← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الفَقِيرِ، بقَرِينةٍ وبغيرِ قَرينةٍ، والشِّعْرُ أيضًا حُجّةٌ لنا، فإنَّه أخْبَرَ أَنَّ الذى كانت حَلَوبَتُه وَفْقَ العِيالِ، لم يُتْرَكْ له (١٢) سَبدٌ، فصَارَ فَقِيرًا لا شىءَ له. إذا تَقَرّرَ هذا، فالفقيرُ الذى لا يَقدِرُ على كَسْبِ ما يَقَعُ مَوْقِعًا من كفايَتهِ، ولا له [من الأُجْرةِ أو من المالِ الدائمِ ما يقعُ موقعًا من كفايتهِ، ولا له] (١٣) خَمْسونَ دِرْهَمًا، ولا قِيمَتُها من الذهبِ، مثل الزَّمْنَى والْمَكافيفُ وهم العُمْيانُ، سُمُّوا بذلك لِكَفِّ أبصارِهِم؛ لأنَّ هؤلاءِ فى الغالب لا يَقدِرُونَ على اكْتِسابِ ما يقعُ مَوْقِعًا من كِفايَتِهِم، وربَّما لا يَقْدِرونَ على شىءٍ أصلًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤). ومعنى قولِهم: يقَع مَوْقِعًا من كِفايَتِهِم. أنَّه يَحْصُلُ به مُعْظَمُ الكِفَايةِ، أو نِصْفُ الكِفَايةِ مثل مَنْ يَكفِيه عشرةٌ فيَحْصُلُ له من مَكْسَبِه أو غيرِه خَمْسةٌ فما زادَ، والذى لا يحصلُ له إلَّا ما لا يقَعُ مَوْقِعًا من كفايَتِه، كالذى لا يَحْصُلُ له إلَّا ثلاثةٌ أو دونَها، فهذا هو الفقيرُ، والأولُ، هو (١٥) المسكينُ، فيُعْطَى كلُّ واحدٍ منهما ما يُتِمُّ به كِفَايَتَه، وتَنْسَدُّ به حاجَتُه؛ لأنَّ المقْصودَ دَفْعُها وإغْنَاءُ صاحِبِها، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. والذى يَسْألُ، ويُحَصِّلُ الكفايةَ أو مُعْظَمَها من مَسْئَلتِه، فهو من المَساكِينِ، لكنَّه يُعْطَى جَمِيعَ كِفايتِه، ويُغْنَى عن السُّؤالِ. فإن قيل: فقد قال النبىُّ ﷺ : "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بالطَّوَّافِ الَّذِى تَرُدُّه اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، ولكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِى لَا يَسْألُ النَّاسَ، ولَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ" (١٦). قُلْنا، هذا تَجَوُّزٌ، وإنَّما نَفَى

стр. 4692

المَسْكَنةَ عنه (١٧) مع وُجُودِها فيه حقيقةً، مُبالَغةً فى إثْباتِها فى الذى لا يَسْألُ الناسَ، كما قال ﵇: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، وَإنَّما الشَّدِيدُ الَّذِى يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" (١٨). وقال: "مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ ". قالوا: الذى لا يَعِيشُ له وَلَدٌ. قال: "لَا، ولكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِى لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا" (١٩). وقال: "مَا تَعُدُّونَ المُفْلِسَ فِيكُمْ؟ ". قالوا: الذى لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ. قال: "لَا، ولكِنَّ المُفْلِسَ الَّذِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثالِ الْجِبَالِ، ويَأْتِى وَقَدْ ظَلَمَ هذَا، ولَطَمَ هذَا، وأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هذَا، فَيَأْخُذُ هذَا من حَسَناتِهِ، وهذَا مِنْ حَسَناتِهِ، حَتَّى إذَا نَفِدَتْ حَسَناتُهُ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئاتِهِمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَكُّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ" (٢٠). فصل: ومَنْ كان ذا مَكْسبٍ يُغْنِى به نَفْسَه وعِيالَه إنْ كان له عِيَالٌ، وكان له قَدْرُ كِفايَتِه فى كلِّ يومٍ، من أجْرِ عَقَارٍ، أو غَلَّةِ مَمْلُوكٍ أو سائمةٍ، فهو غَنِىٌّ لا حَقَّ له فى الزكاةِ. وبهذا قال ابنُ عمرَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ (٢١). وقال أبو حنيفةَ: إن لم يَمْلِكْ نِصَابًا فله الأخْذُ منها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أعْلِمْهُم أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ

стр. 4693

أغْنِيائِهِم، فتُرَدُّ فِى فُقَرائِهِمْ" (٢٢). فجَعَلَ الغَنِىَّ مَن تُؤْخَذُ منه الصَّدَقةُ، ولا تُؤْخَذُ إلَّا من النِّصابِ. ولأنَّ هذا لا يَمِلْكُ نِصَابًا، ولا قِيمَتَه، فجازَ له الأخْذُ، كالذى لا كِفايةَ له. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عَدِىِّ بن الْخِيَارِ، أن رَجُلَيْنِ أتَيَا رسولَ اللَّه ﷺ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقةَ، فسأَلاه شيئًا منها، فصَعَّدَ بَصَرَه فيهما، وقال لهما: "إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ". رواه أبو داودَ، ورواه الإِمامُ أحمدُ (٢٢)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن هِشَامِ بن عُرْوةَ، عن أبِيه، عن عُبَيْدِ اللَّه. وقال: هذا أجْوَدُهُما (٢٣) إسْنادًا، ما أجْوَده من حديثٍ، ما أعلمُ رُوِى فى هذا أجْودُ من هذا. قيل له: فالحديثُ عن النَّبِىِّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغَنِىٍّ، ولَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ" (٢٤)؟ قال: لا أعلمُ فيه شيئا يَصِحُّ. قيل له: يَرْوِيه سالمُ بن أبى الجَعْدِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النّبىِّ ﷺ ، قال: سالمٌ لم يَسْمَعْ من أبى هُرَيرةَ. والغِنَى يَخْتَلِفُ؛ فمنه غِنًى يُوجِبُ الزكاةَ، وغِنًى يَمْنَعُ أخْذَها، وغِنًى يَمْنَعُ المَسْألةَ، ويخالفُ ما قاسُوا عليه هذا، فإنَّه مُحْتاجٌ إليها، والصَّدَقةُ أوْساخُ الناسِ، فلا تُباحُ إلَّا عندَ الحاجةِ إليها، وهذا المُخْتَلَفُ فيه لا حاجةَ به إليها، فلا تُباحُ له. فصل: وإن كان الرجلُ صحيحًا جَلْدًا، وذَكَر أنَّه لا كَسْبَ له، أُعْطِىَ منها، وقُبِلَ قولُه بغيرِ يَمينٍ، إذا لم يُعْلَمْ يَقِينُ كَذِبِه، ولا يُحَلِّفه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعطى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَين سأَلاه، ولم يُحَلِّفْهما. وفى بعض رِواياتِه، أنَّه قال: أتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ ، فسأَلْناه من الصَّدَقةِ، فصَعَّدَ فينا البَصَرَ وصَوَّبَه (٢٥)، فرآنا جَلْدَيْنِ، فقال: "إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما". وذكر الحديث. فصل: فإن ادَّعى أَنَّ له عِيَالًا، فقال القاضِى، وأبو الخَطَّابِ: يُقَلَّدُ (٢٦) ويُعْطَى

стр. 4694

لهم، كما يُقَلَّدُ فى دَعْوَى حاجَتِه. وقال (٢٧) ابن عَقِيلٍ: عندى لا يُقْبلُ قولُه (٢٨) إلَّا بِبَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ الْعِيالِ، ولا تَتَعذَّرُ إقامةُ البَيِّنةِ عليه، وفارَق ما إذا ادَّعَى أنَّه لا كَسْبَ له، فإنَّه يَدَّعِى ما يُوافِقُ الأصْلَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكَسْبِ والمالِ، وتتَعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنَةِ عليه. ولو ادَّعَى الفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بالغِنَى، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ تشْهَدُ بأنَّ مالَه تَلِفَ أو نَفِدَ؛ لما رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فاقةٌ، فحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سَدادًا مِنْ عَيْشٍ" (٢٩). وهل يُعْتَبَرُ فى البَيِّنَةِ على الفَقْرِ ثلاثةٌ، أو يُكْتَفَى باثْنَيْنِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَكْفِى إلَّا ثلاثةٌ؛ لظاهرِ الخبَرِ. والثانى، يُقْبَلُ قولُ اثْنَيْنِ؛ لأنَّ قولَهما يُقْبَلُ فى الفَقْرِ بالنِّسْبةِ إلى حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، الْمَبْنِيّةِ على الشُّحِّ والضَّيْقِ، ففى حَقِّ اللَّهِ تعالى أوْلَى، والخبرُ إنَّما وَرَدَ فى حِلِّ المَسْألةِ، فيُقْتَصَرُ عليه. وإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، قُبِلَ قولُه، ولم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَحْلِف الرَّجُلينِ اللَّذَيْنِ رَآهما جَلْدَيْنِ. فإن رآهُ مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قولَه أيضًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ من ذلك الغِنَى، بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. لكن يَنْبَغِى أن يُخْبِرَه أَنَّ ما يُعْطِيه من الزَّكاةِ؛ لئَلَّا يكونَ ممَّن لا تَحِلُّ له الزَّكاةُ. وإن رآه ظاهرَ المَسْكَنةِ، أعْطاه منها، ولم يَحْتَجْ (٣٠) أن يُبَيِّنَ له شَرْطَ جَوازِ الأخْذِ، ولا أَنَّ ما يَدْفَعُه إليه زَكاةٌ. قال أحمدُ، ﵀، وقد سُئِلَ عن الرجلِ يَدْفَعُ زكاتَه إلى رَجُلٍ: هل يقولُ له: هذه زكاةٌ؟ فقال: يُعْطِيه ويَسْكُتُ، ولا يُقَرِّعُه. فاكْتَفَى بظاهرِ حالِه عن سُؤَالِه وتَعْرِيفِه. فصل: وإذا كان للرَّجُلِ بِضاعةٌ يَتَّجِرُ بها، أو ضَيْعةٌ يَسْتَغِلُّها تَكْفِيه غَلَّتُها، له

стр. 4695

ولِعيالِه، فهو غَنِىٌّ، لا يُعْطَى من الصَّدَقةِ شيئا، وإن لم تَكْفِه، جاز له الأخْذُ منها قَدْرَ ما يُتِمُّ به الكفايةَ، وإن كَثُرَتْ قيمةُ ذلك. وقد تقدَّم ذكرُ ذلك فى الزَّكاةِ. ١٠٨٧ - مسألة؛ قال: (والْعَامِلينَ عَلَيْهَا (١)، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، والْحَافِظُونَ لَهَا) يعنى العامِلينَ على الزَّكاةِ، وهم الصِّنْفُ الثالثُ من أصْنافِ الزكاةِ، وهم السُّعَاةُ الذين يَبْعَثُهُم الإِمامُ لأَخْذِها من أرْبابِها، وجَمْعِها وحِفْظِها ونَقْلِها، ومَنْ يُعَيِّنُهُم مِمَّنْ يَسُوقُها ويَرْعاها ويَحْمِلُها، وكذلك الحاسِبُ والكاتِبُ والكَيَّالُ والوَزّانُ والعَدَّادُ، وكلُّ مَن يُحْتاجُ إليه فيها فإنَّه يُعْطَى أُجْرَتَه منها؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنَتِها، فهو كعَلْفِها، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَبْعَثُ على الصدقةِ سُعاةً، ويُعْطِيهم عِمالَتَهم (٢)، فبَعَثَ عمرَ، ومُعاذًا، وأبا مُوسَى، ورَجُلًا من بنى مَخْزُومٍ، وابنَ اللُّتْبِيَّةِ، وغيرَهم (٣). وطَلَب منه ابنا عَمِّه الفَضْلُ ابن العباسِ، وعبدُ المطَّلِبِ بن رَبِيعةَ بن الحارثِ، أن يَبْعَثَهُما، فقالا: يا رسولَ اللَّه، لو بَعَثْتَنَا على هذه الصدقةِ، فنُصِيبَ ما يُصِيبُ الناسُ، ونُؤَدِّىَ إليك ما يُؤَدِّى الناسُ؟ فأبَى أن يَبْعَثَهُما، وقال: "إنَّ هذِهِ الصَّدَقَةَ أوْسَاخُ النَّاسِ" (٤). وهذه قِصَصٌ

