← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

والتّخَلِّى منه إلى التَّحْرِيمِ، ولو كان التَّخلِّى أفْضَلَ لَانْعَكسَ الأمْرُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوّجَ، وبالَغَ فى العَدَدِ، وفَعَلَ ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النَّبِىُّ ﷺ وأصحابُه إلَّا بالأفْضَلِ، ولا تجْتَمِعْ (٢٠) الصَّحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ، والاشْتِغالِ بالأدْنَى، ومن العَجَبِ أَنَّ مَنْ يُفَضّلُ التخَلِّىَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعُوا (٢١) على النِّكاحِ فى فِعْلِه، وخالَفُوه فى فَضْلِه! أفَما (٢٢) كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عنده ويعملُ بالأَوْلَى (٢٣)؟ ولأنَّ مَصالِحَ النكاحِ أكثرُ، فإنَّه يشْتَمِلُ على تَحْصينِ الدِّينِ، وإحْرازِه، وتحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها، والقيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ، وتكْثيرِ الأُمَّةِ، وتَحْقيقِ مُباهاةِ النَّبىِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك من المصالحِ الرّاجِحِ أحدُها على نفْلِ العبادةِ، فمَجْموعُها (٢٤) أَوْلَى. وقد رَوْينا فى أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ، أَنَّ قومًا ذَكَرُوا لنَبِىٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم، فقال: أما إنَّه لتارِكٌ لشىءٍ من السُّنةِ، فبَلَغ العابدَ، فأتى النَّبِىَّ، فسأَلَه عن ذلك، فقال: إنَّك ترَكْتَ التَّزْوِيجَ. فقال: يا نَبِىَّ اللَّه، وما هو إلَّا هذا! فلما رأى النَّبِىُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أُرأيتَ لو تَرَكَ الناسُ كلُّهُم التَّزويجَ مَن كان يقومُ بالجِهادِ، ويَنْفِى العَدُوَّ، ويقومُ بفرائضِ اللَّهِ تعالى وحُدُودِه؟ وأمَّا ما ذُكِرَ عن يحيى، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا وارِدٌ بخِلافِه، فهو أوْلَى. والبَيْعُ لا يشْتَمِلُ على مصالحِ النِّكاحِ، ولا يُقَارِبُها. القسم الثالث، مَنْ لا شَهْوةَ له، إمَّا لأنَّه لم يُخْلَقْ له شَهْوةٌ كالعِنِّينِ، أو كانت له شهوةٌ فذَهَبَتْ بكِبَرٍ أو مَرَضٍ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُسْتَحَبُّ له النكاحُ؛ لعُمُوم ما ذَكَرْنا. والثانى، التخلِّى له أفْضَلُ؛ لأنَّه (٢٥) لا يُحَصلُ مَصالحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه من التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها، ويَحْبِسُها (٢٦) على نفسِه، ويُعَرضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحقوقٍ لعلَّه لا يتمَكَّنُ من القِيام

стр. 4727

بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعبادةِ بما لا فائِدةَ فيه. والأخبارُ تُحْمَلُ على مَنْ له شَهْوةٌ؛ لما فيها من القرائنِ الدَّالَّةِ عليها. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بين القادِرِ على الإنْفاقِ والعاجزِ عنه، قال: يَنْبَغِى للرَّجُلِ أن يتزَوّجَ، فإن كان عنده ما يُنْفِقُ، أنفَقَ، وإن لم يكُنْ عندَه، صَبَرَ، ولو تزوَّج بَشَرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصْبِحُ وما عندَهم (٢٧) شىءٌ، ويُمْسِى وما عندهم (٢٧) شىءٌ (٢٨). وأنَّ (٢٩) النَّبِىَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا لم يَقْدِرْ (٣٠) على خاتَمِ حَدِيدٍ، ولا وجَد إلّا إزارَه، ولم يكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجه البُخارِىُّ (٣١). قال أحمدُ، فى رجلٍ قليلِ الكَسْبِ، يَضْعُفُ قلبُه عن العِيالِ: اللَّه يَرْزُقُهُم، التزويج أحْصَنُ له، ربَّما أتَى عليه وقت لا يَمْلكُ (٣٢) قَلْبَه (٣٣). وهذا فى حَقِّ مَنْ يمكنُه التَّزويجُ (٣٤)، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه، فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣٥). ١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا نِكاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فى هذه المَسْألة أربعةُ (١) فصولٍ:

стр. 4728

أحدها: أَنَّ النكاحَ لا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِىٍّ ، ولا تَملِكُ المرأةُ تَزْوِيجَ نفْسِها ولا غيرِها، ولا توْكِيلَ غيرِ وَلِيِّها فى تزْويجِها. فإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وعلىٍّ، وابن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيرةَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وإليه ذهَبَ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بن عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيلَى، وابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ المُباركِ، وعُبَيْدُ اللَّه العَنْبَرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. ورُوِى عن ابن سِيرِينَ، والقاسمِ بن محمدٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ (٢)، وأبى يوسف: لا يجوزُ لها ذلك بغيرِ إذْنِ الوَلِىِّ، فإن فَعلَتْ كان مَوْقوفًا على إجَازَتِه. وقال أبو حنيفةَ: لها أن تُزَوِّجَ نَفْسَها وغيرَها، وتُوَكِّلَ فى النِّكاحِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣). أضاف النِّكاحَ إليهِنَّ، ونَهَى عن مَنْعِهِنَّ منه، ولأنَّه خالِصُ حَقِّها، وهى من أهلِ المباشَرةِ، فصَحّ منها، كبَيْعِ أمَتِها، ولأنَّها إذا مَلَكَتْ بَيْعَ أمتِها، وهو تَصَرُّفٌ فى رَقَبَتِها وسائرِ منافِعِها، ففى النِّكاحِ الذى هو عَقْدٌ على بعض نَفْعِها (٤) أوْلَى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِىٍّ" (٥). رَوَته عائشةُ، وأبو موسَى، وابنُ عباسٍ. قال المَرُّوذِىُّ: سألتُ أحمدَ وَيحْيَى عن حديثِ: "لَا نِكاحَ إلا بِوَلِىٍّ". فقالا: صحيحٌ. ورُوِىَ عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَت نَفْسَها بِغَيْرِ إذنِ وَلِيِّهَا، فَنِكاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإنْ أصَابَهَا، فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحلَّ مِنْ فَرْجِها، فإن اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِىَّ لَهُ". روَاه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ وغيرُهما (٥). فإن قِيلَ: فإن الزُّهْرِى رَاوِيه (٦) وقد أنْكَرَه (٧). قال ابنُ جُرَيْجٍ (٨): سألتُ الزُّهْرِى عنه فلم يَعْرِفْه. قلنا له: لم يَقُلْ هذا عن ابن جُرَيْجٍ (٨) غيرُ ابنِ عُلَيَّةَ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ ويحيى، ولو ثَبَتَ

стр. 4729

هذا لم يكُنْ حُجَّةً؛ لأنَّه قد نقَلَه ثِقَاتٌ عنه، فلو نَسِيَه الزُّهْرِىُّ لم يُضِرْه (٩)؛ لأنَّ النِّسْيانَ لم يُعْصَمْ منه إنسانٌ. قال النَّبِىُّ ﷺ : "نَسِىَ آدمُ، فنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه" (١٠). ولأنَها مُوَلَّى عليها فى النِّكاحِ، فلا تَلِيه، كالصَّغِيرةِ، وأمَّا الآيةُ، فإنَّ عَضْلَها الامْتِناعُ من تَزْوِيجِها، وهذا يَدُلُّ على أَنَّ نِكاحَها إلى الوَلِىِّ، ويَدُلُّ عليه أنَّها نزَلَتْ فى شأنِ مَعْقِلِ بن يَسارٍ، حين امْتَنَعَ من تَزْوِيِج أُخْتِه، فدَعَاه النَّبِىُّ ﷺ ، فزَوَّجَها (١١). وأضافَه إليها لأنَّها مَحَلٌّ له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ لها تَزْوِيجُ أحَدٍ. وعن أحمدَ، لها تَزْوِيجُ أمَتِها. وهذا يدلُّ على صِحّةِ عِبارَتِها فى النِّكاحِ، فيُخَرَّجُ منه أَنَّ لها تَزْوِيجَ نَفْسِها بإِذْنِ وَلِيِّها، وتزويجَ غيرِها بالوَكالةِ. وهو مذهبُ محمدِ بن الحسنِ. وينْبَغِى أن يكونَ قولًا لِابْنِ سِيرِينَ ومَنْ معه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغيْرِ إذْنِ وَلِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ". فمَفْهومُه صِحّتُه بإذْنِه. ولأنَّ المرأةَ إنَّما مُنِعَت الاسْتِقلالَ بالنِكاحِ، لقُصُورِ عَقْلِها، فلا يُؤْمَنُ انْخِداعُها ووُقوعُه منها على وَجْهِ المَفْسَدةِ، وهذا مأمونٌ فيما إذا أَذِنَ فيه وَلِيُّها. والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعُمُوم قوله: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ". وهذا يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ، والتَّخْصِيصُ ههُنا خَرَجَ مَخْرَجَ الغالبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها إلَّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، والعِلَّةُ فى مَنْعِها، صِيانَتُها عن مُبَاشرةِ ما يُشْعِرُ بوَقاحَتِها ورُعُونَتِها ومَيْلِها إلى الرِّجالِ، وذلك يُنَافِى حالَ أهلِ الصِّيانةِ والمُرُوءَةِ، واللَّهُ أعلمُ. فصل: فإن حَكَمَ بصِحّةِ هذا العقدِ حاكمٌ، أو كان المُتَوَلِّى لعَقْدِه حاكمًا، لم

стр. 4730

يَجُزْ نَقْضُه. وكذلك سائرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ. وخَرَّجَ القاضى فى هذا وَجْهًا خاصَّةً أنَّه يُنْقَضُ. وهو قولُ الإصْطَخْرِىِّ من أصْحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خالَفَ نَصًّا. والأوّلُ أوْلَى؛ لأنَها مسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، ويَسُوغُ فيها الاجتهادُ، فلم يَجُزْ نقْضُ الحُكْمِ له (١٢)، كما لو حَكَمَ بالشُّفْعةِ للجارِ، وهذا النص مُتَأَوَّلٌ وفى صِحَّتِه كلامٌ، وقد عارَضَتْه (١٣) ظَواهِرُ. الفصل الثانى: أنَّ النكاحَ لا يَنْعَقِدُ إلَّا بشاهِدَيْنِ. هذا المشهورُ عن أحمدَ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، وجابرِ بن زيدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ أنَّه يصحُّ بغير شُهُودٍ. فَعَلَه (١٤) ابنُ عمرَ، والحسنُ بن علىٍّ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وسالمٌ وحمزةُ (١٥) ابنَا ابنِ عمرَ. وبه قال عبدُ اللَّه بن إدْرِيسَ (١٦)، وعبدُ الرحمنِ بن مَهْدِىٍّ، ويزيدُ بن هارونَ، والعَنْبَرِىُّ، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِرِ. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ فى الشَّاهِدَينِ فى النِّكاحِ خَبَرٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَين عَدْلَيْنِ". من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وأبى هُرَيْرةَ وابنِ عمرَ (١٧)، إلَّا أن فى نَقْلِه ذلك ضَعْفًا (١٨)، فلم

стр. 4731

أذْكُرْه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أعْتَقَ النَّبِىُّ ﷺ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَىٍّ وتَزَوَّجَها (١٩) بغير شُهود (٢٠). قال أنسُ بن مالكٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: اشتَرَى رسولُ اللَّه ﷺ جارِيةً بسَبْعةِ أرْؤُسٍ (٢١)، فقال الناسُ: ما نَدْرِى أتزَوَّجَها رسولُ اللَّه ﷺ أم جَعَلَها أُمَّ وَلَدٍ؟ فلما أن (٢٢) أرادَ أن يَركَبَ حَجَبَها، فعَلِمُوا أنَّه تَزَوَّجَها. متفقٌ عليه (٢٣). قال: فاسْتَدَلُّوا على تَزْوِيجها بالحِجاب. وقال يزيدُ بن هارونَ: أمَرَ اللَّهُ تعالى بالإشْهادِ فى البَيعِ دُون النِّكاحِ، فاشْتَرطَ أصحابُ الرَّأْىِ الشَّهادةَ للنِّكاحِ، ولم يشتَرِطُوها للبَيْعِ! ووَجْهُ الأُولَى أنَّه قد رُوىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا نِكاحَ إلَّا بِولِىٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَىْ عَدْلٍ". رواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢٤). وروى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٥)، عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا بُدَّ فِى النِّكَاحِ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ الوَلِىُّ، والزَّوْجُ، والشَّاهِدَانِ". ولأنَّه يتعلَّقُ به حَقُّ غيرِ المُتَعاقِدَيْنِ، وهو الوَلَدُ، فاشْتُرِطتِ الشهادةُ فيه، لئلَّا يَجحَدَه أبُوه، فيَضِيعَ نَسَبُه، بخلاف البَيْعِ. فأمَّا نِكاحُ النَّبِىِّ ﷺ بغيرِ وَلِىٍّ وغيرِ شهودٍ، فمن خصائِصِه فى النِّكاحِ، فلا يُلْحَقُ به غيرُه.

