← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

باب مِيرَاثِ الوَلاء يعْنِى -واللَّهُ أعلم- المِيراثَ بالولاءِ. وأضاف الميراثَ إليه؛ لأنَّه سَبَبُه، فإنَّ الشىءَ يُضافُ إلى سَبَبِه، كما يقال: دِيَةُ الخَطَأِ، وديةُ العَمْدِ. وإنَّما قُلْنا ذلك؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به. وهذا قولُ الجمهورِ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأُسامةَ بن زيدٍ، وأبِى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وأُبَىِّ بنِ كعبٍ. وبه قال عَطاءٌ، وطَاوُسٌ، وسالمٌ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وقَتادةُ، والشَّعْبِىُّ، وإبراهيمُ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وأهلُ العراقِ، وداودُ. وجَعلَ شُرَيحٌ الوَلاءَ مَوْرُوثا كالمالِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). وقولُه: "الْوَلَاءُ لُحْمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ" (٢). والنَّسَبُ يُورَثُ به ولا يُورثُ، فكذلك الوَلاءُ. ولأنَّ الوَلاءَ إنَّما يحْصُلُ بإِنْعامِ السَّيِّد على [عَبْدِه بالْعِتْقِ] (٣)، وهذا المعنى لا ينْتَقِلُ عن المُعْتِقِ، فكذلك الوَلاءُ. ١٠٦٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ، أوْ أَعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ، أو كاتَبْنَ، أوْ كاتَبَ مَنْ كاتَبْنَ، وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، فِى بِنْتِ المُعْتِقِ خَاصَّةً، أنَّها تَرِثُ؛ لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه وَرَّثَ بِنْتَ حَمْزَةَ مِنَ الَّذِى أعْتَقَهُ حمْزَةُ) (١)

стр. 4622

قولُه: "ولا يَرِثُ النساءُ من الوَلَاءِ". [أى بالوَلاءِ] (٢)؛ لما قَدَّمْنا من أَنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، ولهذا قال: "إلَّا ما أعْتَقْنَ". ومُعْتَقَهُنَّ وَلاؤُه لَهُنَّ، فكيف يَرِثْنَه! والظَّاهرُ من المَذْهبِ أَنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ بالوَلاءِ إلَّا ما أَعْتَقْنَ، أو أعْتَقَ مَن أعْتَقْنَ، جَرَّ (٣) الوَلاءَ إليهنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ. والكتابةُ كذلك؛ فإنَّها إعْتاقٌ. قال القاضى: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ. والرِّوايةُ التى ذكرَها الخِرَقِىُّ فى ابْنَةِ المعْتِقِ ما وَجَدْتُها مَنْصوصةً عنه. وقد قال، فى روايةِ ابنِ القاسمِ، وقد سأَلَه: [هل كان المَولىَ لحَمْزَةَ] (٤) أو لِابْنَتِه؟ فقال: لِابْنَتِه (٥). فقد نَصَّ على أَنَّ ابنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بوَلاءِ نَفْسِها؛ لأنَّها هى المُعْتِقةُ. وهذا قولُ الجمهورِ، وهو قولُ مَن سَمَّيْنا فى أوَّلِ البابِ من الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ومَنْ (٦) بَعْدَهم غيرَ شُرَيْحٍ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لإِجْماعِ الصَّحابةِ ومَنْ بعدَهم عليه، ولأنَّ الوَلاءَ لُحْمةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ، والمَوْلَى كالنَّسِيبِ من الأخٍ والعَمِّ ونحوِهما، فوَلَدُه من العَتِيقِ بمنزلةِ وَلَدِ أخِيه وعَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلَّا الذُّكورُ خاصَّةً. فأمَّا روايةُ الْخِرَقِىِّ فى بِنْتِ المُعْتقِ، فوَجْهُها ما رَوَى إبراهيمُ النَّخعِىُّ، أَنَّ مَوْلًى لحمزةَ مات، وخَلَّفَ بِنْتًا، فوَرَّثَ النبىُّ ﷺ بِنْتَهُ النِّصْفَ، وجَعلَ لبنتِ حمزةَ النِّصْفَ (٧). والصَّحِيحُ أن المَولى كان لبنتِ حَمْزةَ. قال عبدُ اللَّه بن شَدَّادٍ: كان لبنتِ حمزةَ مولًى أعْتَقَتْه، فمات، وتركَ ابْنَتَه ومَوْلاتَه بنت حمزةَ، فُرفِعَ ذلك إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأعْطَى ابْنَتَه النِّصْفَ، وأعطَى مَوْلاتَه بنتَ حمزةَ النِّصْفَ. قال عبدُ اللَّه بن شَدَّادٍ: أنا أعلمُ بها؛ لأنَّها أُخْتِى من أُمِّى، أُمُّنا سَلْمَى. روَاه ابن اللَّبَّانِ بإسْنادِه (٧)، وقال: هذا أصَحُّ ممَّا رَوَى إبراهيمُ. ولأنَّ البِنْتَ من النِّساءِ، فلا تَرِثُ بالوَلاءِ كسائرِ النِّساءِ. فأمَّا تَوْرِيثُ المرأةِ من مُعْتَقِها، ومُعْتَقِ

стр. 4623

مُعْتَقِها، ومن جَرَّ ولاءَ مُعْتَقِها، فليس فيه اخْتلافٌ بين أهل العلمِ. وقد نَصَّ النبىُّ ﷺ على ذلك، فإنَّ عائشةَ أرادت شراءَ بريرةَ لتَعْتِقَها، ويكونَ ولاؤُها لها، فأراد أهلُها اشْتراطَ وَلائِها، فقال النبىُّ ﷺ : "اشْتَرِيهَا، واشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وقال ﵇: "تَحُوزُ (٩) الْمَرْأةُ ثَلَاثةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، ولَقِيطَها، ووَلَدَها الَّذِى لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (١٠). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ولأنَّ المُعْتِقةَ مُنْعِمَةٌ بالإِعْتاقِ، كالرَّجُلِ، فوَجَبَ أن تُساوِيَه فى الميراثِ. وفى حديثِ مولَى بنتِ حمزةَ، الذى ذكرْناه، تَنْصِيصٌ على توريثِ المُعْتِقَةِ. وأمَّا مُعْتَقُ أبِيها، فهو بمَنْزلةِ عَمِّها، أو عَمِّ أبِيها، فلا تَرِثُه، ويَرِثُه أخُوها، كالنَّسَبِ. ومن مسائل ذلك: رَجُلٌ مات وخلَّف ابنَ مُعْتِقه وبنتَ مُعْتِقِه، فالميراثُ لابنِ مُعْتِقِه خاصَّةً. وعلى الرِّواية الأُخْرَى، يكونُ الميراثُ بينهما أثْلاثًا. فإن لم يُخَلِّفْ إلَّا بِنْتَ مُعْتِقِه، فلا شىءَ لها، ومالُه لبيتِ المالِ، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّ الميراثَ لها. وإن خلَّف أخْتَ مُعْتِقِه، فلا شىءَ لها، روايةً واحدةً. وكذلك إن خلَّف أُمَّ مُعْتِقِه أو جَدَّةَ مُعْتِقِه أو غيرهما. وإن خَلَّفَ أخَا مُعْتِقِه وأختَ مُعْتِقِه، فالميراثُ للأخِ. ولو خلَّف بنتَ مُعْتِقِه وابنَ عَمِّ مُعْتِقِه أو مُعْتِقِ مُعْتِقِه، أو ابنِ مُعْتِقِ مُعْتِقِه، فالمالُ له دُونَ البِنْتِ، إلَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإنَّ لها النِّصْفَ، والباقى للعَصَبةِ. وإن خلَّف بِنْتَه ومُعْتِقَه، فلبِنْتِه النِّصْفُ، والباقى لمُعْتِقِه، كما فى قصَّة مَوْلَى بنتِ حمزةَ؛ فإنَّه مات وخَلَّفَ بِنْتَه وبنتَ حمزةَ التى أعْتَقَتْه، فأعْطَى النبىُّ ﷺ بنتَه النصفَ، والباقىَ لمَوْلاتِه. وإن خلَّف ذا فَرْضٍ سِوَى البنْتِ، كالأُمِّ، أو الجَدَّةِ، أو الأُخْتِ، أو الأخَ من الأُمِّ، أو الزَّوْجَ، أو الزَّوْجةِ، أو مَنْ لا يَسْتَغْرِقُ فَرْضُه المالَ، ومَوْلاهُ (١١) أو مَوْلاتَه، فإنَّ لذِى الفَرْضِ

стр. 4624

فَرْضَه، والباقى لِمَوْلاه أو مَوْلاتِه (١٢). فى قولِ جُمْهورِ العُلَماءِ. وقد سبقَ ذكرُ ذلك. رجلٌ وابْنَتُه، أعْتَقَا عبدًا، ثم مات الأبُ، وخلَّف ابْنَه وبِنْتَه، فمالُه بينهما أثلاثًا، ثم مات العبدُ، فللبنْتِ النِّصْفُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، والباقى لابن المُعْتِقِ خاصَّةً، إلَّا على الروايةِ الضعيفةِ، فإنَّ الباقىَ يكونُ بينهما على ثلاثةٍ، فيكونُ للبنْتِ الثُّلُثانِ، ولأخيها الثُّلُثُ. وإن ماتت البنتُ قبلَ العَبْدِ، وخلَّفتِ ابنًا، ثم مات العبدُ، فلابْنِها النِّصْفُ، والباقى لأَخِيها. ولو لم تُخَلِّفِ البنتُ إلَّا بِنْتًا، كان الوَلاءُ كلُّه لأخِيها دُونَ بِنْتِها، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّ لِبِنْتِها النِّصْفَ، والباقىَ لأخِيها. وإن مات الابنُ قبلَ العَبْدِ، وخلَّف بِنْتًا، ثم مات العبدُ، وخلَّفَ مُعْتقةَ نِصْفِه (١٣) وبنتَ أخِيها، فللمُعْتقَةِ نصف مالِه، وباقِيه لبيتِ المالِ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرى، لها النِّصْفُ بإعْتاقِها، ونِصْفُ الباقى؛ لأنَّها بنتُ مُعْتِقِ النِّصْفِ، والباقى لعَصَبةِ أبِيها (١٤). ولو كانت البنتُ ماتتْ أيضًا قبلَ العَبْدِ، وخلَّفت ابْنَها، ثم مات العبدُ، فلابنها النِّصْفُ، ولا شىءَ لبِنْتِ أخيها. امرأةٌ أعْتَقتْ أباها، ثم أعْتَقَ أبُوها عبدًا، ثم مات الأبُ، ثم العبدُ، فمالهُما لها. فإن كان أبُوها خَلَّفَ بِنْتًا أُخْرَى معها، فلهما ثُلُثَا مالِ الأبِ بالنَّسَبِ، والباقى للمُعْتِقةِ بالوَلاءِ، ومالُ العَبْدِ جَمِيعُه للمُعْتِقةِ دون أُخْتِها. ويتخرَّجُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى، أن يكونَ لهما ثُلُثَا مالِ العبدِ أيضًا، وباقِيه للمُعْتِقَةِ. ولو كان الأبُ خَلَّفَ مع المُعْتِقَةِ ابْنًا، فمالُ الأبِ بينهما أثْلاثًا بالبُنُوَّةِ، ومالُ العبدِ كلُّه للابنِ دون أُخْتِه المُعْتِقَةِ؛ لأنَّه يَرِثُ بالنَّسَبِ، والنَّسَبُ مُقدَّمٌ على الوَلاءِ. ولو خلَّفَ الأبُ أخًا، أو عَمًّا، أو ابنَ عَمٍّ، مع البنتِ، فللبنتِ نِصْفُ ميراثِ أبيها، وباقيه لِعَصَبَتِه، ومالُ العَبْدِ لعَصَبَتِه، ولا شىءَ لبِنْتِه فيه؛ لأنَّ العَصَبةَ من النَّسَبِ مقدَّمٌ على المُعْتِقِ فى الميراثِ، إلَّا على روايةِ الْخِرَقِىِّ، فإنَّ للبنتِ نصفَ ميراثِ العَبْدِ، لكَوْنِها بنتَ المُعْتِقِ، وباقِيه لعَصَبتِه. امرأةٌ وأخوها، أعْتَقا أباهما، ثم أَعْتقَ

стр. 4625

أبوهُما عبدًا، ثم مات الأبُ، فمالُه بينهما أثْلاثًا، ثم إذا مات العبدُ فمِيراثُه للابنِ دون أُخْتِه؛ لأنَّه ابن المُعْتِقِ يَرِثُه بالنسبِ، وهى مَوْلاةُ المُعْتِقِ، وابنُ (١٥) المُعْتِقِ مُقَدَّمٌ (١٦) على مَوْلاه. فإن مات أخوها قبلَ أبِيه، وخَلَّفَ بِنْتًا، فمالُه بين ابْنَتِه وأبِيه (١٧) نِصْفَيْن. ثم إذا مات الأبُ، فقد خلَّف بِنْتَه وبِنْتَ ابْنِه، وبِنْتُه مَوْلاةُ نِصْفِه، فلِبِنْتِه النصفُ ولبِنْتِ ابنِه السُّدُسُ، ويَبْقَى الثلثُ لبِنْتِه نِصْفُه، وهو السُّدسُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، يَبْقَى السُّدسُ لِمَوَالِى الأَخِ إن كان ابنَ مُعْتقِه وهم أخْتُه، ومَوالِى (١٨) أُمِّه، فلأُخْتِه نصفُ السُّدسِ، والنِّصْفُ الباقى لِمَوْلَى أُمِّه، فحَصَلَ لأخِيه النِّصْفُ والرُّبعُ [ولابْنَتِه السُّدسُ] (١٩). وإن لم يكنِ ابنَ مُعْتِقه، بل كانت أُمُّه حُرَّةَ الأصْلِ، فلا وَلاءَ عليه، وتأخذُ أختُه الباقىَ كلَّه بالرَّدِّ إن لم يُخَلِّفْ الأبُ عَصَبةً، فإن خَلَّفَ الأبُ عصبةً من نَسَبِه، كأخٍ أو عَمٍّ أو ابنِ عَمٍّ أو عَمِّ أبٍ، فلِبِنْتِه النصفُ، [ولبِنْتِ ابْنِه السُّدُسُ] (٢٠)، والباقى لعَصَبَتِه. ولو اشْتَرَى رجلٌ وأختُه أخاهما، ثم اشْتَرَى أخوهُما عبدًا فأعْتَقَه، ثم مات أخوهُما، فمالُه بينهما أَثْلاثًا. ثم إذا مات عَتِيقُه، فميراثُه لأخِيه دُونَ أختِه. ولو مات الأخُ المُعْتِقُ قبلَ مَوْتِ العبدِ، وخلَّف ابْنَه، ثم مات العبدُ، فميراثُه لابنِ أخِيها دُونَها؛ لأنَّه ابنُ أخِى المُعتِقِ. وإن لم يُخَلِّفِ الأخُ إلَّا بِنْتَه، فنِصْفُ مالِ العبدِ للأُخْتِ؛ لأنَّها مُعْتِقةُ نِصْفِ مُعْتِقِه، ولا شىءَ لبنْتِ الأَخِ، رِوَايةً واحدةً، والباقى لبيتِ المالِ. فصل: إذا خَلَّفَ المَيِّتُ بنتَ مَوْلاه ومَوْلَى أبِيه، فمالُه لبيتِ المالِ؛ لأنَّه إذا ثَبَتَ

