← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

يَدْرِ الزوجُ أيَّتَهما هى، فعَلَى الأوَّلِ لا يَصِحُّ التَّزْويجُ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ منهما فى التى يتَنَاوَلُهما لَفْظُهما. وعلى الاحتمالِ الذى ذكَرْناه، يَصِحُّ فى المُعَيَّنةِ باللَّفْظِ؛ لما ذكَرْناه. فصل: فإن كان له ابنةٌ واحدةٌ، فقال لرَجُلٍ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. وسَمَّاها بغيرِ اسْمِها، فقال القاضى: يَصِحُّ. وهو قولُ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ قولَه ابْنَتِى آكَدُ من التَّسْمِيةِ؛ لأنَّها لا مُشارَكةَ فيها، والاسْمُ مُشْتركٌ. ولو قال: زَوَّجْتُكَ هذه. وأشارَ إليها، وسَمَّاها بغير اسْمِها، يَجِبُ أن يَصِحَّ على هذا التَّعْلِيلِ. فصل: ولو قال: زَوَّجْتُكَ حَمْلَ هذه المرأةِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له حكمُ البناتِ قبلَ الظُّهورِ، فى غيرِ الإِرْثِ والوَصِيَّةِ، ولأنَّه لم يتَحَقَّقْ أَنَّ فى البَطْنِ بِنْتًا، فأشْبَهَ ما لو قال: زَوَّجْتُكَ مَنْ فى هذه الدارِ. وهما لا يَعْلَمان مَن (٥) فيها. ولو قال: إذا وَلَدَت امْرأتِى بِنتًا زَوَّجْتُكَها. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للنِّكاحِ على شَرْطٍ، والنِّكاحُ لا يتعلَّقُ [على شَرْطٍ] (٦)، ولأنَّ هذا مُجَرّدُ وَعْدٍ لا يَنْعَقِدُ به عَقْدٌ. ١١٤١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَزَوَّجَها، وشَرَطَ لَهَا أنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أو بَلَدِهَا (١)، فَلَهَا شَرْطُهَا؛ لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "أحَقُّ مَا أَوْفَيْتُم بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُم بِهِ الفُرُوجَ". وإن تزَوَّجَها، وشَرَطَ لَهَا أنْ لَا يتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا (٢) تَزَوَّجَ عَلَيْهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الشروطَ فى النِّكاحِ تنْقَسِمُ أقْساما ثلاثةً؛ أحدها، ما يَلْزَمُ الوفاءُ به، وهو ما يَعُودُ إليها نَفْعُه وفائِدَتُه، مثل أن يَشْتَرِطَ لها أن لا يُخْرِجَها من دارِها أو بَلَدِها، أو لا يُسافِرَ بها، أو لا يتَزَوَّجَ عليها، ولا يتَسَرَّى عليها، فهذا يَلْزَمُه الوفاءُ لها به، فإن لم يَفْعَلْ

стр. 4867

فلها فَسْخُ النكاحِ. يُرْوَى هذا عن عمرَ بن الخطابِ، وسعدِ بن أبى وَقّاصٍ، ومعاويةَ، وعمرِو بن العاصِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيْحٌ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعىُّ، وإسحاقُ. وأبْطَلَ هذه الشروطَ الزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، وهشامُ بن عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: ويَفْسُدُ المَهْرُ دون العَقْدِ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. واحْتَجُّوا بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" (٣). وهذا ليس فى كِتابِ اللَّه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "المُسْلِمونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا" (٤). وهذا يُحَرِّمُ الحَلالَ، وهو التَّزْويجُ والتَّسَرِّى والسَّفَرُ، ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس من مَصْلحةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيْتُمْ (٥) بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ (٦) مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ". روَاه سعيدٌ (٧). وفى لَفْظٍ (٨): "إنَّ أحَقَّ الشَّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُم بِهِ الفُرُوجَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وأيضا قولُ النبىِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على

стр. 4868

شُرُوطِهِمْ". ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا. ورَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، أَنَّ رَجُلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجلُ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ (١٠). ولأنَّه شَرْطٌ لها فيه مَنْفعةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ المَقْصُودَ من النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو شَرَطَتْ عليه زِيادةً فى المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ. وقولُه ﵇: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّه، فَهُوَ باطِلٌ". أى ليس فى حُكْمِ اللَّه وشَرْعِه، [وهذا مَشْرُوعٌ] (١١)، وقد ذكرْنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّتِه، على أَنَّ الخِلافَ فى مَشْرُوعيَّتِه وعلى مَنْ نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلَالَ. قُلْنا: لا يُحَرِّمُ حلالًا، وإنما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس من مَصْلَحَتِه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ فإنَّه من مصلحةِ المرأةِ، وما كان من مصلحةِ العاقدِ كان من مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِراطِ الرَّهْنِ والضَّمِين فى البَيْعِ، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادةِ على مَهْرِ المِثْلِ، وشَرْطِ غيرِ نَقْدِ البَلَدِ. إذا ثَبَتَ أنَّه شَرْطٌ لازمٌ فلم يَفِ لها به، فلها الفَسْخُ؛ ولهذا قال الذى قَضَى عليه عمرُ بلُزُومِ الشَّرْطِ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فلم يَلْتَفِتْ عمرُ إلى ذلك، وقال: مقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. ولأنَّه شَرْطٌ لازمٌ فى عَقْدٍ، فيَثْبُتُ (١٢) حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ والضَّمِينِ فى البَيْعِ. فصل: فإن شَرَطَتْ عليه أن يُطَلِّقَ ضَرَّتَها، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أن تَشْتَرِطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها. وفى لفظٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال:

стр. 4869

"لَا تَسْألُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا [لِتَكْتَفِئَ مَا فِى صَحْفَتِهَا] (١٣)، وَلْتَنْكِحْ، [فَإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". روَاهما البُخَارِىُّ] (١٤). والنَّهْىُ يقْتَضِى فسادَ المَنْهِىِّ عنه، ولأنَّها شَرَطَتْ عليه فَسْخَ عَقْدِه، وإبْطالَ حَقِّه وحَقِّ امْرَأتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطتْ عليه فَسْخَ بَيْعِه. وقال أبو الخَطَّابِ: هو شَرْطٌ لازمٌ؛ لأنَّه لا يُنافِى العَقْدَ، ولها فيه فائدةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطتْ عليه أن لا يتزَوَّجَ عليها. ولم أرَ هذا لغيرِه، وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على فَسادِه، وعلى قياسِ هذا ما (١٥) لو شَرَطَتْ عَليه بَيْعَ أمَتِه. القسم الثانى، ما يَبْطُل الشَّرْطُ، ويَصِحُّ العَقْدُ، مثل أن يَشْتَرِطَ أن لا مَهْرَ لها، أو أن لا يُنْفِقَ عليها، أو (١٦) إن أصْدَقَها رَجَعَ عليها، أو تَشْتَرِطَ عليه أن لا يَطَأَها، أو يَعْزِلَ عنها، أو يَقْسِمَ لها أقَلَّ من قَسْمِ صاحِبَتِها أو أكْثَرَ، أو (١٦) لا يكونَ عندَها فى الجُمُعةِ إلَّا ليلةً، أو شَرَطَ لها النهارَ دون الليلِ، أو شَرَطَ على المرأةِ (١٧) أن تُنْفِقَ عليه، أو تُعْطِيَه شيئا، فهذه الشُّروطُ كلُّها باطِلةٌ فى نَفْسِها؛ لأنَّها تُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، ولأنَّها تتَضَمَّنُ إسْقاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بالعَقْدِ قبلَ انْعِقادِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَه قبلَ البَيْعِ. فأمَّا العقدُ فى نَفْسِه فصَحِيحٌ؛ لأنَّ هذه الشروطَ تَعُودُ إلى معنًى زائدٍ فى العَقْدِ، لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه، ولا يَضُرُّ الجَهْلُ به، فلم يُبْطِلْه (١٨)، كما لو

стр. 4870

شَرَطَ فى العَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا، ولأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ مع الشَّرطِ الفاسدِ، كالْعَتَاقِ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ عليها أن يَبِيتَ عندَها فى كلِّ جُمُعةٍ ليلةً، ثم رَجَعَتْ وقالت: لا أرْضَى إلَّا ليلةً وليلةً. فقال: لها أن تَنْزِلَ بطِيبِ نَفْسٍ منها، فإنَّ ذلك جائزٌ. وإن قالتْ: لا أرْضَى إلَّا بالمُقاسَمةِ. كان (١٩) ذلك حَقًّا لها، تُطالِبُه إن شاءتْ. ونقل عنه الأَثْرَمُ، فى الرَّجُلِ يتزوَّجُ المرأةَ ويَشْتَرِطُ عليها أن يَأْتِيَها فى الأيَّامِ: يجوزُ الشَّرْطُ، فإن شاءتْ رَجَعَتْ. وقال فى الرجلِ يتزوَّجُ المرأةَ على أن تُنْفِقَ عليه فى كل شهرٍ خَمْسةَ دَرَاهِم، أو عَشرْةَ دَرَاهِم: النكاحُ جائزٌ، ولها أن تَرْجِعَ فى هذا الشَّرْطِ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ كلامٌ فى بعضِ هذه الشُّروطِ، يَحْتَمِلُ إبْطالَ العَقْدِ. نَقَلَ عنه المَرُّوذِىُّ فى النَّهارِيَّاتِ واللَّيْلِيَّاتِ: ليس هذا من نِكاحِ أهلِ الإِسْلامِ. وممَّن كَرِهَ تَزْوِيجَ النَّهارِيَّاتِ حَمَّادُ بن أبى سُليمانَ، وابن شُبْرُمةَ. وقال الثَّوْرِىُّ: الشَّرْطُ باطِلٌ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إذا سَأَلَتْهُ أن يَعْدِلَ لها، عَدَلَ. وكان الحَسَنُ، [وعطاءٌ، لا يَرَيانِ بنِكاحِ النهارِيَّاتِ بِأْسًا. وكان الحسنُ] (٢٠) لا يَرَى بأسًا أن يتزَوَّجَها، على أن يَجْعَلَ لها من (٢١) الشهرِ أيّامًا مَعْلُومةً. ولعل كَراهةَ مَنْ كَرِه ذلك، راجِعٌ إلى إبْطالِ الشَّرْطِ، وإجَازةَ مَنْ أجازَه، راجعٌ إلى أصْلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقَةً على صِحَّةِ النِّكاحَ وإبْطالِ الشَّرْطِ، كما قُلْنا. واللَّه أعلم. وقال القاضى: إنَّما كَرِه أحمدُ هذا النِّكاحَ؛ لأنَّه يَقَعُ على وَجْهِ السِّرِّ، ونِكاحُ السِّرِّ مَنْهِىٌّ عنه؛ فإن شُرِطَ عليه تَرْكُ الوطءِ، احْتَمَلَ أن يَفْسُدَ العَقْدُ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنافِى المقصودَ من النكاحِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وكذلك إن شُرِطَ عليه أن لا تُسَلَّمَ إليه، فهو بمَنْزِلةِ ما لو اشْتَرَى شيئا على أن لا يَقْبِضَه (٢٢). وإن شَرَطَ عليها أن لا يَطَأَها، لم يَفْسُدْ؛ لأنَّ الوَطْءَ حَقُّه عليها، وهى لا تَمْلِكُه عليه. ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأنَّ لها فيه حقًّا، ولذلك تَمْلِكُ مُطالَبَته به إذا

