← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

الكافرةِ مُسْلِمًا، كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذه تحتاجُ إلى التَّزْويج. ولا وَلِىَّ لها غيرُ سَيِّدِها. فأمَّا السلطانُ، فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَلِىَّ لها من أهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسْلامِ، وهذه من أهلِ الدارِ، فتَثْبُتُ له الوِلايةُ عليها، كالمُسْلمةِ. وأمَّا الكافرُ، فتثبتُ له الولايةُ على أهلِ دِينِه، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه فى (٩) المسلمينَ، ويُعْتَبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعْتَبَرَةُ فى المسلمينَ، ويُخَرجُ فى اعْتِبارِ عَدالَتِه فى دِينِه وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ فى اعْتبارِها فى المسلمين. فصل: إذا تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيةً، فوَلِيُّها الكافرُ يُزَوِّجُها إيَّاه. ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَلِيُّها، فصَحَّ تَزْوِيجُه لها، كما لو زَوَّجَها كافرًا، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها (١٠) وَلِى مُناسِبٌ، فلم يَجُزْ أن يَلِيَهَا غيرُه، كما لو تَزَوَّجَها ذِمِّىٌّ. وقال القاضى: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ؛ لأنَّ أحمدَ قال: لا يَعْقِدُ يَهُودِىٌّ ولا نَصْرانىٌّ عُقْدَةَ (١١) نِكاحٍ لمُسْلمٍ ولا مُسْلِمةٍ. ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى شهادةِ مُسْلِمَيْنِ، فلم يَصِحَّ بوِلايةِ كافرٍ، كنِكاحِ المسلمين. والأولُ أصَحُّ، والشُّهودُ يُرادُون لإثباتِ النِّكاحِ عندَ الحاكمِ، بخِلافِ الوِلايةِ. ١١١٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أوْلَى مِنْهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ) هذه المسألة تشْتَمِلُ على أحكامٍ ثلاثة؛ أحدها، أنَّه إذا زَوَّجها الوَلِىُّ (١) الأبْعدُ، مع حُضُورِ الوَلِى الأقْرَبِ، فأجَابَتْه إلى تَزْوِيجِها من غيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا وَلِىٌّ، فصَحَّ (٢) أن يُزَوِّجَها بإذْنِها كالأقرَبِ.

стр. 4762

وَلنا، أن هذا مُسْتَحِقٌّ بالتَّعْصِيبِ، فلم يَثبُتْ للأبْعَدِ مع وُجُودِ الأقرَبِ، كالمِيراثِ، وبهذا فارَقَ القَرِيبُ البعيدَ. الحُكْم الثانى، أَنَّ هذا العَقْدَ [يَقَعُ فاسِدًا] (٣)، لا يَقِفُ على الإجَازةِ، ولا يَصِيرُ بالإجازةِ صحيحًا، وكذلك الحكمُ إذا زُوِّج الأجنبىُّ أو زُوِّجَتِ المرأةُ المُعْتَبرُ إذْنُها بغر إذْنِها، أو تَزَوّجَ العبدُ بغير إذنِ سَيِّدِه، فالنِّكاحُ فى هذا كلَّه باطلٌ، فى أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ. نصَّ عليه أحمدُ فى مواضِعَ. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى عُبَيدٍ، وأبى ثَوْرٍ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَقِفُ على الإجازةِ؛ فإن أجازَه جازَ، وإن لم يُجِزْه فَسَدَ. قال أحمدُ، فى صغيرٍ زَوَّجه عَمُّه: فإن رَضِىَ به فى وقتٍ من الأوقاتِ، جازَ، وإن لم يَرْضَ (٤)، فَسَخَ. وإذا زُوِّجَتِ اليتِيمةُ، فلها الخيارُ اذا بَلَغتْ. وقال: إذا زُوِّجَ العبدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ثم عَلِمَ السِّيِّدُ، فإن شاء أن يُطَلِّقَ عليه فالطَّلاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ، فإن أذِنَ فى التَّزْويج فالطلاقُ بيَدِ العبدِ. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، فى كلِّ مسألهٍ يُعْتَبرُ فيها الإذْنُ. ورُوِىَ ذلك فى النِّكاحِ بغير وَلِىٍّ عن علىِّ بن أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعن ابنِ سِيرِينَ، والقاسمِ بن محمد، والحسنِ بن صالحٍ، وإسحاقَ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لما رُوِىَ أَنَّ جاريةً بِكْرًا أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فذكَرَتْ له أَنَّ أباها زَوَّجها وهى كارِهة، فخَيَّرَها النَّبِىُّ ﷺ . رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٥). ورُوِىَ أَنَّ فتاةً جاءت إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقالت: إنَّ أبى زَوَّجَنِى. من ابنِ أخِيه، لِيَرْفَعَ بى خَسِيسَتَه. قال: فجَعَلَ الأمْرَ إليها (٦). فقالت: قد أجَزْتُ ما صَنَعَ أبى، ولكنِّى أرَدْتُ أن [أعْلَمَ أنَّ للنِّساءِ من الأمْرِ شيئًا] (٧). روَاه ابنُ ماجَه والنَّسائىُّ (٨). وفى رِوايةِ ابن ماجَه: أرَدْتُ أن يَعْلَمَ النساءُ أن ليس

стр. 4763

إلى الآباءِ من الأمْرِ شىءٌ. ولأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ على الفَسْخِ، فوَقفَ على الإجازةِ، كالوَصِيَّةِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أيُّما امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّها، فَنِكَاحُها بَاطِلٌ" (٩). وقال: "إِذَا نكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِه، فَنِكَاحُهُ باطلٌ". روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (١٠). إلَّا أن أبا داودَ قال: هو (١١) مَوْقوفٌ على ابن عُمَرَ. ولأنَّه عَقْدٌ لا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه؛ من الطَّلاقِ، والخُلْعِ، واللِّعانِ، والتَّوارُثِ، وغيرها، فلم يَنْعَقِدْ، كنِكاحِ المعْتَدَّةِ. فأمَّا حديثُ المرأةِ التى خَيَّرَها النَّبِىُّ ﷺ ، فهو مُرْسَلٌ عن عِكْرِمةَ، روَاه النَّاسُ كذلك، ولم يذكرُوا ابنَ عباسٍ. قالَه أبو داودَ. ثم يَحْتَمِلُ أَنَّ هذه المرأةَ هى التى قالت: زَوَّجَنِى من ابن أخِيه ليَرْفَعَ بى خَسِيسَتَه. فَخَيَّرَها (١٢) لتَزْوِيجِها من غيرِ كُفْئِها (١٣)، وهذا يثبِتُ الخيارَ ولا يبطِلُ النِّكَاحَ، والوصيةُ يَتراخَى فيها القَبُولُ، وتجوزُ بعد الموتِ، فهى مَعْدُولٌ بها عن سائرِ التَّصَرُّفاتِ، ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايةِ لوُضُوحِها. فأمَّا على الرِّوايهِ الأُخْرَى، فإنَّ الشهادةَ تُعْتَبرُ فى العَقْدِ؛ لأنَّها شَرْطٌ له، فيُعْتَبرُ وُجُودُها معه، كالقَبُولِ، ولا تعتبرُ فى الاجازةِ؛ لأنَّها ليست بعَقْدٍ، ولأنَّها إذا وُجِدَتْ، اسْتَنَدَ المِلْكُ إلى حالةِ العَقْدِ، حتى لو كان فى العَقْدِ نَماءُ مِلْكٍ من حينِ [العَقْدِ، لا من حينِ] (١٤) الإجازةِ. وإن مات أحَدُهما قبلَ الإجازةِ، لم يَرِثْه الآخَرُ؛

стр. 4764

لأنَّه مات قبلَ تَمامِ العَقْدِ وصِحَّتِه. وفيه وجة آخَرُ، إن كان ممَّا لو رُفِعَ إلى الحاكمِ أجازَه، وَرِثَه الآخَرُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُه إجازَتُه، فهو كالصَّحيحِ، وإن كان ممَّا يَفْسَخُه، لم يَرِثْه. فصل: ومتى تَزَوَّجتِ المرأةُ بغير إذْنِ وَلِيِّها، أو الأمةُ بغيرِ إذنِ سَيِّدها، فقد ذكَره أصحابُنا من جُمْلةِ الصُّورِ التى فيها الرِّوايتانِ. والصحيحُ عندى أنَّه لا يَدْخُلُ فيها؛ لتَصْرِيحِ النَّبِىِّ ﷺ فيه بالبُطْلانِ. ولأنَّ الإجازةَ إنَّما تكونُ لعَقْدٍ صَدَرَ من أهلِه فى مَحَلِّه. [فأمَّا ما لم يَصْدُرْ من الأهْلِ، كالذى عَقْدَهُ المجنونُ أو الطفلُ، فلا يَقِفُ على الإجازة، وهذا عَقْدٌ لم يَصْدُرْ مِن أهلِه] (١٥)؛ فإنَّ المرأةَ ليست أهْلًا له، بدليلِ أنَّه لو أذِنَ لها فيه، لم يَصِحَّ منها، وإذا لم يَصِحَّ مع الإذْنِ المُقارِنِ، فَلأن لا يَصِحَّ بالإجازةِ المُتأخِّرةِ أوْلَى، ولا تَفْرِيعَ على هذا. فأمَّا على القولِ الآخَرِ، فمتى تزوَّجتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ الوَلِىِّ، فرُفِعَ إلى الحاكمِ، لم يَمْلِكْ إجازَتَه، والأمرُ فيه إلى الوَلِىِّ، فمتى رَدَّه بَطَلَ؛ لأنَّ (١٦) مَنْ وَقَفَ الحُكْمُ على إجازَتِه، بَطَلَ برَدِّه، كالمرأةِ اذا زُوِّجَتْ بغيرِ إذْنِها. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه إذا كان الزَّوْجُ كُفْؤًا، اُمَرَ الحاكمُ الوَلِىَّ بإجازَتِه، فإن لم يَفْعَلْ أجازَه الحاكمُ؛ لأنَّه لمَّا امْتَنعَ من الإجازةِ صار عاضِلًا، فانتقلتِ الولايةُ عنه إلى الحاكمِ، كما (١٧) فى ابتِداءِ العقدِ، ومتى حَصَلتِ الإصابةُ قبلَ الإجازةِ ثم أُجِيزَ، فالمَهْرُ واحدٌ؛ إمَّا المُسَمَّى، وإمَّا مَهْرُ المِثْلِ إن لم يكُنْ مُسَمًّى؛ لأنَّ (١٦) الإجازةَ مُسْتَنِدةٌ إلى حالةِ العَقْدِ، فيَثْبُتُ الحِلُّ والمِلْكُ من حينِ العَقْدِ، كما ذكرنا فى البَيْعِ، ولذلك لم يَجِبِ الحدُّ. ومتى تزَوَّجتِ (١٨) الأَمَةُ بغير إذْنِ سَيِّدِها، ثم خَرَجَتْ من مِلْكِه قبلَ الإجازةِ إلى مَنْ تَحِلُّ له، انْفَسخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه قد طَرَأت اسْتباحةٌ صَحِيحةٌ على مَوْقُوفةٍ فأبْطَلَتْها، ولأنَّها (١٩)

