبَةُ. فهو يُوالِى مَنْ شاء. ولعلَّ أحمدَ، ﵀، ذَهَبَ إلى شِرَاءِ الرِّقابِ اسْتِحْبَابًا لِفِعْل ابنِ عمرَ. و [الرِّوايةُ الثانيةُ] (٥): الولاءُ لِلمُعْتِقِ. وهذا قول النَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ سِيرينَ، وراشدِ بن سعدٍ (٦)، وضَمْرةَ بن حَبِيبٍ (٧)، والشافعىِّ، وأهلِ العراقِ؛ لقوله ﵇: "الولاءُ لمن أعْتَقَ" (٨). وجعَله لُحْمةً كلُحْمةِ النَّسَبِ (٩). فكما لا يزولُ نَسَبُ إنسانٍ ولا ولدٍ عن فِرَاشٍ بشَرْطٍ، لا يزولُ ولاءٌ عن مُعْتَقٍ، ولذلك لمَّا أراد أهلُ بَرِيرةَ اشْتِرَاطَ وَلائِها على عائشةَ، قال لها النَّبِىُّ ﷺ : "اشْتَرِيهَا، واشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٨). يعنى أَنَّ اشْتِرَاطَهم

стр. 4605

تَحْوِيلَ الولاءِ عن المُعْتِقِ لا يُفِيدُ شيئًا، ولا يُزِيلُ الولاءَ عن المُعْتَقِ، ورَوَى مسلمٌ (٩)، بإسنادِه عن هُزَيْلِ بن شُرَحْبيلٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّه، فقال: إنى أعْتَقْتُ عبدًا لى، وجَعَلْتُه سائبةً، فمات، وتَرَكَ مالًا، ولم يَدَعْ وارِثًا، فقال عبدُ اللَّه: إن أهلَ الإِسلامِ لا يُسَيِّبُون، وإنَّ أهلَ الجاهِليَّة كانوا يُسَيِّبُونَ، وأنت وَلِىُّ نِعْمَتِه، فإن تَأثَّمْتَ وتَحَرَّجْتَ من شىءٍ فنحنُ نَقْبَلُه، ونَجْعَلُه فى بيتِ المالِ. وقال سعيدٌ (١٠): ثنا هشيمٌ، ثنا بِشْرٌ، عن عطاءٍ، أن طارِقَ بن المُرَقِّعِ أعْتَقَ سَوَائِبَ، فماتُوا، فكتَب إلى عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكتب عمرُ، أن ادْفَعْ مالَ الرَّجُلِ إلى مَوْلاه، فإن قَبِلَه، وإلَّا فاشْتَرِ به رِقابًا فأعْتِقْهُم عنه. وقال (١١): ثنا هُشَيْمٌ عن منصورٍ، أَنَّ عمرَ وابنَ مسعودٍ قالا فى ميراثِ السَّائِبَةِ: هو للذى أعْتَقَه. وهذا القولُ أصحُّ فى الأثَرِ والنَّظَرِ، وفى المواضِعِ التى جعَل الصَّحابةُ مِيراثَه لِبَيْتِ المالِ أو فى مِثْله، كان لتَبَرُّعِ المُعْتِقِ وتَوَرُّعِه عن مِيراثِه، كفِعْلِ ابنِ عمرَ فى مِيراثِ مُعْتَقِه، وفِعْلِ عمرَ وابنِ مسعودٍ فى ميِراثِ الذى تَوَرَّعَ سَيِّدُه عن أخْذِ مالِه، وقد رُوِىَ أَنَّ سالِمًا مَوْلَى أبى حُذَيْفةَ أعْتَقَتْه لُبنى بنتُ يُعار سائبةً، فقُتِلَ وتَرَكَ ابنةً، فأعطاها عمرُ نِصْفَ مالِه، وجعَل النِّصْفَ فى بيتِ المالِ. وعلى القَوْلِ المَنْصُوصِ عن أحمدَ، إنْ خَلَّفَ السَّائِبةُ مالًا، اشْتُرِىَ به رقابٌ فأُعْتِقُوا، فإن رَجَعَ من مِيراثِهم شىءٌ، اشْتُرِىَ به أيضًا رِقابٌ فأُعْتِقُوا. وإن خَلَّفَ السائبة ذا فَرْضٍ لا يَسْتَغْرِقُ مالَه، أَخَذَ فرضَه، واشْتُرِى بباقِيه رِقابٌ فأُعْتِقُوا، ولا يُرَدُّ على ذى الفَرْضِ.

стр. 4606

فصل: وإن أعْتَقَ عبدًا عن كَفّارَتِه أو نَذْرِه أو من زَكاتِه، فقال أحمدُ فى الذى يَعْتِقُ من زَكاتِه: إن وَرِثَ منه شيئًا جَعَلَه فى مِثْله. قال: وهذا قولُ الحسنِ. وبه قال إسحاقُ. وعلى قياس ذلك العِتْقُ من الكَفارةِ والنَّذْرِ؛ لأنَّه واجبٌ عليه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال فى الذى يَعْتِقُ فى الزَّكاةِ: وَلَاؤُه للذى جَرَى عِتْقُه على يَدَيْه. وقال مالكٌ، والعَنْبَرِىُّ: ولاؤه لسائرِ المسلمينَ، ويُجْعَلُ فى بيت المالِ. وقال أبو عُبَيْدٍ: ولاؤُه لصاحبِ الصَّدَقةِ. وهو قولُ الجمهورِ فى العِتْقِ فى النَّذْرِ والكَفَّارةِ؛ لقَوْلَ النَّبِىّ ﷺ : "الولاءُ لمن أعْتَقَ". ولأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ بشَرْطِ العِتْقِ، فأعْتَقَتْها، فكان ولاؤُها لها. وشرطُ العِتْقِ يُوجبُهُ (١٣)، ولأنَّه مُعْتِقٌ عن نَفْسِه فكان الولاءُ له كما لو اشْتَرَطَ عليه العِتْقَ فأَعْتقَ. ولَنا، أَنَّ الذى أعْتَقَ من الزَّكاةِ مُعْتِقٌ من غيرِ مالِه، فلم يكُنْ له الولاءُ، كما لو دَفَعَها إلى السَّاعِى فاشْتَرَى بها وأعْتَقَ، وكما لو دَفَعَ إلى المُكَاتَبِ مالًا، فأدَّاه فى كِتَابَتِه، وفارَقَ من اشْتُرِطَ عليه العِتْقُ فإنَّه إنَّما أعْتَقَ مَالَه، والعِتْقُ فى الكَفَّارِةِ والنَّذْرِ واجبٌ عليه، فأشْبَهَ العِتْقَ من الزَّكاةِ. وذهب كثيرٌ من أهلِ العلم إلى أنَّه لا يُعْتَقُ من الزكاةِ. وعَلَّل بعضُهم المَنْعَ من ذلك، بأنَّه يَجُرُّ الوَلاءَ إلى نَفْسِه فيَنْتَفِعُ بزَكاتِه. وهذا قولٌ لأحمدَ، رَوَاه عنه جماعةٌ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والشَّافعىِّ. ١٠٥٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ مَلَك ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عتَقَ (١) عَلَيْهِ، وكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ) ذُو الرَّحِمِ المَحْرَمُ: القريبُ الذى يَحْرُمُ نِكاحُه عليه لو كان أحَدُهُما رَجُلًا والآخرُ امرأةً. وهم الوالدان وإن عَلَوْا من قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ جميعا، والوَلَدُ وإن سَفَلَ من وَلَدِ البَنِين والبَناتِ، والإِخْوةُ والأخَواتُ وأوْلادُهم وإن سَفَلُوا، والأعمامُ والعَمَّاتُ والأخْوالُ والخالاتُ