стр. 4871

آلى، والفَسْخَ إذا تعَذَّرَ بالجَبِّ والعُنَّةِ. القسم الثالث، ما يُبْطِلُ النِّكاحَ من أصْلِه، مثل أن يَشْتَرِطَا تَأْقِيتَ النِّكاحِ، وهو نِكاحُ المُتْعةِ، أو أن يُطَلِّقَها فى وَقْتٍ بعَيْنِه، أو يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، مثل أن يقولَ: زَوّجْتُكَ إن رَضِيَتْ أُمُّها، أو فلانٌ. أو يشْتَرِطَ الخيارَ فى النِّكاحِ لهما، أو لأحَدِهما، فهذه شروطٌ باطِلةٌ فى نَفْسِها، ويَبْطُل بها النِّكاحُ. وكذلك إن جَعَلَ صَدَاقَها تَزْوِيجَ امرأةٍ أُخْرَى، وهو نِكاحُ الشِّغَارِ، ونَذْكُرُ ذلك فى مَوْضِعِه (٢٣)، إن شاء اللَّهُ تعالى. وذكر أبو الْخَطَّابِ، فيما إذا شَرَطَ الخِيارَ، أو (٢٤) إنْ رَضِيَتْ أُمُّها، أو إن جاءَها بالمَهْرِ فى وقتِ كذا، وإلَّا فلا نِكاحَ بينهما، رِوَايتَيْنِ؛ إحداهما، النِّكاحُ صحيحٌ (٢٥)، والشَّرْطُ باطلٌ. وبه قال أبو ثَوْرٍ فيما إذا شَرَطَ (٢٦) الخِيارَ. وحكاه عن أبى حنيفةَ. وزَعَمَ أنَّه لا خِلافَ فيها. وقال ابنُ الْمُنْذِرِ: قال أحمدُ وإسحاقُ: إذا تزَوَّجَها على أنَّه إن جاء بالمَهْرِ فى وقتِ كذا وكذا (٢٧)، وإلَّا فلا نِكاحَ بينهما، الشَّرْطُ باطلٌ والعقدُ جائزٌ. وهو قولُ عطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، والأوْزاعىِّ. ورُوِىَ ذلك عن الزُّهْرِىِّ. ورَوَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ فى هذا، أَنَّ العقدَ والشرطَ جائِزان؛ لقولِ ﷺ : "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ". والرِّوايةُ الأُخْرَى: يَبْطُل العَقْدُ من أصْلِه فى هذا كلِّه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ إلَّا لازِمًا، وهذا يُوجِبُ جَوازَه، ولأنَّه إذا قال: إن رَضِيَتْ أُمُّها، أو إن جِئْتَنِى بالْمَهْرِ (٢٤) فى وقتِ كذا. فقد وَقَفَ النِّكاحَ على شَرْطٍ (٢٨)، ولا يجوزُ وَقْفُه على شَرْطٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ، ونحوُه عن مالكٍ، وأبى عُبَيْدٍ.

стр. 4872

فصل: وإن شَرَطَ الخِيارَ فى الصَّداقِ خاصَّةً، لم يَفْسُدِ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَنْفَرِدُ عن ذِكْرِ الصَّداقِ، ولو كان الصَّداقُ حَرَامًا أو فاسِدًا لم يَفْسُدِ النِّكاحُ، فبِأنْ (٢٩) لا يَفْسُدَ بشرطِ الخِيارِ فيه أَوْلَى، ويُخالِفُ البَيْعَ، فإنَّه إذا فَسَدَ أحدُ العِوَضَيْنِ فيه فَسَدَ الآخرُ. فإذا ثَبَتَ هذا، ففى الصَّداقِ ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدها، يَصِحُّ الصَّداقُ، ويَبْطُلُ شَرْطُ الخِيارِ، كما يَفْسُدُ الشَّرْطُ فى النِّكاحِ، ويَصِحُّ النِّكاحُ. والثانى، يَصِحُّ، ويَثْبُتُ الخِيارُ فيه؛ لأنَّ عَقْدَ الصَّداقِ عقدٌ مُنْفَرِدٌ يَجْرِى مَجْرَى الأَثْمانِ، فثَبَتَ (٣٠) فيه الخِيارُ كالبِيَاعاتِ. والثالث، يَبْطُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّها لم تَرْضَ به، فلم يَلْزَمْها، كما لو لم يُوافِقْه على شىءٍ. ١١٤٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَرَادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَخْلُوَ بِهَا) لا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فى إبَاحةِ النَّظَرِ إلى المرأةِ لمن أرادَ نِكاحها، وقد رَوَى جابرٌ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذَا خَطَبَ أحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ". قال: فخَطَبْتُ امرأةً، فكنتُ أتَخَبَّأُ لها، حتى رأيتُ منها ما دعَانِى إلى نِكاحِها، فتَزَوَّجْتُها. روَاه أبو داودَ (١). وفى هذا أحاديثُ كثيرةٌ سوى هذا. ولأنَّ النِّكاحَ عقدٌ يقْتَضِى التَّمْلِيكَ، فكان للعاقدِ النَّظَرُ إلى المعْقودِ عليه، كالنَّظَرِ إلى الأَمَةِ المُسْتامةِ. ولا بأسَ بالنَّظَرِ إليها بإذْنِها وغيرِ إذْنِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ (٢) بالنَّظَرِ وأَطْلَقَ. وفى حديثِ جابرٍ: فكنتُ أتَخَبَّأُ لها. وفى حديثٍ عن (٣)

стр. 4873

المُغِيرةِ بن شُعْبةَ، أنَّه اسْتَأْذَنَ أبَوَيْها فى النَّظَر إليها، فكَرِهَا، فأذِنَتْ له المرأةُ. روَاه سعيدٌ (٤). ولا يجوزُ له الخَلْوةُ بها؛ لأنَّها (٥) مُحَرَّمةٌ، ولم يَرِدِ الشرعُ بغيرِ النظرِ، فبَقِيَتْ على التَّحْرِيمِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مع الخَلْوةِ مُوَاقعةُ المَحْظُورِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ، فَإنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" (٦). ولا يَنْظُرُ إليها نظَرَ (٧) تَلَذُّذٍ وشَهْوةٍ، ولا لرِيبَةٍ. قال أحمدُ، فى رِوايةِ صالحٍ: يَنْظُرُ إلى الوَجْهِ، ولا يكونُ عن (٨) طريقِ لَذَّةٍ. وله أن يُرَدِّدَ النظرَ إليها، ويتأمَّلَ مَحاسِنَها؛ لأنَّ المقصودَ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. فصل: ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ فى إباحةِ النَّظَرِ إلى وَجْهِها، وذلك لأنَّه ليس بعَوْرةٍ، وهو مَجْمَعُ الْمَحاسنِ، ومَوْضِعُ النظرِ. ولا يُباحُ له النَّظَرُ إلى ما لا يَظْهَرُ عادةً. وحُكِىَ عن الأَوْزَاعىِّ أنَّه يَنْظُرُ إلى مواضِعِ اللَّحْمِ. وعن داودَ أنَّه يَنْظُرُ إلى جَمِيعِها؛ لظاهرِ قولِه ﵇: "انْظُرْ إلَيْهَا". ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٩). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الوَجْهُ، وباطِنُ (١٠) الكَفِّ. ولأنَّ النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أُبِيحَ للحاجةِ، فيَخْتَصُّ بما تَدْعُو الحاجةُ إليه، وهو ما ذكَرْنا، والحديثُ مُطْلَقٌ، ومن نَظَرَ (١١) إلى وَجْهِ إنسانٍ سُمِّىَ ناظِرًا إليه، ومَنْ رآه وعليه أثْوابُه سُمِّى رائِيًا له، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ (١٢). ﴿وَإِذَا

стр. 4874

رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١٣). فأمَّا ما يَظْهَرُ غالبًا سِوَى الوَجْهِ، كالكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ ونحوِ ذلك، ممَّا تُظْهِرُه المرأةُ فى منزِلِها، ففيه روايتَان؛ إحداهما، لا يُباحُ النَّظرُ إليه؛ لأنَّه عَوْرَةٌ، فلم يُبَحِ النَّظَرُ إليه، كالذى لا يَظْهَرُ، فإنَّ عبدَ اللَّه رَوَى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ" (١٤). حديثٌ حسنٌ. ولأنَّ الحاجةَ تَنْدَفِعُ بالنَّظَرِ إلى الوَجْهِ، فبَقِىَ ما عَدَاه على التَّحْرِيمِ. والثانية، له النَّظَرُ إلى ذلك. قال أحمدُ، فى روايةِ حَنْبلٍ: لا بأسَ أن يَنْظُرَ إليها، وإلى ما يَدْعُوه إلى نِكاحِها، من يَدٍ أو جِسْمٍ ونحوِ (١٥) ذلك. قال أبو بكرٍ: لا بأسَ أن يَنْظُرَ إليها عندَ الخِطْبةِ حاسِرَةً. وقال الشافعىُّ: فيَنْظُرُ إلى (١٦) الوَجْهِ والكَفَّيْنِ. ووَجْهُ جَوازِ النَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا أذِنَ فى النَّظَرِ إليها من غيرِ عِلْمِها، عُلِمَ أنَّه أذِنَ فى النَّظرِ إلى جميعِ ما يَظْهَرُ عادةً، إذ لا يُمْكِنُ إفْرادُ الوَجْهِ بالنَّظَرِ مع مُشَارَكةِ غيرِه له فى الظُّهورِ، ولأنَّه يَظْهَرُ غالبًا، فأبِيحَ النَّظَرُ إليه كالوَجْهِ، ولأنَّها امرأةٌ أبِيحَ له النَّظَرُ إليها بأمْرِ الشارعِ، فأبِيحَ النَّظرُ منها إلى ذلك، كذَوَاتِ المَحارِمِ. وقد رَوَى سعيدٌ (١٧)، عن سُفْيانَ، عن عمرِو بن دِينارٍ، عن أبى جَعْفَرٍ. قال: خَطَبَ عمرُ بن الخطابِ ابْنَةَ علىٍّ، فذَكَرَ منها صِغَرًا، فقالوا له: إنَّما رَدَّك. فعَاوَدَهُ، فقال: نُرْسِلُ بها إليك تَنْظُرُ (١٨) إليها. فرَضِيَها، [وكشَف عن ساقِها] (١٩). فقالت: أرْسِل، فَلَوْلا أنَّك أمِيرُ المُؤْمِنِينَ للَطَمْتُ (٢٠) عَيْنَكَ. فصل: ويجوزُ للرَّجُلِ أن يَنْظُرَ من ذَواتِ مَحَارِمِه إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا، كالرَّقَبةِ والرَّأْسِ والكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ ونحوِ ذلك. وليس له النَّظَرُ إلى ما يُسْتَرُ (٢١) غالبًا، كالصَّدْرِ والظَّهْرِ ونحوِهما. قال الأثْرَمُ: سألتُ أبا عبدِ اللَّه عن الرجلِ يَنْظُرُ إلى شَعْرِ امرأةِ أبِيه أو امرأةِ ابْنِه.