стр. 4696

اشْتَهَرَتْ، فصارتْ كالمُتَواتِرِ، وليس فيه اختلافٌ، مع ما وَرَدَ من نَصِّ (٥) الكتابِ فيه فأغْنَى عن التَّطْوِيلِ. فصل: ومن شَرْطِ العاملِ أن يكونَ بالغًا عاقلًا أمِينًا؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ من الوِلايةِ، والولايةُ تُشْتَرطُ فيها هذه الخِصالُ، ولأنَّ الصَّبِىَّ والمجنونَ لا قَبْضَ لهما، والخائنَ يذهبُ بمالِ الزكاةِ ويُضَيِّعُه على أرْبابِه. ويُشْتَرطُ إسْلامُه. واختار هذا القاضى. وذكر أبو الخطَّابِ وغيرُه، أنَّه لا يُشْتَرَطُ إسْلامُه؛ لأنَّه إجارَةٌ على عَمَلٍ، فجاز أن يَتَوَلّاه الكافرُ، كجِبَايةِ الخَرَاجِ. وقِيلَ عن أحمدَ فى ذلك رِوَايتان. ولَنا، أنَّه يُشْتَرَطُ له (٦) الأمانةُ، فاشْتُرِطَ له الإِسْلامُ، كالشَّهادةِ، ولأنَّه وِلايةٌ على المسلمين، فلم يَجُزْ أن يَتَوَلَّاها الكافرُ، كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ مَنْ ليس من أهلِ الزكاةِ، لا يجوزُ أن يَتَولَّى العِمالَة كالحَرْبِىِّ، ولأنَّ الكافرَ ليس بأَمِينٍ، ولهذا قال عمرُ: لا تَأْتَمِنُوهُم وقد خَوَّنَهُم اللَّه تعالى. وقد أنْكرَ عمرُ على أبى مُوسَى تَوْلِيَتَه الكتابةَ نَصْرانِيًّا (٧). فالزكاةُ التى هى رُكْنُ الإِسلامِ أَوْلَى. ويُشْتَرطُ كونُه من غيرِ ذَوِى القُرْبَى، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه أُجُرَتَه من غيرِ الزكاةِ. وقال أصحابُنا: يجوزُ له الأخْذُ منها؛ لأنَّها أُجْرَةٌ على عملٍ تجوزُ لِلْغَنِىِّ، فجازتْ لذَوِى القُرْبَى، كأُجْرةِ النّقَّالِ والحافِظِ. وهذا أحد الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ. ولَنا، حديثُ الفضلِ بن العباسِ وعبدِ المُطَّلبِ بن ربيعةَ بن الحارثِ، حين سأَلا النَّبِىَّ ﷺ أن يَبْعَثَهُما على الصدقةِ، فأبَى أن يبْعثَهما، وقال: "إنَّمَا هذِهِ الصَّدَقَةُ أوْسَاخُ النَّاس، وَإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ". وحديثُ أبى رافعٍ أيضًا (٨). وهذا ظاهرٌ فى تحريمِ أخْذِهِم [لها عِمالةً] (٩)، فلا تجوزُ مخالَفَتُه. ويفارقُ النَّقَّالَ والحَمَّالَ والرَّاعِىَ، فإنَّه يأخُذُ أُجْرةً لحَمْلِه

стр. 4697

لا لِعِمالتِه. ولا يشترطُ كَوْنُه حُرًّا؛ لأنَّ العبدَ يحْصُلُ منه المَقْصُودُ كالحُرِّ، فجازَ أن يكونَ عامِلًا كالحُرِّ. ولا كونُه فَقِيهًا إذا كُتِبَ له ما يأْخُذُه، وحُدَّ له، كما كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ لعُمَّالِه فَرائِضَ الصَّدقةِ، وكما كتَبَ أبو بكرٍ لعُمَّالهِ، أو بَعَثَ معه مَن يُعَرِّفُه ذلك. ولا كَوْنُه فَقِيرًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ العاملَ صِنْفًا غيرَ الفقراءِ والمساكينِ، فلا يُشْتَرَطُ وجودُ مَعْناهُما فيه، كما لا يُشْتَرَطُ معناه فيهما، وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغنِىٍّ، إلَّا لخَمْسةٍ؛ لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أوْ لِرَجُلٍ ابْتاعَهَا بِمَالِهِ، أو لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأهْدَى الْمِسْكِينُ إلَى الغَنِىِّ". رَواه أبو دَاودَ (١٠). وذكر أصْحابُ الشافعىِّ أنَّه تُشْتَرَطُ الحُرِّيةُ؛ لأنَّ العِمالةَ وِلايةٌ، فنافَاها الرِّقُّ، كالقَضاءِ. ويُشْتَرَطُ الفِقْهُ؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الواجِبِ وصِفَتَه. ولَنا، ما ذكَرْناه، ولا نُسَلِّمُ مُنافاةَ الرِّقِّ للوِلاياتِ الدِّيِنِيَّةِ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ إمامًا فى الصلاةِ، ومُفْتِيًا، ورَاوِيًا للحديثِ، وشاهِدًا، وهذه من الوِلَاياتِ الدِّينيَّةِ. وأمَّا الفِقْهُ، فإنَّما يحْتاجُ إليه لِمَعْرِفةِ ما يأْخُذُه ويَتْرُكُه، ويَحْصُلُ ذلك بالكتابةِ (١١) له، كما فعَلَ النَّبِىُّ ﷺ وصاحِباه، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. فصل: والإِمامُ مُخَيَّرٌ بين أن يَسْتَأْجِرَ العامِلَ إجَارةً صَحِيحةً، بأَجْرٍ معلومٍ، إمَّا على مُدَّةٍ معلومةٍ، وإمَّا على عملٍ معلومٍ، وبين أن يَجْعَلَ له جُعْلًا معلومًا على عَمَلِه، فإذا عَمِلَه اسْتَحَقّ المَشْرُوطَ، وإن شاء بَعَثَه من غيرِ تَسْمِيَةٍ ثم أعْطاهُ؛ فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: بَعَثَنى النَّبِىُّ ﷺ على الصَّدَقَةِ، فلمَّا رَجَعْتُ عَمَّلَنِى، فقلتُ: أَعْطِه (١٢) أحْوَج إليه (١٣) مِنِّى. وذكر الحديثَ (١٤). فإن تَلِفَتِ الصدقةُ فى يَدِه قبلَ وُصُولِها إلى

стр. 4698

أرْبَابِها من غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، ويَسْتَحِقُّ أَجْرَه من بيتِ المالِ، وإن لم تَتْلَفْ أُعْطِىَ أَجْرَ عَمَلِه منها، وإن كان أكْثَرَ من ثَمَنِها أو أقَلَّ، ثم قُسِّم الباقى على أرْبابِه؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنَتِها، فجرَى مَجْرَى عَلْفِهَا ومُداواتِها. وإن رأى الإِمامُ أعْطاهُ أُجْرةً من بيتِ المالِ، أو يَجْعَلُ له رِزْقًا فى (١٥) بيتِ المالِ، ولا يُعْطِه منها شيئا، فَعَلَ. وإن تَوَلَّى الإِمامُ أو الوالِى من (١٦) قِبَلِه، أخْذَ الصَّدقةِ وقِسْمَتَها، لم يَسْتَحِقَّ منها شيئا؛ لأنَّه يَأخُذُ رِزْقَه من بيت المالَ. فصل: ويجوزُ للإِمامِ أن يُوَلِّىَ الساعِىَ جِبِايَتَها دون تَفْرِيقِها (١٧). ويجوزُ أن يُوَلِّيَهُ جِبايَتَها وتَفْرِيقَها؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَلَّى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ فقَدِمَ بصَدَقَتِه على النَّبِىِّ- ﷺ ، فقال: هذا لَكُم، وهذا أُهْدِىَ لِى (١٨). وقال لقَبِيصةَ: "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا" (١٩). وأمرَ مُعاذًا أن يأْخُذَ الصدقةَ من أغْنيائِهِم فيَرُدَّها فى فُقَرائِهم (٢٠). ويُرْوَى (٢١) أن زِيادًا وَلَّى عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ الصدقةَ، فلمَّا جاء قِيلَ له: أينَ المالُ؟ قال: أوَ للمالِ بَعَثْتَنِى! أخَذْناها كما كُنَّا نأخُذُها على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ووَضَعْناها حيثُ كُنَّا نَضَعُها على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ . رواه أبو دَاودَ (٢٢). وعن أبى جُحَيْفةَ قال: أتانَا مُصَّدِّقُ النَّبِىّ ﷺ ، فأخَذَ الصَّدقةَ من أغْنِيائِنا، فوضَعَها فى فُقَرائِنا، وكنتُ غُلامًا يَتِيمًا، فأعْطانِى منها قَلُوصًا. أخرَجه التِّرْمِذِىُّ (٢٣).

стр. 4699

١٠٨٨ - مسألة؛ قال: (والمُؤَلَّفةُ قُلُوبُهُمْ، وهُمُ المُشْرِكُونَ المُتَأَلَّفُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ) هذا الصِّنْفُ الرَّابعُ من أصْنافِ الزكاةِ المُسْتَحِقُّون لها. وقال أبو حنيفةَ: انْقَطَعَ سَهْمُهُم. وهو أحدُ أقوالِ الشافعىِّ؛ لما رُوِىَ أَنَّ مُشْركًا جاء يَلْتَمِسُ من عمرَ مالًا، فلم يُعْطِه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). ولم يُنْقَلْ عن عمرَ ولا عثمانَ ولا علىٍّ أنَّهم أعْطَوْا شيئا من ذلك، ولأنَّ اللَّه تعالى أظهرَ الإِسلامَ، وقَمَعَ المُشْرِكينَ, فلا حاجةَ بنا إلى التَّأْليفِ. وحكى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: المُؤَلّفةُ قد انْقَطَعَ حُكْمُهُم اليومَ. والمَذْهَبُ على خلافِ ما حكاه حَنْبَلٌ، ولعلَّ معنَى قولِ أحمدَ: انْقَطَعَ حُكْمُهم. أى لا يُحْتاجُ إليهم فِى الغالبِ، أو أراد أَنَّ الأئِمَّةَ لا يُعْطُونَهم اليوم (٢) شيئا، فأما إن احتاجَ إليهم جازَ الدَّفْعُ إليهم، فلا يجوزُ الدفعُ إليهم إلَّا مع الحاجةِ. ولَنا، على جَوازِ الدَّفْعِ إليهم قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣). وهذه الآية فى سُورة بَرَاءة، وهى من (٤) آخرِ ما نَزَلَ من القرآنِ على رسولِ اللَّه ﷺ . وقد ثَبَتَ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أعْطَى المُؤَلَّفةَ من المشركينَ والمسلمينَ (٥). وأعْطَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عَدِىَّ بن حاتمٍ، وقد قدِمَ عليه بثَلاثِمائةِ جَمَلٍ من إبلِ الصَّدَقةِ، ثَلاثينَ بَعِيرًا. ومخالفةُ كتابِ اللَّه تعالى، وسُنَّةِ رسولِه، واطِّرَاحُهما (٦) بلا حُجّةٍ لا يجوزُ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بتَرْكِ

стр. 4700

عمرَ وعثمانَ إعطاءَ المُؤَلَّفةِ، ولعلَّهم لم يَحْتاجُوا إلى إعطائِهم، فتَرَكُوا ذلك لعَدَمِ الحاجةِ إليه، لا لِسُقُوطِه. فصل: والمُؤَلّفةُ قُلُوبُهُم ضَرْبانِ؛ كُفّارٌ ومُسْلِمونَ، وهم جميعًا السَّادةُ المُطَاعُونَ فى قَوْمِهِم وعَشائِرِهم. فالكُفارُ ضَرْبانِ؛ أحدهما، مَنْ يُرْجَى إسْلامُه، فيُعْطَى لِتَقْوَى نِيَّتُه فى الإِسْلامِ، وتَمِيلَ نَفْسُه إليه، فيُسْلِمَ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ يومَ فَتْحِ مَكَّةَ، أعْطى صَفوانَ بنَ أُمَيّةَ الأمانَ، واسْتَنْظَرَه صَفْوانُ أرْبعةَ أشْهُرٍ ليَنْظُرَ فى أمْرِه، وخَرَجَ معه إلى حُنَيْنٍ، فلما أعْطى النَّبِىُّ ﷺ العَطَايَا قال صفوانُ: مالِى؟ فأوْمأَ النَّبِىُّ ﷺ إلى وادٍ فيه إبلٌ مُحَمَّلةٌ، فقال: "هذَا لَكَ". فقال صَفْوانُ (٧): هذا عَطاءُ مَنْ لا يَخْشَى الفَقْرَ (٨). والضربُ الثانى، مَنْ يُخْشَى شَرُّه، ويُرْجَى بعَطِيَّتِه كَفُّ شَرِّه وكَفُّ غيرِه معه. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أَنَّ قومًا كانوا يَأْتُونَ النَّبِىَّ ﷺ ، فإنْ أعْطاهُم مَدَحُوا الإِسلامَ، وقالوا: هذا دِينٌ حَسَنٌ. وإن مَنَعَهُم ذَمُّوا وعابُوا (٩). وأمَّا المسلمونَ فأَرْبَعةُ أضْرُبٍ؛ قومٌ من ساداتِ المُسْلِمينَ لهم نُظَرَاءُ من الكُفَّارِ، ومن المُسلمينَ الذين لهم نِيَّةٌ حَسَنةٌ فى الإِسلامِ، فإذا أُعْطُوا رُجِىَ إسلامُ نُظَرَائِهِم وحُسْنُ نِيَّاتِهِم، فيجوزُ إعطاؤُهم؛ لأنَّ أبا بكرٍ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطى عَدِىَّ بن حاتمٍ، والزِّبْرِقانَ بن بَدْرٍ، مع حُسْنِ نِيَّاتِهِما وإسْلامِهِما. الضرب الثانى، ساداتٌ مُطاعُونَ فى قَوْمِهِمْ يُرْجَى بعَطِيَّتِهِم قُوّةُ إيمانِهِم، ومُنَاصَحَتُهم فى الجِهادِ، فإنهم يُعْطَوْنَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْطى عُيَيْنةَ بن حِصْنٍ، والأقْرَعَ بن حَابسٍ، وعَلْقَمةَ بن عُلاثَةَ، والطُّلَقاءَ من أهلِ مَكّةَ، وقال للأنْصارِ: "يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ عَلَامَ تَأْسَوْنَ؟ عَلَى لُعَاعةٍ (١٠) مِنَ الدُّنْيا تأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا

стр. 4701

لَا إِيَمانَ لَهُمْ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إِيمَانِكُمْ؟ " (١١). ورَوَى البخارىُّ (١٢)، بإسْنادِه عن عَمْرِو بن تَغْلِبَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أعْطَى أُناسًا وَتَرَكَ أناسًا، فبَلَغَه عن الذينَ تَرَكَ أنَّهم عَتَبُوا، فصَعَدَ المِنْبَرَ، فحَمدَ اللَّه وأَثْنَى عليه، ثم قال: "إنِّى أُعْطِى أُنَاسًا وأَدَعُ أُنَاسًا، والَّذى أَدَعُ أحَبُّ إلىَّ مِنَ الَّذِى أُعْطِى، أُعْطِى أُنَاسًا لِمَا فِى قُلُوبِهِم مِنَ الْجَزَعِ والْهَلَعِ، وأكِلُ أُنَاسًا إلَى مَا فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى والْخَيْرِ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بن تَغْلبَ". وعن أنَسٍ، قال: حين أفاءَ اللَّه على رسولِه أمْوالَ هوازِنَ، طَفِقَ رسولُ اللَّه ﷺ يُعْطِى رِجالًا من قريشٍ مائةً من الإِبِلِ، فقال ناسٌ من الأنْصارِ: يَغْفِرُ اللَّه لرسولِ اللَّه ﷺ ، يُعْطِى قُرَيْشًا ويَمْنَعُنا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ من دِمائِهِم. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنِّى أُعْطِى رِجَالًا [حَدِيثِى عَهْدٍ] (١٣) بكُفْرٍ أتَأَلَّفُهُم". متفقٌ عليه (١٤). الضَّرب الثالث، قومٌ فى طَرَفِ بِلادِ الإِسْلامِ، إذا أُعْطُوا دَفَعُوا عَمّنْ يَلِيهم من المُسْلمينَ. الضَّرْب الرابع: قومٌ إذا أُعْطُوا أَجْبُوا الزكاةَ ممَّن لا يُعْطِيها إلَّا أن يَخافَ. [وكلُّ هؤلاء] (١٥) يجوزُ الدَّفْعُ إليهم من الزَّكاةِ؛ لأنَّهم من المُؤَلَّفةِ قُلُوبُهُم، فيَدْخُلُونَ فى عُمُومِ الآية.

стр. 4702

١٠٨٩ - مسألة؛ قال: (وفِى الرِّقَابِ، وهُم الْمُكَاتَبُونَ) لا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خلافًا فى ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقَابِ، ولا يختلفُ المذهبُ فى أَنَّ المُكاتَبِينَ من الرِّقابِ يجوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إليهم. وهو قولُ الجمهورِ. وخالَفَهُم مالكٌ، فقال: إنَّما يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقابِ فى إعْتاقِ العَبِيدِ، ولا يُعْجِبُنِى أن يُعانَ منها مُكاتَبٌ. وخالفَ أيضًا ظاهِرَ الآية؛ لأنَّ المُكاتَبَ من الرِّقابِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، واللفظُ عامٌّ، فيَدْخُلُ فى عُمُومِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُدْفَعُ إلى المُكاتَبِ جميعُ ما يَحتاجُ إليه لِوَفاءِ كِتَابَتِه، فإن لم يكُنْ معه شىءٌ، جاز أن يُدْفَعَ إليه جَمِيعُها. وإن كان معه شىءٌ، تَمَّمَ له ما يتَخَلَّصُ به؛ لأنَّ حاجَتَه لا تَنْدَفِعُ إلَّا بذلك. ولا يُدْفَعُ إلى مَنْ معه وَفاءُ كِتابَتِه شىءٌ؛ لأنَّه مُسْتَغْنٍ عنه فى وَفاءِ الكِتابةِ. قيل (١): ولا يُدْفَعُ إليه بحُكْمِ الفَقْرِ شىءٌ (٢)؛ لأنَّه عَبْدٌ. ويجوزُ أن يُدْفَعَ إليه فى كِتَابَتِه قبلَ حُلُولِ النَّجْمِ؛ لئلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ ولا شىءَ معه، فتَنْفَسِخَ الكِتابةُ. ولا يُدْفَعُ إلى مُكاتَبٍ كافرٍ شىءٌ؛ لأنَّه ليس من مَصَارِفِ الزَّكاةِ. ولا يُقْبَلُ قولُ المُكاتَبِ (٣) إنَّه مُكاتَبٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُها، فإن صَدَّقَه السَّيِّدُ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّ الحَقَّ فى العَبْدِ لِسَيِّدِه، فإذا أقَرَّ بانْتِقالِ حَقِّه عنه قُبِلَ. والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ فى أنَّه يُواطِئُه ليَأْخُذَ به المالَ. فصل: ويجوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى [مُكاتَبِه؛ لأنَّه قد صار معه فى بابِ المُعَامَلةِ كالأجْنَبِىِّ، حتى (٢) يَجْرِىَ بينهما الرِّبَا، فصار كالغَرِيمِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى] (٤) غَرِيمهِ. ويجوزُ للمُكاتَبِ رَدُّها إلى سَيِّدِه بحُكْمِ الوَفاءِ؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بحُكْمِ الإِيفاءِ، أشْبَه إِيفاءَ الغَرِيمِ دَيْنَه بها. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إلى سَيِّدِ المُكاتَبِ وَفاءً عن الكِتابةِ.

стр. 4703

وهو الأَوْلَى؛ لأنَّه أعْجَلُ لِعَتْقِه، وأوْصَلُ إلى المَقْصُودِ الذى كان الدَّفْعُ من أجْلِه، فإنَّه إذا أخَذَه المُكاتَبُ قد يَدْفَعُه وقد لا يَدْفَعُه. ونقل حَنْبَلٌ أنَّه قال: قال سُفْيانُ: لا تُعْطِى مُكاتَبًا لك من الزَّكاةِ. قال: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يقول: وأنا أرَى مثلَ ذلك. وقال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ: أيُعْطَى المُكاتَبُ من الزكاةِ؟ قال: المُكاتَبُ بمَنْزِلةِ العَبْدِ، فكيفَ يُعْطَى؟ ومَعْناه -واللَّه أعلمُ- لا يُعْطِى مُكاتَبَهُ من الزَّكاةِ؛ لأنَّه عَبْدُه ومالُه، يَرْجِعُ إليه إن عَجَزَ (٥)، وإن عَتَقَ فله وَلاؤُه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه لمكاتَبِه، ولا شَهادَةُ مُكاتَبِه له. ١٠٩٠ - مسألة؛ قال: (وقد رُوِىَ عَنْ أَبِى (١) عَبْدِ اللَّه، ﵀، روَايَةٌ أُخْرَى، أنَّهُ يُعْتِقُ مِنْهَا) اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، ﵀، فى جَوازِ الإِعْتاقِ من الزَّكاةِ، فرُوِىَ عنه جوازُ ذلك. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، والعَنْبَرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، لعُمُومِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾ (٢). وهو مُتَناوِلٌ لِلْقِنِّ، بل هو ظاهِرٌ فيه، فإنَّ الرَّقَبةَ إذا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إليه، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣). وتَقْدِيرُ الآية، وفى إعْتاقِ الرِّقابِ. ولأنَّه إعْتاقٌ للرَّقَبةِ، فجاز صَرْفُ الزَّكاةِ فيه (٤)، كَدَفْعِه فى الكِتابةِ. والرِّوايةُ الأخرَى، لا يَجُوزُ. وهو قولُ إبراهيمَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الآيةَ تَقْتَضِى صَرْفَ الزَّكاةِ إلى الرِّقَابِ، كقولِه: ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) يُرِيدُ الدَّفْعَ إلى المُجاهِدِينَ، كذلك ههنا. والعَبْدُ القِنُّ لا يُدْفعُ إليه شىء.

стр. 4704

قال أحمدُ، فى رِوايةِ أبى طالبٍ: قد كنتُ أقولُ: يُعْتَقُ من زَكاتِه، لكن أهابُه اليومَ؛ لأنَّه (٥) يَجُرُّ الوَلاءَ. وفى موضعٍ آخرَ، قيل له: فما يُعْجِبُكَ من ذلك؟ قال: يُعِينُ من ثَمَنِها، فهو أسْلَمُ. وقد رُوِىَ نحوُ هذا عن النَّخَعِىِّ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، فإنَّهما قالا: لا يُعْتِقُ من الزَّكاةِ رَقَبةً كامِلَةً، لكن يُعْطِى منها فى رَقَبةٍ، ويُعِينُ مُكاتَبًا. وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِبَاه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَ من زَكاتِه، انْتَفَعَ بوَلاءِ مَنْ أعْتَقَه، فكأنَّه صَرَفَ الزكاةَ إلى نَفْسِه. وأخَذَ ابنُ عقيلٍ من هذه الرِّواية، أَنَّ أحمدَ رَجَعَ عن القولِ بالإِعْتاقِ من الزَّكاةِ. وهذا -واللَّه أعلمُ- من أحمدَ إنَّما كان على سبيلِ الوَرَعِ، فلا يقتَضِى رُجُوعًا؛ لأنَّ العِلّةَ التى تَمَلَّكَ بها جَرُّ الوَلاءِ، ومَذهَبُه أَنَّ ما رَجَعَ من الوَلاءِ رُدَّ فى مِثْلِه، فلا يَنْتَفِعُ إذًا بإعْتاقِه من الزَّكاةِ. فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ من زَكاتِه مَنْ يَعْتِقُ عليه بالرَّحِمِ، وهو كلُّ ذى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فإن فعَل عَتَقَ عليه، ولم تَسْقُطْ عنه الزَّكاةُ. وقال الحسنُ: لا بأسَ أن يُعْتِقَ أباه بن الزَّكاةِ؛ لأنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ لم يَحْصُلْ إلى أَبِيه، وإنَّما دَفَعَ الثَّمنَ إلى بائِعِه. ولَنا، أَنَّ نَفْعَ زَكَاتِه عاد إلى أبِيه، فلم يَجُزْ، كما لو دَفَعَها إليه، ولأنَّ عِتْقَه حَصَلَ بنفسِ الشِّراءِ مُجازاةً وصِلَةً للرَّحِمِ (٦)، فلم يَجُزْ أن يَحْتَسِبَ له به عن الزَّكاةِ، كنَفَقةِ أقارِبِه. ولو أعْتَقَ عَبْدَه المَمْلوكَ (٧) له عن زكاتِه، لم يُجْزِئْهُ (٨)؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ عن كلِّ مالٍ من جِنْسِه، والعَبْدُ ليس من جِنْسِ ما تَجِبُ الزكاةُ فيه. ولو أعْتَقَ عبدًا [عن عَبِيد التِّجارةِ] (٩)، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الواجبَ فى قِيمَتِهِم، لا فى عَيْنِهِم. فصل: ويجوزُ أن يَشْتَرِىَ من زَكاتِه أسيرًا مُسْلِمًا من أيْدِى المُشْرِكينَ؛ لأنَّه فَكُّ رَقَبَةٍ

стр. 4705

من الأسْرِ، فهو كفَكِّ رَقَبةِ العَبْدِ من الرِّقِّ، ولأنَّ فيه إعْزازًا للدِّينِ، فهو كَصرْفِهِ إلى المُؤَلّفةِ قُلُوبُهُم، ولأنَّه يَدْفَعُه (١٠) إلى الأسيرِ [فى فَكِّ] (١١) رَقَبتِه، فأشْبَهَ ما يَدْفَعُه إلى الغارِمِ لِفَكِّ رَقبتِه من الدَّينِ. ١٠٩١ - مسألة؛ قال: (فَمَا رَجَعَ مِنَ الْوَلَاءِ رُدَّ فِى مِثْلِهِ) يَعْنِى يُعْتِقُ به أيضًا. وبهذا قال الحسنُ، وإسحاقُ. وقال أبو عُبَيْدٍ: الوَلاءُ للمُعْتِقِ، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). وقال مالكٌ: وَلاؤُه لسائرِ المسلمينَ؛ لأنَّه مالٌ لا مُسْتَحِقَّ له، أشْبَهَ مالَ مَنْ لا وارِثَ له. وقال الْعَنْبرىُّ: يجْعَلُه فى بيتِ المالِ للصَّدقاتِ؛ لأنَّ عِتْقَه من الصَّدَقةِ، فولاؤُه يَرْجِعُ إليها، ولأنَّ عِتْقَه بمالٍ هو للَّهِ، والمُعْتِقُ نائبٌ عن اللَّه تعالى فى الشَّراءِ والإِعْتاقِ، فلم يكُنِ الوَلاءُ له، كما لو تَوَكّلَ فى الإِعْتاقِ، وكالسَّاعِى إذا اشْتَرَى من الزَّكاةِ رقبةً وأعْتَقَها، ولأنَّ الوَلاءَ أثَرُ الرِّقِّ، وفائدةٌ من المُعْتَقِ، فلم يَجُزْ أن يَرْجِعَ إلى المُزَكِّى، لإِفْضائِه إلى أن يَنْتَفِعَ بزَكاتِه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أَنَّ الوَلاءَ له. وقد سَبق ذلك فى بابِ الوَلاءِ. فصل: ولا يَعْقِلُ عنه. اخْتارَه الخَلّالُ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَعْقِلُ عنه. اخْتارها أبو بكرٍ؛ لأنَّه مُعْتِقٌ، فيَعْقِلُ عنه، كالذى أعْتَقَه من مالِه، وإنَّما لم يأخُذْ مِيراثَه بالوَلاءِ؛ لئلَّا يَنْتَفِعَ بزَكاتِه، والعَقْلُ عنه ليس بانْتفاعٍ، فيَبْقَى (٢) على الأصْلِ. ولَنا، أنَّه لا وَلاءَ عليه، فلم يَعْقِلْ عنه، كما لو كان وَكِيلًا فى العِتْقِ، ولأنَّه لا يَرِثُه، فلم يَعْقِلْ عنه، كما لو اخْتَلَفَ دِينُهما، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بالوَكِيلِ والسَّاعِى إذا أعْتَقَ من الزَّكاةِ.