стр. 4765

أقوَى فأزالتِ الأضْعَفَ، كما لو طَرَأ مِلْكُ يَمينِه على مِلْكِ نِكاحِه. وإن خَرَجَتْ إلى مَنْ لا تَحِلُّ له، كالمرأةِ أو اثنينِ، فكذلك أيضًا؛ لأنَّ العقدَ إذا وَقَفَ على إجازةِ شَخْصٍ، لم يُجَزْ بإجازةِ غيرِه، كما لو باعَ أُمَةَ غيرِه ثم باعَها المالكُ، فأجاز المُشْتَرِى الثانى بَيْعَ الأجْنَبِى. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه يجوزُ بإجازةِ المالِكِ الثانى؛ لأنَّه يَمْلِكُ ابتدِاءَ العَقْدِ، فمَلَكَ إجازَتَه كالأَوَّلِ. ولا فَرْقَ بين أن يَخْرُجَ بِبَيْعٍ أو إرْثٍ أو هِبَةٍ أو غيرِه. فأمَّا إن أعتْقَهَا السَّيِّدُ، احْتَمَلَ أن يَجُوزَ النكاحُ؛ لأنَّه إنَّما وَقَفَ لحَقِّ المَوْلَى، فإذا أعْتَقَ سَقَطَ حَقُّه، فصَحَّ العقدُ، واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ إبْطالَ حَق المَولَى ليس بإجازةٍ، ولأنَّ حَقَّ المَوْلَى إن بَطَلَ من المِلْكِ، فلم يَبْطُلْ من وِلايةِ التَّزْويج، فإنَّه يَلِيها بالوَلاءِ. فصل: إذا زُوِّجَتِ التى يُعْتَبرُ إذْنُها بغير إذْنِها، وقُلْنا: يَقِفُ على إجازَتِها. فإجازَتُها بالنُّطقِ، أو ما يَدُلُّ على الرِّضَى من التَّمْكِينِ من الوَطْءِ، أو المُطالَبة (٢٠) بالمَهْرِ والنَّفَقةِ. ولا فَرْقَ فى ذلك بين البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ لأنَّ أدِلّةَ الرِّضَى تَقُومُ مَقامَ النُّطقِ به، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ لِبَرِيرَةَ: "إن وَطِئَكِ زَوْجُكِ، فَلَا خِيارَ لَكِ" (٢١). جعَل تَمْكِينَها دَلِيلًا على إسْقاطِ حَقِّها والمطالبةِ بالمَهْرِ والنَّفَقةِ، والتَّمْكِينُ من الوَطْءِ دليلٌ على الرِّضَى؛ لأنَّ ذلك من خَصائصِ العَقْدِ الصَّحيحِ، فوُجُودُه من المَرْأةِ دَلِيلُ رِضَاها (٢٢) به. الحكم الثالث، إذا عَضَلَها وَلِيُّها (٢٣) الأقرَبُ، انتقلتِ الوِلايةُ إلى الأبعَدِ. نصَّ عليه أحمدُ. وعنه روايةٌ أُخْرَى، تَنْتَقِلُ إلى السُّلْطانِ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وذُكِرَ ذلك عن عثمانَ بن عَفَّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وشُرَيحٍ. وبه قال الشافعىُّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ :

стр. 4766

"فَإنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلطَانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ له" (٢٤). ولأنَّ ذلك حَقٌّ عليه امْتَنَعَ من أدائِه، فقام الحاكمُ مقامَه، كما لو كان عليه دَينٌ فامْتَنعَ مِن قَضائِه. ولَنا، أنَّه تَعَذّرَ التَّزْويجُ من جهةِ الأقْرَبِ، فمَلَكَهُ الأبْعَدُ، كما لو جُنَّ. ولأنَّه يَفْسُقُ بالعَضْلِ، فتَنْتَقِلُ الوِلايةُ عنه، كما لو شَرِبَ الخَمْرَ. فإن عَضَلَ الأولياءُ كلُّهم زَوّجَ الحاكمُ. والحديثُ حُجّةٌ لنا؛ لقولِه: "السُّلْطانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ له". وهذه لها وَلِىٌّ. ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا عَضَلَ الكُلُّ؛ لأنَّ (٢٥) قولَه: "فَإنِ اشْتَجَرُوا". ضَمِيرُ جَمْعٍ يتناوَلُ الكُلَّ. والوِلايةُ تُخالِفُ الدَّينَ من وجوهٍ ثلاثةٍ؛ أحدها، أنها حَقٌّ للوَلِىِّ، والدَّينُ حَقٌّ (٢٦) عليه. الثانى، أنَّ الدَّينَ لا يَنْتَقِلُ عنه، والولايةُ تنْتقلُ لعارِضٍ؛ من جُنُونِ الوَلِىِّ [أو فِسْقِه أو مَوْتِه] (٢٧). الثالث، أَنَّ الدَّينَ لا يُعْتَبرُ فى بَقائِه العَدالَةُ، والوِلايةُ يُعْتَبرُ لها ذلك، وقد زالتِ العدالةُ (٢٨) بما ذكَرْنا. فإن قيل: فلو زالت وِلايَتُه لَما صَحَّ منه التَّزويجُ إذا أجاب إليه. قُلْنا: فِسْقُه بامتِناعِه، فإذا أجابَ فقد نَزَعَ عن المَعْصِيةِ، وراجَعَ الحقَّ، فزال فِسْقُه، فلذلك صَحَّ تزْوِيجُه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: ومعنى العَضْلِ مَنْعُ المرأةِ من التَّزْوِيج بكُفْئِها إذا طَلَبَتْ ذلك، ورَغِبَ كلُّ واحدٍ منهما فى صاحِبِه. قال مَعْقِلُ بن يَسَارٍ: زَوجْتُ أُخْتًا لى من رَجُلٍ، فطَلَّقها، حَتَّى إذا (٢٩) انْقَضَتْ عِدَّتُها جَاءَ يَخْطُبُها، فقلتُ له: زَوَّجْتُكَ، وأفْرَشتُكَ، وأكْرَمْتُكَ، فطَلَّقْتَها، ثم جِئتَ تَخْطُبُها! لا واللَّهِ لا تَعُودُ إليك أبدًا. وكان رَجُلًا لا بَأْسَ به، وكانت المرأةُ تُريدُ أن ترْجِعَ إليه، فأنزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٣٠). فقلتُ: الآن أفْعَلُ يا رسولَ اللَّه. قال: فزَوَّجَها إيَّاهُ. رواه

стр. 4767

البخارِىُّ (٣١). وسواءٌ طَلَبَتِ التَّزْويجَ بمَهْرِ مِثْلِها أو دُونَه. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لهم (٣٢) مَنْعُها من التَّزْويج بدون مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّ عليهم فى ذلك عارًا، وفيه ضَرَرٌ على نِسائِها (٣٣)، لنَقْصِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ. ولَنا، أَنَّ المَهْرَ خالِصُ حَقِّها، وعِوَضٌ يَخْتَصُّ بها، فلم يكُنْ لهم الاعتراضُ عليها فيه، كثَمَنِ عَبْدِها، وأُجْرَةِ (٣٤) دارِها، ولأنَّها لو أسْقَطَتْه بعدَ وُجُوبِه، سَقَطَ كلُّه، فبَعْضُه أوْلَى، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِرَجُلٍ أراد أن يُزَوِّجَه (٣٥): "الْتَمِسْ ولَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" (٣٦). وقال لِامْرأةٍ زُوِّجَتْ بنَعْلَيْنِ: "أرَضِيتِ بنَعْلَيْنِ مِنْ نَفْسِكِ؟ ". قالت: نعم. فأجازَه النَّبِىُّ ﷺ (٣٧). وقولهم: فيه عارٌ عليهم. ليس كذلك، فإنَّ عمرَ قال: لو كان مَكْرُمةٌ فى الدُّنْيا، أو تَقْوَى عندَ اللَّه، كان أَوْلَاكُم بها (٣٨) رسولُ اللَّه ﷺ (٣٩). يعنى غُلُوَّ الصَّداقِ. فإن رَغِبَتْ فى كُفْءٍ بعَيْنِه، وأراد تَزْوِيجَها لغيرِه من أكفائِها، وامْتَنَعَ من تَزْويجِها من الذى أرادَتْه، كان عاضِلًا لها. فأمَّا إن طَلَبتِ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْئِها، فله مَنْعُها من ذلك، ولا يكونُ عاضِلًا لها بهذا؛ لأنَّه لو زُوِّجَتْ [من غير] (٤٠) كُفْئِها، كان له فَسْخُ النِّكاحِ، فلأن تُمْنَعَ (٤١) منه ابتداءً أوْلَى.

стр. 4768

١١١٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ وَلِيُّهَا غَائِبًا فِى مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتابُ، أوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ، زَوّجَها مَنْ هُوَ أبْعَدُ مِنْهُ مِنْ عَصَبَاتِهَا (١)، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَالسُّلْطَانُ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فَصْلَيْنِ: أوَّلهما: أن الأقْرَبَ إذا غاب غَيْبةً مُنْقَطِعةً، فلِلْأَبْعَدِ من عَصَبَتِها تَزْويجُها دُونَ الحاكمِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: يُزَوِّجُها الحاكمُ؛ لأنَّه تَعَذّرَ الوصولُ إلى النِّكاحِ من الأقْرَبِ، مع بَقَاءِ وِلايَتِه، فيقومُ الحاكمُ مقامَه، كما لو عَضَلَها، ولأنَّ الأبْعَدَ مَحْجُوبٌ بولايةِ الأقْرَبِ، فلا يجوزُ له التَّزْويجُ، كما لو كان حاضرًا، ودليلُ بَقاءِ وِلايتِه أنَّه لو زَوَّجَ من حيثُ هو، أو وَكّلَ، صَحَّ. ولَنا، قولُه ﵇: "السُّلْطانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِىَّ له" (٢). وهذه لها وَلِىٌّ، فلا يكونُ السلطانُ [وَلِيًّا لها] (٣)، ولأنَّ الأقْرَبَ تَعَذرَ حُصُولُ التَّزْويج منه، فتَثْبُتُ الولايةُ لمَنْ يَلِيه من العَصَباتِ، كما لو جُنَّ أو مات، ولأنَّها حالةٌ يجوزُ فيها التَّزْويجُ لغيرِ الأقْرَبِ، فكان ذلك للأبْعَدِ، كالأصْلِ، وإذا عَضَلَها الأقربُ، فهو كمَسْألِتنا. والفصل الثانى: فى الغَيْبةِ المُنْقَطعةِ، التى يجوزُ للأبعَدِ التَّزويجُ فى مِثْلِها. ففى قول الْخِرَقىِّ: هى مَنْ (٤) لا يَصِلُ إليه الكتابُ، أو يَصِلُ فلا يُجِيبُ عنه؛ لأنَّ (٥) مثلَ هذا

стр. 4769

تتَعذَّرُ مُراجَعَتُه بالكُلِّيةِ، فتكونُ مُنْقَطِعةً، أى يَنْقطِعُ عن (٦) إمْكانِ تَزْويجِها. وقال القاضى: يجبُ أن يكونَ حَدُّ المسافةِ أن لا تَرَدَّدَ القوافلُ فيه فى السَّنةِ إلَّا مَرّةً؛ لأنَّ الكُفْءَ يَنْتَظِرُ سنةً، ولا ينتظرُ أكثرَ منها، فيلحقُ الضَّررُ بتَرْكِ تَزْويجِها. وقد قال أحمدُ، فى موضعٍ: إذا كان الأبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، يزوِّجُ الأخُ. قال أبو الخَطَّاب: فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد بالسَّفَرِ البعيدِ ما تُقْصَرُ فيه الصَّلاةُ؛ لأنَّ ذلك هو السَّفَرُ (٧) الذى عُلِّقَتْ عليه الأحْكامُ. وذَهَبَ أبو بكرٍ إلى أَنَّ حَدَّها ما لا يُقْطَعُ (٨) إلَّا بكُلْفَةٍ ومَشَقَّةً؛ لأنَّ (٩) أحمدَ قال: إذا لم يكنْ وَلِىٌّ حاضِرٌ من عَصَبتِها، كَتَبَ إليهم حتى يأْذَنُوا، إلَّا أن تكونَ غَيْبةً منقطعةً، لا تُدْرَكُ إلَّا بكُلْفةٍ ومَشَقَّةٍ، فالسلطانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ له. وهذا القولُ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، أقْرَبُها إلى الصَّوابِ، فإنَّ التَّحْدِيداتِ بابُها التَّوْقيفُ، ولا تَوْقِيفَ فى هذه المسألةِ، فتُرَدُّ إلى ما يَتَعارَفُه (١٠) الناسُ بينهم، ممَّا لم تَجْرِ العادةُ بالانْتِظارِ فيه، ويَلْحَقُ المرأةَ الضَّرَرُ بمَنْعِها من التَّزْوِيج فى مِثْلِه، فإنَّه يَتَعذّرَ (١١) فى ذلك الوُصولُ إلى المصْلحةِ من نَظَرِ الأقْرَبِ، فيكونَ كالمَعْدُومِ، والتَّحْديدُ بالعامِ كبيرٌ؛ فإنَّ الضررَ يَلْحَقُ بالانْتظارِ فى مثلِ ذلك (١٢)، ويَذْهَبُ الخاطِبُ، ومَنْ لا يَصِلُ الكتابُ منه أبْعَدُ، ومَنْ هو على مَسافةِ القَصْرِ لا تَلْحَقُ المَشَقَّةُ فى مُكاتَبتِه. والتّوَسُّطُ أَوْلَى. واللَّهُ أعلمُ. واخْتلَف أصْحابُ أبى حنيفةَ فى الغَيْبةِ المُنْقطِعةِ، فقال بعضُهم كقولِ القاضى، وبعضُهم قال: من الرَّىِّ إلى بَغْدادَ. وبعضُهم قال: من البَصْرةِ إلى الرَّقّةِ. وهذان القولان يُشْبِهان قولَ أبى بكرٍ. واخْتلَف أصحابُ الشافعىِّ فى الغَيْبةِ (١٣) التى يُزَوِّجُ فيها

