← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

فصل: ولا يَثْبُتُ أنَّها أمَةٌ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فإن أقامَ (٥١) بذلك بَيِّنةً، ثَبَتَ. وإن أقَرَّتْ أنَّها أمَةٌ، فقال أحمدُ، فى رِوايةِ إلى الحارثِ: لا يَسْتَحِقُّها بإقْرارِها؛ وذلك لأنَّ إقْرَارَها يُزِيلُ النِّكاحَ عنها، ويُثْبِتُ حقًّا على غيرِها، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِها بمالٍ على غيرِها. وقال، فى رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا شىءَ له حتى يُثْبِتَ، أو تُقِرَّ هى أنها أمَتُه (٥٢). فظاهِرُ هذا أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُها؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ على نَفْسِها بالرِّقِّ، أشْبَهَ غيرَ الزَّوْجةِ. والأَوّلُ أَوْلَى. ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُقْبَلُ من غيرِ ذات الزَّوْجِ إقْرَارُها بالرِّقِّ بعدَ إقْرارِها بالحُرِّيَّةِ؛ لأنَّها أقَرَّتْ بما يَتَعَلَّقُ به حَقُّ اللَّهِ تعالى. فصل: إذا حَمَلَتِ المَغْرُورُ بها، فضَرَبَ بَطْنَها ضارِبٌ، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فعلى الضاربِ غُرَّةٌ؛ لأنَّ هذا الجَنِينَ محكومٌ بحُرِّيَّتِه، ويَرِثُها ورَثَتُه مَنْ كانوا، وعلى الضَّاربِ كَفَّارةُ القَتْلِ. وإن كان الضاربُ أباه، لم يَرِثْه، ووَرِثَه أقارِبُه. ولا يَجِبُ بَذْلُ هذا الولدِ للسَّيِّدِ؛ لأنَّه إنَّما يسْتَحِقُّ بَذْلَ حَىٍّ، وهذا مَيِّتٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ له عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّ الواطئَ فَوّتَ ذلك عليه باعْتِقادِ الحُرِّيةِ، ولَوْلاه لوَجَبَ له ذلك. فصل: إذا تَزَوَّجتِ المرأةُ عبدًا على أنَّه حُرٌّ، فالنِّكاحُ صحيحٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لأنَّ اخْتِلافَ الصِّفَةِ لا يَمْنَعُ صِحّةَ العقدِ، كما لو تَزَوّجَ أمَةً على أنَّها حُرَّةٌ. وهذا إذا كمَلتْ شُرُوطُ النِّكاحِ، وكان ذلك بإذْنِ سَيِّدِه. وإن كانت المرأةُ حُرّةً، وقُلْنا: الحُرِّيةُ ليست من شُرُوطِ الكَفاءةِ. أو أَنَّ فَقْدَ الكفاءةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ. فهو صحيحٌ، وللمَرْأةِ الخِيارُ بين الفَسْخِ والإِمْضاءِ، فإن اختارتْ إمْضاءَه، فلأَوْلِيائِها الاعْتراضُ عليها لعَدَمِ الكَفاءةِ. وإن كانت أمَةً فينْبَغِى أن يكونَ لها الخِيارُ أيضًا؛ لأنَّه لمَّا ثَبَتَ الخِيارُ للعَبْدِ إذا غُرَّ بأمَةٍ (٥٣)، ثَبَتَ للأَمَةِ إذا غُرَّتْ بعَبْدٍ. وكلُّ

стр. 4832

مَوْضِعٍ حَكَمْنا بفَسادِ العَقْدِ ففُرِّقَ بينهما قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ، أو المُسَمَّى، على ما قَدَّمْنا من الاخْتِلافِ. وكلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكاحُ مع القولِ بصِحَّتِه قبلَ الدُّخُولِ، فلا شىءَ لها، وإن كان بعدَه فلها المُسَمَّى؛ لأنَّه فَسْخٌ طَرَأ على نِكاحٍ، فأشْبَه الطَّلَاقَ. فصل: فإن غَرَّهابنَسَبٍ، فبَانَ دُونَه، وكان ذلك مُخِلًّا بالكَفاءةِ، وقُلْنا بصِحّةِ النِّكاحِ، فلها الخِيارُ، فإن اخْتارتِ الإِمْضاءَ، فلأَوْلِيائِها الاعتِراضُ عليها، وإن لم يُخِلَّ بالكَفاءةِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ليس بمُعْتَبَرٍ فى النِّكاحِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطتْه (٥٤) فَقِيهًا، فبانَ بخِلافِه. وكذلك إن شَرَطَتْ غيرَ النَّسَبِ، فإن كان ممَّا يُعْتَبَرُ فى الكَفاءةِ، فهو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه غيرُ مُكافِئ لها فى النَّسَبِ، وإن لم يُعْتَبَرْ فى الكَفاءةِ، كالفِقْهِ والجَمالِ وأشْباه ذلك، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا يُؤَثِّرُ (٥٥) فى النِّكاحِ، فلا يُؤَثِّرُ (٥٦) اشْتِراطُه. وذُكِرَ فيما إذا بانَ نَسَبُه دونَ ما ذَكَرَهُ (٥٧) وَجْهٌ (٥٨) فى ثُبُوتِ الخِيَارِ لها وإِنْ (٥٩) لم يُخِلَّ بالكَفاءةِ، والأَوْلَى ما ذَكَرْناه. واللَّه أعلم. ١١٣٣ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا، فوَلَدُهُ أحْرَارٌ، وَيفْدِيهِمْ إِذَا عَتَقَ، ويَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المَغْرُورَ إذا كان عَبْدًا، فوَلَدُه أحْرارٌ. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ رَقِيقًا؛

стр. 4833

لأنَّ أبَوَيْه رَقِيقٌ. وليس ذلك بصَحِيحٍ، فإنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَها، فكان وَلَدُه حُرًّا، كوَلَدِ الحُرِّ، فإنَّ هذا هو العِلَّةُ المُقْتَضِيَةُ للحُرَّيَّةِ فى مَحَلِّ الوِفَاقِ، ولولا ذلك لَكان رَقِيقًا، فإنَّ عِلَّةَ رِقِّ الوَلَدِ رِقُّ الأُمِّ خاصَّةً، ولا عِبْرَةَ بحالِ الأبِ، بدَلِيلِ وَلَدِ الحُرِّ من الأَمَةِ، ووَلَدِ الحُرَّةِ (١) من العَبْدِ. وعلى العَبْدِ فِداؤُهم؛ لأنَّه فَوّتَ رِقَّهُم باعْتِقادِه وفِعْلِه، ولا مالَ له فى الحالِ، فيُخَرَّجُ فى ذلك وَجْهان؛ أحدهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه بمَنْزِلةِ جِنَايَتِه. والثانى، بذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العَتْقِ، بمَنْزِلةِ عِوَضِ الخُلْعِ من الأَمَةِ إذا بَذَلَتْه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها. ويُفارِقُ الاسْتِدانةَ والجِنايةَ؛ لأنَّه إذا اسْتدانَ أتْلَفَ مالَ الغرِيمِ، فكان جِنايةً منه، وههُنا لم يَجْنِ فى الأوْلادِ جِنايةً، وإنَّما عَتَقُوا من طَرِيقِ الحُكْمِ، وما حَصَلَ له فهم عِوَضٌ، فيكونُ ذلك فى ذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ، ويَرْجِعُ به حين يَغْرَمُه، فإنَّه لا يَنْبَغِى أن يَجِبَ له بَذْلُ ما لم يَفُتْ عليه. وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُتعَجَّلُ فى الحالِ. وإن قُلْنا: إنَّ (٢) الفِداءَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه. وَجَبَ فى الحالِ، ويَرْجِعُ به سَيِّدُه فى الحال، ويَثْبُتُ للعبدِ الخِيارُ إذا عَلِمَ، كما ثَبَتَ (٣) للحُرِّ لمن يَحِلُّ له نِكاحُ الإِمَاءِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فى رِقِّ وَلَدِه، ونَقْصًا فى اسْتِمْتاعِه، فإنَّها لا تَبِيتُ (٤) معه لَيْلًا ونَهارًا، ولم يَرْضَ به. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ له خِيارٌ؛ لأنَّه فَقَدَ صِفَةً لا مَنْقَصَ (٥) بها عن رُتْبَتِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ نَسَبَ امْرأةٍ فبانَتْ بخِلافهِ؛ لأنَّها مُسَاوِيةٌ لِنَسَبِه، بخِلافِ تَغْرِيرِ الحُرِّ. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: لا خِيارَ له، قولًا واحدًا. وقال بعضُهم: فيه قَوْلان. والأَوْلَى ما ذكَرْناه. وإذا اختارَ الإِقامةَ، فالمَهْرُ واجِبٌ، لا يَرْجِعُ به على أحَدٍ. وإن اختارَ الفَسْخَ قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ، وإن كان بعدَه والنكاحُ بإذْنِ سيدِه، فالمَهْرُ واجبٌ عليه، وفى الرُّجُوعِ به خِلافٌ ذكَرْناه فيما مضَى، وإن كان بغيرِ إذْنِه، فالنكاحُ فاسدٌ، فإن دَخَلَ بها ففى قَدْرِ ما يَجِبُ

стр. 4834

عليه (٦) وَجْهان؛ أحدهما، مَهْرُ المِثْلِ. والثانى، الخُمْسانِ. وهل يَرْجِعُ به؟ على وَجْهينِ. فصل: فإن شَرَطَ أنَّها مُسْلِمةٌ، فبانَتْ كافِرَةً، فله الخِيارُ؛ لأنَّه نَقْصٌ وضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَها حُرَّةً فبانَتْ أمَةً. فصل: فإن شَرَطَها بِكْرًا، فبانَتْ ثَيِّبًا. فعن أحمدَ كلامٌ يَحْتَمِلُ أمْرينِ؛ أحدهما، لا خِيارَ له؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يُرَدُّ فيه بعَيْبٍ سِوَى ثمانيةِ عُيُوبٍ، فلا يُرَدُّ فيه (٧) بمُخَالفةِ الشَّرْطِ. والثانى، له الخِيارُ؛ لأنَّه شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودةً، فبانَ خِلافُها، فيَثْبُتُ (٨) له الخِيارُ، كما لو شَرَطَ الحُرِّيَّةَ. وعلى هذا لو شَرَطَها ذاتَ نَسَبٍ، فبانَتْ دُونَه، أو شَرَطَها بَيْضاءَ، فبانَتْ سَوْداءَ، أو شَرَطَها (٦) طَوِيلةً، فبانَتْ قَصِيرةً، أو حَسْناءَ فبانَتْ شَوْهاء، خُرِّجَ فى ذلك كلِّه وَجْهان. ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشَّافعىِّ. وقال أبو ثَوْرٍ: القِياسُ أَنَّ له الرَّدَّ إن كان فيه اخْتِلافٌ، وإن كان إجْماعًا فالإِجْماعُ أَوْلَى من النَّظَرِ. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: لا أعلمُ أحدًا وافقَ أبا ثَوْرٍ على مَقَالَتِه. وممَّن أَلْزَمَ الزَّوْجَ مَنْ هذه صِفَتُها الثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورَوَى الزُّهْرِىُّ، أَنَّ رَجُلًا تزَوَّجَ امرأةً، فلم يَجِدْها عَذْراءَ، كانت الْحَيْضةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَها، فأرْسَلَتْ إليه عائشةُ: إنَّ الحَيْضَةَ تُذهِبُ العُذْرَةَ يَقِينًا (٩). وعن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وإبراهيمَ، فى الرَّجُلِ إذا لم يَجِدِ امْرَأتَه عَذْراءَ: ليس عليه شىءٌ، العُذْرةُ تُذْهِبُها الوَثْبةُ، وكَثرةُ الحَيْضِ، والتَّعَنُّسُ، والحِمْلُ الثقيلُ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 4835

