← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

حميعِ أمُورِها، إلَّا فى الرُّجوعِ إلى زَوْجٍ طَلَّقَها ثلاثًا، وفى الزِّنَى، فإنَّهما يُجْلَدانِ ولا يُرْجَمانِ. وسنذكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه. الثالثة، حَلائِلُ الأبْناءِ، يعنى أزْوَاجَهُم، سُمِّيَتِ امرأةُ الرجلِ حَلِيلَتَه (٢٢)؛ لأنَّها مَحَلُّ إزَارِ زَوْجِها، وهى مُحَلَّلةٌ له، فيَحْرُمُ على الرجلِ أزْواجُ أبْنائِه، وأبناء بَناتِه، من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ، قريبًا كان أو بعيدًا، بمُجَرَّدِ العَقْدِ، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا. الرابعة، زَوْجاتُ الأبِ، فتَحْرُمُ على الرجلِ امرأةُ أبِيه، قرييًا كان (٢٣) أو بعيدًا، وارثًا كان (٢٤) أو غيرَ وارثٍ، من نَسَب أو رَضاعٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وقال الْبَراءُ بنُ عازِبٍ: لَقِيتُ خالِى، ومعه الرَّايةُ، فقلتُ: أين تُرِيدُ؟ قال: أرْسَلَنِى رسولُ اللَّه ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبِيه من بَعْدِه أن أضْرِبَ عُنُقَه أو أقْتُلَه. روَاه النَّسَائِىُّ (٢٥). وفى رواية قال: لَقِيتُ عَمِّى الحارثَ ابن عَمْرو، ومعه الرايةُ. فذكر الخبرَ كذلك. رواه سعيدٌ وغيرُه (٢٦). وسواءٌ فى هذا امرأةُ أبيه (٢٧)، أو امرأةُ جَدِّه لأبِيه، وجَدِّه لأمِّه، [قَرُب أم بَعُدَ] (٢٨). وليس فى هذا بين أهلِ العِلْمِ (٢٧) خلافٌ عَلِمْناه، والحمد للَّه. ويَحْرُمُ عليه من وَطِئَها أَبُوه، أو ابْنُه، بمِلْكِ يَمينٍ أو شُبْهةٍ، كما يَحْرُمُ عليه من وَطِئَها فى عَقْدِ نِكاحٍ. قال ابنُ المنذرِ: المِلْكُ فى هذا

стр. 4902

والرَّضاعُ بمَنْزِلةِ النَّسَبِ، وممَّن حَفِظْنا ذلك عنه، عطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومَكْحول، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولا نَحْفَظُ عن أحدٍ خِلَافَهُم. الضرب الثانى، تَحْرِيمُ الجَمْعِ. والمذكورُ فى الكِتابِ الجَمْعُ بين الأُخْتَيْنِ، سواء كانَتَا من نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَيْنِ كانتا أو أمَتَيْنِ، أو حُرَّة وأمَةً، من أبَوَيْنِ كانتا أو من أبٍ أو أُمٍّ، وسواءٌ فى هذا ما قَبْلَ الدُّخولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ الآية. فإن تزَوَّجَهُما فى عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ؛ لأنَّه لا مَزِيّةَ لإحْداهما على الأُخْرَى (٢٩). وسواءٌ عَلِمَ بذلك حالَ العَقْدِ أو بعدَه. فإن تزَوَّجَ إحداهما بعدَ الأُخْرَى، فنِكاحُ الأولَى صحيحٌ؛ لأنَّه لم يَحْصُلْ فيه جَمْعٌ، ونِكاحُ الثانية باطِلٌ؛ لأنَّ به يَحْصُلُ الجمعُ، وليس فى هذا بحمدِ اللَّه اخْتِلافٌ، وليس عليه تَفْرِيعٌ. ١١٤٥ - مسألة؛ قال: (ويَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ) كلُّ امرأةٍ حُرِّمَتْ من النَّسَبِ حُرِّمَ مثلُها من الرَّضَاعِ، وهُنَّ الأُمَّهاتُ، والبَنَاتُ، والأخواتُ، والعَمَّاتُ، والخالاتُ، وبناتُ الأَخِ، وبناتُ الأخْتِ، على الوجهِ الذى شَرَحْناه فى النَّسَبِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ (١) النَّسَبِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى رواية مسلمٍ: "الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلادةُ".