стр. 4770

الحاكمُ، فقال بعضُهم: مَسافةُ القَصْرِ. وقال بعضُهم: يُزَوِّجها الحاكمُ، وإن كان الوَليُّ قريبًا. وهو ظاهرُ نَصِّ الشافعىِّ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه إذا كانت الغَيْبَةُ غيرَ (١٤) منقطعةٍ، أنَّه يُنْتَظَرُ ويُرَاسَلُ حتى يَقْدَمَ أو يُوَكِّلَ. فصل: وان كان القريبُ مَحْبوسًا، أو أسِيرًا فى مسافةٍ قريبةٍ، لا تُمْكِنُ مُراجعَتُه، فهو كالبعيدِ، فإنَّ البُعدَ لم يُعْتَبَرْ لِعَيْنهِ، بل لتَعَذُّرِ الوُصولِ إلى التَّزْويج بنَظَرِه، وهذا موجودٌ ههُنا، وكذلك إن كان غائبًا لا يُعْلَمُ [أقَرِيبٌ هو أم بَعِيدٌ] (١٥)، أو عُلِمَ (١٦) أنَّه قريبٌ، ولم يُعْلَمْ مكانُه، فهو كالبَعِيد. ١١١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فالنِّكَاحُ بَاطِلٌ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى اشتِراطِ الكفاءةِ لصِحَّةِ النكاحِ، فرُوِىَ عنه أنَّها شَرْطٌ (١) له. قال (٢): إذا تزوَّجَ المَوْلَى العَرَبِيّةَ فُرِّقَ بينهما. وهذا قولُ سُفيانَ. وقال أحمدُ، فى الرَّجُلِ يَشْرَبُ الشَّرابَ: ما هو بكُفْءٍ لها، يُفَرَّقُ بينهما. وقال: لو كان المُتَزَوِّجُ حائِكًا فَرَّقْتُ (٣) بينهما؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ (٤) ذَوَاتِ الأحْسابِ، إلَّا من الأَكْفاءِ. رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٥). وعن أبى إسحاقَ الهَمْدَانِىِّ قال: خَرَجَ سَلْمانُ وجَرِيرٌ فى سَفَرٍ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فقال جَرِيرٌ لسَلْمانَ: تَقَدَّمْ أنتَ (٦). قال سَلْمانُ: بل أنتَ تَقَدَّمْ، فإنَّكم مَعْشَرَ العَرَبِ لا يُتَقَدَّمُ عليكم (٦) فى

стр. 4771

صلاتِكم، ولا تُنْكَحُ نِساؤُكُم، إنَ اللَّه فَضَّلَكُم علينا بمُحمدٍ ﷺ ، وجعَله فيكم (٧). ولأنَّ التَّزْويجَ، مع فَقْدِ الكَفاءةِ، تَصَرُّفٌ فى حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ من الأوْلياءِ بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ، كما لو زَوّجَها بغيرِ إذْنِها. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إلَّا مِنَ الأَكْفاءِ، ولا يُزَوِّجُهُنَّ (٨) إلَّا (٩) الأَوْلِياءُ". رواه الدَّارَقُطنىُّ (١٠)، إلا أن ابنَ عبد البَرِّ قال: هذا ضعيفٌ، لا أصْلَ له، ولا يُحْتَجُّ بمِثْلِه. والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ، أنَّها ليست شَرْطًا فى النِّكاحِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ نحوُ هذا عن عمرَ، وابن مسعودٍ، وعمرَ بن عبد العزيز، وعُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، وحَمَّادِ بن أبى سُلَيمانَ، وابنِ سِيرِينَ، وابن عَوْنٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١١). وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهَ عنها: إن أبا حُذَيْفةَ بن عُتْبةَ بن رَبِيعةَ تَبَنَّى سالِمًا، وأنكَحَه ابنةَ أخِيه هِنْدَ ابنةَ الوَليد بن عُتْبةَ، وهو مَوْلًى لِامْرأةٍ من الأنْصارِ. أخرجه البُخارىُّ (١٢). وأمرَ النَّبِىُّ ﷺ فاطمةَ بنتَ قَيْسٍ أن تَنْكِحَ أُسامةَ بن زَيْدٍ مَوْلَاه، فنَكَحَها بأمْرِه. مُتّفَقٌ عليه (١٣). وزَوَّجَ أبَاه زَيْدَ بن حارثةَ ابنةَ عَمّتِه

стр. 4772

زَيْنَبَ بنتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ (١٤). وقال ابنُ مسعودٍ لأُخْتِه (١٥): أُنْشِدُكِ اللَّه أن تَتَزَوَّجِى (١٦) مُسْلِمًا، وإِن كان أحْمَرَ رُوِميًّا، أو أسْوَدَ حَبَشِيًّا (١٧). ولأنَّ الكفاءةَ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها حقًّا للمرأةِ، أو الأولياءِ، أوْ لَهُما، فلم يُشْتَرَطْ وُجودُها، كالسَّلامةِ من العُيُوبِ. وقد رُوِىَ أن أبا هِنْد حَجَمَ النَّبِىَّ ﷺ فى اليَافُوخِ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "يا بنى بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أبا هِنْدِ، وأنْكِحُوا إِلَيْهِ". رواه أبو داودَ (١٨)، إلَّا أَنَّ (١٩) أحمد ضَعَّفَه، وأنْكَره إنْكارَا شديدًا. والصَّحِيحُ أنها غيرُ مُشْتَرطةٍ (٢٠)، وما رُوِىَ فيها يَدُلُّ على اعْتبارِها فى الجُملةِ، ولا يَلْزَمُ منه (٢١) اشْتِراطُها؛ وذلك لأنَّ لِلزَّوجةِ (٢٢) وكلِّ واحدٍ من الأوْلياءِ (٢٣) فيها حَقًّا (٢٤)، ومَنْ لم يَرضَ منهم فله الفَسْخُ. ولذلك لمَّا زَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَتَه من ابنِ أخِيه، ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه، جَعَلَ لها النَّبِىُّ ﷺ الخِيَارَ، فأجازَتْ (٢٥) ما صَنَعَ أبُوها (٢٦). ولو

стр. 4773

فُقِدَ الشرطُ لم يكُنْ لها خِيارٌ. فإذا قُلْنا باشْتِراطِها، فإنَّما يُعْتَبرُ وُجُودُها حالَ العَقْدِ، فإن عُدِمَتْ بعدَه، لم يَبْطُل النكاحُ؛ لأنَّ شُرُوطَ النكاحِ إنَّما تُعْتَبَرُ لَدَى العَقْدِ. وإن كانت مَعْدُومةً حالَ العَقْدِ، فالنكاحُ فاسِدٌ، حُكْمُه حكمُ العُقُودِ الفاسِدَةِ، على ما مَضَى. فإن قُلْنا: ليست شَرْطًا. فرَضِيَتِ المرأةُ والأولياءُ كلُّهم، صَحَّ النِّكاحُ، وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فهل يَقَعُ العقدُ باطلًا من أصْلِه أو صحِيحًا؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ، وقولان للشافعىِّ. أحدهما، هو باطلٌ؛ لأنَّ الكفاءةَ حقٌّ لجَمِيعِهِم، والعاقِدُ (٢٧) مُتَصَرِّفٌ فيها بغيرِ رِضَاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ. والثانية، هو صَحِيحٌ (٢٨)؛ بدَليلِ أَنَّ المرأةَ التى رَفَعَتْ إلى النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ أباها زَوَّجَها من غيرِ كُفْئِها خَيَّرَها، ولم يُبْطِل النِّكاحَ (٢٩) من أصْلِه. ولأنَّ العَقْدَ وَقَعَ بالإِذْنِ، والنَّقْصُ الموجودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيارَ، كالعَيْبِ من العُنَّةِ وغيرِها. فعلى هذه الرِّوايةِ لمن لم يَرْضَ الفَسْخُ. وبهذا قال الشافعىُّ، ومالكٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلياءِ، لم يكُنْ لباقى الأوْلياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزَّأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّركاءِ حَقَّه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصَاص. ولَنا، أَنَّ كلَّ واحدٍ من الأولياءِ يُعْتَبَرُ رِضَاه، فلم يَسْقُطْ برِضَى غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِىِّ. فأمَّا القصَاصُ فلا يثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كاملًا، فإذا سَقَطَ بعضُه، تَعَذّرَ اسْتِيفاؤه، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدون مَهْرِ مِثْلِها، مَلَكَ الباقُونَ عندَهم الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى. وسواءٌ كانوا مُتَساوِينَ فى الدَّرَجةِ، أو مُتَفاوتِينَ، فزَوَّجَ الأقرَبُ، مثل أن يُزَوِّجَ الأبُ بغيرِ كُفْءٍ، فإنَّ للإخْوةِ الفَسْخَ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: ليس لهم فَسْخٌ (٣٠) إذا زَوَّجَ الأقْرَبُ؛ لأنَّه لا حَقَّ للأبْعدِ معه، فرِضاؤه لا يُعتبرُ. ولَنا، أنَّه وَلِىٌّ فى حالٍ يَلْحَقُه العارُ بفَقْدِ الكفاءةِ، فمَلَكَ الفَسْخَ كالمُتَساوِيَيْنِ.

стр. 4774

١١١٧ - مسألة؛ قال: (والكُفءُ ذُو الدِّين (١) والمَنْصِبِ) يعنى بالمَنْصِبِ الحَسَبَ، وهو النَّسَبُ. واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى شُروطِ الكفاءةِ، فعنه هما شَرْطانِ؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، [لا غيرُ] (٢). وعنه، أنَّها خَمسةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعةُ، واليَسَارُ. وذكر القاضى، فى "المُجَرَّدِ" أنَّ فَقْدَ هذه الثلاثة لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، وإنَّما الرِّوايتان فى الشرطينِ الأولينِ. قال: ويتَوَجَّهُ أن المُبْطِلَ عَدَمُ الكفاءةِ فى النسَبِ لا غيرُ؛ لأنَّه نَقْصٌ لازمٌ، وما عَدَاه غيرُ لازمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ. وذَكَر فى "الجامع" الرِّوايتَيْنِ فى جميعِ الشُّروطِ. وذكره أبو الخَطَابِ أيضًا. وقال مالكٌ: الكفاءةُ فى الدِّينِ لا غيرُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا جملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه. وعن الشافعى كقَوْلِ مالكٍ، وقول آخرُ أنَّها الخمسةُ التي ذكَرناها، والسَّلامةُ من العُيوبِ الأربعةِ فتكون سِتّةً. وكذلك قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بن حَىٍّ، إلا فى الصَّنْعةِ والسَّلامةِ من العُيوبِ الأربعةِ (٣). ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بن الحسنِ الدِّينَ، إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه (٤) الصِّبْيانُ، فلا يكون كُفْؤًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ (٥) ذلك نَقْصًا، والدليلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٦). ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذولٌ مَرْدودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، غيرُ مَأْمونٍ على النَّفْس والمالِ، مَسْلُوبُ الوِلَاياتِ (٧)، ناقصٌ عند اللَّه تعالى وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ فى (٨) الدُّنيا والآخرةِ، فلا يجوزُ أن يكونَ كُفْؤًا لِعَفِيفةٍ، ولا مُساوِيًا لها، لكن يكونُ كُفؤًا لمِثْلِه. فأمَّا الفاسِقُ من الجُنْدِ، فهو

стр. 4775

ناقِصٌ عند أهلِ الدِّينِ والمُروءاتِ. والدليلُ على اعْتبارِ النَّسَبِ فى الكفاءةِ، قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لأمْنَعَنَّ فُروُجَ ذَوَاتِ الأحْسابِ إلَّا مِنَ الأَكْفَاءِ. قال: قلتُ: وما الأَكْفاءُ؟ قال فى الحَسَبِ (٩). رَواه أبو بكر عبدُ العزيزِ، بإسْنادِه (١٠). ولأنَّ العَربَ يعُدُّونَ الكفاءةَ فى النَّسَبِ، ويَأْنَفُونَ من نِكاحِ الْمَوَالِى (١١)، ويَرَوْنَ (١٢) ذلك نقصًا وعارًا، فإذا أُطْلِقَتِ الكفاءةُ، وَجَبَ حَمْلُها على المُتعارَفِ، ولأن فى فَقْدِ ذلك عارًا ونقصًا، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ فى الكفاءةِ كالدِّين (١٣). فصل: واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فرُوِىَ عنه أنَّ غيرَ قُريشٍ من العَرَبِ لا يُكافِئُها، وغيرَ بنى هاشمٍ لا يُكافئهم. وهذا قولُ (١٤) بعض أصحابِ الشافعىِّ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ اللَّه اصْطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ كِنانةَ قُرَيْشًا، واصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بنى هَاشِمٍ، واصْطفانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ" (١٥). ولأنَّ العربَ فُضِّلَتْ على (١٦) الأُمَمِ برَسُولِ اللَّه ﷺ ، وقُريشٌ أخَصُّ به من سائرِ العَرَبِ، وبنو هاشمٍ أخصُّ به من قُريشٍ. وكذلك قال عثمانُ، وجُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ: إنَّ إخْوانَنا من بنى هاشمٍ لا نُنكِرُ فَضْلَهم علينا، لمَكانِكَ الذى وَضعَكَ اللَّهُ به منهم (١٧). وقال أبو حنيفةَ: لا تُكافئُ العَجَمُ العَرَبَ ولا العَرَبُ قُرَيْشًا، وقريشٌ كلُّهم أكْفاءٌ؛ لأنَّ ابنَ

