لَنُقِلَ، ولم يَجُز التَّوَاطُؤُ على كِتْمَانِهِ، مع دُعَاءِ الحاجَةِ إليه، ولذلِك لَمَّا كان بعضُ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ معه في الخَمِيلَةِ، فجَاءَهَا الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِنَ الخَمِيلَةِ، فقال لها النَّبِىُّ ﷺ : "مَالَكِ؟ أنَفِسْتِ (١٣)؟ " قالتْ: نعم. فأَمَرَها أنْ تَأْتَزِرَ (١٤). ولم يَسْألها النَّبِىُّ ﷺ : هل وَافَقَ العادَةَ أو جاء قبلَها؟ ولا هي ذَكَرَتْ ذلك، ولا سَأَلَتْ عنه، وإنَّما اسْتَدَلتْ على الحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليهِ النَّبِىُّ ﷺ ، وكذلك حين حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَدَاعِ (١٥)، إنَّما عَلِمَتِ الحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لا غير، ولم تَذْكُرْ عادةً، ولا ذَكَرَها لها النَّبِىُّ ﷺ ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يأْتِ في العَادَةِ؛ لأنَّ عائشةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، واشْتَدَّ عليها، وبَكَتْ حينْ رَأتْه، وقالتْ: وَدَدْتُ أنِّى لم أكُنْ حَجَجْتُ العَامَ. ولو كانتْ (١٦) لها عَادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها وقد جاءَ فيها، ما أنْكَرَتْه، ولا صَعُبَ عليها، ولو كانت العادَةُ مُعْتَبَرةً، على الوَجْهِ المَذْكُورِ في المَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِىُّ ﷺ لأُمَّتِه، ولَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِه، إذْ لا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِه، وأَزوَاجُهُ وغَيْرُهُنَّ مِن النِّساءِ يَحْتَجْنَ إلى بَيانِ ذلك في كُلِّ وَقْتٍ، فلم يكنْ لِيُغْفِلَ بَيانَه، وما جاءَ عنه ﵇ ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيَانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحَاضَةِ لا غيرُ، وأمَّا امْرَأةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أنْ يكونَ حَيْضًا ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا التَّكْرَارَ فيما خَرَجَ عن العادَةِ أدَّى
стр. 492
إلى خُلُوِّ نِسَاءٍ عن الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَنِ الحَيْضِ، وصَلَاحِيَةِ أن يكونَ حَيْضًا؛ بَيَانُه أنَّ المَرْأةَ إذا رَأت الدَّمَ في غيرِ أيَّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيَّامَ عَادَتِها، لم تُمْسِكْ عن الصَّلَاةِ ثلاثةَ أشهرٍ، فإذا انْتَقَلَتْ في الشهرِ الرابعِ إلى أيَّامٍ أُخَرَ لم تَحِضْها أيضًا (١٧) ثلاثةَ أشْهُرٍ، وكذلك أبدا، فيُفْضِى إلى إخْلَائِها مِن الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، ولا سبيلَ إلى هذا، فعلى هذا القَوْلِ تَجْلِسُ ما تَرَاهُ مِن الدَّمِ قبلَ عادَتِها وبعْدَها، ما لم يَزِدْ على أكثرِ الحَيْضِ، فإنْ زَادَ على أكثرِهِ عَلِمْنا أنَّه اسْتِحَاضَةٌ، فرَدَدْنَاها إلى عادَتِها، ويَلْزَمُها قَضَاءُ ما تَرَكَتْه من الصَّلَاةِ والصِّيَامِ فِيما زاد على عَادَتِها، لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّه ليس بِحَيْضٍ، إنَّمَا هو اسْتِحَاضَةٌ.
فصل: فإنْ كانتْ لها عَادَةٌ، فرَأَتِ الدَّمَ أكثرَ منها، وجَاوَزَ (١٨) أكثرَ الحَيْضِ، فهى مُسْتَحَاضَةٌ، وحَيْضُها منه قَدْرُ العَادَةِ لا غيرُ، ولا تَجْلِسُ بعدَ ذلك مِن الشُّهُورِ المُسْتَقْبَلَةِ إلَّا قَدْرَ العادَةِ، ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا عندَ مَنِ اعْتَبَرَ العادَةَ. فأمَّا إنْ كانتْ عادَتُها ثلاثةً مِنْ كُلِّ شهرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خمسةَ أيَّامٍ، ثُم اسْتُحِيضَتْ في الشهرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ [في ما] (١٩) بَعْدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثلاثةً ثلاثةً. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشَّافِعِىُّ: تَجْلِسُ خمسةً مِنْ كُلِّ شهرٍ. وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وإنْ رَأتْ خمسةً في شهرَيْنِ، فهلْ تَنْتَقِلُ عادَتُها إلى خمسةٍ؟ يُخَرَّجُ (٢٠) على الرِّوَايَتَيْن فيما تَثْبُتُ به العادَةُ، وإنْ رَأَت الخمسةَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انْتَقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ (٢١) مِنْ كُلِّ شهرٍ خمسةً، بِغيرِ خِلافٍ بينهم.
١٠٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتِ الطُّهْرَ قَبلَ ذَلِك، فَهِىَ طَاهِرٌ، تَغتَسِلُ وتُصَلِّى، فإنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْه حَتَّى تجِىءَ أيَّامُهَا)
стр. 493
الكَلَامُ في هذه المسْأَلَةِ في فَصْلَيْن: أحَدُهما، في الطُّهْرِ بينَ الدَّمَيْن. والثانِى، في حُكْمِ الدَّمِ العائِدِ بَعْدَه.
أمَّا الأوَّلُ، فإنَّ المَرْأَةَ متى رَأَتِ الطُّهْرَ فهى طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وتَلْزَمُها الصَّلَاةُ والصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ في العادَةِ، أو بعدَ انْقِضَائِها، ولم يُفَرِّقْ أصْحَابُنا بينَ قليلِ الطُّهْرِ وكثيرِه؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أمَّا ما رَأتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغتَسِل. ويَتَوَجَّهُ أنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ متى نَقَصَ عن اليومِ، فليس بِطُهْرٍ، بِنَاءً على الرِّوَايَةِ التي حَكَيْنَاها في النِّفاسِ، أنَّها لا تَلْتَفِتُ إلى طُهْرِ (١) ما دونَ اليومِ. وهو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الدَّمَ يَجْرِى مَرَّةً، ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، وفى إيجَابِ الغُسْلِ على مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بعدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِى بِقَوْلِه سبحانَه (٢): ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ولأنَّنا لو جَعَلْنا انْقِطاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، ولا تَلْتَفِتُ إلى ما بعدَهُ مِن الدَّمِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَسْتَقِرَّ لها حَيْضٌ، فعلى هذا لا يكونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أقَلَّ مِن يَومٍ طُهْرًا، إلَّا أنْ تَرَى ما يَدُلُّ عليه، مِثْلَ أنْ يكونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِها، أو تَرَى القَصَّةَ البَيْضَاءَ، وهو شيءٌ يَتْبَعُ الحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ. رُوِىَ ذلك عَنْ إمامِنا، ورُوِىَ عنه أنَّ القَصَّةَ البَيْضَاءَ هي القُطْنَةُ التي تَحْشُوهَا المَرْأَةُ، إذا خَرَجَتْ بَيْضَاء كما دَخَلَتْ لَا تَغيُّر عليها فهى القَصَّةُ البَيْضَاءُ (٤). حُكِى ذلك عن الزُّهْرِىِّ. ورُوِىَ عن إمَامِنا أيضًا، وقال أبو حنيفةَ: ليس النَّقَاءُ بينَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بل لو صَامَتْ فيه فَرْضًا لم يَصِحّ، ولَزِمَها قَضَاؤُهُ، ولا يجبُ عليها فيه صَلَاةٌ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها، فيكونُ الدَّمَانِ وما بينهما حَيْضًا. وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، ولِأنَّه لو لم يكنْ مِن الحَيْضِ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٥). وَصَفَ الحَيْضَ بِكَوْنِه أَذًى،
стр. 494
فإذا ذَهَبَ الأذَى وَجَبَ أنْ يَزُولَ الحَيْضُ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أمَّا ما رَأَتِ الدَّمَ البَحْرَانِىَّ فإنَّها لا تُصَلِّى، وإذا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِل. وقالتْ عائشةُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ (٦). ولأنَّها صَامَتْ وهى طاهِرٌ، فلم يَلْزَمْها القَضَاءُ، كما لو لم يَعُدِ الدَّمُ. فأمَّا قَوْلُهُم: إنَّ الدَّمَ يَجْرِى تَارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنا؛ لا عِبْرَةَ بالانْقِطَاعِ اليَسِيرِ، وإنَّما إذا وُجِدَ انْقَطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فيه الصَّلَاةُ والصِّيَامُ، وتَتَأَدَّى العِبادَةُ فيه، وَجَبَتْ عليها؛ لِعَدَمِ المَانِعِ مِن وُجُوبِها.