стр. 4875

فقال: هذا فى القرآن: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (٢٢). إلَّا لكذا وكذا. قلتُ: فيَنْظُرُ (٢٣) إلى ساقِ امْرَأةِ أبِيه وصَدْرِها. قال: لا ما (٢٤) يُعْجِبُنِى. ثم قال: أنا أكْرَهُ أن يَنْظُرَ من أُمِّه وأُخْتِه إلى مثلِ هذا، وإلى كلِّ شىءٍ لِشَهْوةٍ. وذكَرَ القاضى أَنَّ حُكْمَ الرجلِ مع ذواتِ محارِمِه حكمُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ، والمرأةِ مع المرأةِ. وقال أبو بكرٍ: كَراهِيةُ أحمدَ النَّظَرَ إلى ساقِ أمِّه وصَدْرِها على التَّوَقِّى؛ لأنَّ ذلك يَدْعُو إلى الشَّهْوةِ. يعنى أنَّه يُكْرَه ولا يَحْرُمُ. ومنع الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والضَّحَّاكُ، النَّظَرَ إلى شَعْرِ ذواتِ الْمحارِم. فرُوِىَ عن هندِ ابنةِ المُهَلَّبِ (٢٥)، قالت: قلتُ للحَسَنِ: يَنْظُرُ الرجلُ إلى قُرْطِ أخْتِه أو إلى (٢٦) عُنُقِها؟ قال: لا، ولا كَرامةَ. وقال الضَّحّاكُ: لو دخلتُ على أُمِّى لقلتُ: أيَّتُها العَجُوزُ، غَطِّى شَعْرَكِ. والصحيحُ أنَّه يُباحُ النَّظَرُ إلى ما يَظْهَرُ غالبًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. الآية. وقالت سَهْلةُ بنت سُهَيْلٍ: يا رسولَ اللَّه، إنَّا كنا نَرَى سالِمًا ولَدًا، وكان يَأْوِى معِى ومع أبى حُذَيْفةَ فى بيتٍ واحدٍ، ويَرَانِى فُضُلًا (٢٧)، وقد أنزلَ [اللَّهُ تعالى] (٢٨) فيهم ما عَلِمْتَ، فكيفَ تَرَى فيه؟ فقال لها النَّبِىُّ ﷺ : "أرْضِعِيهِ". فأرْضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكان بمَنْزِلةِ وَلَدِها. رواه أبو داوُدَ (٢٩)، وغيرُه. وهذا (٣٠) دليلٌ على أنَّه كان يَنْظُرُ منها إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا، فإنَّها قالتْ: يَرَانِى فُضُلًا (٢٧). ومعناه فى ثِيابِ البِذْلَةِ التى لا تَسْتُرُ أطْرافَها. وقال امْرُؤُ القَيْسِ (٣١):

стр. 4876

فجِئْتُ وقد نَضَتْ لِنَوْمٍ ثِيابَها ... لَدَى السِّتْرِ إلَّا لِبْسةَ المُتَفَضِّلِ (٣٢) ومثلُ هذا يَظْهَرُ منه الأطْرافُ والشَّعَرُ، فكان يَرَاها كذلك إذ اعْتَقَدَتْه وَلدًا، ثم دَلَّهُم النَّبِىُّ ﷺ على ما يَسْتَدِيمُون به ما كانوا يَعْتَقِدُونه ويَفْعَلُونه. وروَى الشَّافعىُّ، فى "مُسْنَدِه" (٣٣) عن زَيْنَبَ بنت أبى سَلَمةَ، أنَّها ارْتَضَعَتْ من أسماءَ امرأةِ الزُّبَيْرِ. قالت: فكنتُ أرَاه أبًا، وكان يَدْخُلُ علىَّ وأنا أمْشُطُ رَأْسِى، فيأخُذُ ببعض قُرُونِ رَأْسِى، ويقولُ: أقْبِلِى عَلَىَّ. ولأنَّ التَّحَرُّزَ من هذا لا يُمْكِنُ، فأبِيحَ كالوَجْهِ، وما لا يَظْهَرُ غالبًا لا يُباحُ؛ لأنَّ الحاجةَ لا تَدْعُو إلى نَظَرِه، ولا تُؤْمَنُ معه الشَّهْوةُ ومُوَاقَعةُ المَحْظُورِ، فحُرِّمَ النَّظرُ إليه كما تَحْتَ السُّرّةِ. فصل: وذواتُ مَحارِمِه: كلُّ مَنْ حُرِّمَ عليه (٣٤) نِكاحُها على التَّأبِيدِ، بنَسَبٍ أو رَضاعٍ، أو تَحْريمِ المُصَاهرةِ بسَبَب مُباحٍ؛ لما ذكَرْنا من حديثِ سالمٍ وزَيْنبَ. وعن عائشةَ، أَنَّ أفْلَحَ أخا أبى القُعَيْس، اسْتَأْذَنَ عليها بعدَ ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فأبَتْ أن تأْذَنَ له، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "ائْذَنِى لَهُ، فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ" [مُتَّفَقٌ عليه] (٣٥). وقد ذَكَرَ اللَّه تعالى آبَاءَ بُعُولَتِهِنَ، وأبْناءَ بُعُولَتِهِنَّ، كما ذكر آباءَهُنَّ وأبْناءَهُنَّ فى إبْداءِ الزِّينَةِ لهم. وتَوَقَّفَ أحمدُ عن النَّظَرِ إلى شَعْرِ أُمِّ امْرَأتِه وبِنْتِها؛ لأنَّهما غيرُ

стр. 4877

مَذْكُورَتَيْن فى الآية. قال القاضى: إنَّما حَكَى قولَ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ ولم يَأْخُذْ به (٣٦). وقد صَرَّحَ فى رِوايةِ المَروذِىِّ، أنَّه مَحْرَمٌ يَجُوزُ له المُسافَرَةُ بهما (٣٧). وقال، فى رِوايةِ أبى طالبٍ: ساعةَ يَعْقِدُ عُقْدَةَ النكاحِ تَحْرُمُ عليه أُمُّ امْرَأتِه، فله أن يَرَى شَعْرَها ومَحاسِنَها، ليست مثل التى يَزْنِى بها، لا يَحِلُّ له أبدًا أن يَنْظُرَ إلى (٣٨) شَعْرِها، ولا إلى شىءٍ من جَسَدِها، وهى حَرَامٌ عليه. فصل: فأمَّا أُمُّ المَزْنِىِّ بها وابنتُها، فلا يَحِلُّ له النَّظَرُ إليهنَّ، وإن حُرِّمَ نِكاحُهُنَّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَهُنَّ بِسَبَب مُحَرَّمٍ، فلم يُفِدْ إباحةَ النَّظَرِ، كالمُحَرَّمةِ باللِّعَانِ. وكذلك بِنْتُ المَوْطوءةِ بشُبْهةٍ وأُمُّها، ليست من ذواتِ مَحارِمِه. وكذلك الكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ لقَرَابتِه المُسْلِمة. قال أحمدُ، فى يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ أسْلَمَتْ بِنْتُه: لا يُسافِرُ بها، ليس هو مَحْرَمًا لها. والظَّاهرُ أنَّه أراد ليس مَحْرَمًا لها فى السَّفَرِ، أما النَّظرُ فلا يجبُ عليها الحِجابُ منه؛ لأنَّ أبا سُفْيانَ أتَى المدِينةَ وهو مُشْرِكٌ، فدَخَلَ على ابْنَتِه أُمِّ حَبِيبةَ، فطَوَتْ فِرَاشَ رسولِ اللَّه ﷺ لِئَلَّا يَجْلِسَ عليه، ولم تَحْتَجِبْ منه، ولا أُمرَها بذلك النَّبِىُّ ﷺ (٣٩). فصل: وعَبْدُ المرأةِ له النَّظرُ إلى وَجْهِها وكفَّيْها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤٠). ورَوَتْ أُمُّ سَلَمةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ (٤١) مِنْهُ" (٤٢). قال التِّرمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أبى قِلابةَ، قال: كان أزْواجُ النَّبِىِّ ﷺ لا يَحْتَجِبْنَ من مُكاتَبٍ،

стр. 4878

ما بَقِىَ عليه دِينارٌ. روَاه سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٤٣). وعن أنس، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أتَى فاطمةَ بعَبْدٍ قد (٤٤) وَهَبَه لها، وعلى فاطمةَ ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ به رَأْسَها لم يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ به رِجْلَيْها لم يبلُغْ رأسَها، فلمَّا رأى رسولُ اللَّه ﷺ ما تَلْقَى، قال: "إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وغُلامُكِ". روَاه أبو داودَ (٤٥). وكَرِه أبو عبدِ اللَّه له أن يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِه. وهو قولُ سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ، ومُجاهدٍ، والحسنِ. وأباحَ له ذلك ابنُ عباسٍ؛ لما ذَكَرنا من الآيتَيْنِ والخبَرَيْنِ (٤٦)؛ ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤٧). ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فأُبِيحَ له ذلك كذَوِى الْمَحارِمِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: هو مَحْرَمٌ حكمُه حكمُ المحارِمِ من الأقارِبِ، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ. لما ذكرنا من الدَّليلِ، ولأنَّه مُحَرَّمٌ عليها، فكان مَحْرَمًا كالأقارِبِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعةٌ". رواه سعيدٌ (٤٨)، ولأنَّها لا تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ ولا يَحِلُّ له اسْتِمتاعُها، فلم يكنْ مَحْرَمًا كزَوْجِ أخْتِها، ولأنَّه غيرُ مأمُونٍ عليها، إذ ليستْ بينهما نُفْرةُ المَحْرَمِيَّةِ (٤٩)، والمِلْكُ لا يَقْتَضِى النُّفْرةَ الطَّبِيعِيَّةَ، بدليلِ السَّيِّدِ مع أمَتِه. وإنَّما أُبِيحَ له من النَّظرِ ما تَدْعُو الحاجةُ إليه، كالشاهدِ والمُبْتاعِ ونحوِهِما، وجَعَلَه بعضُ أصْحابِنا كالأجنبىِّ؛ لما ذكرناه. والصَّحيحُ ما قُلْنا، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

стр. 4879

فصل: فأمَّا الغلامُ، فما دام طِفْلًا غيرَ مُمَيّزٍ، لا يجبُ الاسْتِتارُ منه فى شىءٍ، وإن عَقَلَ، ففيه روايتان، إحداهما، حكمُه حكمُ ذى المَحْرَمِ فى النَّظَرِ. والثانية، له النَّظَرُ إلى ما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبةِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥٠) فدَلَّ على التَّفْرِيقِ بين البالغِ وغيرِه. قال أبو عبدِ اللَّه: أبو طَيْبَةَ حَجَمَ نِسَاءَ النَّبِىِّ ﷺ وهو غُلَامٌ (٥١). ووَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولى قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٥٢). قيل لأبى عبدِ اللَّه: مَتَى تُغَطِّى المرأةُ رَأْسَها من الغُلامِ؟ قال: إذا بَلَغ عَشْرَ سِنِينَ. فصل: ويُباحُ (٥٣) لكلِّ واحدٍ من الزَّوْجينِ النَّظَرُ إلى جميعِ بَدَنِ صاحِبهِ (٥٤) ولَمْسِه حتى الفَرْجِ؛ لما رَوَى بَهْزُ بن حَكِيمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه قال: قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، عَوْراتُنا ما نَأْتِى منها وما نَذَرُ؟ فقال: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ، إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ (٥٥)، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ". روَاه الترمذىُّ (٥٦)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّ الفَرْجَ يَحِلُّ له الاسْتِمتاعُ به، فجاز النَّظَرُ إليه ولَمْسُه، كبَقِيَّةِ البَدَنِ. ويُكْرَهُ النَّظَرُ إلى الفَرْجِ، فإنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: ما رَأَيْتُ فَرْجَ رسولِ اللَّه ﷺ قَطُّ. روَاه ابنُ