стр. 4903

وقال النَّبِىُّ ﷺ ، فى دُرَّةَ بنت أبى سَلَمةَ: "إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حِجْرِى، مَا حَلَّتْ لِى، إنَّها ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أرْضَعَتْنِى وأَبَاهَا ثُوَبْيَةُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ الأُمَّهاتِ والأخواتِ منصوصٌ عليهنَّ، والباقِياتُ يَدْخُلْنَ فى عُمُومِ لفظِ سائرِ المُحَرَّماتِ. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا. ١١٤٦ - مسألة؛ قال: (ولبَنُ الفَحْلِ مُحَرّمٌ) معناه أَنَّ المرأةَ إذا أرْضَعَتْ طِفلًا بلَبَنٍ ثَابَ (١) من وَطْءِ رَجُلٍ، حُرِّمَ الطِّفْلُ على الرجلِ وأقارِبِه، كما يُحَرَّمُ وَلَدُه من النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ من الرجلِ كما هو من المرأةِ، فيصيرُ الطفلُ وَلَدًا للرجلِ، والرجلُ أباه، وأولادُ الرجلِ إخوتَه، سواءٌ كانوا من تِلْكَ المَرْأةِ أو من غيرِها، وإخْوةُ الرجلِ وأخَواتُه أعمامُ الطفْلِ وعَمَّاتُه، وَآباؤُه وأمَّهاتُه أجْدادُه وجَدَّاتُه. قال أحمدُ: لَبَنُ الفَحْلِ أن يكونَ للرَّجُلِ امْرأتانِ، فتُرْضِعَ هذه صَبِيَّةً وهذه صَبِيًّا، لا يُزَوّجُ هذا من هذا. وسُئِلَ ابنُ عباسٍ عن رجلٍ له جارَيَتانِ، أرْضَعَتْ إحداهُما جاريةً والأُخْرَى غُلامًا، فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا تفسيرُ لَبَنِ

стр. 4904

الفَحْلِ. وممَّن قال بتَحْرِيمه علىُّ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهدٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والقاسمُ، وعروةُ، ومالكٌ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وإليه ذَهَبَ فقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ والعراقِ والشامِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ. ورَخَّصَ فى لبنِ الفَحْلِ سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطاءُ ابن يَسارٍ (٣)، والنَّخَعِىُّ، وأبو قِلَابةَ. ويُرْوَى (٤) ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وجماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ غيرِ مُسَمّينَ؛ لأنَّ الرَّضاعَ من المرأةِ لا من الرَّجُلِ. ويُرْوَى عن زَيْنبَ بنت أبى سَلَمةَ، أنَّها أرْضَعَتْها أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ، امرأةُ الزُّبَيْرِ، قالت: وكان الزبيرُ يَدْخُلُ عَلَىَّ وأنا أمْتَشِطُ، فيأخذُ بقَرْنٍ من قُرُونِ رَأْسِى، فيقول: أقْبِلِى علىَّ فحَدِّثِينِى. أرَاه والدًا، وما وَلَدَ فهم إخْوَتِى، ثم إنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ أرْسَلَ إلىّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابنتِى، على حَمْزةَ بن الزُّبَيْرِ، وكان حَمْزةُ للكَلْبِيَّةِ فقلتُ لرَسُولِه: وهل تَحِلُّ له، وإنّما هى ابنةُ أُخْتِه (٥)؟ فقال عبدُ اللَّه: إنَّما أردْتِ بهذا المَنْعَ لما قِبَلَكِ، أمَّا ما وَلَدَتْ أسماءُ فهم إخْوَتُكِ، وما كان من غيرِ أسْماءَ فليسوا لكِ بإخْوةٍ، فأرْسِلِى فسَلِى عن هذا، فأرْسَلَتْ فسألتْ (٦)، وأصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ متوافِرُون، فقالوا لها: إنَّ الرَّضاعةَ من قِبَلِ الرَّجُلِ لا تُحَرِّمُ شيئًا. فأنْكَحَتْها إيَّاهُ، فلم تَزَلْ عندَه حتى هَلَكَ عنها (٧). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أَنَّ أفْلَحَ أخا أبى القُعَيْس، اسْتَأْذَنَ

