← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

فِعْلٍ، فلم يَضْمَنْها، كالذى لم يَنْوِ، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بقَصْدِ التَّمَلُّكِ (١٤)، فإنَّه عَمِلَ فيها بأخْذِها ناوِيًا للخِيانةِ فيها، فوَجَبَ الضَّمانُ بفِعْلِه المَنْوِىِّ، لا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. ولو الْتَقَطها قاصِدًا لتَعْرِيفها، ثمَّ نَوَى بعدَ ذلك إمْساكَها لِنَفْسِه، كانت كمسأَلَتِنا. ولو أخْرَجَها بِنِيَّةِ الاسْتعمالِ، فلم يسْتَعْمِلْها، ضَمِنَها. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُها إلَّا بالاسْتعمالِ؛ لأنَّه لو أخْرَجَها لِنَقْلِها (١٥) لم يَضْمَنْها. ولَنا، أنَّه تَعَدَّى بإخْراجِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَعْملَها، بخلافِ ما إذا نَقَلَها (١٦). فصل: والمُودَعُ أمينٌ، والقولُ قولُه فيما يَدَّعِيه من تَلَفِ الوَديعةِ. بغيرِ خلافٍ. قال ابنُ المنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ على أَنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَديعةَ، ثمَّ ذَكَرَ أَنَّها ضاعتْ، أَنَّ القولَ قولُه. وقال أكثَرُهم: مع يَمِينِه. وإن ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قولُه مع يَمينِه أيضًا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. [وبه قال] (١٧) مالكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بينةٍ. وإن كان أوْدَعَه بِبَيِّنةٍ لم يُقْبَلْ قولُه فى الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنةٍ. ولَنَا، أنَّه أمينٌ لا مَنْفعةَ له فى قَبْضِها، فقُبِلَ قولُه فى الرَّدِّ بغير بِبَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بِبَيِّنةٍ. وإن قال: دَفَعْتُها إلى فلانٍ بأمْرِكَ. فأنْكَرَ مالِكُهَا الإذنَ فى دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رواية ابنِ منصورٍ. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: القولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه. ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ به من الوَديعةِ، فكان القولُ قولَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها. ولو اعْترفَ المالكُ بالإذْنِ، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها. فالقولُ قولُ المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثمَّ نَنْظُرُ فى المَدْفوعِ

стр. 4657

إليه؛ فإنَّ أَقَرَّ أَنَّه قَبَضَه، وكان الدَّفْعُ فى دَيْنٍ، فقد بَرِىءَ الكُلُّ، وإن أَنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وقد ذَكَرَ أصحابُنا أنَّ الدافِعَ يَضْمَنُ؛ لكَوْنِه قَضَى الدَّيْنَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا يَجبُ اليَمينُ على صاحِبِ الوَديعةِ؛ لأنَّ المُودَعَ مُفرِّطٌ، لكَوْنِه أذِنَ فى قَضاءٍ يُبَرِّئُه من الحَقِّ ولم يَبْرَأُ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه. وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنَةٍ؛ لأنَّ المُودَعَ يُقْبَلُ قولُه فى التَّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائدةَ فى الإِشْهادِ عليه. فعلى هذا يَحْلِفُ المُودَعُ، وَيَبْرَأُ، ويَحْلِفُ الآخرُ وَيَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها من مَالِكِها. فصل: وإذا أُودِعَ بَهِيمةً، فأمَره صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لوجهينِ؛ أحدهما، لحُرْمةِ صاحِبِها؛ لأنَّه أخَذَها منه على ذلك. والثانى، لحُرْمةِ البَهيمةِ، فإنَّ الحيوانَ يَجِبُ إحياؤُه بالعَلْفِ والسَّقْىِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ منه، فلا يلزمُه بمُجَرَّدِ أَمرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ. وإن أطْلَقَ ولم يأْمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك أيضًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفظَه إيَّاها، ولم يأمُرْ بعَلْفِها، والعَلْفُ على مالِكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ فى مالِه. ولَنا، أنَّه لا يجوزُ إتْلافُها، ولا التَّفريطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، ثمَّ نَنْظُرُ؛ فإنَّ قَدَرَ المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيلِه، طالَبه بالإِنْفاقِ عليها، أو بِرَدِّها عليه، أو يَأْذَنُ له فى الإِنْفَاقِ عليها ليَرْجِعَ به. فإنْ (١٨) عَجَزَ عن صاحِبِها أو وكيلِه، رفَع (١٩) الأمرَ إلى الحاكمِ، فإنَّ وَجَدَ لصاحِبِها مالًا أَنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَلَ ما يَرَى لصاحِبها الحَظَّ فيه، من بَيْعِها، أو بَيْعِ بعضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتِها، أو الاسْتِدانةِ على صاحِبِها من بيتِ المالِ، أو من غيرِه، ويَدْفَعُ ذلك إلى المُودَعِ إن رأى (٢٠) ذلك ليُنْفِقَه عليها، وإن رأى دَفْعَه إلى غيرِه ليتولَّى الإِنفاقَ عليها، جازَ. وإن اسْتدانَ من المُودَعٍ، جاز أن يَدْفَعَه إليه ليتوَلَّى الإنفاقَ عليها؛ لأنَّه أمِينٌ عليها. ويجوزُ أن يَأذَن له الحاكمُ فى أن يُنْفِقَ عليها من مالِه،

стр. 4658

ويكونَ قابِضًا لنَفْسِه من نَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجتهادِه فى قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنَّ اختَلفا فى قَدْرِ النَّفقةِ، فالقولُ قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النفقةَ بالمَعْروفِ، وإن ادَّعَى أَكْثَر من ذلك، لم يَثْبُتْ له. وإن اختلَفا فى قَدْرِ المُدَّةِ التى أَنْفَقَ عليها (٢١)، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ ذلك. فإن لم يَقْدِرْ على الحاكمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحبِها، وأشْهَدَ على الرُّجوعِ، رَجَعَ بما أَنْفَقَ، رِوايةً واحدةً؛ لأنَّه مأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذا لم يَجِدْ حاكمًا. وإن فَعَلَ ذلك مع إمكانِ اسْتِئْذانِ الحاكمِ من غيرِ إذْنِه، فهل له الرجوعُ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايتَيْنِ. نصَّ عليهما فيما إذا أَنْفَقَ على البَهيمةِ المَرْهونةِ من غيرِ إذْنِ الراهنِ، وفى الضامنِ إذا ضَمِنَ وأدَّى (٢٢) بغيرِ إذنِ المَضْمونِ عنه، هل يَرْجِعُ به؟ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، يَرْجعُ به (٢٣)؛ لأنَّه مأذونٌ فيه عُرْفًا. والثانية، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكمِ. وإن أَنْفقَ من غيرِ إشهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتئذانِ الحاكمِ، أو مع إمْكانِه، ففى الرُّجوعِ وَجْهان أيضًا كذلك. ومتى عَلَفَ البهيمةَ أو سَقَاها فى دارِه، أو غيرِها، بنَفْسِه، أو أَمَرَ غُلامَه أو صاحِبَه، ففَعلَ ذلك، كما يَفْعلُ فى بهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادةُ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ هذا مأذونٌ فيه عُرْفًا، لجَريانِ العادةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به. فصل: وإن أوْدَعهُ البهيمةَ، وقال: لا تَعْلِفْها، ولا تَسْقِها. لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرمةً فى نَفْسِه يجبُ إحياؤُه لِحَقِّ اللَّهِ تعالى. فإن عَلَفَها وسَقَاها، كان كالقِسْمِ الذى قبلَه، وإن تَرَكها حتَّى تَلِفتْ، لم يَضْمَنْها. وهذا قولُ عامَّةِ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بِتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما (٢٤) إذا لم يَنْهَهُ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْىِ رسولِ اللَّه ﷺ عن إضاعةِ المالِ (٢٥). فيَصِيرُ أمرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءٌ. ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ لأمْرِ (٢٦) صاحِبها، فلم يَضْمَنْها، كما لو قال: اقْتُلْها

стр. 4659

فقَتَلها، وكما لو قال: لا تُخْرِج الوَديعةَ، وإن خِفْتَ عليها. فخافَ عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه صاحِبُها بإلْقائِها فى نارٍ أو بحرٍ. وبهذا يَنْتقِضُ ما ذكَرُوه. ومَنَعَ ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها (٢٧)؛ لما تقدَّمَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه ثابتٌ لصاحِبها، فلم يَغْرَمْ له شيئًا، كما لو اسْتنابَه فى مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه فى بقاءِ حَقِّ اللَّهِ تعالى، وهو التَّأْثِيمُ، أمَّا حَقُّ الآدَمِىِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه فى تَفْوِيتِه، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المأْذُونِ فيه، أشْبَهَ ما لو قال له: لا تُخْرِجْها إذا (٢٨) خِفْتَ عليها. فلم يُخْرِجْها. ١٠٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ فِى يَدِهِ وَدِيعَةٌ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ، فَقَالَ: أَوْدَعَنِى أحَدُهُمَا، وَلَا أعْرِفُهُ عَيْنًا. أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خرَجَتْ لَهُ القُرْعةُ حَلَفَ أَنَّها لَهُ، وسُلِّمتْ إلَيْهِ) وجُمْلتُه أَنَّ مَن كانت عندَه وَدِيعةٌ، فادَّعاها نَفْسانِ، فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، سُلِّمَتْ إليه؛ لأنَّ يَدَه دَلِيلُ (١) مِلْكِه، ولو ادَّعاها لِنَفْسِه، كان القولُ قولَه. فإذا أَقَرَّ بها لغيرِه، وَجَبَ أن يُقبَلَ، ويَلْزَمُه أن يَحْلِفَ للآخَرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِحَقِّه، فإنَّ حَلَفَ بَرِئ، وإن نَكَلَ لَزِمَه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه. وكذلك لو أَقَرَّ للثانى بها بعدَ أن أَقَرَّ بها للأوَّلِ، سُلِّمتْ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّه اسْتَحقَّها بإقْرارِه، وغَرِمَ قِيمَتَها للثانى. نَصَّ على هذا أحمدُ. وإن أقَرَّ بها لهما جَمِيعا، فهى بينهما، ويَلْزَمُه اليَمِينُ لكلِّ واحدٍ منهما فى نِصْفِها. وإن قال: هى لأحَدِهِما لا أعْرِفُه عَيْنًا. فاعْتَرَفا له بجَهْلهِ، تَعَيَّنَ المُسْتَحِقُّ لها، فلا يَمِينَ عليه. وإن ادَّعَيا مَعْرِفَتَه، فعليه يَمِينٌ واحدةٌ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك. وقال أبو حنيفةَ: يَحْلِفُ يَمِينَيْنِ، كما لو أَنْكَرَ أنَّها لهما. ولَنا، أَنَّ الذى يُدَّعَى عليه أَمْرٌ واحدٌ،

стр. 4660

وهو العِلْمُ بعَيْنِ المالكِ، فكَفَاه يمينٌ واحدةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، ويُفارِقُ ما إذا أَنْكَرَهَا (٢)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِى عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيانِ، فإنَّ حَلَفَ أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وقال الشَّافعىُّ: يَتَحالفانِ، ويُوقَف الشىءُ بينَهما حتَّى يَصْطَلِحَا. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشَّافِعىِّ قولٌ آخرُ، أنَّها تُقْسَمُ بيهما، كما لو أَقَرَّ بها لهما. وهذا (٣) الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه فيما حُكِىَ عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُسْتَوْدَعُ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا فى الحَقِّ فيما [ليس بأَيْديِهما] (٤)، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينهما، كالعَبْدَيْنِ إذا أعْتَقَهُما فى مَرَضِه فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبى حنيفةَ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ العَيْنَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه، ليس فى جَهْلِه تَفْرِيطٌ، إذ ليس فى وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ. ١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُودِعَ شيْئًا، فَأَخَذَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أو مِثْلَهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ ما أَخَذَ) وجملتُه أَنَّ مَن أَودِعَ شيئًا، فأخذَ بعضَه، لَزِمَه ضَمانُ ما أخَذ، فإن رَدَّه أو مثلَه، لم يَزُلِ الضَّمانُ عنه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال مالِك: لا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه أو مثلَه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن لم ينفِقْ ما أخذَه، ورَدَّهُ (١)، لم يَضْمَنْ، وإن أَنْفَقَه ثمَّ رَدَّه أو مثلَه ضَمِنَ. ولَنا، أَنَّ الضَّمانَ تعلَّق بذِمَّتِه بالأخْذِ، بدليلِ أَنَّه لو تَلِفَ فى يدِه قبلَ رَدِّه ضَمِنَه، فلا يزُولُ إلَّا برَدِّه إلى صاحبِه كالمَغْصُوبِ. فأَمَّا سائرُ الوديعةِ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان فى كِيس مَخْتومٍ أو مَشْدودٍ، فكَسَرَ الخَتْمَ أو حَلَّ الشَّدَّ، ضَمِنَ، سَواءٌ