стр. 4880

ماجَه (٥٧). وفى لفظٍ قالت: ما رَأَيْتُه من رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا رَآه مِنِّى. وقال أحمدُ، فى رِوَاية جَعْفَرِ بن محمدٍ، فى المرأةِ تَقْعُدُ بين يَدَىْ زَوْجِها وفى بَيْتِها مَكْشُوفةً فى ثِيابٍ رِقَاقٍ: فلا (٥٨) بَأْسَ به. قلتُ: تخرجُ من الدارِ إلى بيتٍ مَكْشُوفةَ الرَّأْسِ، وليس فى الدّارِ إلَّا هى وزَوْجُها؟ فرَخَّصَ فى ذلك. فصل: ويُباحُ للسَّيِّدِ النَّظَرُ إلى جميعِ بَدَنِ أمَتِه حتى فَرْجِها؛ لما ذكَرْنا فى الزَّوْجَيْنِ، وسواءٌ فى ذلك سُرِّيَّتُه وغيرُها؛ لأنَّه مُباحٌ له الاستمتاعُ من جميعِ بَدَنِها، فأبِيحَ له النَّظرُ إليه (٥٩)، فإن زَوَّجَ أمَتَه حَرُمَ عليه الاسْتِمتاعُ، والنَّظرُ منها إلى ما بين (٦٠) السُّرَّةِ والركبةِ؛ لأنَّ عمرَو بن شُعَيْبٍ، رَوَى عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذَا زَوَّجَ أحَدُكُم خادِمَه (٦١) عَبْدَه أو أجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَإنَّهُ عَوْرَةٌ". روَاه أبو داودَ (٦٢)، ومَفْهُومُه إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما عَدَاه. وأمَّا تَحْريمُ الاسْتِمتاعَ بها (٦٣)، فلا شَكَّ فيه ولا اختلافَ (٦٤)، فإنَّها قد صارَتْ مُبَاحةً للزَّوْجِ، ولا تَحِلُّ المَرْأةُ (٦٥) لرَجُلَيْنِ. فإن وَطِئَها، لَزِمَه الإِثْمُ والتَّعْزِيرُ. وإن وَلَدَتْ، فقال أحمدُ:

стр. 4881

لا يَلْحَقُه الوَلَدُ؛ لأنَّها فِرَاشٌ لغيرِه، فلم (٦٦) يَلْحَقه وَلَدُها، كالأجْنَبِيَّةِ. فصل: فى من يُباحُ له النَّظرُ من الأجانبِ. ويُباحُ للطَّبِيبِ النَّظَرُ إلى ما تَدْعُو إليه الحاجةُ من بَدَنِها، من العَوْرَةِ وغيرِها، فإنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا حَكَّمَ سعدًا فى بنى قُرَيْظةَ، كان يَكْشِفُ عن مُؤْتَزَرِهم (٦٧). وعن عثمانَ، أنَّه أُتِىَ بغُلامٍ قد سَرَق، فقال: انْظُرُوا إلى مُؤْتَزَرِه. فلم يَجِدُوه أنْبتَ الشَّعْرَ، فلم يَقْطَعْهُ (٦٨). وللشَّاهدِ النَّظرُ إلى وَجْهِ المَشْهُودِ عليها؛ لتكونَ الشهادةُ واقعةً على عَيْنِها. قال أحمدُ: لا يَشْهَدُ على امرأةٍ إلَّا أن يكونَ قد عَرَفَها بعَيْنِها. وإن عامَلَ امرأةً فى بيعٍ أو إجَارةٍ، فله النَّظرُ إلى وَجْهِها؛ ليَعْلَمَها بعَيْنِها، فيَرْجِعَ عليها بالدَّرْكِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ كَرَاهةُ (٦٩) ذلك فى حَقِّ الشَّابَّةِ دون العَجُوزِ. ولعلَّه كَرِهَه لمن يخافُ الفِتْنةَ، أو يَسْتَغْنِى عن المُعاملةِ، فأمَّا مع الحاجةِ وعَدَمِ الشَّهْوةِ، فلا بَأْسَ. فصل: فأمَّا نَظَرُ الرجلِ إلى الأجْنَبِيَّةِ من غيرِ سَبَبٍ، فإنَّه مُحَرَّمٌ إلى جَميعِها، فى ظاهر كلامِ أحمدَ. قال أحمدُ: لا يأكلُ مع مُطَلَّقَتِه، هو أجنبىٌّ لا يَحِلُّ له أن يَنْظُرَ

стр. 4882

إليها، كيف يأْكُلُ معها يَنْظُرُ إلى كَفِّها (٧٠)! لا يَحِلُّ له ذلك. وقال القاضى: يَحْرُمُ عليه النَّظرُ إلى ما عَدَا الوَجْهَ والكَفَّينِ؛ لأنَّه عَوْرةٌ، ويباحُ له النَّظرُ إليهما (٧١) مع الكراهةِ إذا أَمِنَ الفِتْنةَ، ونَظَرَ لغيرِ (٧٢) شَهْوةٍ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابنُ عباسٍ: الوَجْهَ والكَفَّيْنِ. ورَوَتْ عائشةُ، أَنَّ أسْماءَ بنتَ أبى بكرٍ، دَخَلَتْ على رسولِ اللَّه ﷺ فى ثِيابٍ رِقَاقٍ، فأعْرَضَ عنها، وقال: "يَا أَسْمَاءُ، إنَّ الْمَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هذَا وهذَا". وأشار إلى وَجْهِه كفَّيْه (٧٣). رواه أبو بكرٍ، وغيرُه. ولأنَّه ليس بعَوْرةٍ، فلم يَحْرُمِ النَّظرُ إليه بغيرِ ريِبَةٍ، كوَجْهِ الرَّجُلِ. ولنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٧٤). وقولُ النَّبِىَّ ﷺ : "إذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبُ، فمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" (٧٥). وعن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: كنتُ قاعدةً عندَ النَّبِىِّ ﷺ ، أنا وحَفْصَةُ، فاسْتَأْذَنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "احْتَجِبْنَ مِنْهُ". روَاه أبو دَاوُد (٧٦). وكان الفَضْلُ بن عباس رَدِيفَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فجاءَتْه (٧٧) الخَثْعَمِيَّةُ تَسْتَفْتِيه، فجعل الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليه، فصَرَفَ رسولُ اللَّه

стр. 4883

- ﷺ وَجْهَه عنها (٧٨). وعن جَرِيرِ بن عبدِ اللَّه، قال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن نَظْرَةِ (٧٩) الفُجاءةِ، فأمَرَنِى أن أصرِفَ بَصَرِى. حديثٌ (٨٠) صحيحٌ. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال لى رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّمَا لَكَ الأُولَى، ولَيْسَتْ لَكَ الآخِرةُ". رواهما أبو داودَ (٨١). وفى إباحةِ النَّظَرِ إلى المرأةِ إذا أراد [أنْ يتَزَوَّجَها] (٨٢) دليلٌ على التَّحْريمِ عند عَدَمِ ذلك، إذْ لو كان مُباحًا على الإِطْلاقِ، فما وَجْهُ التَّخْصِيص لهذه؟ وأمَّا حديثُ أسماءَ -إن صَحَّ- فيَحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ نُزُولِ الحِجَابِ، فنَحْمِلُه عليه. فصل: والعَجُوزُ التى لا يُشْتَهَى مِثْلُها، لا بأسَ بالنَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ منها غالبًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٨٣). الآية. قال ابنُ (٨٤) عباس، فى قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٨٥) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٨٦). الآية قال (٨٧): فنَسَخَ واسْتَثْنَى من ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية. وفى معنى ذلك الشَّوْهاءُ التى (٨٨) لا تُشْتَهى.

стр. 4884

فصل: والأمَةُ يُباحُ النَّظرُ منها إلى ما يَظْهَرُ غالِبًا، كالوَجْهِ، والرَّأْسِ، واليَدَيْنِ، والسَّاقَيْنِ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، راى [أمَةً مُتَكَمِّمَةً] (٨٩)، فضَرَبها بالدِّرَّةِ، وقال: يالَكاعِ، تَتَشَبَّهِينَ بالحَرَائرِ! ورَوَى أبو حَفْصٍ بإسنادِه، أَنَّ عمرَ كان لا يَدَعُ أمَةً تَقَنَّعُ فى خِلافَتِه، وقال: إنَّما الْقِناعُ للحَرَائرِ (٩٠). ولو كان نَظَرُ ذلك منها (٩١) مُحَرَّمًا لم يَمْنَعْ من سَتْره، بل أُمرَ به. وقد رَوَى أنسٌ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، لمَّا أخَذَ صَفِيَّةَ قال الناسُ: لا نَدْرِى، أجَعَلَها أُمَّ المُؤْمِنينَ، أم أُمَّ وَلَدٍ؟ فقالوا: إن حَجَبَها فهى أُمُّ المُؤْمنينَ، وإن لم يَحْجُبْها فهى أُمُّ وَلَدٍ. فلمَّا رَكِبَ، وَطَّأَ لها خَلْفَه، ومَدَّ الحِجابَ بينَه وبينَ الناسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٩٢). وهذا دَلِيلٌ على أن عَدَمَ حَجْبِ الإِمَاءِ كان مُسْتَفِيضًا بينهم مَشْهورًا، وأنَّ الحَجْبَ لغَيْرِهِنَّ كان معلومًا. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يُباحُ النَّظرُ منها إلى ما ليس بعَوْرةٍ، وهو ما فَوْقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبةِ. وسَوَّى بعضُ أصْحابِنا بينَ الحُرَّةِ والأمَةِ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. الآية، ولأنَّ العِلَّةَ فى تحريمِ النَّظرِ الخوفُ من الفِتْنةِ، والفِتْنةُ الْمَخُوفةُ تَسْتَوِى فيها الحُرَّةُ والأمَةُ، فإنَّ الحُرِّيَّةَ حُكْمٌ لا يُؤثِّرُ فى الأمْرِ الطَّبِيعىِّ. وقد ذكرْنا ما يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ، ويُوجِبُ الفَرْقَ بينهما. وإن لم يَفْتَرِقا فيما ذَكَرُوه، افْتَرَقا فى الحُرْمةِ، وفى مَشَقَّةِ السَّتْرِ، لكن إن كانت الأمَةُ جميلةً يُخَافُ الفِتْنةُ بها، حَرُمَ النَّظرُ إليها، كما يَحْرُمُ النَّظَرُ إلى الغُلامِ الذى تُخْشَى الفِتْنةُ بالنَّظَرِ إليه. قال أحمدُ، فى الأَمَةِ إذا كانت جميلةً: تَنْتَقِبُ، ولا يُنْظَرُ إلى المَمْلوكةِ، كم من نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فى قَلْبِ صاحِبِها البَلَابِلَ. فصل: فأمَّا الطِّفْلةُ التى لا تَصْلُحُ للنِّكاحِ، فلا بأسَ بالنَّظرِ إليها. قال أحمدُ، فى

стр. 4885

رِوايةِ الأثْرَمٍ، فى الرَّجُل (٩٣) يأخُذُ الصغيرةَ، فيَضَعُها فى حِجْرِه، ويُقَبِّلُها: فإن كان يَجِدُ شَهْوة فلا، وإن كان لغيرِ شهوةٍ، فلا بأسَ. وقد رَوَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن عمرَ ابن حفصٍ الْمَدِينىِّ، أنَّ الزُّبَيْرَ بن العَوَّامِ، أرْسَلَ بابْنَةٍ له إلى عمرَ بن الخطابِ، مع مَوْلاةٍ له، فأخَذَها عمرُ بيَدِه، وقال: ابْنةُ أبى عبدِ اللَّه. فتَحَركَتِ الأجْراسُ من (٩٤) رِجْلَيْها (٩٥). فأخَذَها عمرُ فقَطَعَها، وقال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانٌ" (٩٦). فأمَّا إذا بَلَغَتْ حَدًّا تَصْلُحُ معه (٩٧) لِلنِّكاحِ، كابْنةِ تِسْعٍ، فإنَّ عَوْرَتَها مُخالِفةٌ لعَوْرةِ البالغةِ، بدليلِ قولِه ﵇: "لَا يَقْبَلُ اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ" (٩٨). فدَلَّ (٩٩) على صِحّةِ الصَّلاهِ ممَّن لم تَحِضْ مَكْشُوفةَ الرَّأسِ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حكمَ ذواتِ الْمَحارِمِ، كقَوْلِنا فى الغلامِ المُرَاهِقِ مع النِّساءِ. وقد روى أبو بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قالت عائشةُ: دخَلَتْ علىَّ ابنةُ أخِى مُزَيَّنةً، فدخلَ علىَّ النَّبِىُّ ﷺ ، فأعْرَضَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّها ابنةُ أخِى وجاريةٌ. فقال: "إذا عَرَكَتِ المرأةُ (١٠٠) لم يَجُزْ لها (١٠١) أن تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَها وإلَّا (١٠٢) مَا (١٠٣) دُونَ هذَا". وقَبَضَ على ذراعِ نَفْسِه، فتَرَكَ بين قَبْضَتِه وبين الكَفِّ مثلَ قَبْضةٍ أخرى أو نحوِها (١٠٤).