стр. 4607

دون أولادِهم، فمتى مَلَكَ أحدًا منهم عَتَقَ عليه. رُوِى ذلك (٢) عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الحسنُ، وجابرُ بن زيدٍ، وعَطاءٌ، والحَكَمُ، وحمادٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، والحسنُ بن صالحٍ، وشَرِيكٌ، ويحيى بن آدَمَ. وأعْتَقَ مالكٌ الوالِدِينَ والمَوْلُودِينَ وإن بَعُدُوا، والإخْوَة والأخَواتِ دون أَوْلادِهم. ولم يُعْتِقِ الشافعىُّ إلَّا عَمُودَى النَّسَبِ. وعن أحمدَ، روايةٌ كذلك، ذَكَرها أبو الخَطَّابِ، ولم يُعْتِقِ [داودُ] وأهلُ الظَّاهِرِ أحَدًا حتى يَعْتِقَه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدَه شَيْئًا، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَهُ، فيَعْتِقَهُ". رواه مُسْلِمٌ (٣). ولَنا: ما رَوَى الحسنُ، عن سَمُرَةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فهُو حُرٌّ". رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فيَعْتِقُ عليه بالمِلْكِ، كعَمُودَىِ النَّسَبِ، وكالإخوةِ والأخَواتِ عندَ مالكٍ. فأمَّا قوله: "حَتَّى يَشْتَرِيَهُ فيُعْتِقَهُ". فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد فيَشْتَرِيَه (٥) فيُعْتِقَهُ بشِرَائِه له، كما يُقال (٦): ضَرَبَه فقَتَلَه، والضَّرْبُ هو القَتْلُ؛ وذلك لأنَّ الشِّراءَ لمَّا كان يَحْصُلُ به العِتْقُ تارةً دُونَ أُخْرَى، جاز عَطْفُ صِفَتِه عليه، كما يُقال: ضَرَبَه فأطارَ رَأْسَه. ومتى عَتَقَ عليه، فَولاؤه له؛ لأنَّه يَعْتِقُ من مالِه بسببِ فِعْلِه، فكان وَلاؤُه له، كما لو باشَرَ عِتْقَه، وسَواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ، أو هِبَةٍ، أو غَنِيمةٍ، أو إرْثٍ، أو غيرِه. لا نَعْلَمُ بين أهلِ العلمِ فيه خلافًا. فصل: ولا خلافَ فى أَنَّ المَحارِمَ من غيرِ ذَوِى الأرْحامِ لا يعْتِقُونَ على سَيِّدِهم، كالأُمِّ والأخِ من الرَّضاعةِ، والرَّبِيبةِ، وأُمِّ الزَّوجةِ، وابْنَتِها، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن الحسن،

стр. 4608

وابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ الأَخِ من الرَّضاعةِ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كَرِهَه. والأولُ أصحُّ. قال الزُّهْرِىُّ: جَرَتِ السُّنَّةُ بأن يُباعَ الأخ والأُختُ من الرَّضاعِ. ولأنَّه لا نَصَّ فى عِتْقِهِم، ولا هُم فى معنى المنصوص عليه، فيَبْقُون على الأصْلِ، ولأنَّهما لا رَحِمَ بينهما، ولا تَوارُثَ، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فأشْبَهَ الرَّبِيبَة وأُمِّ الزَّوْجةِ. فصل: وإن مَلَكَ وَلَدَه من الزِّنَى، لم يَعْتِقْ عليه. على ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ أحْكامَ الوَلَدِ غيرُ ثابتةٍ فيه، وهى الميراثُ، والحَجْبُ، والمَحْرَمِيَّةُ، ووُجوبُ الإنْفاقِ، وثُبوتُ الوِلايةِ له عليه. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ؛ لأنَّه جُزْؤُة حَقِيقةً، وقد ثَبَتَ فيه حكمُ تَحْريمِ التَّزْويج، ولهذا لو مَلَكَ وَلَدَه المُخالِفَ له فى الدِّينِ، عَتَق عليه، مع انْتِفاء هذه الأحْكامَ. ١٠٥٣ - مسألة؛ قال: (وَوَلَاءُ الْمُكَاتَبِ والمُدبَّرِ لِسَيِّدهِما إذَا أُعْتِقَا) هذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاء. وبه يقول الشافعىُّ، وأهلُ العراقِ. وحَكَى ابنُ سُرَاقةَ، عن عَمْرِو بن دِينار، وأبى ثَوْرٍ، أنَّه لا وَلاءَ على المُكاتَبِ؛ لأنَّه اشْتَرَى نَفْسَه من سَيِّدِه، فلم يكُنْ له عليه وَلاءٌ، كما لو اشْتَراه أجْنَبِىٌّ فأعْتَقَه. وكان قَتادةُ يقول: مَن لم يَشْتَرِطْ ولاءَ الْمكاتَبِ، فلِمُكاتَبهِ أن يُوالِىَ مَنْ شاء. وقال مكحول: أمَّا الْمكاتَبُ إذا اشْتَرَط ولاءَه مع رَقَبَتِه، فجائِزٌ. ولَنا، أَنَّ السَّيِّدَ هو المُعْتِقُ للمُكاتَبِ؛ لأنَّه يَتْبَعُه بمالِه، ومالُه كسْبُه لِسَيِّدِه، فجَعَلَ ذلك له، ثم باعَه به حتى عَتَقَ، فكان هو المُعْتِقُ، وهو المُعْتِقُ للمُدَبَّرِ بلا إشْكالٍ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "الوَلاءُ لمن أعْتَقَ" (١). ويدُلُّ على ذلك أَنَّ المُكاتَبِينَ يُدْعَوْنَ مَوَالِى مُكاتِبِيهِم، فيُقال: أبو سَعِيدٍ (٢) مَوْلَى أبى (٣)

стр. 4609

أُسَيْدٍ، وسِيرِينُ مَوْلَى أنسٍ، وسُليمانُ بن يَسارٍ مولى مَيْمُونةَ، وقد وَهَبَتْ وَلاءَه لابن عبَّاسٍ، وكانوا مُكاتَبِينَ، وكذلك أشْباهُهم. ويدلُّ على ذلك أَنَّ فى حديثِ بَرِيرةَ، أنَّها جاءت عائشةَ فقالت: يا أُمَّ المؤمنينَ، إنِّى كاتَبْتُ أهْلِى على تِسْعِ أواقٍ فأعِينينِى. فقالت عائشةُ: إن شاءُوا عَدَدْتُ لهم عَدَّة واحدة ويكونُ وَلاؤُكِ لى فَعَلْتُ. فأبَوْا أن يَبِيعُوها إلَّا أن يكونَ الوَلاءُ لهم، فقال النبىُّ ﷺ : "اشْتَرِيها، واشْتَرِطِى لَهُم الْوَلَاءَ" (٤). وهذا يدل على أن الولاءَ كان لهم لَو لَم تَشْتَرِها منهم عائشةُ. فصل: وإن اشْتَرَى العبدُ نَفْسَه من سَيِّده بعِوَض حالٍّ، عَتَقَ والوَلاءُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه يَبِيعُ مالَه بمالِه، فهو مثلُ المُكاتَبِ سَواءً، والسيدُ هو المُعْتِقُ لهما، فالوَلاءُ له عليهما. ١٠٥٤ - مسألة؛ قال: (وَوَلاءُ أُمِّ الوَلَدِ لِسَيِّدهَا إذَا مَاتَ) يعنى إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدها، فوَلاؤُها له يَرِثُها أَقْرَبُ (١) عَصَبَتِه. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ. وبه قال عامَّةُ الفُقَهاءِ. وقال ابنُ مسعود: تَعْتِقُ مِن (٢) نَصِيبِ ابْنِها، فيكونُ ولاؤُها له. وعن ابنِ عباسٍ نحوُه. وعن علىٍّ: لا تَعْتِقُ ما لم يَعْتِقها (٣) وله بَيْعُها. وبه قال جابرُ بن زيدٍ، وأهلُ الظاهرِ. وعن ابنِ عباسٍ نحوُه. ولِذِكْرِ الدليلِ على عِتقِها موضعٌ غيرُ هذا، ولا خلافَ بين القائلينَ بعِتْقِها أن ولاءَها لمن عَتَقَ عليه. ومذهبُ الجُمْهورِ أنَّها تَعْتِقُ بموتِ سَيِّدِها من رأس المالِ، فيكونُ وَلاؤُها له؛ لأنَّها عَتَقَتْ بفِعْلِه من مالِه (٤)، فكان ولاؤُها له، كما لو عَتَقَتْ بقوله. ويَخْتَصُّ ميراثُها بالوَلاءِ بالذُّكورِ من عَصَبةِ السَّيِّدِ، كالمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ.