стр. 4706

١٠٩٢ - مسألة؛ قال: (والْغَارِمِينَ) وهم المَدِينُونَ العاجِزُونَ عن وَفاءِ دُيُونِهِم (١). هذا الصِّنْفُ السادسُ من أصْنافِ مَصارِفِ (٢) الزَّكاةِ. ولا خلافَ فى اسْتِحْقاتِهِم، وثُبُوتِ سَهْمِهِم، وأنَّ المَدِينينَ العاجزِينَ عن وفاءِ دُيونِهِم منهم، لكنْ إن غَرِمَ فى مَعْصِيةٍ، مثل أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا، أو يَصْرِفَه فى زِناءٍ أو قمارٍ أو غِنَاءٍ ونحوِه، لم يُدْفَعْ إليه قبلَ التَّوْبةِ شىءٌ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعْصِيةِ، وإن تابَ، فقال القاضى: يُدْفَعُ إليه. واختارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ إيَفاءَ (٣) الدَّيْنِ الذى فى الذِّمّةِ ليس من المَعْصِيةِ، بل يجبُ تَفْرِيغُها، والإِعانةُ على الواجِبِ قُرْبةٌ لا مَعْصِية، فأشْبَهَ مَن أتْلَفَ مالَه فى المعاصِى حتى افْتَقَرَ، فإنَّه يُدْفَعُ إليه من سَهْمِ الفُقراءِ. وفيه وَجْهٌ آخرُ، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه اسْتَدانَه للمَعْصِيةِ، فلم يُدْفَعْ إليه، كما لو لم يَتُبْ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَعُودَ إلى الاسْتِدانةِ للمعاصِى، ثِقَةً منه بأنَّ دَيْنَه يُقْضَى، بخلافِ مَن أتْلَفَ مالَه فى المعاصِى، فإنه يُعْطَى لِفَقْرِه، لا لِمَعْصِيَتِه. فصل: ولا يُدْفَعُ إلى غارمٍ كافرٍ؛ لأنَّه ليس من أهلِ الزَّكاةِ، ولذلك لا يُدْفَعُ إلى فقيرِهم ولا مُكاتَبِهِم. وإن كان من ذوِى القُربَى، فقال أصحابُنا: يجوزُ الدّفْعُ إليه؛ لأنَّ عِلَّةَ مَنْعِه من الأخذِ منها لِفَقْرِه صِيَانَتُه (٤) عن أكْلِها، لكَوْنِها أوْساخَ الناسِ، وإذا أخَذَها لغُرْمِه، فصَرَفَها إلى الغُرَماءِ، فلا يَنَالُه دَنَاءَةُ وَسَخِها، ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لعُمُومِ النُّصُوص فى مَنْعِهِم من أخذِها، وكَوْنِها لا تَحِلُّ لهم، ولأنَّ دَناءةَ أخْذِها تَحْصُلُ، سواءٌ أكَلَها أو لم يَأْكُلْها، ولا يُدْفَعُ منها (٥) إلى غارِمٍ له ما يَقْضِى به غُرْمَه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه لحاجَتِه، وهو مُسْتَغْنٍ عنها.

стр. 4707

فصل: ومن الغارِمينَ صِنْفٌ يُعْطَوْنَ مع الغِنَى، وهو مَن (٦) غَرِمَ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وهو أن يَقَعَ بين الحَيَّيْنِ وأهلِ القَرْيَتينِ عداوةٌ وضَغائِنُ، يَتْلَفُ فيها نَفْسٌ أو مالٌ، ويَتَوَقّفُ صُلْحُهُم على مَنْ يَتَحَمَّلُ ذلك، فيَسْعَى إنسانٌ فى الإِصْلاحِ بينهم، ويَتَحَمّلُ الدِّماءَ التى بينهم والأموالَ، فيُسَمَّى ذلك حَمَالَة، بفتح الحاء، وكانت العربُ تَعْرِفُ ذلك، وكان الرجلُ منهم يَتَحَمَّلُ الحَمَالةَ، ثم يَخْرُجُ فى القبائلِ فيَسْأَلُ (٧) حتى يُؤَدِّيَها، فوَرَدَ الشَّرْعُ بإباحةِ المَسْألةِ فيها، وجَعَلَ لهم (٨) نصيبًا من الصَّدقةِ، فرَوَى قَبِيصَةُ بن المُخارِقِ، قال: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، وسأَلْتُه فيها، فقال: "أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا". ثم قال: "يَا قَبِيصَةُ، إنَّ المَسْألةَ لا تَحِلُّ إلَّا لِثلَاثةٍ؛ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمالَةً فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، ورَجُلٍ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قِوامًا مِنْ عَيْشٍ، ورَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ (٩) ثَلَاثةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ (١٠)، أو قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَمَا سِوَى ذلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ يَأْكُلُها صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أخْرَجهُ مُسْلِمٌ (١١). ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِىُّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَحِلُّ الصّدقةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ" (١٢). ذَكَرَ منهم (١٣) الغارِمَ. ولأنَّه إنَّما يُقْبَلُ ضَمانُه وتَحَمُّلُه إذا كان مَلِيًّا، وبه حاجةٌ إلى ذلك مع الغِنَى، وإن أدَّى ذلك من مالِه، لم يكُنْ له أن يأخُذَ؛ لأنَّه قد سَقَطَ

стр. 4708

الغُرْمُ، وان اسْتدانَ وأدَّاها، جازَ له الأخْذُ؛ لأنَّ الغُرْمَ باقٍ، والمطالبةَ قائمةٌ، والفَرْقُ بين هذا الغُرْمِ والغُرْمِ لِمَصْلحةِ نَفْسِه، أَنَّ هذا الغُرْمَ يُؤْخَذُ (١٤) لحاجَتِنا إليه لإِطْفاءِ الثَّائرةِ، وإخْمادِ الفِتْنةِ، فجاز له الأخذُ مع الغِنَى، كالغازِى والمُؤَلَّفِ والعامِلِ (١٥). والغارمُ لمصلحةِ نَفْسِه يأخذُ لِحَاجةِ نفسِه، فاعْتُبِرَتْ حاجَتُه وعجزُه، كالفقيرِ والمِسْكينِ والمُكاتَبِ وابن السَّبِيلِ. وإذا كان الرجلُ غَنِيًّا، وعليه دَيْنٌ لمصلحةٍ لا يُطيقُ قضاءَه، جاز أن يُدْفَعَ إليه ما يُتِمُّ به قضاءَه، مع ما زاد عن حَدِّ الغِنَى. فإذا قُلْنا: الغِنَى يحصلُ بخمْسِينَ دِرْهَمًا. وله مائةٌ، وعليه مائةٌ، جاز أن يُدْفَعَ إليه (١٦) خَمْسُونَ، لِيَتِمَّ قَضاءُ المائةِ من غيرِ أن يَنْقُصَ غِناهُ. قال أحمدُ: لا يُعْطَى مَنْ عنده خَمْسونَ دِرْهمًا أو حِسابُها من الذّهَبِ، إلَّا مَدِينًا، فيُعْطَى دَيْنَه، وإن كان يُمْكِنُه قضاءُ الدَّيْنِ من غيرِ نَقْصٍ من الغِنَى لم يُعْطَ شَيْئًا. فصل: وإذا أراد الرجلُ دَفْعَ زَكَاتِه إلى الغارِمِ، فله أن يُسَلِّمَها إليه لِيَدْفَعَها إلى غَرِيمِه، وإن أحَبَّ أن يَدْفَعَها إلى غَرِيمه قضاءٌ عن دَيْنِه، فعن أحمدَ فيه رِوَايتان؛ إحْداهما، يجوزُ ذلك. نَقَلَ أبو الحارثِ، قال: قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ عليه أَلْفٌ، وكان على رَجُلٍ زكاةُ مالِه ألْفٌ، فأدَّاها عن هذا الذى عليه الدَّيْنُ، يجوزُ هذا من زَكاتِه؟ قال: نعم، ما أرَى بذلك بأْسًا. وذلك لأنَّه دَفَعَ الزكاةَ فى قَضاءِ دَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَها إليه فَقَضَى (١٧) بها دَيْنَه. والثانية، لا يجوزُ دَفْعُها إلى الغريمِ. قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَدْفَعَه إليه، حتى يَقْضِىَ هو عن نَفْسِه. قيل: هو مُحْتاجٌ يَخافُ أن يَدْفَعَه إليه، فيَأْكُلَه، ولا يَقْضِىَ دَيْنه. قال: فقُلْ له يُوَكِّلُه حتى يَقْضِيَه. فظاهرُ هذا أنَّه لا يَدْفَعُ الزَّكاةَ إلى الغَريمِ إلَّا بوَكالةِ الغارمِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ إنَّما هو على الغارِمِ، فلا يَصِحُّ قَضاؤُه إلَّا

стр. 4709

بتَوْكِيلِه. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتِحْبابِ، ويكونُ قضاؤُه عنه جائزًا. وإن كان دافعُ الزكاةِ الإِمامَ، جاز أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه من غيرِ تَوْكِيلِه؛ لأنَّ للإِمامِ ولايةً عليه فى إيفاءِ الدَّيْنِ، ولهذا يُجْبِرُه عليه إذا امْتَنَعَ منه. وإذا ادّعَى الرَّجلُ أَنَّ عليه دَيْنًا، فإن كان يَدَّعِيه من جِهَةِ إصْلاحِ ذات البَيْن، فالأمرُ فيه ظاهرٌ لا يكادُ يَخْفَى، فإنْ خَفِىَ ذلك، لم يُقْبَلْ منه إلَّا بِبَيِّنةٍ، وإن غَرِمَ لمَصلحةِ نَفْسِه، لم يُدْفَعْ إليه إلَّا ببَيِّنةٍ أيضًا؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الغُرْمِ، وَبراءةُ الذِّمَّةِ. فإن صَدَّقَه الغَرِيمُ، فعلى وَجْهَيْنِ، كالمُكاتَبِ إذا صَدَّقَه سَيِّدُه. ١٠٩٣ - مسألة؛ قال: (وسَهْمٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمُ الْغزَاةُ يُعْطَوْنَ مَا يَشْتَرُون بِهِ الدَّوَابَّ والسِّلَاحَ، ومَا يَتَقَوَّوْنَ (١) بِهِ على العَدُوِّ، وَإنْ كَانُوا أغْنِيَاءَ) هذا الصِّنْفُ السَّابِعُ من أهلِ الزَّكاةِ. ولا خلافَ فى اسْتِحقاقِهِم، وبَقاءِ حُكْمِهِم. ولا خلافَ فى أنَّهم الغُزاةُ فى سَبِيلِ اللَّهِ؛ لأنَّ سبيلَ اللَّه عندَ الإِطْلاقِ هو الغَزْوُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ (٤). وذكر ذلك فى غيرِ موضعٍ من كتابِه، فإذا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّهم يُعْطَوْنَ وإن كانوا أغْنِياءَ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ وصاحِبَاه: لا تُدْفَعُ إلَّا إلى فَقيرٍ. وكذلك قالوا فى الغارِمِ لإِصْلاحِ ذات البَيْنِ؛ لأنَّ من تجبُ عليه الزَّكاةُ لا تَحِلُّ له، كسائرِ أصْحابِ السُّهْمان، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لمُعاذٍ: "أعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِم، فَتُرَدُّ فِى فُقَرائِهِمْ" (٥). فظاهرُ هذا