стр. 4776

عباسٍ قال: قريشٌ بعضُهم أكْفاءُ بعضٍ. والرواية الثانية عن أحمدَ، أنَّ العربَ بعضُهم لبعضٍ أكْفاء، والعَجَمُ بعضُهم لبعضٍ أكفاءٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ زَوَّجَ ابْنتَيْه عُثمانَ، وزَوَّجَ أبا العاص بن الرَّبيعِ زَيْنَبَ، وهما من بنى عبدِ شَمْسٍ، وزوجَ علىٌّ عمرَ ابْنَتَه أُمَّ كُلْثومٍ، وتزَوّجَ عبدُ اللَّه بن عمرِو (١٨) بن عثمانَ فاطمةَ بنتَ الحُسَيْنِ بن علىٍّ، وتزوَّجَ المُصْعَبُ بن الزُّبَيْرِ أُخْتَها سُكَيْنةَ، وتزَوَّجها أيضًا عبدُ اللَّه بن عمانَ بن حَكِيمِ بن حِزَامٍ، وتزوَّجَ المِقْدادُ بن الأسْودِ ضُبَاعةَ ابنةَ الزُّبَيْرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ ابنةَ عَمِّ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وزَوَّجَ أبو بكرٍ أُخْتَه أمَّ فَرْوَةَ الأشْعَثَ بن قَيْسٍ، وهما كِنْدِيَّانِ، وتزَوَّجَ أسامةُ بن زيدٍ فاطمةَ بنتَ قَيْس، وهى من قُرَيْشٍ، ولأنَّ العَجَمَ والمَوالِى بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، وإن تَفاضَلُوا، وشَرُفَ بعضُهم على بعضٍ، فكذلك العَرَبُ. فصل: فأمَّا الحُرِّيَّةُ، فالصَّحيحُ أنَّها من شُروطِ الكَفاءةِ، فلا يكونُ العبدُ كُفْؤًا لحُرَّةٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَيَّرَ بُرِيرَةَ حين عَتَقَتْ تحت عبدٍ. فإذا ثَبَتَ الخيارُ بالحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ (١٩)، فبالحُرِّيَّةِ المُقارنةِ أَوْلَى. ولأنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كبيرٌ، وضَرَرُه بَيِّنٌ، فإنه مَشْغُولٌ عن امْرأتِه بحُقُوقِ سَيِّدِه، ولا ينفِقُ نَفَقةَ المُوسِرِينَ، ولا يُنْفِقُ على وَلَدِه، وهو كالمَعْدُوم بالنِّسْبةِ إلى نَفْسِه. ولا يَمْنَعُ (٢٠) صِحَّةَ النِّكاحِ؛ فإنَّ (٢١) النَّبِىَّ ﷺ قال لِبَرِيرَةَ: "لَوْ رَاجَعْتِيهِ". قالتْ: يا رسولَ اللَّه، أتأْمُرُنِى؟ قال: "إنَّما أنَا شَفِيعٌ". قَالتْ: فلا حاجةَ لى فيه. روَاه البُخارِىُّ (٢٢). ومُرَاجَعَتُها له ابتداءُ النِّكاحِ، فإنَّه قد

стр. 4777

انْفَسَخَ نِكاحُها باخْتِيارِها، ولا يَشْفَعُ إليها النَّبِىُّ ﷺ فى أن تَنْكِحَ عبدًا إلَّا والنِّكاحُ صحيحٌ. فصل: فأمَّا اليَسارُ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، هو شَرْطٌ فى الكفاءةِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الحَسَبُ المالُ" (٢٣). وقال: "إنَّ أحْسَابَ النَّاسِ بَينهُمْ فِى هذِهِ الدُّنْيَا هذَا الْمَالُ" (٢٤). وقال لفاطمةَ بنت قَيْسٍ، حين أخْبَرته أنَّ مُعاوِيةَ خَطَبها: "أمَّا مُعَاوِيةُ فَصُعْلُوكٌ، لَا مَالَ لَهُ" (٢٥). ولأنَّ على المُوسِرَةِ ضَرَرًا فى إعْسارِ زَوْجِها؛ لإخْلالِه بنَفَقَتِها ومُؤْنَةِ أوْلادِها، ولهذا مَلَكَتِ الفَسْخَ بإخْلالِه بالنَّفَقةِ، فكذلك إذا كان مُقارِنًا، ولأنَّ ذلك مَعْدُودٌ نقْصًا فى عُرْفِ الناسِ، يَتَفاضَلُون (٢٦) فيه كتَفَاضُلِهِم فى النَّسَبِ وأبْلَغ، قال نُبَيْهُ بن الحَجَّاجِ السَّهْمِىُّ (٢٧): سَألتَانِى الطَّلاقَ أن رَأَتانِى ... قَلَّ مَالِى قد جِئتُمانِى بِنُكْرِ (٢٨) وَيْكأنَّ مَنْ لَهُ نَشَبٌ مُحَبَّبٌ ... ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرٍّ (٢٩)

стр. 4778

فكان من شُروطِ (٣٠) الكفاءة، كالنَّسَبِ. والرِّواية الثانية، ليس بشرطٍ؛ لأنَّ الفَقْرَ شَرَفٌ فى الدِّين، وقد قال النبىُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أحْيِنِى مِسكِينًا، وأَمِتْنِى مسكينًا" (٣١). وليس هو أمرًا لازِمًا، فأشْبَهَ العافِيةَ من المَرَضِ، واليَسارُ المُعْتَبرُ ما يَقْدِرُ به على الإنفاقِ عليها، حسبَ ما يَجِبُ لها، ويُمْكِنُه أدَاءُ مَهْرِها. فصل: فأمَّا الصِّناعةُ، ففيها رِوايتان أيضًا؛ إحْداهما، أنَّها شَرْطٌ، فمَن كان من أهلِ الصنائعِ الدَّنِيئةِ، كالحائكِ، والحَجَّام، والحارس، والكَسَّاحِ، والدَّبَّاغِ، والقَيِّمِ، والحمَّامِىِّ، والزَّبَّالِ، فليس بكُفْءٍ [لبناتِ ذوِى] (٣٢) المُرُوءاتِ، أو أصحابِ الصَّنائعِ الجَلِيلةِ، كالتِّجارة، والبِنايةِ؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ فى عُرفِ الناس، فأشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وقد جاء فى حَدِيثٍ (٣٣): "العَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا، أو حَجّامًا" (٣٤). قيل لأحمدَ، ﵀: كيف تأْخُذُ به وأنتَ تُضَعِّفُه؟ قال: العَمَلُ عليه. يعنى أنَّه وَرَدَ مُوافِقًا لأهلِ العُرْفِ. ورُوِىَ أن ذلك ليس بنَقْصٍ، ويُرْوَى نحوُ ذلك عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ فى الدِّينِ، ولا هو لازمٌ، فأشْبَهَ الضَّعْفَ والمَرَضَ، قال بعضُهم (٣٥): ألَا إنَّما التَّقْوَى هى العِزُّ والكَرَمْ ... وحُبُّكَ للدُّنيا هو الذُّلُّ والسَّقَمْ ولَيْسَ على عَبْدٍ تقِىٍّ نَقِيصَةٌ ... إذا حَقّقَ التَّقوَى وإن حَاك أو حَجَمْ وأما السَّلامةُ من العُيوبِ، فليس من شُروطِ الكَفاءةِ، فإنه لا خِلافَ فى أنَّه لا يَبْطُلُ النِّكاحُ بعَدَمِها، ولكنَّها تُثْبِتُ الخِيارَ للمَرأةِ دُونَ الأوْلِيَاءِ؛ لأنَّ ضَرَرَه مُخْتَصٌّ بها.

стр. 4779

ولوَليِّها مَنْعُها من نِكاحِ المَجْذُوم والأبْرَصِ والمجنونِ، وما عدا هذا فليس بِمُعْتَبَرٍ (٣٦) فى الكفاءةِ. فصل: مَن أسْلَمَ أو عَتَقَ من العَبِيد، فهو كُفْءٌ لمن له أبوانِ فى الإسلام والحُرِّيةِ. قال أبو حنيفةَ: ليس بكُفْءٍ. وليس بصحيحٍ، فإن الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أكْثرُهُم أسْلَمُوا، وكانوا أفْضَلَ الأمَّةِ، فلا يجوزُ أن يُقالَ: إنهم غيرُ أكْفاءٍ للتَّابِعِينَ. فصل: فأمَّا وَلَدُ الزِّنَى، فيَحتَمِلُ أن لا يكونَ كُفْؤًا لذاتِ نَسَبٍ؛ فإنَّ أحمدَ، ﵀، ذُكِرَ له أنَّه يَنْكِحُ ويُنْكَحُ إليه؟ فكأنَّه لم يُجِبْ. وذلك لأنَّ المرأةَ تُعَيَّرُ به هى وأوْلياؤُها (٣٧)، ويَتَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها. وأمَّا كونُه ليس بكُفْءٍ لعَرَبِيَّةٍ، فلا إشْكالَ فيه؛ لأنَّه أدنى حالًا من المَوْلى. فصل: والمَوالِى بعضُهم لبعضٍ أكفاءٌ، وكذلك العَجَمُ. قال أحمدُ، ﵀، فى رَجُلٍ من بنى هاشم له مَوْلاةٌ: يُزَوِّجُها الْخُرَاسانى، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَوَالِى القَوْمِ مِنْ أنفُسِهِمْ" (٣٨). هو فى الصدقةِ، فأمَّا فى (٣٩) النِّكاحِ فلْيَنْكِح. وذَكَرَ القاضى روايةً عن أحمدَ، أن مَوْلَى القومِ يكافِئُهُم؛ لهذا الخبرِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ زَوّجَ زَيْدًا وأسامةَ عَرَبِيّتَيْنِ (٤٠)، ولأن مَوَالِىَ بنى هاشمٍ ساوُوهُم فى حِرْمانِ الصَّدقةِ، فيُسَاوُونَهُم فى الكفاءةِ. وليس هذا بصحيحٍ؛ فإنه يُوجِبُ أن يكونَ المَوالِى أكفاءَ للعَرَبِ، فإن المَوْلَى إذا كان كُفْءَ سَيِّده كان كفؤًا لمن يكافِئُه سَيِّدُه، فيَبْطُلُ اعتبارُ المَنْصبٍ، وقد قال أحمدُ: هذا الحديثُ فى الصَّدَقَةِ، لا فى النِّكاحِ. ولهذا لا يُساوُونَهُم فى اسْتِحقاقِ الخُمْسِ، ولا فى الإمامةِ، ولا فى الشَّرَفِ. وأما زيدٌ وأسامةُ، فقد اسْتُدِلَّ بِنكاحِهِما

стр. 4780

عَرَبِيَّتيْنِ على أَنَّ فَقْدَ الكفاءةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، واعْتَذرَ أحمدُ عن تَزْوِيجِهِما، بأنَّهما عَرَبِيَّان، فإنَّهما من كَلْبٍ، وإنَّما طَرَأ عليهما رِقٌّ. فعلى هذا يكونُ هذا (٤١) حُكْمَ كلِّ عَرَبِىٍّ الأَصْلِ. فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فإنَّ أحمدَ قال فى الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِىَّ: يُفَرَّقُ بينهما. وكذلك إذا زَوَّجَ الواقِفِىَّ، إذا كان يُخاصِمُ ويَدْعُو، وإذا زَوّجَ أخْتَه من هؤلاءِ اللَّفْظِيَّةِ (٤٢)، وقد كتب الحَدِيث، فهذا (٤٣) شَرٌّ من جَهْمِىٍّ، يُفَرَّقُ بينهما. وقال: لا يزوِّجُ بِنْتَه من حَرُورِىٍّ مَرَقَ من الدِّينِ، ولا من الرَّافِضِىِّ، ولا من القَدَرِىِّ، فإذا كان لا يَدْعُو فلا بَأسَ. وقال: من لم يُرْبِعْ (٤٤) بعَلِىٍّ فى الخِلافةِ، فلا تُنَاكِحُوه، ولا تُكَلِّمُوه. قال القاضى: المُقَلِّدُ منهم يَصِحُّ تزْوِيجُه، ومَن كان داعِيةً منهم فلا يَصِحُّ تَزْوِيجُه. فصل: والكَفاءةُ مُعْتبرَةٌ فى الرَّجُلِ دُونَ المرأةِ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا مُكافِئَ له، وقد تَزَوَّجَ من أحْياءِ العَرَبِ، وتزوجَ صَفِيَّةَ بنت حُيىٍّ، وتسَرَّى بالإِمَاءِ، وقال: "مَنْ كَانتْ عِنْدَهُ جَاريةٌ، فعَلَّمَها، وأحْسَنَ تَعْلِيمَها، وأحْسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعْتَقَها وتزَوَّجَهَا، فَلَهُ أجْرانِ". متفقٌ عليه (٤٥). ولأنَّ الوَلَدَ يَشْرُفُ بشَرَفِ أبيه، لا بأُمِّه، فلم يُعْتَبَرْ ذلك فى الأُمِّ.