стр. 4610

١٠٥٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أعْتَقَ عَبْدَه عَنْ رَجُلٍ حَىٍّ بِلَا أَمْرِهِ، أوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعتِقِ) هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ، وداودَ. ورُوِىَ عن ابن عبَّاسٍ أَنَّ ولاءَه للمُعْتَقِ عنه. وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ؛ لأنَّه أعْتَقَه عن غيرِه، فكان الولاءُ للمُعْتَقِ عنه، كما لو أذِنَ له. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ" (١). ولأنَّه أعْتَقَ عبدَه من غيرِ إذْنِ غيرِه له، فكان الولاءُ له، كما لو لم يَقْصِدْ شيئًا. ١٠٥٦ - مسألة؛ قال: (وإِنْ أعْتَقَهُ عَنْهُ بأمْرِهِ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بأمْرِهِ) وبهذا قال جميعُ مَنْ حَكَيْنا قولَه فى المسألةِ الأُولَى، إلَّا أبا حنيفةَ، ووافَقَه أبو يوسفَ، ومحمدُ بن الحسنِ، وداودُ، فقالوا: الولاءُ للمُعْتِقِ، إلَّا أن يُعْتِقَه عنه على عِوَضٍ، فيكونُ له الوَلاءُ، ويَلْزَمُه (١) العِوَضُ، ويَصِيرُ كأنَّه اشْتَراهُ ثم وَكَّلَه فى إعْتاقِه، أمَّا إذا كان عن غيرِ عِوَضٍ، فلا يَصِحُّ تقديرُ البَيْعِ، فيكونُ الوَلاءُ للمُعْتِقِ؛ لعُمُوم قوله ﵇: "الوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ". وعن أحمدَ مثلُ ذلك. ولَنا، أنَّه وَكِيلٌ فى الإِعْتاقِ، فكان الولاءُ لِلمُعْتَقِ عنه، كما لو أخَذَ عِوَضًا، فإنَّه كما يجوزُ تقديرُ البَيْعِ فيما إذا أخَذَ عِوَضًا، يجوزُ تقديرُ الْهِبَةِ إذا لم يَأْخُذْ عِوَضًا، فإنَّ الهِبةَ جائزةٌ فى العَبْدِ، كما يجوزُ البَيْعُ، والخبرُ مخصوصٌ بما إذا أخَذَ عِوَضًا، كسائرِ (٢) الوُكلاءِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النزاعِ. ١٠٥٧ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَالَ: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّى، وعَلَىَّ ثَمَنُهُ. فَالثَّمَنُ عليه والْوَلاءُ لِلمُعْتَقِ عَنْهُ) لا نعلمُ فى هذه المسألة خلافًا، وأنَّ الوَلَاءَ لِلمُعْتَقِ عنه؛ لكَوْنِه أعْتَقَه عنه بِعِوَضٍ.

стр. 4611

ويَلْزَمُه الثَّمنُ؛ لأنَّه أعْتَقَه عنه بشَرْطِ العِوَض، فيُقَدَّرُ ابْتِياعُه منه، ثم تَوْكِيلُه فى عِتْقِه، ليَصِحَّ عنه، فيكونُ الثمنُ عليه والولاءُ له، كما لو ابْتاعَه منه ثم وَكّلَه فى عِتْقِه. ١٠٥٨ - مسألة؛ قال: (ولَوْ قَالَ: أعْتِقْهُ، والثَّمَنُ عَلَىَّ. كَانَ الثَّمَنُ عَلَيْه، والْوَلَاءُ لِلمُعْتِقِ) إنَّما كان الثَّمَنُ عليه؛ لأنَّه جَعَل له جُعْلًا على إعْتاقِ عَبْدِه، فلَزِمَه ذلك بالعملِ، كما لو قال: مَنْ بَنَى لى هذا الحائطَ فله دينارٌ. فبَناه إنسانٌ، اسْتَحَقَّ الدِّينارَ. والوَلاءُ لِلمُعْتِقِ؛ لأنَّه لم يأْمُرْه بإعْتاقِه عنه، ولا قَصَد به المُعْتِقُ ذلك، فلم يُوجَدْ ما يَقْتَضِى صَرْفَه إليه، فيَبْقَى للمُعْتِقِ، عَمَلًا بقولِه ﵇: "الولاءُ للمُعْتِقِ" (١). فصل: ومَنْ أوْصَى أن يُعْتَقَ عنه (٢) بعدَ مَوْتِه، فأُعْتِقَ، فالْوَلاءُ له، كذلك لو وَصَّى بعِتْقِ عَبْدِه، ولم يَقُلْ: عَنِّى. فأُعْتِقَ، كان الوَلاءُ له؛ لأنَّ الإعْتاقَ من مالِه. وإن أُعْتِقَ عنه ما يجبُ إعْتاقُه، ككَفَّارةٍ ونحوِها، فقد مَضَى ذكرُها فيما تقدَّم. ١٠٥٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أعْتَقَ عَبْدًا لَهُ أوْلَادٌ مِنْ مَوْلاةٍ لِقَوْمٍ، جَرَّ مُعْتِقُ الْعَبْدِ وَلَاءَ أوْلَادِهِ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرجلَ إدْا أعْتقَ أَمَتَه، فتزَوَّجتْ عبدًا، فأَوْلَدها، فوَلَدُها منه أحْرارٌ، وعليهم الولاءُ لمَوْلَى أُمِّهِم، يَعْقِلُ عنهم ويَرِثُهم إذا ماتوا؛ لكَوْنِه سببَ الإِنْعامِ عليهم بعِتْقِ أُمِّهِم، فصاروا لذلك أحْرارًا. فإن أعْتَقَ العبدَ سَيِّدُه ثَبَتَ له عليه الولاءُ، وجَرَّ إليه وَلاءَ أوْلادِه عن مَوْلَى أُمِّهم؛ لأنَّ الأبَ لمَّا كان مَمْلوكًا لم يكُنْ يصلحُ وارثًا، ولا وَلِيًّا فى نِكاح، فكان ابنُه كوَلَدِ المُلَاعِنَةِ يَنْقطِعُ نَسَبُه عن ابْنِه، فثَبَتَ الولاءُ لمَوْلَى أُمِّه، وانْتَسَب إليها، فإذا عَتَقَ العَبْدُ، صَلَحَ الانْتِسابُ إليه، وعادَ وارثًا عاقلًا وَلِيًّا، فعادت

стр. 4612

النِّسْبةُ إليه وإلى مُوَلِّيه، بمنزلةِ ما لو اسْتَلْحقَ الْملاعِنُ ولدَه. هذا قولُ جُمْهورِ الصَّحابةِ والفُقَهاءِ، يُرْوَى هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، والزُّبَيرِ، وعبدِ اللَّه، وزيدِ بن ثابتٍ، ومَرْوانَ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىِّ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ويُروَى عن رافعِ بن خَدِيجٍ أَنَّ الولاءَ لا يَنْجَرُّ (١) عن مَوالِى الأُمِّ. وبه قال مالكُ بن أوْس بن الْحَدَثانِ (٢)، والزُّهْرِىُّ، ومَيْمُونُ بن مِهْرانَ، وحُمَيْدُ بن عبدِ الرحمن، وداودُ؛ لأنَّ الوَلاءَ لُحْمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ، والنَّسَبُ لا يزولُ عَمَّنْ ثبَتَ له، فكذلك الولاءُ. وقد رُوِىَ عن عثمانَ نحوُ هذا، وعن زيدٍ. وأنْكرَهُما ابنُ اللَّبَّانِ، وقال: مشهورٌ عن عُثمانَ أنَّه قَضَى بِجَرِّ (٣) الوَلَاءِ للزُّبَيْرِ على رافعِ بن خَدِيج. ولَنا، أنَّ الانْتِسَابَ إلى الأبِ، فكذلك الوَلاءُ، ولذلك لو كانا حُرَّيْنِ، كان ولاءُ وَلَدِهما لمَولى أبِيه، فلما كان مَمْلُوكًا كان الولاءُ لمَوْلَى الأُمِّ ضرورةً، فإذا عَتَقَ (٤) الأبُ زالتِ الضرورةُ، فعادت النِّسْبةُ إليه، والولاءُ إلى مَوَالِيه. ورَوى عبد الرحمنِ، عن الزُّبيرِ، أنَّه لمَّا قَدِمَ خَيْبَرَ رأى فِتْيةً لُعْسًا، فأعجبه ظَرْفُهم وجَمالُهم، فسأَل عنهم، فقيل له: مَوالِى رافعِ بن خَدِج، وأبُوهُم مملوكٌ لآلِ الْحُرَقَةِ (٥)، فاشترَى الزُّبيرُ أباهُم فأعْتَقَه، وقال لأولادِه: انتسِبُوا إلىَّ، فإن وَلاءَكم لِى. فقال رافعُ بن خَدِيج: الوَلاءُ لِى، فإنَّهم عَتَقُوا بعِتْقِى أُمَّهم. فاحْتَكَمُوا إلى عثمانَ، فقَضَى بالولاءِ للزُّبَيْرِ، فاجْتَمَعَتِ الصَّحابةُ عليه. اللَّعَسُ سَوادٌ فى الشَّفَتَيْنِ تَسْتَحْسِنُه (٦) العَرَبُ، ومثله اللَّمَى، قال ذو الرُّمَّةِ (٧):