стр. 4626

عليه الولاءُ من جِهَةِ مُباشَرَتِه بالعِتْقِ، لم يَثْبُتْ عليه بإعْتاقِ أبِيه، وإذا لم يكُنْ لمَوْلاه إلَّا بِنْتٌ لم تَرِثْ؛ لأنَّها ليست عَصَبةً، وإنَّما يَرِثُ عَصَباتُ المَوْلَى، فإذا لم يكُنْ له عَصَبةٌ، لم يَرْجِعْ إلى مُعْتِقِ أبِيه. وكذلك إن كان له مُعْتِقُ أبٍ أو مُعْتِقُ (٢١) جَدٍّ، ولم يكُنْ هو مُعْتِقًا، فميراثُه لمُعتِقِ أبِيه إن كان ابنَ مُعْتِقِه، ثم لعَصَبة مُعْتِقِ أبيه، ثم لمُعْتِقِ معْتِقِ أبيه. فإن لم يكنْ له أحدٌ منهم، فلِبَيْتِ المالِ، ولا يرجعُ إلى مُعْتِقِ جَدِّه، وإن كانت أمُّهُ حُرَّةَ الأصْلِ، فلا وَلاءَ عليه، وليس لمُعْتِقِ أبِيه شىءٌ. فصل: امرأةٌ حُرَّةٌ لا وَلاءَ عليها، وأبَواها رَقِيقانِ، أعْتَقَ إنسانٌ أباها، ويُتَصَوّرُ هذا فى موضعينِ؛ أحدهما، أن يكونَ جَمِيعُهم كُفَّارًا، فتُسْلِمَ هى ويُسْبَى أبواها، فيُسْتَرَقانِ. والثانى، أن يكونَ أبُوها عبدًا تزَوَّجَ أمةً على أنَّها حُرَّةٌ، فوَلَدَتْها، ثم ماتت وخَلَّفَت مُعْتِقَ أبِيها، لم يَرِثْها؛ لأنَّه إنَّما يَرِثُ بالوَلاءِ، وهذه لا وَلاءَ عليها. وهكذا الحُكْمُ فيما إذا تزوَّجَ عبدٌ حُرّةَ الأصْلِ، فأوْلدَها ولدًا، ثم أُعْتِقَ العبدُ، ومات، ثم مات الولدُ، فلا مِيراثَ لمُعْتِقِ أبِيه؛ لأنَّه لا وَلاءَ عليه. ولو كان ابْنتانِ على هذه الصِّفَةِ، اشْتَرتْ إحداهُما أباها، فعَتَقَ عليها، فلها ولاؤُه، وليس لها ولاءٌ على أُخْتِها، فإذا مات أبُوهُما، فلهما الثُّلُثانِ بالنَّسَب، ولها الباقى بالولاءِ، فإذا ماتت أختُها، فلها نِصْفُ مِيراثِها (٢٢) بالنَّسَبِ، وباقِيه لعَصَبَتِها، فإن لم يكُنْ لها عَصَبةٌ، فالباقى لأُخْتِها بالرَّدِّ، ولا مِيراثَ لها منها بالوَلاءِ؛ لأنَّها لا وَلاءَ عليها. فصل: ولا يَرِثُ من أقاربِ المُعْتِقِ ذو فَرْضٍ مُنْفَرِدٍ، كالأخِ من الأُمِّ والزَّوْجِ؛ لأنَّ الوَلاءَ للعَصَباتِ، وليس هؤلاءِ عَصَباتٍ، فحُكْمُهم حكمُ النِّساءِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَرثُ النِّساءُ من الوَلاء إلَّا ما أَعْتَقْنَ، أو أَعْتَقَ مَنْ أعْتَقْنَ، إلَّا أَنَّ المُلاعِنَةَ تَرِثُ مَنْ أعْتَقَ ابنُها. وهذا يُخَرَّجُ على الرِّوايةِ التى تقولُ: إنَّ المُلاعِنَةَ عَصَبَةُ ابنِها، وهى أحقُّ

стр. 4627

بالميراثِ من عَصَبَتِها، فترِثُ لكَوْنِها عَصَبةً قائمةً مَقامَ أبِيه، فأمَّا على الروايةِ الأُخْرَى، فإنَّ الولاءَ يكونُ لعَصَبَتِها. ١٠٦١ - مسألة؛ قال: (والْوَلَاءُ لِأَقْرَبِ عَصَبةِ الْمُعْتِقِ) وحملةُ ذلك أَنَّ المَوْلَى العَتِيقَ إذا لم يُخَلِّفْ مِن نَسَبِه مَنْ يَرِثُ مالَه، كان مالُه لِمَوْلاه، على ما أسْلَفْناه. فإن كان مَوْلاه مَيِّتًا، فهو لأقْرَبِ عَصَبَتِه، سواءٌ كان ولدًا، أو أبًا، أو أخًا، أو عَمًّا، أو ابنَ عَمٍّ، أو عَمَّ أبٍ، وسواءٌ كان المُعْتَقُ ذكَرًا أو أُنثى. فإن لم يكُنْ له عَصَبةٌ من نَسَبِه، كان الميراثُ لِمَوْلاه، ثم لعَصَباتِه الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثم لِمَوْلاه، وكذلك أبدًا. رُوِىَ هذا عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ وصاحِبَاه. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه ما يَدُلُّ على أَنَّ مَذْهَبَه فى امرأةٍ ماتتْ وخَلَّفَت ابْنَها وأخاها، أو ابنَ أخِيها، أَنَّ ميراثَ مَوالِيها لأخِيها وابنِ أخِيها، دون ابْنِها. ورُوِىَ عنه الرُّجوعُ إلى مثلِ قَوْلِ الجماعةِ، فرُوِىَ عن إبراهيمَ أنَّه قال: اخْتَصَم علىٌّ والزُّبَيْرُ فى مَوالِى صَفِيّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال علىٌّ: أنا أحَقُّ بهم، أنا أرِثُهُم وأعْقِلُ عنهم. وقال الزبيرُ: هم مَوالِى أمِّى، وأنا أرِثُهُم. فقَضَى عمرُ للزُّبَيْرِ بالميراثِ، والعَقْلِ علَى علىٍّ. رواه سعيدٌ (١)، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا عُبَيْدةُ الضَّبِّىُّ، عن إبراهيمَ، وقال: ثنا هُشَيْمُ. ثنا الشَّيْبَانِىُّ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: قَضَى بوَلاءِ مَوالِى صَفِيّةَ للزُّبَيْرِ دُون العَبَّاسِ، وقَضَى عمرُ فى مَوالِى أمِّ هانئٍ بنتِ أبى طالب لأبيها جَعْدةَ بن هُبَيْرةَ دون علىٍّ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢)، بإسنادِه عن زَيَادِ ابن أبى مَرْيمَ، أَنَّ امرأةً أعْتَقَتْ عبدًا لها، ثم تُوُفِّيَتْ، وتَرَكتْ ابنًا

стр. 4628

لها (٣) وأخاها. ثم تُوُفِّىَ مَوْلاها من بَعْدِها، فأتَى أخو المرأةِ وابنُها رسولَ اللَّه ﷺ فى ميراثِه، فقال ﵇: "مِيرَاثُه لِابنِ الْمَرْأَةِ". فقال أخوها: يا رسولَ اللَّه، لو جَرَّ جَرِيرةً كانت علىَّ، ويكون مِيراثُه لهذا! قال: "نَعَمْ". ورَوى (٤) بإسْناده عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الْمَوْلَى أخٌ فِى الدِّينِ، ومَوْلَى النِّعْمةِ يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بالمُعْتِقِ". إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ المُعْتقَةَ إذا ماتتْ وخَلَّفَت ابْنَها وأخاها أو ابنَ أخِيها، ثم مات مَوْلَاها، فمِيراثُه لابْنِها، وإن مات ابْنُها بعدَها وقبلَ مَوْلاها، وتَرَكت عَصَبةً، كأعْمامِه وبَنِى أعْمامِه، ثم مات العبدُ، وتركَ أخا مَوْلاتِه وعَصَبةَ ابْنِها، فمِيراثُه لأخِى مَوْلاتِه؛ لأنَّه أقْرَبُ عَصَبةِ المُعْتِقِ، فإنَّ المرأةَ لو كانت هى الْمَيِّتةَ، لوَرِثَها أخوها وعَصَبَتُها، فإن انْقَرضَ عَصَبتُها، كان بيتُ المالِ أحَقَّ به من عَصَبةِ أبيها، يُرْوَى نحوُ هذا عن علىٍّ. وبه قال أَبانُ بن عثمانَ، وقَبيصةُ بن ذُؤَيبٍ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وأهلُ العراقِ. ورُوِىَ عن علىٍّ روايةٌ أُخْرَى، أنَّه لِعَصَبةِ الابْنِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وبه قال شُرَيحٌ. وهذا يَرْجِعُ إلى أَنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ كما يُورَثُ المالُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ نحوُ هذا. واحْتَجُّوا بأنَّ عَمْرَو بن شُعَيبٍ رَوَى عن أبِيه، عن جَدِّه، أن رِيَابَ (٥) بن حُذَيفْةَ، تزَوَّجَ امرأةً، فولَدَتْ له ثلاثةَ غِلْمةٍ، فماتت أمُّهم، فوَرِثُوا عنها ولاءَ مَوالِيها، وكان عمرُو بن العاص عَصَبةَ بَنِيها، فأخْرَجَهُم إلى الشَّامِ، فماتوا، فقَدِمَ عمرُو بن العاصِ، ومات مَوْلاها، وتَرَكَ مالًا، فخاصَمه إخْوَتُها إلى عمرَ، فقال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما أحْرَزَ الْوَالِدُ والوَلَدُ، فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ". قال: وكَتَبَ له كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمنِ بن

стр. 4629

عَوْفٍ، وزَيدِ بن ثابتٍ، ورجلٍ آخرَ. قال فنحنُ فيه إلى الساعةِ. روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجه. فى "سُنَنِهما" (٦). والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ الولاءَ لا يُورَثُ، على ما ذكرْنا من قبلُ. وإنَّما يُورَثُ به، وهو باقٍ للمُعْتِقِ، يَرِثُ به أقْربُ عَصَباتِه، ومَنْ لم يكُنْ من عَصَباتِه لم يَرِثْ شيئًا، وعَصَباتُ الابنِ غيرُ عَصَباتِ أُمِّه، فلا يَرِثُ الأجانبُ منها بولائِها دون عَصَباتِها. وحديثُ عَمْرِو بن شُعَيبٍ غَلَطٌ، قال حميدٌ: الناسُ يُغَلِّطُونَ (٧) عمرَو ابن شُعَيْبٍ فى هذا الحديثِ. فعلى هذا لا يَرِثُ المَوْلَى العَتِيقَ من أقاربِ مُعْتِقِه إلَّا عَصَباتُه، الأقْربُ منهم فالأقْربُ، على ما ذكرنا فى ترتيبِ العَصَباتِ. ولا يَرِثُ ذو فَرْضٍ بِفَرْضِه، ولا ذو رَحِمٍ. فإن اجْتَمعَ لرَجُلٍ منهم فَرْضٌ وتَعْصيبٌ، كالأبِ والجَدِّ، والزَّوْجَ والأخِ من الأُمِّ إذا كانا ابْنَىْ عَمٍّ، وَرِثَ بما فيه من التَّعْصِيبِ، ولم يَرِثْ بفَرْضِه شيئا. وإن كان عَصَباتٌ فى درجةٍ واحدةٍ، كالبَنِين وبَنِيهم، والإِخْوةِ وبَنِيهم، والأعْمامِ وبَنِيهم، اقْتَسَمُوا الميراثَ بينهم بالسَّوِيَّةِ. وهذا كلُّه لا خلافَ فيه سِوَى ما ذكرْنا من الأقْوالِ الشَّاذَّةِ. واللَّهُ أعلمُ. ١٠٦٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وخَلَّفَ أبَا مُعْتِقِهِ وابْنَ مُعْتِقِهِ، فَلِأَبِى مُعْتِقِهِ السُّدُسُ، وَمَا بَقِىَ فَلِلابْنِ) نَصَّ أحمدُ على هذا، فى روايةِ جماعةٍ من أصحابِه؛ وكذلك قال فى جَدِّ المُعْتِقِ وابْنِه. وقال: ليس الجَدُّ والأخُ والابنُ من الكِبَرِ فى شىءٍ يَجْزِيهم على الميراثِ. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والأوْزاعىِّ، والعَنْبَرِىِّ، وإسحاقَ، وأبى يوسفَ. ويُرْوَى عن زيدٍ أَنَّ المالَ للابْنِ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والحسنُ، والحَكَمُ،