стр. 4886

وذكَر حديثَ أسْماء: "إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هذَا وهذَا". وأشار إلى وَجْهِه كفَّيْه (١٠٥). واحْتَجَّ أحمدُ بهذا الحديث، وتَخْصيصُ (١٠٦) الحائضِ بهذا التَّحْديد دليلٌ على إبَاحةِ (١٠٧) أكثرَ من ذلك فى حَقِّ غيرها. فصل: ومَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُه من الرِّجالِ، لكِبَرٍ، أو عُنَّةٍ، أو مَرَض لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أو الْخَصِىُّ، أو الشيخُ، أو المُخَنّثُ الذى لا شَهْوةَ له، فحُكْمُه حكمُ ذِى (١٠٨) المَحْرَمِ فى النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (١٠٩). أى غيرُ أُولِى الحاجةِ إلى النِّساءِ. قال ابنُ عباسٍ: هو الذى لا تَسْتَحِى منه النِّساءُ. وعنه: هو المُخَنَّثُ الذى لا يقومُ زُبُّهُ (١١٠). وعن مجاهدٍ وقَتادةَ: الذى لا أَرَبَ له فى النِّساءِ. فإن كان المُخَنّثُ ذا شهوةٍ، ويَعْرِفُ أمْرَ النساءِ، فحُكْمُه حكمُ غيرِه؛ لأنَّ عائشةَ قالت: دَخَلَ على أزْواجِ النَّبِىِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فكانوا يَعُدُّونَه من غيرِ أُولِى الإِرْبةِ (١١١)، فدَخَلَ علينا النَّبِىُّ ﷺ ، وهو يَنْعَتُ امرأةً، أنَّها إذا أقْبَلَتْ أقْبَلَتْ بأَرْبَعِ، وإذا أَدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بثَمانٍ. فقال النبىُّ ﷺ : "ألَا أرَى هذَا يَعْلَمُ مَا ههُنَا؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيكُنَّ (١١٢) هذَا". فحَجَبُوه. رواه أبو داودَ (١١٣)، وغيرُه. قال ابنُ

стр. 4887

عبدِ البَرِّ: ليس المُخَنَّثُ الذى تُعْرَفُ فيه الفاحشةُ خاصَّةً، وإنَّما التَّخْنِيثُ (١١٤) شِدَّةُ (١١٥) التَّأْنِيثِ (١١٦) فى الخِلْقةِ، حتى يُشْبِهَ المرأةَ فى اللِّينِ، والكلامِ، والنَّظَرِ، والنَّغَمةِ، والعَقْلِ، فإذا كان كذلك، لم يكُنْ له فى النِّساءِ إرْب، وكان لا يَفْطِنُ لأُمورِ النِّساءِ، وهو من غيرِ أُولِى الإِرْبةِ الذين أُبِيحَ لهم الدخولُ على النِّساءِ، ألا تَرَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَمْنَعْ ذلك المُخَنَّثَ من الدُّخولِ على نِسائِه، فلمَّا سَمِعَه يَصِفُ ابْنةَ غَيْلانَ، وفَهِمَ أمْرَ النِّساءِ، أمَرَ بحَجْبِه؟ فصل: فأمَّا الرَّجُلُ مع الرجلِ، فلكلِّ واحدٍ منهما النَّظرُ من صاحِبِه إلى ما ليس بعَوْرةٍ. وفى حَدِّها رِوَايتان؛ إحداهما، ما بين السُّرّةِ والرُّكْبةِ. والأخرى الفَرْجانِ. وقد ذكَرْناهما فى كتابِ الصلاةِ (١١٧). ولا فَرْقَ بين الأمْرَدِ وذى اللِّحْيةِ، إلَّا أَنَّ الأمْرَدَ إن كان جميلًا، يُخافُ الفِتْنةُ بالنَّظَرِ إليه، لم يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إليه. وقد رُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، قال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القَيْسِ على النَّبِىِّ ﷺ ، وفيهم غُلامٌ أمْرَدُ، ظاهِرُ الوَضَاءةِ، فأجْلَسَه النَّبِىُّ ﷺ -وراء ظَهْرِهِ. رواه أبو حَفْصٍ (١١٨). قال المَرُّوذِىُّ: سَمِعْتُ أبا بكرٍ الأعْيَنَ (١١٩) يقولُ: قَدِمَ علينا إنسانٌ من خُراسانَ، صديقٌ لأبى عبدِ اللَّه، ومعه غلامٌ ابنُ أخْتٍ له، وكان جميلًا، فمَضَى إلى أبى عبدِ اللَّه فحَدّثَه، فلما قُمْنَا خَلَا بالرَّجُلِ، وقال له: مَنْ هذا الغلامُ منك؟ قال: ابنُ أخْتِى. قال: إذا جِئْتَنِى لا يكونُ معك، والذى أرَى لك أن لا يَمْشِىَ

стр. 4888

معك فى طَرِيقٍ. فأمَّا الغلامُ الذى لم يَبْلُغ سبْعًا (١٢٠) فلا عَوْرَةَ له يَحْرُمُ النَّظرُ إليها. وقد رُوِىَ عن ابنِ أبى لَيْلَى، عن أبِيه، قال: كُنَّا جُلُوسًا عندَ النَّبِىِّ ﷺ ، قال: فجاءَ الحَسَنُ، فجعل يتَمَرَّغُ عليه، فرفَع (١٢١) مُقَدَّمَ قَمِيصِه، أُراه قال: فقبَّل زُبَيْبَتَه. روَاه أبو حَفْصٍ (١٢٢). فصل: وحكمُ المرأةِ مع المرأةِ حكمُ الرجلِ مع الرجلِ سواءً، ولا فَرْقَ بين المُسْلِمَتَيْنِ، وبين المُسْلِمةِ والذِّمِّيةِ، كما لا فَرْقَ بين الرَّجُلَينِ المسلمَيْنِ، وبين المُسْلمِ والذِّمِّىِّ، فى النَّظَرِ. قال أحمدُ: ذَهَبَ بعضُ الناسِ إلى أنَّها لا تَضَعُ خِمارَها عند اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانيةِ، وأما أنا فأذْهَبُ [إلى أنَّها لا تَنْظُرُ] (١٢٣) إلى الفَرْجِ، ولا تَقْبَلُها حينَ تَلِدُ. وعن أحمدَ، روايةٌ أخرى، أَنَّ المُسْلِمةَ لا تَكْشِفُ قِنَاعَها عندَ الذمِّيَّةِ، ولا تَدْخُلُ معها الحَمَّامَ. وهو قولُ مَكْحُولٍ، وسليمان (١٢٤) بن مُوسَى؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١٢٥). والأَوّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ النِّساءَ الكَوافِرَ من اليَهُودِيَّاتِ وغيرِهِنَّ، قد كُنَّ يَدْخُلْنَ على نِساءِ النَّبِىِّ ﷺ ، فلم يَكُنَّ يَحْتَجِبْنَ، ولا أُمِرْنَ بحِجابٍ، وقد قالت عائشةُ: جاءت يَهُوديَّةٌ تَسْأَلُها، فقالت: أعاذَكِ اللَّه من عذابِ القَبْرِ. فسألتْ عائشةُ رسولَ اللَّه ﷺ . وذكر الحديث (١٢٦). وقالت أسماءُ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى، وهى

стр. 4889

راغبةٌ -يعنى عن الإسْلامِ- فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ أصِلُها؟ قال: "نَعَمْ" (١٢٧). ولأنَّ الحَجْبَ بين الرجالِ والنِّساءِ لمعنًى لا يُوجَدُ بين المسلمةِ والذِّمِّيَّةِ، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ الحَجْبُ بينهما، كالمُسْلِمِ مع الذِّمِّىِّ، ولأنَّ الحِجابَ إنَّما (١٢٨) يجِبُ بنَصٍّ أو قِياسٍ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. فأما قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. فيَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ به (١٢٩) جُمْلةَ النِّساءِ. فصل: فأمَّا نَظَرُ المرأةِ إلى الرجلِ، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، لها النَّظرُ إلى ما ليس بعَوْرةٍ. والأُخْرَى: لا يجوزُ لها النَّظَرُ من الرَّجُلِ إلا إلى مِثْلِ ما يَنْظُرُ إليه منها. اختاره أبو بكرٍ. وهذا (١٣٠) أحدُ قولَىِ الشافعىِّ، لما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن نَبْهانَ، عن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: كنتُ قاعدةً عندَ النَّبِىِّ ﷺ ، أنا وحَفْصَةُ، فاسْتَأْذَنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "احْتَجِبْنَ مِنْهُ". فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّه ضَرِيرٌ لا يُبْصِرُ. قال: "أفَعَمْياوَانِ أَنْتُما لَا تُبْصِرَانِه! ". رواه أبو داودَ، وغيرُه (١٣١). ولأنَّ اللَّه تعالى أمَرَ النِّساءَ بغَضِّ أَبْصارِهِنَّ، كما أمرَ الرجالَ به، ولأنَّ النِّساءَ أحدُ نَوْعَىِ الآدَمِيِّينَ، فحُرِّمَ عليهنَّ النظرُ إلى النَّوْعِ الآخَرِ قِياسًا على الرِّجالِ، يُحَقِّقُه أَنَّ المَعْنَى المُحَرِّمَ للنَّظَرِ خَوْفُ الفِتْنةِ، وهذا فى المرأةِ أبْلَغُ، فإنَّها أشَدُّ شَهْوةً، وأقَلُّ عَقْلًا، فتُسارِعُ الفِتْنةُ إليها أكْثَرَ. ولَنا، قولُ النَّبِىَّ ﷺ لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: "اعْتَدِّى فِى بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمَى، تَضَعِينَ ثِيابَكِ فَلَا يَرَاكِ". مُتَّفقٌ عليه (١٣٢). وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللَّه

стр. 4890

- ﷺ يَسْتُرُنِى برِدَائِه، وأنا أنْظُرُ إلى الحَبَشةِ يَلْعَبُونَ فى المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٣٣). ويَوْمَ فَرَغَ النَّبِىُّ ﷺ من خُطْبةِ العِيد، مَضَى إلى النساءِ فذكَّرهُنَّ، ومعه بلالٌ، فأمَرَهُنَّ بالصَّدَقةِ (١٣٤). ولأنَّهُنَّ (١٣٥) لوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ، لوَجَبَ على الرجالِ الحِجَابُ، كما وَجَبَ على النِّساءِ، لِئَلَّا ينْظُرْنَ إليهم. فأمَّا حَدِيثُ نَبْهانَ، فقال أحمدُ: نَبْهانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبنِ. يعنى هذا الحَدِيثَ، وحديثَ: "إذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" (١٣٦). وكأنَّه أشار إلى ضَعْفِ حَدِيثه، إذ لم يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ المُخالِفَيْنِ للأُصُولِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: نَبْهانُ مَجْهُولٌ، لا يُعْرَفُ إلَّا برِوَايةِ الزُّهْرِىِّ عنه هذا الحَدِيثَ. وحديثُ فاطمةَ صحيحٌ. فالحُجَّةُ به لازِمةٌ. ثم يَحْتَمِلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهانَ خاصٌّ لأزْواجِ النَّبِىِّ ﷺ . كذلك قال أحمدُ، وأبو داودَ. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: كان حَدِيثُ نَبْهانَ لأزْواجِ النَّبِىِّ ﷺ خاصّةً، وحديثُ فاطمةَ لسائرِ الناسِ؟ قال: نعم. وإن قُدِّرَ التَّعارُضُ فتَقْدِيمُ الأحاديثِ الصحيحةِ أَوْلَى من الأخْذِ بحديثٍ مُفْرَدٍ، فى إسْنادِه مَقَالٌ.