стр. 4613

لَمْياءُ فى شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفى اللِّثاتِ وفى أنْيابِها شَنَبُ (٨) فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ يَتَزَوَّجُ فى كِتَابَتِه، فيأتى له أولادٌ ثم يَعْتِقُ، حُكْمُ العَبْدِ القِنِّ فى جَرِّ الوَلاءِ، وكذلك المُدَبَّرُ والمُعَلّقُ عِتْقُه بصِفةٍ؛ لأنَّهم عَبِيدٌ، فإنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. فصل: إذا انْجَرَّ الوَلاءُ إلى مَوالِى الأبِ ثم انْقَرَضُوا، عاد الوَلاءُ إلى بيتِ المالِ، ولم يرجعْ إلى مَوالِى الأُمِّ بحالٍ. فى قول أكثر أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّه يعودُ إلى مَوالِى (٩) الأُمِّ. والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ الوَلاءَ جَرَى مَجْرَى الانْتِسَابِ، ولو انقرضَ الأبُ وَآباؤُه لم تَعُدِ النِّسْبةُ إلى الأُمِّ، كذلك الولاءُ. فإذا ثَبَتَ هذا فوَلَدَتْ بعدَ عِتْقِ الأب، كان ولاءُ ولدِها لمَوالِى أبيه. بلا خلافٍ. فإنْ نَفاهُ باللِّعانِ، عاد ولاؤُه إلى مَوالِى الأُمِّ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ أنَّه لم يكُنْ له أبٌ يَنْتَسِبُ إليه. فإن عاد فاسْتَلْحَقَه، عاد (١٠) الولاءُ إلى مَوالِى الأبِ. فصل: ولا يَنْجَرُّ الوَلاءُ إلَّا بشُروطٍ ثلاثةٍ؛ أحدها، أن يكونَ الأبُ عبدًا حينَ الوِلادةِ، فإن كان حُرًّا وزوجَتُه مَوْلاةً، لم يَخْلُ، إمَّا أن يكونَ حُرَّ الأصْلِ، فلا وَلاءَ (١١) على ولدِه بحالٍ، وإن كان مَوْلًى، ثَبَتَ الوَلاءُ على وَلَدِه لمَوالِيه ابْتداءً، ولا جَرَّ فيه. الثانى، أن تكونَ الأمُّ مَوْلاةً، فإن لم تكُنْ كذلك لم تَخْلُ، إمَّا أن تكونَ حُرَّةَ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على ولدِها بحالٍ، وهم أحْرارٌ بحُرِّيِّتِها، أو تكونَ أمةً، فولدُها رَقِيقٌ لسَيِّدها، فإن أعْتَقَهم فوَلاؤُهم له لا يَنْجَرُّ عنه بحالٍ، سَواءٌ أعْتَقَهم بعدَ وِلَادَتِهم، أو أعْتَقَ أُمَّهُم حامِلًا بهم فعَتَقُوا بعِتْقِها؛ لأنَّ الوَلاءَ ثَبَتَ (١٢) بالعِتْقِ مُباشَرةً، فلا يَنْجَرُّ عن المُعْتِقِ؛

стр. 4614

لقوله ﵇: "الوَلَاءُ لمن أعْتَقَ" (١٣). وإن أعْتَقها المَوْلَى فأتَتْ بوَلدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فقد مَسَّه الرِّقُّ وعَتَقَ بالمُباشَرَةِ، فلا يَنْجَرُّ وَلاؤُه، وإن أتَتْ به لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ معَ بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، لم يُحْكَمْ بمَسِّ الرِّقِّ له، وانْجَرَّ وَلاؤُه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ حادثًا بعدَ العِتْقِ، فلم يَمَسَّه الرِّقِّ، ولم يُحْكَمْ برِقِّه بالشَّكِّ. وإن كانت المرأةُ بائِنًا، وأتَتْ بولدٍ لأرْبعِ سِنِينَ من حينِ الفُرْقةِ، لم يَلْحَقْ بالأبِ، وكان وَلاؤُه لمَوْلى أُمِّه، وإن أتَتْ به لأقَلَّ من ذلك، لَحِقَه الولدُ، وانْجَرَّ ولاؤُه، ووَلَدُ الأمةِ مملوكٌ، سواءٌ كان من نِكاحٍ أو من سِفَاحٍ، عَرَبِيًّا كان الزَّوْجُ أو أعْجَمِيًّا. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وعن عمرَ: إن كان (١٤) زَوْجُها عَرَبيًّا فولَدُه (١٥) حُرٌّ، وعليه قِيمَتُه، ولا وَلاءَ عليه. وعن أحمدَ مِثْلُه. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقالَه (١٦) الشافعىُّ فى القَدِيمِ، ثم رَجَعَ عنه. والأولُ أوْلى؛ لأنَّ أُمَّهُم أمَةٌ، فكانوا عَبِيدًا، كما لو كان أبُوهم أعْجمِيًّا. الثالث، أن يَعْتِقَ العبدَ سَيِّدُه، فإن مات على الرِّقِّ لم يَنْجَرَّ الوَلاءُ بحالٍ، وهذا لا خِلافَ فيه. فإن اخْتَلَفَ سَيِّدُ العبدِ ومَوْلَى الأُمِّ فى الأبِ بعدَ مَوْتِه، فقال سَيِّدُه: مات حُرًّا بعدَ جَرِّ الوَلاءِ. وأنكر ذلك مَوْلَى الأُمِّ، فالقولُ قولُ مَوْلَى الأُمِّ. ذكره أبو بكرٍ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الرِّقِّ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. فصل: فإن لم يَعْتِق الأبُ، ولكن عَتَقَ الجَدُّ، فقال أحمدُ: الجَدُّ (١٤) لا يَجُرُّ الوَلاءَ، ليس هو كالأبِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ وصاحِبَاه. وعن أحمدَ، أنَّه يَجُرُّه. وبه قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِى، وأهلُ المدينةِ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بن صالحٍ، وابنُ المباركِ، وأبو ثَوْرٍ، وضِرَارُ بن صُرَد، والشَّافعىُّ فى أحدِ قَوْلَيْه. فإن أُعْتِقَ الأبُ بعد ذلك، جَرَّه عن مَوالِى الْجَدِّ إليه؛ لأنَّ الجَدَّ يقومُ مقامَ الأبِ فى التَّعْصيبِ وأحْكامِ

стр. 4615

النَّسَبِ، فكذلك فى جَرِّ الوَلاءِ. وقال زُفَرُ: إن كان الأبُ حَيًّا، لم يَجُرَّ (١٧) الجَدُّ الوَلاءَ، وإن كان مَيِّتًا، جَرَّه. وهو القولُ الثانى للشَّافعىِّ. ولَنا، أَنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَلاءِ لمُسْتَحِقِّه، وإنما خُولِفَ هذا الأصلُ للاتِّفاقِ على أنَّه يَنْجَرُّ بعِتْقِ الأبِ، والجَدُّ لا يُساوِيه، بدليل أنَّه لو عَتَقَ (١٨) الأبُ بعدَ الجدِّ، جَرَّه عن مَوالِى الجدِّ إليه، ولو أسْلَمَ الجدُّ، لم يَتْبَعْه ولدُ وَلَدِه، ولأنَّ الجَدَّ يُدْلِى بغيره، ولا يَسْتَقِرُّ الوَلاءُ عليه، فلم يَجُرَّ الوَلاءَ، كالأخِ، وكونُه يقومُ مَقامَ الأبِ، لا يَلْزَمُ أن يَنْجَرَّ الولاءُ إليه، كالأخِ. وعلى القولِ الآخرِ، لا فَرْقَ بين الجَدِّ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لأنَّ البَعِيدَ يقومُ مَقامَ الأبِ كقِيامِ القريبِ، ويقْتَضِى هذا أنَّه متى عَتَقَ البَعِيدُ فجرَّ الولاءَ، ثم عَتَقَ مَنْ هو أقْربُ منه جَرَّ الولاءَ إليه، ثم إن عَتَقَ الأبُ جَرَّ الولاءَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَه، ويُسْقِطُ تَعْصِيبَه وإرْثَه ووِلَايتَه، ولو لم يُعْتِقِ الجَدُّ، لكن كان حُرًّا وولدُه مملوكٌ، فتزوَّجَ مَوْلاةَ قَرْمٍ، فأوْلَدَها أولادًا، فوَلاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم. وعند مَن يقولُ: يَجُرُّ الْجَدُّ الولاءَ. يكون لمَوْلَى الْجَدِّ. وإن لم يكُنِ الْجَدُّ مَوْلًى، بل كان حُرَّ الأصلِ، فلا وَلاءَ على ولدِ أبيه، فإن أُعْتِقَ أبُوه بعدَ ذلك، لم يَعُدْ على ولدِه وَلاءٌ؛ لأنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ له من غيرِ وَلاءٍ، فلم يَتَجَدَّدْ عليه وَلاءٌ، كالحُرِّ الأصْلِىِّ. فصل: وإذا كان أحدُ الزوجينِ الحُرَّيْنِ حُرَّ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على ولدِهما، سواءٌ كان الآخرُ عَرَبِيًّا أو مَوْلًى؛ لأنَّ الأُمَّ إن كانت حُرّةَ الأصلِ، فالولدُ يتْبَعُها فيما إذا كان الأبُ رَقِيقًا فى انْتِفَاءِ (١٩) الرِّقِّ والوَلاءِ، فلأَن يَتْبَعَها فى نَفْىِ الولاءِ وَحْدَه أوْلَى. وإن كان الأبُ حُرَّ الأصْلِ، فالولدُ يتْبعُه فيما إذا كان عليه وَلاءٌ، بحيث يَصِيرُ الوَلاءُ عليه لمَوْلَى أبِيه، فلأَن يَتْبَعُه فى سُقوطِ الوَلاءِ عنه أَوْلَى. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وسَواءٌ كان الأبُ عَربِيًّا أو أعْجَمِيًّا، وقال أبو حنيفةَ: إن كان أعْجَمِيًّا والأُمُّ مولاةً، ثَبَتَ الوَلاءُ على