فصل: وإذا تزَوَّجَ امرأةً يَظُنُّها حُرَّةً، فبانَتْ أَمَةً، أو يظنُّها مُسْلِمةً، فبانتْ كافرةً، أو تزَوَّجَتْ عَبْدًا تظنُّه حُرًّا، فلهم الخِيارُ، كما لو شَرَطُوا (١٠) ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، فى امْرأةٍ تَزَوَّجَتْ عبدًا تَظُنُّه حُرًّا، فلها الخِيارُ. وقال الشافعىُّ، فى الأَمَةِ: لا خِيارَ له. وفى الكافرةِ: له الخِيارُ. وقال بعضُهم فهما حميعًا قَوْلان. ولَنا، أَنَّ بعضَ الرِّقِّ أعْظَمُ ضَرَرًا، فإنَّه يُؤَثِّرُ فى رِقِّ وَلَدِه، ويَمْنَعُ (١١) كمالَ اسْتِمْتاعِه، فكان له الخِيارُ، كما لو كانت كافرةً. فصل: وإن شَرَطَها أَمَةً، فبانَتْ حُرّةً، أو ذاتَ نَسَبٍ، فبانتْ أشْرَفَ منه، أو على صِفَةٍ دَنِيئةٍ، فبانتْ خَيْرًا من شَرْطِه، أو كافرةً، فبانت مُسْلِمةً، فلا خِيارَ له فى ذلك؛ لأنَّه زِيادةٌ. وقال أبو بكرٍ: له الخِيارُ إذا بانتْ مُسْلِمةً؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ فى عَدَم وُجُوبِ العِباداتِ. والأَوَّلُ أَوْلَى. فصل: وكلُّ موضعٍ ثَبَتَ له الخِيارُ ففَسَخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ عليه. وإن فَسَخَ بعدَه، وكان التَّغْرِيرُ ممَّن له المَهْرُ، فلا شىءَ عليه أيضًا، وإن كان من غيرِه، فعليه المَهْرُ، يَدْفَعُه ثم يَرْجِعُ به على الغارِّ، فإن كان التَّغْرِيرُ من أوْلِيائِها، رَجَعَ عليهم، وإن عَلِمَ بَعضُهم احْتمَلَ أن يَرْجِعَ عليه وحدَه؛ لأنَّه الغارُّ، واحْتَمَلَ أن يَرْجِعَ على جَمِيعِهم؛ لأنَّ حُقُوقَ الآدَمِيِّينَ فى العَمْدِ والسَّهْوِ سواءٌ. ١١٣٤ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِى صَدَاقَها. بحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ العِتْقُ وَالنِّكاحُ. وإِذَا قَالَ: أشْهَدٌ أنِّى قَدْ أعْتَقْتُها، وجَعَلْتُ عِتْقَها صَدَاقَها. كَانَ العِتْقُ والنِّكاحُ أيْضًا ثابِتَيْ نِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ (١) العِتْقُ أو تأَخَّرَ،

стр. 4836

إِذَا لَمْ يكُنْ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بنِصْفِ قِيمَتِهَا) فى هذه المسألةِ خمسةُ فُصُولٍ (٢): الأول: أَنَّ ظاهِرَ المذهبِ أن الرَّجُلَ متى (٣) أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها، فهو نِكاحٌ صحيحٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايةِ الْجماعةِ (٤). ورُوِىَ ذلك (٥) عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وفَعَلَه أنَسُ بن مالكٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيِّبِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، واسحاقُ. وقال الأوْزَاعىُّ: يَلْزَمُها أن تَتَزَوَّجَه. ورَوَى المَرُّوذِىُّ عن أحمدَ (٦): إذا أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها، يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُه. وظاهرُ هذا أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ النِّكاحِ. قال (٧) أبو الخَطَّابِ: هى الصحيحةُ. واختارَها القاضى، وابنُ عقيلٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ إيجابٌ وقَبُولٌ، فلم يَصِحَّ لعَدَم أرْكانِه، كما لو قال: أعْتَقْتُكِ. وسَكَتَ، ولأنَّها بالعِتْقِ تَمْلِكُ نَفْسَها، فيَجِبُ أن يُعْتبَرَ رِضَاها، كما لو فصلَ بينهما، لأنَّ العِتْقَ يُزِيلُ مِلْكَه عن الاسْتِمْتاعِ بحَقِّ المِلْكِ، فلا يجوزُ أن يَسْتَبِيحَ الوَطْءَ بنَفْسِ (٨) المُسَمَّى (٩)، فإنَّه لو قال: بِعْتُكَ هذه الأَمَةَ، على أن تُزَوِّجَنِيها بالثَّمنِ. لم

стр. 4837

يَصِحَّ. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أعْتَقَ صَفِيّةَ، وجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقَها. متفقٌ عليه (١٠). وفى لفظ: أعْتَقَها وتَزَوَّجَها. فقلتُ يا أبا حَمْزَةَ، ما أصْدَقَها؟ قال: نَفْسَها (١١). ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْناده عن صَفِيَّةَ. قالت: أعْتَقَنِى رسولُ اللَّه ﷺ ، وجَعَلَ عِتْقِى صَدَاقِى (١٢). وبإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يقولُ: إِذَا أعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِه، فجعل عِتْقَها صَدَاقَها، فلا بَأْسَ بذلك. ومتى ثَبَتَ العِتْقُ صَدَاقًا، ثَبَتَ النِّكاحُ؛ لأنَّ الصَّداقَ لا يتقَدَّمُ النِّكاح، ولو تأخَّرَ العِتْقُ عن النِّكاحِ لم يَجُزْ، فدَلَّ على أنَّه انْعَقَدَ (١٣) بهذا اللَّفْظِ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه اسْتَأْنَفَ عَقْدًا، ولو اسْتَأْنَفه لظَهَر، ونُقِلَ كما نُقِلَ غيرُه، ولأنَّ مَنْ جاز له تَزْوِيجُ امْرأةٍ لغيرِه من غيرِ قَرابةٍ، جاز له أن يتَزَوَّجَها، كالإِمامِ. وقولُهم: لم يُوجَدْ إيجابٌ ولا قَبُولٌ. عَدِيمُ الأَثَرِ (١٤)؛ فإنَّه لو وُجِدَ لم يَحْكُموا بصِحَّتِه، وعلى أنَّه إن لم يُوجَدْ فقد وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه، وهو جَعْلُ العِتْقِ صَداقًا، فأشْبَهَ ما لو تزَوَّجَ امرأةً هو وَلِيُّها، وكما لو قال الخاطِبُ للوَلِىِّ: أزَوَّجْتَ؟ فقال: نعم. وقال للزَّوْجِ: أقَبِلْتَ؟ فقال: نعم. عندَ أصْحابِنا، وكما لو أتى بالكِنَاياتِ عندَ أبى حنيفةَ ومَنْ وافَقَه. الفصل الثانى: أَنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بقوله: أعْتَقْتُكِ، وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ وتَزَوَّجْتُكِ. وبذلك خالِيًا عن قوله: وتَزَوَّجْتُكِ. وهذا لفظُ الْخِرَقِىِّ، وهو الذى جاء فى حديثِ أنسٍ. وبقولِه: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. أو جعلتُ (١٥) صَداقَكِ عِتْقَكِ.

стр. 4838

وهذا معنى قولِ الْخِرَقِىِّ: "سواءٌ تَقَدّمَ العِتْقُ أو تأخَّرَ". ونَصَّ أحمدُ على هذا، فى رِوايةِ صالحٍ: إذا قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَك. أو صَدَاقَكِ عِتْقَكِ. كلُّ ذلك جائزٌ. الفصل الثالث: أن لا يكونَ بينهما فَصْلٌ. ولو قال أعْتَقْتُكِ. وسَكَتَ سُكُوتًا يمْكِنُه الكلامُ فيه، أو تَكَلَّمَ بكلامٍ أجْنَبىٍّ، ثم قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها صارتْ بالعِتْقِ حُرّةً، فيَحْتاجُ [أن يتَزَوَّجها] (١٦) برِضَاها بصَداقٍ جديدٍ. الفصل الرابع: أنَّه لابُدَّ من شاهِدَيْنِ إذا قُلْنا باشْتِراطِ الشَّهادةِ فى النِّكاحِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايةِ الجماعةِ، وذلك لقوله: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَيْنِ" (١٧). الفصل الخامس: أنَّه إذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ قِيمَتِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فى نِصْفِ ما فَرَضَ لها، وقد فَرَضَ لها نَفْسَها، ولا سَبِيلَ إلى الرُّجوعِ فى الرِّقِّ بعدَ زَوَالهِ، فيَرْجِعُ (١٨) بنِصْفِ قِيمةِ نَفسِها. وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ. وقال الأوْزَاعىُّ: يَرْجِعُ برُبْعِ قِيمَتِها. ولَنا، أنَّه طلاقٌ قبلَ الدُّخولِ، فأوْجَبَ الرُّجُوعَ [فى النِّصْفِ] (١٩)، كسائرِ الطَّلاقِ. وتُعْتَبرُ القِيمةُ حالةَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّها حالةُ الإِتْلافِ. فإن لم تَكُنْ قادِرةً على نِصْفِ القِيمةِ، فهل تُسْتَسْعَى فيها، أو تكونُ دَيْنًا تُنْظَرُ به إلى حالِ القُدْرةِ؟ على روَايتَيْنِ. وإن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ [لا يَنْعَقِدُ] (٢٠) بهذا القولِ. فعليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه أزال مِلْكَه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمةِ المُفَوَّتِ، كالبَيْعِ الفاسِدِ. وكذلك إن قُلْنا: إن النِّكاحَ انْعَقَدَ به. فارْتَدّتْ قبلَ

стр. 4839

الدُّخُولِ، أو فَعَلَتْ ما يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، مثل أن أرْضَعَتْ زَوْجَةً له صغيرةً، ونحو ذلك، انْفَسَخَ نِكاحُها، وعليها قِيمةُ نَفْسِها. فصل: وان قال لأَمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِى نَفْسَكِ، ويكونَ عِتْقُكِ صَدَاقَكِ. أو لم يَقُل: ويكونَ عِتْقُكِ صَدَاقَكِ. فقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْها أن تُزَوِّجَه نَفْسَها؛ لأنَّه سَلَفٌ فى نِكاحٍ (٢١)، فلم يَلْزَمْها، كما لو (٢٢) أسْلَفَ حُرّةً أَلْفًا على أن يتَزَوَّجَها، ولأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها من الْخِيارِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِه، فلم يَسْقُطْ، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَه قبلَ البَيْعِ، ويَلْزَمُها قِيمَةُ نَفْسِها. أوْمأ إليه أحمدُ، فى رِوايةِ عبدِ اللَّه. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أزَالَ مِلْكَه منها بشَرْطِ عِوَضِ لم يُسَلَّمْ له، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بقِيمَتِه، كالبَيْعِ الفاسدِ إذا تَلِفَتِ السِّلْعةُ فى يَدِ المُشْتَرِى، والنِّكاحِ الفاسدِ إذا اتَّصَلَ به الدُّخُولُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها شىءٌ، بِناءً (٢٣) على ما إذا قال لِعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ على أن تُعْطِينِى ألْفًا. وهذا قولُ مالكٍ، وزُفَرَ؛ لأنَّ هذا ليس بلَفْظِ شَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: أعْتَقْتُكِ، وزَوِّجِينِى نَفْسَكِ. وتُعْتَبرُ القِيمَةُ حالةَ العِتْقِ، ويُطالِبُها بها فى الحالِ إن كانت قادِرَةً عليها، وإِن كانت مُعْسِرةً، فهل تُنْظَرُ إلى المَيْسرَةِ، أو تُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على وَجْهَيْن (٢٤)، أصْلُهما فى المُفلِسِ هل يُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على رِوَايتَيْن. فصل: وإِن اتَّفَقَ السَّيِّدُ وأمَتُه على أن يُعْتِقَها، وتَزَوِّجَه نَفْسَها، فَتَزَوّجَها على ذلك، صَحَّ، ولا مَهْرَ لها غيرَ ما شَرَطَ من العِتْقِ. وبه قال أبو يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يكونُ العِتْقُ صَدَاقًا، لكن إن تزَوَّجَها على القِيمةِ التى له فى ذِمَّتِها، وهما يَعْلَمانِ القِيمةَ، صَحَّ الصَّدَاقُ. ولَنا، أَنَّ العِتْقَ صَلَحَ صَداقًا فى حَقِّ النَّبِىِّ ﷺ ،