стр. 4630

وقَتادةُ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشَّافعىُّ، وأكثرُ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ الابنَ أقْربُ العَصبَةِ، والأبُ والجَدُّ يَرِثانِ معه بالفَرْضِ، ولا يَرِثُ بالولاءِ ذُو فَرْضٍ بحالٍ. ولَنا، أنَّه عَصَبةُ وارثٍ، فاسْتَحقَّ من الوَلاءِ كالأخَوَينِ، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ الابنَ أقْرَبُ من الأبِ، بل هما فى القُرْبِ سَواءٌ، وكلاهُما عَصَبةٌ لا يُسْقِطُ أحدُهما صاحِبَه، وإنَّما هما يَتَفاضلانِ فى الميراثِ، فكذلك فى الإِرْثِ بالوَلاءِ، ولذلك يُقَدَّمُ الأبُ على الابنِ فى الوِلايةِ والصلاةِ على المَيِّتِ وغيرِهما. وحكُم الأبِ مع ابنِ الابنِ وإن سَفلَ، حُكْمُ الجَدِّ وإن عَلَا مع الابنِ وابْنِه سَواءً. ١٠٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ خَلَّفَ أخَا مُعْتِقِهِ وجَدَّ مُعْتِقِهِ، فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) وبهذا قال عطاءٌ، واللَّيْثُ، ويحيى الأنصارىُّ. ومالَ إليه الأوْزَاعىُّ. وهو قولُ الشَّافعىِّ. وقولُ الثَّوْرِىِّ وأبى يوسفَ ومحمدٍ. والذين نَزَّلُوا الْجَدَّ أبًا، جَعَلُوا الْجَدَّ أَوْلَى، ووَرَّثُوه وَحْدَه. ورُوِى عن زيدٍ أَنَّ المالَ للأخِ. وهو قولُ مالكٍ، [وقول للشَّافِعِيِّ] (١)؛ لأنَّ الأخَ ابنُ الأبِ، والجَدُّ أبوه، والابنُ أحَقُّ من الأبِ. ولَنا، أنَّهما عَصَبَتانِ يَرِثانِ المالَ نِصْفيْنِ، فكان الوَلاءُ بينهما نِصْفَيْنِ، كالأخَويْنِ. وإن تَرَكَ جَدَّ مَوْلاه وابْنَ أخِى مَوْلاه، فالمالُ لَجدِّه. فى قولِهم جميعا، إلَّا مالِكًا جَعَلَ المِيراثَ لابْنِ الأَخِ وإن سَفلَ. وقالَه الشافِعىُّ أيضًا؛ لأنَّ ابنَ الابْنِ وإن سَفلَ يُقَدَّمُ على الأبِ. وليس هذا بصَوابٍ؛ فإنَّ ابنَ الأَخِ مَحْجوبٌ عن المِيراثِ بالجَدِّ، فكيف يُقَدَّمُ عليه، ولأنَّ الجَدَّ أولَى بالمُعْتِقِ من ابنِ الأَخِ، فيَرِثُ مَوْلاه؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "الْمَوْلَى أخٌ فِى الدِّينَ، وَوَلِىُّ نِعْمَةٍ. يَرِثهُ أوْلَى (٢) النَّاس بالمُعْتِقِ" (٣). والدَّليلُ على أن الْجَدَّ أوْلَى أنَّه يَرِثُ ابنَ ابْنِه دون ابنِ

стр. 4631

الأَخِ، فيكونُ أوْلَى؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، [وما أبْقَتِ الفُرُوضُ] (٤) فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٥). وفى لفظ: "فَلِأَوْلَى عَصَبةٍ ذَكَرٍ". ولأنَّ الجَدَّ أبٌ، فيُقَدَّمُ على ابنِ الأَخِ، كالأبِ الحَقِيقِىِّ، ولأنَّه يُقَدَّمُ فى مِيراثِ المالِ، فقُدِّم فى المِيراثِ بالوَلاءِ كسائرِ العَصَباتِ. فصل: فإن اجتمع إخْوَةٌ وجَدٌّ، فمِيراثُ المَوْلَى بينهم، كمالِ سَيِّدِه. وإن اجْتَمع إخوةً من أبَوَيْنِ وإخوةً من أبٍ، عادَّ الإِخْوةُ من الأبَوَيْنِ الجَدَّ بالإِخْوةِ من الأبِ، ثم ما حَصَلَ لهم أخَذَه ولدُ الأبَوَيْنِ. وقال ابن سُرَيْجٍ: يَحْتَمِلُ أنَّه بينهم على عَدَدِهم، ولا يُعادُّ ولدُ الأبَوَيْنِ الجَدَّ بولدِ الأبِ. ولَنا، أنَّه مِيراثٌ بين (٦) الْجَدِّ والإِخوةِ، فأشْبَه المِيراثَ بالنَّسَبِ، فإن كان مع الإِخْوةِ أخَواتٌ، لم يُعْتَدَّ بهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ لا يَرِثْنَ مُنْفَرِدات، فلا يُعْتَدُّ بهنَّ، كالإِخْوةِ من الأُمِّ، وإن انفردَ الإِخوةُ من الأبِ مع الْجَد، فحُكْمُهم حُكْمُ الإِخوةِ من الأبَوَيْنِ. فصل: وإن تَرَكَ جَدَّ مَوْلاه وعمَّ مَوْلاه، فهو للجَدِّ. وكذلك إن ترَك جَدَّ أبى مَوْلاه [وعَمَّ مَوْلاه، أو جَدَّ جَدِّ مَوْلاهُ وعَمَّ مَوْلاهُ، فهو لِلْجَدِّ] (٧). وبه يقولُ الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعىُّ، وأهلُ العراقِ. وقال الشَّافعىُّ: هو للعَمِّ وبَنِيه وإن سَفلُوا، دون جَدِّ الأبِ. وهو قياسُ قولَ مالكٍ. قال الشَّافعىُّ: ومَنْ جَعَلَ الجدَّ والأخَ سَواءً، فجَدُّ الأبِ والعَمِّ سَواءٌ، وهو أَوْلَى من ابنِ العَمِّ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "يَرِثُه أَوْلَى النَّاسِ بالمُعْتِقِ". والْجَدُّ أوْلَى بالمُعْتِقِ، بدليلِ أنَّه أوْلَى النَّاسِ بمالِه ووِلايتِه، ويُقَدَّمُ فى تَزْويجِه والصلاةِ عليه وغيرِ ذلك. والعَجبُ أَنَّ الشَّافعىَّ رحمةُ اللَّه عليه، نَزَّلَ الجدَّ أبًا فى وِلايةِ المالِ ووِلايةِ الإِجْبارِ على

стр. 4632

النِّكاحِ، ووَافَق غيرَه فى (٨) وُجوبِ الإِنْفاقِ عليه وعِتْقِه على ابنِ ابْنِه، وعِتْقِ ابنِ ابْنِه عليه، وانْتِفاءِ القصاصِ عنه بقَتْلِ ابنِ ابْنِه، والحَدِّ بقَذْفِه، وغيرِ ذلك من أحْكامِ الأبِ، ثم جَعَلَ أبْعَدَ العَصَباتِ أوْلَى منه بالوَلاءِ. ١٠٦٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا هَلَك رَجُلٌ عَنِ ابْنَيْنِ ومَوْلًى، فَمَاتَ أحَدُ الابْنَيْنِ بَعْدَهُ عَنِ ابْنِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى، فَالْوَلَاءُ لِابْنِ مُعْتِقِهِ؛ لأنَّ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ. وَلَوْ هَلَك الابْنَانِ بَعْدهُ وقَبْلَ الْمَوْلَى، وخَلَّفَ أحَدُهُمَا ابْنًا، والْآخَرُ تِسْعةً، كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهُ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال الإمامُ أحمدُ: رُوِىَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ. ورَوَى سعيدٌ (١)، ثنا هشيمٌ، ثنا أشْعَثُ بن سَوَّارٍ، عن الشَّعْبِىِّ، أَنَّ عمرَ، وعليًّا، وابنَ مسعودٍ، وزَيدًا، كانوا يَجْعلون الوَلاءَ للْكِبَرِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وأُسامةَ بن زيدٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، وسالمُ بن عبدِ اللَّه، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وابنُ قُسَيْطٍ (٢)، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وداودُ، كلُّهم قالوا: الولاءُ للكِبَرِ. وتَفسِيرُه أنَّه يَرِثُ المَوْلَى المُعْتَقَ من عَصَباتِ سَيِّده أقْرَبُهم إليه، وأوْلَاهم بمِيراثِه يومَ مَوْتِ (٣) العَبْدِ. قال ابنُ سِيرِينَ: إذا ماتَ الْمُعْتَقُ نُظِرَ إلى أقْرَبِ النَّاس إلى الذى أعْتَقَه، فيُجْعَلُ مِيراثُه له، وإذا مات السَّيِّدُ قَبْلَ مَوْلاه، لم يَنْتَقِلِ الوَلاءُ إلى عَصَبتِه؛ لأنَّ الوَلاءَ كالنَّسَبِ، لا يَنْتَقِلُ، ولا

стр. 4633

يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به، فهو باقٍ للمُعْتِقِ أبدًا، لا يزولُ عنه، بدليلِ قولِه ﵇: "إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٤). وقولِه: "الولاءُ لُحمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ" (٥). وإنَّما يَرِثُ عَصَبةُ السَّيِّدِ مالَ مَوْلاه بوَلاءِ مُعْتِقِه، لا نَفْس الوَلاءِ. ويتَّضِحُ معنى هذا القولِ بمَسْألَتَىِ الْخِرَقِىِّ اللَّتَيْن ذكَرَهُما (٦) ههُنا، وهما: إذا مات رجلٌ عن ابْنَيْنِ ومَوْلًى، فمات أحدُ الابْنَينِ بعدَه عن ابنٍ، ثم مات الْمَوْلَى، وَرِثَه ابنُ مُعْتقهِ دون ابنِ ابنِ مُعْتِقِه؛ لأنَّ ابنَ مُعْتِقِه (٧) أقربُ عَصَبةِ سَيِّدِه. ولو مات السيدُ، وخَلَّفَ ابْنَه وابنَ ابنهِ، لَكان مِيراثُه لابنِه، دون ابنِ ابنِه، فكذلك إذا مات الْمَوْلَى. والمسألةُ الأخرى، إذا هلَك الابْنانِ بعدَه، وقبلَ مَولْاه، وخلَّفَ أحدُهما ابنًا، والآخرُ تِسْعةً، ثم مات الْمَوْلَى، كان مِيراثُه بينهم على عَدَدِهم، لكلِّ واحدٍ فهم عُشْرُه؛ لأنَّ السَّيِّدَ لو مات كان ميراثُه بينهم كذلك، فكذلك ميراثُ مَوْلاه، ولو كان الولاءُ مَوْرُوثًا لَانْعَكَسَ الحُكْمُ فى المسْألتَيْنِ، فكان الميراثُ فى المسألةِ الأولى بين الابنِ وابنِ الابنِ؛ لأنَّ (٨) الابْنَيْنِ وَرِثَا الوَلاءَ عن أبِيهِما، ثم ما صار للابنِ الذى مات انتقلَ إلى ابنِه، فصار ميراثُ المَوْلَى بينَه وبين عَمِّه نِصْفَيْنِ. وفى المسألةِ الثانية يصيرُ لابْنِ الابنِ المُنْفَردِ نِصْفُ الولاءِ بمِيراثِه ذلك عن ابنِه، ولبنى الابنِ الآخَرِ النِّصْفُ بينهم على عَدَدِهم. وشَذَّ شُرَيْحٌ، فقال: الوَلاءُ بمَنْزِلةِ المالِ، يُورثُ عن الْمُعْتِقِ، فمن مَلَكَ شيئًا حَياتَه، فهو لِوَرَثَتِه. وقد حُكِىَ عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابن المُسَيَّبِ، نحوُ هذا. وروَى (٩) حَنْبَلٌ، ومحمدُ بن الحَكَمِ، عن أحمدَ نحوَه. وغَلّطهُما أبو بكرٍ فى رِوايتِهما، فإنَّ الجماعةَ روَوْا عن أحمدَ مثلَ قولِ الجمهورِ. قال أبو الحارثِ: سألتُ أبا عبدِ اللَّه عن الوَلاءِ لِلْكِبَرِ، فقال: كذا رُوِىَ عن عمرَ،

стр. 4634

وعثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابن مسعودٍ، أنَّهم قالوا: الولاءُ للكِبَرِ، إلى هذا القولِ أذْهَبُ. وتفسيرُ ذلك أن يُعْتِقَ الرجلُ عبدًا، ثم يموتَ ويُخَلِّفَ ابْنَيْنِ، فيموتَ أحدُ الابنينِ، ويُخَلِّفَ ابنًا، فولاءُ هذا العبدِ المُعْتَقِ لابنِ المُعْتِقِ، وليس لابنِ الابنِ شىءٌ مع الابنِ. وحُجَّةُ شُرَيْحٍ حديثُ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ الذى ذكرْناه (١٠)، والقياسُ على المالِ. وَلنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "المَوْلَى أخٌ فِى الدِّينِ، وَوَلِىُّ نِعْمَةٍ، وأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ (١١) أقْرَبُهم من المُعْتِقِ" (١٠). وقوله ﵇: "الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (١٢). وقوله: "الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ" (١٣). ولأنَّه من أسْبابِ التَّوارُثِ، فلم يُورَثْ، كالقَرابةِ والنِّكاحِ، ولأنَّه إجماعٌ من الصَّحابةِ لم يَظْهَرْ عنهم خلافُه فلا يجوزُ مُخَالَفَتُه، وحديثُ عمرِو بن شُعَيْبٍ قد غَلَّطَه العلماءُ فيه، ولم يَصِحَّ عن أحدٍ من الصَّحابةِ خلافُ هذا القولِ، وحَكاهُ الشَّعْبىُّ والأئمةُ عن عمرَ ومَنْ ذكرنا قولَهم، ولا يصِحُّ اعتبارُ الوَلاءِ بالمالِ؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، بدليلِ أنَّه لا يَرِثُ منه [ذَوُو الفُرُوضٍ] (١٤)؛ وإنَّما يُورَثُ به، فيُنْظَرُ أقْربُ الناسِ إلى سَيِّدِه من عَصَباتِه يوم مَوْتِ العبدِ والمُعْتِقِ، فيكونُ هو الوارثَ للمَوْلَى (١٥) دون غيرِه، كما أَنَّ السَّيِّدَ لو مات فى تلك الحالِ وَرِثَه وحدَه، فإذا خَلَّفَ ابْنَ مَوْلاه، وابنَ ابنِ مَوْلاه، فمالُه لِابْنِ مولاه. وإن خَلَّف ابنَ ابنِ مَوْلاه، وتِسْعةَ بَنِى ابنٍ آخَرَ لَمِوْلَاه، فمالُه بينهم على عَدَدِهم، لكلِّ واحدٍ عُشْرُهُ؛ لأنَّهم يَرِثُون جَدَّهُم كذلك. ولو خلَّف السَّيِّدُ ابْنَه وابنَ ابنِه، فمات ابنُه بعدَه عن ابنٍ، ثم مات عَتِيقُه، فمِيراثُه بين ابْنَى الابنِ نِصْفَيْنِ. وفى قول شُرَيحٍ، هو لابنِ الابنِ الذى كان حيًّا عندَ مَوْتِ ابْنِه. وإن مات السَّيِّدُ عن أخٍ من أبٍ وابنِ أخٍ من أُبَوَيْنِ، فمات الأخُ من الأبِ عن ابنٍ، ثم مات العَتِيقُ، فمالُه لابنِ الأَخِ من الأبوَينِ. وفى قولِ شُرَيحٍ، هو لابْنِ الأَخِ من الأبِ. وإن لم