стр. 4616

ولدِه. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه حُرُّ الأصْلِ، فلم يَثْبُتِ الوَلاءُ على ولدِه، كما لو كان عربيًّا. وسَواءٌ كان مسلمًا أو ذِمِّيًّا أو حَرْبِيًّا، أو مجهولَ النَّسَبِ أو مَعْلومَه. وهذا قولُ أبى يوسفَ، ومالكٍ [وابن سُرَيْجٍ] (٢٠). وقال القاضى: إن كان مَجْهولَ النَّسَبِ، ثَبَتَ الوَلاءُ على ولدِه لمَوْلَى الأُمِّ إن كانت مَوْلاةً. قال ابنُ اللَّبَّانِ: وهذا ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ. وقال الْخَبرِىُّ: هدا قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ، وأحمدَ؛ لأنَّ مُقْتَضَى ثُبُوتِه لمَوْلَى الأُمِّ مَوْجودٌ، وإنَّما امْتَنعَ فى مَحَلِّ الوِفاقِ بحُرِّيَّةِ الأبِ، فإذا لم تكُنْ معلومَةً فقد وَقَعَ الشَّكُّ فى المانِع (٢١)، فيَبْقَى على الأصْلِ، ولا يزولُ عن اليَمينِ بالشكِّ، ولا يُتْرَكُ العملُ بالمُقْتَضِى مع الشكِّ فى المانِعِ. ولَنا، أَنَّ الأبَ حُرٌّ (٢٢) محكومٌ بحُرِّيَّتِه، فأشْبَهَ مَعْروفَ النَّسَبِ، ولأنَّ الأصْلَ فى الآدَمِيينَ الحُرِّيَّةُ وعَدَمُ الولاءِ، فلا يُتْرَكُ هذا الأصلُ بالوَهْمِ فى حَقِّ الولدِ، كما (٢٣) لم يُتْرَكْ فى حَق الأبِ. وقولُهم: مُقْتَضَى ثُبُوتِه لمَوْلَى الأُمِّ موجودٌ. ممنوعٌ؛ فإنَّه إنَّما ثَبَتَ لمَولى الأُمِّ بشَرْطِ رِقِّ الأبِ، وهذا الشَّرْط مُنْتَفٍ حُكْمًا وظاهرًا. وإن سَلَّمنا وُجودَ المُقْتَضِى، فقد ثَبَتَ المانعُ حُكْمًا، فإنَّ الأبَ حُرِّيَّتُه ثابتةٌ حُكْمًا، فلا تَعْوِيلَ على ما قَالُوه. وإن كان الأبُ مَوْلًى، والأُمُّ مجهولةَ النَّسَبِ، فلا وَلاءَ عليه فى قَوْلِنا. وقياسُ قولِ القاضى والشَّافعىِّ أن يَثْبُتَ الولاءُ عليه لمَوْلَى ابْنِه؛ لأنَّا شَكَكْنا فى المانِعِ من ثُبُوتِه. ولَنا، ما ذَكَرْنا فى التى قبلَها، ولأنَّ الأُمَّ لا تَخْلُو من أن تكونَ حُرّة الأصْلِ، فلا وَلاءَ على ولدِها، أو أمةً فيكونُ ولدُها عبدًا، أو مَوْلاةً فيكونُ على ولدِها الوَلاءُ لمَولى أبِيهِ. والاحْتمالُ الأولُ راجحٌ، لوَجْهَينِ؛ أحدهما، أنَّه مَحْكومٌ به فى الأُمِّ، فيجبُ الحُكْمُ به فى وَلَدِها. الثانى، أنَّه مُعْتَضِدٌ بالأصْلِ، فإنَّ الأصْلَ الْحُرِّيَّةُ، ثم لو لم يَتَرَجَّحْ هذا الاحْتمالُ، لَكان الاحتمالُ الذى صاروا إليه مُعارَضًا

стр. 4617

باحْتمالَيْنِ، كلُّ واحدٍ نهما مُسَاوٍ له، فتَرْجيحُه عليهما (٢٤) تَحَكُّمٌ لا يجوزُ المَصِيرُ إليه بغيرِ دليلٍ، وهذا واردٌ عليهم فى المسألةِ الأُولَى أيضًا. فصل: إِذَا تزوَّجَ مُعْتَقٌ بمُعْتَقةٍ، فأوْلَدَها وَلَدَينِ، فوَلاؤُهما لمَوْلَى أبِيهما (٢٥). فإن نَفَاهُما باللِّعانِ، عاد وَلاؤُهما إلى مولَى أُمِّهِما (٢٦). فإن مات أحدُهما، فمِيراثُه لأُمِّه ومَوالِيها (٢٧). فإن أكْذَبَ أبُوهُما نَفْسَه، لَحِقَه نَسَبُهما، واسْتَرْجَعَ الميراثَ من مَوالِى الأُمِّ. ولو كان أبوهُما عبدًا، ولم يَنْفِهِما، ووَرِثَ مَوالِى الأُمِّ المَيِّتَ فهما، ثم أُعْتِقَ الأبُ انْجَرَّ الوَلاءُ إلى مَوالِى الأبِ، ولم يكُنْ لهم [ولا للأب] (٢٨) اسْتِرْجاعُ الميراثِ؛ لأنَّ الوَلاءَ إنَّما ثَبَتَ لهم عندَ إعْتاقِ الأبِ، ويُفارِقُ الأبَ إذا أكَذبَ نَفْسَه؛ لأنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ من حينِ خَلْقِ الوَلدِ. فصل: وإذا تَزَوَّج عبدٌ مُعْتَقةً، فاسْتَوْلَدَها أولادًا، فهم أحْرارٌ، وولاؤُهم لمَوالِى أُمِّهم. فإن اشْتَرى أحدُهم أباهُ، عَتَقَ عليه، وله ولاؤه، ويَجُرُّ إليه وَلاءَ أولادِه كُلِّهم، ويَبْقَى وَلاءُ المُشْتَرِى لمَولى أُمِّه؛ لأنَّه لا يكونُ مَوْلَى نَفسِه. وهذا قولُ جُمْهورِ الفُقَهاءِ؛ مالكٌ فى أهلِ المدينةِ، وأبو حنيفةَ فى أهل العراقِ، والشافعىّ. وشَذَّ عمرُو بن دينارٍ الْمَدَنِىُّ، فقال: يَجُرُّ ولاءَ نَفْسِه، فيَصِيرُ حُرًّا لا وَلاءَ عليه. قال ابنُ سُرَيجٍ: ويَحْتَمِلُه قولُ الشَّافِعىِّ. ولا تَعْوِيلَ (٢٩) على هذا القولِ لشُذوذِه، ولأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يكونَ الوَلاءُ ثابتًا على أبَوَيْه دونَه، مع كَوْنِه مَوْلودًا لهما فى حال رِقِّهِما، أو فى حالِ ثُبوتِ الوَلاءِ عليهما، وليس لنا مثلُ هذا فى الأُصولِ، ولا يُمْكِنُ أن يكونَ مولَى نفسِه، يَعْقِلُ عنها، ويَرِثُها، ويُزَوّجُها، لكنْ لو اشْتَرَى هذا الولدُ عبدًا فأعْتَقَه، ثم اشْتَرَى العبدُ أبا مُعْتِقِه فأعْتَقَه، فإنَّه يَنْجَرُّ إليه وَلاءُ سَيِّدِه، فيكونُ لهذا الولدِ على مُعْتِقِه الوَلاءُ بإعْتاقِه أبَاه، وللعَتِيق وَلاءُ مُعْتِقِه بَولائِه على أبيه وجَرِّه ولاءَه بإعْتاقِه أباه. ولا يَمْتَنِعُ مثل هذا، كما لو أعْتَقَ الحربىُّ عَبْدًا فأسْلَم، ثم أُسِرَ سَيّدُه وأعْتَقه، صار كلُّ واحدٍ منهما مَوْلَى الآخَرِ من فَوْقٍ