стр. 4840

فيَجُوزُ فى حَقِّ أُمَّتِه كالدَّراهمِ، ولأنَّه يَصْلُحُ عِوَضًا فى البَيْعِ، فإنَّه لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على ألفٍ. جازَ، فلَأنْ يكونَ عِوَضًا فى النِّكاحِ أوْلَى؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يُقْصَدُ فيه العِوَضُ. وعلى هذا لو تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أباهَا، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايةِ عبدِ اللَّه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ العِتْقَ يَصِيرُ صَداقًا، كما لو دَفَعَ إليها مالًا ثم تَزَوَّجَها عليه. فإن بَذَلَتْ له نَفْسَها ليتَزَوَّجَها فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ، وكانتْ له القِيمةُ؛ لأنَّها إذا لم تُجْبَرْ على تَزْوِيجِه نَفْسَها، لم يُجْبَرْ هو على قَبُولِها. وحكمُ المُدَبّرة، والمُعْتَقةِ بصِفَةٍ، وأُمِّ الوَلَدِ، حكمُ الأَمَةِ القِنِّ فى جَمِيعِ ما ذكَرْناه. فصل: وإن أعْتَقَتِ امرأةٌ عَبْدَها، بشَرْطِ أن يتَزَوَّجَها، عَتَقَ، ولا شىءَ عليه؛ لأنَّ النِّكاحَ يَحْصُلُ به المِلْكُ للزَّوْجِ، وليس بمَمْلُوكٍ به، فإذا اشْتَرَطَتْ عليه إثْباتَ المِلْكِ له، لم يَلْزَمْه ذلك، كما لو اشترطتْ عليه أن تُمَلِّكَه دارًا. ولو أراد العبدُ تَزَوُّجَها (٢٥) لم تُجْبَرْ؛ لأنَّ الشَّرْط لها، فلا يُوجَبُ عليها، كما لو شَرَطَ السَّيِّدُ على أمَتِه أن تُزَوِّجَه نَفْسَها، لم يَلْزَمْه ذلك. فصل: ولا بأسَ أن يُعْتِقَ الرَّجُلُ الأَمَةَ ثم يتَزَوَّجَها، سواءٌ أعْتَقَها لوَجْهِ اللَّه تعالى، أو أعْتَقَها ليتَزَوَّجَها. وكَرِه أنسٌ تَزَوُّجَ (٢٦) مَنْ أعْتَقَها للَّهِ تعالى. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: رَوَى شُعْبةُ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، أنَّه كَرِهَ أن يُعْتِقَ الأمَةَ، ثم يتَزَوَّجَها (٢٧)؟ فقال: نعم، ذاكَ (٢٨) إذا أعْتَقَها للَّه، كَرِهَ أن يَرْجِعَ فى شىءٍ منها. ولَنا، ما رَوَى أبو مُوسَى، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فعَلَّمَهَا، وأحْسَنَ إلَيْهَا، ثُمَّ أعْتَقَها، وتَزَوَّجَهَا، فَذلِكَ لهُ أَجْرَانِ". متفقٌ عليه (٢٩). ولأنَّه إذا

стр. 4841

تَزَوَّجَها، فقد أحْسَنَ إِليها بإعْفافِها (٣٠) وصِيانَتِها، فلم يُكْرَه، كما لو زَوَّجَها غيرَه، وليس فى هذا رُجُوعٌ فيما جُعِلَ للَّه تعالى؛ فإنَّه إنَّما يتَزَوَّجُها بصَدَاقِها، فهو بمَنْزِلةِ من اشْتَرَى منها شَيْئًا. فصل: وإذا أراد أن يتَزَوَّجَها بعد عِتْقِها، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْراءٍ، سواءٌ كان يَطَؤُها أو لم يكُنْ يطَؤُها (٣١)؛ لأنَّ الاسْتِبْراءَ لصِيانةِ الماءِ، ولا يُصانُ ذلك عنه. فإن اشْتَرى أمَةً فأعْتَقَها قبلَ أن يَسْتَبْرِئَها، لم يَحِلَّ له أن يتَزَوَّجَها ولا يُزَوّجَها حتى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنَّه كان واجِبًا، فلا يَسْقُطُ بإعْتاقِه لها. قال أحمدُ، فى الرَّجُلِ تكونُ له الأمَةُ (٣٢) لايطَؤُها فيُعْتِقُها: لا يتَزَوَّجُها من يَوْمِها حتى يَسْتَبْرِئَها، فإن كان يَطَؤُها فأعْتَقَها، تزَوَّجَها من يَوْمِه، ومتى شاءَ؛ لأنَّها فى مائِه. قال القاضى: معنى قوله: إن كان يَطَؤُها. أن يَحِلَّ له وَطْؤُها وهى التى قد اسْتَبْرَأها. وقوله: إن كان لا يَطَؤُها. أى لا يحِلُّ له وَطْؤُها وهى التى لم يَمْضِ عليها زَمانُ الاسْتِبْراءِ، فلا يحلُّ له تَزَوُّجُها (٣٣) حتى يسْتَبْرِئَها. وإذا مَضَى لها بعضُ الاسْتِبراءِ قبلَ عِتْقِها، أتَمَّتْه بعدَه، ولا يَلْزَمُها اسْتِئْنافُ الاسْتِبراءِ؛ لأنَّ الاستبراءَ وَجَبَ بالشِّراءِ، لا بالعِتْقِ، فيُحْسَبُ ابتداؤُه من حين وُجِدَ سَبَبُه (٣٤). فصل: وإذا (٣٥) قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ، على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِى. فأعْتَقَه، لم يَلْزَمْه أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه؛ لأنَّه سَلَفٌ فى نِكاحٍ (٣٦)، وعليه قِيمةُ العَبْدِ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ القَوْلَيْن (٣٧): لا يَلْزَمُه شىءٌ؛ لأنَّه لا فائدةَ له فى العِتْقِ. ولَنا، أنَّه أزَالَ مِلْكَه عن عَبْدِه

стр. 4842

بعِوَضٍ شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّى، وعلىَّ ثَمَنُه. وكما لو قال: طَلَّقْ زَوْجَتَكَ، وعلىَّ أَلْفٌ. فطَلَّقَها (٣٨)، أو قال (٣٩): ألْقِ مَتاعَكَ فى البَحْرِ، وعلىَّ ثَمَنُه. وبهذه الأصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لا فائِدةَ له فى العِتْقِ. ١١٣٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِىِّ: أزَوَّجْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ للمُتَزَوِّجِ (١): أقَبِلْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَدِ انْعَقَد النِّكَاحُ إذَا [كَانَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ] (٢)) وقال الشافعىُّ: لا يَنْعقِدُ حتى يقولَ معه: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، ويقولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ؛ لأنَّ هذَيْنِ رُكْنَا العَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بدُونِهِما. ولَنا، أَنَّ نَعَمْ جوابٌ لقَوْلِه: أزَوَّجْتَ وقَبِلْتَ، والسؤالُ يكون مُضْمَرًا فى الجوابِ مُعَادًا فيه، فيكونُ معنى نعم من الوَلِىِّ: زَوَّجْتُه ابْنَتِى. ومعنى نعم من المُتَزَوِّجِ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ. ولا احْتِمالَ فيه، فيَجِبُ أن يَنْعَقِدَ به، ولذلك لمَّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (٣). كان إقْرارًا منهم بوُجْدانِ ذلك أنَّهم وَجَدُوا ما وَعَدَهُم رَبُّهُم حَقًّا. ولو قِيلَ لرَجُلٍ: لى عليكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فقال: نعم. كان إقرارًا صَرِيحًا (٤) لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، ولا يُرْجَعُ فى ذلك إلى تَفْسِيرِه، وبمِثْلِه تُقْطَعُ اليَدُ فى السَّرِقةِ، فوَجَبَ أن يَنْعَقِدَ به التَّزْويجُ، كما لو لَفَظَ بذلك. فصل: ولو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. فقال: قَبِلْتُ. انْعَقدَ النِّكاحُ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التزويجَ،

стр. 4843

لأنَّه كِنايةٌ فى النِّكاحِ يفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ والإِضْمارِ، فلم ينْعَقِدْ به، كلفظِ الهِبَةِ والبَيْعِ. ولَنا، أَنَّ القَبُولَ صريحٌ فى الجَواب، فانْعَقَدَ به، كما ينْعَقِدُ به البَيْعُ وسائرُ العُقُودِ. وقولُهم: يفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه جَوابٌ فلا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى المذكورِ. فصل: وينْعَقِدُ النِّكاحُ بلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويج. والجوابُ عنهما إجماعًا، وهما اللّذانِ وَرَدَ بهما نَصُّ الكِتاب فى قولِه سُبْحانه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٥). وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦). وسواءٌ اتَّفَقَا من الجانِبَيْنِ أو اخْتَلَفا، مثل أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِى هذه (٧). فيقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التَّزْوِيجَ (٨). ولا ينْعَقِدُ بغيرِ لَفْظِ الإنْكاحِ والتَّزْوِيجِ. وبهذا قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعةُ، والشافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، ودَاودُ: ينْعَقِدُ بلَفْظِ الهِبَةِ والصَّدَقةِ والبَيْعِ والتَّمْلِيكِ (٩). وفى لَفْظِ الإِجَارةِ عن أبى حنيفةَ روايتانِ. وقال مالكٌ: ينْعَقِدُ بذلك إذا ذَكَرَ المَهْرَ. واحْتَجُّوا بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امرأةً، فقال: "قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". روَاه البُخارىُّ (١٠). ولأنَّه لَفْظٌ ينْعَقِدُ به تَزْوِيجُ النَّبِىِّ ﷺ ، فانْعَقَدَ به نِكاحُ أُمَّتِه، كلَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْوِيجِ، [ولأنَّه أمْكَنَ] (١١) تَصْحِيحُه بمجازِه، فوَجَبَ تَصْحِيحُه، كإِيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنَايَاتِ. ولَنا، قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢). فذكَر ذلك خالِصًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولأنَّه لَفْظٌ ينْعَقِدُ به غيرُ النِّكاحِ [فلم يَنْعَقِدْ به النِّكاحُ] (١٣)، كلَفْظِ الإِجَارةِ والإِبَاحةِ والإِحْلالِ، ولأنَّه ليس بصَرِيحٍ فى

стр. 4844

النِّكاحِ، فلا يَنْعَقِدُ به، كالذى ذكَرْنا؛ وهذا لأنَّ الشّهادةَ شَرْطٌ [فى النِّكاحِ] (١٤)، والكِنَايةُ إنَّما تُعْلَمُ (١٥) بالنِّيَّةِ، ولا يُمْكِنُ الشَّهادةُ على النِّيَّةِ، لعَدَمِ اطِّلَاعِهِم عليها، فيَجِبُ أن لا (١٦) يَنْعَقِدَ، وبهذا فارَقَ بَقِيّةَ العُقُودِ والطَّلاقِ. وأمَّا الخبرُ، فقد رُوِىَ: "زَوَّجْتُكَها" و"أنْكَحْتُكَهَا" و"زَوَّجْنَاكَهَا". من طُرُقٍ صحيحةٍ. والقِصّةُ واحدةٌ، والظاهرُ أن الرَّاوِىَ رَوَى بالمَعْنَى ظَنًّا منه أَنَّ مَعْناها (١٧) واحدٌ، فلا تكونُ حُجَّةً، وإن كان النَّبِىُّ ﷺ جَمَعَ بين الألفاظِ، فلا حُجّةَ لهم فيه؛ لأنَّ النِّكاحَ انْعَقدَ بأحَدِها، والباقى فَضْلَةٌ. فصل: ومن قَدَرَ على لفظِ النِّكاحِ بالعَرَبِيَّةِ، لم يَصِحَّ عَقْدُهُ (١٨) بغيرِها. وهذا أحدُ قَوْلَى (١٩) الشافعىِّ. وعند أبى حنيفةَ: يَنْعَقِدُ؛ لأنَّه أتَى بلَفْظِه الخاصِّ، فانْعَقَدَ به، كما ينْعَقِدُ بلَفْظِ العَرَبِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عَدَلَ عن لَفْظِ الإِنْكاحِ والتَّزْويجِ مع القُدْرَةِ، فلم يَصِحَّ، كلَفْظِ الإِحْلالِ. فأمَّا مَنْ لا يُحْسِنُ العربيَّةَ، فيَصِحُّ منه عقدُ النِّكاحِ بلِسَانِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عمَّا سِوَاه، فسَقَطَ عنه كالأخْرَسِ، ويَحْتاجُ أن يَأْتِىَ بمَعْناهما الخاصِّ، بحيث يَشْتَمِلُ على معنى اللَّفْظِ العَرَبىِّ. وليس على مَنْ لا يُحْسِنُ العربيةَ تَعَلُّمُ ألفاظِ النّكاحِ بها. وقال أبو الخَطَّابِ: عليه أن يَتَعَلَّم؛ لأنَّ (١٨) ما كانت العربيَّةُ شَرْطًا فيه، لَزِمَه أن يتعَلَّمها مع القُدْرةِ، كالتَّكْبِيرِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أَنَّ النِّكاحَ غيرُ واجبٍ، فلم يَجِبْ تعلُّمُ أرْكانِه بالعربيَّةِ كالبَيْعِ، بخِلافِ التَّكْبيرِ. فإنْ كان أحدُ العاقِدَيْن (٢٠) يُحْسِنُ العربيَّةَ دُونَ