стр. 4635

يُخَلِّفْ عَصَبةً من نَسَبِ مَوْلاه، فمالُه لِمَوْلَى مَوْلاه، ثم لأقْربِ عَصَباتِه، ثم لِمَوْلَى مَوْلاه، فإذا انْقَرضَ عَصَباتُه ومَوَالِى الْمَوَالِى وعَصَباتُهم، فمالُه لبيتِ المالِ. ١٠٦٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أعْتَقَ عَبْدًا، فَوَلَاؤُه لِابْنِهِ، وعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ) هذه المسألةُ محمولةٌ على أَنَّ المُعْتِقَ لم يُخَلِّفْ عَصَبةً من نَسَبِه، ولا وارثًا منهمْ، إذ لو خَلَّفَ وارِثًا من نَسَبِه أو عَصَبتِه، كانوا أحَقَّ بمِيراثه وعَقْلِه من عَصَباتِ مَوْلاه ووَلدِه، فليس فى ذلك إشكالٌ. وإذا لم يُخَلِّفْ إلَّا ابنَ مَوْلاه وعَصَبةَ مَوْلاه، فمالُه لابنِ مَوْلاه؛ لأنَّه أقْربُ عَصَباتِ المُعْتِقِ، وعَقْلُه إن جَنَى جِنَايةً على عَصَبةِ مَوْلاه إن كان المُعْتِقُ امرأةً؛ لما رَوَى إبراهيمُ قال: اخْتَصمَ علىٌّ والزُّبَيْرُ فى مَوْلَى صَفِيَّةَ فقال علىٌّ: مولى عَمّتِى وأنا أعْقِلُ عنه، وقال الزبيرُ: مَوْلَى أُمِّى وأنا أرِثُه. فقضَى عمرُ للزُّبَيْرِ بالمِيراثِ، وقضَى على علىٍّ بالعَقْلِ. ذكر هذا الإِمامُ أحمدُ، ورواه سعيدٌ فى "السُّنَنِ" (١) وغيرُه، وهى قَضِيَّةٌ مَشْهورة، وعن الشَّعْبِىِّ قال: قَضَى بِوَلَاءِ (٢) صَفِيَّةَ لِلزُّبَيْرِ دُونَ الْعَبَّاسِ، وقَضَى بِوَلَاءِ أُمِّ هَانِئ لِجَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ دون علىٍّ (١). ولا يمتنعُ كَوْنُ العَقْلِ على العَصَبةِ والميراثِ لغيرِهم (٣)، كما قَضَى النَّبِىُّ ﷺ بميراثِ التى قُتِلَتْ هى وجَنِينُها لبَنِيها، وعَقْلِها على العَصَبةِ (٤). وقد رَوَى زيادُ بن أبى مَرْيمَ، أَنَّ امرأةً أعْتَقَتْ عبدًا لها، ثم تُوُفِّيَتْ وتركتْ ابْنًا لها وأخاها، ثم تُوُفِّىَ مَوْلاهما من بعدِها، فأتَى أخو المرأةِ وابنُها رسولَ اللَّه ﷺ فى مِيراثِه، فقال ﵇: "مِيرَاثُه لِابْنِ الْمَرْأةِ". فقال أخوها: لو جَرَّ (٥) جَرِيرةً كانتْ

стр. 4636

علىَّ، ويكونُ ميِراثُه لهذا! قال: "نَعَمْ" (٦). وإنَّما حَمَلْنا مسأَلَة الْخِرَقِىِّ على ما إذا كان المُعْتِقُ امرأةً؛ لأنَّ الأخْبارَ التى رَوَيْناها إنَّما وَرَدَتْ فيها، ولأنَّ المرأةَ لا تَعْقِلُ، وابنُها ليس من عَشِيرَتِها، فلا تَعْقِلُ عن مُعْتقِها، وعَقَل عنها عَصَباتُها (٧) من عَشِيرَتِها. أمَّا الرجلُ المُعْتِقُ، فإنَّه يَعْقِلُ عن مُعْتَقِه؛ لأنَّه عَصَبةٌ من أهلِ العقلِ، ويَعْقِلُ ابنُه وأبوه؛ لأنَّهما من عَصَباتِه وعَشِيرَتِه، فلا يُلْحَقُ ابنُه فى نَفْىِ العقلِ عنه بابنِ المرأةِ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: فإن كان المولى حيًّا، وهو رجلٌ عاقلٌ مُوسِرٌ، فعليه من العَقْلِ وله الميراثُ؛ لأنَّه عَصَبةُ مُعْتِقِه، وإن كان صَبيًّا أو امرأةً أو مَعْتُوهًا، فالعقلُ على عَصَباتِه، والميراثُ له؛ لأنَّه ليس من أهلِ العَقْلِ، فأشْبَهَ ما لو جَنَوْا جِنايةً خَطَأً، كان العَقْلُ على عَصبَاتِهم، ولو جُنِىَ عليهم كان الأَرْشُ لهم. فصل: ولا يَرِثُ الْمَولى من أسْفَلَ مُعْتِقَهُ. فى قول عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن شُرَيحٍ، وطاوسٍ، أنَّه ما وَرَّثَاه؛ لما رَوَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عَوْسَجَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّىَ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وليس له وارثٌ إلَّا غلامٌ له هو أعْتَقَه، فأعْطاهُ رسولُ اللَّه ﷺ ميراثَه. قال التِّرْمِذِىُّ (٨): هذا حديثٌ حسنٌ. ورُوِىَ عن عمرَ نحوُ هذا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٩). ولأنَّه لم يُنْعِمْ عليه، فلم يَرِثْه، كالأجْنَبِىِّ، وإعْطاءُ النَّبِىِّ ﷺ له قَضِيّةٌ فى عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ وارثًا بجِهَةٍ غيرِ الإِعْتاقِ، وتكونُ فائدةُ الحديثِ أَنَّ إعْتاقَه له لم يَمْنَعْه مِيرَاثَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أعْطاهُ صِلَةً (١٠) وتَفَضُّلًا. إذا ثَبَتَ أنَّه لا يَرِثُه فلا يَعْقِلُ عنه. وقال الشافعىُّ فى القديمِ: يَعْقِلُ عنه؛ لأنَّه سَيِّدُهُ أَنْعَمَ عليه، فجاز أَنْ يَغْرَمَ عنه. ولَنا، أَنَّ العقلَ على العَصَباتِ، وليس هذا منهم. وما ذكرَه لا أصلَ له، ويَنْعَكِسُ

стр. 4637

كسائرِ العاقِلةِ، فإنَّه لم يُنْعِمْ عليه ويَعْقِلُون عنه، ويَنْتَقِضُ بما إذا قَضَى إنسانٌ دَيْنَ آخرَ، فقد غَرمَ عنه، ولا يَعْقِلُ عنه (١١). فصل: فإنَّ أسْلَمَ الرجلُ على يَدَىِ الرَّجُلِ، لم يَرِثْه بذلك. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، منهم الحسنُ، والشَّعْبىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَرِثُه. وهو قولُ إسحاقَ. وحُكِىَ عن إبراهيمَ أَنَّ له وَلاءَه ويَعْقِلُ عنه. وعن ابن المُسَيَّبِ: إن عَقَلَ عنه وَرِثَهُ، وإن لم يَعْقِلْ عنه لم يَرِثْه. وعن عمرَ ابن الخطَّابِ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنْهُمَا، أنَّه يَرِثُه وإن لم يُوالِه؛ لما رَوَى راشدُ بن سعدٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ، فَهُوَ مَوْلَاهُ، يَرِثُهُ وَيِدى عَنْهُ". روَاه سعيدٌ (١٢)، وقال أيضًا (١٢): حدَّثنا عيسى بن يُونُسَ، ثنا معاويةُ ابن يحيى الصَّدَفىُّ، عن القاسمِ الشّامِىِّ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجلٌ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ". وروَى (١٣) بإسْناده عن تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّه، ما السنةُ فى الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يَدَىِ الرجلِ من المسلمين؟ فقال: "هُوَ أوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ ومَمَاتِهِ". رواه أبو داود والترمذىُّ (١٤)، وقال: لا أظُنُّه مُتَّصِلًا. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : "إنَّمَا الْوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ" (١٥). ولأنَّ أسبابَ التَّوارُثِ

стр. 4638

غيرُ مَوْجودةٍ فيه، وحَدِيثُ راشدٍ مُرْسَلٌ، وحديثُ [أبى أُمامةَ فيه معاويةُ] (١٦) بن يحيى الصَّدَفىُّ، وهو ضعيفٌ، وحديثُ تَمِيمٍ تكَلَّم التِّرمِذِىُّ فيه. فصل: وإن عاقَدَ رجلٌ رجلًا، فقال: عاقَدْتُكَ على أن تَرِثَنى وأَرِثُكَ، وتَعْقِلَ عنِّى وأعْقِلَ عنك. فلا حُكْمَ لهذا العَقْدِ، ولا يتعَلَّقُ به إرْثٌ ولا عَقْلٌ. وبه قال الشَّافعىُّ. وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: هو عَقْدٌ صحيحٌ، ولكلِّ واحدٍ منهما أن يَرْجِعَ عنه (١٧)، ما لم يعقلْ واحدٌ عن الآخَرِ، فإذا عَقَلَ عنه، لَزِمَ، ويَرِثُه إذا لم يُخلِّفْ ذا رَحِمٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١٨). ولأنَّ هذا كالوَصِيَّةِ، ووَصِيَّةُ الذى لا وارثَ له بجميعِ مالِه جائزةٌ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". ولأنَّ أسْبابَ التَّوارُثِ مَحْصُورةٌ فى رَحِمٍ ونكاحٍ ووَلاءٍ، ليس هذا منها، والآية مَنْسُوخةٌ بآيةِ المِيراثِ، ولذلك لا يَرِثُ مع ذى رَحِمٍ شيئًا. قال الحسنُ: نَسَخَتْها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١٩). وقال مجاهدٌ: فآتُوهُم نَصيبَهم من العَقْلِ والنُّصرة والرِّفَادةِ. وليس هذا بوَصِيَّةٍ (٢٠)؛ لأنَّ الوَصِىَّ لا يَعْقِلُ، فله الرُّجُوعُ، وهذا عندَهم بخِلافِه. فصل: واللَّقِيطُ حُرٌّ لا وَلاءَ عليه. فى قولِ الجُمهور، وفُقَهاءِ الأمْصارِ. ورُوِىَ عن عمرَ، أَنَّ وَلاءَه لمُلْتَقِطِه. وبه قال الليثُ، وإسحاقُ. وعن إبراهيمَ: إن نَوَى أن يَرِثَ منه فذلك. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ : "الْمَرْأةُ تَحُوزُ (٢١) ثَلَاثةَ مَوارِيثَ؛ لَقِيطَها، وعَتِيقَها، ووَلَدَها الَّذِى لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (٢٢). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". ولأنَّه ليس بقَرابةٍ ولا عَتِيقٍ ولا ذى نكاحٍ، فلا يَرِثُ كالأجْنَبِىِّ، والحديثُ فيه كلامٌ.

стр. 4639

كتاب الوَدِيعَة والأصْلُ فيها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ رسولِ اللَّه ﷺ : "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (٣). ورُوِىَ عنه ﵇، أنَّه كانتْ عندَه وَدائعُ، فلمَّا أراد الهِجْرةَ أوْدَعها عندَ أُمِّ أَيْمَنَ، وأَمَرَ عَلِيًّا أن يَرُدَّها على أهْلِها (٤). وأمَّا الإِجْماعُ، فأجْمَعَ علماءُ كلِّ عصرٍ على جَوازِ الإيداعِ والاسْتِيداعِ، والعِبْرَةُ تَقْتَصيها، فإنَّ بالناس إليها حاجةً، فإنَّه يَتَعذَّرُ على جَمِيعِهم حِفْظُ أَمْوالِهِم بأنْفُسِهم، ويحْتاجون إلى من يَحْفَظُه (٥) لهم. والوديعةُ فَعِيلةٌ، من وَدَعَ الشىءَ: إذا تَرَكه، أى هى مَتْرُوكةٌ عند المُودَعِ. واشتقاقُها من السُّكونِ. يُقالُ (٦): وَدَعَ، يَدَعُ. فكأنَّها ساكنةٌ عند المُودَعِ مُسْتَقِرَّةٌ. وقيل: هى مُشْتَقَّةٌ من الخَفْضِ والدَّعَةِ، فكأنها فى دَعَةٍ عند المُودَعِ. وقبُولُها مُسْتَحَبٌّ لمن يَعْلَمُ من نفسِه الأمانةَ؛ لأنَّ فيه قَضاءَ حاجةِ أخِيه المُؤْمِن ومُعَاوَنَتَه. وهى عَقْدٌ جائزٌ من الطَّرَفَيْنِ، متى أراد المُودِعُ أخْذَ وَدِيعَتِه لَزِمَ المُسْتَودَعَ رَدُّها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فإن أراد

стр. 4640

المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها (٧)؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها (٨)؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ. ١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ) وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه (١). قال القاضى: والأُولَى (٢) أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" (٣). ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه (٤) فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى

стр. 4641

المُسْتَودَعُ فيها، أو فَرَّط فى حِفْظِها، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها (٥)، بغير خِلَافٍ نعْلَمُه؛ لأنَّه مُتْلِفٌ لمالِ غيرِه، فضَمِنَه، كما لو أَتْلَفَه من غير اسْتِيداعٍ. فصل: إذا شَرَطَ رَبُّ الوَدِيعةِ على المُسْتَودَعِ ضَمانَ الوَدِيعةِ، فقَبِلَه أو قال: أنا ضامِنٌ لها. لم يَضْمَنْ. قال أحمدُ فى المُودَعِ: إذا قال: أنا ضامِنٌ لها (٦). فسُرِقَتْ، فلا شىءَ عليه. وكذلك كلُّ ما أصْلُه الأمانةُ، كالمُضَاربَةِ، ومالِ الشَّركِةِ، والرَّهْنِ، والوَكَالةِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لأنَّه شَرْطُ ضمانِ ما لم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَطَ ضَمانَ مَا يَتْلَفُ فى يَدِ مالِكِه. ١٠٦٧ - مسألة؛ قال: (فَإنْ خلَطَها بِمَالِهِ، وَهِىَ لَا تَتَمَيَّزُ، أوْ لَمْ يَحْفَظْهَا كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ، أوْ أوْدَعَهَا غَيْرَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ) فى هذه المسألةِ ثلاثُ مسائلَ؛ إحْداهنَّ، أَنَّ المُسْتَوْدَعَ إذا خَلَطَ الوَدِيعةَ بما لا (١) تتَمَيَّزْ منه من مالِه أو مالِ غيرِه، ضَمِنَها، سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها، أو دُونَها، أو أجْودَ من جِنْسِها أو من (٢) غَيرِ جِنْسِها، مثل أن يَخْلِطَ دَرَاهِمَ بدَراهِمَ، أو دُهْنًا بدُهْنٍ، كالزَّيتِ بالزيتِ، أو السَّمْنِ، أو بغيرِه. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ القاسمِ: إن خَلَطَ دَرَاهِمَ بدراهمَ على وَجْهِ الحِرْزِ، لم يَضْمَنْ. وحُكِىَ عن مالكٍ، لا يَضْمنُ إلَّا أَن يكونَ دُونَها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّها إلَّا ناقِصةً. ولَنا، أنَّه خَلَطَها بمالِه خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ منه (٣)، فوَجَبَ أن يَضْمَنَها، كما لو خَلَطها بدونها، ولأنَّه إذا خَلَطَها بما لا يتَمَيَّزُ، فقد فَوَّتَ على نفسِه إمْكانَ رَدِّها، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو ألْقاها فى لُجّةِ بَحْرٍ.

стр. 4642

وإن أَمَرَه صاحِبُها بخَلْطِها بمالِه أو بغيرِه، ففَعَلَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه فَعَلَ ما أُمِرَ به، فكان نائِبًا عن المالِكِ فيه. وقد نَقَلَ مُهنَّا عن أحمدَ، فى رَجُلٍ اسْتُودِعَ عشرةَ دَرَاهِمَ، واسْتَوْدَعه آخرُ عشرةً، وأَمَرَاه أن يَخْلِطَها، فخَلَطَها، فضاعت الدَّراهمُ، فلا شىءَ عليه. فإن أَمَرَه أحدُهما بخَلْطِ دَرَاهِمِه، ولم يَأْمُرْه الآخرُ، فعليه ضمانُ دَرَاهِم مَنْ لم يَأْمُرْه دُون الأُخْرَى. وان اخْتَلَطَتْ هى بغيرِ تَفْريطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها لو تَلِفَتْ بذلك لم يَضْمَنْ (٤)، فخَلْطها أَوْلَى. وإن خَلَطَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن خَلَطَها؛ لأنَّ العُدْوانَ منه، فالضَمانُ عليه، كما لو أَتْلَفها. المسألة الثانية، إذا لم يَحْفَظْها كما يَحْفظُ مالَه، وهو أن يُحْرِزَها بحِرْزِ مثلِها، فإنَّه يَضْمَنُها. وحِرْزُ مثلِها يُذْكَرُ فى بابِ القَطْعِ فى السَّرِقةِ. وهذا إذا لم يُعَيِّنْ له المُودِعُ ما يَحْفَظُها فيه، فإن عَيَّنَ له لَزِمَه (٥) حِفْظُها فيما أَمَرَه به، سَواءٌ كان حِرْزَ مثلِها أو لم يَكُنْ. وإن أحْرَزَها بمثلِه أو أعْلَى منه، لم يَضْمَنْها. ويَتَخرَّجُ أن يَضْمَنَها إذا فَعَلَ ذلك من غيرِ حاجةٍ. المسألة الثالثة، إذا أوْدَعها غيرَه. ولها صُورتانِ؛ إحداهما، أن يُودِعَها غيرَه لغيرِ عُذْرٍ، فعليه الضَّمانُ. بغيرِ خِلافٍ فى المَذْهبِ. وهو قولُ شُرَيحٍ، ومالِكٍ، والشَّافعىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابِه، وإسْحاقَ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ عليه حِفْظَها وإحْرازَها، وقد أحْرَزَها عندَ غيرِه وحَفِظَها به، ولأنَّه يَحْفَظُ مالَه بإيداعِه، فإذا أَوْدَعَها فقد حَفِظَها بما يَحْفَظُ به مالَه، فلم يَضْمَنْها، كما لو [حَفِظَها فى حِرْزِه. ولَنا، أنَّه خالفَ المُودِعَ فضَمِنَها. كما لو نَهَاه عن إيداعِها. وهذا صحيحٌ؛ فإنَّه أَمَرَه بحِفْظِها بنَفْسِه] (٦)، ولم يَرْضَ لها غيرَه. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ له تَضْمِينَ الأوَّلِ، وليس للأوَّلِ الرُّجوعُ على الثانى؛ لأنَّه دَخَلَ معه فى العَقْدِ على أنَّه أمِينٌ له لا ضَمانَ عليه. وإن أحَبَّ المالكُ تَضْمِينَ الثانى، فذَكَرَ القاضى أنَّهُ ليس له تَضْمِينُه، فى ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه ذَكَرَ

стр. 4643

الضَّمانَ على الأوَّلِ فقط. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه قَبَضَ قَبْضًا مُوجِبًا للضَّمانِ على الأوَّلِ، فلم يُوجِبْ ضَمانًا آخَرَ، وفارَقَ القَبْضَ من الغاصِبِ؛ فإنَّه لم يُوجِبِ الضَّمانَ على الغاصبِ، إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ بالغَصْبِ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ له تَضْمِينَ الثانى أيضًا؛ لأنَّه قَبَضَ مالَ غيرِه على وَجْهٍ لم يكُنْ له قَبْضُه، ولم يَأْذَنْ له مالِكُه، فيَضْمَنُه (٧)، كالقابضِ من الغاصِبِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىُّ. وذِكْرُ أحمدَ (٨) الضَّمانَ على الأوَّلِ لا يَنْفِى الضمانَ عن الثانى، كما أَنَّ الضَّمانَ يَلْزمُ الغاصِبَ، ولا يَنْفِى وُجُوبَه على القابِضِ منه. فعلَى هذا يسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأَوَّلِ، فإن ضَمَّنَه لم يَرْجِعْ على أحدٍ، وإن ضَمَّنَ الثانى رجَع (٩) على الأوَّلِ. وهذا القولُ أشْبَهُ بالصَّوابِ، وما ذكَرْنا للقولِ الأَوَّلِ لا أصْلَ له، ثمَّ هو مُنْتَقِضٌ بما إذا دَفَعَ الوَدِيعةَ إلى إنسانٍ عارِيَّةً، أو هِبةً، أو وَدِيعةً لِنَفْسِه، فأمَّا إن دَفَعَ الوَديعةَ إلى مَنْ جَرَتْ عادَتُه [بحِفْظِ مالِه] (١٠) من أهلِه، كامْرأتِه وغُلامِه، لم يَضْمَنْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: يَضْمَنُ؛ لأنَّه سَلَّمَ الوَدِيعةَ إلى مَنْ لم يَرْضَ به صاحِبُها، فضَمِنَها. كما لو سَلَّمها إلى أجْنَبِىٍّ. ولَنا، أَنَّه حَفِظَها بما يَحْفَظُ به مالَه، فأشْبَهَ ما لو حَفِظَها بنَفْسِه، وكما لو دَفَعَ الماشِيةَ إلى الراعِى، أو دَفَعَ البَهِيمةَ إلى غُلامِه لِيَسْقِيَها، ويُفارِقُ الأجْبَنِىَّ، فإنَّ دَفْعَها إليه لا يُعَدُّ حِفْظًا منه. الصُّورة الثانية، إذا كان له عُذْرٌ، مثل إن أرادَ سَفَرًا، أو خاف عليها عندَ نَفْسِه من حَرْقٍ أو غَرَقٍ أو غيرِه، فهذا إن قَدَرَ على رَدِّها على صاحِبِها أو وَكِيلِه فى قَبْضِها، لم يَجُزْ له دَفْعُها إلى غيرِه، فإن فَعَلَ ضَمِنَها؛ لأنَّه دَفَعَها إلى غيرِ مالِكِها بغيرِ إذْنِه (١١) من غيرِ عُذْرٍ، فضَمِنَها، كما لو أوْدَعها فى الصُّورةِ الأُولَى. وإن لم يَقْدِرْ على صاحِبها ولا وَكِيلِه، فله دَفْعُها إلى الحَاكمِ، سَواءٌ كان به ضَرُورةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يَكُنْ؛ لأَنَّه مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه

стр. 4644

اسْتِدامَتُه، والحاكُم يقومُ مَقامَ صاحِبِها عند غَيْبَتِه. وإن أوْدَعها مع قُدْرَتِه على الحاكمِ، ضَمِنَها؛ لأنَّ غيرَ الحاكِمِ لا وِلايةَ له. ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ له إيداعُها؛ لأنَّه قد يكونُ أَحْفَظَ لها وأحَبَّ إلى صاحِبِها. وإن لم يَقْدِرْ على الحاكمِ، فأوْدَعَها ثِقَةً، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ. وذكرَ القاضى أَنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّه يَضْمَنُها، ثمَّ تَأَوَّلَ كلامَه على أنَّه أوْدَعها من غيرِ حاجةٍ، أو مع قُدْرَتِه على الحاكمِ. وإن دَفَنَها فى مَوْضِعٍ، وأَعْلَمَ بها ثِقَةً يَدُهُ على المَوْضِعِ، وكانت ممَّا لا يَضُرُّها الدَّفْنُ، فهو كإيداعِها عندَه، وإن لم يُعْلِمْ بها أحدًا، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فى حِفْظِها، فإنَّه (١٢) لا يَأْمَنُ أن يَمُوتَ فى سَفَرِه، فلا تَصِلُ إلى صاحِبها، وربَّما نَسِىَ مكانَها، أو أصابَه آفَةٌ من هَدْمٍ أو حَرْقٍ أو غَرَقٍ، فتَضِيعُ. وإن أعْلَمَ بها غيرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه ربما أخَذَها. وإن أعْلَمَ بها ثِقَةً لا يَدَ له على المكانِ، فقد فَرَّطَ، لأنَّه لم يُودِعْها إيَّاهُ (١٣)، ولا يَقْدِرُ على الاحْتِفاظِ بها. فصل: وإن أراد السَّفَرَ بها وقد نَهَاهُ المالِكُ عن ذلك، ضَمِنَها؛ لأنَّه مخالِفٌ لصاحِبِها، وإن لم يكُنْ نَهَاه، لكنَّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أو البلدَ الذى يُسافِرُ إليه مَخُوفٌ، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فى حِفْظِها. وإن لم يكُنْ كذلك، فله السَّفَرُ بها. نَصَّ عليه أحمدُ، سَواءٌ كان به ضَرُورَةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يكُنْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ: إن سافَرَ بها مع القُدْرةِ على صاحِبها، أو وَكِيلِه، أو الحاكمِ، أو أمينٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه سافَر (١٤) بها من غيرِ ضَرُورةٍ، أشْبَهَ ما لو كان السَّفَرُ مَخُوفًا. ولَنا، أنَّه نَقَلَها إلى مَوْضعٍ مأمونٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو نَقَلَها فى البلدِ، ولأنَّه سافَرَ بها سَفَرًا غير مَخُوفٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَجِدْ أَحَدًا يترُكُها عنده. ويَقْوَى عندِى أنَّه متى سافَرَ بها مع القُدْرةِ على مالِكِها، أو نائِبِه بغير إذْنِه، فهوْ مُفَرِّطٌ عليه الضمانُ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على صاحِبِها إمْكانَ اسْتِرْجاعِها، ويُخاطِرُ بها، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّ المُسافِرَ وَمَالَه لَعَلَى قَلَتٍ، إلَّا مَا

стр. 4645

وَقَى اللَّهُ" (١٥). أى على هَلاكٍ. ولا يَلْزَمُ من الإِذْنِ فى إمْساكِها على وَجْهٍ لا يَضْمَنُ هذا الخَطَرَ، ولا يُفَوِّتُ إمكانَ رَدِّها على صاحِبها، الإذْنُ فيما يَتَضَمَّنُ ذلك، فأمَّا مع غَيْبةِ المالِكِ (١٦) ووَكِيلِه، فله السَّفَرُ بها إذا كان أحْفَظَ لها؛ لأنَّه [مَوْضِعُ حاجَةٍ] (١٧) فيختارُ فِعْلَ ما فيه الحَظُّ. فصل: وإن حَضَرَه الموتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى من أحْكامِه، إلَّا فى أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِ الوَدِيعةِ عن يَدِه. ١٠٦٨ - مسألة؛ قال: (وإِنْ كَانَتْ غَلَّةٌ فخلَطَها فِى صِحَاحٍ، أو صِحَاحًا فَخلَطَهَا فِى غَلَّةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) يعنى بالغَلَّةِ المُكَسَّرةَ إذا خَلَطَها بصحاحٍ من مالِه، أو خَلَطَ الصحاحَ بالمُكَسَّرةِ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّها تَتَميَّزُ منها فلا يَعْجِزُ بذلك عن رَدِّها على صاحِبها، فلم يَضْمَنْها، كما لو تَرَكَها فى صندوقٍ فيه (١) أكياسٌ له. وبهذا قال الشَّافعىُّ، ومالكٌ، ولا نَعْلَمُ فيه اختلافًا. وكذلك الحكمُ إذا خَلَطَ دَرَاهِمَ بدَنانِيرَ، أو بيضًا (٢) بسُودٍ. وقد حُكِىَ عن أحمدَ، فى مَن خَلَطَ دَرَاهِمَ بيضًا بِسُودٍ: يَضْمَنُها. ولعَلَّه قال ذلك لكَوْنِها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، أو يتغيَّرُ لونُها، فتَنْقُصُ قِيمَتُها، فإن لم يكُنْ فيها ضَرَرٌ، فلا ضَمانَ عليه. واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 4646