الفَصْلُ الثَّانِى، إذا عاوَدَها الدَّمُ، فلا يَخْلُو إمَّا أنْ يُعاوِدَها في العادَةِ، أو بَعْدَها، فإنْ عاوَدَها في العادَةِ، ففيه رِوَايَتَان: إحْدَاهما، أنَّه مِنْ حَيْضِها؛ لأنَّه صادفَ زَمَنَ العادَةِ، فأَشْبَهَ ما لو لم يَنْقَطِعْ، وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىِّ. والثَّانِيةُ، ليس بِحَيْضٍ، وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ ابن أبي موسى، ومذهبُ عَطَاءٍ، لأنَّه عادَ بعدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فأشْبَهَ ما لو عادَ بعدَ العادَةِ. وعلى هذه الرَّوايةِ يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو عادَ بعدَ العادَةِ على ما سنذكُرُه [فِيما بعد] (٧)، إنْ شاء اللهُ تعالى. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀: إذا كانتْ أيَّامُها عشرًا، فقعدتْ خمسًا، ثم رَأَتِ الطُّهْرَ، فإنَّها تُصَلِّى، فإذا كانَ اليومُ التَّاسِعُ أو الثَّامِنُ، فرأتِ الدَّمَ، صَلَّتْ وصامتْ، وتَقْضِى الصَّوْمَ. وهذا على سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ في هذا الدَّم، فأشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ العائِدِ في مُدَّةِ النِّفاسِ. فإنْ رَأَتْه في العادَةِ، وتجاوزَ العادة، لم يَخْلُ مِن أنْ يَعْبُرَ أكثرَ الحَيْضِ أو لا يَعْبُرَ، فإنْ عَبَرَ أكثرَ الحَيْضِ، فليس بِحَيْضٍ؛ لأنَّ بَعْضَهُ ليس بِحَيْضٍ، فيكونُ كُلُّه اسْتِحَاضةً؛ لأنَّهُ مُتَّصِلٌ به، فكان أقْرَبَ إليه، فَإِلْحاقُهُ بالاسْتِحَاضَةِ أقْرَبُ مِنْ إلْحاقِه بالحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِه عنه، وإنِ انْقَطَعَ لِأكْثَرِهِ فما دُونَ، فَمَنْ قال: إنَّ ما لم يَعْبُر العادَةَ ليس بِحَيْضٍ. فهذا أوْلَى أنْ لا يكونَ حَيْضًا، ومَنْ قال: هو حَيْضٌ. ففى هذا على قَوْلِه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدُها، أنَّ جميعَه حَيْضٌ، بِنَاءً على الوَجْهِ الذي ذَكَرْنَا في أنَّ الزِّيادةَ (٨) على العادَةِ حَيْضٌ، ما لم
стр. 495
يَعْبُرْ أكثرَ الحَيْضِ. والثَّانِى، أنَّ مَا وَافَقَ العادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِه العادَةَ، وما زادَ عليها ليس بحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِه عنها. والثَّالِثُ، أنَّ الجميعَ ليس بِحَيْضٍ؛ لاخْتِلَاطِه بما ليس بحَيْضٍ. فإنْ تَكَرَّرَ فهو حَيْضٌ، على الرِّوَايَتَيْن جميعًا. فأمَّا إنْ عادَ بَعْدَ العادَةِ لم يخْلُ مِن حَالَيْنِ: أحدُهما، أنْ لا يُمْكِنَ كَوْنُه حَيْضًا. [والثَّانِى، أنْ يُمْكِنَ ذلك؛ فإنْ لم يُمْكِنْ كَوْنُه حَيْضًا] (٩)؛ لِعُبُورِهِ أكثرَ الحَيْضِ، وأنَّه ليس بينَه وبينَ الدَّمِ أقَلُّ الطُّهْرِ، فهذا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّه، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أو لم يَتَكَرَّرْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ جميعِه حَيْضًا، فكان جميعُه اسْتِحَاضَةً؛ لأنَّ إلْحَاقَ بَعْضِه بِبَعْضٍ أوْلَى مِنْ إلْحَاقِه بغيرِه. والثَّانِى، أنْ يُمْكِنَ جَعْلُه حَيْضًا، وذلك يُتَصَوَّرُ في حَالَيْنِ؛ أحَدُهما، أنْ يكونَ بِضَمِّهِ إلى الدَّمِ الأوَّلِ لا يكونُ بينَ طَرَفَيْهِما أكثرُ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، فإذا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُما حَيْضَةً واحدةً، ويُلَفَّقُ أحدُهما إلى الآخَرِ، ويكونُ الطُّهْرُ الذي بينهما طُهْرًا في خِلالِ الحَيْضِ. والصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أنْ يكونَ بينهما أقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثلاثةَ عشرَ يومًا، أو خمسةً عشرَ يومًا، ويكونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِه بأنْ يكونَ يومًا وليلةً فصاعِدًا، فهذا إذا تَكَرَّرَ كان الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وإنْ نَقصَ أحدُهما عن أقلِّ الحَيْضِ، فهو دَمُ فَسَادٍ، إذا لم يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلى ما بعدَه. ومِثَالُ ذلك ما لو كانتْ عادَتُها عشرةً مِنْ أوَّلِ الشَّهْرِ، فرأتْ خمسةً منها دَمًا، وطَهُرَتْ خمسةً، ثم رأتْ خمسةً دَمًا، وتكرَّرَ ذلك. فالخمسةُ الأُولَى والثَّالثةُ (١٠) حَيْضَةٌ واحدةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِى إلى الأوَّلِ. وإنْ رَأَتِ الثَّانِى سِتَّةً أو سبعةً، لم يُمْكِنْ أنْ يكونَ حَيْضًا؛ لأنَّ بينَ طَرَفَيْها أكثرَ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، وليس بَيْنَهُما أقَلُّ الطُّهْرِ. وإنْ رَأتْ يومًا دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا، ثم رأتْ يومًا دَمًا وتَكَرَّرَ هذا، كانا حَيْضَتَيْنِ، وصارَ شَهْرُها أرْبَعَةَ عشرَ يومًا. وكذلك إنْ رأتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا، [ثم رأتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا] (١١)، ثم
стр. 496
رأتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، وتَكَرَّرَ شهرُها خمسةَ عشرَ يومًا. وإنْ كان الطُّهْرُ بينهما أحدَ عشرَ يومًا فما دُونَ وتَكَرَّرَ، فهما حَيْضَةٌ واحدَةٌ؛ لأنَّه ليس بينَ طَرَفَيْهِما أَكْثرُ مِنْ خمسةَ عشرَ (١٢) يومًا، ولا بينهما أقَلُّ الطُّهْرِ. وإنْ كان بينهما اثْنا عشرَ يومًا طُهْرًا، لم يُمْكِنْ كَوْنُهما جميعًا حَيْضًا؛ لأنَّهُ لا يُمْكِنُ كَوْنُهما حَيْضَةً واحدَةً؛ لِزِيَادَتِهِما بما بينهما والطُّهْرِ (١٣) على أكثرِ الحَيْضِ، ولا يُمْكِنُ جَعْلُهُما حَيْضَتَيْنِ؛ لأنَّه ليس بينهما أقَلُّ الطُّهْرِ، فيكونُ حَيْضُها منهما ما وَافَقَ العادَةَ، والآخَرُ اسْتِحَاضَة. وعلى هذا كُلُّ ما يَتَفَرَّعُ مِن المَسَائِلِ، إلَّا أنَّها لا تَلْتَفِتُ إلى ما رَأَتْه بعدَ الطُّهْرِ فيما خَرَجَ عَنِ العادَةِ حتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أو ثلاثًا، فإنْ تَكَرَّرَ، وأمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، فهو حَيْضٌ، وإلَّا فلا. وكُلُّ مَوْضِعٍ رأتِ الدَّمَ ولم تَتْرُك العِبَادَةَ فيه، ثم تَبَيَّنَ أنَّه كان حَيْضًا، فعليها قَضَاءُ الصَّوْمِ المَفْرُوضِ فيه. وكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وتَرَكَتْ فيه العِبادَةَ، ثم تَبَيَّنَ أنَّه طُهْرٌ، فعليها قَضَاءُ ما تَرَكَتْه مِن الواجِبَاتِ فيه.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في مُرَادِ الْخِرَقِىِّ، ﵀، بِقَوْلِه: "فإنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ [فَلَا تَلْتَفِت إليْه] (١٤) ". فقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ، والقاضى، وابْنُ عَقِيلٍ: أرادَ إذا عاوَدَها بعدَ العادَةِ، وعَبَرَ أكثرَ الحَيْضِ، بِدَلِيلِ أنَّه مَنَعَها أنْ تَلْتَفِتَ إليه مُطْلَقًا، ولو أرادَ غير ذلك لقال: حتَّى يَتَكَرَّرَ. قال القاضي: ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ إذا عاوَدَها بعدَ العادَةِ ولم يَعْبُرْ. فإنَّها لا تَلْتَفِتُ إليه قَبْلَ التَّكْرَارِ. وقال أبو حفصٍ العُكْبَرِيُّ: أرادَ مُعاوَدَةَ الدَّمِ في كُلِّ حالٍ، سواءٌ كانَ في العادَةِ أو بَعْدَها؛ لأنَّ لَفْظَه مُطْلَقٌ، فيتَنَاوَلُ بإِطْلَاقِهِ الزَّمانَ كُلَّه. وهذا أظْهَرُ، إنْ شاءَ اللهُ. وما ذكرُوه مِن التَّرْجِيحِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِه، وهو أنَّ قَوْلَهم يَحْتَاجُ إلى إضْمَارِ عُبُورِ أكثرِ الحَيْضِ، وليس هذا أَوْلَى مِن إضْمَارِ التَّكْرَارِ، فيتَسَاوَيانِ، ويَسْلَمُ التَّرْجِيحُ الذي ذَكَرْنَاه.