стр. 4661

أُخْرِجَ منه أو لم يُخْرَجْ؛ لأنَّه هَتَكَ الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى به. وإن خَرَقَ الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ، فعليه ضَمان ما خَرَقَ خاصَّةً؛ لأنَّه ما هَتَكَ الحِرْزَ. وإن لم تكُنِ الدَّراهمُ فى كِيسٍ، أو كانت فى كيسٍ غيرِ مَشْدودٍ، أو كانت ثِيابًا فأخذَ منها واحدًا ثمَّ رَدَّه بعَيْنِه، لم يَضْمَنْ غيرَه؛ لأنَّه لم يتَعَدَّ فى غيرِه. وإن رَدّ بَدَلَه وكان مُتَمَيِّزًا، لم يضْمَنْ غيرَه لذلك، وإن لمِ يكُنْ مُتَميِّزًا، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ ههُنا أنَّه لا يَضْمَنُ غيرَه؛ لأنَّ التَّعدِّىَ اخْتَصَّ به، فيخْتَصُّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ الْمَرْدُودِ بغيرِه لا يقْتَضِى الضَّمانَ؛ لأنَّه يجبُ رَدُّه معها، فلم يُفَوِّتْ على نَفْسِه إمكانَ رَدِّها (٢)، بخلافِ ما إذا خَلَطَه بغيرِه. ولو أَذِنَ له صاحبُ الوَدِيعَةِ فى الأخْذِ منها، ولم يَأْمُرْه برَدِّ بَدَلِه، فأخَذَ ثمَّ رَد بَدَلَ ما أخذَ، فهو كرَدِّ بَدَلِ ما لم يُؤْذَنْ فى أخْذِه. وقال القاضى: يَضْمَنُ الكلَّ. وهو قولُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خَلَطَ الوَدِيعةَ بما لا يَتَميَّزُ منها، فضَمِنَ الكُلَّ، كما لو خَلَطَها بغيرِ البَدَلِ. وقد ذكرْنا فَرْقًا بين البَدَلِ وغيرِه، فلا يصِحُّ القياسُ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كَسَرَ خَتْمَ الكيس، لم يَلْزَمْه ضَمانُ الوديعةِ؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ فى غيرِه. ولَنا، أنَّه هَتَكَ حِرْزَها، فضَمِنَها إذا تَلِفَتْ، كما لو أوْدَعه إيَّاها فى صُنْدوقٍ مُقْفَلٍ (٣)، ففَتَحه وَتَرَكه مفتوحًا. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتَعدَّ فى غيرِ الخَتْمِ. فصل: وإذا ضَمِنَ الوديعةَ بالاستعمالِ أو بالجَحْدِ، ثمَّ رَدَّها إلى صاحبِها، زال عنه الضَّمان، فإن ردها صاحبُها إليه، كان ابتداءَ اسْتِئمانٍ، وإن لم يَرُدَّها إليه، ولكنْ جَدَّدَ له الاستئْمانَ، أو أَبْرَأهُ من الضَّمانِ، بَرِئَ من الضَّمانِ، فى ظاهرِ المذهبِ؛ لأنَّ الضَّمانَ حَقُّه، فإذا أَبْرَأهُ منه بَرئَ، كما لو أَبْرَأَهُ من دَيْن فى ذِمَّتِه. وإذا جَدَّدَ له (٤) اسْتِئْمانًا، فقد انْتَهَى القبضُ المضْمونُ به، فزال الضَّمانُ. وقد قال أصحابُنا: إذا رَهَنَ المغْصوبَ عندَ الغاصبِ، أو أوْدعَه عندَه، زال عنه ضَمانُ الغَصْبِ، فههُنا أَوْلَى.

стр. 4662

فصل: ولو تَعَدَّى فلَبِسَ الثوبَ، أو ركِبَ (٥) الدَّابَّةَ، أو أخذَ الوَدِيعةَ لِيَسْتعمِلَها، أو ليَخُونَ (٦) فيها، ثمَّ ردَّها إلى مَوْضعِها بنيَّةِ الأمانةِ، لم يَبْرَأْ من الضَّمانِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يبرأُ؛ لأنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْنِ مالكِها، فأشْبَهَ ما قبلَ التَّعَدِّى. ولَنا، أنَّه ضَمِنَها بِعُدْوانٍ، فبَطَلَ الاسْتِئْمانُ، كما لو جَحَدَها ثمَّ أقَرَّ بها، وبهذا (٧) يَبْطُلُ ما ذكَرُوه (٨). فصل: ولا يَصِحُّ الإِيداعُ إلَّا من جائزِ التَّصَرُّفِ، فإنَّ أوْدَعَ طِفْلٌ أو مَعْتُوهٌ إنسانًا وَدِيعةً، ضَمِنَها بقَبْضِها، ولا يزولُ الضَّمانُ عنه برَدِّها إليه، وإنَّما يزولُ بدَفْعِها إلى وَلِيِّه النَّاظِرِ له فى مالِه، أو الحاكِم. فإنْ كان الصَّبِىُّ مُمَيِّزًا، صَحَّ إيداعُه لما أُذِنَ له فى التصرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبالغِ بالنسبةِ إلى ذلك. فإنْ أَوْدَعَ رجلٌ عند صَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وديعةً، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها، سَواءٌ حَفِظَها أو فَرَّطَ فى حِفْظِها. فإن أَتْلَفَها، أو أكَلَها، ضَمِنَها فى قولِ القاضى وظاهرِ مَذْهب الشَّافعىِّ. ومن أصْحابِنا مَن قال: لا ضَمانَ عليه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه سَلَّطَهُ على إتْلافِها بدَفْعِها إليه، فلا يَلْزَمُه ضَمانُها (٩)، ألا تَرَى أَنَّه لو دَفَعَ إلى صغيرٍ سِكِّينًا، فوقَعَ عليها، كان ضَمانُه على عاقِلَتِه؟ ولَنا، أنَّ ما ضَمِنَه (١٠) بإتْلافِه قبلَ الإِيداعِ، ضَمِنَه بعدَ الإِيداعِ، كالبالغِ. ولا يصِحُّ قولُهم: إنَّه سَلَّطه على إتلافِها. وإنما اسْتَحْفَظه إيَّاها، وفارقَ دَفْعَ السِّكِّينِ، فإنَّه سَبَبٌ للإتْلافِ (١١)، ودَفْعُ الوديعةِ بخِلافِه. فصل: وإن أَوْدَعَ عبدًا وَديعةً، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ فى الصَّغِيرِ، إن قُلْنا: لا

стр. 4663

يَضْمَنُ الصَّبِىُّ. فأتْلَفَها العَبْدُ، كانت فى ذِمَّتِه. وإن قُلْنا: يَضْمَنُ. كانت فى رَقَبتِه. فصل: وإن غُصِبَتِ الوَدِيعةُ من المُودَعِ قَهْرًا، فلا ضَمانَ عليه، سواءٌ أُخِذَتْ من يَدِه، أو أُكْرِه على تَسْلِيمِها فسَلَّمها بنَفْسِه؛ لأنَّ الإِكْراهَ عُذْرٌ له (١٢)، يُبِيحُ (١٣) دَفْعَها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أُخِذَتْ من يَدِه قَهْرًا.

стр. 4664

باب قِسْمَةِ الفَىْءِ والغَنِيمَةِ والصَّدَقةِ الفَىْءُ: هو الرَّاجِعُ إلى المسلمينَ من مالِ الكُفَّارِ بغيرِ قِتالٍ. يقال: فاءَ الفىءُ. إذا رَجَعَ نحو المَشْرِقِ. والغنيمةُ: ما أُخِذَ منهم قَهْرًا بالقِتالِ. واشْتِقاقُها من الغُنْمِ، وهو الفائدةُ. كلُّ واحدٍ منهما [فى الحقيقةِ] (١) فَىْءٌ وغَنِيمةٌ، وإنَّما خُصَّ كلُّ واحدٍ منهما باسْمٍ مُيِّزَ به عن الآخَرِ، والأصلُ فيهما قولُ اللَّه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية (٢)، وقوله سُبْحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية (٣). ١٠٧٥ - مسألة؛ قال: (والْأَمْوَالُ ثَلَاثَةٌ؛ فَىْءٌ، وغَنِيمَةٌ، وصَدَقَةٌ) يعنى -واللَّهُ أعلم- أن (١) الأموالَ التى تَلِيهَا الوُلَاةُ من أمْوالِ المسلمينَ، فإنَّها ثلاثةُ أقسام؛ قِسْمانِ يُؤْخَذانِ من مالِ المُشْرِكِينَ، أحدُهما الفىءُ: وهو ما أُخِذَ من مالِ مُشْرِكٍ لم يُوجَفْ عليه بِخَيْلٍ ولا ركَابٍ، كالذى تَرَكُوه فَزَعًا من المُسْلِمينَ وهَرَبُوا، والجِزْيةُ وعُشْرُ أمْوالِ أهلِ دارِ (٢) الحَرْبِ إذا دَخَلُوا إلينا تُجَّارًا، ونِصْفُ عُشْرِ تِجاراتِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وخَراجُ الأَرْضِينَ، ومالُ مَنْ ماتَ من المُشْرِكِينَ ولا وَارِثَ له. والغَنِيمةُ: ما أُخِذَ بالقَهْرِ والقِتالِ من الكُفَّارِ. والقسمُ الثالثُ؛ الصَّدَقةُ: وهو ما أُخِذَ من مالِ

стр. 4665

مُسْلمٍ تَطْهِيرًا له، وهو الزكاةُ، وقد ذكَرْناها. يُرْوَى أن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قرأ قولَه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتَّى بَلَغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). ثمَّ قال: هذه لهؤلاءِ. ثمَّ قَرَأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ حتَّى بلَغ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤). ثمَّ قال: هذه لهؤلاءِ. ثمَّ قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بَلَغَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٥). ثمَّ قال: هذه اسْتَوْعَبَتِ المسلمينَ عامَّة، ولئِنْ عِشْتُ ليَأْتِيَنَّ الرَّاعِىَ وهو بسَرْو حِمْيَرَ (٦) نَصِيبُه منها، لم يَعْرَقْ فيها (٧) جَبِينُه (٨). فصل: ولم تكُنِ الغنائمُ تَحِلُّ لِمَنْ مَضَى من الأُمَمِ وإنَّما عَلِمَ اللَّهُ تعالى ضَعْفَنا، فطَيَّبَها لنا، رَحمةً لنا، ورَأفةً بِنَا، وكرامةً لِنَبِيِّنا ﷺ . رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: "أُعْطِيتُ خَمْسًا يُعْطهُنَّ نَبِىُّ قَبْلِى". فذَكَرَ فيها: "أُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ". [متفقٌ عليه] (٩). وقال سعيدٌ (١٠): حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى

стр. 4666

هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَمْ تَحِلَّ الْغنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْركُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُها" (١١) ثمَّ كانت فى أوَّلِ الإِسْلام لِرسولِ اللَّه ﷺ ، بدليلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١٢). ثمَّ صار أَرْبَعةُ أخْماسِها للغانِمينَ، والخُمُسُ لغيرِهم، بِدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. فأضافَ الغَنِيمةَ إليهم، وجَعَلَ الخُمُسَ لغيرِهم، فيدُلُّ ذلك (١٣) على أنَّ سائِرَها لهم، وجَرَى ذلك مَجْرَى قولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١٤). أضافَ مِيراثَه إليهما، ثمَّ جَعَلَ للأُمِّ منه الثُّلُثَ، فدَلَّ على أَنَّ الباقىَ للأبِ. وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١٥). فأحَلَّها لهم. ١٠٧٦ - مسألة؛ قال: (فَالْفَىْءُ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ (١)، ولَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخيْل وَلَا رِكَابٍ. والْغَنِيمَةُ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ (٢)) الرِّكابُ: الإِبلُ خاصَّةً. والإيجافُ أصْلُه التَّحْرِيكُ، والمرادُ (٣) ههُنا الحَرَكَةُ فى السَّيْرِ إليه. قال قتادةُ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٤) ما قَطَعْتُم وادِيًا، ولا سَيَّرْتُم إليها دَابَّةٌ، إنَّما كانت حَوائِطَ بَنِى النَّضيرِ، أطْعَمَها اللَّهُ رسولَ اللَّه ﷺ . قال