стр. 4732

ال فصل الثالث: أنَّه لا يَنْعَقِدُ إلَّا بشَهادةِ مُسْلِمَيْنِ، سواءٌ كان الزَّوْجانِ مُسْلِمَيْنِ، أو الزَّوْجُ وَحْدَه. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كانت المرأةُ ذِمِّيّةً، صَحَّ بشَهادةِ ذِمِّيَّيْنِ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك، مَبْنِيًّا على الرِّواية التى تقولُ بقَبُولِ شَهادةِ بعض أهلِ الذِّمَّةِ على بعضٍ. ولَنا، قولُه ﵇: "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِىٍّ، وشَاهِدَىْ عَدْلٍ". ولأنَّه نِكاحُ مُسْلِمٍ، فلم يَنْعَقِد بشَهادةِ ذِمِّيَّينِ، كنِكاحِ المُسْلِمَيْنِ. فصل: فأمَّا الفاسِقانِ، ففى انْعِقادِ النِّكاحِ بشَهادَتِهِما رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يَنْعَقِدُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ للخَبَرِ. ولأنَّ النِّكاحَ لا يَثْبُتُ بشهادَتِهِما، فلم يَنْعَقِدْ بحُضُورِهما، كالمَجْنُونَيْنِ. والثانية، ينعقدُ بشهادَتِهِما. وهو قولُ أبى حنيفة؛ لأنَّها تَحَمُّلٌ، فصَحّتْ من الفاسقِ، كسائرِ التَّحَمُّلاتِ. وعلى كلتا الرِّوَايتين لا يُعتَبَرُ حَقِيقَةُ العَدالةِ، بل ينْعَقِدُ بشهادةِ مَسْتُورِى الحالِ؛ لانَّ النِّكاحَ يكونُ فى القُرَى والبادِيةِ، وبين عامَّةِ الناس، ممَّن لا يَعرِفُ حقيقةَ العَدَالةِ، فاعْتِبارُ ذلك يَشُقُّ، فاكتُفِىَ بظاهرِ الحالِ، وكَوْنِ الشَّاهدِ مَسْتُورًا لم يَظْهَر فِسْقُه، فإن تَبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّه كان فاسِقًا، لم يُؤَثِّرْ ذلك فى العَقْدِ؛ لأنَّ الشرطَ العَدَالةُ ظاهرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسقِ، وقَد تَحَقَّقَ ذلك. وقيل: نَتَبَيَّنُ أن النِّكاحَ كان فاسِدًا؛ لعَدَمِ الشَّرطِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه لو كانت العدالةُ فى الباطن شَرْطًا، لَوجَبَ الكَشفُ عنها؛ لأنَّه مع الشكِّ فيها يكونُ مَشْكُوكًا [فى شَرْطِ النِّكاحِ] (٢٦)، فلا يَنْعَقِدُ، ولا تَحِلُّ المرأةُ مع الشكِّ فى صِحّةِ نِكَاحِها. وإن حَدَثَ الفِسْقُ فيهما، لم يُؤَثِّرْ فى صِحةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يُعْتَبَرُ حالةَ العَقْدِ. ولو أقَرَّ رَجُلٌ وامرأةٌ أنَّهما نَكَحَا بوَلِىٍّ وشاهِدَىْ عَدْلٍ، قُبِلَ قَوْلُهما، وثَبَتَ النِّكاحُ بإقْرارِهِما. فصل: ولا يَنْعَقِدُ بشهادةِ رجلٍ وامرأتَيْنِ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ، والأوْزاعىِّ،

стр. 4733

والشافعىٍّ. وعن أحمدَ، أنَّه قال: إذا تَزَوّجَ بشهادةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ، فإن كان معهنَّ رجل، فهو أهْوَنُ. فيَحْتَمِلُ أَنَّ هذا روايةٌ أُخْرَى فى انْعقاده بذلك. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فانْعَقَدَ بشَهادَتِهِنَّ (٢٧) مع الرِّجالِ، كالبَيْعِ. ولَنا، أَنَّ الزُّهْرِىِّ قال: مَضَتِ السُّنَّةُ من (٢٨) رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أن لا تجوزَ شهادةُ النِّساءِ فى الحُدُودِ، ولا فى النِّكاحِ، ولا فى الطَّلاقِ. رَوَاه أبو عُبَيد (٢٩)، فى "الأموالِ". وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ . ولأنَّه عَقْدٌ ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المالُ، ويحضرُه الرجالُ فى غالبِ الأحْوالِ، فلم (٣٠) يَثْبُتْ بشَهادَتِهِنَّ (٢٧) كالحُدُودِ، وبهذا فارَقَ البَيْعَ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ أحمدَ إنَّما قال: هو أهْوَنُ. لوُقُوعِ الخِلافِ فيه، فلا يكونُ رِوَايةً. فصل: ولا يَنْعقِدُ بشهادَةِ صَبِيَّيْنِ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ الشهادةِ. ويَحْتَمِلُ أن ينْعقِدَ بشهادةِ مُرَاهِقَيْنِ عاقِلَيْنِ. ولا ينعقدُ بشهادةِ مَجْنُونَيْنِ، ولا سائرِ مَنْ لا شهادةَ له؛ لأنَّ وُجُودَه كالعَدَمِ. ولا ينعقدُ بشهادةِ أَصَمَّيْنِ؛ لأنَّهما لا يَسْمَعانِ. ولا أَخْرَسَيْنِ؛ لعدمِ إمْكانِ الأدَاءِ منهما. وفى انْعقادِه بحُضُورِ أهلِ الصنائِعِ الزَّرِيَّةِ، كالحَجَّامِ ونحوِه، وَجْهانِ، بِناءً على قبولِ شَهادتهِم. وفى انْعِقادِه بشهادةِ عَدُوّيْنِ أو ابْنَىِ الزَّوْجَيْنِ أو أحَدِهِما وَجْهان؛ أحدهما، ينعقدُ. اختارَه أبو عبدِ اللَّه ابن بطّةَ؛ لعُمُوم قوله: "إِلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَىْ عَدْلٍ". ولأنَّه ينْعَقِدُ بهما نِكاحُ غيرِ هذا الزَّوْجِ، فانْعَقَدَ بهما نِكاحُه، كسائرِ العُدُولِ. والثانى، لا ينعقدُ بشهادَتِهِما (٣١)؛ لأنَّ العَدُوَّ لا

стр. 4734

تُقْبَلُ شَهادَتُه على عَدُوِّه، والابنُ لا تقبلُ شهادتُه (٣٢) لوَالِدِه. فصل: وينْعَقِدُ بشهادةِ عَبْدَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يَنْعَقِدُ. ومَبْنَى الخلافِ على قَبُولِ شَهادَتِهِما فى سائرِ الحُقُوقِ. ونَذْكُرُه فى مَوْضِعه إن شاء اللَّهُ تعالى. وينْعَقِدُ بشهادةِ ضَرِيرْينِ. وللشافِعِيّةِ وَجْهانِ فى ذلك. ولَنا، أنَّها شهادةٌ على قولٍ، فصَحَّتْ من الأعْمَى، كالشهادةِ بالاسْتِفاضةِ، وإنَّما ينْعَقِدُ بشهادَتِهِما إذا تَيقَّنَ الصَّوْتَ وعَلِمَ صَوْتَ المُتَعاقِدَيْنِ على وَجْهٍ لا يَشُكُّ فيهما، كما يَعْلَمُ ذلك من يَرَاهُما (٣٣)، وإلَّا فلَا. فصل: وإذا تزوَّجَتِ المرأةُ تزوِيجًا فاسِدًا، لم يَجُزْ تَزْوِيجُها لغيرِ مَنْ تَزَوَّجَها حتى يُطَلِّقَها أو يَفْسَخَ نِكاحَها. وإذا امْتَنَعَ من طَلاقِها، فَسَخَ الحاكمُ نِكاحَه (٣٤). نصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا حاجةَ إلى فَسْخٍ ولا طَلاقٍ؛ لأنَّه نِكاحٌ غيرُ مُنْعَقِدٍ، أشْبَهَ النِّكاحَ فى العِدَّةِ. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، فاحْتِيجَ فى التَّفْرِيقِ فيه إلى إيقاعِ فُرْقةٍ، كالصحيحِ المُخْتَلَفِ فيه، ولأن تَزْوِيجَها من غيرِ تفرِيقٍ يُفْضِى إلى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عليها، كلُّ واحدٍ منهما يَعْتَقِدُ أَنَّ نِكاحَه الصَّحيحُ، ونكاحَ الآخرِ الفاسدُ، ويفارِقُ النكاحَ الباطلَ من هذَيْن الوَجْهَيْنِ. وإذا زُوَّجَتْ (٣٥) بآخَرَ قبلَ التَّفْريقِ، لم يَصِحَّ الثانى أيضًا، ولم يَجُزْ تَزْوِيجُها لثالثٍ (٣٦) حتى يُطَلِّقَ الأَوَّلانِ أو يُفْسَخَ نِكاحُهُما، ومتى فُرِّقَ بينهما قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها (٣٧)؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسدٌ لم (٣٨) يَتّصِلْ به قَبْضٌ،

стр. 4735

فلم يَجِبْ به (٣٩) عِوَضٌ كالبَيْعِ الفاسدِ، وإن كان التَّفْريقُ بعد الدُّخولِ، فلها المَهْرُ؛ بدليلِ قولِه ﵇: "فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجهَا" (٤٠). وإن تَكَرَّرَ الوَطْءُ فالمَهْرُ واحدٌ؛ للحَدِيثِ، ولأنَّه إصابةٌ فى عَقْدٍ فاسدٍ (٤١)، أشْبَهَ الإصابةَ فى عَقْدٍ صحيح. فصل: والواجبُ لها مَهْرُ مِثْلِها، أوْمأ إليه أحمدُ؛ فإنَّه قال فى العَبْدِ يتزوَّجُ بغير إذْنِ سَيِّدِه: يُعْطى شيئًا. قال القاضى: يَعْنِى مَهْرَ المِثْلِ. وهو ظاهرُ قولِ الخِرَقىِّ؛ لقوله: "وإذا زوَّج الوَلِيّانِ فالنكاحُ للأَوَّلِ منهما، فإن دَخَلَ بها الثانى فلها مَهْرُ مِثلِها". وهذا مَذْهَبُ الشافعى. والمنصوصُ عن أحمدَ أَنَّ لها المُسَمَّى؛ لأنَّ فى بعضِ ألفاظِ حديثِ عائشةَ: "وَلَهَا الَّذِى أعْطَاهَا بِمَا أصَابَ مِنْهَا". قال القاضى: حدَّثناه أبو بكرٍ البَرْقانِىُّ، وأبو محمدٍ الخَلَّالُ، بإسنادَيْهِما. وقال أبو حنيفةَ: الواجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّها إن رَضِيَتْ بدون مَهْرِ مِثْلِها فليس لها أكثَرُ منه، كالعَقْدِ الصحيحِ، وإن كان المُسَمَّى أكْثَرَ لم يَجِبِ الزّائِدُ؛ لأنَّه [بِعَقْدٍ غيرِ صحيحٍ] (٤٢). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا". فجَعَلَ لها المَهْرَ (٤٣) بالإِصابةِ، والإصابةُ إنَّما تُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، ولأنَّ العَقْدَ ليس بمُوجبٍ، بدَلِيلِ الخبرِ، وأنَّه لو طَلَّقَها قبلَ مَسَّها لم يكُنْ لها شىءٌ، وإذا لم يكُنْ مُوجِبًا كان وُجُودُه كعَدَمِه، وبَقِىَ (٤٤) الوَطْءُ مُوجِبًا بمُفْرَدِه، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثلِ، كوَطْءِ الشُّبْهةِ، ولأنَّ التَّسْميةَ لو فَسدَتْ لَوَجَبَ مهرُ المِثْلِ، فإذا فَسدَ العَقْدُ من أصلِه كان (٤١) أوْلَى. وقولُ

стр. 4736

أبى حنيفةَ إنَّها رَضِيَتْ بدون صَدَاقِها. إنَّما يَصِحُّ إذا كان العَقْدُ هو المُوجِبُ، وقد بَيَّنَّا أنَّه إنَّما يجبُ بالإصابةِ، فيجبُ (٤٥) مَهْرُ المِثْلِ كاملًا، كوَطْءِ الشُّبْهةِ. فصل: ولا يَجِبُ لها بالخَلْوَةِ شىءٌ. فى قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما (٤٦) جَعَلَ لها المَهْرَ بما اسْتَحَلَّ من فَرْجِها. يعنى أصابَ. ولم يُصِبْها. والمنصوصُ عن أحمدَ أنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بالخَلْوةِ، قياسًا على العَقْدِ الصَّحيحِ، وبِناءً على أَنَّ الواجبَ المُسَمَّى بالعَقْدِ، وقد ذكَرْنا ذلك. فصل: ولا حَدَّ فى وَطْءِ النِّكاحِ الفاسِدِ، سواءٌ اعْتَقَدَا (٤٧) حِلَّه أو حُرْمَتَه. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يَجِبُ الحدُّ بالوَطْءِ فى النِّكاحِ بلا وَلِىٍّ، إذا اعتقَدَا حُرْمَتَه. وهو اختيارُ الصَّيْرَفِىِّ (٤٨)، من أصْحاب الشافعىِّ؛ لما رَوَى الدّارَقُطْنِىُّ (٤٩)، بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، ولَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، إنَّ الزَّانِيَةَ هِىَ الَّتِى تُزَوِّجُ نَفْسَهَا". وبإسْنادِه (٥٠) عن الشَّعْبِىَّ قال: ما كان أحدٌ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ أشَدَّ فى النِّكاحِ بغير وَلِىٍّ من عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يَضْرِبُ فيه. وروَى الشَّالَنْجِىُّ، بإسْناده عن عِكْرِمةَ بن خالدٍ، أن الطَّرِيقَ جَمَعَتْ رَكْبًا فيه امرأةٌ ثَيِّبٌ، فخَطَبَها رجلٌ، فأنْكَحَها رَجُلٌ وهو غيرُ وَلِىٍّ بصَداقٍ وشُهُودٍ، فلمَّا قَدِمُوا على عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رُفِعَ إليه أمرُهُما، فَفرّقَ بينهما، وجَلَدَ النَّاكِحَ والمُنْكِحَ (٥١). ولَنا، أنَّ هذا مُخْتَلَف فى إباحَتِه، فلم يَجِبْ به الحدُّ، كالنِّكاحِ بغير