١٠٦٩ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَها فِى مَنْزِلٍ، فَأخْرَجَهَا عَنِ الْمَنْزلِ، لِغشَيانِ نَارٍ، أو سَيْلٍ، أو شَىْءٍ الْغالِبُ مِنْهُ التَّوَى (١)، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْه) وجملةُ ذلك أَنَّ رَبَّ الوَدِيعةِ إذا أمَرَ المُسْتَوْدَعَ بحِفْظِها فى مكانٍ عَيَّنَه، فحَفِظَها (٢) فيه، ولم يَخْشَ عليها، فلا ضَمانَ عليه. بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ لأمْرِه، غيرُ مُفَرِّطٍ فى مالِه. وإن خاف عليها سَيْلًا أو تَوًى (٣)، يعنى هلاكًا، فأخْرَجَها منه إلى حِرْزِها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ عليه. بغير خلافٍ أيضًا؛ لأنَّ نَقْلَها فى هذه الحالِ تَعَيَّنَ حِفْظًا لها، وهو مأمورٌ بحِفْظِها. وإن تَرَكها مع الخَوْفِ فتَلِفَتْ، ضَمِنَها سواء تَلِفَتْ بالأمرِ المَخُوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فَرَّطَ فى حِفْظِها؛ لأنَّ حِفْظَها نَقْلُها، وَتَرْكُها تَضْيِيعٌ لها. وإن لم يَخَفْ عليها فنَقَلَها عن الحِرْزِ إلى دُونِه، ضَمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه فى الحِفْظِ المأْمُورِ به. وإن نَقَلَها إلى دُونِه عند الخَوْفِ عليها، نَظَرْنا؛ فإن أمْكَنَه إحْرازُها بمثْلِه، أو أعْلَى منه، ضَمِنَها أيضًا؛ لتَفْرِيطِه، وإن لم يُمْكِنْه إحرازُها إلَّا بما دُونَه، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ إحْرازَها بذلك أحْفَظُ لها من تَرْكِها (٤)، وليس فى وُسْعِه سِوَاه. وإن نَقَلَها إلى مثل ذلك الحِرْزِ لغيرِ عُذْرٍ، فقال القاضى: لا يَضْمَنُها. وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ تَقْيِيدَه (٥) بهذا الحِرْزِ يَقْتَضِى ما هو مثلُه، كمَن اكْتَرَى أَرْضًا لزَرْعِ حنْطةٍ، فله زَرْعُها وزَرْعُ مثلِها فى الضَّرَرِ. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ لُزُومَ الضَّمَانِ؛ لأنَّ الأمْرَ بشىءٍ يقتَضِى تَعْيِينَه، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بدَلِيلٍ. وإن نَقَلَها إلى أحْرزَ منه كان حُكْمُه (٦) حُكْمَ ما لو أخْرَجَها إلى مثلِه. فإن نَهَاه عن إخْراجِها من ذلك المكانِ، فالحُكْمُ فيه كما لو أَمَرَه بتَرْكِها فيه ولم يَنْهَه

стр. 4647

عن إخْراجِها منه، إلَّا فى (٧) أنَّه إذا خافَ عليها فلم يُخْرِجْها حتَّى تَلِفَتْ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يَضْمَنُ؛ لما ذكَرْنا فى التى قبلَها. والثانى، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ لقولِ صاحِبِها. وفى أنَّهُ إذا أخرَجها لغيرِ عُذْرٍ ضَمِنَها، سواءٌ أخْرَجها إلى مثلِه أو دُونَه أو فَوْقَه؛ لأنَّه خالَفَ صاحِبَها لغيرِ فائدةٍ. وهذا ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن نَهَاه عن نَقْلِها من بيتٍ، فنَقَلها إلى بيتٍ آخرَ من الدارِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ البَيْتَيْنِ من دارٍ واحدةٍ حرْزٌ واحدٌ، وطريقُ أحدِهما طَرِيقُ الآخَرِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَلها من زاوِيَةٍ إلى زاويةٍ. وإن نَقَلَها من دارٍ إلى دار أُخْرَى، ضَمِنَ. ولَنا، أنَّه خالفَ أمْرَ صاحِبِها بما لا مَصْلحةَ فيه، فيَضْمَنُ، كما لو نَقَلَها من دارٍ إلى دارٍ. وليس ما فَرَّقَ به صحيحًا؛ لأنَّ بُيُوتَ الدارِ تَخْتَلِفُ، فمنها ما هو أقربُ إلى الطريقِ، أو إلى موضعِ الوَقُودِ، أو إلى الانْهِدَامِ، أو أسْهَلُ فَتْحًا، أو بابُه أسْهَلُ كَسْرًا، أو أضعَفُ حائِطًا، وأسْهلُ (٨) نَقْبًا، أو لكَوْنِ المالكِ يَسْكُنُ به، أو يَسْكُنُ فى غيرِه، وأشْباه هذا ممَّا يُؤثِّرُ فى الحِفْظِ أو فى عَدَمِه، فلا يجوزُ تَفْوِيتُ غَرَض رَبِّ الوَديعةِ من تَعْيِينِه من غير ضرورةٍ. وإن خاف عليها فى مَوْضِعِها، فعليه نَقْلُها، فإن تَرَكَها فتَلِفَتْ ضَمِنَها؛ لأنَّ نَهْىَ صاحِبِها عن إخْراجِها إنَّما كان لحِفْظِها، وحِفْظُها ههُنا فى إخْراجِها، فأشْبَهَ ما لو لم (٩) يَنْهَهُ عنْ إخْراجِها. فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأَخْرَجَها منْ غير خَوْفٍ ضَمِنَها، وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها فتَلِفَتْ (١٠)، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ نَهْيَه مع خَوْفِ الهلاكِ نَصٌّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأْذُونًا فى تَرْكِها فى تلك الحال، فلم يَضْمَنْها؛ لِامْتثالِه أمْرَ صاحِبِها، كما لو قال له: أَتْلِفْها. فأتْلَفَها. ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجها؛ لأنَّه زِيادَةُ خيرٍ وحِفْظٍ، فلم يَضْمَنْ به، كما لو قال له: أتْلِفْها. فلم يُتْلِفْها حتَّى تَلِفَتْ.

стр. 4648

فصل: وإن أوْدَعه وَدِيعةً، ولم يُعَيَّنْ له موضعَ إحْرازِها، فإنَّ المُودَعَ يَحْفَظُها فى حِرْزِ مثلِها أيَّ مَوْضِعٍ شاءَ. فإنَّ وَضَعَها فى حِرْزٍ، ثمَّ نَقَلَها عنه إلى حِرْزِ مثلِها، لم يَضْمَنْها، سَواءٌ نَقَلها إلى مثلِ الأَوَّلِ أو دُونَه؛ لأنَّ رَبَّها رَدَّ حِفْظَها إلى رَأْيِه واجْتِهادِه، وأذِنَ له فى إحرازِها بما شاء من احْرازِ مثلِها، ولهذا لو تَرَكَها فى هذا الثانى أولًا لم يَضْمَنْها، فكذلك إذا نَقَلَها إليه. ولو كانت العَيْنُ فى بيتِ صاحِبِها فقال (١١) لرجلٍ: احْفَظْهَا فى موضِعِها. فنَقَلَها عنه من غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه ليس بمُودَعٍ، إنَّما هو وكيلٌ فى حِفْظِها، وليس له إخْراجُها من مِلْكِ صاحِبِها، ولا من مَوْضِعٍ اسْتأجَرَه لها، إلَّا أن يخافَ عليها، فعليه إخْراجُها؛ لأنَّه مأمورٌ بحِفْظِها، وقد تعَيَّن حِفْظُها فى إخراجِها، ويَعْلَمُ أَنَّ صاحِبَها لو حَضَرَ فى هذه الأحوالِ لأخْرَجَها، ولأنَّه مأْمورٌ بحِفْظِها على صفةٍ، فإذا تَعَذَّرَت الصِّفَةُ، لَزِمَه حِفْظُها بدُونِها، كالمُسْتَودَعِ اذا خاف عليها. فصل: إذا أخْرَجَ الوديعةَ المَنْهِىَّ عن إخْراجِها، فتَلِفَتْ، وادَّعَى أنَّه أخْرَجَها لغَشَيانِ نارٍ، أو سيلٍ، أو شىءٍ ظاهرٍ، فأنْكَرَ صاحِبُها وُجُودَه، فعلى المُسْتَوْدَعِ البينةُ أنَّهُ كان فى ذلك المَوْضعِ ما ادَّعاه؛ لأنَّ هذا ممَّا لا تَتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنَة عليه؛ لأنَّه أمرٌ ظاهرٌ. فإذا ثَبَتَ ذلك، كان القولُ قولَه فى التَّلَفِ مع يَمينِه، ولا يَحْتاجُ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنَّه تتعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنَةِ، فلم يُطَالَبْ بها، كما لو ادَّعَى التَّلَفَ بأمْرٍ خَفِىٍّ، وهذا قولُ الشَّافعىِّ. والحكمُ فى إخراجِها من الخَرِيطةِ والصُّنُدوقِ، حكمُ إخراجِها من البيتِ، على ما مَضَى من التَّفْصِيلِ فيه. فصل: ولو أَمَرَه أن يَجْعَلَها فى منزِلِه، فترَكَها فى ثِيابِه، وخَرَج بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ البيتَ أحْرَزُ لها. وإن جاءَه بها فى السُّوقِ، فقال: احْفَظْها فى بيتِكَ. فقام بها فى الحالِ، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ عليه. وإن تَرَكها فى دُكَّانِه أو ثِيابِه، ولم يَحْمِلْها إلى بيتِه مع إمكانِه، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّ بيتَه أحْرَزُ لها. هكذا قال أصحابُنا. ويَحْتَمِلُ أنَّه متى

стр. 4649

تَرَكها عندَه إلى وقتِ مُضِيِّهِ إلى مَنْزِله فى العادةِ فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ العادةَ أَنَّ الإِنسانَ إذا أُودِعَ شيئًا وهو فى دُكانِه، أَمْسَكه فى دُكَّانِه [أو فى ثِيابِه] (١٢) إلى وقتِ مُضِيِّه إلى منزِلِه، فَيْسْتَصْحِبُه معه، والمُودِعُ عالِمٌ بهذه العادةِ (١٣) راضٍ بها، ولو لم يَرْضَ بها لَشَرَطَ عليه خِلَافَها، واصمرَه بتَعْجِيلِ حَمْلِها، فإما أن يَقْبَلَها بهذا الشرطِ أو يَرُدَّها. وإن قال: اجْعَلْها فى كُمِّكَ. فجَعَلَها فى جَيْبِه، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ الجَيْبَ أحْرَزُ لها، لأنَّه (١٤) ربَّما نَسِىَ، فيَسْقُطُ (١٥) الشىءُ من كُمِّه، بخلافِ الجَيْبِ. وإن قال: اجْعَلْها فى جَيْبكَ. فَتَركَها فى كُمِّه، ضَمِنَها لذلك. وإن جَعَلَها فى يَدِه، ضَمِنَ أيضًا، كذلك. وإن قال: اجْعَلْها فى كُمِّكَ. فتَرَكَها فى يَدِه ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يَضْمَنُ؛ لأنَّ سُقوطَ الشىءِ من اليَد مع النِّسْيانِ أكْثَرُ من سُقُوطِه من الكُمِّ. والثانى، لا يضمنُ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَتَسَلَّطُ عليها الطَّرَّارُ بالبَطِّ (١٦)، والكُمُّ (١٧) بخِلافِه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ فهما أحْرَزُ من وَجْهٍ، [فيَتَساويانِ. ولِمَن نَصَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ أن يقولَ: متى كان كلُّ واحدٍ منهما أحْرَزَ من وجهٍ] (١٨)، وَجَبَ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه فَوَّتَ الوَجْهَ المأْمورَ بالحِفْظِ به، وأتى بما لم يُؤْمَرْ به، فضَمِنَ لمُخَالَفَتِه. وعلى هذا لو أَمَرهُ (١٩) بتَرْكِها فى يَدِه، فجَعلها فى كُمِّه، ضَمِنَ لذلك. وقال القاضى: اليَدُ أحْرَزُ عند المُغالَبةِ، [والكُمُّ أحْرَزُ منه عند عَدَمِ المُغالَبةِ] (٢٠). فعلى هذا، إن أُمِرَ بتَرْكِها فى يَدِه، فشَدَّها فى كُمِّه عندَ غيرِ الْمُغالَبةِ، [فلا ضَمانَ عليه] (٢١)، وإن فَعَلَ ذلك عند المُغالَبةِ ضَمِنَ. وإن أَمَره بشَدِّها