стр. 4905

علىَّ بعدَما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فقلتُ: واللَّهِ لَا آذَنُ له حتى أسْتَأْذِنَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فَإنَّ أخَا أبى القُعَيْسِ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأةُ أبى القُعَيْسِ، فدَخَلَ علىَّ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه إن الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكنْ أرْضَعَتْنِى امرأتُه. فقال: "ائْذَنِى لَهُ، فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". قال عُرْوَةُ: فبذلك كانت عائشةُ تأخُذُ بقولِ: حَرِّمُوا (٨) من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ (٩) من النَّسَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وهذا نَصٌّ (١١) قاطعٌ فى مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه. فأمَّا حديث زَيْنَبَ، فإن صَحَّ فهو حُجّةٌ لنا، فإنَّ الزُّبَيْرَ كان يَعْتَقِدُها (١٢) ابْنَتَه، وتَعْتَقِدُه أباها، والظَّاهرُ أن هذا كان مشهورًا عندَهم، وقولُه مع إقْرارِ أهلِ عَصْرِه (١٣)، أوْلَى من قولِ ابْنِه وقولِ قومٍ لا يُعْرَفُونَ. ١١٤٧ - مسألة؛ قال: (والْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا (١)، وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِهَا) قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على القولِ به (٢). وليس فيه بحمدِ اللَّه اختلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ (٣) أهلِ البِدَعِ ممَّن لا تُعَدُّ مُخالَفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارجُ، لم يُحَرمُوا ذلك، ولم يقولوا بالسُّنَّةِ الثَّابتةِ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وهى ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وخَالَتِهَا". مُتَّفَقٌ

стр. 4906

عليه (٤). وفى روايةِ أبِى داودَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، ولَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، ولَا الْمَرْأَةُ عَلى خَالَتِهَا، ولَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، ولَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى" (٤). ولأنَّ العِلّةَ فى تَحْرِيمِ الجمعِ بين الأُخْتَيْنِ إيقاعُ العَدَاوةِ بين الأقارِبِ، وإفْضاؤُه إلى قَطعةِ الرَّحِمِ المُحَرَّمِ (٥)، وهذا موجودٌ فيما ذكَرْنا. فإن احْتَجُّوا بعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦). خَصَّصْناه بما رَوَيْناه. وبَلَغنا أَنَّ رَجُلَيْنِ من الْخَوارجِ أتَيَا عمرَ بن عبدِ العزيزِ، فكان ممَّا أنْكَرَا عليه رَجْمَ الزَّانِيَينِ (٧)، وتحريمَ الجَمْعِ بين المرأةِ وعَمتِها، وبينها وبين خالَتِها، وقالا: ليس هذا فى (٨) كتابِ اللَّه تعالى. فقال لهما: كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عليكم من الصلاةِ؟ قالا: خَمْسَ صَلَواتٍ فى اليومِ والليلةِ. وسَأَلَهما عن عددِ رَكعاتِها، فأخْبَراه بذلك، وسأَلَهُما عن مِقْدارِ الزَّكاةِ ونُصبِها، فأخْبَراه. فقال: فأيْنَ (٩) تَجِدانِ ذلك فى كتابِ اللَّهِ؟ قالا: لا نَجِدُه فى كتابِ اللَّه. قال: فمِن أين صِرْتُما إلى ذلك؟ قالا: فَعَلَه رسولُ اللَّه ﷺ والمسلمونَ بعدَه. قال: فكذلك هذا. ثم لا فَرْقَ بين الخالةِ والعَمَّةِ، حقيقةً أو مجازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهِم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخالاتِهِنَّ، وإن عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، من نَسَبٍ كان ذلك أو من (١٠) رَضَاعٍ، فكلُّ شَخْصَيْنِ لا يجوزُ لأحَدِهِما أن يتزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحَدُهما ذكرًا والآخرُ أنْثَى لأجْلِ القَرابةِ، لا يجوزُ الجمعُ بينهما، لتَأْدِيَةِ ذلك إلى قَطيعةِ (١١) الرَّحِمِ القَرِيبةِ، لما فى الطِّباعِ (١٢) من التَّنافُسِ والغَيْرةِ بين