стр. 4737

شُهُودٍ، ولأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والاخْتِلافُ فيه أقْوَى الشُّبُهاتِ، تَسْمِيَتُها زانيةً يجوزُ، بدليلِ أنَّه سَمَّاها بذلك بمُجَرَّدِ العَقْدِ، وعمرُ جَلَدَهُما أدَبًا وتَعْزيرًا، ولذلك جَلَدَ المُنْكِحَ ولم يَجْلِد المرأةَ، وجَلَدَهُما بمُجَردِ العَقْدِ مع اعتقادِهِما حِلَّهُ. وكذلك حديثُ علىٍّ، علَى أَنَّ حديثَ علىٍّ حُجّةٌ على مَنْ أوْجَبَ الحَدَّ فيه (٥٢)؛ فإنَّ عَليًّا أشَدُّ الناس فيه، وقد انتهى أمْرُه (٥٣) إلى الجَلْدِ، فيدُلُّ (٥٤) على أن سائرَ الصَّحابةِ (٥٥) لم يَرَوْا فيه جَلْدًا. فإن قيلَ: فقد أَوْجَبْتُم الحَدَّ على شارِبِ النَّبِيذِ، مع الاختلافِ (٥٦) فيه؟ قُلْنا: هو مُفارِقٌ لمسألَتِنا، بدليلِ أنّا نَحُدُّ من اعْتَقدَ حِلَّه، ولأن يَسِيرَ النَّبِيذ يدعو إلى كَثيرِه (٥٧) المُتَّفَقِ على تَحْرِيمه، وهذا المُخْتَلَفُ فيه يُغْنِى عن الزِّنَى المُجْمَعِ على تَحْرِيمه، فافْتَرَقَا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَن اعْتَقَدَ حِلَّه ليس عليه إثم ولا أُدَب؛ لأنَّه من مسائلِ الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فيها، ومَن اعْتَقَدَ حُرْمَتَه أثِمَ وأُدِّبَ. وإن أتَتْ بوَلَد منه، لَحِقَه نَسَبُه فى الحالَيْنِ. فصل: فأمَّا الأنْكِحةُ الباطِلةُ، كنكاحِ المرأةِ المُزَوَّجةِ أو المُعْتَدَّةِ، وشِبْهِه (٥٨)، فإذا عَلِمَا الحالَ (٥٩) والتَّحْرِيمَ، فهما زَانِيانِ، وعليهما الحدُّ، ولا يَلْحَقُ النَّسَبُ فيه. فصل: ويُساوِى الفاسدُ الصحيحَ فى اللِّعانِ، إذا كان بينهما وَلَدٌ يريد نَفْيَه عنه،

стр. 4738

لِكَونِ النَّسَبِ لاحِقًا به، فإن لم يكُنْ وَلَدٌ، فلا لِعَانَ بينهما؛ لعدمِ الحاجةِ إليه، وتجِبُ العِدّةُ بالخلْوَةِ فيه، وعِدّةُ الوفاةِ بالمَوْتِ فيه، والإحدادُ (٦٠)، كلُّ (٦١) ذلك احْتِياطًا لها. ويُفارِقُ الصحيحَ فى أنَّه لا يُثبِتُ التَّوارُثَ، ولا تَحْصُلُ به الإباحةُ للمُتَزَوجِ، ولا الحِلُّ (٦٢) للزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثلاثًا بالوَطْءِ فيه، ولا يَحْصُلُ الإحْصانُ بالوَطْءِ فيه، ولا يَثْبُتُ حكمُ الإيلاءِ باليمينِ فيه، ولا يَحْرُمُ الطَّلاقُ فيه فى زَمَنِ الحَيْض. ١١٠٠ - مسألة؛ قال: (وَأحَقُّ النَّاس بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الحُرَّةِ أَبُوهَا) إنَّما قَيدَ المرأةَ بالحُرَّةِ (١) ههُنا؛ لأنَّ الأمَةَ لا وِلايةَ لأَبِيها عليها، وإنَّما وَليُّها سَيِّدُها. بغير خلافٍ عَلِمْناه. وأمَّا المرأةُ الحُرَّةُ، فأوْلَى الناس بتَزْوِيجِها أبوها، ولا وِلايةَ لأحدٍ معه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وهو المشهورُ عن أبى حنيفةَ. وقال مالكٌ والعَنْبَرِىُّ، وأبو يوسفَ، وإسحاقُ، وابنُ الْمُنْذِرِ: الابْنُ أوْلى. وهو رِوايةٌ عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أوْلى منه بالمِيراثِ، وأقْوَى تَعْصِيبًا، ولهذا يَرِثُ مَوْلَى (٢) أبِيه دون جَدِّه. ولَنا، أَنَّ الوَلَدَ مَوْهُوبٌ لأَبِيه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٣). وقال زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (٤). وقال: ﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥). وقال إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٦). وقال ﷺ :

стр. 4739

"أنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٧). وإثباتُ وِلَايةِ المَوْهُوبِ له على الهِبَةِ أوْلى من العَكْسِ، ولأنَّ الأبَ أَكمَلُ نَظَرًا، وأشَدُّ شَفَقةً، فوَجَبَ تقدِيمُه فى الولايةِ، كتَقْدِيمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَلِى وَلَدَه فى صِغرِه وسَفَهِه وجُنُونِه، فَيَلِيه فى سائرِ ما ثَبَتَتِ الوِلَايةُ عليه فيه، بخلافِ وِلايةِ الابْنِ، ولذلك اخْتَصَّ بولايةِ المالِ، وجاز له أن يَشْتَرِىَ لها من مالِه، وله من مالِها، إذا كانت صغيرةً، بخلافِ غيرِه، ولأن الوِلَايةَ احْتِكامٌ، واحْتِكامُ الأصْلِ على فَرْعِه أوْلَى من العَكْس، وفارَقَ المِيراثَ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ له النَّظَرُ، ولهذا يَرِثُ الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ وليس فيه احْتِكامٌ ولا وِلايةٌ على المَوْرُوثِ، بخلافِ ما نحن فيه. ١١٠١ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ أَبُوهُ وَإنْ عَلَا) يعنى أَنَّ (١) الجَدَّ أبَا الأَبِ وإن عَلَتْ دَرَجَتُه، فهو أحقُّ بالوِلايةِ من الابنِ وسائرِ الأولياءِ. وهو قول الشافعىِّ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ الابنَ مُقَدَّمٌ على الجَدِّ. وهو قولُ مالكٍ ومَنْ وافَقَه؛ لما تقدَّمَ. وعن أحمدَ، روايةٌ ثالثة، أَنَّ الأخَ يُقَدَّمُ على الجَدِّ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الجَدَّ يُدْلِى بأُبُوَّةِ الأبِ، والأخَ يُدْلِى ببُنُوَّةٍ (٢)، والبُنُوَّةُ مُقَدَّمةٌ وعن أحمدَ أن الجَدَّ والأخَ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهما فى المِيراثِ بالتَّعْصِيبِ، واسْتِوائِهما (٣) فى القَرَابةِ، فوَجَبَ أن يَسْتَوِيا فى الوِلايةِ كالأخَوَينِ، ولأنَّهما عَصَبتانِ لا يسقُطُ أحَدُهُما بالآخَرِ (٤)، فاسْتَويا فى الوَلايةِ كالأخَوَيْنِ. ولَنا، أَنَّ الجَدَّ له إيلادٌ وتَعْصِيبٌ، فيُقَدُّمُ عليهما، كالأبِ، ولأنَّ الابنَ والأخَ يُقادان بها، ويُقْطَعانِ بسَرِقَةِ مالِها، والجَدُّ بخِلافِه، والجَدُّ (٥) لا يَسْقُطُ فى المِيراثِ إلَّا بالأبِ، والأخُ يَسْقُطُ به وبالابْنِ وابْنِه، وإذا ضاقَ

стр. 4740

المالُ، وفى المسألةِ جَدٌّ وأخٌ، سَقَطَ الأخُ وحدَه، فوَجَبَ تَقْدِيمُه عليهما كالأبِ، وكتَقْديمِه (٦) على العَمِّ وسائرِ العَصَباتِ. إِذا ثَبَتَ هذا، فالجَدُّ وإن عَلَا أوْلى من جميعِ العَصَباتِ غيرَ الأبِ، وأوْلَى الأجْدادِ أقْرَبُهم وأحَقُّهُم بالمِيراثِ (٧). ١١٠٢ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ ابْنُهَا وابْنُهُ وَإنْ سَفَلَ) وجملتُه أنَّه متى عُدِمَ الأبُ وآباؤُه، فأَوْلَى الناس بتَزْويجِ المرأةِ ابنُها، ثم ابْنُه بعدَه وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ منهم. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقال الشافعىُّ: لا وِلايةَ للابْنِ إلَّا أن يكونَ ابنَ عَمٍّ، أو مَوْلًى، أو حاكمًا، فيَلِى بذلك، لا بالبُنُوَّةِ؛ لأنَّه ليس بمُناسِبٍ لها، فلا يَلِى نِكاحَها كخالِها، ولأنَّ طَبْعَه يَنْفِرُ من تَزْوِيجها، فلا يَنْظُرُ لها. ولَنا، ما رَوَتْ أمُّ سَلَمةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها لمَّا انْقَضَتْ عِدُّتها، أَرْسَلَ اليها رسولُ اللَّه ﷺ يَخْطُبُها، فقالت: يا رسولَ اللَّه: ليس (١) أحدٌ من أَوْليائِى شاهِدًا. قال: "لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ (٢) وَلَا غَائِب يَكْرَهُ ذلِكَ". فقالت: قُمْ يا عُمَرُ (٣)، فزَوِّجْ رسولَ اللَّه ﷺ . فزَوّجَه. روَاه النَّسائِىُّ (٤). قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه، فحديثُ عُمَرَ (٣) بن أبى سَلَمةَ، حين تزوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ أُمَّه أُمَّ سَلَمةَ، أليس كان

стр. 4741

صغيرًا؟ قال: ومَنْ يقولُ كان صغيرًا، ليس فيه بَيانٌ. ولأنَّه عَدْلٌ من عَصَبَتِها، فثَبَتَتْ (٥) له وِلايةُ تَزْوِيجها كأخِيها. وقولُهم: ليس بمُناسِبٍ لها. يَبْطُلُ بالحاكِمِ والمَوْلَى. وقولُهم: إنَّ طَبْعَه يَنْفِرُ من تَزْوِيجِها. قُلْنا: هذا مُعارضٌ فى الفَرْعِ ليس له أصْلٌ، ثم يَبْطُلُ بما إذا كان ابنَ عَمٍّ أو مَوْلى أو حاكِمًا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُقَدَّمُ على الأَخِ ومَنْ بعدَه. بغيرِ خلافٍ نعلَمُه عندَ مَنْ يقول بوِلاِيَتِه؛ لأنَّه أقْوَى منه تَعْصِيبًا، وقد اسْتَوَيا فى عَدَمَ الإِيلادِ. ١١٠٣ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ أخوهَا لِأَبِيهَا وأُمِّهَا) لا خلافَ بين أهلِ العِلْمِ فى تقديمِ الأَخِ بعدَ عَمُودَىِ النَّسَبِ؛ لكَوْنِه أقربَ العَصَباتِ بعدَهم، فإنَّه ابنُ الأبِ، وأقواهُم تَعْصِيبًا، وأحَقُّهُم بالميراثِ. ١١٠٤ - مسألة؛ قال: (وَالْأَخُ لِلْأَبِ مِثْلُهُ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى الأَخِ للأبَوَينِ والأخِ للأبِ إذا اجْتَمعا، فالمشهورُ عنه أنَّهما سَواءٌ فى الوِلايةِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعىُّ فى القديمِ؛ لأنَّهما اسْتَوَيا فى الإِدْلاءِ بالجِهةِ التى تُسْتفادُ منها العُصُوبةُ، وهى جِهَةُ الأبِ، فاسْتَوَيا فى الوِلايةِ، كما لو كانا من أبٍ، وإنما يُرَجَّحُ الآخَرُ (١) فى المِيراثِ بجهةِ الأُمِّ، ولا مَدْخَلَ لها فى الوِلايةِ، فلم يُرَجحْ بها، كالعَمَّيْنِ أحدُهما خالٌ، وابْنَىْ عَمٍّ أحدهما أخٌ من أُمٍّ. والرِّواية الثانية، الأخُ من الأبَوَيْنِ أوْلَى. واختارها أبو بكرٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ فى الجديدِ. وهو الصحيحُ، إن شاء اللَّه تعالى؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتفادُ بالتَّعْصِيبِ، فقُدِّمَ فيه الأخُ من الأبوينِ، كالمِيراثِ وكاسْتِحقاقِ المراثِ بالوَلاءِ، فإنَّه لا مَدْخَلَ للنساءِ فيه، وقد قُدِّمَ الأخُ للأبَوَيْن (٢) فيه. وبهذا يَبْطُلُ ما ذكرْناه للرِّوايةِ الأُولى. وهكذا الخلافُ فى