стр. 4845

الآخَر، أتى الذى يُحْسِنُ العربيةَ بها، والآخَرُ يَأْتِى بلِسَانِه. فإن كان أحَدُهُما لا يُحْسِنُ لِسانَ (٢١) الآخَر، احْتاجَ أن يَعْلَمَ أَنَّ اللفظةَ التى أتَى بها صاحِبُه لَفْظَةُ الإِنْكاحِ، بأن يُخْبِرَه بذلك ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسانَيْنِ جميعًا. فصل: فأمَّا الأَخْرَسُ فإن فُهِمَتْ إشَارَتُه صَحَّ نِكَاحُه بها؛ لأنَّه معنًى لا يُسْتفادُ إلَّا من جِهَتِه (٢٢)، فصَحَّ بإشَارَتِه، كبَيْعِه وطَلَاقِه ولِعَانِه، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، لم يَصِحَّ منه. كما لم يَصِحَّ غيرُه من التَّصَرُّفاتِ القَوْلِيَّةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ بين شَخْصَيْنِ، فلابدَّ من فَهْمِ كلِّ واحدٍ منهما ما يَصْدُرُ عن (٢٣) صاحِبِه. ولو فَهِمَ ذلك صاحِبُه العاقدُ معه، لم يَصِحَّ حتى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أيضًا؛ لأنَّ الشهادةَ شَرْطٌ، ولا يَصِحُّ على ما لا يُفْهَمُ. قال أحمدُ: لا يُزَوِّجُه وَلِيُّه. يعنى إذا كان بالِغًا؛ لأنَّ الخَرَسَ لا يُوجِبُ الحَجْرَ، فهو كالصَّمَمِ. فصل: إذا تقدَّمَ القَبُولُ على الإِيجابِ. لم يَصِحَّ. رِوايةً واحدةً، سواءٌ كان بلَفْظِ الماضِى، مثل أن يقولَ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ. فيقول: زَوَّجْتُكَ. أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: زَوِّجْنِى ابْنَتَك. فيقول: زَوَّجْتُكَها. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: يَصِحُّ فيهما جميعًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ الإِيجابُ والقَبُولُ، فيَصِحُّ (٢٤) كما لو تقدَّمَ الإِيجابُ. ولَنا، أَنَّ القَبُولَ إنَّما يكونُ للإِيجابِ، فمتى وُجِدَ قبلَه لم يكُنْ قَبُولًا؛ لعَدَمِ معناه، فلم يَصِحَّ، كما لو تقدَّمَ بلَفْظِ الاسْتِفهامِ، ولأنَّه لو تأَخَّرَ عن الإِيجابِ بلَفْظِ الطَّلَبِ، لم يَصِحَّ، فإذا تقدَّم كان أَوْلَى، كصِيغَةِ الاستفهام، ولأنَّه لو أتى بالصِّيغَةِ المَشْرُوعةِ مُتَقَدِّمةً، فقال: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ. فقال الوَلِىُّ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. لم يَصِحَّ، فلَأن لا

стр. 4846

يَصِحَّ إذا أتى بغيرِها أَوْلَى. وأمَّا البيعُ فلا يُشْتَرطُ فيه صِيغةُ الإيجابِ والقَبُولِ، بل يَصِحُّ بالمُعاطاةِ، ولأنَّه لا يَتَعَيّنُ فيه لَفْظٌ، [بل يَصِحُّ] (٢٥) بأىِّ لَفْظٍ كان ممَّا يُؤَدِّى المعنى، ولا يَلْزَمُ الخُلْعُ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الشُّرُوطِ. فصل: إذا عَقَدَ النِّكاحَ هازِلًا أو تَلْجئةً، صَحَّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ، وجِدهُنَّ جِدٌّ؛ الطَّلَاقُ، والنِّكاحُ، والرَّجْعَةُ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٦). وعن الحسنِ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أو طَلَّقَ لَاعِبًا، أو أعْتَقَ لَاعِبًا، جَازَ" (٢٧). وقال (٢٨) عمرُ: أرْبَعٌ جائزاتٌ إذا تَكَلَّمَ بهِنَّ؛ الطَّلَاقُ، والنِّكاحُ، والعَتَاقُ، والنَّذْرُ. وقال علىٌّ: أرْبَعٌ لا لَعِبَ فِيهِنَّ: الطَّلاقُ، والْعَتاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذْرُ. فصل: إذا تَرَاخَى القَبُوُل عن الإيجاب، صَحَّ، ما داما فى المَجْلِسِ، ولم يتَشَاغَلَا عنه بغيرِه؛ لأنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ حكمُ حالةِ العَقْدِ، بدليلِ القَبْضِ فيما يُشْتَرَطُ القبضُ فيه، وثُبُوتِ الخِيَارِ فى عُقُودِ المُعاوَضَاتِ. فإن تفَرَّقا قبلَ القَبُولِ، بَطَلَ الإِيجابُ؛ فإنَّه لا يُوجَدُ معناه، فإنَّ الإِعْراضَ قد وُجِدَ من جِهَتِه بالتَّفَرُّقِ، فلا يكونُ قَبُولًا. وكذلك إن تَشاغَلا عنه (٢٩) بما يَقْطَعُه (٣٠)؛ لأنَّه مُعْرِضٌ عن العَقْدِ أيضًا بالاشْتِغالِ عن

стр. 4847

قَبُولِه. وقد نقل أبو طالبٍ، عن أحمدَ، فى رَجُلٍ مَشَى إليه قومٌ فقالوا له: زَوِّجْ فلانًا. قال: قد زَوَّجْتُه على ألْفٍ. فرَجَعُوا إلى الزَّوْجِ فأخبرُوه، فقال: قد قَبِلْتُ. هل يكون هذا نِكاحًا؟ قال: نعم. قال القاضى: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه وَكَّلَ من قَبِلَ العَقْدَ فى المَجْلِسِ. وقال أبو بكرٍ: مسألةُ أبى طالبٍ تَتَوَجّه على قَوْلَيْنِ. واخْتارَ أنَّه لابُدَّ من القَبُولِ فى المَجْلِس، وهو الصحيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: فإن أَوَجَبَ النِّكاحَ، ثم زال عَقْلُه بجُنُونٍ أو إغْماءٍ، بَطَلَ حُكْمُ الإِيجابِ، ولم ينْعَقِدْ بالقَبُولِ بعدَه؛ لأنَّه (٣١) ما لم يُضَامّه القَبُولُ لم يكنْ عَقدًا، فبَطَلَ بزَوالِ العَقْلِ، كالعُقُودِ الجائِزَةِ (٣٢) تَبْطُل بالمَوْتِ والجُنُونِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وإن زال عَقْلُه بنَوْمٍ، لم يَبْطُلْ حكمُ الإِيجابِ؛ لأنَّه لا يُبْطِلُ العُقُودَ الجائِزَةَ، فكذلك هذا. فصل: ولا يَثْبُتُ فى النِّكاحِ خِيارٌ، وسواءٌ فى ذلك خِيارُ المَجْلِسِ وخِيارُ الشَّرْطِ. ولا نعلمُ أحدًا خالَفَ فى (٣٣) هذا، وذلك لأنَّ الحاجةَ غيرُ دَاعِيةٍ إليه، فإنَّه لا يَقَعُ فى الغالِبِ إلَّا بعدَ تَرَوٍّ، وفِكْرٍ، ومَسْألةِ كلِّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ عن صاحِبِه، والمَعْرِفةِ بحالِه، بخِلافِ البَيْعِ الواقعِ فى الأسْواقِ من غيرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ، ولأنَّ النِّكاحَ ليس بمُعَاوَضةٍ مَحْضَةٍ، ولهذا لا يُعْتَبِرُ فيه العِلْمُ بالمَعْقُودِ عليه برُؤْيةٍ ولا صِفَةٍ، ويَصِحُّ من غير تَسْمِيةِ العِوَضِ، ومع فَسَادهِ، ولأنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ فيه (٣٢) يُفْضِى إلى فَسْخِه بعدَ ابْتِذالِ المَرْأةِ، فإنَّ فى فَسْخِه بعدَ العَقْدِ ضَرَرًا بالمرأَةِ، ولذلك أوْجَبَ الطَّلاقُ قبل الدُّخولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ العاقِدُ أو غيرُه قبلَ التَّواجُبِ، ثم يكونُ العَقْدُ بعدَه؛

стр. 4848

لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ أمْرٍ ذِى بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ للَّهِ، فَهُوَ أقْطَعُ" (٣٤). وقالَ: "كُلُّ خُطْبةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهادةٌ، فَهِىَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ" (٣٥). روَاهما ابنُ المُنْذِرِ. ويُجْزِئُ من ذلك أن يَحْمَدَ اللَّه تعالى، ويَتَشَهَّدَ، ويُصَلِّىَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ . والمُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ بخطْبةِ عبدِ اللَّه بن مسعودٍ التى قال: عَلَّمنَا رسولُ اللَّه ﷺ التَّشَهُّدَ فى الصلاةِ، والتشهدَ فى الحاجةِ، قال: التَّشَهُّدُ فى الحاجةِ: أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ، نَحْمَدُه، ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، [وأشْهَدُ أَنَّ] (٣٦) مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُه، ويَقْرَأُ ثلاثَ آياتٍ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣٧). و: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣٨). و: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣٩) الآية. رَوَاه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٤٠). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. قال الخَلَّالُ: حَدَّثنا

стр. 4849

أبو سُلَيمانَ (٤١) إمامُ طَرَسُوسَ، قال: كان الإمامُ (٤٢) أحمدُ ابن حَنْبل، إذا حَضَرَ عَقْدَ (٤٣) نِكاحٍ، فلم يُخْطَبْ فيه بخطْبةِ عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قامَ وتَرَكَهُم. وهذا كان من أبِى عبدِ اللَّه [على طريقِ] (٤٤) المُبالغةِ فى اسْتِحْبابها، لا على الإِيجابِ لها (٤٥)؛ فإنَّ حَرْبَ بن إسماعيلَ قال: قلتُ لأحمدَ: فيَجِبُ أن تكونَ خُطْبةُ النِّكاحِ مثلَ قولِ ابنِ مَسْعُودٍ؟ فوسَّع فى ذلك. وقد رُوِىَ عن ابنِ (٤٥) عُمَرَ، أنَّه كان إذا دُعِىَ ليُزَوِّجَ، قال: لا تفْضُضُوا (٤٦) علينا النَّاسَ، الحمدُ للَّه، وصلَّى اللَّهُ على محمدٍ، إنَّ فُلانًا يَخْطُبُ إليكم، فإن أنْكَحْتُمُوهُ فالحمدُ للَّه، وإن رَدَدْتُمُوه فسُبحانَ اللَّه (٤٧). والمُسْتَحَبُّ خطْبةٌ واحدةٌ يَخْطُبُها الوَلِىُّ، أو الزَّوجُ، أو غيرُهما. وقال الشافعىُّ: المَسْنُونُ خطْبتانِ، هذه التى ذكَرْناها فى أوَّلِه، وخطْبةٌ من الزَّوْجِ قبل قَبُولِه (٤٨). والمَنْقُولُ عن النَّبِىِّ ﷺ ، وعن السَّلَفِ، خطْبةٌ واحدةٌ، وهو أَوْلَى ما اتُّبِعَ. فصل: والخطْبةُ غيرُ واجِبَةٍ عندَ أحدٍ من أهلِ العلمِ عَلِمْناهُ، إلَّا دَاودَ، فإنَّه أَوْجَبَها؛ لما ذكَرْناه. ولَنا، أَنَّ رَجُلًا قال للنبىِّ ﷺ : يا رسولَ اللَّه، زَوِّجْنِيهَا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٩). ولم يَذْكُرْ