стр. 4710

أنَّها كلَّها تُرَدُّ فى الفُقَراءِ، والفقيرُ عندهم مَنْ لا يَمْلِكُ نِصابًا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّه، أوْ لِغَارِمٍ" (٦). وذكر بَقِيَّتَهُم. ولأنَّ اللَّه تعالى جعلَ الفُقراءَ والمساكينَ صِنْفَيْنِ، وعَدَّ بعدَهما سِتَّةَ أصْنافٍ، فلا يَلْزَمُ وُجودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فى بَقِيَّةِ الأصْنافِ، كما لا يَلْزَمُ وُجودُ صِفَةِ الأصْنافِ فيهما (٧)، ولأنَّ هذا يأخذُ (٨) لحاجَتِنا إليه، [فأشْبَهَ العامِلَ والمُؤَلَّفَ، فأمَّا أهلُ سائرِ السُّهْمان، فإنَّما يُعْتَبَرُ فَقْرُ مَنْ يأخُذُ لحاجَتِه إليها، دُونَ مَن يأْخُذُ لحاجَتِنا إليه] (٩). فإذا تقرَّرَ هذا، فمن قال، إنَّه يُرِيدُ الغَزْوَ. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إقامةُ الْبَيِّنَةِ على نِيَّتِه (١٠)، ويُدْفَعُ إليه قَدْرُ كفايَتِه لمُؤْنَتِه وشراءِ السلاحِ والفَرَسِ إن كان فارِسًا، وحُمُولَته ودِرْعِه ولِبَاسِه (١١) وسائِرِ ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِه، وإن كَثُرَ ذلك، ويُدْفَعَ إليه دَفْعًا مُرَاعًى، فإن لم يَغْزُ رَدَّه؛ لأنَّه أخَذَه كذلك، وإن غَزَا وعادَ، فقد مَلَكَ ما أخَذَه؛ لأنَّنا دَفَعْنا إليه قدرَ الكِفايةِ، وإنَّما ضَيَّقَ على نَفْسِه. وإن مَضَى إلى الغَزْو، فرَجَعَ من الطَّريقِ، أو لم يُتِمَّ الغَزْوَ الذى دُفِعَ إليه من أجْلِه، رَدَّ ما فَضَلَ معه؛ لأنَّ الذى أخَذَ لأَجْلِه لم يَفْعَلْه كلَّه. فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ هذا السَّهْمَ الغُزاةُ الذين لا حَقَّ لهم فى الدِّيوانِ، وإنَّما يَتَطَوّعُونَ بالغَزْوِ إذا نَشِطُوا. قال أحمدُ: ويُعْطى ثَمَنَ الفَرَسِ، ولا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرَسِ بنَفْسِه؛ لأنَّ الواجبَ إيتاءُ الزكاةِ، فإذا اشْتَراها بنفسِه، فما أَعْطَى إلَّا فَرَسًا. وكذلك الحُكْمُ فى شِراءِ السلاحِ والمُؤْنةِ، وقال فى موضعٍ آخرَ: إن دَفَعَ ثمنَ الفَرَسِ وثمنَ السيفِ، فهو أعْجَبُ إلىَّ، وإن اشْتراهُ هو، رَجَوْتُ أن يُجْزِئَه. وقال

стр. 4711

أيضًا: يشْتَرِى الرجلُ من زكاتِه الفرسَ، ويَحْمِلُ عليه (١٢)، والْقَناةَ، ويُجَهِّزُ الرجلَ؛ وذلك لأنَّه قد (١٣) صَرَفَ الزكاةَ فى سَبِيلِ اللَّه، فجاز، كما لو دَفَعَها إلى الْغازِى فاشْترَى بها. قال: ولا يشْتَرِى من الزَّكاةِ فَرَسًا يصيرُ حَبِيسًا فى سبيلِ اللَّه، ولا دارًا، ولا ضَيْعةً يُصَيِّرُها [فى سَبِيلِ اللَّه] (١٤)، للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على الْمُجاهدِينَ؛ لأنَّه لم يُؤْتِ الزَّكاةَ لأحدٍ، وهو مأمورٌ بإتيائِها. قال: ولا يَغْزُو الرجلُ على الفَرَسِ الذى أخْرَجه من زكاةِ مالِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ نفسَه مَصْرَفًا لزكاتِه، كما لا يجوزُ أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه، ومتى أخَذَ الفرسَ التى اشْتُرِيَتْ بمالِه، صار مَصْرَفًا لزَكاتِه. ١٠٩٤ - مسألة؛ قال: (ويُعْطَى أيْضًا فِى الحَجِّ، وَهُوَ مِنْ (١) سَبِيلِ اللَّه) ويُرْوَى هذا عن ابنِ عباسٍ. وعن ابنِ عمرَ، الحَجُّ مِن (٢) سبيلِ اللَّه. وهو قولُ إسْحاقَ؛ لما رُوِىَ أَنَّ رَجُلًا جَعل ناقةً له فى سبيلِ اللَّه، فأرادتِ امْرأتُه الحجِّ، فقال لها النبىُّ ﷺ : "ارْكَبِيهَا، فَإنَّ الْحَجَّ مِن (٢) سَبِيلِ اللَّه". [روَاه أبو داوُدَ بمَعْناهُ] (٣). وعن أحمدَ، ﵀، روايةٌ أُخْرَى، لا يَصْرِفُ منها فى الحَجِّ. وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ (٤)، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ سَبِيلَ اللَّه عندَ الإِطلاقِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الجهادِ، فإنَّ كلَّ ما فى القرآنِ [مِنْ ذكرِ] (٥) سَبِيلِ اللَّه، إنَّما أُرِيدَ به الجهادُ، إلَّا اليَسيرَ، فيجبُ أن يُحْمَلَ ما فى هذه الآية على

стр. 4712

ذلك؛ لأنَّ الظَّاهرَ إرادَتُه به، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما تُصْرَفُ إلى أحدِ رَجُلَيْنِ، مُحْتاجٍ إليها، كالفقراءِ والمساكينِ وفى الرِّقابِ والغارِمينَ لقضاءِ دُيُونِهِم، أو مَنْ يَحْتاجُ إليه المسلمونَ، كالعاملِ والغازِى والمُؤَلَّفِ والغارِمِ لإِصلاحِ ذات البَيْنِ. والحَجُّ من الفقيرِ لا نَفْعَ للمسلمينَ فيه، ولا حاجةَ بهم إليه، ولا حاجةَ به أيضًا إليه؛ لأنَّ الفقيرَ لا فرضَ عليه فيُسْقِطُه، ولا مَصْلحةَ له فى إيجابِه عليه، وتَكْلِيفُه مَشَقَّةٌ قد رَفَّهَه اللَّه منها، وخَفَّفَ عنه إيجابَها، وتَوْفيرُ هذا القدرِ على ذوِى الحاجةِ من سائرِ الأصْنافِ، أو دَفْعُه فى مصالحِ المسلمينَ أَوْلَى. وأمَّا الخبرُ فلا يَمْنَعُ أن يكونَ الحَجُّ من (٦) سَبِيلِ اللَّه، والمرادُ بالآية غيرُه؛ لما ذكَرْنا. وقال الشافعىُّ: يجوزُ الدَّفْعُ إلى مَنْ أراد الحَجَّ، لكَوْنِه ابنَ سبيلٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ابنَ السَّبِيلِ المُسافِرُ المُنْقَطعُ به، ومَنْ (٧) هو مُحْتاجٌ إلى السّفَرِ، ولا حاجةَ بهذا إلى هذا السَّفَرِ. فإن قُلْنا: يُدْفَعُ فى الحَجِّ منها. فلا يُعْطَى إلَّا بشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونَ مِمَّنْ ليس له ما يَحُجُّ به سِوَاها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ" (٨). وقال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لِخَمْسةٍ" (٩). ولم يَذْكُرِ الحاجَّ منهم. ولأنَّه يأخُذُ لحاجَتِه، لا (١٠) لحاجةِ المسلمينَ إليه (١١)، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجةُ، كمَن يأخُذُهُ (١٢) لفَقْرِه. والثانى، أن يأخُذَه (١٣) لحَجَّةِ الفَرْضِ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه، أمَّا التَّطَوُّعُ فله مَنْدُوحةٌ عنه. وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ جوازُ ذلك فى الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ معا. وهو ظاهرُ قولِ

стр. 4713

الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ من (١٤) سبيلِ اللَّه، ولأنَّ الفقيرَ لا فَرْضَ عليه، فالحَجَّةُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يجوزُ أن يُدْفَعَ إليه، ما يَحُجُّ به حَجّةً كاملةً، وما يُغنِيه فى حَجِّه، ولا يجوزُ أن يَحُجَّ من زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها. ١٠٩٥ - مسألة؛ قال: (وابْنُ السَّبِيلِ، وهُوَ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَلَهُ الْيَسَارُ فِى بَلَدِهِ، فَيُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ ما يُبَلِّغُهُ) ابنُ السبيلِ: هو الصِّنفُ الثامنُ من أهلِ الزّكاةِ. ولا خلافَ فى اسْتِحقاقِه وبَقاءِ سَهْمِه، وابنُ السَّبِيلِ هو المُسافِرُ الذى ليس له ما يَرْجِعُ به إلى بَلَدِه، وله اليَسارُ فى بَلَده، فيُعْطَى ما يَرْجِعُ به. وهذا قولُ قَتادةَ. ونحوُه قَوْلُ (١) مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعىُّ: هو الْمُجتازُ (٢)، ومَنْ يريدُ إنْشاءَ السَّفَرِ إلى بلدٍ أيضًا، فيُدْفَعُ إليهما ما يَحْتاجانِ إليه لذهابِهِما وعَوْدِهِما؛ لأنَّه يُرِيدُ السَّفَرَ لغيرِ مَعْصِيةٍ، فأشْبَهَ الْمُجتازَ. ولَنا، أَنَّ ابنَ السَّبِيلِ هو المُلازِمُ للطَّرِيقِ الكائنِ فيها، كما يقالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ. للذى يُكْثِرُ الخُرُوجَ فيه، والقاطِنُ فى بَلَدِه ليس فى طَرِيقٍ، ولا يَثْبتُ له حكمُ الكائنِ فها، ولهذا لا يَثْبُتُ له حكمُ السَّفَرِ بِهَمِّه به (٣) دون فِعْلِه (٤)، ولأنَّه لا يُفْهَمُ من ابنِ السَّبِيلِ إلَّا الغَرِيبَ دون مَنْ هو فى وَطَنِه ومَنْزِلِه، وإن انْتَهَتْ به الحاجةُ مُنْتَهاها، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ المذكورُ فى الآية على الغريبِ دونَ غيرِه، وإنَّما يُعْطَى وله اليَسَارُ فى بَلَدِه؛ لأنَّه عاجزٌ عن الوُصُولِ إليه، والانتفاعِ به، فهو كالمَعْدُومِ فى حَقِّه. فإن كان ابنُ السبيلِ فقِيرًا فى بَلَدِه، أُعْطِىَ لفَقْره وكَوْنِه (٥) ابنَ سَبِيلٍ (٦)، لوُجُودِ الأمْرَيْنِ فيه، ويُعْطَى لكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ قَدْرَ ما

стр. 4714

يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه للحاجةِ إلى ذلك، فتُقَدَّرُ بقَدْرِه، وتُدْفَعُ إليه وإن كان مُوسِرًا فى بَلَدِه إذا كان مُحْتاجًا فى الحالِ؛ لأنَّه عاجزٌ عن الوُصُولِ إلى مالِه، فصار كالمَعْدُومِ. وإن فَضَلَ معه شىءٌ بعد رُجُوعِه إلى بَلَدِه رَدّه (٧)؛ لأنَّه أخَذَه للحاجةِ، وقد حَصَلَ الغِنَى بدونِه، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ لِغزْوٍ فلم يَغْزُ. وإن كان فقيرًا، أو اتّصَلَ بسَفَرِه الفَقْرُ، أخَذَ الفَضْلَ لفَقْرِه؛ لأنَّه إن فات الاسْتِحْقاقُ بكونِه ابنَ سبيلٍ، حَصَلَ الاسْتِحقاقُ بجهةٍ أُخْرَى. وإن كان غارِمًا، أخَذَ الفَضْلَ لِغُرْمِه. فصل: وإن كان ابنُ السبيلِ مُجْتازًا يريدُ بلدًا غيرَ بَلَدِه، فقال أصحابُنا: يجوزُ أن يُدْفَعَ إليه ما يَكْفِيه فى مُضِيِّه إلى مَقْصَدِه ورُجُوعِه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ فيه إعانةً على السفرِ المُباحِ، وبلوغ الغرضِ الصَّحِيحِ، لكنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّفَرِ مُباحًا، إمَّا قُرْبةً كالحَجِّ والجهادِ وزيارةِ الوالدَيْنِ، أو مُباحًا كطَلَبِ المَعَاشِ والتِّجاراتِ. فأمَّا المَعْصِيَةُ فلا يجوز الدَّفْعُ إليه فيها؛ لأنَّه إعانةٌ عليها، وتَسَبُّبٌ إليها، فهو كفِعْلِها، فإنَّ وَسِيلةَ الشىءِ جارِيَةٌ مَجْراهُ. وإن كان السَّفَرُ للنُّزْهةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ مَعْصِيَةٍ. والثانى، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه لا حاجةَ به إلى هذا السفرِ. ويَقْوَى عندِى أنَّه لا يجوزُ الدفعُ للسَّفَرِ إلى غير بَلَدِه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجازَ للمُنْشِئ للسَّفرِ من بَلدِه، ولأنَّ هذا السَّفرَ إن كان لجِهادٍ، فهو يأخُذُ له (٨) من سَهْمِ فى (٩) سبيلِ اللَّه، وان كان حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه. وإذا لم يَجُزِ الدَّفْعُ فى هذَيْن، ففى غيرِهِما أَوْلَى. وإنَّما وَرَدَ الشَّرْعُ بالدَّفْعِ إليه للرُّجُوعِ إلى بلدِه؛ لأنَّه أمرٌ تدعُو حاجَتُه إليه (١٠) ولا غِنَى به عنه، فلا يجوز إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليس فى مَعْناه، فلا يجوزُ قياسُه عليه، ولا نَصَّ فيه، فلا يثبتُ جَوازُه لعَدَمِ النَّصِّ والْقياسِ.