فصل في التَّلْفِيقِ: ومَعْنَاه ضَمُّ الدَّمِ إلى الدَّمِ اللَّذَيْنِ بَينهما طُهْرٌ. وقد ذَكَرْنا أنَّ
стр. 497
الطُّهْرَ في أثناءِ الحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فإذا رَأتْ يومًا طُهْرًا ويومًا دَمًا، ولم يُجَاوِزْ أكثرَ الحَيْضِ، فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ، فيكونُ حَيْضًا، وما بينهما مِن النَّقَاءِ طُهْرٌ، على ما قَرَّرْنَاه. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ (١٥) زَمَنِ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ، [أو مِثْلَه] (١٦)، أو أقَلَّ منه، مِثْلَ أنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا ويومًا طُهْرًا، أوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا ويومًا دَمًا، أو أقَّلَ أو أكثرَ، فإنَّ جميعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذا تَكَرَّرَ [ولم تُجَاوِز المدَّةُ] (١٧) أكثرَ الحَيْضِ، فإنْ كان الدَّمُ أقلَّ مِن يومٍ؛ مِثْلَ أنْ تَرَى نِصْفَ يومٍ دَمًا ونِصْفًا (١٨) طُهْرًا، أو ساعةً وساعةً، فقال أصحابُنا: هو كالأيَّامِ، يُضَمُّ الدَّمُ إلى الدَّمِ، فيكونُ حَيْضًا، وما بينهما طُهْرٌ، إذا بَلَغَ المُجْتَمِعُ منه أقَلَّ الحَيْضِ، فإنْ لم يَبْلُغْ ذلك فهو دَمُ فَسَادٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ الدَّمُ حَيْضًا، إلَّا أنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ. وهذا كُلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وله قَوْلٌ في النَّقَاءِ بينَ الدَّمَيْنِ أنَّه حَيْضٌ وقد ذَكَرْنَاه، وذَكَرْنا أيضًا وَجْهًا لنا في أنَّ النَّقَاءَ متى كان أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لم يكنْ طُهْرًا. فعلى هذا متى نَقَصَ النَّقَاءُ عَن يومٍ كان الدَّمُ وما بينَه حَيْضًا كُلَّه، فإنْ جاوزَ الدَّمُ أكثرَ الحَيْضِ، بأنْ يكونَ بينَ طَرَفَيْه أكثرُ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، مِثْل أنْ تَرَى يومًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، إن (١٩) ثمانِيةَ عشرَ يومًا، فهى مُسْتَحَاضَةٌ، لا تَخْلُو مِن أنْ تكونَ مُعْتَادَةً، أو مُمَيِّزَةً، أو لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، أو يُوجَدُ في حَقِّها الأمْرَانِ؛ فإنْ كانتْ مُعْتَادَةً، مِثْلَ أنْ يكونَ حَيْضُها خمسةَ أيَّامٍ في أوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فهذه تَجْلِسُ أوَّلَ يومٍ تَرَى الدَّمَ فيه في العادَةِ، وتَغْتَسِلُ عندَ انْقِطَاعِه، وما بعدَ ذلك مَبْنِىٌّ على الرِّوَايَتَيْنِ في الطُّهْرِ في أثْناءِ الحَيْضَة؛ هلٍ يَمْنَعُ ما بَعْدَه أنْ يكونَ حَيْضًا، أو لا؟ فإنْ قُلْنا يَمْنَعُ، فحَيْضُها اليومُ الأَوَّلُ خَاصَّةً، وما بَعْدَه اسْتِحَاضَةٌ، وإنْ قُلْنا لا يَمْنَعُ، فحيْضُها اليومُ الأوَّلُ، والثَّالِثُ، والخَامِسُ، فيَحْصُلُ لها مِنْ عادَتِها ثلاثةُ أيَّامٍ، والباقِى
стр. 498
اسْتِحَاضَةٌ. وفى وَجْهٍ آخَر أنَّه يُلَفَّقُ لها الخمسةُ مِنْ أيَّامِ الدَّمِ جميعِها، فتَجْلِسُ السَّابِعَ والتَّاسِعَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ ليسا مِنْ عادَتِها. فلا تَجْلِسُهُما كغَيْرِ المُلَفِّقَةِ. وإنْ كانتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الأسودِ مِن الأيَّامِ، فكان حَيْضَها، وبَاقِيه اسْتِحاضَة. وإنْ كانتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتِ اليَقِينَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، مِنْ أوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ، أوْ في شَهْرَيْنِ، ثم تَنْتَقِلُ بعدَ ذلك إلى سِتَّةِ أيَّامٍ أو سَبْعَةٍ. وهل يُلَفَّقُ لها السَّبْعَةُ مِن خمسةَ عشرَ يومًا، أو تَجْلِسُ أربعةَ أيَّامٍ مِن سبعةِ أيَّامٍ؟ على وَجْهَيْنِ، كما قُلْنا فِيمَنْ عادَتُها سبعةُ أيَّامٍ، فإذا قُلْنا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ، جَلَسَت الأوَّلَ والثَّالِثَ والخَامِسَ والسَّابِعَ، وإنْ أجْلَسْنَاها سِتَّةَ أيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ، وإنْ قُلْنا تُلَفِّقُ لها، زَادَتِ التَّاسِعَ، والحادِى عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً، وإنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَت الثَّالِثَ عشَر، وهكذا الحُكْمُ في النَّاسِيَة. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ، إلَّا أَنَّه لا يُلَفِّقُ لها عَدَدَ أيَّامِها في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وقال القاضِى، في المُعْتَادَة كما ذَكَرْنَا. وفِي غَيْرِها: ما عَبَرَ الخمسةَ عشرَ اسْتِحَاضَةٌ، وأيَّامُ الدَّمِ مِن الخمسة عشرَ حَيْضٌ كُلُّها إذا تَكَرَّرَ، فإنْ كان يومًا ويومًا، فلها ثَمَانِيَةُ أيَّامٍ حَيْضٌ، وسَبْعَةٌ طُهْرٌ، وإنْ كانتْ أنْصَافًا فلها سَبْعَةُ أيَّامٍ ونِصْفٌ حَيْضٌ، وَمِثْلُها طُهْرٌ. وهذا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِىِّ (٢٠)؛ لأنَّ الطُّهْرَ في اليومِ السَّادِسِ عشرَ يَفْصِلُ بينَ الحَيْضِ وما بَعْدَه، فإنَّها فيما بَعْدَه في حُكْمِ الطَّاهِراتِ، نَأْمُرُها بالصَّلَاةِ والصِّيَامِ. ولَنا، أنَّ الطُّهْرَ لو مُيِّزَ بَعدَ الخامِسِ عشرَ لَمُيِّزَ قَبْلَه، كَتَمَيُّزِ (٢١) اللَّوْنِ، والحُكْمُ فيما إذا كان أَنْصَافًا أو مُخْتَلِفًا، يومًا دَمًا وأَيَّامًا طُهْرًا، أو يومًا طُهْرًا وأيَّامًا دَمًا، كالحُكْمِ في الأَيَّامِ الصِّحَاحِ المُتَسَاوِيَة، إلَّا أنَّه إذا كان الجُزْءُ الذي تَرَىَ الدَّمَ فيه أوَّلًا أقَلَّ مِن أقَلِّ الحَيْضِ، ففيه وَجْهٌ أنَّه لا يكونُ حَيْضًا حتى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا. وإنْ قُلْنا الطُّهْرُ يَمْنَعُ ما بعدَه مِن كَوْنِه حَيْضًا قبلَ التَّكرَارِ، وجاء في العادَةِ،
стр. 499
فإنَّها تَضُمُّ إلى الأَوَّلِ ما تُكَمِّلُ به أقَلَّ الحَيْضِ؛ فإذا كانتْ تَرَى الدَّمَ يومًا ويومًا، ضَمَّت الثَّالِثَ إلى الأوَّلِ. فكانا (٢٢) حَيْضًا في المَرَّةِ الأُولَى والثَّانِية، ثم تَنْتَقِلُ إلى ما تَكَرَّرَ في المَرَّةِ الثَّالِثَة أو الرَّابِعَة، على اخْتِلَافِ الوَجْهَيْن، وإذا رأتْ أقَلَّ مِن أَقلِّ الحَيْضِ، ثم طَهُرَتْ ثلاثةَ عشرَ يَومًا، ثم رأتْ دَمًا مِثْلَ ذلك، وقُلْنا أقَلُّ الطُّهْرِ ثلاثةَ عشرَ يَوْمًا، فهو دَمُ فَسَادٍ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ أن يكونَ حَيْضَةً واحدةً؛ لِفَصْلِ أقَلِّ الطُّهْرِ بينهما، ولا حَيْضَتَيْنِ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ واحد منهما عَن أَقَلِّ الحَيْضِ، وإنْ قُلْنا أَقَلُّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرَ، ضَمَمْنَا الأوَّلَ إلى الثَّانِى، فكانَا (٢٢) حَيضَةً واحدَةً، إذا بَلَغَا (٢٣) بمَجْمُوعِهما أقلَّ الحَيْضِ، وإنْ كان كُلُّ واحدٍ مِن الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أقلَّ الحَيْضِ، فهما حَيْضَتَان، إنْ قُلْنا أقلُّ الطُّهْرِ ثلاثةَ عشرَ، وإنْ قُلْنا أقَلُّه خمسةَ عَشَرَ، ضَمَمْنا الثَّانِى إلى الأوَّلِ، فكانا حَيْضًا وَاحِدًا، إذا لم يكنْ بينَ طَرَفَيْهما أكثرُ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، فإنْ كان بينَ طَرَفَيْهما خمسةَ عشرَ يومًا، لم يُمْكِنْ (٢٤) جَعْلُهما جميعًا حَيْضًا، فيُجْعَلُ أحَدُهما حَيْضًا (٢٥)، والآخَرُ اسْتِحَاضَةً، وعلى هذا فَقِسْ.
١٠٦ - مسألة؛ قال: (والحَامِلُ (١) لَا تَحِيضُ، إلَّا أنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أوْ ثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ)
مذهبُ أبى عبدِ اللَّه، ﵀، أنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ، وما تراهُ مِن الدَّمِ فهو دَمُ فَسَادٍ. وهو قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِين؛ منهم: سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطَاءٌ، والحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وعِكْرِمَة، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِر، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفة، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبو عُبَيْد، وأبُو ثَوْرٍ. ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، وَالصَّحِيحُ عنها أنَّها إذا رَأتِ الدَّمَ لا تُصَلِّى. وقال
стр. 500
مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، واللَّيْثُ: ما تراهُ مِن الدَّمِ حَيْضٌ إذا أمْكَنَ. ورُوِىَ ذلك عن الزُّهْرِىِّ، وقَتادَة، وإسحاقَ؛ لأنَّه دَمٌ صَادَفَ عَادَةً، فكان حَيْضًا كغيرِ الحامِلِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ (٢) حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ (٣) ". فَجعل وُجُودَ الحَيْضِ عَلَمًا على بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فدل ذلن على أنَّه لا يَجْتَمِعُ معه. واحْتَجَّ إمامُنا بحديثِ سَالِم، عن أبِيه، أنَّه طَلَّقَ امْرَأتَه وهى حائِضٌ، فسأل عمرُ النَّبِىَّ ﷺ فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقهَا (٤) طاهِرًا أوْ حَامِلًا (٥) ". فجعل الحَمْلَ عَلَمًا على عَدَمِ الحَيْضِ، كما جعل الطُّهْرَ عَلَمًا عليه، ولأَنَّهُ زَمَنٌ لا يَعْتَادُها الحَيْضُ فيه غَالِبًا، فلم يكنْ ما تَرَاهُ فِيهِ حَيْضًا، كالآيِسَةِ. قال أحمدُ: إنَّما يَعْرِفُ النِّسَاءُ الحَمْلَ بانْقِطَاعِ الدَّمِ، وقولُ عائشةَ يُحْمَلُ على الحُبْلَى التي قَارَبَتِ الوَضْعَ، جَمْعًا بينَ قوْلَيْها، فإنَّ الحَّامِلَ إذا رأتِ الدَّمَ قَرِيبًا مِنْ ولادَتِها فهو نِفَاسٌ، تَدَعُ له الصَّلَاةَ. كذلك قال إسحاقُ. وقال الحسنُ: إذا رأت الدَّمَ على الوَلَدِ
стр. 501
أَمْسَكَتْ عن الصَّلَاةِ. وقال يعقوبُ ابنُ بختان (٦): سألتُ أحمدَ عن المَرْأَةِ إذا ضَرَبَها المَخَاضُ قبل الوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ تُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قال: لا. وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: إذا ضَرَبَها المَخَاضُ فرأتِ الدَّمَ، قال: هو حَيْضٌ. وهذا قولُ أهْلِ المدينةِ، والشَّافِعِىِّ. وقال عَطَاءٌ: تُصَلِّى، ولا تَعُدُّهُ حَيْضًا ولا نِفَاسًا. ولَنا، أنَّه دَمٌ خَرَجَ بِسَبَبِ الوِلَادَةِ، فكان نِفَاسًا، كالخَارِجِ بعدَه، وإنَّما يُعْلَمُ خُرُوجُهُ بِسَبَبِ الوِلَادَةِ إذا كان قَريبًا منها، ويُعْلَمُ ذلك بِرُؤْيَةِ أمارَاتِها؛ مِنَ المَخَاضِ، ونحوهِ في وَقْتِه. وأمَّا إنْ رَأتِ الدَّمَ مِنْ غيرِ عَلَامَةٍ على قُرْبِ الوَضْعِ، لم تَتْرُكْ له العِبَادَةَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه دَمُ فَسَادٍ. فإنْ تَبَيَّنَ كَوْنُه قَرِيبًا مِن الوَضْعِ، كَوَضْعِهِا (٧) بَعْدَه بيومٍ أوْ بِيَوْمَيْنِ، أعادَتِ الصَّوْمَ المَفْرُوضَ إنْ صامَتْه فيه. وإنْ رأتْهُ عندَ عَلَامَةٍ على الوَضْعِ، تَرَكَتِ العِبَادَةَ. فإِنْ تَبَيَّنَ بُعْدَهُ عنها أعَادَتْ ما تَرَكَتْهُ مِنَ العِبَادَاتِ الوَاجِبَة؛ لأنَّها تَرَكَتْها مِنْ غيرِ حَيْضٍ ولا نِفَاسٍ.