стр. 4781

١١١٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَه الْبِكْرَ، فَوَضَعَهَا فى كفَاءَةٍ، فالنِّكاحُ ثَابِتٌ وَإِنْ كَرِهَتْ، كَبِيرةً كَانتْ أو صَغِيرَةً) أمَّا البِكْرُ الصغيرةُ، فلا خلافَ فيها. قال ابنُ المنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، أَنَّ نِكاحَ الأبِ ابْنَتَه البِكْرَ (١) الصغيرةَ جائزٌ، إذا زَوَّجها من كُفْءٍ، ويجوزُ له تَزْوِيجُها مع كَرَاهِيَتِها وامْتِناعِها. وقد دَلَّ على جوازِ تَزْويج الصغيرةِ قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢) فجَعلَ الِلَّائى لم يَحِضْنَ عِدَّةَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، ولا تكونُ العِدَّةُ ثلاثةَ أشْهُرٍ إلَّا من طَلاقٍ (٣) فى نِكاحٍ أو فَسْخٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّها تُزَوَّجُ وتُطَلَّقُ، ولا إذْنَ لها فيُعْتَبرُ. وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: تَزَوّجَنِى النَّبِىُّ ﷺ وأنا ابنةُ سِتٍّ، وَبنَى بى وأنا ابنةُ تِسْعٍ. متفقٌ عليه (٤). ومَعْلومٌ أنَّها لم تكنْ فى تلك الحالِ ممَّن يُعْتَبَرُ إذْنُها. ورَوَى الأثرمُ، أن قُدامةَ بن مَظْعونٍ تزوَّجَ ابنةَ الزُّبَيْرِ حين نَفِسَتْ، فقِيل له، فقال: ابْنةُ الزُّبيرِ إن مُتُّ وَرِثَتْنِى، وإن عِشْتُ كانت امْرَأتِى. وزَوّجَ علىٌّ ابنتَه أم كُلْثومٍ وهى صَغِيرةٌ عمرَ

стр. 4782

ابن الخَطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وأمَّا البِكْرُ البالغةُ العاقلةُ، فعن أحمدَ روايتان؛ إحداهما، له إجْبارُها على النكاحِ، وتَزْوِيجُها بغيرِ إذْنِها، كالصغيرةِ. وهذا مذهبُ مالكٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، والشافعىِّ، وإسحاقَ. والثانية، ليس له ذلك، اختارها أبو بكرٍ. وهو مذهبُ الأوْزاعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتى تُسْتَأْذَنَ (٥) ". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، فكيف إذْنُها؟ قال: "أنْ تَسْكُتَ". متفقٌ عليه (٦). وروَى أبو داودَ (٧)، وابنُ ماجَه، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ جاريةً بكْرًا، أتتِ النبىَّ ﷺ ، فذَكَرَتْ أن أباها زَوجها وهى كارِهة، فخيَّرها النَّبِىُّ ﷺ (٨). ولأنَّها جائِزَةُ التَّصَرُّفِ فى مالِها، فلم يَجُزْ إجْبارُها، كالثَّيِّبِ، والرَّجُلِ (٩). ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى، ما رُوِىَ عن (١٠) ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الأَيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ (١١)، وإذْنُها صُمَاتُها". روَاه [مسلمٌ و] (١٢)

стр. 4783

أبو داودَ (١٣). فلما قَسَمَ النِّساءَ قِسْمَيْنِ، وأثْبَتَ الحقَّ لأحَدِهِما، دَلَّ على نَفْيِه عن الآخرِ، وهى (١٤) البِكْرُ، فيكون وَلِيُّها أحَقَّ منها بها، ودلَّ الحديثُ على أَنَّ (١٥) الاسْتِئْمارَ ههُنا، والاسْتِئذانَ فى حَدِيثِهم مُسْتَحَبٌّ، ليس بواجِبٍ، لما (١٦) روَى ابنُ عمرَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "آمِرُوا النِّساءَ فى بَناتِهِنَّ". روَاه أبو داودَ (١٧). وحديثُ التي خيّرهَا رسولُ اللَّه ﷺ مُرْسَلٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّها التي زَوَّجَها أبُوها من ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه (١٨)، فتَخْييرُها لذلك، ولأن ما لا يُشْتَرَطُ فى نِكاحِ (١٩) الصغيرةِ لا يُشْتَرطُ فى نِكاحِ الكبيرةِ، كالنُّطْقِ. وقول الخِرَقِىِّ: "فوَضَعَها فى كفاءَةٍ" يَدُلُّ على أنَّه إذا زَوَّجَها من غيرِ كُفْءٍ، فنِكاحُها باطِلٌ. وهو إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عن أحمدَ، وأحدُ قولَى الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يجوزُ له تَزْوِيجُها من غيرِ كُفءٍ، فلم يَصِحَّ. كسائرِ الأنْكِحةِ المُحَرَّمةِ، ولأنَّه عقَدَ لمُوَلِّيَتِه عَقْدًا لا حَظَّ لها فيه بغير إذْنِها، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِه عَقارَها

стр. 4784

من غير غبْطَةٍ ولا حاجةٍ، أو بَيْعِه بدونِ ثَمَنِ مِثْلِه (٢٠)، ولأنَّه نائبٌ عنها شَرْعًا، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه لها شرعًا (٢١) بما لا حَظَّ لها فيه، كَالوَكِيلِ. والثانية، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَيْبٌ فى المَعْقُودِ عليه، فلم يَمْنَع الصِّحَّةَ، كشِراءِ المَعِيبِ الذى لا يُعْلَمُ عَيْبُه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ النِّكاحُ، إذا عَلِمَ أنَّ الزَّوْجَ ليس بكُفْءٍ، ويصحُّ إذا لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ حَرُمَ عليه العَقْدُ، فبَطَلَ لتَحْرِيمِه، بخلافِ ما لم يَعْلَمْه، كما إذا (٢٢) اشْتَرَى لها مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ نِكاحُ الكبيرةِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ اسْتِدراكُ الضَّرَرِ، بإثباتِ الخِيَارِ لها، فتَفْسَخُ إن كَرِهَتْ، وإن لم تَفْسَخْ كان كإجَازَتها وإذْنِها، بخلافِ نِكاحِ الصَّغيرةِ. وعلى (٢٣) القولِ بصِحّتِه؛ فإن كانت كبيرةً، فلها الخيارُ، ولا خِيارَ لأبِيها إذا كان عالِمًا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه برِضَاه، وإن كانت صغيرةً، فعليه الفَسْخُ، ولا يَسْقُطُ برِضَاه؛ لأنَّه يَفْسَخُه (٢٤) لِحَظِّها، وحَقُّها لا يَسْقُطُ برِضَاه. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ له الفَسْخُ، ولكن يَمْنَعُ الدُّخُولَ عليها حتى تَبْلُغَ فتَخْتارَ. وإن كان لها وَلِىٌّ غيرَ الأبِ، فلها الفَسخُ على ما مَضَى. وعلى كِلْتا الرِّوايتَيْن، فلا يَحِلُّ له تَزْويجُها (٢٥) من غير كُفْءٍ، ولا من مَعِيبٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أقامَه مُقامَها، ناظِرًا لها فيما فيه الحَظُّ، ومُتَصَرّفًا (٢٦) لها، [لعَجْزِها عن التَّصَرُّفِ فى نَفْسِها، فلا يجوزُ له فِعْلُ ما لا حَظَّ لها] (٢٧) فيه، كما فى مالِها، ولأنَّه إذا حَرُمَ عليه التَّصَرُّفُ فى مالِها بما لا حَظَّ فيه، ففى نَفْسِها أوْلَى.

стр. 4785

١١١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَبِ) يعنى ليس لغيرِ الأبِ إجْبارُ كبيرةٍ، ولا تزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كان أو غيرَه. وبهذا قال مالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، والثَّوْرىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وبه قال الشافعىُّ، إلا فى الجَدِّ، فإنَّه جَعَلَه كالأبِ؛ لأنَّ وِلايَتَه وِلايةُ إيلادٍ، فمَلَكَ إجْبارَها (١) كالأبِ. وقال الحسنُ، وعمرُ ابن عبد العزيز، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، وقتادةُ، [وابنُ شُبْرُمةَ] (٢)، والأوْزَاعىُّ، وأبو حنيفةَ: لغيرِ الأبِ تزْويجُ الصغيرةِ، ولها الخِيَارُ إذا بَلَغتْ. وقال هؤلاء غيرَ أبى حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصغيرَيْنِ غيرُ الأبِ، فلهما الخيارُ إذا بَلَغا. قال أبو الخَطَّاب: وقد نَقَلَ عبدُ اللَّه، عن أبِيه، كقولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). فمَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخَفْ، فله تَزْويجُ اليَتِيمةِ، واليتيمُ (٤) مَنْ لم يَبْلُغْ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ" (٥). قال عُرْوةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى﴾. فقالت: يا ابنَ أُخْتِى، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ فى حِجْرِ وَليِّها، فيَشْرَكُها (٦) فى مالِها، ويُعْجِبُه مالُها وجَمالُها (٧)، فيُرِيدُ أن يَتَزَوجَها بغير أن يُقْسِطَ فى صَدَاقِها، فيُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلا أن يُقْسِطُوا فيهنَّ، ويَبْلُغُوا أعْلَى سُنَّتِهِنَّ فى الصَّدَاقِ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ولأنَّه وَلِىٌّ فى النِّكاحِ، فمَلَكَ التَّزْويجَ كالأبِ. ولَنا، قولُ

стр. 4786

النَّبِىِّ ﷺ : "تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فى نفْسِهَا، فَإنْ (٩) سكَتَت فَهُوَ إذنُها، وإِنْ أَبَتْ، فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا". رواه أبو داودَ، والنَّسَائىُّ (١٠). ورَوَى (١١) ابنُ عمرَ، أن قُدامةَ بن مظعونٍ زَوَّجَ ابنَ عمرَ ابْنةَ أخِيه عثمانَ، فرُفِعَ ذلك إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: "إنَّها يَتِيمةٌ، ولَا (١٢) تُنْكَحُ إلَّا بإذْنِهَا" (١٣). واليتيمةُ: الصغيرةُ التى مات أبُوها. ولأنَّ غيرَ الأبِ قاصرُ الشَّفقةِ، فلا يَلِى نِكاحَ صَغِيرَةٍ (١٤)، كالأجنبىِّ، وغيرُ الجَدِّ لا يلى مالَها، فلا يَسْتَبِدُّ بنِكاحِها، كالأجنبىِّ. ولأنَّ الجَدَّ يُدْلِى (١٥) بوِلايةِ غيرِه، فأشْبَهَ سائرَ العَصَباتِ، وفارَقَ الأبَ، فإنَّه يُدْلِى بغيرِ واسطةٍ، ويُسْقِطُ الإِخْوةَ والجَدَّ، ويَحْجُبُ الأُمَّ عن ثُلُثِ المالِ إلى ثُلُثِ الباقى فى زَوْجٍ وأبَوَينِ أو زَوْجةٍ وأبَوَينِ. والآيةُ محمولةٌ على البالغةِ بِدَلِيلِ قولِ