стр. 4667

أبو عُبَيْدٍ: الإِيجافُ، الإِيضاعُ. يعنى الإسْراعَ. وقال الزَّجّاجُ: الْوَجِيفُ دون التَّقْرِيبِ من السَّيْرِ. يقال: وَجَفَ الفَرَسُ، وأوْجَفْتُه (٥) أنا. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ فكلُّ ما أُخِذَ من مالِ مُشْرِكٍ بغيرِ إيجافٍ، مثل الأمْوالَ التى يَتْرُكونَها فَزَعًا من المسلمينَ، ونحو ذلك، فهو فَىْءٌ. وما أجْلَبَ عليه المسلمونَ، وسارُوا إليه، وقاتَلُوا (٦) عليه، فهو غَنِيمةٌ، سَواءٌ أُخِذَ عَنْوَةً، أو اسْتَنْزَلُوا أهلَه بأمانٍ، فإنَّ النبىَّ ﷺ افتَتَحَ حُصُونَ خَيْبَر بعضَها عَنوَةً، وبعضَها اسْتنزَلَ أهلَه بالأمانِ، فكانت غَنِيمةً كلَّها (٧). ١٠٧٧ - مسألة؛ قال: (فخُمْسُ الْفَىْءِ والْغَنِيمَةِ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةِ أسْهُمٍ) فى هذه المسألة فصولٌ أربعةٌ: أحدُها: أَنَّ الفئَ مَخْمُوسٌ، كما تُخَمَّسُ الغَنِيمةُ، فى إحدى الرِّوايتَيْنِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. والرواية الثانية، لا يُخَمَّسُ. نقَلَها أبو طالبٍ، فقال: إنَّما تُخَمَّسُ الغنيمةُ. قال القاضى: لم أجِدْ ممَّا قال الْخِرَقِىُّ من أَنَّ الفَىْءَ مَخْمُوسٌ نَصًّا فأحْكِيه (١)، وإنَّما نُصَّ على (٢) أَنَّه غيرُ مَخْمُوسٍ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا يُحْفَظُ عن أحدٍ قبلَ الشافعىِّ فى الفئِ خُمْسٌ، كَخُمْسِ الغنيمةِ. وأخبارُ عمرَ تَدُلُّ على ما [*] قالَه الشافعىُّ، ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. الآية (٣). فجَعله كلَّه لهم، ولم

стр. 4668

يَذكُرْ خُمُسًا. ولمَّا قرأ عمرُ هذه الآية قال: هذه اسْتَوْعَبَتِ المسلمينَ (٤). ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ اللَّه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. فظاهرُ هذا أَنَّ جَمِيعَه لهؤلاءِ، وهم أهلُ الخُمُسِ، وجاءت الأخبارُ عن عمرَ دَالَّةً على اشْتِراكِ جميعِ المسلمينَ فيه، فوَجَبَ الجَمْعُ بينهما، كيلا تَتَناقَضَ الآيةُ والأخبارُ وتَتعارَضَ، وفى إيجابِ الخُمُسِ فيه جمعٌ بينهما وَتَوْفِيقٌ، فإنَّ خُمُسَه للذى سُمِّىَ فى الآية، وسائِرَه يَنْصَرِفُ إلى مَنْ فى الخَبَرِ، كالغنيمةِ. ولأنَّه مالٌ مُشْتَركٌ مَظْهُورٌ عليه، فوَجَبَ أن يُخَمَّسَ، كالغنيمةِ والرِّكَازِ. ورَوَى البَرَاءُ بنُ عَازِب، قال: لَقِيتُ خالِى ومعه الرَّايةُ، فقُلْتُ: إلى أين؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّه ﷺ إلى رَجُلٍ عَرَّسَ بامْرأةِ أبِيه، أن أضْرِبَ عُنُقَه، وأُخَمِّسَ مالَه (٥). الفصل الثانى: أَنَّ الغنيمةَ مَخْموسةٌ، ولا اخْتِلافَ (٦) فى هذا بين أهلِ العلمِ بحَمْدِ اللَّه. وقد نَطقَ به الكتابُ العزيزُ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٧). لكن اخْتُلِفَ فى أشياءَ؛ منها سَلَبُ القاتِلِ، وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّه لا يُخَمَّسُ، فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ (٨). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (٩). يقْتَضِى أنَّه له كلَّه، ولو خُمِّسَ لم يكُنْ جميعُه

стр. 4669

له. وعن أبى قتادةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَفَلَه سَلَبَ رَجُلٍ قَتَله يومَ حُنَيْنٍ، ولم يُخَمَّسْ. رواه سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (١٠). ومنها، إذا قال الإِمامُ: مَنْ جاء بعشرةِ رُؤُوسٍ فلَه رأسٌ، ومن طَلَعَ الحِصْنَ فله كذا من النَّفَلِ. فالظاهرُ أَنَّ هذا غيرُ مَخْمُوسٍ؛ لأنَّه فى معنى السَّلَبِ. ومنها، إذا قال الإِمامُ: مَنْ أخذ شيئًا فهو له. وقُلْنَا: يجوزُ ذلك. فقد قِيلَ: لا خُمْسَ فيه؛ لأنَّه فى معنى الذى قبلَه. والصحيحُ أنَّ الخُمْسَ لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه يَدْخُلُ فى عُمومِ الآية، ولا يدخلُ فى معنى السَّلَبِ والنَّفَلِ؛ لأنَّ تَرْكَ تَخْمِيسِهِما لا يُسْقِطُ خُمْسَ الغنيمةِ بالكُلِّيةِ، وهذا يُسْقِطُه، فلا يكون تَخْصِيصًا بل نَسْخًا لحُكْمِها، ونَسْخُها بالقياس غيرُ جائزٍ اتِّفاقًا. ومنها؛ إذا دخل قومٌ لا مَنَعةَ لهم دارَ الحربِ بغيرِ إذنِ الإِمامِ، فقد قيل: إنَّ ما غَنِمُوه (١١) لهم من غيرِ أن يُخَمَّسَ. والصحيحُ أَنَّه يُخَمَّسُ، ويُدْفَعُ إليهم أَرْبعةُ أخماسِه؛ لدُخُولِه فى عُمومِ الآية، وعدمِ دليلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَه. الفصل الثالث: أنَّ الخُمْسَ ممَّا يَجِبُ خُمْسُه من الفَىْءِ والغنيمةِ شىءٌ واحدٌ، فى مَصْرِفِهما، وحُكْمِهِما، ولا اخْتلافَ فى هذا بين القائلينَ [بوُجُوبِ الخُمْسِ] (١٢) فيهما، فإنَّ القائلَ بوُجوبِ الخُمْس فى الفَىْءِ غيرَ مَن قالَه من أصحابِنا الشافعىُّ، وقد وافقَ على هذا، فإنَّه قال (١٣): الفىءُ والغنيمةُ يجتمعانِ فى أَنَّ فيهما الخُمْسَ لِمَن سَمَّاهُ اللَّهُ تعالى: يَعْنِى فى سورةِ الأنْفالِ، فى قولِه : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. الآية، وفى سورة الحَشْرِ، فى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى

стр. 4670

رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية، والمُسَمَّوْنَ فى الآيتَيْنِ شىءٌ واحدٌ. الفصل الرابع: أَنَّ الخُمسَ يُقَسَّمُ على (١٤) خَمْسةِ أَسْهُمٍ. وبهذا قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخعِىُّ، وقَتادةُ، وابنُ جُرَيجٍ والشَّافعىُّ. وقيل: يُقَسَّمُ على سِتّةٍ؛ سَهْمٌ للَّهِ تعالى، وسهمٌ لرَسُولِه، لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فعَدَّ سِتَّةً، وجَعَلَ اللَّه تعالَى لنَفْسِه سَهْمًا سادِسًا، وهو مَرْدُودٌ على عبادِ اللَّهِ أهلِ الحاجةِ، وقال أبو الْعَالِيَةِ: سَهْمُ اللَّهِ هو أنَّه إذا عَزلَ الخمسَ ضَرَبَ بيَدِه فيه (١٥)، فما قَبَضَ عليه من شيْءٍ جَعَلَه للكَعْبةِ، فهو الذى سُمِّىَ للَّهِ تعالى لاتَجْعَلُوا له نَصِيبًا، فإنَّ للَّهِ الدُّنْيا والآخرةَ، ثمَّ يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْم الذى عَزَلَه على خَمْسةِ أسْهُمٍ. ورُوِىَ عن الحَسَنِ، وقتادةَ، فى سَهْمِ ذِى القُرْبَى، كانت طُعْمَةً لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ فى حياتِه، فلما تُوُفِّىَ حَمَلَ عليه أبو بكرٍ وعمرُ فى سَبِيلِ اللَّه (١٦). ورَوَى ابنُ عْباسٍ، أن أبا بكرٍ وعمرَ قَسَّما الخمسَ على ثلاثةِ أسهمٍ (١٧). ونحوُه حُكِىَ (١٨) عن (١٥) الحسنِ بن محمدِ بن الحَنَفِيَّةِ (١٩). وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، قالوا: يُقَسّمُ الخمسُ على ثلاثةٍ؛ اليَتامَى،

стр. 4671

والمَساكينِ، وابنِ السبيلِ. وأسْقَطُوا سهمَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بمَوْتِه، وسهمَ قرابَتِه أيضًا. وقال مالكٌ: الفىءُ والخمسُ واحدٌ، يُجْعَلانِ فى بيتِ المالِ. قال ابنُ القاسمِ: وبَلَغَنِى عَمَّن أثِقُ به، أنَّ مالكًا قال: يُعْطِى الإِمامُ أقْرِباءَ رسولِ اللَّه ﷺ على ما يَرَى. وقال الثَّوْرِىُّ: الخُمْسُ (٢٠) يَضَعُه الإِمامُ حيث أَرَاهُ اللَّهُ . ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وسهمُ اللَّهِ والرسولِ واحدٌ. كذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ. وقال الحسنُ بن محمدِ بن الحَنَفِيَّةِ وغيرُه: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ افْتِتاحُ كلامٍ. يَعْنِى أن ذِكْرَ اللَّه تعالى لِافْتِتاحِ الكلامِ باسْمِه (٢١)، تَبَرُّكًا به. لا لإِفْرادِه بسَهْمٍ، فإنَّ للَّه تعالى الدُّنْيا والآخرةَ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، قالا: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُقَسِّمُ الخُمسَ على خَمْسةٍ (٢٢). وما ذكَره أبو الْعاليةِ فشىءٌ لا يَدُلُّ عليه رَأْىٌ، ولا يَقْتَضِيه قياسٌ، ولا يُصارُ إليه إلَّا بِنَصٍّ صَحيحٍ يَجِبُ التسليمُ له، ولا نَعْلَمُ فى ذلك أثرًا صحيحًا، سِوَى قولِه، فلا يُتْرَكُ ظاهرُ النصِّ وقولُ رسولِ اللَّه ﷺ وفِعْلُه من أجلِ قولِ أبى العاليةِ. وما قالَه أبو حنيفةَ، فمُخالِفٌ لظاهِرِ الآيةِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سَمَّى لِرَسُولِه وقَرابَتِه شيئًا، وجَعَلَ لهما فى الخُمْسِ حَقًّا، كما سَمَّى للثَّلاثَةِ الأصْنافِ الباقيةِ، فمَنْ خالَفَ ذلك، فقد خالفَ نَصَّ الكتابِ. وأمَّا حَمْلُ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، على سَهْمِ ذى القُرْبَى فى سبيلِ اللَّه، فقد ذُكِرَ لأحمدَ، فسَكَتَ، وحَرَّك رَأْسَه، ولم يَذْهَبْ إليه، ورَأى أن قولَ ابنِ عباسٍ ومَنْ وافَقه أَوْلَى؛ لمُوافَقَتِه (٢٣) كتابَ اللَّهِ تعالى وسُنَّةَ رَسُولِه ﷺ ، فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ لمَّا سُئِلَ عن سَهْمِ ذِى القُرْبَى، قال: إنّا