стр. 4618

ومن أسْفَلٍ، ويَرِثُ كلُّ واحدٍ منهما الآخَرَ بالوَلاءِ، وكما جاز أن يشْتَركِا فى النَّسَبِ، فيرثُ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه به، كذلك الوَلَاءُ. وإن تزوَّجَ وَلَدُ الْمُغتَقةِ مُعْتَقةً، فأَولَدَها ولدًا، فاشْترَى جَدَّهُ، عَتَقَ عليه، وله ولاؤُه، ويَجُرُّ إليه ولاءَ أبيه وسائرَ أولادِ جَدِّه، وهم عُمُومَتهُ وعَمّاتُه، وولاءَ جميعِ مُعْتَقِيهم، ويَبْقَى وَلاءُ المُشْتَرِى لِمَولَى أُمَّ أبِيه. وعلى قولِ عَمْرِو بن دينارٍ، يَبْقَى حُرًّا، لا وَلاءَ عليه. فصل: إذا تَزَوّجَ عبدٌ بمُعْتَقَةٍ (٣٠)، فأوْلَدهَا ولدًا (٣١)، فتزَوَّجَ الولدُ بمُعتَقَة رجلٍ، فأوْلَدهَا ولدًا، فولاءُ هذا الولدِ الآخِرِ، لِمَوْلَى أُمُّ أبِيه، فى أحد الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ له الوَلاءَ على أبِيه، فكان الوَلاءُ (٣٢) له عليه، كما لو كان مَوْلَى جَدِّه، ولأنَّ الوَلاءَ الثَّابِتَ على الأبِ يَمْنَعُ ثُبوتَ الوَلاءِ لِمَوْلَى الأُمِّ. والوَجْهُ الثانى، وَلاؤُه لِمَوْلَى أُمِّه؛ لأنَّ الوَلاءَ الثَّابِتَ على ابْنِه من جِهَه أُمِّه، ومثلُ ذلك ثابتٌ فى حَقِّ نفسِه، وما ثَبَتَ فى حَقِّه أوْلَى ممَّا ثَبَتَ فى حَقِّ أبيه، ألَا تَرَى أنَّه لو كان له مَوْلًى ولأبيه مَوْلًى، كان مَوْلاهُ أحقَّ به من مَوْلَى أبيه. فإن كان له مَوْلَى أُمِّ، ومَوْلَى أُمِّ أبٍ، ومَوْلَى أُمٍّ جَدٍّ، وجَدُّ (٣٣) أبِيه (٣٤) مملوكٌ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ يكون لِمَوْلَى أُمِّ الجَدِّ، وعلى الثانى يكونُ لِمَوْلَى الأُمِّ. فصل: وإن تزوَّجَ مُعْتَقٌ بمُعْتَقَةٍ، فأوْلَدَها بِنتًا، وتَزّوَّج عبدٌ بمُعْتَقَةٍ، فأوْلَدها ابنًا، فتزوَّجَ هذا الابنُ بنتَ المُعْتَقَيْنِ، فأوْلدَها ولدًا، فوَلاءُ هذا الولدِ لِمَوْلَى أُمِّ أبِيه؛ لأنَّ له الوَلاءَ على أبيه. وإن تزَوَّجَتْ بِنْتُ المُعْتَقَيْنِ (٣٤) بمَمْلُوكٍ، فوَلاءُ ولدِها لِمَوْلَى أبِيها؛ لأنَّ وَلاءَها له، فإن كان أبُوها ابنَ مَمْلُوكٍ ومُعْتَقَةٍ، فالوَلاءُ لِمَوْلَى أُمِّ أبى الأُم، على الوَجْه الأوَّلِ؛ لأنَّ مَوْلَى أُمِّ (٣٤) أبى الأُمِّ يثْبُتُ له الولاءُ على أبى الأُمِّ، فكان مُقَدَّمًا

стр. 4619

على (٣٥) أُمِّها، وثَبَتَ (٣٦) له الوَلاءُ عليها. فصل: فى دَوْرِ الوَلاء، إذا تزَوَّجَ عبدٌ مُعْتَقَةً، فأوْلَدها بِنْتَيْن، فاشْترتَا أباهُما، عَتَقَ علهيما، ولهما عليه الوَلاءُ، وتَجُرُّ كلُّ واحدةٍ منهما نِصْفَ وَلاءِ أُخْتِها إليها؛ لأنَّها أعْتَقَتْ نِصْفَ الأبِ، ولا يَنْجَرُّ الوَلاءُ الذى علها، ويَبْقَى نِصْفُ وَلاءِ كلَّ واحدةٍ منهما لِمَوْلَى أُمِّها. فإن مات الأبُ، فمالُه لهما ثُلُثاه بالبُنُوَّةِ، وباقيه بالوَلاءِ. فإن ماتتْ إحْداهُما بعدَ ذلك فلأُختِها النِّصْفُ بالنَّسَبِ، ونِصْفُ الباقى بأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِها، فصار لها ثلاثةُ أرْباعِ مالِها، والربعُ الباقى لِمَوْلى أُمِّها. فإن كانت إحْداهُما ماتتْ قبلَ أبِيها، فمالُها لأبيها. ثم إذا مات الأبُ فللباقيةِ نصفُ ميراثِ أبيها (٣٧)؛ لكَوْنِها بِنْتَه، ونصفُ الباقى وهو الرُّبعُ، لِكَوْنِها مَوْلاةَ نِصْفِه، يَبْقَى الرُّبعُ لِمَوالِى البنْتِ التى ماتت قبلَه فنِصْفُه لهذه البنْتِ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِ أُخْتِها، صار لها سبعةُ أثمانِ مِيراثه، ولِمَوْلَى أُمَّ المَيِّتةِ الثُّمنُ. فإن ماتت البنْتُ الباقيةُ بعدَهما، فمالُها لِمَوَاليها، نِصْفُه لِمَوْلى أُمِّها، ونِصْفُه لِمَوْلَى أُختِها المَيِّتَةِ، وهم أُختُها ومَوْلَى (٣٨) أُمِّها، فنِصْفُه لِمَوْلى أُمِّها، وهو الرُّبعُ، والرُّبعُ الباقى يرْجِعُ إلى هذه المَيِّتةِ، فهذا الجزءُ دائرٌ؛ لأنَّه خَرَجَ من هذه المَيِّتةِ، ثم دارَ إليها، فقال القاضى: يُجْعَلُ فى بيتِ المالِ؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له نَعْلَمُه. وهذا قولُ محمدِ بن الحسنِ، وقياسُ قولِ مالكٍ، والشَّافعىِّ. وقال بعضُ الشَّافِعيَّةِ، وبعضُ المدنيِّين: هو بمَوْلى أُمَّ المَيِّتةِ. وهذا قولُ الجمهورِ. وهاتانِ المسألتانِ أصَلٌ فى دَوْرِ الوَلاءِ، وفيها أقوالٌ شاذَّةٌ سِوَى ما ذكرْناه، وهذا أصحُّ ما قِيل فيها، إن شاءَ اللَّهُ، فإن ماتتِ الابْنَتانِ قبلَ الأبِ، وَرِثَ مالَهما بالنَّسبِ. فإن مات بعدَهما، فمالُه يُقَسَّمُ على ثَمانيةِ أسْهُمٍ، لكلِّ واحدةٍ من ابنتَيْ أرْبعةُ أسْهُمٍ، سَهْمانِ لِمَوْلَى أُمِّها وسهمان لِمَوْلى