стр. 4787

اللَّه تعالى: ﴿تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ (١٦). وإنَّما يُدْفَعُ إلى الكبيرةِ، أو نَحْمِلُها على بنتِ تِسْعٍ. فصل: وإذا بَلَغتِ الجاريةُ تِسْعَ سِنِينَ، ففيها روايتان؛ إحْداهما، أنَّها كمَن لم تَبْلُغْ تِسْعًا، نَصَّ عليه فى رِوايةِ الأَثْرَمِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ، وسائرِ الفُقَهاءِ. قالوا: حُكْمُ بِنْتِ تِسْع سِنِينَ (١٧)، حُكْمُ بنتِ ثَمانٍ؛ لأنَّها غيرُ بالغةٍ، ولأنَّ إذْنَها لا يُعْتَبرُ فى سائرِ التَّصَرُّفاتِ (١٨)، فكذلك فى النِّكاحِ. والرِّواية الثانية، حُكْمُها حكمُ البالغةِ. نَصَّ عليه فى رِوايةِ ابن مَنْصورٍ؛ لمَفْهُوم الآية، ودَلالةِ الخَبَرَيْن (١٩) بعُمُومِهما، على أن اليَتِيمةَ تُنْكَحُ بإذْنِها، وإن أبَتْ فلا جَوازَ عليها، وقد انْتَفَى (٢٠) به الإذْنُ فى مَن دُونَها، فيَجِبُ حَمْلُه على مَنْ بَلَغتْ تِسْعًا. وقد رَوَى الإمامُ أحمدُ (٢١)، بإسْنادِه عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنها قالتْ: إذا بَلَغتِ الجاريةُ تِسْعَ سِنِينَ فهى امْرأةٌ. ورَواه القاضى، بإسْنادِه عن ابن عمرَ، عن النبىِّ ﷺ . ومَعْناه (٢٢): فى حُكْمِ المرأةِ. ولأنَّها بَلَغتْ سِنًّا يُمْكِنُ فيه حَيْضُها، ويَحْدُثُ لها حاجةٌ إلى النِّكاحِ، فيُباحُ تَزْوِيجُها كالبالغةِ. فعلى هذا إذا زُوِّجَتْ ثم بَلَغتْ، لم يَكُنْ لها خيارٌ، كالبالغةِ إذا زُوِّجَتْ. وقد خَطَبَ عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، أُمَّ كُلثُومٍ ابْنةَ أبى بكرٍ بعدَ مَوْتِه إلى عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، فأجابَتْه، وهى لِدُونِ عَشْر؛ لأنَّها إنما وُلِدَتْ بعد مَوْتِ أبِيها، وإنَّما كانت وِلايةُ عمرَ عَشْرًا، فكَرِهَتْه الجاريةُ، فتزَوَّجَها طَلْحةُ بن عُبَيْدِ

стр. 4788

اللَّه (٢٣)، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فدَلَّ على اتِّفاقِهِم على صِحّةِ تَزْوِيجِها قبلَ بُلُوغِها بوِلايةِ غيرِ أبِيها. واللَّه أعلم. ١١٢٠ - مسألة؛ قال: (ولَوِ اسْتأذَنَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ وَالِدُهَا، كَانَ حَسَنًا) لا نعلمُ خلافًا فى اسْتِحبابِ اسْتِئْذانِها، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد أمَرَ به، ونَهَى عن النِّكاحِ بدُونِه، وأقَلُّ أحْوالِ ذلك الاسْتِحبابُ، ولأن فيه تَطْيِيبَ قَلْبِها، وخُرُوجًا من الخِلافِ. وقالت عائشةُ: سألْتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن الجارِية ينْكِحُها أهْلُها، أتُسْتَأْمَرُ أم لا؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ". وقال: "اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِى أبْضَاعِهِنَّ؛ فَإِنَّ البِكْرَ تَسْتَحِى، فتَسْكُتُ، فَهُوَ إِذْنُها". مُتَّفَقٌ عليهما (١). ورُوِىَ عن عَطاءٍ، قال: كان النبىُّ ﷺ يَسْتَأْمِرُ بناتِه إذا أنْكَحَهُنَّ. قال: كان يَجْلِسُ عند خِدْرِ المَخْطُوبةِ، فيقولُ: "إنَّ فُلَانًا يَذكُرُ فُلَانَةَ". فإن حَرَّكَتِ الخِدْرَ لم يُزَوِّجْها، وإن سَكَتَتْ زَوّجَها (٢). فصل: ويُسْتَحَبُّ اسْتِئذانُ المرأةِ فى تَزْويج ابْنَتِها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "آمِرُوا النِّسَاءَ فِى بَناتِهِنَّ" (٣). ولأنَّها تُشاركه فى النَّظَرِ لِابْنَتِها، وتَحْصِيلِ المصلحةِ لها، لِشَفَقَتِها عليها، وفى اسْتِئْذانِها تَطْيِيبُ قَلْبِها (٤)، وإرْضاءٌ لها فتكون أَوْلَى.

стр. 4789

١١٢١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ بِغيْرِ إذْنِهَا، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وإِنْ رَضِيَتْ بَعْدُ) وجملةُ ذلك أَنَّ [الثَّيِّبَ تَنْقَسِمُ] (١) قِسْمَيْنِ؛ كبيرةً، وصغيرةً، فأمَّا الكبيرةُ، فلا يجوزُ للأبِ [ولا لغيْرِهِ] (٢) تَزْويجُها إلَّا (٣) بإذْنِها، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحَسَنَ قال: له تَزْوِيجُها وإن كَرِهَتْ. والنَّخَعِىُّ قال: يُزَوِّجُ بِنْتَه إذا كانت فى عِيالِه، فإن كانتْ بائِنةً فى بَيْتِها مع عِيالِها اسْتَأْمَرَها. قال إسماعيلُ بن إسْحاقَ: لا أعْلَمُ أحدًا قال فى البِنْتِ بقول الحَسَنِ، وهو قولٌ شاذٌّ، خالَفَ فيه أهلَ العِلْمِ والسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ (٤)، فإنَّ الخَنْساءَ ابنةَ خِذامٍ (٥) الأنْصارِيَّةَ، رَوَتْ أن أباها زَوّجَها وهى ثَيِّبٌ، فكَرِهَتْ ذلك، فأتَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فرَدَّ نِكَاحَه. روَاه البُخارىُّ، والأئمةُ كلُّهم (٦). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحديثُ مُجْمَعٌ (٧) على صِحَّتِه، والقولِ به، لا نَعْلَمُ مُخالِفًا له إلَّا الحَسَنَ، وكانت الخَنْساءُ من أهلِ قُباءَ، وكانت تحت أُنَيْسِ بن قَتادةَ، فقُتِلَ عنها يوم أُحُد، فزَوَّجَها أبُوها رَجُلًا من بنى عَمْرِو بن عَوْفٍ، فكَرِهَتْه، وشَكَتْ ذلك إلى رسولِ اللَّه ﷺ فرَدَّ نِكاحَها، ونَكَحَتْ أبا لُبابةَ بن عبد المُنذِرِ. وروى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 4790

قال: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وقال: "الأيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا" (٨). ورَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَيْسَ لِلْوَلِىِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ". رَواهما النَّسَائِىُّ وأبو دَاودَ (٩). ولأنَّها رَشِيدةٌ عالمةٌ بالمَقْصودِ من النِّكاحِ مُخْتَبرةٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُها عليه، كالرَّجُلِ. القسم الثانى، الثَّيِّبُ الصغيرةُ، [وفى تزْوِيجِها] (١٠) وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ تَزْوِيجُها، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ. واخْتِيارُ (١١) ابن حامدِ، وابنِ بَطَّةَ، والقاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ الإجْبارَ يَخْتَلِفُ بالبَكارَةِ والثُّيُوبةِ، لا بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وهذه ثَيِّبٌ، ولأنَّ فى تَأْخِيرِها فائِدَةً، وهو أن تَبْلُغَ فتَخْتارَ لِنَفْسِها ويُعْتَبَرَ إذْنُها، فوَجَبَ التَّأْخيرُ، بخِلافِ البِكْرِ. الوَجْه الثانى، أن لأَبِيها تَزْوِيجَها، ولا يَسْتَأْمِرُها. اختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّها صغيرةٌ، فجاز إجْبارُها كالبِكْرِ والغُلامِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّها لا تَزِيدُ بالثُّيُوبةِ على ما حصل للغُلامِ بالذُّكُورِيَّةِ، ثم الغُلامُ يُجْبَرُ إذا (١٢) كان صغيرًا، فكذا هذه، والأخبارُ محمولةٌ على الكبيرةِ، فإنه جَعَلَها أحَقَّ بنَفْسِها (١٣) من وَلِيِّها، والصغيرةُ لا حَقَّ لها. ويتَخَرّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ ابْنةَ تِسْعِ سِنِين (١٣) يُزَوِّجُها وَلِيُّها بإذْنِها، ومَن دُونَ ذلك، على ما ذكَرْنا من الخِلافِ؛ لما ذكرنا فى البِكْرِ. واللَّه أعلم. ١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ) أمَّا الثَّيِّبُ، فلا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فى أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللسانَ

стр. 4791

هو المُعَبِّرُ عما فى القَلْبِ، وهو المُعْتَبَرُ فى كلِّ موضعٍ يُعْتَبرُ فيه الإذْنُ، غيرَ أشياءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ فيها الصَّمْتُ مُقامَه لعارِضٍ. وأمَّا البِكْرُ فإذْنُها صُماتُها، فى قولِ عامَّةِ (١) أهلِ العلمِ، منهم؛ شُرَيْحٌ، والشَّعْبىُّ، وإسْحاقُ (٢)، والنَّخَعِىُّ (٣)، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعىُّ، وابنُ شُبْرُمةَ، وأبو حنيفةَ. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الوَلِىِّ أبًا أو غيرَه. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: فى صَمْتِها فى حَقِّ غيرِ الأبِ وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يكونُ إذْنًا؛ [لأنَّ الصُّماتَ عَدَمُ الإِذْنِ، فلا يكونُ إذْنًا] (٤)، ولأنَّه مُحْتَمِلٌ للرِّضَى (٥) والحياءِ وغيرِهما، فلا يكونُ إذْنًا، كما فى حَقِّ الثَّيِّبِ، وإنَّما اكْتُفِىَ به فى حقِّ الأبِ؛ لأنَّ رِضاءَها غيرُ مُعْتَبَرٍ. وهذا شُذُوذٌ عن أهلِ العلمِ، وتَرْكٌ للسُّنَّةِ الصَّحيحةِ الصَّرِيحةِ، يُصانُ الشافعىُّ عن إضافَتِه إليه، وجَعْلِه مَذْهبًا له، مع كَوْنِه مِنْ أتْبَعِ النَّاسِ لِسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا يُعَرِّجُ مُنْصِفٌ على هذا القولَ، وقد تَقَدَّمَتْ رِوايَتُنا عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَى تُسْتَأْذَنَ". فقالوا (٦): يا رسولَ اللَّه، فكيف إذْنُها؟ قال: "أَنْ تَسْكُتَ" (٧). وفى روايةٍ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ البِكْرَ تَسْتَحِى. قال: "رِضَاهَا صُمَاتُها" (٨). مُتَّفَقٌ عليه (٩). وفى روايةٍ: "واليَتيمةُ تُسْتَأْمَرُ، فصَمْتُها إقْرارُها". رواه النَّسائِىُّ. وفى روايةٍ: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتيمَةُ فِى نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا" (١٠). وهذا صريحٌ فى غير

стр. 4792

ذاتِ الأبِ. ورَوى الأثرمُ، عن عَدِىٍّ الكِنْدِىِّ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، والْبِكْرُ رِضَاها صَمْتُها (١١) " (١٢). والأخبارُ فى هذا كثيرةٌ. ولأنَّ الحَياءَ عُقْلةٌ على لِسَانِها، يَمْنَعُها النُّطْقَ بالإِذْنِ، ولا تَسْتَحِى من إبَائِها وامْتِناعِها، فإذا سَكَتتْ غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّه لرِضَاها، فاكْتُفِىَ به. وما ذكَرُوه [يُفْضِى إلى] (١٣) أن لا يكونَ صُماتُها (١٤) إذْنًا فى حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأَنَّهم جَعَلُوا وُجُودَه كَعَدَمِه، فيكونُ إذًا رَدًّا على النبىِّ ﷺ بالكُلِّيَّةِ، واطِّراحًا للأخبارِ الصَّرِيحةِ الجَلِيَّةِ (١٥)، وخَرْقًا لإجْماعِ الأُمَّةِ الْمَرْضِيَّةِ. فصل: فإن نَطَقتْ بالإذْنِ، فهو أبلَغُ وأتَمُّ فى الإِذْنِ من صَمْتِها، وإن بَكَتْ أو ضَحِكَتْ، فهو بمَنْزِلةِ سُكُوتِها. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن بَكَتْ فليس بإِذْنٍ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الكَراهةِ (١٦)، وليس بصَمْتٍ، فيَدْخُلُ فى عُمُومِ الحديثِ. ولَنا، ما رَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تُسْتَأْمَرُ الْيَتيمَةُ، فَإنْ بَكَتْ أو سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوازَ عَلَيْها" (١٧). ولأنَّها غيرُ (١٨) ناطِقةٍ بالامْتناعِ مع سَماعِها للاسْتِئذانِ، فكان إذْنًا منها كالصُّماتِ أو الضَّحِكِ (١٩). والبُكاءُ يَدُلُّ على فَرْطِ الحَياءِ، لا على الكَرَاهةِ، ولو كَرِهَتْ لَامْتَنعتْ، فإنَّها لا تَسْتَحِى