стр. 4742

بَنِى الإِخْوةِ والأعْمامِ وبَنِيهم. فأمَّا إذا كان ابْنَا (٣). عَمٍّ لأبٍ، أحدُهما أخٌ لأُمٍّ، فهما سَواءٌ؛ لأنَّهما اسْتَوَيا فى التَّعْصِيبِ والإِرْثِ به. وقال القاضى: فيهما من الخلافِ مثلُ ما فى ابْنِ عَمٍّ من أبَوَيْنِ وابن عَمٍّ من أبٍ؛ لأنَّه يُرَجَّحُ بجهةِ أُمِّه. وليس كذلك؛ لأنَّ جِهَةَ أُمِّهِ يَرِثُ بها مُنْفَرِدةً، وما وَرِثَ به مُنْفَرِدًا لم يُرَجَّحْ به، ولذلك لم يُرَجَّحْ به فى الميراثِ بالوَلاءِ ولا فى غيرِه. فعلى هذا، إذا اجتمعَ ابنُ عَمٍّ لأبَوَيْن (٤) وابنُ عَمٍّ لأبٍ (٥) هو أخٌ من أُمٍّ، فالولايةُ لِابْنِ العَمٌ من الأبَوَينِ عندَ مَنْ يرى تَقْدِيمَ وَلَدِ الأبَوَيْنِ. ١١٠٥ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ أوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعُمُومةُ، ثُمَّ أوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ عُمُومةُ الْأَبِ) وجملتُه أَنَّ الوِلايةَ بعدَ مَنْ ذَكَرْنَا تَتَرتَّبُ على تَرْتيبِ الإِرْثِ بالتَّعْصِيبِ، فأحَقُّهُم بالميراثِ أحقُّهُم بالولايةِ، فأَوْلاهُم بعدَ الآباءِ بَنُو المَرْأةِ، ثم بَنُوهُم وإن سَفَلُوا، ثم بَنُو أبِيها وهم الإخْوةُ، ثم بَنُوهُم وإن سَفَلُوا، ثم بنو جَدِّها وهم الأعْمامُ، ثم بَنُوهُم وإن سَفَلُوا، ثم بنو جَدِّ الأبِ وهم أعْمامُ الأبِ، ثم بَنُوهُم وإن سَفَلُوا، ثم بنو جَدِّ الْجدِّ، ثم بَنُوهُم، وعلى هذا لا يَلِى بنو أب أعْلَى مع بنى أبٍ أقْرَبَ منه وإن نَزَلَتْ درَجَتُهم، وأَوْلَى وَلَدِ كلِّ أبٍ أقْرَبُهم إليه؛ لأنَّ مَبْنَى الوِلايةِ على النَّظَرِ والشَّفَقةِ، وذلك مُعْتَبَرٌ بمَظنَّتِه، وهى القَرابةُ، فأَقْرَبُهُم أشْفَقُهم. ولا نَعْلمُ فى هذا خِلافًا بين أهلِ العلمِ. فصل: ولا وِلايةَ لغيرِ العَصَباتِ من الأقاربِ، كالأخِ من الأُمِّ، والخالِ، وعَمِّ [الأُمِّ، والجَدِّ] (١) أبى الأُمِّ ونحوهم. نصَّ عليه أحمدُ فى مواضعَ. وهو قولُ الشافعىِّ، وإحْدَى

стр. 4743

الرِّوايتينِ عن أبِى حنيفةَ. والثانية، أَنَّ كلَّ مَنْ يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ يَلِى؛ لأنَّه من أهلِ مِيراثِها، فوَلِيَها كعَصَباتِها. ولَنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ، أنَّه قال: إذا بَلَغَ النِّساءُ نَصَّ الْحَقائقِ (٢)، فالعَصَبةُ أَوْلَى (٣). إذا أدْرَكْنَ. رواه أبو عُبَيدٍ، فى "الغَرِيبِ" (٤). ولأنَّه ليس من عَصَباتِها فأشْبَه الأجْنَبِىَّ. ١١٠٦ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ بِهِ) لا خلافَ نعلمُه فى أَنَّ المرأةَ إذا لم يكُنْ لها عَصَبةٌ من نَسَبِها، أنَّ مَوْلاها يُزَوِّجُها، ولا فى أَنَّ العَصَبةَ (١) الْمُناسِبَ أوْلَى منه، وذلك لأنَّه عَصَبةُ مَوْلاتِه، يَرِثُها ويَعْقِلُ عنها عندَ عَدَمِ عصباتِها، فلذلك يُزَوِّجُها، وقُدِّمَ عليه الْمُناسِبُون كما قُدِّمُوا عليه فى الإرْثِ والعَقْلِ. فإنْ عُدِمَ المَولى، أو لم يكُنْ من أهْلِ الوِلايةِ، كالمرأةِ والطِّفْلِ والكافِرِ، فعَصَباتُه الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ، على ترتيبِ المِيراثِ، ثم مَوْلَى المَوْلَى، ثم عَصَباتُه من بعدِه، كالمِيراثِ سَواءً. فإن اجتمعَ ابنُ المُعْتِقِ وأبوه، فالابنُ أوْلى؛ لأنَّه أحَقُّ بالمِيراثِ وأقْوَى فى التَّعْصيبِ، وإنَّما قُدِّمَ الأبُ المُناسِبُ على الابنِ المُناسبِ لِزِيادةِ شَفَقتِه وفَضِيلةِ وِلادَتِه، وهذا معدومٌ فى أبِى المُعْتِقِ، فرُجِعَ به إلى الأصْلِ. ١١٠٧ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ السُّلْطَانُ) لا نعلمُ خلافاً بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ للسُّلطانِ وِلايةَ تَزْوِيج المرأةِ عندَ عَدَمِ أوْلِيائِها أو عَضْلِهِم. وبه يقول مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى.

стр. 4744

والأصلُ فيه قولُ النبىِّ ﷺ : "فَالسُّلطانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِى له" (١). ورَوَى أبو دَاوُد (٢)، بإسْنادِه عن أُمِّ حَبِيبةَ، أَنَّ النَّجَاشِىَّ زَوَّجَها رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانت عندَه. ولأنَّ للسُّلطانِ ولايةً عامّةً بدليلِ أنَّه يَلِى المالَ، ويَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فكانت له الوِلايةُ (٣) فى النِّكاحِ كالأبِ. فصل: والسلطانُ ههنا هو الإمامُ، أو الحاكمُ، أو مَنْ فَوَّضَا إليه ذلك. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى والِى البلدِ، فقال فى موضعٍ: يُزَوِّجُ وَالِى البَلَدِ. وقال فى الرُّسْتاقِ (٤) يكونُ فيه الوالِى وليس فيه قاضٍ: يُزَوِّجُ إذا احْتاطَ لها فى المَهْرِ والكُفْءِ، أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ؛ لأنَّه ذو سلطانٍ، فيَدْخُلُ فى عمومِ الحديثِ. وقال فى موضعٍ آخرَ، فى المرأةِ إذا لم يكُنْ لها وَلِىٌّ: فالسلطانُ المُسَلَّطُ على الشىءِ؛ القاضِى يَقْضِى فى الفُرُوجِ والحُدُودِ والرَّجْمِ، صاحبُ الشُّرْطةِ إنَّما هو مُسَلّطٌ فى الأدَبِ والجِبَايَةِ (٥). قال: ما للوالِى وذَا (٦)! إنَّما هو إلى القاضى. وتأوّلَ القاضى الرِّوايةَ الأُولَى على أَنَّ الوَالِىَ أَذِنَ له فى التَّزْويج. ويَحتَمِلُ أنَّه جَعَلَ له ذلك إذا لم يكُنْ فى موضعِ وِلايتِه قاضٍ، فكأنَّه قد فَوَّضَ إليه النظرَ فيما يَحْتاجُ إليه فى وِلايَتِه، وهذا منها. فصل: وإذا اسْتَوْلَى أهلُ البَغْى على (٧) بلدٍ، جَرَى حُكْمُ سُلْطانِهِم وقاضِيهم فى ذلك مَجْرَى الإمامِ وقاضِيه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْراه فى قَبْض الصَّدَقاتِ والجِزْيةِ والخَرَاجِ والأحْكامِ، فكذلك فى هذا. فصل: واخْتلَفت الرِّوايةُ فى المرأةِ تُسْلِمُ على يدِ رَجُلٍ، فقال فى موضعٍ: لا يكونُ وَلِيًّا

стр. 4745

لها، ولا يزوِّجُ حتَّى (٨) يأتِىَ السُّلطانُ؛ لأنَّه ليس من عَصَبَتِها (٩)، ولا يَعْقِلُ عنها، ولا يَرِثُها، فأشْبَه الأجنبىَّ. وقال فى رِوايةٍ أُخْرَى (١٠)، فى امْرأةٍ أسْلَمتْ على يدِ (١١) رَجُلٌ: يزوِّجُها هو. وهو قولُ إسحاق. ورُوِىَ عن ابن سِيرِينَ (١٢) أنَّه لا يَفْعَلُ ذلك حتى يأتِىَ السُّلْطان. وعن الحسنِ أنَّه كان لا يَرَى بأسًا أن يُزَوِّجَها نَفْسَه. [وذلك لما] (١٣) رَوَى أبو داودَ (١٤)، بإسْنادِه عن تَمِيمٍ الدّارِىِّ أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، ما السُّنَّةُ فى الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يَدِ الرَّجُلِ من المسلمينَ؟ قال: "هُوَ أوْلَى النَّاس بمَحْيَاهُ ومَمَاتِهِ". إِلَّا أَنَّ هذا الحديثَ ضَعّفَه أحمدُ، وقال: رَاوِيه (١٥) عبدُ العزيزِ -يعنى ابْنَ عُمَرَ بن عبد العزيرِ- وليس هو من أهلِ الحِفْظِ والإِتْقانِ. فصل: فإن يُوجَدْ للمرأةِ وَلِىُّ ولا ذو سلطانٍ، فعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُزَوِّجُها رَجُلٌ عَدْلٌ بإذْنِها، فإنَّه قال فى دُهْقانِ (١٦) قَرْيةٍ: يُزَوِّجُ من لا (١٧) وَلِىّ لها إذا احْتاطَ لها فى الكُفْءِ والمَهْرِ، إذا لم يكُنْ فى الرُّسْتاقِ قاضٍ. قال ابنُ عَقِيل: أخَذَ قومٌ من أصْحابِنا من هذه الرِّوايةٍ، أَنَّ النِّكاحَ لا يَقِفُ على وَلِىٍّ. قال: وقال القاضى: نُصوصُ (١٨) أحمدَ تَمْنعُ من ذلك. والصحيحُ أن هذا القولَ مُخْتَصٌّ بحالِ عَدَمِ الوَلِىِّ والسلطانِ؛ لأنَّه شَرَطَ أن لا يكونَ فى الرُّسْتاقِ قاضٍ. ووَجْهُ ذلك أَنَّ اشْتِراطَ الوَلِىِّ ههُنا يَمْنَعُ النِّكاحَ

стр. 4746

بالكُلِّيَةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ فى حَقِّ مَنْ لا مُناسِبَ لها. ورُوِىَ أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بِوَلِىٍّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيه. ١١٠٨ - مسألة؛ قال: (وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإنْ كَانَ حَاضِرًا) وجملةُ ذلك أنَّه يجوزُ التَّوْكِيلُ فى النِّكاحِ، سواءٌ كان الوَلِىُّ حاضرًا أو غائبًا، مُجْبَرًا أو غيرَ مُجْبَرٍ؛ لأنَّه رُوِىَ أَنَّ (١) النَّبِىَّ ﷺ (٢) وَكّلَ أبا رافِعٍ فى تَزْوِيجِه مَيْمُونةَ، ووَكّلَ عَمْرَو بن أمَيّةَ فى تَزْوِيجِه أُمَّ حَبِيبةَ (٣). ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه كالبَيْعِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ فى تَوْكِيلِ غيرِ الأبِ والجَدِّ وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه يَلِى بالإِذْنِ، فلم يَجُزِ التَّوْكِيلُ له، كالوَكِيلِ. ولَنا، أنَّه يَلِى شَرْعًا، فكان له التَّوْكيلُ كالأبِ، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّه يَلِى بالإِذْنِ. فإنَّ وِلايَتَه ثابتةٌ قبلَ إذْنِها، وإنما إذْنُها شَرْطٌ لصِحَّةِ تَصَرُّفِه، فأشْبَهَ وِلايةَ الحاكمِ عليها، ولا خِلافَ فى أَنَّ للحاكمِ أن يَسْتَنِيبَ فى التَّزْوِيج من غيرِ إذْنِ المرأةِ، ولأنَّ المرأةَ لا وِلايةَ لها على نَفْسِها، فكيف تُنِيبُ (٤) لنائِبِها من قِبَلِها! فصل: ويجوزُ التوكيلُ مُطْلقًا ومُقَيَّدًا، فالمقيَّدُ التوكيلُ فى تزْوِيج رَجُلٍ بعَيْنِه. والمُطْلَق (٥) التَّوكيلُ فى تَزْوِيج مَنْ يَرْضاه أو مِن مَنْ (٦) شاءَ (٧). قال أحمدُ، ﵀، فى