стр. 4850

خطْبَةً. وخُطِبَ إلى ابنِ (٥٠) عمرَ مَوْلاةٌ له، فما زادَ على أن قال: قد (٥١) أنْكَحْناكَ على ما أمَرَ اللَّه، على إمْساكٍ بمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحْسانٍ (٥٢). وقال جَعْفرُ بن محمدٍ، عن أبِيه، إن كان الحُسَيْنُ لِيُزَوِّجَ بعضَ بَناتِ الحَسَنِ، وهو يتَعَرَّقُ العَرْقَ (٥٣). رَوَاهُما ابنُ المنذرِ. ورَوَى أبو داودَ (٥٤)، بإسْنادِه عن رَجُلٍ من بنى سُلَيْمٍ، قال: خَطَبْتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطَّلِبِ، فأنْكَحَنَى من غيرِ أن يتَشَهَّدَ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ، فلم تَجِبْ فيه الخُطْبةُ كالبَيْعِ، وما اسْتَدَلُّوا به يَدُلُّ على عَدَم الكَمالِ بدونِ الخُطْبةِ، لا على الوُجُوبِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ إعْلانُ النِّكاحِ، والضَّرْبُ فيه بالدُّفِّ. قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ أن يُظْهَرَ النِّكاحُ، ويُضْرَبَ فيه بالدُّفِّ، حتى يَشْتَهِرَ ويُعْرَفَ. وقيل له: ما الدُّفُّ؟ قال: هذا الدُّفُّ. قال: لا بأسَ بالغَزَلِ فى العُرْسِ بمثلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ للأنصارِ: "أتَيْنَاكُم أتَيْنَاكُم، فحَيُّونَا نُحَيِّيكُم، لَوْلا الذَّهَبُ الأحْمَرُ ما حُلَّتْ بوَادِيكُم، ولَوْلَا الْحَبَّةُ (٥٥) السَّوداءُ ما سُرَّتْ عَذارِيكُم" (٥٦). لا على ما يَصْنَعُ الناسُ اليومَ. ومن غيرِ هذا الوَجْهِ:

стр. 4851

"ولَوْلَا الحِنْطَةُ الحَمْراءُ، ما سَمِنَتْ عَذارِيكُم". وقال أحمدُ أيضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، والصَّوْتُ (٥٧) فى الإِمْلاكِ. فقيل له: ما الصَّوْتُ؟ قال: يُتَكَلَّمُ ويُتَحَدَّثُ ويُظْهَرُ. والأصلُ فى هذا ما رَوَى محمدُ بن حاطِبٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ والحَرَامِ، الصَّوْتُ والدُّفُّ فى النِّكاحِ". رواه النَّسَائِىُّ (٥٨). وقال ﵇: "أَعْلِنُوا النِّكاحَ" وفى لفظ: "أظْهِرُوا النِّكاحَ". وكان يُحِبُّ (٥٩) أن يُضْرَبَ عليه (٦٠) بالدُّفِّ، وفى لفظ: "واضْرِبُوا عَلَيْهِ بالغِرْبَالِ" (٦١). وعن عائشةَ، أنَّها زَوَّجَتْ يَتِيمةً رَجُلًا من الأنْصارِ، وكانت عائشةُ فى مَن أهْداها إلى زَوْجِها، قالت: فلما رَجَعْنا قال لنا رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا قُلْتُمْ يا عَائِشةُ؟ ". قالت: سَلَّمْنا، ودَعَوْنا بالبَرَكةِ، ثم انْصَرَفْنا. فقال: "إنَّ الأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، أَلَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ: أتَيْناكُم أتَيْناكُم، فحَيَّانَا وحَيَّاكُمْ" (٦٢). رَوَى هذا كلَّه أبو عبدِ اللَّه ابن ماجَه، فى "سُنَنِه". وقال أحمدُ، ﵀: لا بَأْسَ بالدُّفِّ فى العُرْسِ والخِتانِ، وأكْرَه الطَّبْلَ، وهو المُنْكَرُ، وهو الكُوَبةُ، التى نَهَى (٦٣) عنها (٦٤) النَّبِىُّ ﷺ (٦٥).

стр. 4852

فصل: فإن عَقَدَه بوَلِىٍّ وشاهِدَيْنِ، فأَسَرُّوه، أو تَوَاصَوْا بكِتْمانِه، كُرِهَ ذلك، وصَحَّ النِّكاحُ. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ. وممَّن كَرِهَ نِكاحَ السِّرِّ عمرُ [بن الخَطَّابِ] (٦٦)، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعُرْوَةُ، وعُبَيْد اللَّه بن عَبْدِ اللَّه بن عُتْبةَ، والشَّعْبىُّ، ونافعٌ مَوْلَى ابن عمرَ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: النِّكاحُ باطِلٌ؛ لأنَّ أحمدَ قال إذا تَزَوَّجَ بوَلِىٍّ وشاهِدَيْنِ: لا، حتى يُعْلِنَه. وهذا مذهبُ مالكٍ (٦٧). والحُجَّةُ لهما ما تَقَدَّمَ فى (٦٨) الفصلِ الذى قبلَ هذا. ولَنا، قولُه: "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِىٍّ" (٦٩). مَفْهُومُه انْعِقادُه بذلك وإن لم يُوجَد الإِظْهارُ، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يُشْتَرَط إظْهارُه كالبَيْعِ، وأخْبارُ الإِعْلانِ يُرادُ بها الاسْتِحْبابُ، بدليلِ أمْرِه فيها بالضَّرْبِ بالدُّفِّ والصَّوْتِ، وليس ذلك بواجِبٍ، فكذلك ما عُطِفَ عليه. وقول أحمدَ: لا. نَهْىُ كَراهةٍ، فإنَّه قد صَرَّحَ فيما حَكَيْنا عنه قبلَ هذا باسْتِحْبابِ (٧٠) ذلك (٧١)، ولأنَّ إعْلانَ النِّكاحِ والضَّرْبَ فيه (٧٢) بالدُّفِّ، إنَّما يكونُ فى الغالبِ بعد عَقْدِه، ولو كان شَرْطًا لَاعْتُبِرَ حالَ (٧٣) العَقْدِ، كسائرِ الشُّرُوطِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ عَقْدُ النكاحِ يوم الجُمُعةِ؛ لأنَّ جَماعةً من السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذلك؛ منهم ضَمْرَةُ (٧٤) بن حَبِيبٍ، وراشدُ بن سعد (٧٥)، وحَبِيبُ بن عُتْبةَ، ولأنَّه يَوْمٌ

стр. 4853

شَرِيفٌ، ويومُ عِيدٍ، وفيه (٧٦) خَلَقَ اللَّه آدَمَ ﵇. [والْمَسَابِهِ] (٧٧) أَوْلَى. فإنَّ (٧٨) أبا حَفْصٍ رَوَى بإسْناده عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَسُّوا بالإِمْلَاكِ، فإنَّهُ أعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ" (٧٩). ولأنَّه أقْرَبُ إلى مَقْصُودِه، وأقَلُّ لِانْتِظارِه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُقالَ للمُتَزَوِّجِ: بارَكَ اللَّه لك، وبارَكَ عليك، وجَمَعَ بَيْنَكُما فى خَيْرٍ وعافِيةٍ. وقد رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى على عبدِ الرَّحْمنِ أثَرَ صُفْرَةٍ، فقال: "مَا هذَا؟ ". فقال: إنِّى تَزَوَّجْتُ امْرَأةً (٨٠) على وَزْنِ نَواةٍ من ذَهَبٍ. قال: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ ولَوْ بشَاةٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٨١). قال بعضُ أهلِ العلمِ: وَزْنُ النواةِ خَمْسَةُ دَرَاهِم، وذلك ثَلاثةُ مَثاقِيلَ ونِصْفٌ من الذَّهَبِ. وقال المُبَرِّدُ: الصَّوابُ عند أهلِ العَربيَّةِ (٨٢) أن يُقالَ: على نَوَاةٍ. فحَسْبُ؛ فإنَّ النَّواةَ عندَهم اسْمٌ لخَمْسَةِ (٨٣) دَرَاهِم، كما أَنَّ الأُوقِيَّةَ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، والنَّشَّ عِشْرُونَ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: ويُسْتَحبُّ أن يقولَ إذا زُفَّتْ إليه، ما رَوَى صالحُ بن أحمدَ، فى

стр. 4854

"مَسائِلِه" (٨٤)، عن أبِيه، حَدَّثَنا دَاودُ عن أبى نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ مَوْلَى أبى أُسَيْدٍ، قال: تَزَوّجَ (٨٥)، فحَضَرَه عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحُذَيْفةُ، وغيرهُم من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فقَدَّمُوه وهو مَمْلوكٌ، فصَلَّى بهم، ثم قالوا له: إذا دَخَلْتَ على أهْلِكَ فصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثم خُذْ برَأْسِ أهْلِكَ، فَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لى فى أهْلِى، وبارِكْ لأهْلِى فِىَّ، وارْزُقْهُم مِنِّى، وارْزُقْنِى منهم. ثم شَأْنك وشَأْنَ أهْلِكَ (٨٦). ورَوى أبو داودَ (٨٧)، بإسْنادِه عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا تَزَوَّجَ أحَدُكُم امْرَأَةً أوِ اشْتَرَى (٨٨) خادِمًا، فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّى أسْأَلُكَ خَيْرَهَا وخَيْرَ مَا جَبَلْتَها عَلَيْهِ، وأعُوذُ بك مِنْ شَرِّهَا وشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ. وإذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، ولْيَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ". ١١٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَيْس لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا، ولا نعلمُ أحدًا خالَفَه منهم (١)، إلَّا شيئا يُحْكَى عن (٢) القاسمِ بن إبراهيمَ (٣)، أنَّه أباحَ تِسْعًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ

стр. 4855

النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤). والواو للجَمْعِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ مات عن تِسْعٍ. وهذاليس بشىءٍ لأنَّه خَرْقٌ للإِجْماعِ، وتَرْكٌ للسُّنّةِ، ، فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لغَيْلانَ بن سَلَمةَ، حين أسْلَمَ وتَحْتَه عَشْرُ نِسْوةٍ: "أَمْسِكْ أرْبَعًا، وفَارِقْ سائِرَهُنَّ". وقال نَوْفَلُ ابن مُعَاوِيةَ: أسْلَمْتُ وتَحْتِى خَمْسُ نِسْوةٍ، فقال لى (٥) النَّبِىُّ ﷺ : "فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ". روَاهما الشافعىُّ، فى "مُسْنَدِه" (٦). وإذا مُنِعَ من اسْتِدامةِ زِيَادَةٍ على (٧) أرْبَعٍ، فالابْتِداءُ أَوْلَى، فالآية أُرِيدَ بها التَّخْيِيرُ بين اثْنَتَيْنِ وثلاثٍ وأرْبَعٍ، كما قال: ﴿أُولِى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٨). ولم يُرِدْ أَنَّ لكُلِّ مَلَكٍ تِسْعةَ أجْنِحَةٍ، ولو أراد ذلك لقال: تِسْعةً. ولم يكُنْ للتَّطْوِيلِ مَعْنًى، ومن قال غيرَ هذا فقد جَهِلَ اللغةَ العربيةَ. وأمَّا النَّبِىُّ ﷺ فمَخْصُوصٌ بذلك، ألا تَرَى أنَّه جَمَعَ بين أرْبَعةَ عَشرَ. ١١٣٧ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَجْمَعَ إلَّا اثْنتَيْنِ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ للعَبْدِ أن يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ، واخْتَلَفُوا فى إبَاحَةِ الأرْبَعِ، فمذْهَبُ أحمدَ، أنَّه لا يُبَاحُ له (١) إلَّا اثْنَتانِ وهو (٢) قولُ عمرَ بن الخَطَّاب، وعلىٍّ، وعبدِ الرحمنِ بن

стр. 4856

عَوْفٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وبه قال عطاءٌ، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال القاسمُ بن محمدٍ، وسالمُ بن عبدِ اللَّه، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ: له نِكاحُ أرْبَعٍ؛ لعُمُومِ الآية، ولأنَّ هذا (٣) طَرِيقُهُ (٤) اللَّذّةُ والشَّهْوةُ، فساوَى العَبْدُ الحُرَّ فيه، كالمَأْكُولِ. ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ فى عَصْرِهِم، فكان (٥) إجماعًا. وقد رَوَى لَيْثُ بن أبى سُلَيْمٍ، عن الحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ (٦)، قال: أجْمَعَ أصحابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، على أَنَّ العَبْدَ لا يَنْكِحُ أكثرَ من اثْنَتَيْنِ (٧). ويُقَوِّى هذا ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه عن محمدِ بن سِيرِينَ، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَأَلَ الناسَ: كم يتَزَوَّجُ العَبْدُ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ: باثْنَتَيْنِ (٨)، وطَلَاقُه باثْنَتَيْنِ (٨). فدَلَّ (٩) هذا على أَنَّ ذلك كان بمَحْضرٍ من الصَّحابةِ وغيرِهم، فلم يُنْكَرْ، وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ، على أَنَّ فيها ما يَدُلُّ على إرادةِ الأحْرارِ، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١٠). ويُفارِقُ النِّكاحُ المَأْكُولَ، فإنَّه مَبْنِىٌّ على التَّفَضُّلِ (١١). ولهذا فارَقَ النبىُّ ﷺ فيه أُمَّتَه، ولأنَّ فيه مِلْكًا، والعَبْدُ يَنْقُصُ فى المِلْكِ عن الحُرِّ.