١٠٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَأتِ الدَّمَ ولَهَا خَمْسُونَ سَنَةً، فلَا تَدَعُ الصَّوْمَ، ولَا الصَّلَاةَ، وتَقْضِى الصَّوْمَ احْتِيَاطًا، فإنْ رَأتْهُ بَعْدَ السِّتِّين، فَقَدْ زَالَ الإِشْكَالُ؛ وتُيُقِّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَصُومُ وتُصَلِّى، وَلَا تَقْضِى)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في هذه المسألةِ؛ فالذى نَقَلَ الْخِرَقِىُّ ههنا، أنَّها لا تَيْأَسُ مِن الحَيْضِ يَقِينًا إلى سِتِّينَ سَنَةً، وما تَرَاهُ فيما بينَ الخَمْسِين والسِّتِّين مَشْكُوكٌ فيه، لا تَتْرُكُ له الصَّلَاةَ ولا الصَّوْمَ؛ لأنَّ وُجُوبَهُما مُتَيَقَّنٌ فلا يَسْقُطُ بالشَّكِّ، وتَقْضِى الصَّوْمَ المَفْرُوضَ احْتِيَاطًا، لأنَّ وُجُوبَهُ كانَ مُتَيَقَّنًا، وما صامَتْهُ في زَمَنِ الدَّمِ مَشْكُوكٌ في صِحَّتِه، فلا يَسْقُطُ به ما تَيَقَّنَ وُجُوبُهُ. ورُوِىَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها بعدَ الخَمْسِين لا تَحِيضُ. وكذلك قال إسحاقُ بنُ رَاهُويَه: لا يكونُ حَيْضًا بعدَ الخَمْسِين، ويكونُ حُكْمُها فيما تَرَاهُ مِن الدَّمِ حُكْمَ
стр. 502
المُسْتَحَاضَةِ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالتْ: إذا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الحَيْضِ. ورُوِىَ عنها أنَّها قالتْ: لَنْ تَرَى المَرْأَةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ الخَمْسِين. ورُوِىَ عنه (١)، أنَّ نِسَاءَ الأعَاجِمِ يَئِسْنَ مِن المَحِيضِ في خَمْسِين، ونِسَاءَ بَنِى هَاشِمٍ وغيرِهم مِن العَرَبِ إلى سِتِّينَ سَنَةً. وهو قولُ أهْلِ المدينةِ؛ لما رَوَى الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ (٢)، في "كتابِ النَّسَبِ" عن بعضِهم، أنه قال: لَا تَلِدُ لِخَمْسِينَ سَنَةً إلَّا العَرَبِيَّةُ، ولا تَلِدُ لِسِتِّينَ إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وقال: إنَّ هندًا بنتَ أبى عُبَيْدَةَ بن عبدِ اللهِ بن زَمْعَةَ ولدتْ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حسين بنِ حسن بنِ عليِّ بن أبي طالِبٍ ولها سِتُّونَ سَنَةً. وقال أحمدُ، في امْرَأَةٍ مِن العَرَبِ رأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين: إنْ عَاوَدَها مَرَّتَيْنِ أو ثلاثَةً فهو حَيْضٌ. وذلك لأنَّ المَرْجِعَ في هذا إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أخْبَرْنَ به عن أَنْفُسِهِنَّ بعدَ الخَمْسِين، فوجبَ اعْتِقَادُ كَوْنِه حَيْضًا، كما قبلَ الخَمْسِين. ولأنَّ الكلامَ فيما إذا وُجِدَ مِن المَرْأَةِ دَمٌ في زَمَنِ عادَتِها على وَجْهٍ كانتْ تَرَاهُ قبلَ ذلك، فالوُجُودُ ههنا دَلِيلُ الحَيْضِ، كما كان قبلَ الخَمْسِين دَلِيلًا، فوجبَ جَعْلُه حَيْضًا، وأمَّا إيجابُ الصَّلَاةِ والصَّوْمِ فيه فلِلْاحْتِيَاطِ، لِوُقُوعِ الخِلَافِ فيه. والصَّحِيحُ أنَّه لا فَرْقَ بينَ نِسَاءِ العَرَبِ وغيرِهنَّ؛ لأنَّهُنَّ لا يَخْتَلِفْنَ في سَائِرِ أحْكَامِ الحَيْضِ، فكذلك في هذا، وما ذُكِرَ عن عائشة لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ وُجُودَ الحَيْضِ أمْرٌ حَقِيقيٌّ، المَرْجِعُ فيه إلى الوُجُودِ، والوُجُودُ لا عِلْمَ لها به. ثم قد وُجِدَ بِخِلافِ ما قَالَتْه؛ فإنَّ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ قد وَلَدَتْهُ أمُّهُ بعدَ الخَمْسِين، ووُجِدَ الحَيْضُ فِيما بَعْدَ الخَمْسِين على وَجْهِه، فلا يُمْكِنُ إنْكَارُه. فإنْ قِيل: هذا الدَّمُ ليس بِحَيْضٍ، مع كَوْنِهِ على صِفَتِه، وفِي وَقْتِهِ وعَادَتِه، بِغَيْرِ نَصٍّ. فهذا تَحَكُّمٌ لا يُقْبَلُ. فأمَّا بعدَ السِّتِّينَ فقد زالَ الإِشْكَالُ، وتُيُقِّنَ أنَّه ليس بِحَيْضٍ؛ لأنَّهُ لم يُوجَدْ، وقد عُلِمَ أنَّ لِلْمَرْأَةِ حَالًا تَنْتَهِى فيه إلى الإِياسِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٣). قال
стр. 503
أحمدُ، في المَرْأَةِ الكَبِيرَةِ تَرَى الدَّمَ: لا يكونُ حَيْضًا، هو بِمَنْزِلَةِ الجُرْحِ، وإنْ اغْتَسَلَتْ فحَسَنٌ. وقال عَطَاءٌ: هي بمَنْزِلَةِ المُسْتَحَاضَةِ. ومعنى القَوْلَيْنِ وَاحِدٌ؛ وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يكنْ حَيْضًا فهو دَمُ فَسَادٍ، وحُكْمُها حُكْمُ المُسْتَحَاضَةِ ومَنْ به سَلَسُ البَوْلِ، على ما مَرَّ حُكْمُهُما.
فصل: وأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ له المَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ؛ لأنَّ الصَّغِيرَةَ لا تَحِيضُ، بِدَلِيلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤). ولِأنَّ المَرْجِعَ فيه إلى الوُجُودِ، ولم يُوجَدْ مِن النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ عادَةً فيما دوُنَ هذا السِّنِّ، ولأنَّ دَمَ الحَيْضِ إنَّما خَلَقَه اللهُ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الحَمْلِ به، فمَنْ لا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ لا تُوجَدُ فيها حِكْمَتُه، فيَنْتَفِى لِانْتِفَاءِ حِكْمَتِه كالمَنِىّ، فإنَّهما مُتَقَارِبانِ في المَعْنَى، فإنَّ أَحدَهُما يُخْلَقُ مِنه الوَلَدُ، والآخَرُ يُرَبِّيهِ ويُغَذِّيه، وكُلُّ وَاحِدٍ مِنهما لا يُوجَدُ مِن صَغِيرٍ، ووُجُودُهُ عَلَمٌ على البُلُوغِ، وأقَلُّ سِنٍّ تَبْلُغُ له الجارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ، فكان ذلك أقَلَّ سِنٍّ تَحِيضُ له الجارية (٥)، وقد رُوِىَ عن عائشة أنَّها قالتْ: إذا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهى امْرَأَةٌ (٦). ورُوِىَ ذلك مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، والمُرَادُ به حُكْمُها حُكْمُ المَرْأَةِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقد حُكِىَ عنه أَنَّه قال: رَأَيْتُ جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. وهذا يَدُلُّ على أَنَّها حَمَلَتْ لِدُون عَشْرِ سِنِينَ، وحَمَلَتْ ابْنَتُها لمِثْلِ ذلك. فعلى هذا إذا رَأتْ بِنْتُ تِسْعِ سِنِين دَمًا، تَرَكَتِ الصَّلَاةَ؛ لأنَّها رَأتْه في زَمَنٍ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، فإنِ اتَّصَلَ يومًا وليلةً فهو حَيْضٌ، يَثْبُتُ (٧) به بُلُوغُها، ونُثْبِتُ فيه أحْكامَ الحَيْضِ كلها. وإن انْقَطَعَ لِدُون ذلك، فهو دَمُ فَسَادٍ، لا يَثْبُتُ به شيءٌ ممَّا ذَكَرْنا. وإنْ رأتِ الدَّمَ لِدُون تِسْعِ سِنِينَ، فهو دَمُ فَسَادٍ على كُلِّ حَالٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ حَيْضًا. وقد رَوَى المَيْمُونِىُّ، عن أحمدَ، في بِنْتِ عَشْرٍ رأتِ الدَّم، قال:
стр. 504
ليس بِحَيْضٍ. فعلى هذا ليسَ التِّسْعُ ولا العَشْرُ زَمَنًا لِلْحَيْضِ. قال القاضي: فيجِبُ على هذا أنْ يُقال: أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فيه وُجُودُ الحَيْضِ ثِنْتَا عشرةَ سَنَةً؛ لأنَّه الزَّمَانُ الذي يَصِحُّ فيه بُلُوغُ الغُلامِ. والأوَّلُ أصَحُّ.