стр. 4672

كُنَّا نَزْعُمُ أنَّهُ (٢٤) لنا، فأَبَى ذلك علينا قَوْمُنا (٢٥). ولعله أرادَ [بقَوْلِه: أَبَى ذلك] (٢٦) علينا قَوْمُنا. فِعْلَ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فى حَمْلِهِما عليه فى سبيلِ اللَّهِ، ومَنْ تَبِعَهُما على ذلك. ومتى اختَلَفَ الصَّحابةُ، وكان قولُ بعضِهم يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، كان أَولَى. وقولُ ابنِ عباسٍ مُوافِقٌ للكتابِ (٢٧) والسُّنَّةِ؛ فإنَّ جُبَيْرَ بن مُطْعِمٍ رَوَى، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يَقْسِمْ لبَنِى عبدِ شَمْسٍ ولا لِبنِى (٢٨) نَوْفَلٍ من الخُمْس شيئًا، كما كان يَقْسِمُ لبَنِى هاشمٍ ولِبَنِى (٢٩) المُطَّلِبِ. وأنَّ أبا بكر كان يَقْسِمُ الخُمْسَ نحو قَسْمِ رسولِ اللَّه ﷺ ، غَير أنَّه لم يكُنْ لم يُعْطِى قُرْبَى رسولِ اللَّه ﷺ ، كما كان يُعْطِيهِم، وكان عمرُ يُعْطِيهِم وعثمانُ من بعدِه. روَاه أحمد، فى "مُسْنَدِه" (٣٠). وقد تُكُلِّمَ فى رِوَايةِ ابن عباسٍ عن أبى بكر وعمرَ، أنَّهما حَمَلَا على سَهْمِ ذِى القُرْبَى فى سبيلِ اللَّه؛ فقِيلَ: إنَّه يَرْوِيه محمدُ بن مَرْوانَ، وهو ضعيفٌ، عن الكَلْبِىِّ، وهو ضعيفٌ أيضًا، ولا يَصِحُّ عند أهلِ النَّقْلِ. فإنَّ قالوا: فالنَّبِىُّ ﷺ ليس بِبَاقٍ، فكيف يَبْقَى سَهْمُه؟ قلنا: جهَةُ صَرْفِه إلى النَّبِىِّ ﷺ مَصْلحةُ المسلمينَ، والمصالحُ باقيةٌ، قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا يَحِلُّ لِى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُم وَلَا مِثْلُ هذِهِ، إلَّا الخُمْسُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَليْكُمْ". رواه سعيدٌ (٣١).

стр. 4673

١٠٧٨ - مسألة؛ قال: (وسَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْرَف فِى الْكُرَاعِ والسِّلَاحِ وَمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ) وهذا قولُ الشَّافعىُّ، فإنَّه قال: أَخْتارُ أن يَضَعَه الإِمامُ فى كلِّ أمرٍ خُصَّ به الإسلامُ وأهلُه، مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ، وإعدادِ كُرَاعٍ أوْ سِلَاحٍ، أو إعْطائِه أهلَ البَلاءِ فى الإِسلامِ نَفَلًا عندَ الحَرْبِ وغيرِ الحربِ. وهذا نحو ما قال الْخِرَقِىُّ. وهذا السهمُ كان لِرسولِ اللَّه ﷺ من الغَنِيمةِ، حَضَرَ أو لم يَحْضُرْ، كما أن (١) سهامَ (٢) بَقِيَّةِ أصْحابِ الخُمْس لهم، حَضَرُوا أو لم يَحْضُرُوا. وكان رسولُ اللَّه ﷺ يَصْنَعُ به ما شاء، فلما تُوُفىَ وَلِيَه أبو بكرٍ، ولم يَسْقُطْ بمَوْتِه. وقد قيل: إنَّما أضَافَه اللَّه تعالى إلى نَفْسِه وإلى رَسُولِه، ليُعْلَمَ أنَّ جِهَتَه جهةُ المَصْلحةِ، وأنَّه ليس بمُخْتَصٍّ بالنَّبِىِّ ﷺ ، فيَسْقُطُ بمَوْتِه. وزَعَمَ قومٌ أنَّه سَقَطَ (٣) بمَوْتِه، ويُرَدُّ على أَنْصِباءِ الباقينَ من أهلِ الخُمْسِ؛ لأنَّهم شُرَكاؤُه. وقال آخَرُون: بل يُرَدُّ على الغانِمينَ؛ لأنَّهم اسْتَحَلُّوها بقِتَالِهم، وخَرَجَتْ منها سِهامٌ منها سهمُ النَّبِىِّ ﷺ مادام حَيًّا، فإذا مات وَجَبَ رَدُّه إلى من وُجِدَ سَبَبُ الاسْتِحقاقِ فيه، كما أنَّ تَركِةَ المَيِّتِ إذا خَرَجَ منها سهمٌ بوَصِيَّةٍ، ثمَّ بَطلَتِ الوَصِيَّةُ، رُدَّ إلى التَّركِةِ. وقالت طائفةٌ: هو للخَلِيفةِ بعدَه؛ لأنَّ أبا بكرٍ رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمةٌ، ثُمَّ قَبَضَهُ، فَهِىَ (٤) للذى يقومُ بها مِنْ بعدِه"، وقد رأيتُ أن أَرُدَّه على المسلمينَ (٥). والصَّحِيحُ أنَّه باقٍ، وأنَّه يُصْرَفُ فى مَصالحِ المسلمين، لكنَّ الإِمامَ يقومُ مَقامَ النَّبِىِّ ﷺ فى صَرْفِه فيما يَرَى، فإنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: لا أَدَعُ أَمْرًا

стр. 4674

رَأَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَصْنَعُه فيه إلَّا صَنَعْتُه. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورُوِىَ عن (٧) الحسنِ بن محمدِ بن الْحَنَفِيَّةِ، أنَّه قال: اخْتَلَفُوا فى هذَيْنِ السَّهْمَيْنِ -يعنى سَهْمَ الرسولِ ﷺ وسهمَ ذِى القُرْبَى- فأجْمَعَ رَأَيُهم على أن يَجْعَلُوهما فى الخَيْلِ والعُدَّةِ فى سَبِيلِ اللَّهِ، فكانا فى خِلافةِ أبى بكرٍ وعمرَ فى الخَيْلِ والعُدَّةِ فى سبيلِ اللَّهِ (٨). فصل: وكان لرسولِ اللَّه ﷺ من المَغْنَمِ الصَّفِىُّ، وهو شىءٌ يختارُه من المَغْنَمِ قبلَ القِسْمةِ، كالجارِيةِ والعَبْدِ والثوبِ والسيفِ ونحوِه. وهذا قولُ محمدِ بن سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، وقَتادةَ، وغيرِهم من أهلِ العِلْمِ. وقال أَكْثَرُهم: إنَّ ذلك انْقَطَعَ بمَوْتِ النَّبِىِّ ﷺ . قال أحمدُ: الصَّفِىُّ إنما كان للنَّبِىِّ ﷺ خاصًّا (٩)، لم يَبْقَ بعدَه. ولا نعلمُ مخالِفًا لهذا إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه قال: إن (٧) كان الصَّفِىُّ ثابتًا للنَّبِىِّ ﷺ ، فللْإِمامِ أن يَأْخُذَه على نحوِ ما كان يأخذُه النَّبِىُّ ﷺ ، ويَجْعَلَه مجْعَلَ سَهْمِ النَّبِىِّ ﷺ من خُمْس الخُمْسِ. فجَمَعَ بين الشكِّ فيه فى حَياةِ النَّبِىِّ ﷺ ، ومُخالفَةِ الإِجْماعِ فى إبقائِه بعدَ مَوْتِه. قال ابنُ المنذرِ: لا أعلمُ أحدًا سَبَقَ أبا ثَوْرٍ إلى هذا القَوْلِ. وقد أَنْكَرَ قومٌ كَوْنَ الصَّفِىِّ للنَّبِىِّ ﷺ ، واحْتَجُّوا بما رَوَى عمرُو بنُ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَفَعَ وَبَرةً من ظَهْرِ بعيرٍ (١٠)، فقال: "مَا يَحِلُّ لَى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هذِهِ، إلَّا الْخُمْسَ، وَهُوَ مَرْدُوْدٌ عَلَيْكُمْ". رواه سعيدٌ (١١). ورَواه أبو داودَ (١٢)، بإِسنادِه عن

стр. 4675

أَبى أُمَامةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ . ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١٣). فمَفْهُومُه أَنَّ باقِيهَا للغانِمينَ. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (١٤)، بإسْنادِه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَتَبَ إلى بنى زُهَيْرِ بن أُقَيْشٍ (١٥): "إِنَّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَآتَيْتُمُ (١٦) الزَّكَاةَ، وأَدَّيْتُمُ الْخُمْسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وسَهْمَ الصَّفِىِّ، إنَّكُمْ آمِنُونَ بِأمَانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ". وفى حديثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْس، الذى روَاه ابنُ عباسٍ: "وَأَنْ يُعْطُوا سَهْمَ النَّبِىِّ ﷺ ، والصَّفِىَّ" (١٧). وقالت عائشةُ: كانت صَفِيَّةُ من الصَّفِىِّ. رَوَاه أبو داودَ (١٨). وأمَّا انْقِطاعُه بعدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فثابتٌ بإجْماعِ الأُمَّةِ قبلَ أبى ثَوْرٍ وبعدَه عليه، وكونِ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ومَنْ بعدَهم لم يأْخُذُوه، ولا ذَكَره أحدٌ منهم، ولا يُجْمِعُون على تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ . ١٠٧٩ - مسألة؛ قال: (وخُمْسٌ مَقْسُومٌ فِى صَلِيبَةِ بَنِى هَاشِمٍ وبَنِى المُطَّلِبِ ابْنَىْ عَبْدِ مَنَافٍ، حَيْثُ كَانُوا، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثيَيْنِ) يعنى بقوله: "فى صَلِيبةِ بَنِى هاشِمٍ". أولادَه دون مَنْ يُعَدُّ معهم مِنْ مَوَالِيهِم وحُلَفائِهِم. وفى هذه المسألة فصولٌ خمسةٌ:

стр. 4676

أحدُها: أَنَّ سَهْمَ ذِى القُرْبَى ثابتٌ بعد موتِ النَّبِىِّ ﷺ ، وقد مَضَى ذكرُ ذلك، والخلافُ فيه. وقد ذَكَرَهم اللَّهُ تعالى فى كتابِه من ذَوِى السِّهامِ، وثَبَتَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُعْطهِم، فرَوَى جُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ، قال: وَضَعَ رسولُ اللَّه ﷺ سَهْمَ ذى القُرْبَى فى بَنِى هاشمٍ وبنى المُطَّلِبِ، وَتَرَكَ بنى نَوْفَلٍ وبنى عبدِ شمسٍ. وذَكَرَ الحديثَ، [حديثٌ صحيحٌ، و] (١) رَوَاه أبو داودَ، [والبُخارِىُّ نحوَه] (٢). ولم يأْتِ لذلك نَسْخٌ ولا تَغْيِيرٌ، فوَجَبَ القولُ به، والعَمَلُ بحُكْمِه. قال أحمدُ: حدَّثنا وَكِيعٌ، حَدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن الْمَقْبُرِىِّ، قال: كَتَبَ نَجْدَةُ إلى ابنِ عبَّاس يسأَلُه عن سَهْمِ ذى القُرْبَى، فكَتَبَ ابنُ عبَّاس: إنَّا كُنَّا نَزْعُمُ أنَّه لنَا، فأبَى ذلك (٣) علينا تَوْمُنا (٤). قال أحمدُ: أنا أذْهَبُ إلى (٥) أنَّه لِقَرابةِ النَّبِىِّ ﷺ ، على ما قال ابنُ عبَّاسٍ: "هو لَنَا". الفصل الثانى: أَنَّ ذا القُرْبَى هم بنُو هاشمٍ وبنو (٦) المُطلِبِ بن عَبدِ مَنافٍ دونَ غيرِهم؛ بدليل ما رَوَى جُبيرُ بن مُطْعمٍ، قال: لما قَسَمَ رسولُ اللَّه ﷺ سَهْمَ ذَوِى (٧) القُرْبَى من خَيْبَرَ، بين بنى هاشمٍ وبنى المُطَّلِبِ، أَتَيْتُ أنا وعثمانُ بن عَفَّانٍ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقُلْنا: يا رسولَ اللَّه، أمَّا بنو هاشم فلا ننكِرُ فَضْلَهُم، لمَكانِك الذى وَضَعَكَ اللَّه به (٥) فهم، فما بالُ إخْوانِنا من بنى المُطلِبِ أعْطَيْتَهُم وَتَرَكْتَنَا، وإنَّما نحنُ وهم منكَ بمَنْزِلةٍ واحدةٍ؟ فقال: "إنَّهُمْ لَمْ يُفارِتُونِى فِى جَاهِليَّةٍ ولَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبنُو الْمُطَّلِبِ شَىْءٌ وَاحِدٌ"، وشَبَّكَ بين أصابِعِه. وفى رِوايَةٍ: "إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِى جَاهِلِيَّةٍ