стр. 4857

١١٣٨ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ أنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) هذا هو (١) المَنْصُوصُ عن أحمدَ فى رِوايةِ الجماعةِ. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزَاعىِّ (٢)، وأبى ثَوْرٍ. وكَرِهَ ذلك ابنُ سِيرِينَ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ، والثَّوْرىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وللشافعىِّ فيه (٣) قَوْلان مَبْنِيَّانِ على أَنَّ العَبْدَ هل يَمْلِكُ بتَمْلِيكِ سَيِّدِه أو لا؟ وقال القاضى أبو يَعْلَى: يَجِبُ أن يكونَ فى مَذْهَبِ أحمدَ فى تَسَرِّى العَبْدِ وَجْهان، مَبْنِيَّانِ على الرِّوايتَيْنِ فى ثُبُوتِ المِلْكِ له بتَمْلِيكِ سَيِّدِه. واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذلك بأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ المالَ، ولا يَجُوزُ له (٤) الوَطْءُ إلَّا فى نِكاحٍ أو مِلْكِ يَمينٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٥). ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ، ولا نَعْرفُ لهما فى الصَّحابةِ مُخالِفًا. روَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن يتَسَرَّى العَبْدُ، ونحوَه عن ابنِ عباسٍ (٦). ولأنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ (٧) النِّكاحَ، فمَلَكَ التَّسَرِّىَ، كالحُرِّ. وقولُهم: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ المالَ. ممنوعٌ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ" (٨). فجَعَلَ المالَ له، ولأنَّه آدَمِىٌّ، فمَلَكَ (٩) المالَ كالحُرِّ، وذلك لأنَّه بآدَمِيَّتِه يتَمَهَّدُ لأهْلِيَّةِ المِلْكِ، إذْ كان

стр. 4858

اللَّهُ تعالى خَلَقَ الأمْوالَ للآدَمِيِّينَ، ليَسْتَعِينُوا بها على القِيامِ بوَظائِفِ التَّكالِيفِ، وأداءِ (١٠) العِباداتِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١١). والعَبْدُ داخلٌ فى العُمُومِ، ومن أهْلِ التَّكْلِيفِ والعباداتِ، فيكونُ أهْلًا للمِلْكِ، ولذلك مَلَكَ فى النِّكاحِ، واذا ثَبَتَ المِلْكُ للْجَنِينِ، مع كَوْنِه نُطْفةً لا حَياةَ فيها، باعْتِبارِ مَآلِه إلى الآدَمِيَّةِ، فالعَبْدُ الذى هو آدَمِىٌّ مُكَلّفٌ أَوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فلا يَجُوزُ له التَّسَرِّى إلَّا بإذْنِ سَيِّده، ولو مَلَّكَه سَيِّدُه جارِيةً، لم يُبَحْ له وَطْؤُها حتى يَأْذَنَ [له فيه] (١٢)؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ، ولِسَيِّده نَزْعُه منه متى شاء من غيرِ فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يكُنْ له التَّصَرُّفُ فيه إلَّا بإذْنِ سَيِّده. فإن أَذِنَ له فقال: تَسَرَّاها (١٣). أو: أذِنْتُ لك فى وَطْئِها. أو ما دَلَّ عليه، أُبِيحَ له، وما وُلِدَ له من التَّسَرِّى فحُكْمُه حكمُ مِلْكِه؛ لأنَّ الجارِيةَ مَمْلُوكةٌ له، فكذلك وَلَدُها. وإن تَسَرَّى بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالوَلَدُ مِلْكٌ لسَيِّدِه (١٤). فصل: وله التَّسَرِّى بما شاء، إذا أَذِنَ له السِّيِّدُ فى ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَن جازَ له التَّسَرِّى، جاز [له بغيرِ] (١٥) حَصْرٍ كالحُرِّ. فإن أَذِنَ له وأطْلَقَ، فله (١٦) التَّسَرِّى (١٧) بواحِدَةٍ. وكذلك إذا أَذِنَ له فى التَّزْويجِ، لم يَجُزْ أن يتزَوّجَ أكثرَ من واحدةٍ. وبهذا قال أصحابُ الرَّأْى. [وقال أبو ثَوْرٍ: إذا] (١٨) أَذِن له فى التَّزْويجِ، فعَقَدَ على اثْنتَيْنِ فى عَقْدٍ، جاز. ولَنا، أَنَّ الإِذْنَ المُطْلَقَ يتناوَلُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ يَقِينًا، وما زاد

стр. 4859

مَشْكوكٌ فيه، فيَبْقَى على الأصْلِ، كما لو أَذِنَ له (١٩) فى طَلَاقِ امْرَأتِه (٢٠)، لم يكُنْ له أن يُطَلِّقَ أكثرَ من واحدةٍ. ولأنَّ الزَّائِدَ على الواحدةِ يَحْتَمِلُ أن يكونَ غيرَ مُرَادٍ، فيَبْقَى على أصْلِ التَّحْرِيمِ، كما لو شَكَّ هل أَذِنَ له أو لا؟ . فصل: والمُكاتَبُ كالعَبْدِ القِنِّ، لا يتزَوَّجُ ولا يَتَسَرَّى إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ فى ذلك إتْلافًا للمالِ الذى فى يَدَيْه، وقد قال ﵇: "المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (٢١). وأمَّا المُعْتَقُ بعضُه، فإذا مَلَكَ بجُزْئِه الحُرِّ جارِيةً، فمِلْكُه تامٌّ، وله الوَطْءُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لقولِه سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢٢). ولأنَّ مِلْكَه عليها تامٌّ، له التَّصَرُّفُ فيها بما شاءَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فكذلك الوَطْءُ، وما فيه من الرِّقِّ لا يَمْنَعُه من اسْتِيفاءِ ما يَمْلِكُه، كما له أن يتَصَرَّفَ ويَأْكُلَ ما مَلَكَه بنِصْفِه الحُرِّ. وقال القاضى: حُكْمُه حكمُ القِنِّ. وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصْحابه كقَوْلِنا. واحْتَجَّ من مَنَعَ ذلك بأنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ بنِصْفِه الحُرِّ وَحْدَه، ولذلك (٢٣) مَنَعْناه التزْوِيجَ حتى يَأْذَنَ له سَيِّدُه. ولَنا، أنَّه لا حَقَّ لِسَيِّدِه فيها، ولا يَلْحَقُه ضَرَرٌ باسْتِمْتاعِه منها، فلم يُعْتَبرْ إذْنُه فيه (٢٤)، كاسْتِخْدامِها. وأمَّا التَّزْويجُ، فإنَّه يَلْزَمُه (٢٥) به حُقُوقٌ تتَعَلَّقُ بجُمْلَتِه، فاعْتُبِرَ رِضَى السَّيِّدِ، ليكونَ راضِيًا بتَعَلُّقِ الحَقِّ بمِلْكِه، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ الحَقَّ له لا عليه. فأمَّا إن أَذِنَ له السَّيِّدُ (٢٦) فيه جازَ، إلَّا عندَ مَنْ مَنَعَ (٢٧) العَبْدَ التَّسَرِّىَ؛ لأنَّه كالقِنِّ فى قَوْلِهم.

стр. 4860

فصل: نَقَلَ محمدُ بن مَاهان، عن أحمدَ: لا بَأْسَ للعَبْدِ أنْ يَتَسَرَّى إذا أَذِنَ له سَيِّدُه، فإن رَجَعَ السَّيِّدُ، فليس له أن يَرْجِعَ إذا أَذِنَ له مَرّةً وتَسَرَّى. وكذلك نَقَلَ عنه إبراهيمُ بن هانىء، ويعقوبُ ابن بَخْتانَ، ولم أرَ عنه خِلَافَ هذا، فظاهرُ هذا أنَّه إذا تَسَرَّى بإذْنِ السَّيِّدِ (٢٨) لم يَمْلِك السَّيِّدُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَمْلِكُ به البُضْعَ، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُه فَسْخَه، قِياسًا على النِّكاحِ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالتَّسَرِّى ههُنا. التزويجَ، وسَمَّاهُ تَسَرِّيًا مَجازًا، ويكونُ للسَّيِّد الرُّجوعُ فيما مَلَكَ عَبْدُه. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلَافُ هذا؛ وذلك لأنَّه مَلَّكَه بُضْعًا أُبِيحَ له وَطْؤُه، فلم يَمْلِكْ رُجُوعَه فيه، كما لو زَوَّجَه. [وما ذكَره فى هذا الفَصْلِ مُناقِضٌ لما ذكَر قبلَه فى صَدْرِ المسألةِ، من قوله: ولسَيِّده نَزْعُه منه متى شاءَ من غيرِ فَسْخٍ] (٢٩). ١١٣٩ - مسألة؛ قال: (وَمَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أو العَبْدُ طَلَاقًا يَمْلِكُ (١) الرَّجْعةَ أو لا يَمْلِكُهَا (٢)، لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يتَزَوّجَ أُخْتَها حَتَّى تَنْقَضِىَ (٣) عِدَّتُهَا، وكَذلِكَ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ، لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتُهَا، وكَذلِك الْعَبْدُ إذَا طَلّقَ إحْدَى زوْجَتَيْهِ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ امرأةً، [حُرِّمَتْ عليه] (٤) أُمُّها على التَّأْبيدِ، وتُحَرَّمُ عليه أُخْتُها وعَمَّتُها وخالَتُها وبِنْتُ أخِيها وبنتُ أُخْتِها تَحْرِيمَ جَمْعٍ، وكذلك إذا (٥) تَزَوَّجَ الحُرُّ أرْبَعًا، حُرِّمَتِ الخامسةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ. وإن تَزَوّجَ العَبْدُ اثنتَيْن، حُرِّمَتِ الثالثةُ

стр. 4861

تحريمَ جمعٍ. فإذا طَلّقَ زَوْجَتَه طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فالتَّحْريمُ باقٍ (٦) بحالِه فى قولِهم جميعًا، وإن كان الطَّلاقُ بائِنًا أو فَسْخًا، فكذلك عندَ إمامِنا حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وزيدِ بن ثابتٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال القاسمُ بن محمدٍ، وعُرْوَةُ، وابنُ أبى لَيْلَى، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المنذرِ: له نِكاحُ جميعِ مَنْ سَمَّيْنا فى تحريِم الجَمْعِ. ورُوِىَ ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ الجَمْعُ بينهما فى النِّكاحِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. أى نِكَاحَهُنَّ، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٧). مَعْطُوفًا عليه، والبائِنُ ليست فى نِكاحِه، ولأنَّها بائِنٌ فأشْبَهتِ المُطَلَّقةَ قبلَ الدُّخُولِ. ولَنا، قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ. ورُوِى عن عَبِيدَةَ السَّلْمانِىِّ أنَّه قال: ما أَجْمَعَتِ الصَّحابةُ على شىءٍ، كإجْماعِهِم على أرْبَعٍ قبلَ الظُّهْرِ، وأن لا تُنْكَحَ امْرَأةٌ فى عِدَّةِ أُخْتِها. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فى رَحِمِ أُخْتَيْنِ" (٨). ورُوِىَ عن أبى الزِّنادِ، قال: كان للوَلِيدِ بن عبدِ المَلِكِ أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدةً ألْبَتَّةَ، وتَزَوَّجَ (٩) قبلَ أن تَحِلَّ، فعابَ ذلك عليه كثيرٌ من الفُقَهاءِ، وليس كلُّهُم عابَه (١٠). قال سعيدُ بن منصورٍ: إذا عابَ عليه سعيدُ بن المُسَيَّبِ، فأىُّ شىءٍ بَقِىَ! ولأنَّها مَحْبُوسةٌ عن النِّكاحِ لِحَقِّه، أشْبَهَ ما لو كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ فى حَقِّه، أشْبَهتِ الرَّجْعِيةَ، وفارَقَ المُطَلَّقةَ قبل الدُّخُولِ بها (١١).