١٠٨ - مسألة؛ قال: (وَالمُسْتَحَاضَةُ إنِ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا، وإنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا)
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُسْتَحَاضَة، فقال بعضُهم: يجبُ عليها الغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ في الْمُتَحَيِّرَةِ؛ لأنَّ عائشةَ رَوَتْ، أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ اسْتُحِيضَتْ، فسألتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فأَمَرَهَا أنْ تَغْتَسِلَ، [فكانتْ تَغْتَسِلُ] (١) لِكُلِّ صَلَاةٍ، مُتَّفَقٌ عليه (٢)، ورَوَى أبو داوُد، أنَّ امْرَأةً كانتْ تُهرَاقُ الدَّمَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَها [أنْ تَغْتَسِلَ] (٣) عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (٤). وقال بعضُهم: تَغْتَسِلُ كلَّ يومٍ غُسْلًا. رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وعن ابنِ عمرَ، وأَنَسٍ، [وسعيد بْنِ المُسَيَّبِ] (٥)؛ فإنَّهم قالوا: تَغْتَسِلُ مِن ظُهْرٍ إلى ظُهْرٍ. قال مالكٌ: إنِّي أحْسِبُ حديثَ ابْنِ المُسَيَّبِ إنَّما هو: مِنْ طُهْرٍ إلى طُهْرٍ. ولكنَّ الوَهَمَ (٦) دخل فيه. يعني أنَّ الطَّاءَ غيرَ المُعْجَمةِ أُبْدِلَتْ بالظَّاءِ المُعْجَمَةِ. وقال بعضُهم: تَجْمَعُ بينَ كُلِّ صَلَاتَىْ جَمْعٍ بِغُسْلٍ واحدٍ (٧)، وتغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ على ما فى حديثِ حَمْنة. وقد ذَكَرْنَاه (٨)، وكَذَلِكَ أمَرَ به سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ (٩). وقال بعضُهم: تَغْتَسِلُ مَرَّةً؛
стр. 505
لِانْقِضَاءِ حَيْضَتِهَا، وتَتَوضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ (١٠)، وبه قال عَطَاء، والنَّخَعِيُّ، وأكثرُ أهلِ العِلْمِ، على أنَّ الغُسْلَ عندَ انْقِضَاءِ الحَيْضِ، ثم عليها الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، ويُجْزِئُها ذلك. ويُرْوَى هذا عن عُرْوَة، وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال عِكْرِمَةُ، ورَبِيعَة، ومالكٌ: إنَّما عليها الغُسْلُ عندَ انْقِضَاءِ حَيْضِها، وليس عليها لِلاسْتِحَاضَةِ وُضُوءٌ؛ لأنَّ ظَاهِرَ حديثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، في حديثِ فاطمةَ بِنْت أبِى حُبَيْشٍ (١١) الغُسْلُ فقط؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لها: "فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى". ولم يذكُرِ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. ولَنا، [قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لفاطمةَ] (١٢): "إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، ولَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِى الصَّلَاةَ، فإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّى، وتَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ". قال التِّرمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها. وفي حديث عَدِىّ بنِ ثَابِتٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ في المُسْتَحَاضَةِ: "تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرَائِها، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى، وتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (١٣) ". ولأنَّه دَمٌ خَارِجٌ مِن الفَرْجِ، فأوْجَبَ الوُضُوءَ كدَمِ الحَيْضِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ المَأْمُورَ به في سائِرِ الأحادِيثِ مُسْتَحَبٌّ، غَيْرُ وَاجِبٍ، والغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أفْضَلُ؛ لما فيه مِنَ الخُرُوجِ مِن الخِلَافِ، والأَخْذِ بالثِّقَةِ والاحْتِيَاطِ، وهو أشدُّ ما قيل، ثم يَلِيه في الفَضْلِ والمَشَقَّةِ الجَمْعُ بينَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، والاغْتِسَالُ لِلصُّبْحِ، ولذلك قال النبيُّ ﷺ فيه (١٤): "وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَىَّ". ثم يَلِيه الغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، [ثم بعدَه] (١٥) الغُسْلُ عِنْدَ انْقِطاعِ (١٦) الحَيْضِ، ثم تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وهو أقلُّ الأُمُورِ، وَيُجْزِئُها. واللهُ أعلمُ.
стр. 506
فصل: وحُكْمُ طَهارَةِ المُسْتَحَاضَةِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ، في أنَّها إذا تَوَضَّأَتْ في وَقْتِ الصَّلَاةِ، صَلَّتْ بها الفَرِيضَةَ، ثم قَضَتِ الفَوَائِتَ وتَطَوَّعَتْ حتَّى يَخْرُجَ الوَقْتُ. نَصَّ على هذا أحمدُ. وعلى قِيَاسِ ذلك لها الجَمْعُ بينَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ واحدٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تَجْمَعُ بينَ فَرْضَيْنِ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ. ولا تَقْضِى به فَوَائِتَ، ولا تَجْمَعُ بينَ صَلَاتَيْنِ. كقَوْلِهِ في التَّيَمُّمِ. ويَحْتَمِلُه قَوْلُ الْخِرَقِىِّ؛ لِقَوْلِه: "لِكُلِّ صَلَاةٍ". وحُجَّتُهم قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ". ولَنا، أنَّهُ قدْ رُوِىَ في بعضِ ألْفاظِ حديثِ فَاطِمَةَ: "تَوَضَّئِى لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ". ولأنَّه وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفْلَ، فيُبِيحُ الفَرْضَ، كوُضُوءِ غيرِ المُسْتَحَاضَةِ، وحديثُهم مَحْمُولٌ على الوَقْتِ، كقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ (١٧) ". أي وَقْتُها، وحديثُ حَمْنَةَ ظَاهِرٌ في الجَمْعِ بينَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ واحدٍ، ولأنَّهُ (١٨) لم يَأْمُرْهَا بالوُضُوءِ بينهما، وهو مِمَّا يَخْفى ويُحْتَاجُ إلى بَيَانِه، ولا يجوزُ تَأْخِيرُ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ إليه.
فصل: رُوِىَ عَنْ أحمدَ، ﵀، أنَّهُ قال: لا بأسَ أنْ تَشْرَبَ المَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عنها الحَيْضَ، إذا كان دَوَاءً مَعْرُوفًا.
стр. 507
المغْني
لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة
المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ
٥٤١ - ٦٢٠ هـ
تحقيق
الدكتور
عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي
الدكتور
عبد الفتاح محمد الحلو
الجزء الثاني
دَار عَالَم الكُتبُ
للطباعة والنشر والتوزيع
الرياض
стр. 508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 509
المغْني
стр. 510
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثانية
١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م
الطبعة الثالثة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
مصححة، منقحة
دَار عَالَم الكُتب
للطباعة والنشر والتوزيع
العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢
ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العربية السعودية
стр. 511
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصلاة
الصَّلَاةُ في اللُّغَة الدُّعَاءُ، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١). أي ادْعُ لهم، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إذَا دُعِىَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وإنْ كَانَ صَائمًا فَلْيُصَلِّ" (٢): وقال الشَّاعِرُ: (٣)
تَقولُ بِنْتِى وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أبِى الأوْصابَ والوجَعا
عليكِ مِثْلُ الذي صَلَّيْتِ، فَاغْتَمِضِى ... نَوْمًا فإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا (٤)
وهى في الشَّرْعِ عِبارَةٌ عن الأفْعالِ المَعْلُومَة، فإذا وَرَدَ في الشَّرْعِ أمْرٌ بِصَلَاةٍ أو حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عليها، انْصَرَفَ بِظَاهِرِهِ إلى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ. وهى وَاجِبَةٌ بالكِتَاب والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمَّا الكِتاب فقَوْلُ اللهِ تعَالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥). وأمَّا السُّنَّةُ فما رَوَى ابْنُ عمرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "بُنِىَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَان، وحَجِّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبِيلًا". مُتَّفَقٌ عليه (٦).
стр. 512
مع آيٍ وأخْبارٍ كثِيرَة، نَذْكُرُ بَعْضَها في غيرِ هذا المَوْضِعِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. [وأمَّا الإجْمَاعُ فقد] (٧) أجْمَعَتِ الأُمَّةُ على وُجُوبِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ.