стр. 4715

فصل: وإذا ادَّعَى الرجلُ أنَّه ابنُ سَبِيلٍ (١١)، ولم يُعْرَفْ ذلك، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ. وإن ادَّعَى الحاجةَ، ولم يكُنْ عُرِفَ له مالٌ فى مكانِه الذى هو به، قُبِلَ قولُه من غير بَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه معه. وإن عُرِفَ له مالٌ فى مكانِه، لم تُقْبَل دَعْواه للفقرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كما لو ادَّعَى إنسانٌ المَسْكنةَ. فصل: وجملةُ مَنْ يأخُذُ مع الغِنَى خَمْسةٌ؛ العاملُ، والمُؤَلَّفُ قَلْبُه، والْغازِى، والْغارِمُ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وابنُ السَّبِيلِ الذى له اليَسَارُ فى بَلَدِه. وخَمْسةٌ لا يُعْطَوْنَ إلَّا مع الحاجةِ؛ الفقيرُ، والمسكينُ، والمُكاتَبُ، والغارمُ [لمصلحةِ نَفْسِه] (١٢) فى مُباحٍ، وابنُ السَّبِيلِ. وأرْبعةٌ يأخذونَ أخْذًا مُسْتَقِرًّا، لا يَلْزَمُهُم رَدُّ شىءٍ بحالٍ؛ الفقيرُ، والمِسْكينُ، والعاملُ، والمُؤَلَّفُ. وأربعةٌ يأخذونَ أخذًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ؛ المُكاتَبُ، والغارِمُ، والغازِى، وابنُ السَّبِيلِ. فصل: ومَنْ سافرَ لِمَعْصِيةٍ، فأراد الرُّجوعَ إلى بلدِه، لم يُدْفَعْ إليه، ما لم يَتُبْ. فإن تاب، احْتَمَلَ جوازَ الدفعِ إليه؛ لأنَّ رُجُوعَه ليس بمَعْصِيةٍ، فأشْبَهَ رُجوعَ غيرِه، بل ربَّما كان رُجُوعُه إلى بلدِه تَرْكًا للمَعْصِيَةِ، وإقلاعًا عنها، كالعاقِّ يُرِيدُ الرُّجوعَ إلى أبَوَيْهِ، والْفارِّ من غَرِيمِه أو امرأتِه (١٣) يريدُ الرُّجوعَ إليهما. ويَحْتَمِلُ أن لا يُدْفَعَ إليه؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك المَعْصِيةُ، فأشْبَهَ الغارِمَ فى المَعْصِيَةِ. ١٠٩٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِىَ لِكُلِّ هؤُلَاءِ الأصْنَافِ، وإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ، إنَّمَا عَلَيْهِ أنْ لَا يُجَاوِزَهُمْ (١)) وذلك لأنَّ الآيةَ إنَّما سِيقَتْ لبَيانِ مَنْ يجوزُ الصَّرْفُ إليه، لا لإِيجَابِ الصَّرْفِ إلى

стр. 4716

الجميعِ، بدليلِ أنَّه لا يجبُ تَعْميمُ كلِّ صِنْفٍ بها. وقد ذَكَرَ اللَّه تعالى فى آيةٍ أُخْرَى صَرْفَها إلى صنفٍ واحدٍ، فقال سُبحانَه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ لمُعاذٍ حين بَعَثه إلى الْيَمَنِ: "أعْلِمْهُم أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فى فُقَرَائِهِمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فلم يَذْكُرْ فى الآيةِ ولا فى (٤) الخبرِ إلَّا صِنْفًا واحدًا. وقال النَّبِىُّ ﷺ لَقِبيصَةَ حين تَحَمّلَ حَمالةً: "أقِمْ يا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا" (٥). فذَكَرَ دَفْعَها إلى صِنْفٍ واحدٍ (٦)، وهو من الغارِمِينَ. وأمَرَ بنى زُرَيْقٍ بدَفْعِ صَدَقَتِهِم إلى سَلمةَ بن صَخْرٍ. روَاه أبو دَاودَ (٧). وهو شَخْصٌ واحدٌ. وَبعَثَ إليه علىٌّ رضى اللَّه عنه بِذُهَيْبةٍ فى تُرْبَتِها، فقَسَّمَها بين المُؤَلَّفةِ قُلُوبُهُم (٨)، وهم صِنْفٌ واحدٌ. والآثارُ فى هذا كثيرةٌ، تَدُلُّ على أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يَعْتَقِدُ فى كلِّ صَدَقةٍ ثابِتَةٍ دَفْعَها إلى جميعِ الأصنافِ، ولا تَعْمِيمَهُم بها، بل كان يَدْفَعُها إلى مَنْ تَيَسَّرَ من أهْلِها، وهذا هو اللائقُ بحِكْمةِ الشَّرْعِ وحُسْنِه، إذ غيرُ جائزٍ أن يُكَلِّفَ اللَّه سبحانَه مَنْ وَجَبَتْ عليه شاةٌ، أو صاعٌ من البُرِّ، أو نِصْفُ مِثْقالٍ، أو خمسةُ دَرَاهِمَ، دَفْعَها إلى ثمانيةَ عشرَ نَفْسًا، أو أحدًا وعشرينَ، أو أربعةً وعشرينَ نَفْسًا، من ثمانيةِ أصنافٍ، لكلِّ ثلاثةٍ منهم ثُمْنُها، والغالبُ تَعَذُّرُ وُجُودِهم فى الإقْليمِ العظيمِ، وعَجْزُ السلطانِ عن إيصالِ مالِ بيتِ المالِ مع كَثْرتِه إليهم على هذا الوَجْهِ، فكيفَ يُكَلِّفُ اللَّه كلَّ مَنْ وَجَبَتْ عليه زكاةٌ جَمْعَهم

стр. 4717

وإعطاءَهم، وهو سبحانه القائلُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٩). وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١٠). وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١١). وأظُنُّ مَنْ قال بوُجوبِ دَفعِها على هذا الوَجْه إنَّما يقولُه بلِسانِه، [ولا يفْعَلُه] (١٢)، ولا يَقْدِرُ على فِعْلِه، وما بَلَغنا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ هذا فى صَدَقةٍ من الصَّدقاتِ، ولا أحدًا من خُلَفائِه، ولا من صحابَتِه، ولا غيرِهم، ولو كان هذا هو الواجبَ فى الشريعةِ المُطَهَّرةِ لما أَغْفَلُوه، ولو فَعَلُوه مع مَشَقّتِه لنُقِلَ وما أُهْمِلَ، إذ لا يجوزُ على أهلِ التَّواتُرِ إهْمالُ نَقْلِ ما تَدْعُو الحاجةُ إلى نَقْلِه، سِيَّما مع كثرةِ مَنْ تَجِبُ عليه الزكاةُ، ووُجودِ ذلك فى كلِّ زمانٍ، وفى كلِّ (١٣) مصرٍ (١٤) وبلدٍ، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، وقد سَبَقَتْ هذه المسألةُ والكلامُ (١٥) فيها فيما تقدَّم (١٦). فصل: ويُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُها (١٧) على ما أمْكَنَ الأصْنافِ، ليَخرُجَ من الخلافِ، وتَعْمِيمُ مَنْ (١٨) أمْكَنَ مِنْ كلِّ صِنْفٍ. فإن كان المُتَوَلِّى لتَفْرِيقِها السَّاعِى، اسْتُحِبَّ إحصاءُ أهلِ السُّهْمان من عَمَلِه، حتى يكونَ فَراغُه من قَبْضِ الصَّدقاتِ بعد تَناهِى أسْمائِهِم، وأنْسابِهِم، وحاجاتِهِم، وقَدْر كِفاياتِهِم، لتكونَ تَفْرِقَتُه عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقةِ. ويَبْدَأُ بإعطاءِ العاملِ؛ لأنَّه يأخُذُه على طريقِ المُعاوضةِ، فكان اسْتِحقاقُه

стр. 4718

أقْوَى، ولذلك إذا عَجَزَتِ الصَّدقةُ عن أَجْرِه, تُمَّمَ له من بيتِ المالِ, ولأنَّ ما يأخُذُه أجرٌ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَعْطُوا الْأَجِيرَ أجْرَه قبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ" (١٩). ثم بالأهَمِّ فالأهَمِّ، وأهَمُّهم أشَدُّهم (٢٠) حاجةً، فإن كانت الصَّدقةُ تَفِى بحاجةِ جميعِهِم, أَعْطَى كلَّ إنسانٍ منهم قَدْرَ ما يَدْفَعُ به حاجَتَه, فيُعطِى الفقيرَ ما يُغْنِيه, وهو ما تَحْصُلُ له به الكفايةُ فى عامهِ ذلك، له ولعِيالِه، ويُعْطِى المسكينَ ما تَتِمُّ به الكِفايةُ, إلَّا أن يُعطِيَه من الذَّهَبِ أو الوَرِقِ (٢١)، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما؛ يُعْطِيه (٢٢) ما تَتِمُّ به الكفايةُ, والثانية، لا يَزِيدُه (٢٣) على خَمْسينَ دِرْهمًا, أو قِيمَتِها من الذَّهَبِ, إلَّا أن يكونَ له عِيالٌ، فيَدْفَعَ إليه لكلِّ واحدٍ منهم خمسينَ درهمًا, ويدفعَ إلى العاملِ قَدْرَ أجْرِه, وإلى الغارمِ ما يَقْضِى به غُرْمَه، وإلى المُكاتَبِ ما يُوفِى (٢٤) كِتابَتَه, والغازِى يُعْطَى ما يَحْتاجُ إليه لمُؤْنةِ غَزْوِه، وابنُ السَّبِيلِ ما يُبَلِّغُه إلى بَلَدِه. وإن نَقَصَتِ الصَّدقةُ عن كِفَايَتِهِم, فَرَّقَ فيهم على حسَب ما يَرَى. ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْقُصَ من كلِّ صنفٍ عن أقَلَّ من ثلاثةٍ؛ لأنَّهم أقلُّ الجَمْعِ، إلَّا العاملَ، فإنَّه يكونُ واحدًا. وإن فَضَلَتِ الصَّدَقةُ عن كِفَايَتِهِم, نَقَلَ الفاضِلَ إلى أقْرَبِ البلادِ إليه. وإن كان المُتَوَلِّى لتَفْريقِها رَبُّها, فيُسْتَحَبُّ أن يَبْدأ بأهْلِها من أهْلِه، ويُفَرِّقَها فى الأَهَمِّ فالأهمِّ، وهو من اشْتَدَّتْ حاجَتُه, وقَرُبَ منه نَسَبُه، ويُعْطِى مَنْ أمْكَنَه. فصل: وإن اجْتَمعَ فى واحدٍ سَبَبانِ، يجوزُ الأخْذُ بكلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا, كالفقيرِ الغارِمِ، أُعْطِىَ بهما جميعًا، فيُعْطَى ما يَقْضِى (٢٥) غُرْمَه, ثم يُعْطَى ما يُغْنِيه؛ لأنَّ