стр. 4677

وَلَا إسْلَامٍ". رواه أحمدُ، والبُخارِىُّ (٨). فرَعَى (٩) لهم النَّبِىُّ ﷺ نُصْرَتَهُم ومُوافَقَتَهم بَنِى هاشمٍ. ومَن كانت أُمُّه منهم وأَبُوه من غيرِهم، يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَدْفَعْ إلى (١٠) أقارِبِ أُمُّه وهم بنو زُهْرةَ شيئًا، وإنَّما دَفَعَ إلى أقارِب أبيه، ولو دَفَعَ إلى أقاربِ أُمِّهِ لَدَفع إلى بنى زُهْرةَ، وخَبَرُ جُبَيْرٍ يدُلُّ على أنَّه لم يُعْطِهِم شيئًا، ولم يَدْفَعْ أيضًا إلى بنى عَمَّاتِه، وهم الزُّبَيْرُ بن العَوَّامِ وعبدُ اللَّه والمُهَاجرُ ابْنَا أبى أُمَيّةَ (١٠)، وبنو جَحْشٍ. الفصل الثالث: أنَّه يَشْتَرِكُ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، لدُخُولِهم فى اسمِ الْقَرابةِ. واخْتَلفتِ الرِّوايةُ فى قِسْمَتِه بينهم. فعَن أحمدَ، أنَّه يُقْسَمُ بينهم للذَّكَرِ مثل حَظِّ الأُنْثَيينِ. وهو اخْتِيارُ الْخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بقَرابةِ الأبِ شرعًا، فَفُضِّلَ فيه الذكرُ على الأُنْثَى كالمِيراثِ، ويُفَارِقُ الوَصِيَّةَ وميراثَ ولدِ الأُمِّ، فإنَّ الوَصِيَّةَ اسْتُحِقَّتْ بقولِ المُوصِى، وميرَاثُ ولدِ الأُمِّ اسْتُحِقَّ بقَرابةِ الأُمِّ. والروايةُ الثانيةُ، يُسَوَّى بين الذَّكرِ والأُنْثَى، وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّهم أُعْطُوا باسْمِ الْقَرابةِ، والذكرُ والأُنْثَى فيها سواءٌ (١١)، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لِقَرابةِ فلانٍ، أو وَقَفَ عليهم، ألا تَرَى أَنَّ الْجَدَّ يأخُذُ مع الأبِ، وابنَ الابنِ يأخذُ مع الابنِ؟ وهذا يَدُلُّ على مُخالفةِ الموارِيثِ، ولأنَّه سَهْمٌ من خُمْس الخُمْسِ لجماعةٍ، فيَسْتَوِى فيه الذكرُ والأُنْثَى، كسائرِ سِهَامِه، ويَسْتَوِى بين الصَّغيرِ والكبيرِ، على الرِّوايتَيْنِ، لِاسْتِوائِهِم فى الْقَرابةِ، فأشْبَهَ المِيراثَ. الفصل الرابع: أنَّه يُفَرَّقُ بينهم حيثُ (١٢) كانوا من الأمْصارِ، ويجبُ تَعْمِيمُهُم به حَسْبَ الإمكانِ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: يَخْتَصُّ (١٣) أهلُ كلِّ ناحيةٍ

стр. 4678

بخُمْسِ مَغْزاها الذى ليس لهم مَغْزًى سِوَاهُ، فما يُؤْخَذُ من مَغْزَى الرُّومِ لأهلِ الشامِ والعراق، وما يُؤْخَذُ من مَغْزَى التُّرْكِ لمن فى خُرَاسانَ من ذوِى القُرْبَى؛ لما يَلْحَقُ من المَشَقَّةِ فى نَقْلِه من المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ تَعْمِيمُهم به (١٤)، فلم يَجِبْ، كسائرِ أهلِ السُّهْمانِ (١٥). ووَجْهُ الأوَّلِ أَنَّه سَهْم مُسْتَحَقٌّ بقَرابةِ الأبِ، فوَجَبَ دفعُه إلى جميعِ المُسْتحقِّينَ، كالمِيراثِ. فعلى هذا يَبْعَثُ الإِمامُ إلى عُمَّالِه فى الأقاليمِ، ويَنْظُرُ كم حصَل من ذلك؟ فإن اسْتَوَتْ فيه، فَرَّقَ كلَّ خُمْسٍ فى مَن قارَبَه، وإن اختلفتْ، أمَرَ بحَمْلِ الفَضْلِ لِيُدْفَعَ إلى [مَن يَسْتَحِقُّه] (١٦)، كالمِيراثِ. وفارقَ الصَّدَقةَ، حيث لا تُنْقَلُ؛ لأنَّ كلَّ بلدٍ لا يكادُ (١٧) يَخْلُو من صَدَقةٍ تُفَرّقُ على فُقَراءِ أهْلِه، والخمسُ يُؤْخَذُ فى بعضِ الأقالِيمِ، فلو لم يُنْقَلْ لأدَّى إلى إعْطاءِ البعض وحِرْمانِ البعض. والصحيحُ، إنْ شاء اللَّهُ، أنَّه لا يجبُ التَّعْمِيمُ؛ لأنَّه يَتَعذّرُ، فلم يجبْ، كتَعْمِيمِ المساكينِ. وما ذُكِرَ من بَعْثِ الإِمامِ عُمّالَه وسُعاتَه، فهو متعذِّرٌ فى زَمانِنَا؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَبْقَ له حكمٌ إلَّا فى قليلٍ من بلادِ الإِسْلامِ، ولم يَبْقَ له جهَة فى الغَزْوِ، ولا له فيه أَمْرٌ، ولأنَّ هذا سهمٌ من سِهامِ الخمسِ، فلم يجبْ تعمِيمُه، كسائرِ سُهْمانِه (١٨). فعلى هذا يُفَرِّقُه كلُّ سُلْطانٍ فيما أمْكنَ من بِلادِه. الفصل الخامس: أَنَّ غَنِيَّهم وفَقِيرَهم فيه سَواءٌ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقيل: لا حَقَّ فيه لِغَنِىٍّ. قياسًا له على بَقِيَّةِ السِّهامِ. ولَنا، عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَلِذِى القُرْبَى﴾ (١٩). وهذا عامٌّ لا يجوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دليلٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُعْطِى

стр. 4679

أقارِبَه كلَّهُم، وفيهم الأغنياءُ، كالعباس وغيرِه، ولم يُنْقَلْ تَخْصِيصُ الفُقَراءِ منهم، وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، فى "مُسْنَدِه" (٢٠)، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَعْطَى الزُّبَيْرَ سَهْمًا، وأُمَّه سَهْمًا، وفرَسَهُ سَهْمينِ. وإنَّما أعْطَى أُمَّه من سَهْمِ ذِى القُرْبَى، وقد كانت مُوسِرَةً، ولها [مَوَالٍ ومالٌ] (٢١)، ولأنَّه مالٌ مُسْتَحَقٌّ بالقَرابةِ، فاسْتَوَى فيه الغَنِىُّ والفقيرُ، كالمِيراثِ والوَصِيَّةِ للأقارِبِ، ولأنَّ عثمانَ وجُبَيْرًا طَلَبا حَقَّهُما منه، وسأَلَا عن عِلّةِ مَنْعِهِما ومَنْعِ قرابَتِهِما، وهما مُوسِرانِ، فعَلَّلَه النَّبِىُّ ﷺ بنُصْرَةِ بنى المُطَّلِبِ دُونَهم، وكَوْنِهِم مع بنى هاشمٍ كالشَّىْءِ الواحدِ، ولو كان اليَسَارُ مانِعًا والفَقْرُ شَرْطًا، لم يَطْلُبا مع عَدَمِه، ولعَلَّلَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْعَهُما بيَسارِهِما وانْتِفاءِ فَقْرِهِما. ١٠٨٠ - مسألة؛ قال: (والْخمْسُ الثَّالِثُ لِلْيَتامَى) وهم الذين لا آباءَ لهم، ولم يَبْلُغُوا الحُلُمَ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ" (١). قال بعضُ أصحابِنا: لا يَسْتَحِقُّون إلَّا مع الفَقْرِ. وهو المشهورُ من مذهبِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ ذا الأبِ لا يَسْتَحِقُّ، والمالُ أَنْفَعُ من وُجودِ الأبِ، ولأنَّه صُرِفَ إليهم لحاجَتِهِم، فإنَّ اسْمَ اليُتْمِ يُطْلَقُ عليهمِ فى العُرْفِ للرَّحْمةِ، ومَنْ كان إعطاؤُه لذلك اعْتُبِرَتِ الحاجةُ فيه، وفارقَ ذَوِى القُرْبَى، فإنَّهم اسْتَحَقُّوا لِقُرْبهِم مِن رسولِ اللَّه ﷺ تَكْرِمَةً لهم، والغنىُّ والفقيرُ فى القُرْبِ سَواءٌ، فاسْتَوَيا فى الاسْتِحْقاقِ. ولم أعلمْ هذا نَصًّا

стр. 4680

عن أحمدَ. وعمومُ الآية (٢) يَقْتَضِى تَعْمِيمَهم. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: له قولٌ آخرُ، أنَّه للغَنِىِّ والفقيرِ؛ لِعُمُوم النصِّ (٣) فى كلِّ يتيمٍ، وقياسًا له على سَهْمِ ذى القُرْبَى، ولأنَّه لو خَصَّ به الفقيرَ، لكان داخلًا فى جُمْلةِ المساكينِ الذين هم أصحابُ السَّهْمِ الرابعِ، وكان يُسْتَغْنَى عن ذِكْرِهِم وتَسْمِيَتِهم. قال أصحابُنا: ويُفَرّقُ على الأَيْتَامِ فى جميعِ الأقطارِ، ولا يَخْتَصُّ (٤) به أهْلُ ذلك المَغْزَى. والقولُ فيه كالقولِ فى سَهْمِ ذى القُرْبَى. وقد تقدَّم القولُ فيه. ١٠٨١ - مسألة؛ قال: (والْخُمْسُ الرَّابِعُ لِلْمَسَاكِينِ) وهم أهلُ الحاجةِ، ويدخلُ فيهم الفقراءُ، والفقراءُ والمساكينُ صِنْفانِ فى الزَّكَاةِ، وصِنْفٌ واحدٌ ههُنا، وفى سائرِ الأَحْكامِ، وإنَّما يَقَعُ التمييزُ بينهما إذا جُمِعَ بينهما بلَفْظَيْنِ، ولم يَرِدْ ذلك إلَّا فى الزَّكَاةِ، وسنذكُرُهم فى أصْنافِها (١). قال أصحابُنا: ويُعَمُّ بها جَمِيعُهم فى جميعِ البلادِ، كقَوْلِهم فى سهمِ ذى القُرْبَى واليَتامَى. وقد تقدَّم قولُنا فى ذلك. ١٠٨٢ - مسألة؛ قال: (والْخُمْسُ الْخَامِسُ لِابْنِ السَّبِيلِ) وسنذكرُه أيضًا فى أصنافِ الصَّدقةِ، ويُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم قَدْرَ ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ دَفْعَنا إليه لأَجْلِ الحاجةِ، فأُعْطِىَ بقَدْرِها. فإن اجْتَمعَ فى واحدٍ أسبابٌ، كالمِسْكينِ إذا كان يَتِيْمًا وابنَ سبيلٍ، اسْتَحَقَّ بكلِّ واحدٍ منها (١)؛ لأنَّها أسبابٌ