стр. 4862

فصل: ولو أسْلَم زَوْجُ المَجُوسِيَّةِ أو الوَثَنِيَّةِ، أو انْفَسَخَ النِّكاحُ بين الزَّوْجَيْنِ بِخُلْعٍ أو رَضاعٍ أو فَسْخٍ بعَيْبٍ أو إعْسارٍ أو غيرِه، لم يكُنْ له أن يتزَوَّجَ أحدًا ممَّن يَحْرُمُ الجَمْعُ بينه وبين زَوْجَتِه حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، [سواءٌ قُلْنا بتَعْجِيلِ الفُرْقةِ أو لم نَقُلْ. وإن أسْلَمَتْ زَوْجَتُه، فتزَوَّجَ أُخْتَها فى عِدَّتِها] (١٢)، ثم أسْلَما فى عِدَّةِ الأُولَى، اخْتارَ منهما واحدةً، كما لو تزَوَّجَهُما مَعًا. وإن أسْلَمَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ الأُولَى، بانَتْ، وثَبَتَ نِكاحُ الثانيةِ. فصل: إذا أعْتَقَ أُمَّ وَلَدِه (١٣)، أو أمَةً كان يُصِيبُها، فليس له أن يتزَوَّجَ أخْتَها حتى يَنْقَضِىَ اسْتِبْراؤُها. نَصَّ عليه أحمدُ فى أُمِّ الوَلَدِ. وقاك أبو يوسفَ، ومحمدُ بن الحسنِ: يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست بزَوْجَةٍ (١٤)، ولا فى عِدّةٍ من نِكاحٍ. ولَنا، أنَّها مُعْتَدَّةٌ منه، فلم يَجُزْ له نِكاحُ أُخْتِها، كالمُعْتَدّةِ من نِكاحٍ أو وَطْءٍ بشُبْهةٍ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكونَ ماؤُه فى رَحِمِها، فيكونَ داخِلًا فى عُمُومِ من جَمَعَ ماءَه فى رَحِمِ أُخْتَيْنِ، ولا يُمْنَعُ من نِكاحِ أرْبَعٍ سِوَاها. ومَنَعَه زُفَرُ. وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ ذلك جائزٌ قبلَ إِعْتاقِها، فبَعْدَه أَوْلَى. فصل: ولا يُمْنَعُ من نِكاحِ أمَةٍ فى عِدَّةِ حُرَّةٍ بائنٍ. ومَنَعَه أبو حنيفةَ، كما يَحْرُمُ عليه أن يتَزَوّجَها فى صُلْبِ نِكَاحِها. ولَنا، أنَّه عادِمٌ للطَّوْلِ، خائِفٌ للعَنَتِ، فأُبِيحَ له نِكاحُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (١٥) الآية. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَجُوزُ فى صُلْبِ نِكَاحِ الحُرّةِ، بل يجوزُ إذا تَحَقّقَ الشَّرْطان. فصل: وإن زَنَى بامْرأةٍ، فليس له أن يتَزَوَّجَ أُخْتَها (١٦) حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، وحُكْمُ العِدَّةِ من الزِّنَى والعِدَّةِ من وَطْءِ الشُّبْهةِ، كحُكْمِ العِدَّةِ من النِّكاحِ. فإن زَنَى بأُخْتِ امْرَأتِه، فقال أحمدُ: يُمْسِكُ عن وَطْءِ امْرأتِه حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ. وقد

стр. 4863

ذُكِرَ عنه فى المَزْنِىِّ بها أنَّها تُسْتَبْرَأُ (١٧) بحيضَةٍ؛ لأنَّه وَطءٌ فى (١٨) غيرِ نكاحٍ، ولا أحْكامُه أحْكامُ النكاحِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْرُمُ بذلك أُخْتُها، ولا أرْبَعٌ سِوَاها؛ لأنَّها ليست مَنْكُوحةً، ومُجَرّدُ الوَطْءِ لا يَمْنَعُ، بدَلِيلِ الوَطْءِ فى مِلْكِ اليَمينِ لا يَمْنَعُ أرْبعًا سِوَاها. فصل: وإذا ادَّعَى الزَّوجُ أَنَّ امْرَأتَه أخْبَرَتْه بانْقِضاءِ عِدَّتِها فى مُدَّةٍ يجوزُ انْقِضاؤُها فيها، وكَذَّبَتْه، أُبِيحَ له نِكاحُ أُخْتِها وأرْبَعٍ سِوَاها فى الظاهرِ، فأمَّا فى الباطِنِ، فمَبْنِىٌّ (١٩) على صِدْقِه فى ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى، فيُقْبَلُ قَوْلُه فيه، ولا يُصَدَّقُ فى نَفْىِ نَفَقَتِها وسُكْناها ونَفْىِ النَّسَبِ؛ لأنَّه حَقٌّ لها ولوَلَدِها، فلا يُقْبَلُ (٢٠) قولُه فيه. وبه قال الشافعىُّ وغيرُه. وقال زُفَرُ: لا يُصَدّقُ فى شىءٍ؛ لأنَّه قولٌ واحدٌ، لا يُصَدّقُ فى بعضِ حُكْمِه، فلا يُصَدّقُ فى البعضِ الآخَرِ، قياسًا لأحَدِهما على الآخَرِ؛ وذلك لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ القَوْلُ الواحدُ صِدْقًا كَذِبًا. ولَنا، أنَّه قولٌ يتَضَمّنُ إبْطالَ حَقٍّ لغيرِه، وحقًّا له لا ضَرَرَ على غيرِه فيه، فوَجَبَ أن يُصَدَّقَ فى أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا، ثم أقَرَّ أَنَّ البائعَ كان أعْتَقَه، صُدِّقَ فى حُرِّيَّتِه، ولم يُصَدَّقْ فى الرُّجُوعِ بثَمَنِه. وكذلك (٢١) لو أقَرَّ أَنَّ امرأتَه أُخْتُه من الرَّضَاعِ قبلَ الدُّخُولِ، صُدِّقَ فى بَيْنُونَتِها وتَحْرِيمِها عليه، ولم يُصَدَّقْ فى سُقُوطِ مَهْرِها. ١١٤٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً، فزُوِّجَ بِغَيْرِهَا، لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ) معنى ذلك أن يَخْطُبَ الرجلُ امرأةً بعَيْنِها، فيُجابَ إلى ذلك، ثم يُوجَبَ له النِّكاحُ فى

стр. 4864

غيرِها، وهو يَعْتَقِدُ أنَّها التى خَطَبَها، فيَقْبَلُ، فلا يَنْعَقِدُ النِّكاحُ؛ لأنَّ القَبُولَ انْصَرفَ إلى غيرِ مَنْ وُجِدَ الإِيجابُ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو ساوَمَه بثَوْبٍ وأوْجَبَ العَقْدَ فى غيرِه بغيرِ عِلْمِ المُشْتَرِى. فلو عَلِمَ الحالَ بعدَ ذلك، فرَضِىَ، لم يَصِحَّ. قال أحمدُ، فى رَجُلٍ خَطَبَ جارِيةً، فزَوَّجُوه أُخْتَها، ثم عَلِمَ بعدُ: يُفَرَّقُ بينهما، ويكونُ الصَّداقُ على وَلِيِّها؛ لأنَّه غَرَّه، ويُجَهِّزُ إليه أُخْتَها التى خَطَبَها بالصَّداقِ الأوَّلِ، فإن كانت تلك قد وَلَدَتْ منه، يَلْحَقُ به الوَلَدُ. وقولُه: يُجَهِّزُ إليه أخْتَها. يعنى -واللَّهُ أعلم- بعَقْدٍ جديدٍ، بعدَ انْقِضاءِ عِدَّةِ هذه إن كان أصَابَها؛ لأنَّ العَقْدَ الذى عَقَدَه لم يَصِحَّ فى واحدةٍ منهما؛ لأنَّ الإيجابَ صَدَرَ فى إحْداهما، والقبولَ فى الأُخْرَى (١)، فلم يَنْعَقِدْ فى هذه ولا فى تلك. فإن اتّفَقُوا على تجديدِ عَقْدٍ فى إحداهما أيَّتِهما كان، جازَ. وقال أحمدُ، فى رجلٍ تزَوَّجَ امرأةً، فأُدْخِلَتْ عليه أخْتُها: لها المَهْرُ بما أصابَ منها، ولأُخْتِها المَهْرُ. قيل: يَلْزَمُه مَهْران؟ قال: نعم، ويَرْجِعُ على وَلِيِّها، هذه مثل التى بها بَرَصٌ أو جُذَامٌ، علىٌّ يقول: ليس عليه غُرْمٌ. وهذا ينبغِى أن يكونَ فى امرأةٍ جاهلةٍ بالحالِ (٢) أو بالتَّحْرِيمِ، أمَّا إذا عَلِمَتْ أنَّها ليست زَوْجةً، وأنَّها مُحَرَّمةٌ عليه، وأمْكَنَتْه من نَفْسِها، فلا ينْبَغِى أن يَجِبَ لها صداقٌ؛ لأنَّها زانِيةٌ مُطاوِعَةٌ (٣). فأمَّا إن جَهِلَتِ الحالَ، فلها المَهْرُ، ويَرْجِعُ به على مَنْ غَرَّه. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى رَجُلَيْنِ تزَوَّجا امْرأتينِ، فزُفَّتْ كلُّ امرأةٍ إلى زَوْجِ الأُخْرَى: لهما الصَّداقُ، ويعْتَزِلُ كلُّ واحدٍ منهما امْرأتَه حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها (٤). وبه قال النَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فصل: مِن شَرْطِ صِحَّةِ النِّكاحِ تَعْيِينُ الزَّوْجينِ؛ لأنَّ كلَّ عاقدٍ ومَعْقُودٍ عليه يَجِبُ تَعْيِينُهما، كالمُشْتَرى والمَبِيعِ، ثم يُنْظَرُ، فإن كانت المرأةُ حاضرةً، فقال: زَوَّجْتُكَ

стр. 4865

هذه. صَحَّ، فإنَّ الإِشارةَ تكفِى فى التَّعْيِينِ، فإن زادَ على ذلك، فقال: بِنْتِى هذه، أو هذه فلانةَ. كان تأكيدًا، وإن كانت غائِبةً، فقال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِى. وليس له سِواها، جاز. فإن سَمَّاها باسْمِها مع ذلك، كان تأكِيدًا. فإن كان له ابْنتانِ أو أكثرُ، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. لم يَصِحَّ حتى يَضُمَّ إلى ذلك ما تَتَمَيَّزُ به، من اسْمٍ أو صِفَةٍ، فيقولَ: زَوَّجْتُكَ ابنتِى الكُبْرَى أو الوُسْطَى أو الصُّغْرَى. فإن سَمَّاها مع ذلك كان تأكِيدًا، وإن قال: زَوَّجْتُكَ ابنتِى عائشةَ، أو فاطمةَ. صَحَّ. وإن كانت له ابنةٌ واحدةٌ اسْمُها فاطمةُ، فقال: زَوَّجْتُكَ فاطمةَ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا الاسمَ مُشْتَرَكٌ بينها وبين سائرِ الفَواطِمِ، حتى يقولَ مع ذلك: ابْنَتِى. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: يصِحُّ إذا نَوَياها جميعًا. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ تُعْتَبرُ فيه الشَّهادةُ على وَجْهٍ يُمْكِنُ أداؤُها إذا ثَبَتَ به العَقْدُ، وهذا متعذِّرٌ فى النِّيَّةِ، ولذلك لو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. وله بَناتٌ، لم يَصِحَّ حتى يُمَيِّزَها بلَفْظِه. وإن قال: زَوَّجْتُكَ فاطمةَ ابنةَ فُلانٍ. احْتاجَ أن يَرْفَعَ فى نَسَبِها حتى يَبْلُغَ ما تَتَميَّزُ به عن النِّساءِ. فصل: فإن كان له ابْنَتانِ، كُبْرَى اسْمُها عائشةُ، وصُغْرَى اسمُها فاطمةُ، فقال: زَوَّجْتُك ابْنَتِى عائشةَ. وقَبِلَ الزَّوْجُ ذلك، وهما يَنْوِيانِ الصُّغْرَى، لم يَصِحَّ. ذكَره أبو حَفْصٍ. وقال القاضى: يَصِحُّ فى التى نَوَياها. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّهما لم يتَلَفَّظَا بما يَصِحُّ العَقْدُ بالشَّهادةِ عليه، فأشْبَهَ ما لو قال: زَوَّجْتُكَ عائشةَ. فقط. أو ما لو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. ولم يُسَمِّها، وإذا لم يَصِحَّ فيما إذا لم يُسَمِّها، ففيما إذا سَمَّاها بغيرِ اسْمِها أوْلَى أن لا يَصِحَّ. والثانى، أنَّه لا يصحُّ النِّكاحُ حتى تُذْكَرَ المرأةُ بما تتَميَّزُ به، ولم يُوجَدْ ذلك، فإنَّ اسْمَ أخْتِها لا يُمَيِّزُها، بل يَصْرِفُ العَقْدَ عنها. وإن كان الوَلِىُّ يريدُ الكُبْرَى، والزَّوْجُ يَقْصِدُ الصُّغْرَى، لم يَصِحَّ، كمسألةِ الْخِرَقِىِّ، فيما إذا خَطَبَ امرأةً وزُوِّجَ غيرَها؛ لأنَّ القَبُولَ انْصَرفَ إلى غيرِ مَنْ وُجِدَ الإيجابُ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إذا لم يتَقدَّمْ ذلك ما يَصْرِفُ القَبُولَ إلى الصُّغْرَى، من خِطْبةٍ ونحوِها، فإنَّ العَقْدَ بلَفْظِه مُتَناوِلٌ للكُبْرَى، ولم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عنها، فصَحَّ، كما لو نَوَياها. ولو نَوَى الوَلِىُّ الصُّغْرَى، والزَّوْجُ الكبرَى، أو نَوَى الولىُّ الكبرَى، ولم