стр. 4891

١١٤٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوَّجَ أَمَتَهُ (١)، وشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ، ويَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ باللَّيْلِ، فَالْعَقْدُ والشَّرْطُ جَائِزَانِ، وعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدهُ) أمَّا الشَّرْطُ فصحيحٌ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بمَقْصُودِ النِّكاحِ، فإنَّ الا سْتِمْتاعَ إنَّما يكونُ لَيْلًا، وإذا كان الشرطُ صحيحًا لم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، فيَكُونان صحيحَيْنِ. وعلى الزَّوْجِ النَّفَقةُ فى الليلِ؛ لأنَّها سَلَّمتْ نفسَها (٢) إليه فيه، وليس عليه نفقةُ النَّهارِ؛ لأنَّها فى مُقَابلةِ الاسْتِمْتاعِ، وهو لا يتَمَكَّنُ من الاسْتِمْتاعِ بها فى تلك الحالِ. وإذا لم تَجبْ نَفَقةُ النهارِ على الزَّوْجِ، وَجَبَتْ على السَّيِّدِ، لأنَّها فى خِدْمَتِه حينئذٍ، ولأنَّها (٣) باقِيةٌ على الأصْلِ فى وُجُوبِها على السَّيِّدِ، فتكونُ نَفَقَتُها بينهما نِصْفَيْنِ، وكذلك الكُسْوَةُ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: ليس على الزَّوْجِ شىءٌ من النَّفَقةِ؛ لأنَّها لا تَجِبُ إلَّا بالتَّمْكِينِ التَّامِّ، ولم يُوجَدْ، فلم يَجِبْ منها شىءٌ، كالحُرَّةِ إذا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ فى بعض الزَّمَانِ دونَ بعضٍ. ولَنا، أَنَّ النَّفقةَ عِوَضٌ فى مُقَابلةِ المَنْفَعةِ، فوَجَبَ منها بقَدْرِ ما يَسْتَوْفِيه، كالأُجْرَةِ فى الإِجَارةِ، وفارَقَتِ الحُرَّةَ؛ لأنَّ التَّسْليمَ عليها واجبٌ فى جميعِ الزَّمَانِ، فإذا امْتَنَعَتْ منه (٤) فى البَعْضِ، فلم تُسَلِّمْ ما وَجَبَ عليها تَسْلِيمُه، وههُنا قد سَلَّمَ السَّيِّدُ جميعَ ما وَجَبَ عليه. فصل: فإن زَوَّجَها من غير شَرْطٍ. فقال القاضى: الحكمُ فيه كما لو شَرَطَ، وله اسْتِخْدامُها نَهارًا، وعليه إرْسالُها ليلًا للاسْتِمْتاعِ بها؛ لأنَّه زَمانُه، وذلك لأنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ من أمَتِه مَنْفَعَتَيْنِ، منفعةَ الاسْتِخْدامِ والاسْتِمْتاعِ، فإذا عَقَدَ على إحداهما، لم

стр. 4892

يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا فى زَمَنِ اسْتِيفائِها، كما لو أجَرَها للخِدْمةِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا فى زَمَنِها وهو النهارُ، والنفقةُ بينهما على قَدْرِ إقامَتِها عندَهما. وإن تَبَرّعَ السَّيِّدُ بإرْسالِها ليلًا ونهارًا، فالنفقةُ كلُّها على الزَّوْجِ. وإن تَبَرّعَ الزَّوْجُ بتَرْكِها عند السَّيِّد لَيْلًا ونهارًا، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها عنه. ولو تَبَرّعَ كلُّ واحدٍ منهما بتَرْكِها عندَ الآخرِ، وتَدَافَعاها، كانت نَفَقَتُها كلها على الزَّوْجِ؛ لأنَّ الزَّوْجِيّةَ تَقْتَضِى [وُجوبَ النَّفقةِ] (٥)، ما لم يَمْنَعْ من اسْتِمْتاعِها، عُدْوانًا أو بشَرْطٍ أو نحوه، ولذلك تَجِبْ نَفَقَتُها مع تَعَذُّرِ اسْتِمْتاعِها بمَرَضٍ أو حَيْضٍ أو نحوهما، فإذا لم يَكُنْ من السَّيِّد ههُنا مَنْعٌ [وَجَبتِ النَّفَقةُ] (٦) على الزَّوْجِ؛ لوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ المُقْتَضِيةِ لها، وعدمِ المانعِ منها. فصل: فإن أرادَ الزوجُ السَّفَرَ بها، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه يُفَوِّتُ خِدْمَتَها المُسْتَحَقَّةَ لسَيِّدِها. وإن أراد السَّيِّدُ السَّفَرَ بها، فقد تَوَقّفَ أحمدُ عن ذلك، وقال: ما أَدْرِى. فيَحْتَمِلُ المَنْعَ منه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ منها، فمُنِعَ منه، قِياسًا على ما لو مَنَعَه منه مع الإقامةِ، ولأنَّه مالِكٌ لإِحْدَى مَنْفَعَتَيْها، فلم يَمْلِكْ مَنْعَ الآخَرِ من السَّفَرِ بها، كالسَّيِّدِ، وكما لو أجَرَها (٧) ثم أراد السَّفَرَ بها. ويَحْتَمِلُ أَنَّ له السَّفَرَ بها؛ لأنَّه مالكُ رَقَبَتِها، كسَيِّدِ العبدِ إذا زَوَّجَه. وإن شَرَطَ الزَّوْجُ أن تُسَلَّمَ إليه الأمَةُ ليلًا ونَهارًا، جاز، وعليه نَفَقَتُها كلُّها، وليس للسَّيِّدِ السَّفَرُ بها؛ لأنَّه لا حَقَّ له فى نَفْعِها (٨). فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن أراد التَّزَوُّجَ، أن يَخْتارَ ذاتَ الدِّينِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا، ولِحَسَبِهَا، ولِجَمَالِهَا، ولِدِينِها، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). ويختارُ البِكْرَ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "أتَزَوَّجْتَ يَا

стр. 4893

جَابِرُ؟ " قال: قلتُ: نعم. قال: "بِكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟ ". قال: قلتُ: بل ثَيِّبًا. قال: "فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ؟ ". مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وعن عَطاءٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ، فَإنَّهُنَّ أعْذَبُ أفْوَاهًا، وأنْقَى أرْحامًا". روَاه الإِمامُ أحمدُ. وفى (١١) روايةٍ: "وأنْتَقُ أرْحامًا (١٢)، وأرْضَى باليَسِيرِ" (١٣). ويُسْتَحَبُّ أن تكونَ من نِساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرةِ الوِلادةِ (١٤)؛ لما رُوِىَ عن أنَسٍ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 4894

يأْمُرُ بالباءَةِ، ويَنْهَى عن التَّبَتُّلِ نَهْيًا شديدًا، ويقول: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوُلودَ، فَإنِّى مُكاثِرٌ بِكُم الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه سعيدٌ (١٥). ورَوَى مَعْقِلُ بن يَسارٍ، قال: جاء رَجُلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: إنِّى أصَبْتُ امرأةً ذاتَ حَسَب ومَنْصِبٍ، إلَّا أنَّها لا تَلِدُ، أفأَتَزَوَّجُها؟ فنَهاه، ثم أتاه الثانيةَ، فنَهاه، ثم أتاه الثالثةَ، فقال: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الوُلودَ، فَإنِّى مُكاثِرٌ بِكُمْ" (١٦). روَاه النَّسَائِىُّ (١٧). وعن علىِّ بن الحُسَيْنِ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "يَا بَنِى هَاشِمٍ، عَلَيْكُمْ بنِسَاءِ الْأَعَاجِمِ، فَالْتَمِسُوا أوْلادَهُنَّ فإنَّ فِى أرْحَامِهِنَّ البَرَكَةَ" (١٨). ويخْتارُ الجميلةَ لأنَّها أسْكَنُ لنَفْسِه، وأغَضُّ لبَصَرِه، وأكْمَلُ لمَوَدَّتِه، ولذلك شُرِعَ النَّظَرُ قبلَ النِّكاحِ، وقد رُوِىَ عن أبى بكرِ بن محمدِ ابن عمرِو بن حَزْمٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّما النِّساءُ لُعَبٌ، فَإذَا اتَخذَ أحَدُكُم لُعْبةً فَلْيَسْتَحْسِنْهَا (١٩) ". وعن أبى هُريرةَ، قال: قيل يا رسولَ اللَّه، أىُّ النِّساءِ خَيْرٌ؟ قال (٢٠): "الَّتِى تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ، وتُطِيعُهُ إذَا أمَرَ، ولَا تُخالِفُه فِى نَفْسِهَا وَلا فِى مَالِهَا (٢١) بِمَا يَكْرَهُ". روَاه النَّسائىُّ (٢٢). وعن يحيى بن جَعْدةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "خَيْرُ فَائِدَةٍ أفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِه، امْرَأة جَمِيلَةٌ، تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إلَيْهَا، وتُطيعُهُ إذَا أمَرَهَا، وتَحْفَظُهُ فِى غَيْبَتِهِ فِى مَالِهَا (٢٣) ونَفْسِهَا". رواه سعيدٌ (٢٤).