فصل: والصَّلَوَاتُ المَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ في اليَوْمِ واللَّيْلةِ. ولا خِلافَ بين المُسْلمين في وجُوبِها، ولا يَجِبُ غَيْرُها إلَّا لعارِضٍ منْ نَذْرٍ أو غَيْره. هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حَنيفَة: الوِتْرُ وَاجِبٌ؛ لِما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللهَ قَدْ زَادَكُمْ صلَاةً وَهِىَ الوِتْرُ" (٨). وهذا يَقْتَضِى وُجُوبَه. وقال ﵇: "الوِتْرُ حَقٌّ". رواه ابْنُ ماجَه. (٩) ولَنا؛ ما رَوَى ابْنُ شِهابٍ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صلاةً" فذَكَرَ الحديثَ، إلى أن قال: "فَرَجَعْتُ إلَى رَبِّى، فقال: هىَ خَمْسٌ وهِىَ خَمْسُونَ، ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ". مُتَّفَقٌ عليه. (١٠) وعن عُبادة بن الصَّامتِ
стр. 513
قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُنْقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ (١١)، فإنّ اللهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَهْدًا أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ومَنْ جاءَ بِهِنَّ وقَدْ نَقَصَ (١٢) مِنْهُنَّ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (١٣). ورُوِىَ عن طَلْحَة بن عُبيدِ اللهِ، أنَّ أعرابيًّا أتى إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ماذا فرض اللهُ علىَّ من الصَّلاةِ؟ قال: "خَمْسُ صَلَواتٍ"، قال: فَهَلْ عَلىَّ غَيْرُها؟ قال: "لَا إلَّا أنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا"، فقال الرجلُ: والذي بَعَثَكَ بِالحقِّ لا أزِيدُ عليها، ولَا أنْقُصُ منها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أفلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ". مُتَّفَقٌ عليه. (١٤) وَزيَادة الصلاةِ يجوز أنْ تكونَ في السُّننِ، فلا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها فَرضًا، ولأنها صلاةٌ تُصَلَّى على الرَّاحِلَةِ من غَيرِ ضرورةٍ، فكانتْ نافلةً كالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ.
стр. 514
باب المواقيتِ
أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك (١٥) في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)
بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ ﷺ ، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها ﷺ -حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الهَجِيرَ (١) التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه (٢)، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.
стр. 515
وأَجْمَعَ المسلمون (٣) أهْل العِلْمِ على أنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهْرِ: إذا زالتِ الشَّمْسُ. قالهُ ابن المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ. وقد تظاهرت الأخبارُ بذلك، فمنها؛ ما رَوى ابْنُ عَبَّاسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "أمَّنِى جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ في الأُولَى مِنْهُما، حينَ كان الفَىءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ (٤)، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، وأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ وحَرُمَ الطَّعَامُ على الصَّائِمِ، وصَلَّى في المَرَّةِ الثَّانيةِ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ [لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ] (٥)، ثمَّ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ (٦) حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حين أسْفَرَتِ الأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَىَّ جِبْرِيلُ فقال: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، والوَقْتُ فِيمَا (٧) بَيْنَ هذَيْنِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابن ماجَه والتِّرْمِذِىُّ (٨)، وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ (٩). ورَوَى جَابِرٌ نحوَهُ، ولم يَذْكُرْ فيه "لِوَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ" (١٠)، وقال البُخَارِىُّ: أصَحُّ حديثٍ في المواقيتِ
стр. 516
حديثُ جابِرٍ. ورَوَى بُرَيْدَةُ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ رجلًا سَألَهُ عن وَقْتِ الصَّلَاةِ، فقال: "صَلِّ مَعَنا هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ" (١١). فَلمَّا زالتِ الشَّمْسُ أمَرَ بِلَالًا فأذَّنَ، ثم أمَرَهُ فأقام الظُّهْرَ، ثم أمرَهُ فأقام العَصْرَ والشَّمْسُ مُرتَفعةٌ بيضاءُ نَقيَّةٌ لم يُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ، ثم أمَرَهُ فأقام المَغْرِبَ حين غابت الشَّمْسُ، ثم أمَرَهُ فأقام العِشَاءَ حين غاب الشَّفَقُ، ثم أمرَهُ فأقام الفَجْرَ حين طلع الفَجْرُ، فلما كان اليوم الثَّانِى أمرَه فأبْرَدَ في الظُّهْرِ، فأنْعَمَ أنْ يُبْرِدَ بها، وصلَّى العصرَ والشَّمْسُ بيضاءُ مرتفعةٌ، آخِرُها فوقَ الذي كان، وصَلَّى المَغْرِبَ حين غاب الشَّفَقُ، وصَلَّى العِشاءَ حين ذَهَبَ (١٢) ثُلُثُ اللَّيل، وصَلَّى الفَجْرَ فأسْفَرَ بها، ثم قال: "أيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ ". فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ اللهِ. فقال: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ". رواهُ مُسْلِم، وغيرُه (١٣). ورَوَى أَبو دَاوُد، عن أبي موسى نَحْوَهُ (١٤)، إلا أنَّه قال: بدأ فأقام الفجْرَ حين انْشَقَّ الفجرُ، فصلَّ ى حين كان الرَّجُلُ لا يَعْرِفُ وَجْهَ صاحِبِهِ، أو أنَّ الرجلَ لا يعرفُ مَن إلى جَنْبِهِ، فلما كان الغَدُ صَلَّى الفَجْرَ وانصرف، فقُلْنا: طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وفِي الباب أحادِيثُ كثيرة.
فصل: ومعنى زوالِ الشمسِ مَيْلُها عن كَبِدِ السَّماءِ، ويُعْرَفُ ذلك بِطُولِ ظِلِّ الشَّخْصِ بعدَ تَنَاهِى قِصَرِهِ، فَمنْ أرادَ مَعْرِفَةَ ذلك فَلْيُقَدِّر ظِلَّ الشَّخْص (١٥)، ثم يَصْبِرْ قليلًا، ثم يُقَدِّرْه ثانيًا، فإن كان دُونَ الأوَّلِ فلم تَزُلْ، وإنْ زادَ ولم
стр. 517
يَنْقُصْ فقد زالت وأمَّا مَعْرِفَةُ ذلك بالأقدامِ، فتختلفُ باخْتِلافِ الشُّهورِ والبُلدان، فكلَّما طال النهارُ قَصُرَ الظِّلُّ، وإذا قَصُرَ طال الظِّلُّ، فكل يومٍ يزيدُ أو يَنْقُصُ، فنذكُرُ ذلك في وسط كُلِّ شَهْرٍ، على ما حكى أبو العَبَّاس السِّنْجىّ (١٦)، ﵀، تَقْرِيبًا، قال: إنَّ الشَّمْسَ تَزُولُ في نِصْفِ حَزِيرَان على قَدَمٍ وثُلُثٍ، وهو أقلُّ ما تزولُ عليه الشَّمْسُ، وفى نصْف تَمُّوزَ ونصف أيَّارَ على قَدَمٍ ونِصفٍ وثُلُثٍ، وفِي نصفِ آبَ ونَيْسَانَ على ثلاثةِ أقدامٍ، وفى نصف آذَارَ وأيْلُولَ على أربعةِ أقْدَامٍ ونصفٍ، وهو وقتُ اسْتواءِ اللَّيْل والنهارِ، وفى نصفِ تَشْرِينَ الأوَّل وشُبَاط على ستَّةِ أقدامٍ ونصفٍ، وفى نصف تَشْرِينَ الثَّانِى وكَانُونَ الثَّانى على تِسعةِ أقدامٍ، وفى نصف كَانُونَ الأوَّل على عشرةِ أقدامٍ وسُدْسٍ، وهذا أنْهى ما تزولَ عليه الشَّمْسُ. فهذا ما تزولُ عليه الشمسُ في أقاليم العراق والشَّامِ وما سامَتَهُما من البُلدانِ، فإذا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذلك فَقِفْ على مُسْتَوٍ من الأرضِ، وعَلِّمْ الموضِعَ الذي انتهى إليه ظِلُّكَ، ثم ضَعْ قدمك اليُمْنَى بين يدى قدمك اليُسْرَى، وأَلْصِقْ عَقِبَكَ بإبْهامِك، فإذا (١٧) بَلَغْتَ مساحة هذا القَدْر بعد انتهاءِ النَّقْصِ فهو الوَقْتُ الذي زالت عليه الشَّمْسُ، ووجبت به صلاةُ الظُّهْرِ.
فصل: وتَجِبُ صلاةُ الظُّهْرِ بزوال الشَّمْسِ، وكذلك جميعُ الصَّلوات تجبُ بدخولِ وقتِها في حَقِّ مَنْ هو مِنْ أَهْلِ الوُجُوبِ، فأمَّا أهلُ الأعذارِ؛ كالحائض والمجنونِ والصَّبِىِّ والكافر، فَتَجِبُ في حَقِّهِ بأوَّلِ جُزْءٍ أدْرَكَهُ من وقتِها بعد زوالِ عُذْرِهِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، ﵀. وقال أبو حَنيفَة، ﵀: يجبُ تَأخُّرُ (١٨) وقتِها إذا بَقِىَ منه ما لا يَتَّسِعُ لأكْثَر منها؛ لأنه في أوَّلِ الوقتِ يَتَخَيَّرُ بين فِعْلِها وتَرْكِها، فلم تكُنْ واجِبَةً كالنَّافِلَةِ. ولَنا، أَنَّهُ مأْمُورٌ بها في أوَّلِ الوقتِ بِقولِهِ تعالى:
стр. 518
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١٩). والأمرُ يقتضى الوجُوبَ على الفَوْرِ، ولأنَّ دُخُولَ الوقتِ سببٌ للوجوبِ، فيترتَّبُ عليه حُكْمُهُ حين وجودِه، ولأنها يُشْتَرَطُ لها نِيَّةُ الفَريضةِ، ولو لم [تكنْ واجبةً] (٢٠) لَصَحَّتْ بدُون نِيَّة الواجبِ كالنَّافِلةِ، وتُفَارِقُ النَّافِلةَ؛ فإنَّها لا يُشْتَرَطُ لها ذلك، ويَجُوزُ ترْكُهَا غيرَ عازِمٍ على فِعْلِها، وهذه إنَّما يَجُوزُ تَأْخِيرُها مع العَزْمِ على فِعْلِها، كما تُؤَخَّرُ صلاةُ المَغْرِبِ ليلةَ مُزدَلِفَةَ عن وقْتِها، وكما تُؤَخَّرُ سائرُ الصَّلَوَاتِ عن وقتِها إذا كان مُشْتَغِلًا بِتَحْصِيلِ شَرْطِها.
فصل: ويَسْتَقِرُّ وُجُوبُها بما وجبتْ به. فلو أدركَ جُزْءًا من أوَّل وقتها ثم جُنَّ، أو حاضتِ المرأةُ، [لَزِمَها القَضَاءُ إذا أمْكنَها] (٢١). وقال الشَّافِعِىُّ وإسْحاق: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِىِّ زمنٍ يُمْكِنُ فِعْلُها فيه، ولا يجِبُ القضاءُ بما دون ذلك. واخْتارهُ أبو عبد اللهِ ابن بَطَّة؛ لأنه لم يُدْرِكْ منَ الوقتِ ما يُمْكِنُهُ أن يُصَلِّىَ فيه، فلم يَجب القَضَاء، كما لو طرأ العُذْرُ قبل دُخولِ (٢٢) الوقت. ولَنا، أنها صلاةٌ وَجَبَتْ عليه، فوجبَ قضاؤْها إذا فاتَتْهُ، كالتِى أمكن أداؤُها، وفارقت التي طرأ العُذْرُ قبلَ دخولِ وقتِها؛ فإنها لم تَجِبْ، وقياسُ الواجب على غيرِه غيرُ صحيحٍ.