стр. 4650

فى كُمِّه، فأمْسَكها فى يَدِه عندَ المُغالَبةِ، لم يَضْمَنْ، وإن فَعَلَ ذلك عند غيرِ المُغالبةِ ضَمِنَ. وإن أمَرَه بحِفظِها مُطْلَقًا، فتَرَكها فى جَيْبِه، أو شَدَّها فى كُمِّه، لم يَضْمَنْها. وإن تَرَكها فى كُمِّه غيرَ مَشْدُودةٍ، وكانت خَفِيفةً لا يَشْعُرُ بها إذا سَقَطَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، وإن كانت ثقيلةً يَشْعُرُ بها، لم يَضْمَنْها؛ [لأنَّ هذا] (٢٢) عادةُ النَّاس فى حِفْظِ أموالِهم. وإن شَدَّها على عَضُدِه، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ ذلك أحْفَظُ لها. وقال القاضى: إن شَدَّهَا من جانبِ الجَيْبِ، لم يَضْمَنْ، وإن شَدَّها من الجانبِ الآخرِ، ضَمِنَها؛ لأنَّ الطَّرَّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها، بخلافِ ما إذا شَدَّها ممَّا يَلِى الجَيْبَ. وهذا يَبْطُلُ بما إذا تَرَكها فى جَيْبِه، أو شَدَّها فى كمِّه، فإنَّ الطَّرَّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها ولا يَضْمَنُ، وليس إمكانُ إحْرازِها بأحْفَظِ الحِرْزَيْنِ مانِعًا من إحرازِها بما دونَه، إذا كان حِرْزًا لِمِثلِها (٢٣). وشَدُّها على العَضُدِ حِرْزٌ لها كيفما كان؛ لأنَّ الناسَ يُحَرِّزُون به أموالَهم، فأشْبَهَ شَدَّها فى الكُمِّ وَتَرْكَها فى الجَيْبِ، ولكن لو أُمرَه بشَدِّها ممَّا يَلِى الجَيْبَ (٢٤)، فشَدَّها (٢٥) من الجانبِ الآخرِ، ضَمِنَ. وإن أمَرَه بشدِّها ممَّا يَلِى الجانبَ الآخَرَ، فشَدَّها ممَّا يَلِى الجَيْبَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه أحْرَزُ. وإن أَمَرَه بشَدِّها على عَضُدِه مطلقًا، أو أَمَرَه بحِفْظِها معه، فشَدَّها من أىِّ الجانِبيْنِ كان، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مُمْتَثِل لأمْرِ (٢٦) مالِكِها، مُحْرِزٌ لها بحِرْزِ مثلِها. وإن شَدَّها على وَسَطِه، فهو أحْرَزُ لها، وكذلك إن ترَكها فى بيتِه فى حِرْزِها. فصل: وإن أَمَرَه أن يَجْعَلَها فى صُندوقٍ، وقال: لا تَقْفِلْ عليها، ولا تَنَمْ فَوْقَها. فخَالَفه فى ذلك، أو قال: لا تَقْفِلْ عليها إلَّا قُفْلًا واحدًا، فجَعل عليها قُفْلَيْنِ، فلا ضَمانَ عليه. ذكَره القاضى. وهو ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه يَضْمَنُ؛ لأنَّه خَالَفَ رَبَّها فى شىءٍ له فيه غرَضٌ يتعلَّقُ بحِفْظِها، فأشْبَهَ ما لو نَهَاهُ عن

стр. 4651

إخْراجِها عن مَنْزِلِه فأخْرَجَها لغيرِ حاجةٍ، وذلك لأنَّ النَّوْمَ عليها، وَتَرْكَ قُفْلَيْنِ عليها، وزِيادةَ الاحْتِفاظِ بها، يُنَبِّهُ اللَّصَّ عليها، ويَحُثُّه على الْجِدِّ فى سَرِقَتِها، والاحْتِيالِ لأخْذِها. ولَنا، أَنَّ ذلك أحْرَزُ لها، فلا يَضْمَنُ بفِعْلِه، كما لو أَمَرَه بتَرْكِها فى صَحْنِ الدارِ، فتَرَكها فى البيتِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه. فصل: إذا قال: اجْعَلْها فى هذا البيتِ، ولا تُدْخِلهُ أحدًا. فأدْخَلَ إليه قَوْمًا، فسَرَقها أحَدُهم، ضَمِنَها؛ لأنَّها ذَهَبَتْ بتَعَدِّيه ومُخالَفَتِه، وسَواءٌ سَرَقها حالَ إدْخالِهِم، أو بعدَه؛ لأنَّه ربَّما شاهَدَ الوَدِيعةَ فى دُخُولِه البيتَ، وعَلِمَ مَوْضِعَها، وطَرِيقَ الوصُولِ إليها. وإن سَرَقَها مَنْ لم يَدْخُل البيتَ، فقال القاضى: لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ فِعْلَه لم يكُنْ سَبَبًا لإتْلافِها. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه الضَّمَانُ؛ لأنَّ الداخلَ ربَّمَا دَلَّ عليها مَنْ لم يَدْخُلْ، ولأنَّها مُخالَفةٌ تُوجِبُ (٢٧) الضّمانَ، إذا كانت سَبَبًا لإتْلافِها فأوْجَبَتْه، وإن لم تكُنْ سببًا كما لو نَهاهُ عن إخْراجِها فأخْرَجَها لغيرِ حاجةٍ. فصل: إذا قال: ضَعْ هذا الخاتَمَ فى الخِنْصِرِ. فوَضَعه فى البِنْصِرِ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّها أغْلَظُ وأحْفَظُ له، إلَّا أن لا يَدْخُلَ فيها، فيَضَعَه فى أُنْمُلَتِها العُلْيَا فيَضْمَنَه، أو يَنْكَسِرَ بها (٢٨) لغِلَظِها عليه، فيَضْمَنَه أيضًا؛ لأنَّ مُخالَفَتَه سَبَبٌ لِتَلَفِه. ١٠٧٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أوْدَعَهُ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلَهُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فِى وَقْتٍ أَمْكَنَهُ ذلِك، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ، فَهُوَ ضَامِنٌ) لا خلافَ فى وُجوبِ رَدِّ الوَدِيعةِ على مالِكِها، إذا طَلَبها، فأمْكَنَ أداؤُها إليه بغير ضَرُورةٍ، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ

стр. 4652

إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وأمرَ به رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "أَدِّ الأمانةَ إلى مَن ائْتَمَنكَ، ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (٢). يعنى عند طَلَبِها. ولأنَّها حَقٌّ لمالِكها لم يَتَعلَّقْ بها حَقُّ غيرِه، فلَزِمَ أداؤُها إليه، كالمَغْصوبِ والدَّيْنِ الحالِّ. فإن امْتَنعَ من دَفْعِها فى هذه الحالِ، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه صار غاصِبًا، لِكَوْنِه أَمْسكَ مالَ غيرِه بغيرِ إذْنِه بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ الغاصبَ. فأمَّا إن طَلَبها فى وقتٍ لم (٣) يُمْكِنْ (٤) دَفْعُها إليه، لبُعْدِها، أو لمَخافةٍ فى طرِيقِهَا، أو للعَجْزِ عن حَمْلِها، أو غيرِ ذلك، لم يكُنْ متعدِّيًا بتَرْكِ تَسْلِيمِها؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها. وإن تَلِفَتْ (٥) لم يَضْمَنْها؛ لعدَمِ عُدْوانِه. وإن قال: أمْهِلُونِى حتَّى أقْضِىَ صَلاِتى، أو آكُلَ، فإنى جائعٌ، أو أنامَ فإنِّى ناعِسٌ، أو يَنْهَضِمَ عنى الطعامُ فإنِّى مُمْتَلِىءٌ. أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك. فصل: وليس على المُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ (٦) وحَمْلُها إلى رَبِّها إذا كانت ممَّا لِحَمْلِه (٧) مُؤْنَةٌ، قَلَّتِ المُؤْنةُ أو كَثَرُتْ؛ لأنَّه قَبَضَ العَيْنَ لمَنْفَعةِ مالِكِها على الخُصُوصِ، فلم تَلْزَمْه الغَرامةُ عليها، كما لو وَكَّلَه فى حِفْظِها فى مِلْكِ صاحِبِها، وإنَّما عليه التَّمْكِينُ من أخْذِها. وإن سافرَ بها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، فعليه رَدُّها إلى بَلَدِها؛ لأنَّه أَبْعدَها بغير إذنِ رَبِّها، فلَزِمَهُ رَدُّها، كالغاصبِ. ١٠٧١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا مَاتَ وعِنْدهُ وَدِيعَةٌ لَا تَتَميَّزُ مِنْ مَالِهِ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا) وجملتُه أَنَّ الرَّجُلَ إذا مات، [وَثَبَتَ أن عندَه] (١) وَدِيعةً لم تُوجَدْ بعَيْنِها، فهى دَيْنٌ

стр. 4653

عليه، يُغْرَمُ من تَركِتِه، فإنَّ كان عليه دَيْنٌ سِوَاها، فهى والدَّيْنُ سواءٌ، فإن وَفَتْ تَركِتُه بهما، وإلَّا اقْتَسماها بالحِصَص (٢). وبهذا قال الشَّعْبىُّ، والنَّخَعِىُّ، وداودُ بن أبى هِنْدٍ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وإسحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، وأبى جَعْفَرٍ محمدِ بن علىٍّ. ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ: الأمانةُ قبلَ الدَّيْنِ. وقال الحارِثُ العُكْلِىُّ: الدَّيْنُ قبلَ الأمانةِ. ولَنا، أنَّهما حَقَّانِ وَجَبَا فى ذِمَّتِه، فتَساوَيا كالدَّيْنَيْنِ، وسواءٌ وُجِدَ فى تَركِتِه من جِنْسِ الوَديعةِ أو لم يُوجَدْ. وهذا إذا أَقَرَّ المُودَعُ أَنَّ عندِى وَدِيعة أو علىَّ وَدِيعةٌ لفلانٍ، أو ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ أنَّهُ مات وعندَه وَدِيعةٌ، فأمَّا إن كانتْ عندَه وَدِيعةٌ فى حَياتِه، ولم تُوجَدْ بِعَيْنِها، ولم يُعْلَمْ هل هى باقيةٌ عندَه أو تَلِفَتْ. ففيه وَجْهان، أحدهما، وُجُوبُ (٣) ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعةَ يجبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ من غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَيْنِها كالجَهْلِ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ. والثانى، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَديعةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّى فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها. وهذا قولُ ابْنِ أبى لَيْلَى، وأحدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشَّافعىِّ. وظاهرُ المَذْهبِ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه. فصل: وإن مات وعندَه وَدِيعةٌ مَعْلومةٌ بعَيْنِها، فعلى وَرَثَتِه تَمْكِينُ صاحِبِها من أخْذِها، فإنَّ لم يَعْلَمْ بمَوْتِه (٤)، وَجَبَ عليهم إعْلامُه به (٥)، وليس لهم إمْساكُها قبلَ أن يَعْلَمَ بها رَبُّها؛ لأنَّه لم يَأْتَمِنْهُم عليها، وإنَّما حَصَلَ مالُ غيرِهم فى أَيْدِيهِم، بمَنْزِلةِ من أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا وعَلِمَ به، فعليه إعلامُ صاحِبه به، فإن أخَّرَ ذلك مع الإمكانِ ضَمِنَ. كذا ههُنا. ولا تَثْبُتُ الوَديعةُ إلَّا بإقْرارٍ من المَيِّتِ أو وَرَثَتِه، أو بِبَيِّنةٍ تَشْهَدُ بها. وإن

стр. 4654

وُجِدَ عليها مَكْتُوبًا وَدِيعةً، لم يكُنْ حُجَّة عليهم، لجَوازِ أن يكون الظَّرْفُ (٦) كانت فيه وَدِيعةٌ قبلَ هذا، أو كان وَدِيعةً لمَوْرُوثِهِم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَدَ فى زُرْمَانَجِ (٧) أبِيه، أنَّ لفلانٍ عندى وَدِيعة. لم يَلْزَمْه بذلك؛ لِجوازِ أن يكونَ قد رَدَّها وَنَسِىَ الضَّرْبَ على ما كَتَبَ، أو غيرِ ذلك. ١٠٧٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَالَبهُ بالْوَدِيعَةِ، فَقَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِى. ثُمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ، كَانَ ضَامِنًا؛ لِأنَّه خَرَجَ مِنْ حَالِ الْأَمَانَةِ. ولَوْ قَالَ: مالَكَ عِنْدِى شَىْءٌ. ثمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا ادَّعَى على رَجُلٍ وَدِيعةً، فقال: ما أوْدَعْتَنِى. ثمَّ ثَبَتَ أنَّه أوْدَعه، فقال: أَوْدَعْتَنِى، وهَلَكتْ من حِرْزِى. لم يُقْبَلْ قولُه، ولَزِمَه ضَمانُها. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه مُكَذَّبٌ لإِنْكارِه الأوَّلِ، ومُعْتَرِفٌ على نَفْسِه بالكَذِبِ المُنافِى للأمانةِ. وإن أقَرَّ بها (١) له بتَلَفِها من حِرْزِه قبلَ جَحْدِه، فلا ضَمانَ عليه. وإن أَقَرَّ أنَّها تَلِفَتْ بعدَ جُحُودِه، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه خَرَجَ بالجُحودِ عن الأمانةِ، فصار ضامِنًا، كمَنْ طُولِبَ بالوَدِيعةِ فامْتَنعَ من رَدِّها. وإن أقَام بَيِّنَةً (٢) بتَلَفِها بعدَ الجُحُودِ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ لذلك. وإن شَهِدَتْ بتَلَفِها قبل الجُحودِ من الحِرْزِ، فهل تُسْمَعُ بَيِّنَتُه؟ ففيه وجهان؛ أحدهما، لا تُسْمَعُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لها بإنْكارِه الإِيداعَ. والثانى، تُسْمَعُ بَيِّنَتُه (٣)؛ لأنَّ المُودَعَ لو اعْتَرفَ بذلك سَقَطَ حَقُّه، فتُسْمَعُ البَيِّنَةُ به، فإنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ من الحِرْزِ، ولم تُعَيّنْ قبلَ الجُحُودِ ولا بعدَه، واحْتَملَ الأمْرَينِ، لم يَسْقُط الضَّمانُ؛ لأنَّ