стр. 4895

ويخْتارُ ذاتَ العَقْلِ، ويَجْتَنِبُ الحَمْقاءَ؛ لأنَّ النِّكاحَ يُرادُ للعِشْرَةِ، ولا تَصْلُحُ العِشْرةُ مع الحَمْقاءِ ولا [يَطِيبُ العَيْشُ] (٢٥) معها، وربَّما تَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها. وقد قيل: اجْتَنِبُوا الْحَمْقاءَ، فإنَّ وَلَدَها ضَيَاعٌ، وصُحْبَتَها بَلَاءٌ. ويخْتارُ الحَسِيبةَ؛ ليكونَ وَلَدُها نَجِيبًا، فإنَّه رُبَّما أشْبَهَ أَهلَها، وَنزَعَ إليهم. وكان يُقال: إذا أرَدْتَ أن تتَزَوَّجَ (٢٦) امرأةً فانْظُرْ إلى أبِيها [وأَخِيها] (٢٧). وعن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، وانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وأنْكِحُوا إلَيْهِمْ" (٢٨). ويخْتارُ الأجْنبيَّةَ؛ فإن وَلَدَها أنْجَبُ، ولهذا يقال: اغْتَرِبُوا لا تَضْوُوا. يعنى: انْكَحُوا الغَرائِبَ كى لا تَضْعُفَ أوْلادُكم. وقال بعضُهم: الغَرَائِبُ أنْجَبُ، وبناتُ العَمِّ أصْبَرُ. ولأنَّه لا تُؤْمَنُ (٢٩) العَدَاوةُ فى النِّكاحِ، وإفْضاؤُه إلى الطَّلَاقِ، فإذا كان فى قَرَابَتِه أفْضَى إلى قَطيعةِ الرَّحِمِ المأْمُور بصِلَتِها. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 4896

باب ما يَحْرُمُ نِكِاحُه، والجَمْعُ بَيْنَه، وغير ذلك التَّحْريمُ للنِّكاحِ ضَرْبانِ؛ تَحْرِيمُ عَيْنٍ، وتحريمُ جَمْعِ. ويَتَنوَّعُ أيضًا نَوْعَيْنِ؛ تَحْرِيمَ نَسَبٍ، وتحريمَ سَبَبٍ. والأصلُ فى ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ، فأمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. والآيةُ التى قَبْلَها والتى بعدَها (١)، وأمَّا السُّنَّةُ فرَوَى أبو هُرَيْرةَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأةِ وعَمَّتِها، ولَا بَيْنَها وبَيْنَ خالَتِهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على تَحْرِيمِ ما نَصَّ اللَّه تعالى على تَحْرِيمِه. ١١٤٤ - مسألة؛ قال: (والْمُحَرَّماتُ نِكَاحُهُنَّ بِالْأَنْسَابِ: الأُمَّهاتُ، والْبنَاتُ، والْأَخَواتُ، والْعَمَّاتُ، والْخَالَاتُ، وبَنَاتُ الْأَخِ، وبَنَاتُ الأُخْتِ .

стр. 4897

والْمُحَرَّمَاتُ بالأَسْبَابِ: الأُمَّهاتُ المُرْضِعَاتُ، والْأَخَوَاتُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وأمَّهَاتُ النِّسَاءِ، وبَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِى دَخلَ بِهِنَّ، وحَلَاِئِلُ الأَبْنَاءِ، وزَوْجَاتُ الْأَبِ، والْجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) وجملةُ ذلك أَنَّ المَنْصُوصَ على تَحْرِيمِهِنَّ فى الكتابِ أرْبَعَ عَشرةَ؛ سَبْعٌ بالنَّسَبِ، واثْنَتانِ بالرَّضَاعِ، وأرْبَعٌ بالمُصَاهَرةِ، وواحدةٌ بالجَمْعِ. فأمَّا اللَّواتِى بالنَّسَب فأوَّلُهُنٍ (١) الأمَّهاتُ، وهُنَّ كلُّ من انْتَسَبْتَ إليها بوِلادةٍ، سواءٌ وَقَعَ عليها اسمُ الأَمِّ حَقِيقةً، وهى التى وَلَدَتْكَ، أو مجازًا، وهى التى وَلَدَتْ من وَلَدَكَ وإن عَلَتْ، من ذلك جَدَّتاكَ (٢)؛ أُمُّ أُمِّكَ وأمُّ أبِيكَ، وجَدَّتَا أمِّكَ وجَدَّتَا أبِيكَ، وجَدَّاتُ جَدَّاتِكَ وجَدَّاتُ أجدْادِكَ وإن عَلَوْنَ (٣)، وارثاتٍ كُنَّ أو غيرَ وارثاتٍ، كُلُّهُن أُمَّهاتٌ مُحَرَّماتٌ. ذكَر أبو هُرَيْرَةَ هاجَرَ أمَّ إسماعيلَ، فقال: تِلْكَ أُمُّكُم يا بَنِى ماءِ السَّماءِ (٤). وفى الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على أبِينَا آدَمَ وأُمِّنَا حَوَّاءَ. والبناتُ، وهُنَّ كلُّ أنْثَى انْتَسَبَتْ إليك (٥) بوِلادَتِكَ، كابْنَةِ الصُّلْبِ، وبناتِ البَنِين والبناتِ وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، وارثاتٍ أو غيرَ وارثاتٍ، كُلُّهُنَّ بناتٌ مُحَرماتٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. فإنَّ كلَّ امرأةٍ بنتُ آدَمَ، كما أنَّ كلَّ رجلٍ ابنُ آدَمَ، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾. والأخَواتُ من الجِهَاتِ الثَّلاثِ، من الأبَوَيْنِ، أو من الأبِ، أو من الأُمِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. ولا تَفْرِيعَ عليهِنَّ. والعَمَّاتُ أخواتُ الأبِ من الجهاتِ الثلاثِ، وأخواتُ الأجْدادِ (٦) من قِبَلِ

стр. 4898

الأبِ ومن قِبَلِ الأُمِّ، قَرِيبًا كان الجَدُّ أو بعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. والخالاتُ أخواتُ الأُمِّ من الجهاتِ الثلاثِ، وأخواتُ الجَدَّاتِ وإن عَلَوْنَ. وقد ذكرْنا أَنَّ كلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فكذلك كلُّ أختٍ لِجَدَّةٍ خالةٌ مُحَرَّمةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾. [وبناتُ الأَخِ، كلُّ امرأةٍ انْتَسَبَتْ إلى أخٍ بولادةٍ فهى بِنْتُ أخٍ مُحَرَّمة من أىِّ جِهَةٍ كان الأخُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾] (٧). وبناتُ الأُخْتِ كذلك أيضًا مُحَرَّماتٌ، لقولِه : ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. فهؤلاء المُحَرَّماتُ بالأَنْسابِ. النَّوْع الثانى، المُحرَّماتُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ، وهو قسمان: رَضَاعٌ ومُصاهَرةٌ، فأمَّا الرَّضاعُ فالمنصوصُ على التَّحْريمِ فيه اثْنَتانِ؛ الأُمَّهاتُ المُرْضِعاتُ، وهُن اللَّاتِى أرْضَعْنَكَ وأمَّهاتُهن وجَدّاتُهُنَّ وإن عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، على حَسَبِ ما ذكرْنا فى النَّسَبِ، مُحَرَّماتٌ بقولِه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. كلُّ امرأةٍ أرْضَعَتْكَ أُمُّها، أو أرْضَعَتْها أمُّكَ، أو أرْضَعَتْكَ وإيَّاها امرأةٌ واحدةٌ، أو ارْتَضَعْتَ أنتَ وهى من لَبَنِ رَجُلٍ واحدٍ، كرَجُلٍ له امْرَأتانِ، لهما منه لَبَنٌ، أرْضَعَتْكَ إحداهُما، وأرْضَعَتْها الأُخْرَى، فهى أخْتُكَ، مُحَرَّمةٌ عليك؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. القسم الثانى، تَحْرِيمُ المُصَاهَرةِ، والمنصوصُ عليه أرْبَعٌ؛ أُمَّهاتُ النِّساءِ، فمَن تَزَوَّجَ امرأةً حُرِّمَ عليه كل أُمٍّ لها، من نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قَرِيبةٍ أو بعيدةٍ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ، منهم؛ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وجابرٌ، وعِمرانُ بن حُصَيْنٍ، وكثيرٌ من التابِعِينَ. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّها لا تَحْرُمُ إلَّا بالدُّخُولِ [بابْنَتِها، كما لا تَحْرُمُ ابْنَتُها إلا بالدُّخُولِ] (٨). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. والمَعْقُودُ عليها من نِسائِه، فتَدْخُلُ أمُّها فى عُمُومِ الآية، قال ابنُ عباسٍ: أَبْهِمُوا ما أبْهَمَ القرآنُ (٩). يعنى

стр. 4899

عَمِّمُوا حُكمَها فى كلِّ حالٍ، ولا تَفْصِلُوا بين المَدْخُولِ بها وبين (١٠) غيرِها. ورَوَى عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أيِيه، عن جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأةً، فطَلقَها قَبْلَ أَنْ دَخَلَ بِهَا، فلَا بَأْسَ أَنْ يتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ، ولَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يتَزَوَّجَ أُمَّهَا". روَاه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه (١١). وقال زَيْدٌ: تَحْرُمُ بالدُّخولِ أو بالموتِ؛ لأنَّه يَقُومُ (١٢) مَقامَ الدخولِ. وقد ذَكَرْنا ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، سواءٌ وُجِدَ الدُّخولُ أو الموتُ أو لا، ولأنَّها حُرمَتْ بالمُصاهَرةِ بقولٍ مُبْهَمٍ، فحُرِّمَتْ بنَفْس العَقْدِ، كحَلِيلةِ الابْنِ والأبِ. الثانية، بناتُ النِّساءِ اللّاتِى دَخَلَ بِهِنَّ، وهُنَّ الرَّبائِبُ، فلا يَحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخولِ بأُمَّهاتِهِنَّ، وهُنَّ كلُّ بِنْتٍ للزَّوجةِ من نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبةٍ أو بعيدةٍ، وارثةٍ أو غيرِ وارثةٍ، على حَسبِ ما ذكرْنا فى البَناتِ، إذا دَخَلَ بالأمِّ حُرمَتْ عليه، سواءٌ كانت فى حِجْرِه أو لم تَكُنْ، فى قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن عمرَ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما رَخَّصَا فيها إذا لم تكُنْ فى حِجْرِه. وهو قولُ داودَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ على خِلافِ هذا القولِ. وقد ذكرْنا حديثَ عبدِ اللَّه بن عمرو فى هذا، وقال النَّبِىُّ ﷺ لأُمِّ حَبِيبةَ: "لَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَناتِكُنَّ، ولَا أخَوَاتِكُنَّ" (١٣). ولأنَّ التَّرْبيةَ (١٤) لا تَأْثِيرَ لها