стр. 4793

من الامْتناعِ، والحديثُ يَدُلُّ بصَرِيحهِ (٢٠) على أَنَّ هذا (٢١) الصَّمْتَ إذْنٌ، وبِمَعْناه على ما فى مَعْناه من الضَّحِكِ والبُكاءِ، وكذلك أقَمْنا الضَّحِكَ مُقامَه. فصل: والثَّيِّبُ المُعْتَبرُ نُطْقُها، هى المَوْطُوءةُ فى القُبُلِ، سواءٌ كان الوَطْءُ حَلالًا أو حَرامًا. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، فى المُصابةِ بالفُجُورِ: حُكْمُها حكمُ البِكْرِ فى إذْنِها وتَزْوِيجِها؛ لأنَّ عِلَّةَ الاكتِفاءِ بصُماتِ البِكْرِ الحياءُ، والحياءُ من الشىءِ لا يَزُولُ إلَّا بمباشَرَتِه، وهذه لم تُباشرْ الإذْنَ (٢٢) فى النِّكاحِ، فيَبْقَى (٢٣) حياؤها منه بحالِه. ولَنا، قولُه ﷺ : "الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِها" (٢٤). ولأنَّ قولَه ﷺ : "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وإذْنُها أنْ تَسْكُتَ" (٢٥). يَدُلُّ على أنَّه لابُدَّ من نُطْقِ الثَّيِّبِ؛ لأَنَّه قَسَمَ النِّساءَ قِسْمَيْنِ، فجَعَلَ السُّكوتَ إذْنًا لأحَدِهما، فوَجَبَ أن يكونَ الآخرُ بخِلافِه (٢٦) وهذه ثَيِّبٌ، فإنَّ الثَّيِّبَ هى (٢٧) المَوْطوءةُ فى القُبُلِ، وهذه كذلك. ولأنَّه لو أوْصَى لِثَيِّبِ النِّساءِ دَخَلت فى الوَصِيَّةِ، ولو أَوْصَى للأبْكارِ لم تَدْخُلْ، ولو اشْترطَها فى التَّزْويجِ أو الشِّراءِ بِكْرًا فوَجَدَها مُصابةً بالزِّنَا، مَلَكَ الفَسْخَ، ولأنَّها مَوْطوءةٌ فى القُبُلِ، فأشْبَهتِ المَوْطُوءةَ بشُبْهةٍ، والتعليلُ بالحياءِ غيرُ صحيحٍ، فإنَّه أمْرٌ خَفِىٌّ لا يُمْكِنُ اعتبارهُ بنَفْسِه، وإنَّما يُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِه، وهى البَكارةُ، ثم هذا التَّعْليلُ يُفْضِى إلى إبْطالِ مَنْطوق الحديثِ، فيكونُ باطلًا فى نَفْسِه، ولا فَرْقَ بين المُكْرَهةِ والمُطاوِعةِ، وعلى هذا ليس لأبيهَا (٢٨) إجبارُها إذا كانت

стр. 4794

بالغةً، وفى تَزْويجِها إن كانت صغيرةً وجهان. وقولُهم: إنَّها لم تُباشِر الإِذْنَ. قُلْنا: يَبْطُلُ بالمَوْطوءةِ بِشُبْهةٍ، أو فى مِلْكِ يَمِينٍ، والمُزَوَّجةِ وهى صغيرةٌ. فصل: وإن ذَهَبت عُذْرَتُها بغيرِ جماعٍ، كالوَثْبةِ، أو شِدَّةِ حَيْضةٍ، أو بإصْبَعٍ أو عُودٍ أو نحوِه (٢٩)، فحُكْمُها حكمُ الأبكَارِ. ذكره ابنُ حامدٍ؛ لأنَّها لم تَخْتَبِرِ المقصودَ، ولا وُجِدَ وَطْؤُها فى القُبُلِ، فأشبَهتْ مَنْ لم تَزُلْ عُذْرَتُها. ولو وُطِئَتْ فى الدُّبُرِ لم تَصِرْ ثَيِّبًا، ولا حُكْمُها حُكْمُهنَّ؛ لأنَّها غيرُ مَوْطُوءةٍ فى القُبُلِ. فصل: إذا اخْتَلفَ الزَّوْجُ والمرأةُ فى إذْنِها لِوَلِيِّها (٣٠) فى تَزْوِيجِها قبلَ الدُّخولِ، فالقولُ قولُها، فى قولِ أكثرِ الفقهاء. وقال زُفَرُ فى الثَّيِّبِ كقولِ أهلِ العلمِ، وفى البكْرِ: القولُ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصلَ السُّكوتُ، والكلامُ حادِثٌ والزَّوْجُ (٣١) يَدَّعِى الأصلَ، فالقولُ قولُه. ولَنا، أنَّها مُنْكِرةٌ الإذنَ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه يَدَّعِى أنَّها اسْتُؤْذِنَتْ وسَمِعَتْ فصَمَتتْ، والأصلُ عدمُ ذلك، وهذا جوابٌ عن (٣٢) قولِه [إنَّ الأَصلَ معه] (٣٣). وإن اخْتَلفَا بعدَ الدُّخولِ، فقال القاضى: القولُ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنّ التَّمْكينَ من الوَطْءِ دليلٌ على الإذْنِ وصِحَّةِ النكاحِ، فكان الظاهرُ معه. وهل تُسْتَحْلَفُ المرأةُ إذا قُلْنا: القولُ قولُها؟ قال القاضى: قياسُ المَذْهبِ أنَّه لا يَمِينَ عليها، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّتَهَا (٣٤) فأنْكَرَتْه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: تُسْتَحْلَفُ. فإن نَكَلَتْ، فقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَثْبُتُ النِّكاحُ. وقال الشافعىُّ: يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ، ويَثْبُتُ النِّكاحُ. ولَنا، أنَّه اختلافٌ فى زَوْجِيَّةٍ، فلا يَثْبُتُ بالنُّكولِ، ولا يَحْلِفُ المُدَّعِى معه، كما لو ادَّعَى الزَّوْجُ أصْلَ التَّزْويجِ فأنكَرَتْه، فإن

стр. 4795

كانت المرأةُ ادَّعَتْ أنَّها أَذِنَتْ فأنكَرَ وَرَثةُ الزَّوْجِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّه اخْتلافٌ فى أمرٍ يَخْتَصُّ (٣٥) بها، صادرٌ من جهَتِها، فالقولُ قَوْلُها فيه، كما لو اخْتَلَفُوا فى نِيَّتها فيما تُعْتَبَرُ فيه نِيَّتُها، ولأنَّها تَدَّعِى صِحَّةَ العَقْدِ، وهم يَدَّعُونَ فَسادَه، فالظَّاهرُ معها. فصل: فى المَجْنُونةِ، إن كانت مِمَّنْ تُجْبَرُ لو كانت عاقلةً، جاز تَزْوِيجُها لمن يَمْلِكُ إجْبارَها؛ لأنَّه إذا مَلَكَ إجْبارَها مع عَقْلِها وامْتِناعِها، فمع عَدَمِه أوْلَى. وإن كانت ممَّن لا يُجْبَرُ، انْقَسمت ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدها، أن يكونَ وَلِيُّها الأبَ أو وَصِيَّه، كالثَّيِّب الكبيرةِ، فهذه يجوزُ لوَلِيِّها تَزْويجُها. ذكره القاضى. وهو ظاهرُ كلام الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه جَعَلَ للأبِ تزويجَ المَعتُوهِ، فالمرأةُ أَوْلَى. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ. ومَنَعَ منه أبو بكرٍ؛ لأنَّها وِلايةُ إجْبارٍ، وليس على الثيِّبِ وِلايةُ إجبارٍ. والأوَّلُ أصَحَّ؛ فإنَّ وِلايةَ الإجْبارِ إنَّما انتفَتْ عن العاقلةِ لرَأْيِها، لحُصُولِ (٣٦) المباشَرةِ منها (٣٧) والخِبْرةِ، وهذه بخلافِ ذلك. وكذلك الحكمُ فى الثيبِ الصغيرةِ، إذا قُلْنا بعَدَمِ الإجبارِ فى حَقِّها، إذا كانت عاقلةً. القسم الثانى، أن يكونَ وَلِيُّها الحاكمَ، ففيها وَجْهان؛ أحدهما، ليس له تَزْويجُها بحالٍ؛ لأنَّ هذه وِلايةُ إجْبارٍ، فلا تَثْبُتُ لغيرِ الأبِ، كحالِ (٣٨) عَقْلِها. والثانى، له تزويجُها إذا ظَهَرَ منها شَهْوةُ الرِّجالِ، كبيرةً كانتْ أو صغيرةً. وهو اختيارُ ابن حامد، وأبى الخَطَّابِ، وقولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ بها حاجةً إليه لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوةِ عنها، وصِيانَتِها عن الفُجُورِ، وتَحْصِيلِ المَهْرِ والنَّفَقةِ، والعَفافِ، وصِيَانةِ العِرْضِ، ولا سَبِيلَ إلى إذْنِها، فأُبِيحَ تَزْويجُها، كالثَّيِّبِ مع أبِيها. وكذلك ينبغِى أن يَمْلِكَ تَزْويجَها إن قال أهلُ الطِّبِّ: إن عِلَّتَها تَزُولُ بتَزْوِيجِها (٣٩)؛ لأنَّ ذلك من أعْظَمِ مصالِحها. وقال الشافعىُّ: لا يَمْلِكُ تَزْويجَ صغيرةٍ بحالٍ، ويملكُ تَزْويجَ الكبيرةِ إذا قال أهْلُ الطِّبِّ إنَّ عِلَّتَها تزولُ بتَزْويجِها (٣٩). ولَنا، أَنَّ المَعْنَى المُبِيحَ للتَّزْويج وُجِدَ فى حَقِّ

стр. 4796

الصغيرةِ، فأُبِيحَ تَزْوِيجُها، كالكبيرةِ إذا ظهرتْ منها شهوةُ الرِّجالِ، ففى تَزْوِيجها مَصْلَحَتُها ودَفْعُ حاجَتِها، فأشْبَهَ ما لو قال أهلُ الطبِّ إنَّه يُزِيلُ عِلَّتَها. وتُعْرَفُ شَهْوَتُها من كَلَامِها، وقَرائِنِ أحْوالِها، كتَتَبُّعِها للرِّجالِ، ومَيْلِها إليهم، وأشْباهِ ذلك. القسم الثالث، مَنْ وَلِيُّها غيرُ الأَبِ والحاكِم. فقال القاضى: لا يُزَوِّجُها إلَّا (٤٠) الحاكمُ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ القِسْمِ الثانى، على ما بَيَّناه. وقال أبو الخَطَّابِ: لهم تَزْوِيجُها فى الحالِ التى يَمْلِكُ الحاكمُ تزويجَ مُوَلِّيَتِه فيها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ وِلايَتَهُم مُقَدّمةٌ (٤١) على ولاِدة الحاكِم، فقُدِّمُوا عليه فى التَّزْويجِ، كما لو كانت عاقلةً. ووَجْهُ قولِ القاضى، أَنَّ الحاكمَ هو النَّاظِرُ لها فى مالِها دُونَهم، فيكونُ وَلِيًّا دُونَهم، كتَزْويج أمَتِها، ولأنَّ هذا دَفْعُ حاجةٍ ظاهرةٍ، فكانت إلى الحاكمِ، كدَفْعِ حاجةِ الجُوعِ والعُرْى. فإن كان لها وَصِىٌّ فى مالِها، لم يَمْلِكْ (٤٢) تَزْوِيجَها؛ لأنَّه لا وِلايةَ له فى نِكَاحِها. والحكمُ فى تزويجِها حكمُ مَنْ وَلِيُّها غيرُ الأبِ والحاكمِ، على ما ذكَرْنا. ١١٢٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوَّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، ثَبَتَ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى. وإِنْ فَعَلَ ذلِك غَيْرُ الْأَبِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وكَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ للأبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، بكرًا كانت أو ثَيِّبًا، صغيرةً كانت أو كبيرةً. وبهذا قال أبو حنيفةَ (١)، ومالكٌ. وقال الشافعىُّ: ليس له ذلك، فإن فعَل فلَها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوضةٍ فلم يَجُزْ أن يَنْقُصَ فيه عن قِيمةِ المُعَوَّضِ (٢) كالبَيْعِ، ولأنَّه تَفْرِيطٌ فى مالِها، وليس له ذلك. ولَنا، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خَطَبَ