стр. 4907

الضَّرائرِ. ولا يجوزُ الجمعُ بين المرأةِ وأمِّها فى العَقْدِ؛ لما ذكَرْناه، ولأنَّ الأُمِّ إلى ابْنَتِها أقْرَبُ من الأُخْتَيْنِ، فإذا لم يُجْمَعْ بين الأُخْتَيْنِ فالمرأةُ وبِنْتُها أَوْلَى. فصل: ولا يَحْرُمُ الجمعُ بين ابْنَتَى العَمِّ، وابْنَتِى الخالِ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، لعَدَم النَّصِّ فيهما بالتَّحْرِيمِ، ودُخُولهما فى عُمُوم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. ولأنَّ إحْدَاهما تَحِل لها الأخرَى لو كانت ذَكَرًا، وفى كَرَاهةِ ذلك روايتان؛ إحداهما: يُكْرَه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وبه قال جابرُ بن زيدٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وسعيدُ بن عبد العزيز. ورَوَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن عِيسَى بن طَلْحةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ أن تُزَوَّجَ المرأةُ على ذِى قَرَابَتِها، كَرَاهِيَةَ (١٣) القَطِيعةِ (١٤). ولأنَّه مُفْضٍ إلى قطيعةِ الرحِمِ المأمورِ بصِلَتِها، فأقَلُّ أحْوالِه الكَرَاهةُ. والأُخْرَى، لا يُكْرَه. وهو قولُ سليمانَ بن يَسارٍ، والشَّعْبِىِّ، وحسن (١٥) بن حَسَنٍ، والأوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، واسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه ليست بينهما قَرابةٌ تُحَرِّمُ الجمعَ، فلا يَقْتَضِى كَرَاهَتَه، كسائرِ الأقارِبِ. ١١٤٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ وأَبِيهِ، وحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا، والجَدُّ وإِنْ عَلَا فِيمَا قُلْتُ بمَنْزِلةِ الْأَبِ، وابْنُ الْابْنِ فِيهِ وَإِنْ سَفلَ بِمَنْزِلَةِ الْابْنِ) وجملةُ ذلك أَنَّ المرأةَ إذا عَقَدَ الرجلُ عَقْدَ النكاحِ عليها، حَرُمَتْ على أبِيه بمُجَرَّدِ العقدِ عليها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (١) وهذه من حَلائلِ أبنائِه، وتَحْرُمُ على أبيه لقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٢) وهذه قد نَكَحَها أبوه، وتَحْرُمُ أُمُّها عليه لقولِه سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١) وهذه مِنْهُنَّ. وليس فى هذا