стр. 4747

روَايةِ عبدِ اللَّه، فى الرَّجُلِ يُوَلِّى على أُخْتِه أو ابْنَتِه (٨)، يقول: إذا وَجَدْتَ مَنْ تَرْضاه فزَوِّجْه (٩). فتَزْوِيجُه جائزٌ. ومَنَعَ بعضُ الشافعيةِ التَّوْكيلَ المُطْلَقَ. ولا يَصِحُّ؛ فإنَّه رُوىَ أن رَجُلًا من العَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَه عند عمرَ، وقال: إذا وَجَدْتَ لها كُفْؤًا فزَوِّجْه إيَّاها، ولو بشِرَاكِ نَعْلِه. فزَوَّجَها عمرُ (١٠) عثمانَ بن عَفّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهى أُمُّ عُمَرَ (١١) بن عثمانَ (١٢). واشْتَهَرَ ذلك فلم يُنْكَرْ، ولأنَّه إذْنٌ فى النِّكاحِ، فجاز مُطْلقًا، كإذْنِ المرأةِ، أو عَقْدٌ فجازَ التوكيلُ فيه مُطْلقًا. واللَّه أعلم. فصل: ولا يُعْتَبرُ فى صِحَّةِ الوكالةِ إذْنُ المَرْأةِ فى التَّوْكيلِ، سواءٌ كان المُوَكِّلُ أبًا أو غيرَه. ولا يَفْتَقِرُ إلى حُضُورِ شاهِدَيْنِ. وقال بعضُ الشافعيةِ: لا يجوزُ لغيرِ المُجْبِر التَّوْكيلُ إلَّا بإِذْنِ المرأةِ. وخَرّجَه القاضى على الرِّوايتَيْنِ فى توكيلِ الوَكيلِ من غيرِ إذْنِ المُوَكِّلِ. وحُكِىَ عن الحَسَنِ بنِ صالحٍ، أنَّه لا يَصِحُّ الَّا بحَضْرةِ شاهِدَينِ؛ لأنَّه يُرَادُ لحِلِّ الوَطْءِ، فافْتَقَرَ إلى الشَّهادةِ، كالنِّكاحِ. ولَنا، أنَّه إذْنٌ من الوَلِىِّ فى التَّزْويج، فلم يَفْتَقِرْ إلى إذْنِ المرأةِ، ولا إلى إشْهادٍ، كإذْنِ الحاكمِ. وقد بَيَّنَّا أن الوَلِىَّ ليس بوَكِيلٍ للمرأةِ (١٣)، وهذا التوكيلُ لا يَمْلِكُ به البُضْعَ، فلم يَفْتَقِرْ إلى إشْهادٍ، بخِلافِ النِّكاحِ. ويَبْطُلُ ما ذكَره الحسنُ بن صالحٍ بالتَّسَرِّى. فصل: ويَثْبُتُ للوكيلِ مثلُ (١٤) ما يَثْبُتُ (١٥) للمُوَكِّلِ. وإن كان للوَلِىِّ الإِجْبارُ ثَبَتَ

стр. 4748

ذلك لوَكِيلِه. وإن كانت وِلايَتُه وِلايةَ مُرَاجَعةٍ، احتاجَ الوكيلُ (١٦) إلى إذْنِها ومُرَاجَعَتِها؛ لأنَّه نائبٌ فيثبتُ (١٧) له مثلُ ما ثَبَتَ (١٨) لمَنْ يَنُوبُ عنه. وكذلك الحكمُ فى السلطانِ والحاكمِ يأْذَنُ لغيرِه فى التَّزْويج، فيكونُ المأذونُ له قائِمًا مَقامَه. فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، هل تُسْتفادُ وِلايةُ (١٩) النِّكاحِ بالوَصِيَّةِ؟ فرُوِىَ أنَّها تُسْتفادُ بها. وهو اختيارُ الْخِرَقِىِّ؛ لقوله: أو وَصَّى ناظرًا (٢٠) له فى التَّزْويج. وهو قولُ الحسنِ، وحمَّادِ بن أبى سليمانَ، ومالكٍ. وعنه لا تُسْتفادُ بالوَصِيَّةِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحارثُ العُكْلِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها وِلايةٌ تَنْتَقِلُ إلى غيرِه شَرْعًا، فلم يَجُزْ أن يُوصِى بها كالحَضانةِ، ولأنَّه لا ضَرَرَ على الوَصِىِّ فى تَضْييعِها ووَضْعِها عند مَنْ لا يُكافِئُها، فلم تَثْبُتْ له الولايةُ كالأجْنَبىِّ، ولأنَّها وِلاية نِكاحٍ، فلم تَجُزِ الوَصِيَّةُ بها، كوِلايةِ الحاكمِ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامدٍ: إن كان لها عَصَبةٌ، لم تَجُزِ الوَصِيّةُ بنِكاحِها؛ [لأنَّه يُسْقِطُ حقَّهم بوَصِيَّتِه] (٢١)، وإن لم يكُنْ عَصَبةٌ، جاز لعدَمِ ذلك. ولَنا، أنَّها وِلايةٌ ثابتةٌ للأبِ، فجازَتْ وَصِيَّتُه بها، كوِلاِيةِ المالِ، ولأنَّه يجوزُ أن يَسْتَنِيبَ فيها فى حَياتِه، فيكونَ نائِبُه قائِمًا مقامَه بعدَ مَوْتِه، فجاز أن يسْتنيبَ فيها، كوِلايةِ المالِ. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بوِلايةِ المالِ. فعلى هذا لا يَصِيرُ وَصِيًّا فى النِّكاحِ بالوَصِيَّةِ إليه فى المالِ؛ لأنَّها إحْدَى الوِلايتَيْنِ، فلم يَمْلِكْها بالوصيةِ [إليه فى المالِ] (٢٢)، كالوَصِيَّةِ (٢٣) الأُخْرَى، قِياسًا على وَصِيَّةِ المالِ لا تُمْلَكُ بالوَصِيَّةِ فى النِّكاحِ.

стр. 4749

فصل: فعلى هذا تجوزُ الوَصِيَّةُ بالنِّكاحِ مِنْ كلِّ ذِى وِلايةٍ، سواءٌ كان مُجْبِرًا كالأبِ، أو غيرَ مُجْبِرٍ كغيرِه، ووَصِىُّ كلِّ وَلِىٍّ يَقُومُ مَقامَه، فإن كان الوَلِىُّ له الإِجْبارُ فكذلك (٢٤) لِوَصِيِّه (٢٥). وإن كان يحتاجُ إلى إذْنِها فوَصِيُّه (٢٦) كذلك؛ لأنَّه قائِمٌ (٢٧) مَقامَه، فهو كالوَكِيلِ. وقال مالكٌ: إن عَيّنَ الأبُ الزَّوْجَ، مَلَكَ الوَصِىُّ إجبارَها، صغيرةً كانت أو كبيرةً، وإن لم يُعَيِّن الزَّوْجَ، وكانت ابْنَتُه كبيرةً، صَحّت الوَصِيّةُ، واعْتُبِرَ إذْنُها، وإن كانت صغيرةً، انْتَظَرْنا بُلُوغَها، فإذا أذِنَتْ، جاز أن يُزَوِّجَها بإذْنِها. ولَنا، أَنَّ مَنْ مَلَكَ التَّزْويجَ إذا عُيِّنَ له الزَّوْجُ، مَلَكَ مع الإِطْلاقِ، كالوَكِيلِ، ومتى زَوَّجَ وَصِىُّ (٢٨) الأبِ الصغيرةَ فبَلَغَتْ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوَصِىَّ قائِمٌ مقامَ المُوصِى، فلم يَثْبُتْ فى تَزْوِيجه خِيارٌ، كالوَكِيلِ. ١١٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَتِهَا طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، زَوَّجَها الْأَبْعَدُ مِنْ عَصَبَتِهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الوِلايةَ لا تثبتُ لطِفْلٍ ولا عَبْدٍ ولا كافرٍ على مُسْلِمةٍ بحالٍ، فعندَ ذلك يكونُ وُجُودُهم كالعَدَمِ، فتَثْبُتُ الوِلايةُ لمَنْ هو أبْعَدُ منهم كما لو ماتُوا. وتُعْتَبرُ لثُبُوتِ الوِلايةِ لمَنْ سَمَّيْنَا سِتّةُ شُرُوطٍ؛ العَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والإِسلامُ، والذُّكُورِيَّةُ، والبُلُوغ، والعَدالةُ، على اختلافٍ نَذْكُرُه. فأمَّا العقلُ، فلا خِلافَ فى اعتبارِه؛ لأنَّ الوِلايةَ إنما تَثْبُتُ نَظَرًا للمُوَلَّى عليه عندَ عَجْزِه عن النَّظَرِ لنَفْسِه، ومَنْ لا عَقْلَ له لا يُمْكِنُه النَّظَرُ، ولا

стр. 4750

يَلِى نفْسَه، فغيرُه أَوْلَى، وسواءٌ فى هذا مَنْ لا عَقْلَ له لصِغَرِه كطِفْلٍ (١)، أو مَنْ (٢) ذَهَبَ عَقْلُه بِجُنُونٍ أو كِبَرٍ، كالشَّيْخِ إذا أَفْنَدَ (٣). قال القاضى: والشَّيْخُ الذى قد ضَعُفَ لكِبَرِه (٤)، فلا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الحَظِّ (٥) لها، لا وِلايةَ له. فأمَّا الإغْماءُ فلا يُزِيلُ الوِلايةَ؛ لأنَّه يَزُولُ عن قُرْبٍ، فهو كالنَّوْمِ، ولذلك لا تثبتُ الوِلايةُ عليه، ويجوزُ على الأنْبِياءِ ﵈. ومَنْ كان يُجَنُّ فى الأحْيانِ لم تَزُلْ وِلايَتُه؛ لأنَّه لا يَسْتَدِيمُ زَوَالُ عَقْلِه، فهو كالإغْماءِ. الشَّرْط الثانى، الحُرِّيَّةُ، فلا وِلايةَ لعَبْدٍ فى قولِ جماعةِ أهْلِ العلمِ، فإنَّ العَبْدَ لا وِلايةَ له على نَفْسِه، فعلى غيرِه أوْلَى. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يجوزُ أن يُزَوِّجَها العَبْدُ بإذْنها، بِناءً منهم (٦) على أَنَّ المرأةَ تُزَوِّجُ نَفْسَها. وقد مَضَى الكلامُ فى هذه المسألة. الشَّرْط الثالث، الإسلامُ، فلا يثبتُ لكافرٍ وِلايةٌ على مُسْلِمةٍ. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ أيضًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عامَّةُ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ على هذا. قال أحمدُ: بَلَغَنا أَنَّ عَلِيًّا أجازَ نِكاحَ أخٍ (٧)، ورَدَّ نِكاحَ الأبِ وكان نَصْرَانِيًّا. الشَّرْط الرَّابع، الذُّكُويَّةُ شرطٌ للوِلايةٍ فى قولِ الجميعِ؛ لأنَّه يُعْتَبرُ فيها الكَمالُ، والمرأةُ ناقصةٌ قاصرةٌ، تَثْبُتُ الوِلايةُ عليها لقُصُورِها عن النَّظَرِ لنَفْسِها، [فلِأن لا] (٨) تَثْبُتَ لها وِلايةٌ (٩) على غيرِها أَوْلَى. الشَّرْط الخامس، البُلُوغُ شرطٌ فى ظاهرِ المَذْهبِ. قال أحمدُ: لا يُزَوِّجُ الغلامُ حتى يَحْتَلِم، ليس له أمْرٌ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم الثَّوْرِىُّ والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ الْمُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه إذا بَلَغَ عَشْرًا