стр. 4900

فى التَّحْريمِ كسائرِ المُحَرِّماتِ. وأمَّا الآية فلم تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وإنَّما وَصَفَها بذلك تَعْرِيفًا (١٥) لها بغالبِ حالِها، وما خَرَجَ مَخْرَجَ الغالبِ لا يَصِحُّ التمسُّكُ بمَفْهُومِه. وإن لم يَدْخُلْ بالمَرْأَةِ لم تُحَرَّمْ عليه بناتُها، فى قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ إذا بانَتْ من نِكَاحِه، إلَّا أن تَمُوتَ قبلَ الدخولِ، ففيه روَايتان؛ إحْداهما، تَحْرُمُ ابْنَتُها. وبه قال زيدُ بن ثابتٍ. وهى اختيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ الموتَ أُقِيمَ مُقامَ الدُّخُولِ فى تَكْمِيلِ العِدَّةِ والصَّداقِ، فيقومُ مَقامَه (١٦) فى تحريِم الرَّبِيبَةِ. والثانية: لا تَحْرُمُ. وهو قولُ علىٍّ، ومَذْهَبُ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عوامُّ عُلَماءِ الأمْصارِ على (١٧) أَنَّ الرَّجُلَ إذا تزَوَّجَ المرأةَ، ثم طَلَّقَها، أو ماتتْ قبلَ الدُّخولِ بها، حَلَّ (١٨) له أن يتزوَّجَ ابْنَتَها. كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ومَنْ تَبِعَهُم؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وهذا نَصٌّ لا يترَكُ لقِياسٍ ضعيفٍ، وحديثِ عبدِ اللَّه ابن عَمْرٍو، وقد ذكرْناه، ولأنَّها فُرْقة قبلَ الدُّخولِ، فلم تحَرِّم الرَّبِيبةَ، كفُرْقةِ الطَّلاقِ، والموتُ لا يَجْرِى مَجْرَى الدُّخولِ فى الإِحْصانِ والإِحْلالِ وعِدَّةِ الأقراءِ، وقيامُه مَقامَه من وَجْهٍ ليس بأَوْلَى من مُفَارَقَتِه إيَّاه من وَجْهٍ آخَرَ، ولو قام مَقامَه من كلِّ وَجْهٍ، فلا يترَكُ صَرِيحُ نَصِّ اللَّه تعالى ونَصِّ رَسُولِه لقياس ولا غيرِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الدخولَ بها هو وَطْؤُها، كُنِىَ عنه بالدُّخولِ، فإن خَلَا بها ولم يَطَأْها، لم تَحْرُم ابْنَتُها؛ لأنّها غيرُ مَدْخُولٍ بها. وظاهرُ قولِ (١٩) الْخِرَقِىِّ تَحْرِيمُها؛ لقولِه: فإن خَلَا بها وقال: لم أطَأْها. وصَدَّقَتْه، لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهما (٢٠)، وكان حُكْمُها حكمَ المَدْخُولِ (٢١) فى

стр. 4901

حميعِ أمُورِها، إلَّا فى الرُّجوعِ إلى زَوْجٍ طَلَّقَها ثلاثًا، وفى الزِّنَى، فإنَّهما يُجْلَدانِ ولا يُرْجَمانِ. وسنذكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه. الثالثة، حَلائِلُ الأبْناءِ، يعنى أزْوَاجَهُم، سُمِّيَتِ امرأةُ الرجلِ حَلِيلَتَه (٢٢)؛ لأنَّها مَحَلُّ إزَارِ زَوْجِها، وهى مُحَلَّلةٌ له، فيَحْرُمُ على الرجلِ أزْواجُ أبْنائِه، وأبناء بَناتِه، من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ، قريبًا كان أو بعيدًا، بمُجَرَّدِ العَقْدِ، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا. الرابعة، زَوْجاتُ الأبِ، فتَحْرُمُ على الرجلِ امرأةُ أبِيه، قرييًا كان (٢٣) أو بعيدًا، وارثًا كان (٢٤) أو غيرَ وارثٍ، من نَسَب أو رَضاعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وقال الْبَراءُ بنُ عازِبٍ: لَقِيتُ خالِى، ومعه الرَّايةُ، فقلتُ: أين تُرِيدُ؟ قال: أرْسَلَنِى رسولُ اللَّه ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبِيه من بَعْدِه أن أضْرِبَ عُنُقَه أو أقْتُلَه. روَاه النَّسَائِىُّ (٢٥). وفى رواية قال: لَقِيتُ عَمِّى الحارثَ ابن عَمْرو، ومعه الرايةُ. فذكر الخبرَ كذلك. رواه سعيدٌ وغيرُه (٢٦). وسواءٌ فى هذا امرأةُ أبيه (٢٧)، أو امرأةُ جَدِّه لأبِيه، وجَدِّه لأمِّه، [قَرُب أم بَعُدَ] (٢٨). وليس فى هذا بين أهلِ العِلْمِ (٢٧) خلافٌ عَلِمْناه، والحمد للَّه. ويَحْرُمُ عليه من وَطِئَها أَبُوه، أو ابْنُه، بمِلْكِ يَمينٍ أو شُبْهةٍ، كما يَحْرُمُ عليه من وَطِئَها فى عَقْدِ نِكاحٍ. قال ابنُ المنذرِ: المِلْكُ فى هذا

стр. 4902

والرَّضاعُ بمَنْزِلةِ النَّسَبِ، وممَّن حَفِظْنا ذلك عنه، عطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومَكْحول، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولا نَحْفَظُ عن أحدٍ خِلَافَهُم. الضرب الثانى، تَحْرِيمُ الجَمْعِ. والمذكورُ فى الكِتابِ الجَمْعُ بين الأُخْتَيْنِ، سواء كانَتَا من نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَيْنِ كانتا أو أمَتَيْنِ، أو حُرَّة وأمَةً، من أبَوَيْنِ كانتا أو من أبٍ أو أُمٍّ، وسواءٌ فى هذا ما قَبْلَ الدُّخولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ الآية. فإن تزَوَّجَهُما فى عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ؛ لأنَّه لا مَزِيّةَ لإحْداهما على الأُخْرَى (٢٩). وسواءٌ عَلِمَ بذلك حالَ العَقْدِ أو بعدَه. فإن تزَوَّجَ إحداهما بعدَ الأُخْرَى، فنِكاحُ الأولَى صحيحٌ؛ لأنَّه لم يَحْصُلْ فيه جَمْعٌ، ونِكاحُ الثانية باطِلٌ؛ لأنَّ به يَحْصُلُ الجمعُ، وليس فى هذا بحمدِ اللَّه اخْتِلافٌ، وليس عليه تَفْرِيعٌ. ١١٤٥ - مسألة؛ قال: (ويَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ) كلُّ امرأةٍ حُرِّمَتْ من النَّسَبِ حُرِّمَ مثلُها من الرَّضَاعِ، وهُنَّ الأُمَّهاتُ، والبَنَاتُ، والأخواتُ، والعَمَّاتُ، والخالاتُ، وبناتُ الأَخِ، وبناتُ الأخْتِ، على الوجهِ الذى شَرَحْناه فى النَّسَبِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ (١) النَّسَبِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى رواية مسلمٍ: "الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلادةُ".

стр. 4903

وقال النَّبِىُّ ﷺ ، فى دُرَّةَ بنت أبى سَلَمةَ: "إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حِجْرِى، مَا حَلَّتْ لِى، إنَّها ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أرْضَعَتْنِى وأَبَاهَا ثُوَبْيَةُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ الأُمَّهاتِ والأخواتِ منصوصٌ عليهنَّ، والباقِياتُ يَدْخُلْنَ فى عُمُومِ لفظِ سائرِ المُحَرَّماتِ. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا. ١١٤٦ - مسألة؛ قال: (ولبَنُ الفَحْلِ مُحَرّمٌ) معناه أَنَّ المرأةَ إذا أرْضَعَتْ طِفلًا بلَبَنٍ ثَابَ (١) من وَطْءِ رَجُلٍ، حُرِّمَ الطِّفْلُ على الرجلِ وأقارِبِه، كما يُحَرَّمُ وَلَدُه من النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ من الرجلِ كما هو من المرأةِ، فيصيرُ الطفلُ وَلَدًا للرجلِ، والرجلُ أباه، وأولادُ الرجلِ إخوتَه، سواءٌ كانوا من تِلْكَ المَرْأةِ أو من غيرِها، وإخْوةُ الرجلِ وأخَواتُه أعمامُ الطفْلِ وعَمَّاتُه، وَآباؤُه وأمَّهاتُه أجْدادُه وجَدَّاتُه. قال أحمدُ: لَبَنُ الفَحْلِ أن يكونَ للرَّجُلِ امْرأتانِ، فتُرْضِعَ هذه صَبِيَّةً وهذه صَبِيًّا، لا يُزَوّجُ هذا من هذا. وسُئِلَ ابنُ عباسٍ عن رجلٍ له جارَيَتانِ، أرْضَعَتْ إحداهُما جاريةً والأُخْرَى غُلامًا، فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا تفسيرُ لَبَنِ

стр. 4904

الفَحْلِ. وممَّن قال بتَحْرِيمه علىُّ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهدٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والقاسمُ، وعروةُ، ومالكٌ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وإليه ذَهَبَ فقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ والعراقِ والشامِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ. ورَخَّصَ فى لبنِ الفَحْلِ سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطاءُ ابن يَسارٍ (٣)، والنَّخَعِىُّ، وأبو قِلَابةَ. ويُرْوَى (٤) ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وجماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ غيرِ مُسَمّينَ؛ لأنَّ الرَّضاعَ من المرأةِ لا من الرَّجُلِ. ويُرْوَى عن زَيْنبَ بنت أبى سَلَمةَ، أنَّها أرْضَعَتْها أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ، امرأةُ الزُّبَيْرِ، قالت: وكان الزبيرُ يَدْخُلُ عَلَىَّ وأنا أمْتَشِطُ، فيأخذُ بقَرْنٍ من قُرُونِ رَأْسِى، فيقول: أقْبِلِى علىَّ فحَدِّثِينِى. أرَاه والدًا، وما وَلَدَ فهم إخْوَتِى، ثم إنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ أرْسَلَ إلىّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابنتِى، على حَمْزةَ بن الزُّبَيْرِ، وكان حَمْزةُ للكَلْبِيَّةِ فقلتُ لرَسُولِه: وهل تَحِلُّ له، وإنّما هى ابنةُ أُخْتِه (٥)؟ فقال عبدُ اللَّه: إنَّما أردْتِ بهذا المَنْعَ لما قِبَلَكِ، أمَّا ما وَلَدَتْ أسماءُ فهم إخْوَتُكِ، وما كان من غيرِ أسْماءَ فليسوا لكِ بإخْوةٍ، فأرْسِلِى فسَلِى عن هذا، فأرْسَلَتْ فسألتْ (٦)، وأصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ متوافِرُون، فقالوا لها: إنَّ الرَّضاعةَ من قِبَلِ الرَّجُلِ لا تُحَرِّمُ شيئًا. فأنْكَحَتْها إيَّاهُ، فلم تَزَلْ عندَه حتى هَلَكَ عنها (٧). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أَنَّ أفْلَحَ أخا أبى القُعَيْس، اسْتَأْذَنَ

стр. 4905

علىَّ بعدَما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فقلتُ: واللَّهِ لَا آذَنُ له حتى أسْتَأْذِنَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فَإنَّ أخَا أبى القُعَيْسِ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأةُ أبى القُعَيْسِ، فدَخَلَ علىَّ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه إن الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأتُه. فقال: "ائْذَنِى لَهُ، فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". قال عُرْوَةُ: فبذلك كانت عائشةُ تأخُذُ بقولِ: حَرِّمُوا (٨) من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ (٩) من النَّسَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وهذا نَصٌّ (١١) قاطعٌ فى مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه. فأمَّا حديث زَيْنَبَ، فإن صَحَّ فهو حُجّةٌ لنا، فإنَّ الزُّبَيْرَ كان يَعْتَقِدُها (١٢) ابْنَتَه، وتَعْتَقِدُه أباها، والظَّاهرُ أن هذا كان مشهورًا عندَهم، وقولُه مع إقْرارِ أهلِ عَصْرِه (١٣)، أوْلَى من قولِ ابْنِه وقولِ قومٍ لا يُعْرَفُونَ. ١١٤٧ - مسألة؛ قال: (والْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا (١)، وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِهَا) قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على القولِ به (٢). وليس فيه بحمدِ اللَّه اختلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ (٣) أهلِ البِدَعِ ممَّن لا تُعَدُّ مُخالَفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارجُ، لم يُحَرمُوا ذلك، ولم يقولوا بالسُّنَّةِ الثَّابتةِ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وهى ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وخَالَتِهَا". مُتَّفَقٌ
следующие страницы →