стр. 4908

اختلافٌ بحمدِ اللَّه، إلَّا شىءٌ ذكَرْناه فيما تقدَّم. والجَدُّ كالأبِ فى هذا، وابنُ الابنِ كالابْنِ فيه؛ لأنَّهم يَدْخُلُونَ فى اسْمِ الآباءِ والأبْناءِ، وسواءٌ فى هذا القَرِيبُ والبَعِيدُ، والوارثُ وغيرُه، من قِبَلِ الأبِ أو الأُمِّ (٣)، ومن وَلَدِ البَنِين أو وَلَدِ البَناتِ. وقد تقدَّم ذلك. ١١٤٩ - مسألة؛ قال: (وكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النَّسَبِ والرَّضَاعِ، فبَنَاتُهُنَّ فِى التَّحْرِيمِ كلُّهُنَّ، إلَّا بَناتِ الْعَمَّاتِ والْخَالَاتِ، وبَنَاتِ مَنْ نَكَحْنَ الْآباءَ والأبْناءَ، فَإنَّهُنَّ مُحَلَّلَاتٌ، وكَذلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجةِ الَّتى لَمْ يَدْخُلْ بهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ كلَّ مُحَرَّمةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُها، لتَناوُلِ التَّحْريمِ لها، فالأُمَّهاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؛ لأنَّهنَّ أخواتٌ أو عَمَّاتٌ أو خالاتٌ، والبناتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهنَّ؛ لأنَّهنَّ بَنَاتٌ، ويَحْرُمُ بناتُ الأخَواتِ وبَناتُهنَّ؛ لأنَّهنَّ بَناتُ الأخْتِ، وكذلك بَناتُ بناتِ الأَخِ، إلَّا بَناتِ العَمَّاتِ والخالاتِ، فلا يُحَرمْنَ بالإِجْماعِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ (١). فأَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لنَبِيِّه ﵇، ولأنَّهنَّ لم يُذْكَرْنَ فى التَّحْريمِ، فيَدْخُلْنَ فى قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) وكذلك لا يَحْرُمُ بناتُ (٣) زَوْجاتِ الآباءِ والأبناءِ؛ [لأنَّهُنَّ حُرِّمْنَ لكَوْنِهِنَّ حَلائلَ الآباءِ والأبْناءِ] (٤)، ولم يُوجَدْ ذلك فى بَناتِهِنَّ، ولا وُجِدَتْ فيهنَّ عِلّةٌ أُخْرَى تَقْتَضِى تحرِيمَهنَّ، فدَخَلْنَ فى قوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وكذلك بَناتُ

стр. 4909

الزَّوْجةِ التى لم يَدْخُلْ بها (٥) مُحَلّلاتٌ؛ لقولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٦). وهُنَّ الرَّبائِبُ، وليس هؤلاء مِمَّنْ حُرِّمَتْ أُمُّهُن، وإنَّما ذكَرها لأنَّها مُحَلَّلةٌ، فيَشْتَبِه حُكْمُها. فإن قيل: فلِمَ حُرِّمَتْ ابْنَةُ الرَّبِيبةِ، ولم تُحَرَّمْ ابنةُ حَلِيلةِ الابْنِ؟ قُلْنا: لأنَّ ابْنةَ الربيبةِ رَبِيبةٌ، وابنةَ الحليلةِ ليست حَلِيلةً، ولأنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرَّبيبةِ أنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ من النَّظَرِ إليها، والخَلْوةِ بها، بكَوْنِها فى حِجْرِه فى بَيْتِه، وهذا المعنى يُوجَدُ فى بِنْتِها وإن سَفَلَتْ، والْحَلِيلةُ حُرِّمَتْ بنِكاحِ الأبِ والابْنِ لها، ولا يُوجَدُ ذلك فى ابْنَتِها. ١١٥٠ - مسألة؛ قال: (وَوَطْءُ الْحَرَامِ مُحَرّمٌ كما يُحَرِّمُ وَطْءُ الْحَلَالِ والشُّبْهَةِ) يعنى أنَّه يَثْبُتُ به تَحْريمُ المُصاهَرةِ، فإذا زَنَى بامْرأةٍ حُرِّمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحُرِّمَتْ عليه أُمُّها وابنتُها، كما لو وَطِئَها بشُبْهةٍ أو حَلالًا. ولو وَطِىءَ أُمَّ امْرأتِه أو بِنْتَها، حُرِّمَتْ عليه امْرأتُه. نَصَّ أحمدُ على هذا، فى روايةِ جماعةٍ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عِمْرانَ ابن حُصَيْنٍ. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباس، أَنَّ الوَطْءَ الحَرَامَ لا يُحَرِّمُ (١). وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، ويَحْيَى بن يَعْمُرَ، وعُرْوةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يُحَرِّمُ الحَرَامُ الْحَلالَ" (٢). ولأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المَوْطُوءةُ فِرَاشًا، فلا يُحَرِّمُ، كوَطْءِ