стр. 4866

يَدْرِ الزوجُ أيَّتَهما هى، فعَلَى الأوَّلِ لا يَصِحُّ التَّزْويجُ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ منهما فى التى يتَنَاوَلُهما لَفْظُهما. وعلى الاحتمالِ الذى ذكَرْناه، يَصِحُّ فى المُعَيَّنةِ باللَّفْظِ؛ لما ذكَرْناه. فصل: فإن كان له ابنةٌ واحدةٌ، فقال لرَجُلٍ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. وسَمَّاها بغيرِ اسْمِها، فقال القاضى: يَصِحُّ. وهو قولُ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ قولَه ابْنَتِى آكَدُ من التَّسْمِيةِ؛ لأنَّها لا مُشارَكةَ فيها، والاسْمُ مُشْتركٌ. ولو قال: زَوَّجْتُكَ هذه. وأشارَ إليها، وسَمَّاها بغير اسْمِها، يَجِبُ أن يَصِحَّ على هذا التَّعْلِيلِ. فصل: ولو قال: زَوَّجْتُكَ حَمْلَ هذه المرأةِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له حكمُ البناتِ قبلَ الظُّهورِ، فى غيرِ الإِرْثِ والوَصِيَّةِ، ولأنَّه لم يتَحَقَّقْ أَنَّ فى البَطْنِ بِنْتًا، فأشْبَهَ ما لو قال: زَوَّجْتُكَ مَنْ فى هذه الدارِ. وهما لا يَعْلَمان مَن (٥) فيها. ولو قال: إذا وَلَدَت امْرأتِى بِنتًا زَوَّجْتُكَها. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للنِّكاحِ على شَرْطٍ، والنِّكاحُ لا يتعلَّقُ [على شَرْطٍ] (٦)، ولأنَّ هذا مُجَرّدُ وَعْدٍ لا يَنْعَقِدُ به عَقْدٌ. ١١٤١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَزَوَّجَها، وشَرَطَ لَهَا أنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أو بَلَدِهَا (١)، فَلَهَا شَرْطُهَا؛ لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "أحَقُّ مَا أَوْفَيْتُم بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُم بِهِ الفُرُوجَ". وإن تزَوَّجَها، وشَرَطَ لَهَا أنْ لَا يتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا (٢) تَزَوَّجَ عَلَيْهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الشروطَ فى النِّكاحِ تنْقَسِمُ أقْساما ثلاثةً؛ أحدها، ما يَلْزَمُ الوفاءُ به، وهو ما يَعُودُ إليها نَفْعُه وفائِدَتُه، مثل أن يَشْتَرِطَ لها أن لا يُخْرِجَها من دارِها أو بَلَدِها، أو لا يُسافِرَ بها، أو لا يتَزَوَّجَ عليها، ولا يتَسَرَّى عليها، فهذا يَلْزَمُه الوفاءُ لها به، فإن لم يَفْعَلْ

стр. 4867

فلها فَسْخُ النكاحِ. يُرْوَى هذا عن عمرَ بن الخطابِ، وسعدِ بن أبى وَقّاصٍ، ومعاويةَ، وعمرِو بن العاصِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيْحٌ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعىُّ، وإسحاقُ. وأبْطَلَ هذه الشروطَ الزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، وهشامُ بن عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: ويَفْسُدُ المَهْرُ دون العَقْدِ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. واحْتَجُّوا بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" (٣). وهذا ليس فى كِتابِ اللَّه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "المُسْلِمونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا" (٤). وهذا يُحَرِّمُ الحَلالَ، وهو التَّزْويجُ والتَّسَرِّى والسَّفَرُ، ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس من مَصْلحةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيْتُمْ (٥) بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ (٦) مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ". روَاه سعيدٌ (٧). وفى لَفْظٍ (٨): "إنَّ أحَقَّ الشَّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُم بِهِ الفُرُوجَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وأيضا قولُ النبىِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على

стр. 4868

شُرُوطِهِمْ". ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا. ورَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، أَنَّ رَجُلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجلُ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ (١٠). ولأنَّه شَرْطٌ لها فيه مَنْفعةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ المَقْصُودَ من النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو شَرَطَتْ عليه زِيادةً فى المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ. وقولُه ﵇: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّه، فَهُوَ باطِلٌ". أى ليس فى حُكْمِ اللَّه وشَرْعِه، [وهذا مَشْرُوعٌ] (١١)، وقد ذكرْنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّتِه، على أَنَّ الخِلافَ فى مَشْرُوعيَّتِه وعلى مَنْ نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلَالَ. قُلْنا: لا يُحَرِّمُ حلالًا، وإنما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس من مَصْلَحَتِه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ فإنَّه من مصلحةِ المرأةِ، وما كان من مصلحةِ العاقدِ كان من مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِراطِ الرَّهْنِ والضَّمِين فى البَيْعِ، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادةِ على مَهْرِ المِثْلِ، وشَرْطِ غيرِ نَقْدِ البَلَدِ. إذا ثَبَتَ أنَّه شَرْطٌ لازمٌ فلم يَفِ لها به، فلها الفَسْخُ؛ ولهذا قال الذى قَضَى عليه عمرُ بلُزُومِ الشَّرْطِ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فلم يَلْتَفِتْ عمرُ إلى ذلك، وقال: مقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. ولأنَّه شَرْطٌ لازمٌ فى عَقْدٍ، فيَثْبُتُ (١٢) حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ والضَّمِينِ فى البَيْعِ. فصل: فإن شَرَطَتْ عليه أن يُطَلِّقَ ضَرَّتَها، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أن تَشْتَرِطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها. وفى لفظٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال:

стр. 4869

"لَا تَسْألُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا [لِتَكْتَفِئَ مَا فِى صَحْفَتِهَا] (١٣)، وَلْتَنْكِحْ، [فَإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". روَاهما البُخَارِىُّ] (١٤). والنَّهْىُ يقْتَضِى فسادَ المَنْهِىِّ عنه، ولأنَّها شَرَطَتْ عليه فَسْخَ عَقْدِه، وإبْطالَ حَقِّه وحَقِّ امْرَأتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطتْ عليه فَسْخَ بَيْعِه. وقال أبو الخَطَّابِ: هو شَرْطٌ لازمٌ؛ لأنَّه لا يُنافِى العَقْدَ، ولها فيه فائدةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطتْ عليه أن لا يتزَوَّجَ عليها. ولم أرَ هذا لغيرِه، وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على فَسادِه، وعلى قياسِ هذا ما (١٥) لو شَرَطَتْ عَليه بَيْعَ أمَتِه. القسم الثانى، ما يَبْطُل الشَّرْطُ، ويَصِحُّ العَقْدُ، مثل أن يَشْتَرِطَ أن لا مَهْرَ لها، أو أن لا يُنْفِقَ عليها، أو (١٦) إن أصْدَقَها رَجَعَ عليها، أو تَشْتَرِطَ عليه أن لا يَطَأَها، أو يَعْزِلَ عنها، أو يَقْسِمَ لها أقَلَّ من قَسْمِ صاحِبَتِها أو أكْثَرَ، أو (١٦) لا يكونَ عندَها فى الجُمُعةِ إلَّا ليلةً، أو شَرَطَ لها النهارَ دون الليلِ، أو شَرَطَ على المرأةِ (١٧) أن تُنْفِقَ عليه، أو تُعْطِيَه شيئا، فهذه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ فى نَفْسِها؛ لأنَّها تُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، ولأنَّها تتَضَمَّنُ إسْقاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بالعَقْدِ قبلَ انْعِقادِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَه قبلَ البَيْعِ. فأمَّا العقدُ فى نَفْسِه فصَحِيحٌ؛ لأنَّ هذه الشروطَ تَعُودُ إلى معنًى زائدٍ فى العَقْدِ، لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه، ولا يَضُرُّ الجَهْلُ به، فلم يُبْطِلْه (١٨)، كما لو

стр. 4870

شَرَطَ فى العَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا، ولأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ مع الشَّرطِ الفاسدِ، كالْعَتَاقِ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ عليها أن يَبِيتَ عندَها فى كلِّ جُمُعةٍ ليلةً، ثم رَجَعَتْ وقالت: لا أرْضَى إلَّا ليلةً وليلةً. فقال: لها أن تَنْزِلَ بطِيبِ نَفْسٍ منها، فإنَّ ذلك جائزٌ. وإن قالتْ: لا أرْضَى إلَّا بالمُقاسَمةِ. كان (١٩) ذلك حَقًّا لها، تُطالِبُه إن شاءتْ. ونقل عنه الأَثْرَمُ، فى الرَّجُلِ يتزوَّجُ المرأةَ ويَشْتَرِطُ عليها أن يَأْتِيَها فى الأيَّامِ: يجوزُ الشَّرْطُ، فإن شاءتْ رَجَعَتْ. وقال فى الرجلِ يتزوَّجُ المرأةَ على أن تُنْفِقَ عليه فى كل شهرٍ خَمْسةَ دَرَاهِم، أو عَشرْةَ دَرَاهِم: النكاحُ جائزٌ، ولها أن تَرْجِعَ فى هذا الشَّرْطِ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ كلامٌ فى بعضِ هذه الشُّروطِ، يَحْتَمِلُ إبْطالَ العَقْدِ. نَقَلَ عنه المَرُّوذِىُّ فى النَّهارِيَّاتِ واللَّيْلِيَّاتِ: ليس هذا من نِكاحِ أهلِ الإِسْلامِ. وممَّن كَرِهَ تَزْوِيجَ النَّهارِيَّاتِ حَمَّادُ بن أبى سُليمانَ، وابن شُبْرُمةَ. وقال الثَّوْرِىُّ: الشَّرْطُ باطِلٌ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إذا سَأَلَتْهُ أن يَعْدِلَ لها، عَدَلَ. وكان الحَسَنُ، [وعطاءٌ، لا يَرَيانِ بنِكاحِ النهارِيَّاتِ بِأْسًا. وكان الحسنُ] (٢٠) لا يَرَى بأسًا أن يتزَوَّجَها، على أن يَجْعَلَ لها من (٢١) الشهرِ أيّامًا مَعْلُومةً. ولعل كَراهةَ مَنْ كَرِه ذلك، راجِعٌ إلى إبْطالِ الشَّرْطِ، وإجَازةَ مَنْ أجازَه، راجعٌ إلى أصْلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقَةً على صِحَّةِ النِّكاحَ وإبْطالِ الشَّرْطِ، كما قُلْنا. واللَّه أعلم. وقال القاضى: إنَّما كَرِه أحمدُ هذا النِّكاحَ؛ لأنَّه يَقَعُ على وَجْهِ السِّرِّ، ونِكاحُ السِّرِّ مَنْهِىٌّ عنه؛ فإن شُرِطَ عليه تَرْكُ الوطءِ، احْتَمَلَ أن يَفْسُدَ العَقْدُ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنافِى المقصودَ من النكاحِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وكذلك إن شُرِطَ عليه أن لا تُسَلَّمَ إليه، فهو بمَنْزِلةِ ما لو اشْتَرَى شيئا على أن لا يَقْبِضَه (٢٢). وإن شَرَطَ عليها أن لا يَطَأَها، لم يَفْسُدْ؛ لأنَّ الوَطْءَ حَقُّه عليها، وهى لا تَمْلِكُه عليه. ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأنَّ لها فيه حقًّا، ولذلك تَمْلِكُ مُطالَبَته به إذا
следующие страницы →