стр. 4719

الشَّخْصَ الذى فيه المَعْنَيانِ كشَخْصَيْنِ، وُجِدَ فى كلِّ واحدٍ منهما أحدُ المَعْنَيَيْنِ، فيَسْتَحِقُّ بهما كالمِيراثِ لابْنِ عَمٍّ هو زَوْجٌ أو أَخٌ من أمٍّ، ولو أوْصَى لِقَرابَتِه وللفُقراءِ، اسْتَحَقَّ القَرِيبُ الفقيرُ سَهْمَيْنِ. ١٠٩٧ - مسألة؛ قال: (ولا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ لِبَنِى هَاشِمٍ) ولا لمَوالِيهِم، ولا للوالِدَيْنِ وإن عَلَوْا، ولا للوَلَدِ وإن سَفَلَ. ولا للزَّوْجِ، ولا للزَّوجةِ، ولا لمَنْ تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، ولا لكافرٍ، ولا لمملوكٍ، إلَّا أن يكونُوا من العاملينَ عليها (١)، فيُعْطَوْنَ بحقِّ ما عَمِلُوا، ولا لِغَنِىٍّ، وهو الذى يَمْلِكُ خمسينَ درهمًا أو قِيمَتَها من الذهبِ. هذه المسائلُ قد تكرَّرت (٢)، وذكرْنا شَرْحَها فى بابِ الزكاةِ (٣)، بما أغْنَى عن إعادَتِه ههُنا. ١٠٩٨ - مسألة؛ قال: (وإذَا تَوَلَّى الرَّجُلُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ، سَقَطَ الْعَامِلُونَ (١)) وذلك لأنَّ العاملَ إنَّما يأْخُذُ أجْرَ عِمالَتِه، فإذا أخْرَجَ الرجلُ زَكاةَ نَفْسِه، لم يكُنْ ثَمَّ عاملٌ عليها، ولا مَنْ يَسْتَحِقُّ أجرًا، فيَسْقُطُ (٢) سَهْمُه. واللَّه أعلم. فصل: فى جَوائزِ السُّلْطانِ، كان الإِمامُ أبو عبدِ اللَّه، رَحْمةُ اللَّه عليه، يتوَرَّعُ عنها، ويَمْنَعُ بَنِيه وعَمَّه من أخْذِها، وهَجَرَهُم حين قَبِلُوها، وسَدَّ الأبوابَ بينه وبينهم حين أخَذُوها، ولم يكُنْ يأْكُلُ مِنْ بُيوتِهِم شيئا، ولا يَنْتَفِعُ بشىءٍ يُصْنَعُ عندَهم. وأمَرَهُم

стр. 4720

بالصَّدقةِ بما أخَذُوه. وإنَّما فَعَلَ ذلك؛ لأنَّ أمْوالَهُم تَخْتَلِطُ بما يأخُذُونَه من الحرامِ من الظُّلْمِ وغيرِه، فيَصِيرُ شُبْهةً، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، والْحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاس، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ [اسْتَبْرأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَاقَعَ الشُّبُهاتِ] (٣) أوْشَكَ أنْ يَقَعَ فِى الْحَرَامِ، كالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ" (٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "دَعْ ما يُرِيبُكَ إلَى مَا لَا يُرِيبُكَ" (٥). واحْتجَّ أحمدُ بأنَّ جماعةً من الصحابةِ تَنَزَّهُوا عن مالِ السُّلْطانِ؛ منهم حُذَيْفةُ، وأبو عُبَيْدةَ، ومعاذٌ، وأبو هُريرةَ، وابنُ عُمَرَ. ولم يَرَ أبو عبدِ اللَّه ذلك حَرامًا؛ فإنَّه سُئِلَ، فقِيلَ له: مالُ السُّلْطانِ حَرَامٌ؟ فقال: لا، وأحَبُّ إلىَّ أن يتنَزَّه عنه. وفى روايةٍ قال: ليس أحدٌ من المسلمينَ إلَّا ولَه فى هذه الدَّراهِمِ حَقٌّ، فكيف أقولُ إنَّها سُحْتٌ؟ وقد كان الحسنُ، والحسينُ، وعبدُ اللَّه بن جَعْفَرٍ، وكثيرٌ من الصَّحابةِ، يَقْبَلُونَ جوائِزَ مُعاوِيةَ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا بأسَ بجَوائزِ السُّلْطانِ، ما يُعْطِيكُم من الحلالِ أكْثَرُ مما يُعْطِيكُم من الحَرَامِ (٦). وقال: لا تسأل السلطانَ شيئًا، فإن أعْطاكَ فخُذْ؛ فإنَّ ما فى بيتِ المالِ من الحلالِ أكثرُ ممَّا فيه من الْحَرامِ (٦). ورَوَى (٧) عمرُ بن شَبَّةَ (٨) النُّمَيْرِىُّ (٩) فى "كتابِ القضاءِ" أَنَّ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، والشَّعْبىَّ، دخلُوا على عمرَ بن هُبَيرةَ، فأمَرَ لكلِّ واحدٍ منهم بألفِ دِرْهمٍ [ألفِ درهمٍ] (١٠)، وأمرَ للحسنِ بألْفَىْ درهمٍ، فقَبَضَ

стр. 4721

الحسنُ جائِزَتَه، وأبَى ابنُ سِيرِينَ أن يَقْبِضَ، فقال لِابن سِيرِينَ: مالَكَ لا تَقْبِضُ؟ قال: حتى يَعُمَّ الناسَ. فقال الحسنُ: واللَّهِ لو عَرَضَ لَكَ ولى لِصٌّ، فأخَذَ رِداِئى ورِداءَك، ثم بَدَا له أن يَرُدَّ علىَّ رِدائِى، كنت أقولُ: لا أقْبَلُ رِدائِى حتى تَرُدَّ على ابن سِيرِينَ رِدَاءَه؟ كنتُ أُحِبُّ أن تكونَ أفْقَه ممَّا أنتَ يا ابْنَ سِيرِينَ. ولأنَّ جواِئزَ السلطانِ لها وَجْهٌ فى الإِباحةِ والتَّحْلِيلِ، فإنَّ له جِهَاتٍ كثيرةً من الفَىْءِ والصَّدقةِ وغيرِهما. فصل: وقال أحمدُ (١١): جوائزُ السلطانِ أحَبُّ إلىَّ من الصدقةِ. يعنى أَنَّ الصَّدقةَ أوْساخُ الناسِ، صِينَ عنها النَّبِىُّ ﷺ وآلُه، لدَناءَتِها، ولم يُصانُوا عن جَوائزِ السُّلطانِ. وسُئِلَ أحمدُ عَمَّنْ عامَلَ السلطانَ فرَبِحَ ألفًا، وآخرَ أجازَه السُّلْطانُ بألْفٍ، أيُّهُما أحَبُّ إليك؟ قال: الجائِزةُ. وذلك لأنَّ الذى يَرْبَحُ عليه (١٢) ألفًا، لا يَرْبَحُها فى الغالِب إلَّا بنوْعٍ من التَّدْلِيسِ والغَبْنِ الفاحِشِ، والجائزةُ عَطاءٌ من الإِمامِ برِضَاه (١٣)، لا تَدْلِيسَ فيها ولا غبْنَ. وقال أحمدُ: إذا كان بَيْنَكَ وبين السلطانِ رَجُلٌ. يعنى فهو أحَبُّ إلىَّ من أخْذِه منه. وذلك لأنَّ الوَسائِطَ كلَّما كَثُرَتْ، قَرُبَت إلى الحِلِّ؛ لأنَّها مع البُعْدِ تَتَبدَّلُ، وتَحْصُلُ فيها أسبابٌ مُبِيحَةً، واللَّه سُبْحانَه أعلمُ.

стр. 4722

كتاب النِّكاح النِّكاحُ فى الشَّرْعِ: هو عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِه يَنْصَرِفُ إليه، ما لم يَصْرِفْهُ عنه دَلِيلٌ. وقال القاضى: الأشْبَهُ بأَصْلِنا أنَّه حقيقةٌ فى العَقْدِ والوَطْءِ جميعًا؛ لقَوْلِنا بتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الأبِ من غيرِ تَزْويجٍ، لدُخُولِه فى قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١). وقيل: بل هو حَقِيقةٌ فى الوَطْءِ، مَجازٌ فى العَقْدِ، تقولُ العربُ: أنْكَحْنَا الْفِرَا، فسَنَرَى. أى أضْرَبْنا فَحْلَ حُمُرِ الوَحْشِ أُمَّه، فسَنَرَى ما يَتَوَلَّدُ منهما. يُضْرَبُ مثلا للأَمْرِ يَجْتَمِعُون عليه، ثم يتَفَرَّقونَ (٢) عنه (٣). وقال الشاعر: ومن أَيِّمٍ قد أنْكَحَتْنا رِمَاحُنا ... وأُخْرَى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ (٤) والصَّحِيحُ ما قُلْنا؛ لأنَّ الأشْهَرَ اسْتِعمالُ لَفْظةِ النِّكاحِ بإزاءِ العَقْدِ فى الكِتاب والسُّنَّةِ ولسانِ أهلِ العُرْفِ. وقد قيل: ليس فى الكتابِ لَفْظُ نِكاحٍ بمعنى الوَطْءِ، إلَّا قولُه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥). ولأنَّه يَصِحُّ نَفْيُه عن الوَطْءِ، فيُقال: هذا سِفَاحٌ وليس بنِكَاحٍ. ويُرْوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ" (٦). ويُقال. عن السُّرِّيَّةِ: ليست بزَوْجةٍ، ولا مَنْكُوحةٍ. ولأنَّ النِّكاحَ أحدُ

стр. 4723

اللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْعَقِدُ بهما عَقْدُ النكاحِ، فكان حقيقةً فيه، كاللَّفْظِ الآخَرِ. وما ذَكَرَه القاضى يُفْضِى إلى كونِ اللفظِ مُشْتَرَكًا وهو على خلافِ الأصْلِ، وما ذكَره الآخَرُون يدلُّ على الاسْتِعْمالِ فى الجُمْلةِ، والاستعمالُ فيما قُلْنا أكْثَرُ وأشْهَرُ، ثم لو قُدِّرَ كَوْنُه مجازًا فى العَقْدِ لَكان اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صَرْفُ اللفظِ عند الإِطْلاقِ إليه؛ لشُهْرَتِه، كسائرِ الأسماءِ العُرْفِيَّةِ. فصل: والأصلُ فى مَشْرُوعِيَّةِ النِّكاحِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٧). الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٨). وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْباءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). فى آىٍ وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجْمَعَ المسلمونَ على أَنَّ النِّكاحَ مَشْرُوعٌ. واختلَفَ أصحابُنا فى وجُوبِه؛ فالمَشْهورُ فى المذْهَبِ أنَّه ليس بواجِبٍ، إلَّا أن يَخَافَ أحدٌ على نَفْسِه الوُقُوعَ فى مَحْظُورٍ بتَرْكِه، فيَلْزَمُه إعْفافُ نَفْسِه. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال أبو بكرٍ (١٠) عبدُ العزيزِ: هو واجبٌ. وحكاه عن أحمدَ. وحكى

стр. 4724

عن داود أنَّه يجبُ فى العُمْرِ مَرّةً واحدةً؛ للآيةِ والْخبَرِ. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى حين أمَرَ به. عَلَّقَه على الاسْتِطابةِ، بقوله سُبْحانَه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. والواجبُ لا يَقِفُ على الاسْتِطابةِ، وقال: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ولا يَجِبُ ذلك بالاتِّفاقِ، فدَلَّ (١١) على أَنَّ المُرَادَ بالأَمْرِ النَّدْبُ، وكذلك الخبرُ يُحْمَلُ على النَّدْبِ، أو على مَنْ يَخْشَى على نَفْسِه الوُقُوعَ فى المَحْظُورِ بتَرْكِ النِّكاحِ. قال القاضى: وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وأبى بكرٍ، فى إيجابِ النِّكاحِ. فصل: والناسُ فى النِّكاحِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ منهم مَنْ يخافُ على نفْسِه الوُقوعَ فى مَحْظُورٍ (١٢) إن تَرَكَ النكاحَ، فهذا يجبُ عليه النِّكاحُ فى قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه إعْفافُ نفسِه، وصَوْنُها عن الحَرامِ، وطَرِيقُه النكاحُ. الثانى، من يُسْتَحَبُّ له، وهو مَنْ له شَهْوَةٌ يَأْمَنُ معها الوُقُوعَ فى مَحْظورٍ، فهذا الاشْتِغالُ له (١٣) به أَوْلَى من التَّخَلِّى لنَوافِلِ العِبادةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وهو ظاهرُ قولِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وفِعْلُهُم. قال ابنُ مسعودٍ: لو لم يَيْقَ من أَجَلِى (١٤) إلَّا عشرةُ أيامٍ، وأعْلَمُ أنِّى أمُوتُ فى آخِرِها يَوْمًا، ولِى طَوْلُ النِّكاحِ فيهِنَّ، لتَزَوَّجْتُ مَخافةَ الفِتْنةِ. وقال ابنُ عباسٍ لسعيدِ بن جُبَيْرٍ: تَزَوّجْ، فإنَّ خَيْرَ هذه الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءَ. وقال إبراهيمُ بن مَيْسرَةَ: قال لى طاوسٌ: لَتَنْكِحَنَّ، أو لأَقُولَنَّ لك ما قال عمرُ لأبى الزَّوَائدِ: ما يَمْنَعُكَ عن النِّكاحِ إلَّا عَجْزٌ أو فُجُورٌ. قال أحمدُ، ﵀، فى رِوايةِ المَرُّوذِىِّ: ليستِ العُزْبَةُ من أمْرِ الإِسْلامِ فى شىءٍ. وقال: من دَعاكَ إلى غيرِ التَّزْويج، فقد دَعاكَ إلى غيرِ الإِسْلامِ، ولو تَزَوّجَ بَشَرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه. وقال الشافعىُّ: التَّخَلِّى لعِبادةِ اللَّهِ تعالى