стр. 4620

أُخْتِها، يُقَسَّمان أيضًا لمَوْلى (٣٩) أُمِّها سهمٌ، وسهمٌ دائرٌ يَرْجِعُ إلى بيتِ المال، فيَحْصُلُ لبيتِ المالِ الرُّبعُ، ولِمَولى أُمِّها ثلاثةُ أرْباعٍ. فإن كُنَّ ثلاثًا ماتت إحْداهُنَّ قبلَ الأبِ، والأخرَى بعدَه، فمالُ الأبِ على سبعةٍ وعشرينَ، لِابْنتَيْه ثُلُثاها بالنَّسَبِ، وثُلُثا الباقى بوَلائِهما عليه، وثلثُ الباقى بوَلائِهما على أُخْتِهما، ويَبْقَى لِمَوْلَى الأُمِّ سَهْمٌ، ومالُ الثانيةِ على ثمانيةَ عشرَ، لِلحَيَّةِ تسعةٌ بالنَّسَبِ، وثلاثةٌ بوَلائِها عليها، ولِمَوْلى أُمِّها ثلاثةٌ، ويَبْقَى ثلاثةٌ لِمَوَالِى المَيِّتَةِ الأُولَى، للحَيَّة سهمٌ، ولِمَوْلى أُمِّها سهمٌ، ويَبْقَى سهمٌ دائرٌ، فمَن جَعَله لبيتِ المالِ، دَفَعَه إليه، ومن جَعله لِمَوْلى الأُمِّ، فهو له، ومن لم يَدْفعْه، قَسَّمه بين الحَيَّة ومَوْلَى الأُمِّ نِصْفَينِ، وَترْجعُ بالاخْتصارِ إلى أرْبعةٍ، فإن كانت أُمَّهاتُهُنَّ شَتَّى فمن اثْنَىْ عشرَ. فإن اشْترَى الابْنتانِ أباهُما، ثم اشْتَرَى أبُوهُما هو والكُبْرَى جَدَّهُما، ثم مات الأبُ، فمالُه بينهم أثلاثًا، ثم إذا مات الجَدُّ وخَلَفَ ابْنَتَىْ ابْنِه، فلهما الثُّلُثانِ، وللكُبْرَى نِصْفُ الباقِى، لكَوْنِها مَوْلاةَ نِصْفِه، يَبْقَى السُّدسُ لِمَوَالِى الأب؛ لأنَّه مَوْلَى نِصْفِ الْجَدِّ، وهم ابْنتاه، فيَحْصُلُ للكُبرَى ثلثُ المالِ ورُبْعُه، وللصُّغْرَى رُبْعُه وسُدسُه، فإن كانت بحالِها، فاشْتَرتِ الكُبْرَى وأبُوها أخاهُما لِأبِيهما، فالجوابُ فيها كالتى قبلَها.

стр. 4621

باب مِيرَاثِ الوَلاء يعْنِى -واللَّهُ أعلم- المِيراثَ بالولاءِ. وأضاف الميراثَ إليه؛ لأنَّه سَبَبُه، فإنَّ الشىءَ يُضافُ إلى سَبَبِه، كما يقال: دِيَةُ الخَطَأِ، وديةُ العَمْدِ. وإنَّما قُلْنا ذلك؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به. وهذا قولُ الجمهورِ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأُسامةَ بن زيدٍ، وأبِى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وأُبَىِّ بنِ كعبٍ. وبه قال عَطاءٌ، وطَاوُسٌ، وسالمٌ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وقَتادةُ، والشَّعْبِىُّ، وإبراهيمُ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وأهلُ العراقِ، وداودُ. وجَعلَ شُرَيحٌ الوَلاءَ مَوْرُوثا كالمالِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). وقولُه: "الْوَلَاءُ لُحْمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ" (٢). والنَّسَبُ يُورَثُ به ولا يُورثُ، فكذلك الوَلاءُ. ولأنَّ الوَلاءَ إنَّما يحْصُلُ بإِنْعامِ السَّيِّد على [عَبْدِه بالْعِتْقِ] (٣)، وهذا المعنى لا ينْتَقِلُ عن المُعْتِقِ، فكذلك الوَلاءُ. ١٠٦٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ، أوْ أَعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ، أو كاتَبْنَ، أوْ كاتَبَ مَنْ كاتَبْنَ، وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، فِى بِنْتِ المُعْتِقِ خَاصَّةً، أنَّها تَرِثُ؛ لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه وَرَّثَ بِنْتَ حَمْزَةَ مِنَ الَّذِى أعْتَقَهُ حمْزَةُ) (١)

стр. 4622

قولُه: "ولا يَرِثُ النساءُ من الوَلَاءِ". [أى بالوَلاءِ] (٢)؛ لما قَدَّمْنا من أَنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، ولهذا قال: "إلَّا ما أعْتَقْنَ". ومُعْتَقَهُنَّ وَلاؤُه لَهُنَّ، فكيف يَرِثْنَه! والظَّاهرُ من المَذْهبِ أَنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ بالوَلاءِ إلَّا ما أَعْتَقْنَ، أو أعْتَقَ مَن أعْتَقْنَ، جَرَّ (٣) الوَلاءَ إليهنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ. والكتابةُ كذلك؛ فإنَّها إعْتاقٌ. قال القاضى: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ. والرِّوايةُ التى ذكرَها الخِرَقِىُّ فى ابْنَةِ المعْتِقِ ما وَجَدْتُها مَنْصوصةً عنه. وقد قال، فى روايةِ ابنِ القاسمِ، وقد سأَلَه: [هل كان المَولىَ لحَمْزَةَ] (٤) أو لِابْنَتِه؟ فقال: لِابْنَتِه (٥). فقد نَصَّ على أَنَّ ابنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بوَلاءِ نَفْسِها؛ لأنَّها هى المُعْتِقةُ. وهذا قولُ الجمهورِ، وهو قولُ مَن سَمَّيْنا فى أوَّلِ البابِ من الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ومَنْ (٦) بَعْدَهم غيرَ شُرَيْحٍ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لإِجْماعِ الصَّحابةِ ومَنْ بعدَهم عليه، ولأنَّ الوَلاءَ لُحْمةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، والمَوْلَى كالنَّسِيبِ من الأخٍ والعَمِّ ونحوِهما، فوَلَدُه من العَتِيقِ بمنزلةِ وَلَدِ أخِيه وعَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلَّا الذُّكورُ خاصَّةً. فأمَّا روايةُ الْخِرَقِىِّ فى بِنْتِ المُعْتقِ، فوَجْهُها ما رَوَى إبراهيمُ النَّخعِىُّ، أَنَّ مَوْلًى لحمزةَ مات، وخَلَّفَ بِنْتًا، فوَرَّثَ النبىُّ ﷺ بِنْتَهُ النِّصْفَ، وجَعلَ لبنتِ حمزةَ النِّصْفَ (٧). والصَّحِيحُ أن المَولى كان لبنتِ حَمْزةَ. قال عبدُ اللَّه بن شَدَّادٍ: كان لبنتِ حمزةَ مولًى أعْتَقَتْه، فمات، وتركَ ابْنَتَه ومَوْلاتَه بنت حمزةَ، فُرفِعَ ذلك إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأعْطَى ابْنَتَه النِّصْفَ، وأعطَى مَوْلاتَه بنتَ حمزةَ النِّصْفَ. قال عبدُ اللَّه بن شَدَّادٍ: أنا أعلمُ بها؛ لأنَّها أُخْتِى من أُمِّى، أُمُّنا سَلْمَى. روَاه ابن اللَّبَّانِ بإسْنادِه (٧)، وقال: هذا أصَحُّ ممَّا رَوَى إبراهيمُ. ولأنَّ البِنْتَ من النِّساءِ، فلا تَرِثُ بالوَلاءِ كسائرِ النِّساءِ. فأمَّا تَوْرِيثُ المرأةِ من مُعْتَقِها، ومُعْتَقِ

стр. 4623

مُعْتَقِها، ومن جَرَّ ولاءَ مُعْتَقِها، فليس فيه اخْتلافٌ بين أهل العلمِ. وقد نَصَّ النبىُّ ﷺ على ذلك، فإنَّ عائشةَ أرادت شراءَ بريرةَ لتَعْتِقَها، ويكونَ ولاؤُها لها، فأراد أهلُها اشْتراطَ وَلائِها، فقال النبىُّ ﷺ : "اشْتَرِيهَا، واشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وقال ﵇: "تَحُوزُ (٩) الْمَرْأةُ ثَلَاثةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، ولَقِيطَها، ووَلَدَها الَّذِى لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (١٠). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ولأنَّ المُعْتِقةَ مُنْعِمَةٌ بالإِعْتاقِ، كالرَّجُلِ، فوَجَبَ أن تُساوِيَه فى الميراثِ. وفى حديثِ مولَى بنتِ حمزةَ، الذى ذكرْناه، تَنْصِيصٌ على توريثِ المُعْتِقَةِ. وأمَّا مُعْتَقُ أبِيها، فهو بمَنْزلةِ عَمِّها، أو عَمِّ أبِيها، فلا تَرِثُه، ويَرِثُه أخُوها، كالنَّسَبِ. ومن مسائل ذلك: رَجُلٌ مات وخلَّف ابنَ مُعْتِقه وبنتَ مُعْتِقِه، فالميراثُ لابنِ مُعْتِقِه خاصَّةً. وعلى الرِّواية الأُخْرَى، يكونُ الميراثُ بينهما أثْلاثًا. فإن لم يُخَلِّفْ إلَّا بِنْتَ مُعْتِقِه، فلا شىءَ لها، ومالُه لبيتِ المالِ، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّ الميراثَ لها. وإن خلَّف أخْتَ مُعْتِقِه، فلا شىءَ لها، روايةً واحدةً. وكذلك إن خلَّف أُمَّ مُعْتِقِه أو جَدَّةَ مُعْتِقِه أو غيرهما. وإن خَلَّفَ أخَا مُعْتِقِه وأختَ مُعْتِقِه، فالميراثُ للأخِ. ولو خلَّف بنتَ مُعْتِقِه وابنَ عَمِّ مُعْتِقِه أو مُعْتِقِ مُعْتِقِه، أو ابنِ مُعْتِقِ مُعْتِقِه، فالمالُ له دُونَ البِنْتِ، إلَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإنَّ لها النِّصْفَ، والباقى للعَصَبةِ. وإن خلَّف بِنْتَه ومُعْتِقَه، فلبِنْتِه النِّصْفُ، والباقى لمُعْتِقِه، كما فى قصَّة مَوْلَى بنتِ حمزةَ؛ فإنَّه مات وخَلَّفَ بِنْتَه وبنتَ حمزةَ التى أعْتَقَتْه، فأعْطَى النبىُّ ﷺ بنتَه النصفَ، والباقىَ لمَوْلاتِه. وإن خلَّف ذا فَرْضٍ سِوَى البنْتِ، كالأُمِّ، أو الجَدَّةِ، أو الأُخْتِ، أو الأخَ من الأُمِّ، أو الزَّوْجَ، أو الزَّوْجةِ، أو مَنْ لا يَسْتَغْرِقُ فَرْضُه المالَ، ومَوْلاهُ (١١) أو مَوْلاتَه، فإنَّ لذِى الفَرْضِ