стр. 4797

الناسَ فقال: ألَا لَا تُغالُوا فى صَداقِ النِّساءِ، فما أصْدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أحدًا من نِسائِه، ولا أحدًا من بَناتِه، أكثرَ من اثْنَتَى عشرَةَ أُوقِيَّةً (٣). وكان ذلك بمَحْضرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنْكِرُوه، فكان اتفاقًا منهم على أَنَّ له أن يُزَوِّجَ بذلك وإن كان دونَ صَداقِ المِثْلِ. وزَوّجَ سعيدُ بن المُسَيَّبِ ابنتَه بدِرْهَمَيْنِ، وهو من ساداتِ قُرَيْشٍ، شَرَفًا وعِلْمًا ودِينًا، ومن المعْلومِ أنَّه لم يكُنْ مَهْرَ مِثْلِها، ولأنَّه ليس المقصودُ من النِّكاحِ العِوَضَ، وإنَّما المقصودُ السَّكَنُ والازْدِواجُ، ووَضْعُ المرأةِ فى مَنْصِبٍ عندَ مَنْ يَكْفُلُها (٤)، ويُصُونُها، ويُحْسِنُ عِشْرَتَها، والظاهرُ من الأبِ، مع تمامِ شَفَقَتِه، وبُلُوغِ نَظَرِهِ (٥)، أنَّه لا يَنْقُصُها من صَدَاقِها إلَّا لِتَحْصِيلِ المعانِى المَقْصُودةِ بالنِّكاحِ، فلا يَنْبَغِى أن يُمْنَعَ من تَحْصِيلِ المقْصودِ بتَفْوِيتِ غيرِه، ويُفارِقُ سائرَ عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فإنَّ المقصودَ فيها العِوَضُ، فلم يَجُزْ تَفْوِيتُه، فأمَّا غيرُ الأبِ، فليس له أن يَنْقُصَها من مَهْرِ مِثْلِها، فإن زَوَّجَ بدون ذلك، صَحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّ فَسادَ التَّسْمِيةِ وعَدَمَها (٦) لا يُؤَثِّر فى النِّكاحِ، ويكونُ لها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه قِيمَةُ بُضْعِها، وليس للوَلِىِّ نَقْصُها منه، فرجَعَتْ إلى مهرِ المِثْلِ (٧). واللَّه أعلم. فصل: وتَمامُ المَهْرِ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ التَّسْمِيةَ ههُنا فاسدةٌ؛ لكَوْنِها غيرَ مَأْذُونٍ فيها شَرْعًا، فوَجَبَ على الزَّوْجِ مَهْرُ المِثْلِ، كما لو زوَّجَها بمَحْرَمٍ. وعلى الوَلِىِّ ضَمانُه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ، فكان عليه الضَّمانُ، كما لو باع مالَها بدون ثَمَنِ مِثْلِه. قال

стр. 4798

أحمدُ: أخافُ أن يكونَ ضامِنًا. وليس الأبُ مثلَ الوَلِىِّ، ولا تَمْلِكُ المرأةُ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد حَصَلَ لها وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِها. واللَّه أعلم. ١١٢٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ زَوَّجَ غُلَامًا غَيْرَ بَالغٍ، أو مَعْتُوهًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا أنْ يُزَوِّجَهُ وَالِدُهُ، أوْ وَصِىٌّ ناظِرٌ لَهُ فِى التَّزْوِيجِ) الكلام فى هذه المسألة فى فصولٍ أربعة: أحدها: أنَّه ليس لغيرِ الأبِ أو وَصِيِّه تزويجُ الغلامِ قبلَ بُلُوغِه. وقال القاضى، فى "المُجَرَّدِ": للحاكمِ تَزْويجُه؛ لأنَّه يَلِى مالَه. وقال الشافعىُّ: يَمْلِكُ وَلِىُّ الصَّبِىِّ تَزْويجَه، لِيَأْلَفَ حِفْظَ فَرْجِه عند بُلُوغِه. وليس بسَدِيدٍ؛ فإنَّ غيرَ الأبِ لا (١) يَمْلِكُ تَزْويجَ الجاريةِ الصغيرةِ، فالغلامُ أَوْلَى. وفارَقَ الأبَ ووَصِيَّه؛ فإنَّ لهما تَزْويجَ الصغيرةِ، ووِلايةَ الإجْبارِ. وسواءٌ أذِنَ الغُلامُ (٢) فى تزويجِه أو لم يَأْذَنْ، فإنَّه لا إذْنَ له. الفصل الثانى: أَنَّ (٣) المَعْتُوهَ؛ وهو الزائِلُ العَقْلِ بجُنُونٍ مُطْبِقٍ، ليس لغيرِ الأبِ وَوَصِيِّه تَزْويجُه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو عبدِ اللَّه بن حامدٍ: للحاكِم تَزْويجُه إذا ظَهَرَ منه شَهْوَةُ النساءِ، بأن يَتْبَعَهُنَّ ويُرِيدَهُنَّ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك من مَصالحِه، وليس له حالٌ يُنْتَظرُ فيها إذْنُه. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ الوَجْهينِ فى تَزْويجِ المَجْنونةِ. وينبغى على هذا القولِ أن يَجُوزَ تَزْويجُه إذا قال أهلُ الطبِّ: إنَّ فى تَزْويجِه ذَهابَ عِلَّتِه. لأنَّه من أعْظَمِ مَصالحِه. واللَّهُ أعلمُ. الفصل الثالث: أَنَّ للأبِ أو وَصِيِّه تزويجَهُما، سواءٌ كان الغلامُ عاقلًا أو مجنونًا، وسواءٌ كان الجُنُونُ مُسْتَدامًا أو طارقًا، فأمَّا الغلامُ السليمُ من الجُنُونِ، فلا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خلافًا فى أَنَّ لأبِيه تَزْويجَه، كذلك قال ابنُ المُنْذِرِ. وممَّن هذا مَذْهَبُه الحسنُ،

стр. 4799

والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعىُّ، وإسحاقُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لما رُوِىَ أن ابنَ عمرَ زَوَّجَ ابنه وهو صغيرٌ، فاخْتَصَما (٤) إلى زيدٍ، فأجازاه (٥) جميعًا. روَاه الأثرمُ بإسْنادِه (٦). وأنت الغلامُ المَعْتُوهُ، فلأبِيه تَزْويجُه. وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ؛ لأنَّه يُلْزِمُه بالتَّزْويجِ (٧) حُقُوقًا من المَهْرِ والنَّفَقةِ، مع عَدَمِ حاجَتِه، فلم يَجُزْ له ذلك، كغيرِه من الأوْلياءِ. ولَنا، أنَّه غيرُ بالغٍ، فمَلَكَ أبُوه تَزْوِيجَه، كالعاقلِ، ولأنَّه إذا جازَ (٨) تَزْويجُ العاقلِ، مع أَنَّ له عندَ (٩) احْتياجِه إلى التَّزْويجِ رأيًا ونَظَرًا لنَفْسِه، فلأَنْ يَجُوزَ تَزْويجُ مَن لا يتوَقَّع فيه ذلك أوْلَى. وفارقَ غيرَ الأب، فإنَّه لا يَمْلِكُ تزويجَ العاقلِ. وأمَّا البالغُ المَعْتوهُ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ، أَنَّ للأبِ تَزْويجَه مع ظُهورِ أماراتِ الشَّهوةِ وعَدَمِها. وقال القاضى: إنَّما يجوز تَزْويجُه إذا ظَهَرتْ منه أماراتُ الشهوةِ باتِّباعِ النِّساءِ ونحوِه. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فى تَزْويجِه مع عَدَمِ حاجَتِه إضرارًا به، بإلْزامِه حُقُوقًا لا مَصْلحةَ له فى الْتِزامِها. وقال أبو بكرٍ: ليس للأبِ تَزْويجُه بحالٍ؛ لأنَّه رَجُلٌ، فلم يَجُزْ إجبارُه على النِّكاحِ كالعاقلِ. وقال زُفَرُ: إن طَرَأ عليه الجنونُ بعدَ البلوغِ، لم يَجُزْ تَزْويجُه، وإن كان مُسْتَدامًا، جازَ. ولَنا، أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فجاز لأبِيه تَزْويجُه كالصغيرِ، فإنَّه إذا جاز تَزْوِيجُ الصغيرِ، مع عَدَمِ حاجَتِه فى الحالِ، وتَوَقُّعِ نَظَرِه عند الحاجةِ، فههُنا أوْلَى. ولَنا، على التَّسْويةِ بين الطَّارئ والمُسْتَدامِ، أنَّه مَعْنَى يُثْبِتُ الوِلايةَ، فاسْتَوَى طارِئُه ومُستدامُه، كالرِّقِّ، ولأنه جُنونٌ يثبِتُ الوِلايةَ على مالِه، فأثْبَتَها عليه فى نِكاحِه (١٠)، كالمُسْتَدامِ. فأمَّا اعْتِبارُ الحاجةِ، فلابُدَّ منها، فإنَّه لا يجوزُ لوَلِيِّه

стр. 4800

تَزْويجُه، إلَّا إذا رأَى المصلحةَ فيه، غيرَ أنَّ الحاجةَ لا تَنْحَصِرُ فى قَضاءِ الشَّهوةِ، فقد تكونُ حاجَتُه إلى الإيواءِ والحِفْظِ، وربَّما كان دَواءً له، ويُتَرَجَّى به شفاؤُه، فجاز التَّزْويجُ له، كقَضاءِ الشَّهْوةِ. واللَّه أعلم. فصل: ومن يُخْنَقُ (١١) فى الأحْيانِ، لا يجوزُ تَزْويجُه إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّ ذلك مُمْكِنٌ، ومَن أمْكَنَ أن يَتَزَوَّجَ لنَفْسِه، لم تَثْبُت الولايةُ عليه كالعاقلِ: ولو زال عَقْلُه ببِرْسامٍ أو مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، فهو كالعاقلِ، فإنَّ ذلك لا يُثْبِتُ الولايةَ على مالِه، فعلى نَفْسِه أوْلَى. وإن لم يُرْجَ زَوالُه، فهو داخلٌ فيما ذكَرْناه. الفصل الرابع: أَنَّ (١٢) وَصِىَّ الأبِ فى النِّكاحِ بمَنْزِلَتِه، على ما ذكَرْنا فى ثُبوتِ الوِلايةِ للوَصِىِّ على المرأةِ. وفى هذا من الخلافِ مثلُ ما فيه، وإنَّما يثْبُتُ ذلك لوَصِىِّ الأبِ فى التَّزْويجِ خاصَّةً، فإن كان وَصِيًّا فى المالِ، لم تَكُنْ له ولايةٌ فى التَّزْويجِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَفيدُ التَّصَرُّفَ (١٣) بالوَصِيَّةِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يُوصَ به إليه، وَوَصِىُّ غيرِ الأبِ، لا وِلايةَ له على صَبِىٍّ ولا (١٤) مَجْنونٍ؛ لأنَّ المُوصِى لا يَمْلِكُ ذلك، فوَصِيُّه أَوْلَى. فصل: وإذا تَزَوَّجَ لصغيرٍ أو مجنونٍ، فإنَّه يَقْبَلُ لهما النِّكاحَ، ولا يجوزُ أن يَأْذَنَ لهما فى قَبُولِه؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ التَّصَرُّفِ. وإن كان الغلامُ ابنَ عَشْرٍ، وهو مُمَيزٌ، فقياسُ المذهبِ جوازُ تَفْوِيض القَبُولِ إليه، حتى يَتَولّاهُ لنَفْسِه، كما يُفَوَّضُ أمْرُ البَيْعِ إليه، ولأنَّه يَمْلِكُ إيقاعَ الطَّلاقِ بنَفْسِه. وإن تَزَوَّجَ له الوَلِىُّ جاز، ؛ يجوزُ أن يَبْتاعَ له، وهذا على الرِّوايةِ التى تقولُ بصِحَّةِ بَيْعِه، ووُقُوعِ طَلَاقِه. وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ ذلك منه. فهذا أوْلَى.
следующие страницы →