стр. 4655

الأصلَ وُجُوبُه، فلا يَنْتَفِى بأمْرٍ مُتَرَدِّدٍ. وأمَّا إذا ادَّعى الوَديعةَ، فقال: مالَكَ عندى شىءٌ، أو لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا. فقامتِ (٤) الْبَيِّنَةُ بالإِيداعِ، أو أَقَرَّ به المُودَعُ، ثمَّ قال: ضاعتْ من حِرْزٍ. كان القولُ قولَه مع يَمِينهِ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ قولَه لا يُنافِى ما شَهِدَت به البَيِّنَةُ، ولا يُكَذِّبُها، فإنَّ مَن تَلِفَتْ الوَديعةُ من حِرْزِه بغيرِ تَفْرِيطِه فلا شىءَ لمالِكِها عنده، ولا يَسْتَحقُّ عليه شيئًا، لكنْ إن ادَّعَى تَلَفَها بعدَ جُحُودهِ، أو قامت بَيِّنَةٌ بتَلَفِها بعد الجُحودِ (٥)، أو أنَّها (٦) كانت عنده حالَ (٧) جُحُودهِ، فعليه ضَمانُها؛ لأنَّ جُحودَه أوْجَبَ الضَّمانَ عليه، فصار كالغاصِبِ (٨). فصل: إذا نَوَى الخِيانةَ فى الوَديعةِ، بالجُحُودِ أو الاسْتِعْمالِ، ولم يَفْعَلْ ذلك (٩)، لم يَصِرْ ضامِنًا؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ فى الوَديعةِ قولًا ولا فِعْلًا، فلا يَضْمَنُ، كما لو لم يَنْوِ. وقال [ابنُ سُرَيْجٍ] (١٠): يَضْمَنُها؛ لأنَّه أمْسَكَها بنِيِّةِ الخِيانةِ، فيَضْمَنُها، كالمُلْتَقِطِ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ (١١). ولَنا: قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ [لأُمَّتِى عن] (١٢) الخَطَأِ، والنِّسْيانِ، وما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَها، مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ، أوْ تَعْمَلْ بِهِ" (١٣). ولأَنَّه لم يَخُنْ فيها بقَوْلٍ ولا

стр. 4656

فِعْلٍ، فلم يَضْمَنْها، كالذى لم يَنْوِ، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بقَصْدِ التَّمَلُّكِ (١٤)، فإنَّه عَمِلَ فيها بأخْذِها ناوِيًا للخِيانةِ فيها، فوَجَبَ الضَّمانُ بفِعْلِه المَنْوِىِّ، لا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. ولو الْتَقَطها قاصِدًا لتَعْرِيفها، ثمَّ نَوَى بعدَ ذلك إمْساكَها لِنَفْسِه، كانت كمسأَلَتِنا. ولو أخْرَجَها بِنِيَّةِ الاسْتعمالِ، فلم يسْتَعْمِلْها، ضَمِنَها. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُها إلَّا بالاسْتعمالِ؛ لأنَّه لو أخْرَجَها لِنَقْلِها (١٥) لم يَضْمَنْها. ولَنا، أنَّه تَعَدَّى بإخْراجِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَعْملَها، بخلافِ ما إذا نَقَلَها (١٦). فصل: والمُودَعُ أمينٌ، والقولُ قولُه فيما يَدَّعِيه من تَلَفِ الوَديعةِ. بغيرِ خلافٍ. قال ابنُ المنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ على أَنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَديعةَ، ثمَّ ذَكَرَ أَنَّها ضاعتْ، أَنَّ القولَ قولُه. وقال أكثَرُهم: مع يَمِينِه. وإن ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قولُه مع يَمينِه أيضًا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. [وبه قال] (١٧) مالكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بينةٍ. وإن كان أوْدَعَه بِبَيِّنةٍ لم يُقْبَلْ قولُه فى الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنةٍ. ولَنَا، أنَّه أمينٌ لا مَنْفعةَ له فى قَبْضِها، فقُبِلَ قولُه فى الرَّدِّ بغير بِبَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بِبَيِّنةٍ. وإن قال: دَفَعْتُها إلى فلانٍ بأمْرِكَ. فأنْكَرَ مالِكُهَا الإذنَ فى دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رواية ابنِ منصورٍ. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: القولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه. ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ به من الوَديعةِ، فكان القولُ قولَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها. ولو اعْترفَ المالكُ بالإذْنِ، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها. فالقولُ قولُ المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثمَّ نَنْظُرُ فى المَدْفوعِ

стр. 4657

إليه؛ فإنَّ أَقَرَّ أَنَّه قَبَضَه، وكان الدَّفْعُ فى دَيْنٍ، فقد بَرِىءَ الكُلُّ، وإن أَنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وقد ذَكَرَ أصحابُنا أنَّ الدافِعَ يَضْمَنُ؛ لكَوْنِه قَضَى الدَّيْنَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا يَجبُ اليَمينُ على صاحِبِ الوَديعةِ؛ لأنَّ المُودَعَ مُفرِّطٌ، لكَوْنِه أذِنَ فى قَضاءٍ يُبَرِّئُه من الحَقِّ ولم يَبْرَأُ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه. وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنَةٍ؛ لأنَّ المُودَعَ يُقْبَلُ قولُه فى التَّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائدةَ فى الإِشْهادِ عليه. فعلى هذا يَحْلِفُ المُودَعُ، وَيَبْرَأُ، ويَحْلِفُ الآخرُ وَيَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها من مَالِكِها. فصل: وإذا أُودِعَ بَهِيمةً، فأمَره صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لوجهينِ؛ أحدهما، لحُرْمةِ صاحِبِها؛ لأنَّه أخَذَها منه على ذلك. والثانى، لحُرْمةِ البَهيمةِ، فإنَّ الحيوانَ يَجِبُ إحياؤُه بالعَلْفِ والسَّقْىِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ منه، فلا يلزمُه بمُجَرَّدِ أَمرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ. وإن أطْلَقَ ولم يأْمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك أيضًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفظَه إيَّاها، ولم يأمُرْ بعَلْفِها، والعَلْفُ على مالِكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ فى مالِه. ولَنا، أنَّه لا يجوزُ إتْلافُها، ولا التَّفريطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، ثمَّ نَنْظُرُ؛ فإنَّ قَدَرَ المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيلِه، طالَبه بالإِنْفاقِ عليها، أو بِرَدِّها عليه، أو يَأْذَنُ له فى الإِنْفَاقِ عليها ليَرْجِعَ به. فإنْ (١٨) عَجَزَ عن صاحِبِها أو وكيلِه، رفَع (١٩) الأمرَ إلى الحاكمِ، فإنَّ وَجَدَ لصاحِبِها مالًا أَنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَلَ ما يَرَى لصاحِبها الحَظَّ فيه، من بَيْعِها، أو بَيْعِ بعضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتِها، أو الاسْتِدانةِ على صاحِبِها من بيتِ المالِ، أو من غيرِه، ويَدْفَعُ ذلك إلى المُودَعِ إن رأى (٢٠) ذلك ليُنْفِقَه عليها، وإن رأى دَفْعَه إلى غيرِه ليتولَّى الإِنفاقَ عليها، جازَ. وإن اسْتدانَ من المُودَعٍ، جاز أن يَدْفَعَه إليه ليتوَلَّى الإنفاقَ عليها؛ لأنَّه أمِينٌ عليها. ويجوزُ أن يَأذَن له الحاكمُ فى أن يُنْفِقَ عليها من مالِه،

стр. 4658

ويكونَ قابِضًا لنَفْسِه من نَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجتهادِه فى قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنَّ اختَلفا فى قَدْرِ النَّفقةِ، فالقولُ قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النفقةَ بالمَعْروفِ، وإن ادَّعَى أَكْثَر من ذلك، لم يَثْبُتْ له. وإن اختلَفا فى قَدْرِ المُدَّةِ التى أَنْفَقَ عليها (٢١)، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ ذلك. فإن لم يَقْدِرْ على الحاكمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحبِها، وأشْهَدَ على الرُّجوعِ، رَجَعَ بما أَنْفَقَ، رِوايةً واحدةً؛ لأنَّه مأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذا لم يَجِدْ حاكمًا. وإن فَعَلَ ذلك مع إمكانِ اسْتِئْذانِ الحاكمِ من غيرِ إذْنِه، فهل له الرجوعُ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايتَيْنِ. نصَّ عليهما فيما إذا أَنْفَقَ على البَهيمةِ المَرْهونةِ من غيرِ إذْنِ الراهنِ، وفى الضامنِ إذا ضَمِنَ وأدَّى (٢٢) بغيرِ إذنِ المَضْمونِ عنه، هل يَرْجِعُ به؟ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، يَرْجعُ به (٢٣)؛ لأنَّه مأذونٌ فيه عُرْفًا. والثانية، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكمِ. وإن أَنْفقَ من غيرِ إشهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتئذانِ الحاكمِ، أو مع إمْكانِه، ففى الرُّجوعِ وَجْهان أيضًا كذلك. ومتى عَلَفَ البهيمةَ أو سَقَاها فى دارِه، أو غيرِها، بنَفْسِه، أو أَمَرَ غُلامَه أو صاحِبَه، ففَعلَ ذلك، كما يَفْعلُ فى بهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادةُ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ هذا مأذونٌ فيه عُرْفًا، لجَريانِ العادةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به. فصل: وإن أوْدَعهُ البهيمةَ، وقال: لا تَعْلِفْها، ولا تَسْقِها. لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرمةً فى نَفْسِه يجبُ إحياؤُه لِحَقِّ اللَّهِ تعالى. فإن عَلَفَها وسَقَاها، كان كالقِسْمِ الذى قبلَه، وإن تَرَكها حتَّى تَلِفتْ، لم يَضْمَنْها. وهذا قولُ عامَّةِ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بِتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما (٢٤) إذا لم يَنْهَهُ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْىِ رسولِ اللَّه ﷺ عن إضاعةِ المالِ (٢٥). فيَصِيرُ أمرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءٌ. ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ لأمْرِ (٢٦) صاحِبها، فلم يَضْمَنْها، كما لو قال: اقْتُلْها

стр. 4659

فقَتَلها، وكما لو قال: لا تُخْرِج الوَديعةَ، وإن خِفْتَ عليها. فخافَ عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه صاحِبُها بإلْقائِها فى نارٍ أو بحرٍ. وبهذا يَنْتقِضُ ما ذكَرُوه. ومَنَعَ ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها (٢٧)؛ لما تقدَّمَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه ثابتٌ لصاحِبها، فلم يَغْرَمْ له شيئًا، كما لو اسْتنابَه فى مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه فى بقاءِ حَقِّ اللَّهِ تعالى، وهو التَّأْثِيمُ، أمَّا حَقُّ الآدَمِىِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه فى تَفْوِيتِه، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المأْذُونِ فيه، أشْبَهَ ما لو قال له: لا تُخْرِجْها إذا (٢٨) خِفْتَ عليها. فلم يُخْرِجْها. ١٠٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ فِى يَدِهِ وَدِيعَةٌ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ، فَقَالَ: أَوْدَعَنِى أحَدُهُمَا، وَلَا أعْرِفُهُ عَيْنًا. أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خرَجَتْ لَهُ القُرْعةُ حَلَفَ أَنَّها لَهُ، وسُلِّمتْ إلَيْهِ) وجُمْلتُه أَنَّ مَن كانت عندَه وَدِيعةٌ، فادَّعاها نَفْسانِ، فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، سُلِّمَتْ إليه؛ لأنَّ يَدَه دَلِيلُ (١) مِلْكِه، ولو ادَّعاها لِنَفْسِه، كان القولُ قولَه. فإذا أَقَرَّ بها لغيرِه، وَجَبَ أن يُقبَلَ، ويَلْزَمُه أن يَحْلِفَ للآخَرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِحَقِّه، فإنَّ حَلَفَ بَرِئ، وإن نَكَلَ لَزِمَه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه. وكذلك لو أَقَرَّ للثانى بها بعدَ أن أَقَرَّ بها للأوَّلِ، سُلِّمتْ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّه اسْتَحقَّها بإقْرارِه، وغَرِمَ قِيمَتَها للثانى. نَصَّ على هذا أحمدُ. وإن أقَرَّ بها لهما جَمِيعا، فهى بينهما، ويَلْزَمُه اليَمِينُ لكلِّ واحدٍ منهما فى نِصْفِها. وإن قال: هى لأحَدِهِما لا أعْرِفُه عَيْنًا. فاعْتَرَفا له بجَهْلهِ، تَعَيَّنَ المُسْتَحِقُّ لها، فلا يَمِينَ عليه. وإن ادَّعَيا مَعْرِفَتَه، فعليه يَمِينٌ واحدةٌ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك. وقال أبو حنيفةَ: يَحْلِفُ يَمِينَيْنِ، كما لو أَنْكَرَ أنَّها لهما. ولَنا، أَنَّ الذى يُدَّعَى عليه أَمْرٌ واحدٌ،

стр. 4660

وهو العِلْمُ بعَيْنِ المالكِ، فكَفَاه يمينٌ واحدةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، ويُفارِقُ ما إذا أَنْكَرَهَا (٢)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِى عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيانِ، فإنَّ حَلَفَ أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وقال الشَّافعىُّ: يَتَحالفانِ، ويُوقَف الشىءُ بينَهما حتَّى يَصْطَلِحَا. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشَّافِعىِّ قولٌ آخرُ، أنَّها تُقْسَمُ بيهما، كما لو أَقَرَّ بها لهما. وهذا (٣) الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه فيما حُكِىَ عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُسْتَوْدَعُ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا فى الحَقِّ فيما [ليس بأَيْديِهما] (٤)، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينهما، كالعَبْدَيْنِ إذا أعْتَقَهُما فى مَرَضِه فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبى حنيفةَ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ العَيْنَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه، ليس فى جَهْلِه تَفْرِيطٌ، إذ ليس فى وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ. ١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُودِعَ شيْئًا، فَأَخَذَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أو مِثْلَهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ ما أَخَذَ) وجملتُه أَنَّ مَن أَودِعَ شيئًا، فأخذَ بعضَه، لَزِمَه ضَمانُ ما أخَذ، فإن رَدَّه أو مثلَه، لم يَزُلِ الضَّمانُ عنه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال مالِك: لا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه أو مثلَه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن لم ينفِقْ ما أخذَه، ورَدَّهُ (١)، لم يَضْمَنْ، وإن أَنْفَقَه ثمَّ رَدَّه أو مثلَه ضَمِنَ. ولَنا، أَنَّ الضَّمانَ تعلَّق بذِمَّتِه بالأخْذِ، بدليلِ أَنَّه لو تَلِفَ فى يدِه قبلَ رَدِّه ضَمِنَه، فلا يزُولُ إلَّا برَدِّه إلى صاحبِه كالمَغْصُوبِ. فأَمَّا سائرُ الوديعةِ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان فى كِيس مَخْتومٍ أو مَشْدودٍ، فكَسَرَ الخَتْمَ أو حَلَّ الشَّدَّ، ضَمِنَ، سَواءٌ
следующие страницы →