стр. 4624

فَرْضَه، والباقى لِمَوْلاه أو مَوْلاتِه (١٢). فى قولِ جُمْهورِ العُلَماءِ. وقد سبقَ ذكرُ ذلك. رجلٌ وابْنَتُه، أعْتَقَا عبدًا، ثم مات الأبُ، وخلَّف ابْنَه وبِنْتَه، فمالُه بينهما أثلاثًا، ثم مات العبدُ، فللبنْتِ النِّصْفُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، والباقى لابن المُعْتِقِ خاصَّةً، إلَّا على الروايةِ الضعيفةِ، فإنَّ الباقىَ يكونُ بينهما على ثلاثةٍ، فيكونُ للبنْتِ الثُّلُثانِ، ولأخيها الثُّلُثُ. وإن ماتت البنتُ قبلَ العَبْدِ، وخلَّفتِ ابنًا، ثم مات العبدُ، فلابْنِها النِّصْفُ، والباقى لأَخِيها. ولو لم تُخَلِّفِ البنتُ إلَّا بِنْتًا، كان الوَلاءُ كلُّه لأخِيها دُونَ بِنْتِها، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّ لِبِنْتِها النِّصْفَ، والباقىَ لأخِيها. وإن مات الابنُ قبلَ العَبْدِ، وخلَّف بِنْتًا، ثم مات العبدُ، وخلَّفَ مُعْتقةَ نِصْفِه (١٣) وبنتَ أخِيها، فللمُعْتقَةِ نصف مالِه، وباقِيه لبيتِ المالِ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرى، لها النِّصْفُ بإعْتاقِها، ونِصْفُ الباقى؛ لأنَّها بنتُ مُعْتِقِ النِّصْفِ، والباقى لعَصَبةِ أبِيها (١٤). ولو كانت البنتُ ماتتْ أيضًا قبلَ العَبْدِ، وخلَّفت ابْنَها، ثم مات العبدُ، فلابنها النِّصْفُ، ولا شىءَ لبِنْتِ أخيها. امرأةٌ أعْتَقتْ أباها، ثم أعْتَقَ أبُوها عبدًا، ثم مات الأبُ، ثم العبدُ، فمالهُما لها. فإن كان أبُوها خَلَّفَ بِنْتًا أُخْرَى معها، فلهما ثُلُثَا مالِ الأبِ بالنَّسَبِ، والباقى للمُعْتِقةِ بالوَلاءِ، ومالُ العَبْدِ جَمِيعُه للمُعْتِقةِ دون أُخْتِها. ويتخرَّجُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى، أن يكونَ لهما ثُلُثَا مالِ العبدِ أيضًا، وباقِيه للمُعْتِقَةِ. ولو كان الأبُ خَلَّفَ مع المُعْتِقَةِ ابْنًا، فمالُ الأبِ بينهما أثْلاثًا بالبُنُوَّةِ، ومالُ العبدِ كلُّه للابنِ دون أُخْتِه المُعْتِقَةِ؛ لأنَّه يَرِثُ بالنَّسَبِ، والنَّسَبُ مُقدَّمٌ على الوَلاءِ. ولو خلَّفَ الأبُ أخًا، أو عَمًّا، أو ابنَ عَمٍّ، مع البنتِ، فللبنتِ نِصْفُ ميراثِ أبيها، وباقيه لِعَصَبَتِه، ومالُ العَبْدِ لعَصَبَتِه، ولا شىءَ لبِنْتِه فيه؛ لأنَّ العَصَبةَ من النَّسَبِ مقدَّمٌ على المُعْتِقِ فى الميراثِ، إلَّا على روايةِ الْخِرَقِىِّ، فإنَّ للبنتِ نصفَ ميراثِ العَبْدِ، لكَوْنِها بنتَ المُعْتِقِ، وباقِيه لعَصَبتِه. امرأةٌ وأخوها، أعْتَقا أباهما، ثم أَعْتقَ

стр. 4625

أبوهُما عبدًا، ثم مات الأبُ، فمالُه بينهما أثْلاثًا، ثم إذا مات العبدُ فمِيراثُه للابنِ دون أُخْتِه؛ لأنَّه ابن المُعْتِقِ يَرِثُه بالنسبِ، وهى مَوْلاةُ المُعْتِقِ، وابنُ (١٥) المُعْتِقِ مُقَدَّمٌ (١٦) على مَوْلاه. فإن مات أخوها قبلَ أبِيه، وخَلَّفَ بِنْتًا، فمالُه بين ابْنَتِه وأبِيه (١٧) نِصْفَيْن. ثم إذا مات الأبُ، فقد خلَّف بِنْتَه وبِنْتَ ابْنِه، وبِنْتُه مَوْلاةُ نِصْفِه، فلِبِنْتِه النصفُ ولبِنْتِ ابنِه السُّدُسُ، ويَبْقَى الثلثُ لبِنْتِه نِصْفُه، وهو السُّدسُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، يَبْقَى السُّدسُ لِمَوَالِى الأَخِ إن كان ابنَ مُعْتقِه وهم أخْتُه، ومَوالِى (١٨) أُمِّه، فلأُخْتِه نصفُ السُّدسِ، والنِّصْفُ الباقى لِمَوْلَى أُمِّه، فحَصَلَ لأخِيه النِّصْفُ والرُّبعُ [ولابْنَتِه السُّدسُ] (١٩). وإن لم يكنِ ابنَ مُعْتِقه، بل كانت أُمُّه حُرَّةَ الأصْلِ، فلا وَلاءَ عليه، وتأخذُ أختُه الباقىَ كلَّه بالرَّدِّ إن لم يُخَلِّفْ الأبُ عَصَبةً، فإن خَلَّفَ الأبُ عصبةً من نَسَبِه، كأخٍ أو عَمٍّ أو ابنِ عَمٍّ أو عَمِّ أبٍ، فلِبِنْتِه النصفُ، [ولبِنْتِ ابْنِه السُّدُسُ] (٢٠)، والباقى لعَصَبَتِه. ولو اشْتَرَى رجلٌ وأختُه أخاهما، ثم اشْتَرَى أخوهُما عبدًا فأعْتَقَه، ثم مات أخوهُما، فمالُه بينهما أَثْلاثًا. ثم إذا مات عَتِيقُه، فميراثُه لأخِيه دُونَ أختِه. ولو مات الأخُ المُعْتِقُ قبلَ مَوْتِ العبدِ، وخلَّف ابْنَه، ثم مات العبدُ، فميراثُه لابنِ أخِيها دُونَها؛ لأنَّه ابنُ أخِى المُعتِقِ. وإن لم يُخَلِّفِ الأخُ إلَّا بِنْتَه، فنِصْفُ مالِ العبدِ للأُخْتِ؛ لأنَّها مُعْتِقةُ نِصْفِ مُعْتِقِه، ولا شىءَ لبنْتِ الأَخِ، رِوَايةً واحدةً، والباقى لبيتِ المالِ. فصل: إذا خَلَّفَ المَيِّتُ بنتَ مَوْلاه ومَوْلَى أبِيه، فمالُه لبيتِ المالِ؛ لأنَّه إذا ثَبَتَ
следующие страницы →