стр. 4751

زَوَّجَ، وتَزَوَّجَ، وطَلَّقَ، وأُجِيزَتْ وَكالَتُه [فى الطلاق] (١٠). وهذا يَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ؛ لتَخْصِيصِه المَسْلُوبَ الوِلايةِ بكَوْنِه طِفْلًا، ووَجْهُ ذلك أنَّه يَصِحُّ بَيْعُه ووَصِيَّتُه وطَلَاقُه (١١)، فثَبَتَتْ (١٢) له الوِلايةُ (١٣) كالبالغِ. والأَوَّلُ اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ الوِلايةَ يُعْتَبرُ لها كمالُ الحالِ؛ لأنَّها [تَنْفِيذُ التَّصَرُّفِ] (١٤) فى حَقِّ غيرِه اعْتُبِرَتْ نَظَرًا له، والصَّبِىُّ مُوَلًّى عليه لقُصُورِه، فلا تَثْبُتُ له الوِلايةُ، كالمرأةِ. الشَّرْط السادس، العَدَالةُ. وفى كَوْنِها شَرْطًا رِوايتانِ؛ إحداهما، هى شَرْطٌ. قال أحمدُ: إذا كان القاضى مثلَ ابن الحَلَبِىِّ وابن الجَعْدِىِّ (١٥) اسْتَقْبَلَ النِّكاحَ. فظاهرُ هذا. أنَّه أَفْسَدَ النِّكاحَ لانْتِفاءِ عَدالةِ المُتَوَلِّى (١٦) له (١٧). وهذا قولُ الشافعىِّ؛ وذلك لما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا نِكَاحَ إلَّا [بشَاهِدَىْ عَدْلٍ ووَلِىٍّ مُرْشِدٍ] (١٨). قال أحمدُ: أصَحُّ شىء فى هذا قولُ ابنِ عباس، وقد رُوِىَ -يَعْنِى (١٩) عن (١٣) ابن عباس- قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِىٍّ وشَاهِدىْ عَدْلٍ. وأَيُّمَا امْرَأَةٍ أنْكَحَهَا وَلِىُّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (٢٠). ورَوَى (٢١) أبو بكرٍ (٢٢) الْبَرْقَانِىُّ بإسْنادِه عن جابرٍ قال:

стр. 4752

قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا نِكَاحَ الَّا بِوَلِىٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَىْ عَدْلٍ" (٢٣). ولأنَّها وِلايةٌ نَظَرِيّةٌ، فلا يَسْتَبدُّ بها الفاسِقُ، كوِلايةِ المالِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليست بشَرْطٍ. نقَل مُثَنَّى بن جامعٍ، أنَّه سأل أحمدَ: اذا تَزَوّجَ بوَلىٍّ فاسِقٍ (٢٤)، وشُهُودٍ غيرِ (٢٥) عُدُولٍ؟ فلم يَرَ أنَّه يَفْسُدُ من النِّكاحِ شىءٌ، وهذا ظاهرُ كلام الْخِرَقِى؛ لأنَّه ذَكَرَ الطِّفلَ والعبدَ والكافرَ، ولم يذكرِ الفاسقَ. وهو قول مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه يَلِى نكاحَ نَفْسِه، فتَثْبُتُ له الوِلايةُ على غيرِه، كالعَدْلِ (٢٦)، ولأنَّ سَبَبَ الوِلايةِ القَرابةُ، وشَرْطَها النَّظَرُ، وهذا قَرِيبٌ ناظِرٌ، فيَلِى كالعَدْلِ. فصل: ولا يُشْتَرطُ أن يكونَ بَصِيرًا؛ لأنَّ شُعَيْبًا، ﵇، زَوَّجَ ابنتَه وهو أعْمَى، ولأنَّ المقصودَ فى النِّكاحِ يُعْرَفُ بالسَّماعِ والاسْتِفاضةِ، فلا يَفْتَقِرُ إِلى النَّظَرِ. ولا يُشْتَرَطُ كونُه ناطِقًا، بل يجوزُ أن يَلِىَ الأَخْرَسُ إذا كان مَفْهُومَ الإِشارةِ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِه فى سائرِ العُقُودِ والأحكامِ، فكذلك فى النِّكاحِ. فصل: ومَنْ لم تَثْبُتْ له الولايةُ، لا (٢٧) يَصِحُّ تَوْكِيلُه؛ لأنَّ وَكِيلَه نائبٌ عنه وقائمٌ مقامَه. وإن وَكَّله الوَلِىُّ فى تَزْويج مُوَلِّيَتِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّها وِلايةٌ، وليس هو من أهْلِها، ولأنَّه لمَّا يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُنَاسِبَتِه بوِلايةِ النَّسَبِ، فلأَنْ لا يَمْلِكَ تزويجَ مُناسبَةِ غيرِه بالتَّوْكيلِ أوْلَى. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ تَوْكِيلُ العَبْدِ والفاسقِ والصبىِّ المُمَيِّزِ فى العَقْدِ؛

стр. 4753

لأنَّهم من أهْلِ اللَّفْظِ بالعَقْدِ، وعِبارَتُهم فيه صَحِيحةٌ، ولذلك صَحَّ قَبُولُهم النِّكاحَ لأنْفُسِهِم، وإنَّما سُلِبُوا الوِلَايةَ نَفْسَها؛ لأنَّه يُعْتَبرُ لها الكمالُ، ولا حاجةَ إليه فى اللَّفْظِ به. فأمَّا إن وَكَّلَه الزَّوْجُ فى قَبُولِ النكاحِ له، أو وَكَّله الأبُ فى قَبُولِ النِّكاحِ لابْنه الصَّغِيرِ، فقال أصْحابُنا: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفَى العَقْدِ، فلم يَجُزْ تَوْكِيلُه فيه كالإيجابِ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ تَوْكيلِ مَنْ ذَكَرْنا فيه؛ لأنَّهم من أهْلِه، ويَصِحُّ قَبُولُهُم النِّكاحَ لأنْفُسِهِم، فجاز أن يَنُوبُوا فيه عن غيرِهم، كالبيعِ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشَّافعىِّ فى العَبْدِ (٢٨). ١١١٠ - مسألة؛ قال: (ويُزَوَّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ بإذْنِهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى مَن يُزَوِّجُ أمةَ المرأةِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يَلِى نكاحَها [وَلِىُّ سَيِّدَتِها] (١). قال القاضى: هذا هو الصحيحُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ كَوْنُ الولايةِ لها، فامْتَنَعتْ فى حَقِّها لقُصُورِها، فتَثْبُتُ لأَوْليائِها، كوِلايةِ نَفْسِها، ولأنَّهم يَلُوَنَها لو عَتَقَتْ، ففى حال رِقِّها أَوْلَى. ثم إن كانتْ سَيّدَتُها رَشِيدةً، لم يَجُزْ تَزْوِيجُ أُمَتِها إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها مالُها، ولا يجوزُ التَّصَرُّفُ فى مالِ رَشِيدٍ بغيرِ إذْنِه، ويُعْتَبرُ نُطْقُها بذلك وإن كانت بِكْرًا؛ لأنَّ صُمَاتَها إنَّما اكْتُفِىَ به فى تَزْويِج نَفْسِها لحيائِها، ولا تَسْتَحْيِى من تَزْويج أمَتِها، وإن كانت صغيرةً أو مجنونةً أو سَفِيهةً، ولوَلِيِّها ولايةٌ على مالِها، فله تَزْويجُ أَمَتِها، إن كان الحَظُّ فى تَزْويجِها، وإلَّا فلا يَمْلِكُ تزويجَها. وكذلك الحكمُ فى أُمَةِ ابْنِه الصغيرِ (٢). وقال بعضُ الشافعيةِ: ليس له تَزْوِيجُها بحالٍ؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بمالِ الصغيرةِ (٣)؛ لأنَّها ربَّما حَمَلَتْ فتَلِفَتْ. ولَنا، أَنَّ له التَّصَرُّف بما فيه الْحَظُّ، والتَّزْويجُ ها هنا فيه الحظُّ؛ لأنَّ الكلامَ فيه، فجَازَ، كسائرِ التَّصَرُّفاتِ

стр. 4754

الجائزةِ، واحتِمالُ الخَطَرِ (٤) مَرْجوجٌ بما (٥) فيه من تَحْصِيلِ مَهْرِها، وَوَلدِها، وكِفَايةِ مؤْنِتِها، وصيانَتِها عن الزِّنَى المُوجِبِ للحَدِّ فى حَقِّها، ونَقْضِ (٦) قيمَتِها، والمَرْجُوحُ كالمَعْدومِ. وإن كان وَلِيُّها فى مالِها. غيرَ وَلِىِّ (٧) تَزْويجِها، فوِلايةُ تَزْويجِها للوَلِىِّ فى المالِ دُونَ وَلِىِّ التَّزْويج؛ لأنَّه هو المُتَصَرِّفُ فى المالِ، وهى مالٌ. والرِّواية الثانية، أَنَّ للمرأةِ أن تُوَلِّىَ أَمْرَ أمَتِها رَجُلًا يُزَوِّجُها. نَقَلَها عن أحمدَ جماعةٌ؛ لأنَّ سَبَبَ الوِلايةِ المِلْكُ، وقد تَحَقّقَ فى المرأةِ، وامْتَنعتِ المُناشَزَةُ (٨) لنَقْصِ الأُنُوثةِ، فمَلَكَتِ التَّوْكيلَ، كالرَّجُلِ المَرِيضِ والغائبِ. ونُقِلَ عن أحمدَ كلامٌ يَحْتَمِلُ رِوايةً ثالثةً، وهو أن سَيِّدَتَها تُزَوِّجُها، فإنَّه قيل له: تُزَوِّجُ أمَتَها؟ قال: قد قِيلَ ذلك، هى مالُها. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه ذَهَبَ إليه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها مالِكةٌ لها، ووِلايَتُها تامَّةٌ عليها، فملَكَتْ تَزْويجَها، كالسَّيِّدِ، ولأنَّها تَمْلِكُ بَيْعَها وإجارتَها، فمَلَكَتْ تَزْويجَها، كسَيِّدِها، ولأنَّ الولايةَ إنَّما تَثْبُتُ على المرأةِ لتَحْصِيل الكفايةِ، وصيانةً لحظِّ الأوْلياءِ فى تَحْصِيلِها، فلا تَثْبُتُ عليها الولايةُ فى أمَتِها؛ لعَدَمِ اعتبارِ الكفايةِ، وعدمِ الحَقِّ للأوْلياءِ فيها. ويَحْتَمِلُ أَنَّ أحمدَ قال هذا حِكايةً لمذهبِ (٩) غيرِه، فإنه قد (١٠) قال فى سِياقِها: أحَبُّ إلَىَّ أن تَأْمُرَ [مَن يُزَوِّجُها] (١١)؛ لأنَّ النِّساءَ لا يَعْقِدْنَ. وقد ذَكَرنا فى خبرِ أبى هُرَيْرةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تُنْكِحُ الْمَرأَةُ الْمَرْأَةَ" (١٢). وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: زَوِّجُوا، فإنَّ

стр. 4755

النِّساءَ لا يُزَوِّجْنَ، واعْقِدُوا، فإنَّ النِّساءَ لا يَعْقِدْنَ (١٣). ولأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ أن تُزَوِّجَ نَفْسَها، فغيرَها أَوْلَى. ١١١١ - مسألة؛ قال: (ويُزَوِّجُ مَوْلَاتَها مَنْ يُزَوِّجُ أَمَتَها) يعنى عَتِيقَتَها. وهذه فيها رِوايتان؛ إحداها، أَنَّ لمَوْلاتِها التَّوْكيلَ فى تَزْويجِها رَجُلًا؛ لأنَّها عَصَبَتُها، وتَرِثُها بالتَّعْصِيبِ، فأشْبَهتِ المُعْتِقَ (١). والثانية، وَلِىُّ سَيِّدَتِها وَلِيُّها. وهى الأصَحُّ؛ لأنَّ هذه وِلايةٌ لنِكاحِ (٢) حُرَّةٍ، والمرأةُ ليست من أهلِ ذلك، فيكونُ إلى عَصَباتِها (٣)؛ لأنَّهم الذين يَعْقِلُون عنها، ويَرِثُونها بالتَّعْصيبِ عند عَدَمِ سَيِّدَتِها، فكانوا أولياءَها، كما لو تَعَذَّرَ على المُعْتِقِ تَزْويجُ مُعْتَقَتِه لمَوْتٍ أو جُنُونٍ. وقد ذكرْنا أنَّه إذا انْقَرَضَ العَصبةُ من النَّسَبِ، وَلِىَ المَوْلَى المُعْتِقُ ثم عَصَباتُه (٤) من بعدِه، الأقْرَبُ فالأقربُ، كذا ههُنا، إلَّا أَنَّ ظاهرَ كلامِ الْخِرَقِىَّ ههُنا تَقْدِيمُ أبى (٥) المُعْتِقةِ على ابْنِها؛ لأنَّه الذى يُزَوِّجُها. وذكَرنا ثَمَّ خِلافَ هذا. ويُعْتَبرُ (٦) فى ولايتِه (٧) شَرْطان؛ أحدهما، عَدَمُ العَصبةِ من النَّسبِ؛ لأنَّ الْمُناسِبَ أقْرَبُ من المُعْتِقِ، وأَوْلى منه. والثانى، إذْنُ المُزَوَّجَةِ (٨)؛ لأنَّها حُرّةٌ، وليست له وِلايةُ إجْبارٍ، فإنَّه أبْعَدُ العَصَباتِ،