١١٠ - مسألة؛ قال: (فإذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا)
يعني أنَّ الفَىْءَ إذا زاد على ما زالتْ عليهِ الشَّمْسُ قَدْرَ ظِلِّ طُولِ الشَّخْصِ، فذلك آخِرُ وقتِ الظُّهْرِ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبدِ اللَّه: وأىُّ شيءٍ آخرُ وقتِ الظُّهْرِ؟ قال: أنْ يصيرَ الظِّلُّ مِثْلَه. قِيلَ له: فمتى يكونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ؟ قال: إذا زالتِ الشَّمْسُ، فكان الظِّلُّ بعد الزَّوال مِثْلَهُ، فهو ذاك.
ومعرفةُ ذلك أنْ يَضْبطَ ما زالتْ عليه الشَّمْسُ، ثم ينظرَ الزِّيادةَ عليه، فإنْ
стр. 519
كانت قد بلغت قَدْرَ الشَّخْصِ، فقد انتهى وقتُ الظُّهْرِ، ومِثْلُ شَخْصِ الإِنسانِ سِتَّةُ أقدامٍ ونصفٍ بِقدمِهِ، أو يزيدُ قليلًا، فإذا أرَدْتَ اعْتِبارَ الزِّيادَةِ بِقَدَمِكَ مسحتها على ما ذكرناهُ في الزَّوالِ، ثم أسْقَطْتَ منه القَدْرَ الَّذِى زالت عليه الشَّمْسُ، فإذا بلغ الباقى ستَّةَ أقدامٍ ونصفٍ فقد بلغ المِثْلَ، فهو آخِرُ وقتِ الظُّهْرِ، وأولُ وقت العَصْرِ. وبِهذا قال مَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ونحوَه قال أبو يُوسُف، ومحمد، وأبو ثَوْرٍ، وداوُد. وقال عَطَاءٌ: لا تَفْرِيطَ لِلظُّهْرِ حتى تدخلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ. وقال طاوُس: وقتُ الظُّهْرِ والعصر إلى اللَّيْلِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ: وقتُ الاخْتِيَارِ إلى أن يصيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَه، ووقتُ الأداءِ إلى أن يَبْقَى من غروبِ الشَّمْسِ قَدْرُ ما يُؤَدَّى فيه العَصْرُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جمع بين الظُّهْرِ والعَصْرِ في الحَضَرِ. وقال أبو حَنِيفَة: وقتُ الظُّهْرِ إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّمَا مَثَلُكُمْ ومَثَلُ أهْلِ الكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا، فقالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ غُدْوَةٍ إلى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهوُدُ، ثمَّ قالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنَ العَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْس عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فأَنْتُمْ هُمْ. فَغَضِبَ اليَهُودُ والنَّصَارَى، وقالُوا: ما لَنَا أكثَرُ عَمَلًا وأَقَلُّ عَطَاءً؟ قالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ منْ حَقِّكمْ؟ قالُوا: لَا، قال: فذلكَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ". أخرجهُ البُخَارِىُّ. (١) وهذا يَدُلُّ على أنَّ من الظُّهْرِ إلى العَصْرِ أكثرَ من العَصْرِ إلى المغرب.
ولَنا، أن جِبْرِيلَ، ﵇، صَلَّى بِالنَّبِىِّ ﷺ الظُّهْرَ حين كان الفَىْءُ مثلَ
стр. 520
الشِّراكِ في اليومِ الأولِ، وفى اليومِ الثَّانِى حين صار ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَه، ثمّ قال: "الوَقْتُ مَا بَيْنَ هذيْن". وحديث مالِكٍ مَحْمُولٌ على العُذْرِ بِمطَرٍ أو مرضٍ، وما احْتَجَّ به أبو حنيفَة لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه قال: إلى صلاةِ العَصْرِ. وفِعْلُها يكون بعد دخولِ الوقتِ وتَكَامُلِ الشُّرُوطِ، على أن أحادِيثَنا قُصِدَ بها بيانُ الوقت، وخبرُهم قُصِدَ به ضَرْبُ المَثَلِ، فالأخْذُ بأحادِيثنا أوْلَى. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: خَالَفَ أبو حنيفَة في قولِه هذا الآثَارَ والنَّاسَ، وخَالَفَهُ أصْحابُهُ.
١١١ - مسألة؛ قال: (وإذَا زَادَ شَيْئًا وَجَبَتِ العَصْرُ)
وجُمْلَتُه أن وقت العَصْرِ من حين الزِّيَادَةِ على المِثْلِ أدنى زيادَةٍ مُتَّصِلٌ بوقتِ الظُّهْرِ، لا فصلَ بينهما، وغيرُ الخِرَقِىِّ قال: إذا صار ظِلُّ الشَّىْء مِثْلَهُ فهو آخِرُ وقت الظُّهْرِ وأوَّل وقتِ العَصْرِ. وهو قريبٌ مما قال الخِرَقِىُّ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وقال أبو حَنِيفَة: إذا زادَ على المِثْلَيْنِ؛ لِما تَقَدَّمَ من الحديثِ، ولقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٢)، ولو كان على ما ذكَرْتُمُوه لكانَ (١) وَسَطَ النَّهَارِ. وحُكِىَ عن رَبيعةَ: أن وقتَ الظُهْرِ والعصر إذا زالتِ الشَّمْسُ. وقال إسحاق: آخِرُ وقتِ الظُّهْرِ وأوَّلُ وقت العَصْرِ يَشْتَرِكَانِ في قَدْرِ الصَّلَاةِ، فلو أنَّ رَجُلين يُصَلِّيَانِ معًا، أحَدُهُما يُصَلى الظُّهْرَ والآخَرُ العصرَ، حين صار ظِلُّ كُلِّ شيء مِثْلَهُ، كان كُلُّ واحدٍ منهما مُصَلِّيا لها في وقتها. وحُكِىَ ذلك عن ابْنِ المُبارَكِ؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ: "صَلَّى بِى الظُّهْرَ لوَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ". ولَنا، ما تقدم في حديث جِبْرِيلَ، ﵇، وقولُه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٢) لا يَنْفى ما قُلْنَا؛ فإن الطَّرَفَ ما تراخَى عن الوسط، وهو موجودٌ في مسألتِنا، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لِوَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ". أراد مُقارنةَ الوقت، يعني أنَّ ابْتِداءَ صلاتِه اليومَ العصرَ مُتَّصِلٌ بوقتِ انْتهاء صلاةِ الظُّهْرِ في اليوم الثَّانِى، أو مُقَارِبٌ له؛ لأنه قَصَدَ به بيانَ المواقيت،
стр. 521
وإنما تَبيَّن أَوَّلُ الوقت بابْتداءِ فعلِ الصَّلَاةِ، وتَبيَّن آخِرُهُ بالفراغ منها، وقد بَيَّنهُ قولُ النَّبِيِّ ﷺ في حديث عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو: "وَقْتُ الظُّهْرِ؛ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ". رواه مُسْلِم وأبو دَاوُد (٢)، وفي حديثٍ رواه أبو هُرَيْرَة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وآخِرَ وَقْتِهَا حينَ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ". أخرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٣)
١١٢ - مسألة؛ قال (وَإذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَيْهِ خرَجَ وَقْتُ الاختِيَارِ)
اختَلفت الرِّواية عن أحمدَ، رضىَ اللهُ عنه، في آخر وقت الاختيار؛ فرُوِىَ: حينَ يصيرُ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَيْهِ. وهو قولُ مالِكٍ، وَالثَّوْرِىِّ، وَالشَّافِعِىِّ؛ لقوله في حديث ابْن عبَّاسٍ، وجابِر: "الوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ". وَرُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، أن آخرَه ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ. وهى أصَحُّ عنه. حكاها (١) عنه جماعةٌ، منهم الأَثْرَمُ، قال: سمعته يُسأَلُ عن آخر وقت العَصْرِ؟ فقال: هو تَغَيُّرُ الشمس. قِيلَ: ولا تقول بالمِثْلِ أو المِثْلَيْن (٢)؟ قال: لا، هذا عندى أكثرُ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأبى يوسُف، ومحمدٍ، ونحوُه عن الأوْزَاعِىِّ؛ لحديث عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ". رواه مُسْلِم (٣). وفي حديث أبى هُرَيْرَة، عَن النَّبِيِّ ﷺ : "وإنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ
стр. 522
تَصْفَرُّ الشَّمْسُ" (٤). وفي حديث بُرَيْدَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى العصر في اليومِ الثَّانِى والشَّمْسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ لم تُخالطْها صُفْرَةٌ. (٥) قال ابن عبدِ البَرِّ: أجمع العُلماءُ على أنَّ من صلَّى العَصْرَ والشَّمْسُ بيضاءُ نَقيَّة، فقد صلَّاهَا في وقتها. وهذا (٦) دليل على أنَّ مُراعاةَ المِثْلَيْنِ عندهما استِحبابٌ، ولَعلّهُما مُتقاربان يُوجَدُ أحدُهما قريبًا من الآخَر.
فصل: ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ العَصْرِ عن وقتِ الاختيارِ لغيرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ منَ الأخْبَارِ، وروى مُسْلِمٌ وأبو دَاوُد بإسنادِهِمَا، عن أنَسِ بنِ مالِكٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أحَدُهُم، حَتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، أوْ عَلَى قَرْنَىْ شَيْطَانٍ (٧)، قامَ، فنَقَرَ أرْبَعًا، لَا يَذكُرُ اللهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا" (٨). ولو أُبِيحَ تأخِيرُهَا لَمَا ذَمَّهُ عليهِ، وجَعَلَهُ علامةَ النِّفَاقِ.