стр. 4725

أفْضَلُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى مَدَحَ يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (١٥). والحَصُورُ: الذى لا يأْتِى النِّساءَ. فلو كان النِّكاحُ أفْضَلَ لمَا مَدَحَ بتَرْكِه. وقال اللَّه تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (١٦). وهذا فى مَعْرِضِ الذَّمِّ، ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ، فكان الاشْتِغالُ بالعِبادةِ أفْضَلَ منه، كالبَيْعِ. ولَنا، ما تقدَّمَ من أمرِ اللَّه تعالى ورَسُوله به وحَثِّهِما عليه، وقال ﷺ : "ولَكِنِّى أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّى وأرْقُدُ، وأتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فلَيْسَ مِنِّى". وقال سعدٌ: لقد رَدَّ النَّبِىُّ ﷺ على عثمانَ بن مَظْعونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أحَلَّه له لَاخْتَصَيْنَا. متفقٌ عليهما (١٧). وعن أنسٍ قال: كان النبىُّ ﷺ [يأْمُرُ بالْبَاءَة] (١٨)، ويَنْهَى عن التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، ويقول: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّى مُكاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيامةِ. رواه سعيدٌ (١٩). وهذا حَثٌّ على النكاحِ شديدٌ، ووَعِيدٌ على تَرْكِه يُقَرِّ بُه إلى الوُجُوبِ،

стр. 4726

والتّخَلِّى منه إلى التَّحْرِيمِ، ولو كان التَّخلِّى أفْضَلَ لَانْعَكسَ الأمْرُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوّجَ، وبالَغَ فى العَدَدِ، وفَعَلَ ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النَّبِىُّ ﷺ وأصحابُه إلَّا بالأفْضَلِ، ولا تجْتَمِعْ (٢٠) الصَّحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ، والاشْتِغالِ بالأدْنَى، ومن العَجَبِ أَنَّ مَنْ يُفَضّلُ التخَلِّىَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعُوا (٢١) على النِّكاحِ فى فِعْلِه، وخالَفُوه فى فَضْلِه! أفَما (٢٢) كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عنده ويعملُ بالأَوْلَى (٢٣)؟ ولأنَّ مَصالِحَ النكاحِ أكثرُ، فإنَّه يشْتَمِلُ على تَحْصينِ الدِّينِ، وإحْرازِه، وتحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها، والقيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ، وتكْثيرِ الأُمَّةِ، وتَحْقيقِ مُباهاةِ النَّبىِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك من المصالحِ الرّاجِحِ أحدُها على نفْلِ العبادةِ، فمَجْموعُها (٢٤) أَوْلَى. وقد رَوْينا فى أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ، أَنَّ قومًا ذَكَرُوا لنَبِىٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم، فقال: أما إنَّه لتارِكٌ لشىءٍ من السُّنةِ، فبَلَغ العابدَ، فأتى النَّبِىَّ، فسأَلَه عن ذلك، فقال: إنَّك ترَكْتَ التَّزْوِيجَ. فقال: يا نَبِىَّ اللَّه، وما هو إلَّا هذا! فلما رأى النَّبِىُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أُرأيتَ لو تَرَكَ الناسُ كلُّهُم التَّزويجَ مَن كان يقومُ بالجِهادِ، ويَنْفِى العَدُوَّ، ويقومُ بفرائضِ اللَّهِ تعالى وحُدُودِه؟ وأمَّا ما ذُكِرَ عن يحيى، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا وارِدٌ بخِلافِه، فهو أوْلَى. والبَيْعُ لا يشْتَمِلُ على مصالحِ النِّكاحِ، ولا يُقَارِبُها. القسم الثالث، مَنْ لا شَهْوةَ له، إمَّا لأنَّه لم يُخْلَقْ له شَهْوةٌ كالعِنِّينِ، أو كانت له شهوةٌ فذَهَبَتْ بكِبَرٍ أو مَرَضٍ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُسْتَحَبُّ له النكاحُ؛ لعُمُوم ما ذَكَرْنا. والثانى، التخلِّى له أفْضَلُ؛ لأنَّه (٢٥) لا يُحَصلُ مَصالحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه من التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها، ويَحْبِسُها (٢٦) على نفسِه، ويُعَرضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحقوقٍ لعلَّه لا يتمَكَّنُ من القِيام

стр. 4727

بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعبادةِ بما لا فائِدةَ فيه. والأخبارُ تُحْمَلُ على مَنْ له شَهْوةٌ؛ لما فيها من القرائنِ الدَّالَّةِ عليها. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بين القادِرِ على الإنْفاقِ والعاجزِ عنه، قال: يَنْبَغِى للرَّجُلِ أن يتزَوّجَ، فإن كان عنده ما يُنْفِقُ، أنفَقَ، وإن لم يكُنْ عندَه، صَبَرَ، ولو تزوَّج بَشَرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصْبِحُ وما عندَهم (٢٧) شىءٌ، ويُمْسِى وما عندهم (٢٧) شىءٌ (٢٨). وأنَّ (٢٩) النَّبِىَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا لم يَقْدِرْ (٣٠) على خاتَمِ حَدِيدٍ، ولا وجَد إلّا إزارَه، ولم يكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجه البُخارِىُّ (٣١). قال أحمدُ، فى رجلٍ قليلِ الكَسْبِ، يَضْعُفُ قلبُه عن العِيالِ: اللَّه يَرْزُقُهُم، التزويج أحْصَنُ له، ربَّما أتَى عليه وقت لا يَمْلكُ (٣٢) قَلْبَه (٣٣). وهذا فى حَقِّ مَنْ يمكنُه التَّزويجُ (٣٤)، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه، فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣٥). ١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا نِكاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فى هذه المَسْألة أربعةُ (١) فصولٍ:

стр. 4728

أحدها: أَنَّ النكاحَ لا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِىٍّ ، ولا تَملِكُ المرأةُ تَزْوِيجَ نفْسِها ولا غيرِها، ولا توْكِيلَ غيرِ وَلِيِّها فى تزْويجِها. فإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وعلىٍّ، وابن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيرةَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وإليه ذهَبَ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بن عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيلَى، وابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ المُباركِ، وعُبَيْدُ اللَّه العَنْبَرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. ورُوِى عن ابن سِيرِينَ، والقاسمِ بن محمدٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ (٢)، وأبى يوسف: لا يجوزُ لها ذلك بغيرِ إذْنِ الوَلِىِّ، فإن فَعلَتْ كان مَوْقوفًا على إجَازَتِه. وقال أبو حنيفةَ: لها أن تُزَوِّجَ نَفْسَها وغيرَها، وتُوَكِّلَ فى النِّكاحِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣). أضاف النِّكاحَ إليهِنَّ، ونَهَى عن مَنْعِهِنَّ منه، ولأنَّه خالِصُ حَقِّها، وهى من أهلِ المباشَرةِ، فصَحّ منها، كبَيْعِ أمَتِها، ولأنَّها إذا مَلَكَتْ بَيْعَ أمتِها، وهو تَصَرُّفٌ فى رَقَبَتِها وسائرِ منافِعِها، ففى النِّكاحِ الذى هو عَقْدٌ على بعض نَفْعِها (٤) أوْلَى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِىٍّ" (٥). رَوَته عائشةُ، وأبو موسَى، وابنُ عباسٍ. قال المَرُّوذِىُّ: سألتُ أحمدَ وَيحْيَى عن حديثِ: "لَا نِكاحَ إلا بِوَلِىٍّ". فقالا: صحيحٌ. ورُوِىَ عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَت نَفْسَها بِغَيْرِ إذنِ وَلِيِّهَا، فَنِكاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإنْ أصَابَهَا، فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحلَّ مِنْ فَرْجِها، فإن اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِىَّ لَهُ". روَاه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ وغيرُهما (٥). فإن قِيلَ: فإن الزُّهْرِى رَاوِيه (٦) وقد أنْكَرَه (٧). قال ابنُ جُرَيْجٍ (٨): سألتُ الزُّهْرِى عنه فلم يَعْرِفْه. قلنا له: لم يَقُلْ هذا عن ابن جُرَيْجٍ (٨) غيرُ ابنِ عُلَيَّةَ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ ويحيى، ولو ثَبَتَ

стр. 4729

هذا لم يكُنْ حُجَّةً؛ لأنَّه قد نقَلَه ثِقَاتٌ عنه، فلو نَسِيَه الزُّهْرِىُّ لم يُضِرْه (٩)؛ لأنَّ النِّسْيانَ لم يُعْصَمْ منه إنسانٌ. قال النَّبِىُّ ﷺ : "نَسِىَ آدمُ، فنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه" (١٠). ولأنَها مُوَلَّى عليها فى النِّكاحِ، فلا تَلِيه، كالصَّغِيرةِ، وأمَّا الآيةُ، فإنَّ عَضْلَها الامْتِناعُ من تَزْوِيجِها، وهذا يَدُلُّ على أَنَّ نِكاحَها إلى الوَلِىِّ، ويَدُلُّ عليه أنَّها نزَلَتْ فى شأنِ مَعْقِلِ بن يَسارٍ، حين امْتَنَعَ من تَزْوِيِج أُخْتِه، فدَعَاه النَّبِىُّ ﷺ ، فزَوَّجَها (١١). وأضافَه إليها لأنَّها مَحَلٌّ له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ لها تَزْوِيجُ أحَدٍ. وعن أحمدَ، لها تَزْوِيجُ أمَتِها. وهذا يدلُّ على صِحّةِ عِبارَتِها فى النِّكاحِ، فيُخَرَّجُ منه أَنَّ لها تَزْوِيجَ نَفْسِها بإِذْنِ وَلِيِّها، وتزويجَ غيرِها بالوَكالةِ. وهو مذهبُ محمدِ بن الحسنِ. وينْبَغِى أن يكونَ قولًا لِابْنِ سِيرِينَ ومَنْ معه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغيْرِ إذْنِ وَلِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ". فمَفْهومُه صِحّتُه بإذْنِه. ولأنَّ المرأةَ إنَّما مُنِعَت الاسْتِقلالَ بالنِكاحِ، لقُصُورِ عَقْلِها، فلا يُؤْمَنُ انْخِداعُها ووُقوعُه منها على وَجْهِ المَفْسَدةِ، وهذا مأمونٌ فيما إذا أَذِنَ فيه وَلِيُّها. والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعُمُوم قوله: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ". وهذا يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ، والتَّخْصِيصُ ههُنا خَرَجَ مَخْرَجَ الغالبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها إلَّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، والعِلَّةُ فى مَنْعِها، صِيانَتُها عن مُبَاشرةِ ما يُشْعِرُ بوَقاحَتِها ورُعُونَتِها ومَيْلِها إلى الرِّجالِ، وذلك يُنَافِى حالَ أهلِ الصِّيانةِ والمُرُوءَةِ، واللَّهُ أعلمُ. فصل: فإن حَكَمَ بصِحّةِ هذا العقدِ حاكمٌ، أو كان المُتَوَلِّى لعَقْدِه حاكمًا، لم

стр. 4730

يَجُزْ نَقْضُه. وكذلك سائرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ. وخَرَّجَ القاضى فى هذا وَجْهًا خاصَّةً أنَّه يُنْقَضُ. وهو قولُ الإصْطَخْرِىِّ من أصْحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خالَفَ نَصًّا. والأوّلُ أوْلَى؛ لأنَها مسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، ويَسُوغُ فيها الاجتهادُ، فلم يَجُزْ نقْضُ الحُكْمِ له (١٢)، كما لو حَكَمَ بالشُّفْعةِ للجارِ، وهذا النص مُتَأَوَّلٌ وفى صِحَّتِه كلامٌ، وقد عارَضَتْه (١٣) ظَواهِرُ. الفصل الثانى: أنَّ النكاحَ لا يَنْعَقِدُ إلَّا بشاهِدَيْنِ. هذا المشهورُ عن أحمدَ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، وجابرِ بن زيدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ أنَّه يصحُّ بغير شُهُودٍ. فَعَلَه (١٤) ابنُ عمرَ، والحسنُ بن علىٍّ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وسالمٌ وحمزةُ (١٥) ابنَا ابنِ عمرَ. وبه قال عبدُ اللَّه بن إدْرِيسَ (١٦)، وعبدُ الرحمنِ بن مَهْدِىٍّ، ويزيدُ بن هارونَ، والعَنْبَرِىُّ، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِرِ. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ فى الشَّاهِدَينِ فى النِّكاحِ خَبَرٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَين عَدْلَيْنِ". من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وأبى هُرَيْرةَ وابنِ عمرَ (١٧)، إلَّا أن فى نَقْلِه ذلك ضَعْفًا (١٨)، فلم
следующие страницы →