стр. 4756

ولا يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ مَوْلاتِها؛ لأنَّها لا وِلايةَ لها ولا مِلْك، فأشْبَهتْ قَرِيبَ الطِّفْلِ إذا زَوَّجَ البَعِيدَ (٩). فصل: وإذا كان للأمَةِ مَوْلًى، فهو وَلِيُّها، وإن كان لها مَوْليانِ، فالوِلايةُ لهما، وليس لواحدٍ منهما الاسْتِقْلالُ بالوِلايةِ بغيرِ إذْنِ صاحِبِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفُها. وإن اشْتَجَرَا لم يكُنْ للسلطانِ أن يَنُوبَ عنهما؛ لأنْ تَزْوِيجَها تَصَرُّفٌ فى المالِ، بخلافِ الحُرَّةِ، فإنَّ نِكاحَها حَقٌّ لها، ونَفْعَهُ عائِدٌ إليها، ونكاحُ الأمَةِ حقٌّ لسَيِّدِها، ونَفْعُه (١٠) عائدٌ إليه، فلم [يَنُبِ السُّلْطانُ] (١١) عنه فيه. فإن أعْتَقاهَا (١٢) ولها عَصَبةٌ مُناسِبٌ، فهو أوْلَى منهما، وإن لم يكُنْ لها عَصَبةٌ، فهما وَلِيَّاها، ولا يَسْتَقِلُّ أحدُهُما بالتَّزْويج؛ لأنَّ وِلايَتَه على نِصْفِها. فإن اشْتَجَرا (١٣) أقام الحاكمُ مُقامَ المُمْتَنعِ منهما؛ لأنَّها (١٤) صارت حُرَّةً، وصار نِكاحُها حَقًّا لها. وإن كان المُعْتِقُ أو المُعْتِقةُ واحدًا، وله عَصَبتَان (١٥) فى دَرَجةٍ واحدةٍ، كالابْنيْنِ أو الأخَوَينِ، فلأحَدِهِما الاسْتِقْلالُ بتَزْوِيجِها، كما يَمْلِكُ تزوِيجَ سَيِّدَتِها. ١١١٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوّجَ امْرَأَةٌ هُوَ وَلِيُّها، جَعَلَ أمْرَهَا إلَى رَجُلٍ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِإذْنِهَا (١)) وجملتُه أَنَّ وَلِىَّ المرأةِ التى يَحِلُّ له نِكاحُها، وهو ابنُ العَمِّ، أو المَوْلَى أو الحاكمُ، أو

стр. 4757

السلطانُ، إذا أَذِنَتْ له أن يَتَزَوَّجَها (٢)، فله ذلك، وهل له أن يَلِىَ (٣) طَرَفَىِ العَقْدِ بنَفْسِه؟ فيه روايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، والثَّوْرىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لما رَوَى البُخارِىُّ (٤)، قال: قال عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ، لأُمِّ حَكِيمٍ ابنةِ قارِظٍ: أتَجْعَلِينَ أمْرَكِ إلىَّ؟ قالتْ: نعم. قال: قد تَزَوّجْتُكِ. ولأنَّه يَمْلِكُ الإِيجابَ والقَبُولَ، فجاز أن يتَولَّاهُما، كما لو زَوَّجَ أمتَهَ عَبْده الصغيرَ، ولأنَّه عَقْدٌ وُجِدَ فيه الإِيجابُ من وَلِىٍّ ثابتِ الولايةِ، والقَبُولُ من زوجٍ هو أهلٌ للقَبُولِ، فصَحَّ، كما لو وُجِدَا من رَجُلَيْنِ. وقد رُوِىَ أَنَّ (٥) النَّبِىَّ ﷺ (٦): أعْتَقَ صَفِيّةَ، وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها (٧). فإن قيل: فقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "كُلُّ نِكَاحٍ لم يَحْضُرْهُ أرْبعةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ: زَوْج، ووَلِىٌّ، وشَاهِدَانِ" (٧). قُلْنا: هذا لا نَعْرِفُ (٨) صِحّتَه، وإن صحَّ فهو مَخْصوصٌ بمَنْ زَوَّجَ أمَتَه عبدَه الصَّغيرَ، فيُخَصُّ منه محلُّ النِّزاعِ أيضًا. وهل يَفتَقِرُ إلى ذِكْرِ الإِيجابِ والقَبُولِ، أم يُكْتَفَى بمُجَرَّدِ الإِيجابِ؟ فيه وجهان؛ أحدهما، يَحْتاجُ أن يقولَ: زَوَّجْتُ نَفْسِى فلانةً، وقَبِلْتُ هذا النِّكاحَ. لأنَّ ما افْتَقَرَ (٩) إلى الإِيجابِ افْتَقَرَ (٩) إلى القَبُولِ، كسائرِ العُقُودِ. والثانى، يَكْفِيه أن يقول: زَوّجْتُ نفسِى فلانةً، أو تَزَوّجْتُ فلانةً. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لحديثِ عبدِ الرحمن بن عَوْفٍ، ولأنَّ إيجابَه يتَضَمّنُ القَبُولَ، فأشْبَهَ إذا تقدَّمَ الاسْتِدْعاءُ، ولهذا قُلْنا: إذا قال لأَمَتِه: قد (١٠) أعْتَقْتُكِ، وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ. انْعَقَدَ (١١) النكاحُ

стр. 4758

بمُجَرَّدِ (١٢) هذا القولِ. والرِّواية الثانية (١٣)، لا يجوزُ أن يتَوَلَّى طَرَفَى العَقْدِ، لكن يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُه إيَّاها بإذْنِها. قال أحمدُ، ﵀، فى روايةِ ابن منصورٍ: لا يُزَوِّجُ نَفْسَه حتى يُوَلِّىَ رَجُلًا، على حديثِ المُغِيرةِ بن شُعْبةَ، وهو ما رَوَى أبو داودَ (١٤)، بإسنادِه عن عبدِ المَلكِ بن عُمَيْرٍ، أَنَّ المُغِيرةَ بن شُعْبةَ، أمَر رَجُلًا زَوَّجَهُ امرأةً المُغْيرةُ أوْلَى بها منه. ولأنه عَقْدٌ مَلَكَه بالإذْنِ (١٥)، فلم يَجُزْ أن يَتَوَلَّى طَرَفَيْه، كالبيعِ. وبهذا فارَقَ ما إذا زَوَّج أمَتَه عبدَه الصغيرَ. وعلى هذه الرِّوايةِ (١٦)، إن وَكّلَ مَنْ يَقْبَلُ له [النِّكاحَ، وتَوَلَّى] (١٧) هو الإيجابَ، جازَ. وقال الشافعىُّ فى ابنِ العَمِّ والمَوْلَى: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ، ولا يجوزُ أن يتَوَلَّى [طَرَفَىِ العَقْد] (١٨)، ولا أن يُوكّلَ مَن يُزَوِّجُه؛ لأنَّ وَكِيلَه بمَنْزِلَتِه، وهذا عَقْدٌ مَلَكَه بالإذْنِ، فلا يَتَولَّى طَرَفَيْهِ، كالبَيْعِ. ولا يجوزُ أن يُزَوِّجَه مَنْ هو أبعدُ منه من أوْلِيَائِها (١٩)؛ لأنَّه لا وِلايةَ لهم مع وُجُودِه. ولَنا، ما ذكَرْناه من فِعْلِ الصَّحابةِ، ولم يظهرْ خِلافُه، ولأن وَكِيلَه يجوزُ أن يَلِىَ العَقْدَ عليها لغيرِه، فصَحَّ أن يَلِيَه عليها له إذا كانت تَحِلُّ له، كالإمامِ (٢٠) إذا أراد أن يَتَزَوَّجَ (٢١) مُوَلِّيَتَه. ولأنَّ هذه امرأةٌ، ولها وَلِى حاضرٌ غيرُ عاضِلٍ، فلم يَلِها الحاكمُ، كما لو أراد أن

стр. 4759

يُزَوِّجَها غيرَه. ومفهومُ قولِه ﵇: "السُّلْطانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ لَهُ" (٢٢). أنَّه لا وِلايةَ له على هذه. فصل: وإذا أذِنَتْ له فى تَزْوِيجِها، ولم تُعَيِّن الزَّوْجَ، لم يَجُزْ أن يُزَوِّجَها نَفْسَه؛ لأنَّ إطْلاقَ الإذْنِ يقتضِى تَزْوِيجَها غيرَه، ويجوزُ تَزْوِيجُها لوَلَدِه؛ لأنَّه غيرُه. فإن زَوَّجَها لابْنِه الكبيرِ، قَبِلَ لنَفْسِه، وإن زَوَّجَها لابْنِه الصغير، ففيه الرِّوايتانِ فى تَوَلِّى طَرَفَى العقدِ؟ فإن قُلْنا: لا يَتَولَّاه. فوَكّلَ رَجُلًا يُزَوِّجُها لوَلَدِه، وقَبِلَ هو النِّكاحَ له، افْتَقَرَ إلى إذْنِها للوَكِيلِ، على ما قَدَّمْنا من (٢٣) أن الوَكِيلَ لا يُزَوِّجُها (٢٤) إلَّا بإذْنِها. وإن وَكلَ رَجُلًا يقْبَلُ لوَلدِه النِّكاحَ، وأوْجَبَ هو النِّكاحَ (٢٥)، لم يَحْتَجْ إلى إذْنِها؛ لأنَّها قد أذِنَتْ له. فصل: وإذا زَوّجَ أمَتَه عبدَه الصغيرَ، جاز له (٢٦) أن يتوَلَّى طَرَفى العقدِ؛ لأنَّه مالِكٌ (٢٧) ذلك بحُكْمِ المِلْكِ، لا بحُكْمِ الإذْنِ، فى قولِهم جميعا. وإن كان مالكًا لأحدِ طَرَفَى العقدِ، فوَكّله مالكُ الطَّرَفِ الآخَرِ فيه، أو وَكَّلَه الوَلِىُّ فى الإيجابِ والزوْجُ فى القَبُولِ، خُرِّجَ فيه وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ؛ لأنَّه مَلَكَ ذلك بالإذْنِ. وإن (٢٨) زَوَّجَ ابْنتَهُ الكبيرةَ عَبْدَه الصَّغيرَ (٢٩)، لم يَجُزْ ذلك إلَّا برِضَاها؛ لأنَّه لا (٣٠) يكافِئُها، فيُخَرَّجُ فيه أيضًا وَجْهان. وإن زَوَّجَه ابنْتَه الصغيرةَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجوزُ له

стр. 4760

تَزْوِيجُها ممَّن لا يُكافِئُها (٣١). وعنه يجوزُ. وسنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. ١١١٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُزَوِّجُ كافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ، ولَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً إلَّا أنْ يَكُونَ المُسْلِمُ سُلْطَانًا، أو سَيِّدَ أمَةٍ) أمَّا الكافرُ فلا وِلايةَ له على مُسْلِمةٍ بحالٍ، بإحماعِ أهلِ العلمِ، منهم؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبيدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ. وقال أبو الخَطَّابِ فى الذِّمِّىِّ: إذا أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِه، هل يَلِى نِكاحَها؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، يَلِيه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، فيَلِى نِكاحَها كالمُسْلِمِ، ولأنَّه عَقْدٌ عليها فَيِليه كإجَارَتِها. والثانى، لا يَلِيه؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). ولأنَّها مُسْلِمةٌ فلا يَلِى نِكاحَها كابْنَتِه. فعلى هذا يُزَوِّجُها الحاكمُ. وهذا أَوْلَى (٢)؛ لما ذَكَرْنا من الإِجْماعِ. وأما المُسْلِمُ فلا وِلايةَ له (٣) على الكافِرَةِ (٤)، غيرَ (٥) السيِّد والسُّلطانِ وَوَلِىّ سَيِّد الَأمَةِ الكافِرَةِ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦). ولأنَّ مُخْتَلِفَى الدِّينِ لا يَرِثُ أحَدُهما الآخرَ، ولا يَعْقِلُ عنه، فلم يَلِ عليه، كما لو كان أحَدُهُما رَقِيقًا. وأمَّا سَيِّدُ الأَمَةِ الكافرةِ، فله تَزْوِيجُها لكافرٍ؛ لكَوْنِها لا تَحِلُّ للمُسْلِمينَ، وكذلك وَلِىُّ (٧) سَيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ يَلِى تزويجَها لكافرٍ؛ لأنَّها وِلايةٌ بالمِلْكِ (٨)، فلم يَمْنَعْها كَوْنُ سَيِّدِ الأمَةِ

стр. 4761

الكافرةِ مُسْلِمًا، كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذه تحتاجُ إلى التَّزْويج. ولا وَلِىَّ لها غيرُ سَيِّدِها. فأمَّا السلطانُ، فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَلِىَّ لها من أهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسْلامِ، وهذه من أهلِ الدارِ، فتَثْبُتُ له الوِلايةُ عليها، كالمُسْلمةِ. وأمَّا الكافرُ، فتثبتُ له الولايةُ على أهلِ دِينِه، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه فى (٩) المسلمينَ، ويُعْتَبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعْتَبَرَةُ فى المسلمينَ، ويُخَرجُ فى اعْتِبارِ عَدالَتِه فى دِينِه وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ فى اعْتبارِها فى المسلمين. فصل: إذا تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيةً، فوَلِيُّها الكافرُ يُزَوِّجُها إيَّاه. ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَلِيُّها، فصَحَّ تَزْوِيجُه لها، كما لو زَوَّجَها كافرًا، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها (١٠) وَلِى مُناسِبٌ، فلم يَجُزْ أن يَلِيَهَا غيرُه، كما لو تَزَوَّجَها ذِمِّىٌّ. وقال القاضى: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ؛ لأنَّ أحمدَ قال: لا يَعْقِدُ يَهُودِىٌّ ولا نَصْرانىٌّ عُقْدَةَ (١١) نِكاحٍ لمُسْلمٍ ولا مُسْلِمةٍ. ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى شهادةِ مُسْلِمَيْنِ، فلم يَصِحَّ بوِلايةِ كافرٍ، كنِكاحِ المسلمين. والأولُ أصَحُّ، والشُّهودُ يُرادُون لإثباتِ النِّكاحِ عندَ الحاكمِ، بخِلافِ الوِلايةِ. ١١١٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أوْلَى مِنْهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ) هذه المسألة تشْتَمِلُ على أحكامٍ ثلاثة؛ أحدها، أنَّه إذا زَوَّجها الوَلِىُّ (١) الأبْعدُ، مع حُضُورِ الوَلِى الأقْرَبِ، فأجَابَتْه إلى تَزْوِيجِها من غيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا وَلِىٌّ، فصَحَّ (٢) أن يُزَوِّجَها بإذْنِها كالأقرَبِ.