١١٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَدْرَك مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الضَّرُورَةِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ ثم أدْرَكَ منها ركعةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فهو مُدْرِكٌ لها، ومُؤَدٍّ لها في وقتِها، سَوَاء أخَّرَهَا لِعُذْرٍ أو لغير عُذرٍ، إلَّا أنه إنما يُبَاحُ
стр. 523
تأخِيرُها لِعُذْرٍ ضرورة (١)، كحائِض تَطْهُرُ، وكافِرٍ (٢) يُسْلِمُ، وصَبِىٍّ يَبْلُغُ، ومجنُونٍ يُفِيقُ، ونائِمٍ يَسْتَيْقِظُ، ومرِيضٍ يَبْرَأُ، وهذا معنى قَوْلِه: "مَعَ الضَّرُورَةِ". فأمَّا إدْرَاكُها بإدْرَاكِ رَكْعَةٍ منها، فَيَسْتَوِى فيه المَعْذُورُ وغيرُه، وكذلك سائِرُ الصَّلَوَاتِ يُدْرِكُها بإدْراكِ رَكْعَةٍ منها في وقتِها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفي رِوَايَةٍ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا.
فصل: وهَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بإدْرَاكِ ما دون ركعةٍ؟ فيه رِوَايتانِ: إحْدَاهما لا
стр. 524
يُدْرِكُها بأقلَّ من ذلك، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، ومذهبُ مَالِكٍ؛ لِظاهِرِ الخبر الذي رويْنَاهُ، فإنَّ تَخْصِيصَهُ الإِدراكَ بِرَكْعَةٍ يَدُلُّ على أنَّ الإِدْرَاكَ لا يَحْصُلُ بأقَلَّ منها، ولأنه إدركٌ، للصَّلاةِ، فلا يَحْصُلُ بأقَلَّ من ركعةٍ كإِدراكِ الجُمُعَةِ. والثانيةُ، يُدْرِكُها بإدراكِ جُزْءٍ منها، أىّ جُزْءٍ كان. قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنه يكونُ مُدْرِكًا لها بإدْرَاكِهِ. وقال أبو الخَطَّاب: مَنْ أدرك من الصَّلَاةِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ الوَقْتُ فقد أدْرَكَهَا. وهذا مذهبُ أبى حنيفَة. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلانِ كَالمَذْهَبَيْنِ. ولأنَّ أبا هُرَيْرَة رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ"، وإذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَه"، مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولِلنَّسائِىِّ "فَقَدْ أَدْرَكَهَا (٦) "، ولأن الإِدْرَاكَ إذا تَعَلَّقَ به حُكْمٌ في الصَّلَاةِ اسْتَوَى فيه الرَّكْعَةُ وما دونها، كإدْراكِ الجماعةِ، وإدراكِ المُسَافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، ولَفْظُ الحَدِيثِ الأَوَّلِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، والمَنْطُوقُ أَوْلَى منهُ، والقِيَاسُ يَبْطُلُ بإدْراكِ ركعَةٍ دون تَشَهُّدِها.
فصل: وصلاةُ العَصْرِ هي الصلاةُ الوُسْطى، في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهم، منهم: عَلِىُّ بنُ أبى طالِبٍ، وأبو هُريْرَة، وأبو أيُّوب، وأبو سَعِيد، وعَبِيدةُ السَّلْمانِىّ، والحسنُ، والضَّحَّاكُ، وأبو حنِيفَة، وأصحابُهُ. ورُوِىَ عن زيْدِ بنِ ثابِتٍ وعائشةَ أَنَّها صَلَاةُ الظُّهْرِ. وبه قال عبدُ اللَّه بن شَدَّاد (٧)؛ لِمَا رُوىَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولم يكنْ يُصَلِّى صلاةً أَشَدَّ على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مِنْها،
стр. 525
فَنَزَلَت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٨). رَوَاهُ أبو دَاوُد (٩). ورَوَتْ عائشةُ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَرَأَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [صلاةِ العَصْرِ] (١٠)﴾ رَوَاهُ أبو دَاوُد والتِّرمِذِىُّ، (١١) وقال: حديثٌ صحيحٌ. وقال طاوُس، وعَطَاءٌ، وعِكْرِمَة، ومُجَاهِدٌ، والشَّافِعِىُّ: هي الصُّبْحُ، لقوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. والقُنُوتُ طُولُ القِيَامِ، وهو مُخْتَصٌ بالصُّبْحِ، ولأنَّها من أثْقَلِ الصَّلَاةِ على المُنافِقِينَ، ولذلك (١٢) اخْتُصَّتْ بالوَصِيَّة بالمُحافظةِ (١٣) عليها، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١٤)، يَعْنِى صلاةَ الفجرِ والعَصْرِ، ورَوَى جَرِيرُ بنُ عبدِ اللَّه قال: كنا جُلُوسًا عند رسولِ اللهِ ﷺ ، إذ نَظَرَ إلى القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، فقال: "أَمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ فِي رُؤيَتِهِ، فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا". مُتَّفَقٌ عليه. (١٥) ولِلْبُخَارِىِّ: "فَافْعَلُوا" ثمَّ قَرَأ جَرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ
стр. 526
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١٦) وقال النَّبِيُّ ﷺ : "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ. فَيَسْأَلُهُم، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى؟ فيقَولُون: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتْيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". وقال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ". يُرِيدُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ. وقال: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في [صَلَاةِ العَتَمَةِ والصُّبْحِ] (١٧) لأَتُوْهُمَا ولَوْ حَبْوًا". مُتَّفَقٌ على هذه الأحادِيث (١٨). وقِيلَ: هي المَغْرِبُ؛ لأنَّ الأُولَى هي الظُّهْرُ، فتكون المَغْرِبُ الثَّالِثَةَ، والثَّالِثَةُ من كُلِّ
стр. 527
خَمْسٍ هي الوُسْطَى، ولِأَنَّهَا وُسْطَى في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، ووُسْطَى في الأَوْقَاتِ؛ لأنَّ عددَ ركعاتِها ثَلَاثٌ، فهى وُسْطى بين الأربعِ والاثْنَيْنِ، ووقْتُها في آخِرِ النَّهَارِ وَأوَّلِ اللَّيْلِ، وخُصَّتْ من بينِ الصلاةِ بأنَّها وِتْرٌ، واللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، وبأنها تُصَلَّى في أوَّلِ وقِتها في جَمِيعِ الأمْصَارِ والأعْصَارِ، ويُكْرَهُ تَأْخِيرُها عنه، وكذلك صلَّاهَا جِبْرِيلُ بالنَّبِيِّ ﷺ في اليومينِ لِوَقْتٍ واحدٍ، ولذلك ذهب بعضُ الأئِمَّةِ إلى أَنَّها ليس لها إلَّا وقتٌ واحِدٌ لذلك، وقال (١٩) النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ أُمَّتِى"، أو قال: "هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ" أو قال: "عَلى الفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ". رواهُ أبو دَاوُد (٢٠). وقِيل: هي العِشَاءُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ، قال: مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلينا حين ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بَعْدَه، فقال: "إنَّكُم لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُم، ولَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ". وقال: "إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الغَدَاةِ والعِشَاءِ الآخِرَةِ، ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتُوْهُمَا ولَوْ حَبْوا". مُتَّفَقٌ عليهما (٢١).
стр. 528
ولَنا، ما رُوِىَ عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وقُبُورَهُمْ نارًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). وعن ابنِ مسعُودٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاةُ الوُسْطىَ صَلَاةُ العَصْرِ" (٢٣). عن سَمُرَةَ مِثْلُه (٢٤)، قال التِّرْمِذِىُّ في كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما: هذا (٢٥) حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهذا نَصٌّ لا يجوزُ التَّعْرِيجُ معه على شيءٍ يُخَالِفُه، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ومَالَهُ (٢٦) ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧) وقال: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ
стр. 529
حَبِطَ عَمَلُهُ (٢٨) ". رواهُ البُخَارِىُّ، وابن ماجَه (٢٩). وقال: "إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فمَنْ حَافَظَ عَلَيْها كانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، ولَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ". يَعْنى النَّجْمَ. رواهُ البُخَارِىُّ (٣٠). ومَا ذُكِرَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ فقد شارَكَتْهُ صلاةُ العَصْرِ في أكْثَرِه، ورِوايَةُ عائشَة "وصَلَاةُ العَصْرِ" فَالوَاوُ زائِدَةٌ كالواوِ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٣١). وفى قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣٢). وقولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣٣). فالقُنُوتُ قد (٣٤) قِيلَ: هو الطَّاعَةُ. أىْ قُومُوا للَّه مُطِيعِينَ. وقِيلَ: القُنُوتُ السُّكُوتُ. قال زيدُ بنُ أرْقَمْ: (٣٥) كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا
стр. 530
بالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عن الكَلَامِ. ثم ما رَوَيْنَاهُ (٣٦) نصٌّ صَرِيحٌ. فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هذا الوَهْمِ، أو يُعَارضُ به؟
١١٤ - مسألة؛ قال: (وإذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَجَبَت المَغْرِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَغيبَ الشَّفَقُ)
أمَّا دُخُولُ وَقْتِ المَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فإِجْماعُ أهلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ بينَهُم خلَافًا فيه، والأحادِيثُ دَالَّةٌ عليه. وآخِرُه: مَغِيبُ الشَّفَقِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وبعضُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ: ليس لها إلا وقْتٌ واحِدٌ، عند مَغِيبِ الشَّمْسِ؛ لأن جِبْرِيلَ، ﵇، صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ في اليَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ أُمَّتِى بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْربَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجومُ (١) ". ولِأن المسلمينَ مُجْمِعُونَ على فِعْلِها في وقتٍ وَاحِدٍ في أوَّلِ الوَقْتِ. وعن طَاوُوس: لا تفوتُ المغربُ والعِشَاءُ حَتَّى الفَجْرِ. ونحوُه عن عَطَاءٍ؛ لِمَا ذَكرْناهُ (٢) في الظُّهْرِ والعَصْرِ. ولَنا، حديث بُرَيْدةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى المَغْرِبَ في اليَوْمِ الثَّانِى حين غاب الشَّفَقُ (٣). وفِي لفظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ: فَأَخَّرَ المَغْرِبَ إلى قُبَيلِ (٤) أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. ورَوَى أبو مُوسَى أنَّ النَّبىَّ ﷺ أَخَّرَ المَغْرِبَ في اليَوْمِ الثَّانِى حتَّى كان عند سُقُوطِ الشَّفَقِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وأبو داوُد (٥). وفي حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