стр. 4681

لأحْكامٍ، فوَجَبَ أن نُثَبِّتَ أحْكَامَها، كما لو انْفَرَدَتْ. فإن أعطاه لِيُتْمِه، فزال فَقْرُه، لم يُعْطَ لِفَقْرِه شيئا. ١٠٨٣ - مسألة؛ قال: (وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَىْءِ لِجمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ غَنِيُّهُمْ وفَقيِرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، إلَّا الْعَبِيدَ) لا نعلمُ خِلافًا بين أهلِ العلمِ اليومَ فى أَنَّ العَبِيدَ لا حَقَّ لهمِ فى الفَىْءِ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ، أَنَّ سائرَ الناس لهم حَقٌّ فى الفَىْءِ، غَنِيَّهم وفَقِيرَهم. ذَكَرَ أحمدُ الفَىْءَ فقال: فيه حقٌّ لكلِّ المسلمينَ، وهو بين الغَنِىِّ والفقيرِ. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما مِن أحَدٍ من المسلمينَ إلَّا له فى هذا المالِ نصيبٌ، إلَّا العَبِيدَ، فليس لهم فيه شىءٌ. وقرأ عمرُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بَلَغ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) ثم قال: هذه اسْتَوْعَبَتِ المسلمينَ عامَّةً، ولئن عِشْتُ ليَأْتِيَنَّ الرَّاعِىَ بسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُه منها، لم يَعْرَقْ فيه (٢) جَبِينُه (٣). ولأنَّه مالٌ مَخْمُوسٌ، فلم يَخْتَصَّ به مَن فيه مَنْفَعةٌ، كأرْبَعةِ أخماسِ الغَنِيمةِ. وذَكَرَ القاضى أَنَّ أهلَ الفَىْءِ هم أهلُ الجِهَادِ من المُرَابطِينَ فى الثُّغُورِ، وجُنْدِ المُسْلِمينَ، ومَنْ يقومُ بمَصالِحِهم؛ لأنَّ ذلك كان للنَّبِىِّ ﷺ فى حياتِه، لحُصُولِ النُّصْرةِ والمَصْلحةِ به، فلما مات صارتْ بالجُنْدِ (٤)، ومَنْ يحتاجُ إليه المسلمونَ، فصار ذلك لهم دون غيرِهم، وأمَّا الأَعْرابُ ونحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نَفْسَه للجِهادِ، فلا حَقَّ لهم فيه. والذين يَغْزُونَ إذا نَشِطُوا، يُعْطَوْنَ من سَهْمِ سبيلِ اللَّهِ من الصَّدَقةِ. قال: ومعنى كلامِ (٥) أحمدَ، أنَّه بين الغَنِىِّ والفقيرِ، يعنى الغِنَى الذى فيه مصلحةُ المسلمينَ من المُجاهدِينَ والقضاةِ والفقهاءِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى كلامِه، أَنَّ لجميعِ المسلمينَ الانتفاعَ بذلك المالِ؛ لكَوْنِه يُصْرَفُ إلى مَنْ يَعُودُ نَفْعُه إلى (٦) جميعِ

стр. 4682

المسلمينَ، وكذلك يَنْتَفِعونَ بالعُبُورِ على القناطرِ والجُسُورِ المَعْقُودةِ بذلك المالِ، وبالأنهارِ والطُّرُقاتِ التى أُصْلِحَتْ به. وسياقُ كلامِه يَدُلُّ على أنَّه ليس مُخْتَصًّا بالجُنْدِ وإنما هو مَصْروفٌ فى مصالحِ المسلمينَ، لكن يبدأُ بجُنْدِ المسلمينَ؛ لأنَّهم أهَمُّ (٧) المصالحِ؛ لكَوْنِهم يَحْفَظُونَ المسلمينَ، فيُعْطوْنَ كِفَاياتِهِم، فما فَضَلَ قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ من عِمارَةِ [الثُّغُورِ وكِفَايَتِها بالأَسْلِحةِ والكُراعِ (٨)، وما يُحْتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ، من عِمارةِ] (٩) المساجدِ والقَناطرِ، وإصلاحِ الطُّرقِ، وكِراءِ الأنهارِ، وسَدِّ بُثُوقِها، وأرْزاقِ القُضاةِ والأئمةِ والمُؤَذِّنينَ والفُقَهاءِ، ونحو ذلك ممَّا للمسلمينَ فيه نَفْعٌ. وللشافعىِّ قولان، كنحوٍ مما (١٠) ذكَرْناه (١١). واحْتَجُّوا على أَنَّ أرْبعةَ أخْماسِ الفَىْءِ كان لرسولِ اللَّه ﷺ فى حياتِه، بما رَوَى مالكُ بن أوْسِ بن الحَدَثانِ قال: سمعتُ عمرَ ابن الخَطَّابِ، والعباسُ وعلىٌّ يَخْتَصِمان إليه فى أمْوالِ النبىِّ ﷺ ، فقال عمرُ: كانت أموالُ بنى النَّضِيرِ ممَّا أفاءَ اللَّه على رَسُولِه، ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخَيْلٍ ولا رِكَابٍ. وكانتْ (١٢) لرَسُولِ اللَّه ﷺ خالصًا دون المسلمينَ، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقةَ سَنَتِه، فما فَضَلَ جعَلَه فى الكُرَاعِ والسِّلاحِ، ثم تُوُفِّىَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فوَلِيهَا أبو بكرٍ بمِثْلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم وَلِيتُها بمِثلِ ما وَلِيهَا رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكرٍ. مُتْفَقٌ عليه (١٣). إلَّا أَنَّ فيه: يجْعَلُ ما بَقِىَ أُسْوةَ المالِ. وظاهرُ (١٤) أخْبارِ

стр. 4683

عمرَ تَدُلُّ على أَنَّ لجميعِ المسلمينَ فى الفَىْءِ حَقًا؛ فإنَّه لمَّا قرَأ الآية التى فى سورةِ الحَشْرِ قال: هذه الآيةُ اسْتَوْعَبَتِ المسلمينَ. وجعل للرَّاعِى بسَرْوِ حِمْيَرَ منه نَصِيبًا، وقال: ما أحدٌ إلَّا له فى هذا المالِ نصيبٌ (١٥). وأمَّا أمْوالُ بنى النَّضيرِ، فيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُنْفِقُ منه على أهْلِه؛ لأنَّ ذلك من أهَمِّ المصالحِ، فبَدَأ بهم، ثم (١٦) جَعَلَ باقِيَهُ أُسْوةَ المالِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ أمْوالُ بنى النَّضِيرِ اخْتصَّ بها النَّبِىُّ ﷺ من الفَىْءِ، وتَرَكَ سائرَه لمن سُمِّىَ فى الآية. وهذا مُبَيَّنٌ فى قولِ عمرَ: وكان لِرَسُولِ اللَّه ﷺ خالصًا دون المسلمينَ. فصل: واختَلفَ الخلفاءُ الراشدونَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فى قَسْمِ الفَىْءِ بين أهلِه، فذَهَبَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (١٧)، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى التَّسْويةِ بينهم فيه. وهو المشهورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فرُوِىَ أَنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بين الناسِ فى العَطاءِ، وأدْخلَ فيه العَبِيدَ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّه. أتجعَلُ الذينَ جاهَدُوا فى سَبِيلِ اللَّه بأمْوالِهِم وأنْفُسِهِم، وهَجَرُوا دِيارَهُم له، كمَنْ إنَّما دَخَلُوا فى الإِسلامِ كَرْهًا! فقال أبو بكرٍ: إنَّما عَمِلُوا للَّه، وإنَّما أُجُورُهُم على اللَّهِ، وإنَّما الدُّنْيا بَلَاغٌ. فلما وَلِىَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فاضَلَ بينهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ، فلمَّا وَلِىَ علىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بينهم، وأخْرَجَ العبيدَ. وذُكِرَ عن عثمانَ رَضِىَ اللَّهُ عنه: أنَّه فَضَّلَ بينهم فى القِسْمةِ (١٨). فعلَى هذا يكونُ مذهبُ اثنينِ منهم، أبى بكرٍ وعلىّ التَّسْويةَ، ومذهبُ اثنينِ عمرَ وعثمانَ التَّفْضِيلَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، رحمةُ اللَّه عليه، أنَّه أجَازَ الأمْرَيْنِ جميعًا، على ما يَراهُ

стр. 4684

الإِمامُ، ويُؤَدِّى اجْتَهادُه إليه. فرَوَى عنه (١٩) الحسنُ بن علىِّ [بن الحسنِ] (٢٠)، أنَّه قال: للإِمامِ أن يُفَضِّلَ قومًا على قومٍ. وقال أبو بكرٍ: اخْتِيارُ أبى عبدِ اللَّه أن لا يُفَضَّلُوا. وهذا اختيارُ الشافعىِّ. وقال أُبَىٌّ: رأيتُ قَسْمَ اللَّه الموارِيثَ على العَدَدِ، يكوُنُ الإِخْوةُ مُتَفاضِلِينَ فى الغَناء عن المَيِّتِ، والصِّلةِ فى الحياةِ، والحِفْظِ بعد الموتِ، فلا يُفَضَّلُونَ، وقَسْمَ رسولِ اللَّه ﷺ من الأرْبعةِ الأخماسِ على العَدَدِ، ومنهم (٢١) مَنْ يُغْنِى (٢٢) غايةَ الغَناءِ ويكونُ الفَتْحُ على يَدَيْه، ومِنْهُم مَنْ يكون مَحْضَرُه إمَّا غيرُ (٢٣) نافعٍ، وإمَّا ضَرَرٌ بالجُبْنِ والهَزِيمةِ، وذلك أنَّهم اسْتَوَوْا فى سَبَب الاسْتِحقاقِ، وهو انْتِصابُهم للجِهادِ، فصاروا كالغانِمينَ. والصحيحُ، إن شاء اللَّهُ تعالى، أَنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، يَفْعَلُ ما يَراه من تَسْوِيةٍ وتَفْضِيلٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يُعْطِى الأنفالَ، فيُفَضِّلُ قومًا على [قَوْمٍ على] (٢٤) قَدْرِ غَنَائِهم (٢٥). وهذا فى معناه. والمشهورُ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه حين كثُر عندَه المالُ، فرَضَ للمسلمينَ أُعْطِياتِهم، ففَرَضَ للمهاجرِينَ من أهلِ بَدْرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، وللأنصارِ من أهلِ بَدْرٍ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفرَضَ لأهلِ الحُدَيْبِيَةِ ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ولِأهلِ الفَتْحِ أَلْفَينِ ألْفَيْنِ (٢٦)، وقال: بمَن أبْدَأُ؟ قِيلَ له: بنَفْسِكَ. قال: لا، ولكن أبْدَأُ بقَرابةِ رسولِ اللَّه ﷺ . فبدأ ببَنِى هاشمٍ، ثم ببَنِى المُطَّلِبِ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَىْءٌ

стр. 4685

واحِدٌ" (٢٧). ثم ببنى عبدِ شمسٍ؛ لأنَّه أخو هاشمٍ لأبَوَيْهِ، ثم ببنى نَوْفلٍ؛ لأنَّه أخوهُما لأبِيهما، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ (٢٨). قال أصحابُنا: يَنْبَغِى أن يَتّخِذَ الإِمامُ دِيوانًا، وهو دَفْتَرٌ فيه أسماءُ أهلِ الديوانِ، وذِكْرُ أُعْطِياتِهِم، ويَجْعَلَ لكلِّ قبيلةٍ عَرِيفًا. فقد رَوَى الزُّهْرِىُّ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، عَرَّفَ عامَ خَيْبَرَ (٢٩) على كلِّ عشرةٍ عَرِيفًا. وإذا أرادَ إعطاءَهم بَدَأ بقَرَابةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، على ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ويُقَدِّمُ الأقْربَ فالأقْربَ، ويُقدِّمُ بنى عبدِ العُزَّى على بنى عبدِ الدارِ؛ لأنَّ فيهم أصْهارَ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ لأنَّ خَدِيجةَ منهم، حتى يَنْقَضِىَ قريشٌ، وهم بنو النَّضْرِ بن كِنانةَ، ثم من بعد قريشٍ الأنصارُ، ثم سائرُ العَرَبِ، ثم العَجَمُ والموالِى، ثم تُفْرَضُ الأرزاقُ لمن يَحْتاجُ المسلمون (٣٠) إليهم، من القُضاةِ، والمُؤَذِّنِينَ، والأئمَّةِ، والفقهاءِ، والقُرّاءِ، والبُرُدِ، والعيُونِ، ومَنْ لا غِنَى للمُسلمينَ عنه، ثم فى إصْلاحِ الحُصُونِ، والكُراعِ، والسِّلاحِ، ثم بمصالحِ المسلمينَ، من بِناءِ القناطرِ والجُسُورِ، وإصلاحِ الطُّرُقِ، وكَرْىِ الأنْهارِ، وسَدِّ بُثُوقِها، وعِمارةِ المساجدِ، ثم ما فَضَلَ قَسّمَه فى (٣١) سائرِ المسلمينَ، ويَخُصُّ ذا الحاجةِ. فصل: قال القاضى: ويَعْرِفُ قَدْرَ حاجَتِهِم -يعنى أهلَ العطاءِ- وكِفَايَتِهم، وَيزْدادُ ذو الولدِ من أجْلِ وَلَدِه، وذو الفَرَسِ من أجل فَرَسِه. وإن كان له عبيدٌ لمصالحِ الحربِ حَسَبَ مَؤُونَتَهم فى كِفَايتِه، وإن كانوا لزينةٍ أو تِجارةٍ، لم يَدْخُلُوا فى مَؤُونَتِه. وينظرُ فى أسْعارِهم فى بُلْدانِهِم؛ لأنَّ أسعارَ البُلدانِ تختلفُ، والغَرَضُ الكِفاية، ولهذا تعتبرُ الذُّرِّيّةُ والوَلَدُ، فيَخْتَلِفُ عطاؤُهم لِاخْتلافِ ذلك. وإن