стр. 4762

وَلنا، أن هذا مُسْتَحِقٌّ بالتَّعْصِيبِ، فلم يَثبُتْ للأبْعَدِ مع وُجُودِ الأقرَبِ، كالمِيراثِ، وبهذا فارَقَ القَرِيبُ البعيدَ. الحُكْم الثانى، أَنَّ هذا العَقْدَ [يَقَعُ فاسِدًا] (٣)، لا يَقِفُ على الإجَازةِ، ولا يَصِيرُ بالإجازةِ صحيحًا، وكذلك الحكمُ إذا زُوِّج الأجنبىُّ أو زُوِّجَتِ المرأةُ المُعْتَبرُ إذْنُها بغر إذْنِها، أو تَزَوّجَ العبدُ بغير إذنِ سَيِّدِه، فالنِّكاحُ فى هذا كلَّه باطلٌ، فى أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ. نصَّ عليه أحمدُ فى مواضِعَ. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى عُبَيدٍ، وأبى ثَوْرٍ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَقِفُ على الإجازةِ؛ فإن أجازَه جازَ، وإن لم يُجِزْه فَسَدَ. قال أحمدُ، فى صغيرٍ زَوَّجه عَمُّه: فإن رَضِىَ به فى وقتٍ من الأوقاتِ، جازَ، وإن لم يَرْضَ (٤)، فَسَخَ. وإذا زُوِّجَتِ اليتِيمةُ، فلها الخيارُ اذا بَلَغتْ. وقال: إذا زُوِّجَ العبدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ثم عَلِمَ السِّيِّدُ، فإن شاء أن يُطَلِّقَ عليه فالطَّلاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ، فإن أذِنَ فى التَّزْويج فالطلاقُ بيَدِ العبدِ. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، فى كلِّ مسألهٍ يُعْتَبرُ فيها الإذْنُ. ورُوِىَ ذلك فى النِّكاحِ بغير وَلِىٍّ عن علىِّ بن أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعن ابنِ سِيرِينَ، والقاسمِ بن محمد، والحسنِ بن صالحٍ، وإسحاقَ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لما رُوِىَ أَنَّ جاريةً بِكْرًا أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فذكَرَتْ له أَنَّ أباها زَوَّجها وهى كارِهة، فخَيَّرَها النَّبِىُّ ﷺ . رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٥). ورُوِىَ أَنَّ فتاةً جاءت إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقالت: إنَّ أبى زَوَّجَنِى. من ابنِ أخِيه، لِيَرْفَعَ بى خَسِيسَتَه. قال: فجَعَلَ الأمْرَ إليها (٦). فقالت: قد أجَزْتُ ما صَنَعَ أبى، ولكنِّى أرَدْتُ أن [أعْلَمَ أنَّ للنِّساءِ من الأمْرِ شيئًا] (٧). روَاه ابنُ ماجَه والنَّسائىُّ (٨). وفى رِوايةِ ابن ماجَه: أرَدْتُ أن يَعْلَمَ النساءُ أن ليس

стр. 4763

إلى الآباءِ من الأمْرِ شىءٌ. ولأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ على الفَسْخِ، فوَقفَ على الإجازةِ، كالوَصِيَّةِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أيُّما امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّها، فَنِكَاحُها بَاطِلٌ" (٩). وقال: "إِذَا نكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِه، فَنِكَاحُهُ باطلٌ". روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (١٠). إلَّا أن أبا داودَ قال: هو (١١) مَوْقوفٌ على ابن عُمَرَ. ولأنَّه عَقْدٌ لا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه؛ من الطَّلاقِ، والخُلْعِ، واللِّعانِ، والتَّوارُثِ، وغيرها، فلم يَنْعَقِدْ، كنِكاحِ المعْتَدَّةِ. فأمَّا حديثُ المرأةِ التى خَيَّرَها النَّبِىُّ ﷺ ، فهو مُرْسَلٌ عن عِكْرِمةَ، روَاه النَّاسُ كذلك، ولم يذكرُوا ابنَ عباسٍ. قالَه أبو داودَ. ثم يَحْتَمِلُ أَنَّ هذه المرأةَ هى التى قالت: زَوَّجَنِى من ابن أخِيه ليَرْفَعَ بى خَسِيسَتَه. فَخَيَّرَها (١٢) لتَزْوِيجِها من غيرِ كُفْئِها (١٣)، وهذا يثبِتُ الخيارَ ولا يبطِلُ النِّكَاحَ، والوصيةُ يَتراخَى فيها القَبُولُ، وتجوزُ بعد الموتِ، فهى مَعْدُولٌ بها عن سائرِ التَّصَرُّفاتِ، ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايةِ لوُضُوحِها. فأمَّا على الرِّوايهِ الأُخْرَى، فإنَّ الشهادةَ تُعْتَبرُ فى العَقْدِ؛ لأنَّها شَرْطٌ له، فيُعْتَبرُ وُجُودُها معه، كالقَبُولِ، ولا تعتبرُ فى الاجازةِ؛ لأنَّها ليست بعَقْدٍ، ولأنَّها إذا وُجِدَتْ، اسْتَنَدَ المِلْكُ إلى حالةِ العَقْدِ، حتى لو كان فى العَقْدِ نَماءُ مِلْكٍ من حينِ [العَقْدِ، لا من حينِ] (١٤) الإجازةِ. وإن مات أحَدُهما قبلَ الإجازةِ، لم يَرِثْه الآخَرُ؛

стр. 4764

لأنَّه مات قبلَ تَمامِ العَقْدِ وصِحَّتِه. وفيه وجة آخَرُ، إن كان ممَّا لو رُفِعَ إلى الحاكمِ أجازَه، وَرِثَه الآخَرُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُه إجازَتُه، فهو كالصَّحيحِ، وإن كان ممَّا يَفْسَخُه، لم يَرِثْه. فصل: ومتى تَزَوَّجتِ المرأةُ بغير إذْنِ وَلِيِّها، أو الأمةُ بغيرِ إذنِ سَيِّدها، فقد ذكَره أصحابُنا من جُمْلةِ الصُّورِ التى فيها الرِّوايتانِ. والصحيحُ عندى أنَّه لا يَدْخُلُ فيها؛ لتَصْرِيحِ النَّبِىِّ ﷺ فيه بالبُطْلانِ. ولأنَّ الإجازةَ إنَّما تكونُ لعَقْدٍ صَدَرَ من أهلِه فى مَحَلِّه. [فأمَّا ما لم يَصْدُرْ من الأهْلِ، كالذى عَقْدَهُ المجنونُ أو الطفلُ، فلا يَقِفُ على الإجازة، وهذا عَقْدٌ لم يَصْدُرْ مِن أهلِه] (١٥)؛ فإنَّ المرأةَ ليست أهْلًا له، بدليلِ أنَّه لو أذِنَ لها فيه، لم يَصِحَّ منها، وإذا لم يَصِحَّ مع الإذْنِ المُقارِنِ، فَلأن لا يَصِحَّ بالإجازةِ المُتأخِّرةِ أوْلَى، ولا تَفْرِيعَ على هذا. فأمَّا على القولِ الآخَرِ، فمتى تزوَّجتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ الوَلِىِّ، فرُفِعَ إلى الحاكمِ، لم يَمْلِكْ إجازَتَه، والأمرُ فيه إلى الوَلِىِّ، فمتى رَدَّه بَطَلَ؛ لأنَّ (١٦) مَنْ وَقَفَ الحُكْمُ على إجازَتِه، بَطَلَ برَدِّه، كالمرأةِ اذا زُوِّجَتْ بغيرِ إذْنِها. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه إذا كان الزَّوْجُ كُفْؤًا، اُمَرَ الحاكمُ الوَلِىَّ بإجازَتِه، فإن لم يَفْعَلْ أجازَه الحاكمُ؛ لأنَّه لمَّا امْتَنعَ من الإجازةِ صار عاضِلًا، فانتقلتِ الولايةُ عنه إلى الحاكمِ، كما (١٧) فى ابتِداءِ العقدِ، ومتى حَصَلتِ الإصابةُ قبلَ الإجازةِ ثم أُجِيزَ، فالمَهْرُ واحدٌ؛ إمَّا المُسَمَّى، وإمَّا مَهْرُ المِثْلِ إن لم يكُنْ مُسَمًّى؛ لأنَّ (١٦) الإجازةَ مُسْتَنِدةٌ إلى حالةِ العَقْدِ، فيَثْبُتُ الحِلُّ والمِلْكُ من حينِ العَقْدِ، كما ذكرنا فى البَيْعِ، ولذلك لم يَجِبِ الحدُّ. ومتى تزَوَّجتِ (١٨) الأَمَةُ بغير إذْنِ سَيِّدِها، ثم خَرَجَتْ من مِلْكِه قبلَ الإجازةِ إلى مَنْ تَحِلُّ له، انْفَسخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه قد طَرَأت اسْتباحةٌ صَحِيحةٌ على مَوْقُوفةٍ فأبْطَلَتْها، ولأنَّها (١٩)

стр. 4765

أقوَى فأزالتِ الأضْعَفَ، كما لو طَرَأ مِلْكُ يَمينِه على مِلْكِ نِكاحِه. وإن خَرَجَتْ إلى مَنْ لا تَحِلُّ له، كالمرأةِ أو اثنينِ، فكذلك أيضًا؛ لأنَّ العقدَ إذا وَقَفَ على إجازةِ شَخْصٍ، لم يُجَزْ بإجازةِ غيرِه، كما لو باعَ أُمَةَ غيرِه ثم باعَها المالكُ، فأجاز المُشْتَرِى الثانى بَيْعَ الأجْنَبِى. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه يجوزُ بإجازةِ المالِكِ الثانى؛ لأنَّه يَمْلِكُ ابتدِاءَ العَقْدِ، فمَلَكَ إجازَتَه كالأَوَّلِ. ولا فَرْقَ بين أن يَخْرُجَ بِبَيْعٍ أو إرْثٍ أو هِبَةٍ أو غيرِه. فأمَّا إن أعتْقَهَا السَّيِّدُ، احْتَمَلَ أن يَجُوزَ النكاحُ؛ لأنَّه إنَّما وَقَفَ لحَقِّ المَوْلَى، فإذا أعْتَقَ سَقَطَ حَقُّه، فصَحَّ العقدُ، واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ إبْطالَ حَق المَولَى ليس بإجازةٍ، ولأنَّ حَقَّ المَوْلَى إن بَطَلَ من المِلْكِ، فلم يَبْطُلْ من وِلايةِ التَّزْويج، فإنَّه يَلِيها بالوَلاءِ. فصل: إذا زُوِّجَتِ التى يُعْتَبرُ إذْنُها بغير إذْنِها، وقُلْنا: يَقِفُ على إجازَتِها. فإجازَتُها بالنُّطقِ، أو ما يَدُلُّ على الرِّضَى من التَّمْكِينِ من الوَطْءِ، أو المُطالَبة (٢٠) بالمَهْرِ والنَّفَقةِ. ولا فَرْقَ فى ذلك بين البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ لأنَّ أدِلّةَ الرِّضَى تَقُومُ مَقامَ النُّطقِ به، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ لِبَرِيرَةَ: "إن وَطِئَكِ زَوْجُكِ، فَلَا خِيارَ لَكِ" (٢١). جعَل تَمْكِينَها دَلِيلًا على إسْقاطِ حَقِّها والمطالبةِ بالمَهْرِ والنَّفَقةِ، والتَّمْكِينُ من الوَطْءِ دليلٌ على الرِّضَى؛ لأنَّ ذلك من خَصائصِ العَقْدِ الصَّحيحِ، فوُجُودُه من المَرْأةِ دَلِيلُ رِضَاها (٢٢) به. الحكم الثالث، إذا عَضَلَها وَلِيُّها (٢٣) الأقرَبُ، انتقلتِ الوِلايةُ إلى الأبعَدِ. نصَّ عليه أحمدُ. وعنه روايةٌ أُخْرَى، تَنْتَقِلُ إلى السُّلْطانِ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وذُكِرَ ذلك عن عثمانَ بن عَفَّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وشُرَيحٍ. وبه قال الشافعىُّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ :
следующие страницы →