стр. 4686

كانوا سَواءً فى الكفايةِ، لا يُفَضّلُ بعضَهم على بعضٍ، وإنَّما تتفَاضلُ كِفايَتُهم، ويُعْطَوْنَ قدرَ كفايَتِهِم، فى كلِّ عامٍ مَرّةً. وهذا -واللَّه أعلمُ- على قولِ مَنْ رأَى (٣٢) التَّسْوِيةَ. فأمَّا من يَرَى التَّفْضيلَ، فإنَّه يُفَضِّلُ أهلَ السَّوابِقِ والغَناءِ فى الإِسلامِ، على غيرِهم، بحَسْبِ ما يَرَاه، كما أَنَّ عمر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فَضَّلَ أهلَ السَّوابقِ، فقَسَمَ لقومٍ خمسةَ آلافٍ، ولأخرِينَ أربعةَ آلافٍ، ولآخرينَ ثلاثةَ آلافٍ، ولآخرينَ أَلْفينِ أَلْفَيْنِ، ولم يُقَدِّرْ ذلك بالكِفايةِ. فصل: والعَطاءُ الواجبُ لا يكونُ إلَّا لبالغٍ يُطِيقُ مِثلُه القِتالَ، ويكونُ عاقلًا حُرًّا بَصِيرًا صحيحًا، ليس به مَرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ، فإن مَرِضَ الصَّحِيحُ مَرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمَانةِ ونحوِها، خَرَجَ من الْمُقاتِلَةِ، وسَقَطَ سَهْمُه، وإن كان مَرَضًا (٣٣) مَرْجُوَّ الزوالِ، كالحُمَّى والصُّداعِ والبِرْسامِ، لم يسْقُطْ عَطاؤُه؛ لأنَّه فى حكمِ الصحيحِ، ألا تَرَى أنَّه لا يَسْتَنِيبُ فى الحَجِّ كالصَّحِيحِ. وإن مات بعد حُلُولِ وقتِ العطاءِ، دُفِعَ حَقُّه إلى وَرَثَتِه. ومن مات مِن أجْنادِ المسلمينَ، دُفِعَ إلى زَوْجَتِه وأولادِه الصِّغار قَدْرُ كِفايَتِهم؛ لأنَّه لو لم تُعْطَ ذُرِّيّتُه بعدَه، لم يُجَرِّدْ نَفْسَه للقتالِ؛ لأنَّه يخافُ على ذُرِّيَّتِه الضياعَ (٣٣)، فإذا علم أنَّهم يُكْفَوْنَ بعد مَوْتِه, سَهُلَ عليه ذلك، ولهذا قال أبو خالد القَنانِىُّ (٣٤): لقد زادَ الحياةَ إلىّ حُبًّا ... بنَاتِى إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ مَخافةَ أن يَرَيْنَ الفَقْرَ بَعْدِى ... وأن يَشْرَبْنَ رَنْقًا بعدَ صَافِ (٣٥) وأن يَعْرَيْن إن كُسِىَ الجَوارِى ... فتَنْبُو العين عن كَرَمٍ عِجَافِ (٣٦) ولَوْلا ذاك قد سَوَّمْتُ مُهْرِى ... وفى الرَّحْمنِ للضُّعَفاءِ كافِ

стр. 4687

وإذا بلغَ ذُكُورُ أولاده (٣٧)، واختارُوا أن يكونُوا فى المُقاتلةِ، فُرِضَ لهم، وإن لم يختارُوا، تُرِكُوا، ومَنْ خَرَجَ من الْمُقاتِلَةِ، سَقَطَ حَقُّه من العَطاءِ. ١٠٨٤ - مسألة؛ قال: (وأرْبَعَةُ أخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقعَةَ، لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، ولِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أسْهُمٍ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْفَارِسُ عَلَى هَجِينٍ، فَيَكُونَ لَهُ سَهْمانِ، سَهْمٌ لَهُ، وسَهْمٌ لِهَجِينِهِ) أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الغَنِيمةِ للغَانمِينَ، وقولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) يُفْهَمُ منه أَنَّ أربعةَ أخْماسِها لهم؛ لأنَّه أضافَها إليهم، ثم أخَذَ منها سَهْمًا لغيرِهم، فبَقِىَ سائِرُها لهم، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٢). وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الغَنِيمةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعةَ (٣). وذَهَب جمهورُ أهلِ العلمِ، إلى أنَّ للرَّاجِلِ سَهْمًا، وللفارِسِ ثَلاثةَ أسْهُمٍ. وقال أبو حنيفةَ: للفارسِ سَهْمان. وخالَفه أصحابُه فوافَقُوا سائرَ العُلماءِ. وقد ثَبَتَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أسْهَمَ للفارسِ ثلاثةَ أسهُمٍ؛ سهمٌ له، وسهمان لِفَرَسِه. متفقٌ عليه (٤). وقال خالدٌ الحذاءُ (٥): إنَّه (٦) لا يُخْتَلَفُ فيه عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه أسْهَمَ لِلفَرَسِ سَهْمينِ،

стр. 4688

ولصاحِبِه سَهْمًا، وللرّاجِلِ سهمًا (٧). والهَجِينُ من الخيلِ: هو الذى أبُوه عَرَبِىٌّ وأمُّه غيرُ عَرَبِيَّةٍ. والمُقْرِفُ عكَس ذلك، وهو الذى أبوه غيرُ عربىٍّ وأُمُّه عَرَبِيَّةٌ. ومنه قولُ هِنْد بنت النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ (٨): وما هِنْدُ إلَّا مُهْرةٌ عَرَبِيّةٌ ... سَلِيلةُ أَفْراسٍ تَجَلَّلها بَغْلُ فإن ولدتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالْحَرَى ... وإن يَكُ إقْرَافٌ فما أنْجَبَ الفَحْلُ وأراد الْخِرَقِىُّ بالهَجِينِ ههُنا ما عَدَا العَرَبِىَّ من الخيلِ، من البَرَاذِينِ وغيرِها، وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، روايةً أُخْرَى، أَنَّ البَراذِينَ إذا أدْرَكَتْ مثلَ العِرَابِ، فلها مثلُ سَهْمِها. وذَكَرَ القاضى رِوايةً أُخْرَى، فيما عدا العِرابَ من الخيلِ لا سَهْمَ (٩) لها. وفى هذه المسألةِ اخْتلافٌ كثيرٌ، وأدِلَّةٌ على كلِّ قولٍ، أخَّرْنَا ذِكْرَها إلى باب الجِهادِ، فإنَّ المسألةَ مذكورةٌ فيه، وهو أَلْيَقُ بها، إن شاءَ اللَّه تعالى. ١٠٨٥ - مسألة؛ قال: (والصَّدَقةُ لَا يُجاوِزُ بِهَا الثَّمانِيَةَ الأَصْنَافَ الَّتِى سَمَّى اللَّهُ يعنى قولَ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ اللَّه، أعْطِنِى من هذه الصَّدقاتِ. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَمْ يَرْضَ بحُكْمِ نَبِىٍّ ولَا غَيْرِهِ فى الصَّدَقاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فجَزَّأَهَا ثَمانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" (٢).

стр. 4689

والمرادُ بالصَّدَقةِ ههُنا الزكاةُ المَفْروضةُ، دونَ غيرِها من صَدَقةِ التَّطَوُّعِ والكَفَّاراتِ والنُّذُورِ والوَصَايَا. ولا نعلمُ خِلافًا بين أهلِ العلمِ فى أنَّه لا يجوزُ دَفْعُ الزّكاةِ إلى غيرِ هذه الأصنافِ، إلَّا ما رُوِىَ عن أنَسٍ (٣)، والحسنِ، أنَّهما قالا: ما أعطيت فى الجُسُورِ والطُّرُقِ، فهى صدقةٌ ماضِيَةٌ. والأوَّلُ أصحُّ؛ ذلك لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾. و"إنَّمَا" لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ المَذْكُورَ، وتَنْفِى ما عَدَاه؛ لأنَّها مُرَكَّبةٌ من حَرْفَىْ نَفْى وإثْباتٍ، فجَرَى مَجْرَى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٤). أى لا إله إلَّا اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ (٥). أى ما أنْتَ إلَّا نَذِيرٌ. وقول النبىِّ ﷺ : "إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٦). ١٠٨٦ - مسألة؛ قال: (الفُقراءُ، وَهُمْ الزَّمْنَى، والْمَكَافِيفُ الَّذِينَ لَا حِرْفةَ لَهُمْ، والْحِرْفةُ الصِّنَاعَةُ، ولَا يَمْلكُونَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، ولَا قِيمَتَها من الذَّهَبِ. والْمَساكِينُ، وهُمُ السُّؤّالُ، وغَيْرُ السُّؤَّالِ، ومَنْ لَهُم الْحِرْفةُ، إلَّا أنَّهُمْ لَا يَمْلكُونَ خمْسِينَ دِرْهمًا، ولَا قِيمَتَها مِنَ الذَّهَبِ) الفقراءُ والمساكينُ صِنْفانِ فى الزَّكاةِ، وصِنْفٌ واحدٌ فى سائرِ الأحكامِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الاسْمَيْنِ يَنْطَلِقُ عليهما، فأمَّا إذا جُمِعَ بين الاسْمَيْنِ، ومُيِّزَ بين المُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا، وكلاهُما يُشْعِرُ بالحاجةِ والفاقةِ وعَدَمِ الغِنَى، إلَّا أَنَّ الفقيرَ أشدُّ حاجةً من المسكينِ، من قِبَلِ أَنَّ (١) اللَّه تعالى بَدَأ به، وإنَّما يَبْدَأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، والأصْمَعِىُّ. وذَهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ المِسْكينَ أشدُّ حاجةً. وبه قال

стр. 4690

الفَرّاءُ، وثعلبٌ، وابنُ قُتَيْبةَ، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢). وهو المَطْرُوحُ على التُّرابِ لشِدَّةِ حاجَتِه، وأنَشدُوا (٣): أمَّا الفَقِيرُ الذى كانتْ حَلُوَبتُهُ ... وَفْقَ العِيَالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ (٤) فأخْبَرَ أَنَّ الفَقِيرَ حَلُوبَتُه وَفْقَ عِيالِه. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى بدَأ بالفقراءِ، فيدُلُّ على أنَّهم أهَمُّ، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ﴾ (٥). فأخْبَرَ أن المساكينَ لهم سفينةٌ يعملونَ بها. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مِسْكِينًا، وأَمِتْنِى مِسْكِينًا، واحْشُرْنِى فِى زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" (٦). وكان يَسْتَعِيذُ من الفقرِ، ولا يجوزُ أن يَسْألَ اللَّه تعالى شِدَّةَ الْحاجةِ، ويَسْتَعِيذَ من حالةٍ أصْلَحَ منها. ولأنَّ الفَقْرَ مُشْتَقٌّ من فِقَرِ الظَّهْرِ، فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، أى مَفْقُودٌ، وهو الذى نُزِعَتْ (٧) فِقْرَةُ ظَهْره، فانْقَطَع صُلْبُه (٨). قال الشاعر (٩): لَمَّا رَأَى لُبَدُ النُّسُورَ تَطَايَرَتْ ... رَفَعَ القَوَادِمَ كالفَقِيرِ الأَعْزَلِ (١٠) أى لم يُطِق الطيرانَ، كالذى انْقَطَعَ صُلْبُه. والمِسْكِينُ (١١) مِفْعِيلٌ من السُّكُونِ، وهو الذى أسْكَنَتْه الحاجةُ، ومَنْ كُسِرَ صُلْبُه أشَدُّ حالًا من الساكنِ. فأمَّا الآيةُ فهى حُجّةٌ لنا، فإنَّ نَعْتَ اللَّه تعالى للمِسْكِينِ بكَوْنِه ذا مَتْرَبةٍ، يدلُّ على أَنَّ هذا النَّعْتَ لا يَسْتَحِقُّه بإِطْلاقِ اسْمِ الَمَسْكَنةِ، كما يقال: ثَوْبٌ ذو عَلَم. ويجوزُ التعبيرُ بالمسْكِينِ عن

стр. 4691

الفَقِيرِ، بقَرِينةٍ وبغيرِ قَرينةٍ، والشِّعْرُ أيضًا حُجّةٌ لنا، فإنَّه أخْبَرَ أَنَّ الذى كانت حَلَوبَتُه وَفْقَ العِيالِ، لم يُتْرَكْ له (١٢) سَبدٌ، فصَارَ فَقِيرًا لا شىءَ له. إذا تَقَرّرَ هذا، فالفقيرُ الذى لا يَقدِرُ على كَسْبِ ما يَقَعُ مَوْقِعًا من كفايَتهِ، ولا له [من الأُجْرةِ أو من المالِ الدائمِ ما يقعُ موقعًا من كفايتهِ، ولا له] (١٣) خَمْسونَ دِرْهَمًا، ولا قِيمَتُها من الذهبِ، مثل الزَّمْنَى والْمَكافيفُ وهم العُمْيانُ، سُمُّوا بذلك لِكَفِّ أبصارِهِم؛ لأنَّ هؤلاءِ فى الغالب لا يَقدِرُونَ على اكْتِسابِ ما يقعُ مَوْقِعًا من كِفايَتِهِم، وربَّما لا يَقْدِرونَ على شىءٍ أصلًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤). ومعنى قولِهم: يقَع مَوْقِعًا من كِفايَتِهِم. أنَّه يَحْصُلُ به مُعْظَمُ الكِفَايةِ، أو نِصْفُ الكِفَايةِ مثل مَنْ يَكفِيه عشرةٌ فيَحْصُلُ له من مَكْسَبِه أو غيرِه خَمْسةٌ فما زادَ، والذى لا يحصلُ له إلَّا ما لا يقَعُ مَوْقِعًا من كفايَتِه، كالذى لا يَحْصُلُ له إلَّا ثلاثةٌ أو دونَها، فهذا هو الفقيرُ، والأولُ، هو (١٥) المسكينُ، فيُعْطَى كلُّ واحدٍ منهما ما يُتِمُّ به كِفَايَتَه، وتَنْسَدُّ به حاجَتُه؛ لأنَّ المقْصودَ دَفْعُها وإغْنَاءُ صاحِبِها، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. والذى يَسْألُ، ويُحَصِّلُ الكفايةَ أو مُعْظَمَها من مَسْئَلتِه، فهو من المَساكِينِ، لكنَّه يُعْطَى جَمِيعَ كِفايتِه، ويُغْنَى عن السُّؤالِ. فإن قيل: فقد قال النبىُّ ﷺ : "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بالطَّوَّافِ الَّذِى تَرُدُّه اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، ولكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِى لَا يَسْألُ النَّاسَ، ولَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ" (١٦). قُلْنا، هذا تَجَوُّزٌ، وإنَّما نَفَى

стр. 4692

المَسْكَنةَ عنه (١٧) مع وُجُودِها فيه حقيقةً، مُبالَغةً فى إثْباتِها فى الذى لا يَسْألُ الناسَ، كما قال ﵇: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، وَإنَّما الشَّدِيدُ الَّذِى يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" (١٨). وقال: "مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ ". قالوا: الذى لا يَعِيشُ له وَلَدٌ. قال: "لَا، ولكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِى لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا" (١٩). وقال: "مَا تَعُدُّونَ المُفْلِسَ فِيكُمْ؟ ". قالوا: الذى لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ. قال: "لَا، ولكِنَّ المُفْلِسَ الَّذِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثالِ الْجِبَالِ، ويَأْتِى وَقَدْ ظَلَمَ هذَا، ولَطَمَ هذَا، وأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هذَا، فَيَأْخُذُ هذَا من حَسَناتِهِ، وهذَا مِنْ حَسَناتِهِ، حَتَّى إذَا نَفِدَتْ حَسَناتُهُ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئاتِهِمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَكُّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ" (٢٠). فصل: ومَنْ كان ذا مَكْسبٍ يُغْنِى به نَفْسَه وعِيالَه إنْ كان له عِيَالٌ، وكان له قَدْرُ كِفايَتِه فى كلِّ يومٍ، من أجْرِ عَقَارٍ، أو غَلَّةِ مَمْلُوكٍ أو سائمةٍ، فهو غَنِىٌّ لا حَقَّ له فى الزكاةِ. وبهذا قال ابنُ عمرَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ (٢١). وقال أبو حنيفةَ: إن لم يَمْلِكْ نِصَابًا فله الأخْذُ منها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أعْلِمْهُم أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ

стр. 4693

أغْنِيائِهِم، فتُرَدُّ فِى فُقَرائِهِمْ" (٢٢). فجَعَلَ الغَنِىَّ مَن تُؤْخَذُ منه الصَّدَقةُ، ولا تُؤْخَذُ إلَّا من النِّصابِ. ولأنَّ هذا لا يَمِلْكُ نِصَابًا، ولا قِيمَتَه، فجازَ له الأخْذُ، كالذى لا كِفايةَ له. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عَدِىِّ بن الْخِيَارِ، أن رَجُلَيْنِ أتَيَا رسولَ اللَّه ﷺ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقةَ، فسأَلاه شيئًا منها، فصَعَّدَ بَصَرَه فيهما، وقال لهما: "إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ". رواه أبو داودَ، ورواه الإِمامُ أحمدُ (٢٢)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن هِشَامِ بن عُرْوةَ، عن أبِيه، عن عُبَيْدِ اللَّه. وقال: هذا أجْوَدُهُما (٢٣) إسْنادًا، ما أجْوَده من حديثٍ، ما أعلمُ رُوِى فى هذا أجْودُ من هذا. قيل له: فالحديثُ عن النَّبِىِّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغَنِىٍّ، ولَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ" (٢٤)؟ قال: لا أعلمُ فيه شيئا يَصِحُّ. قيل له: يَرْوِيه سالمُ بن أبى الجَعْدِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النّبىِّ ﷺ ، قال: سالمٌ لم يَسْمَعْ من أبى هُرَيرةَ. والغِنَى يَخْتَلِفُ؛ فمنه غِنًى يُوجِبُ الزكاةَ، وغِنًى يَمْنَعُ أخْذَها، وغِنًى يَمْنَعُ المَسْألةَ، ويخالفُ ما قاسُوا عليه هذا، فإنَّه مُحْتاجٌ إليها، والصَّدَقةُ أوْساخُ الناسِ، فلا تُباحُ إلَّا عندَ الحاجةِ إليها، وهذا المُخْتَلَفُ فيه لا حاجةَ به إليها، فلا تُباحُ له. فصل: وإن كان الرجلُ صحيحًا جَلْدًا، وذَكَر أنَّه لا كَسْبَ له، أُعْطِىَ منها، وقُبِلَ قولُه بغيرِ يَمينٍ، إذا لم يُعْلَمْ يَقِينُ كَذِبِه، ولا يُحَلِّفه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعطى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَين سأَلاه، ولم يُحَلِّفْهما. وفى بعض رِواياتِه، أنَّه قال: أتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ ، فسأَلْناه من الصَّدَقةِ، فصَعَّدَ فينا البَصَرَ وصَوَّبَه (٢٥)، فرآنا جَلْدَيْنِ، فقال: "إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما". وذكر الحديث. فصل: فإن ادَّعى أَنَّ له عِيَالًا، فقال القاضِى، وأبو الخَطَّابِ: يُقَلَّدُ (٢٦) ويُعْطَى

стр. 4694

لهم، كما يُقَلَّدُ فى دَعْوَى حاجَتِه. وقال (٢٧) ابن عَقِيلٍ: عندى لا يُقْبلُ قولُه (٢٨) إلَّا بِبَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ الْعِيالِ، ولا تَتَعذَّرُ إقامةُ البَيِّنةِ عليه، وفارَق ما إذا ادَّعَى أنَّه لا كَسْبَ له، فإنَّه يَدَّعِى ما يُوافِقُ الأصْلَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكَسْبِ والمالِ، وتتَعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنَةِ عليه. ولو ادَّعَى الفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بالغِنَى، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ تشْهَدُ بأنَّ مالَه تَلِفَ أو نَفِدَ؛ لما رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فاقةٌ، فحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سَدادًا مِنْ عَيْشٍ" (٢٩). وهل يُعْتَبَرُ فى البَيِّنَةِ على الفَقْرِ ثلاثةٌ، أو يُكْتَفَى باثْنَيْنِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَكْفِى إلَّا ثلاثةٌ؛ لظاهرِ الخبَرِ. والثانى، يُقْبَلُ قولُ اثْنَيْنِ؛ لأنَّ قولَهما يُقْبَلُ فى الفَقْرِ بالنِّسْبةِ إلى حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، الْمَبْنِيّةِ على الشُّحِّ والضَّيْقِ، ففى حَقِّ اللَّهِ تعالى أوْلَى، والخبرُ إنَّما وَرَدَ فى حِلِّ المَسْألةِ، فيُقْتَصَرُ عليه. وإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، قُبِلَ قولُه، ولم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَحْلِف الرَّجُلينِ اللَّذَيْنِ رَآهما جَلْدَيْنِ. فإن رآهُ مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قولَه أيضًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ من ذلك الغِنَى، بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. لكن يَنْبَغِى أن يُخْبِرَه أَنَّ ما يُعْطِيه من الزَّكاةِ؛ لئَلَّا يكونَ ممَّن لا تَحِلُّ له الزَّكاةُ. وإن رآه ظاهرَ المَسْكَنةِ، أعْطاه منها، ولم يَحْتَجْ (٣٠) أن يُبَيِّنَ له شَرْطَ جَوازِ الأخْذِ، ولا أَنَّ ما يَدْفَعُه إليه زَكاةٌ. قال أحمدُ، ﵀، وقد سُئِلَ عن الرجلِ يَدْفَعُ زكاتَه إلى رَجُلٍ: هل يقولُ له: هذه زكاةٌ؟ فقال: يُعْطِيه ويَسْكُتُ، ولا يُقَرِّعُه. فاكْتَفَى بظاهرِ حالِه عن سُؤَالِه وتَعْرِيفِه. فصل: وإذا كان للرَّجُلِ بِضاعةٌ يَتَّجِرُ بها، أو ضَيْعةٌ يَسْتَغِلُّها تَكْفِيه غَلَّتُها، له

стр. 4695

ولِعيالِه، فهو غَنِىٌّ، لا يُعْطَى من الصَّدَقةِ شيئا، وإن لم تَكْفِه، جاز له الأخْذُ منها قَدْرَ ما يُتِمُّ به الكفايةَ، وإن كَثُرَتْ قيمةُ ذلك. وقد تقدَّم ذكرُ ذلك فى الزَّكاةِ. ١٠٨٧ - مسألة؛ قال: (والْعَامِلينَ عَلَيْهَا (١)، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، والْحَافِظُونَ لَهَا) يعنى العامِلينَ على الزَّكاةِ، وهم الصِّنْفُ الثالثُ من أصْنافِ الزكاةِ، وهم السُّعَاةُ الذين يَبْعَثُهُم الإِمامُ لأَخْذِها من أرْبابِها، وجَمْعِها وحِفْظِها ونَقْلِها، ومَنْ يُعَيِّنُهُم مِمَّنْ يَسُوقُها ويَرْعاها ويَحْمِلُها، وكذلك الحاسِبُ والكاتِبُ والكَيَّالُ والوَزّانُ والعَدَّادُ، وكلُّ مَن يُحْتاجُ إليه فيها فإنَّه يُعْطَى أُجْرَتَه منها؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنَتِها، فهو كعَلْفِها، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَبْعَثُ على الصدقةِ سُعاةً، ويُعْطِيهم عِمالَتَهم (٢)، فبَعَثَ عمرَ، ومُعاذًا، وأبا مُوسَى، ورَجُلًا من بنى مَخْزُومٍ، وابنَ اللُّتْبِيَّةِ، وغيرَهم (٣). وطَلَب منه ابنا عَمِّه الفَضْلُ ابن العباسِ، وعبدُ المطَّلِبِ بن رَبِيعةَ بن الحارثِ، أن يَبْعَثَهُما، فقالا: يا رسولَ اللَّه، لو بَعَثْتَنَا على هذه الصدقةِ، فنُصِيبَ ما يُصِيبُ الناسُ، ونُؤَدِّىَ إليك ما يُؤَدِّى الناسُ؟ فأبَى أن يَبْعَثَهُما، وقال: "إنَّ هذِهِ الصَّدَقَةَ أوْسَاخُ النَّاسِ" (٤). وهذه قِصَصٌ
следующие страницы →