стр. 4910

الصَّغِيرةِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). والوَطْءُ يُسَمَّى نِكاحًا. قال الشاعرُ: * إذا زَنَيْتَ فأجِدْ نكاحًا * فيدْخُلُ (٤) فى عُمُومِ الآيةِ، وفى الآية قَرِينة تَصْرِفُه إلى الوَطْءِ، وهو قولُه : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وهذا التَّغْلِيظُ إنَّما يكونُ فى الوَطْءِ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَنْظُرُ اللَّه إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأةٍ وابْنَتِها" (٥). ورَوَى الجُوزَجانِىُّ، بإسْنادِه عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: "مَلْعُون مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأةٍ وابْنَتِهَا" (٦). فذَكَرْتُه لسعيدِ بن المُسَيَّبِ فأعْجَبَه. ولأنَّ ما تَعَلَّقَ من التَّحريمِ بالوَطْءِ المُباحِ، تَعَلَّقَ بالمَحْظُورِ، كوَطْءِ الحائِضِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُه الوَطْءُ بالشُّبْهةِ، فأفْسَدَه الوطءُ الحَرامُ كالإِحْرامِ، وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحّتَه، وإنَّما هو من كلامِ ابنِ أَشْوَعَ (٧) بعض قُضاةِ العِراقِ. كذلك قال الإمامُ أحمدُ. وقيل: إنَّه من قولِ ابنِ عباسٍ. وَوَطْءُ الصغيرةِ مَمْنوعٌ، ثم يَبْطُلُ بوَطْءِ الشُّبْهةِ. فصل: والوَطْءُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ مُباحٌ، وهو الوَطْءُ فى نِكاحٍ صحيحٍ أو مِلْكِ يمين، فيتعلّقُ به تحريمُ المُصاهَرةِ بالإِجْماعِ، ويصيرُ (٨) مَحْرَمًا لمن حُرِّمَتْ عليه؛

стр. 4911

لأنَّها حُرِّمَتْ عليه على التأْبِيدِ، بسَبَبٍ مُباحٍ، أشْبَه النَّسَبَ. الثانى، الوَطْءُ بالشُّبْهةِ، وهو الوَطْءُ فى نِكاح فاسِدٍ، أو شِرَاءٍ فاسدٍ، أو وَطْءُ امْرأةٍ ظَنَّها (٩) امْرَأتَه أو أمَتَه، أو وَطْءُ الأَمَةِ المُشْتَرَكةِ بينَه وبين غيرِه، وأشْباهُ هذا، فهذا يتعلَّقُ به التَّحْريمُ كتَعَلُّقِه (١٠) بالوَطْءِ المُباحِ إجماعًا. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من عُلَماءِ الأمصارِ، على أنَّ الرجلَ إذا وَطِى امرأةً (١١) بنِكاحٍ فاسدٍ، أو شِراءٍ (١٢) فاسدٍ، أنَّها تُحَرَّمُ على أبِيه وابْنِه وأجْدادِه وَوَلَدِ ولدِه. وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزَاعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحاب الرَّأْىِ. ولأنَّه وَطْء يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فأثْبَتَ التَّحْريمَ، كالوَطْء المُباحِ. ولا يَصِيرُ به (١٣) الرجلُ مَحْرَمًا لمن حُرِّمَتْ عليه، ولا يُباحُ له به النَّظَرُ إليها؛ لأنَّ الوَطْءَ ليس بمُباح، ولأنَّ المَحْرَمِيَّةَ تتعلَّقُ بكَمالِ حُرْمةِ الوَطْءِ، لأنَّها إباحةٌ، ولأنَّ المَوْطُوءَةَ (١٤) لم يَسْتَبِحِ النَّظرَ إليها فلأن لا يَسْتَبِيحَ النَّظرَ إلى غيرِها به (١٣) أَوْلَى. الثالث، الحَرَامُ المَحْضُ، وهو الزِّنى، فيَثْبُتُ به التَّحْريمُ، على الخِلافِ المذكورِ، ولا (١٥) تثبتُ به المَحْرَمِيَّةُ، ولا إباحةُ النَّظرِ؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ بوَطْءِ الشُّبْهةِ، فبالحرامِ (١٦) المَحْض أَوْلَى، ولا يثْبُتُ به نَسَبٌ، ولا يَجِبُ به المَهْرُ إذا طاوَعَتْه فيه. فصل: ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا (١٧) بين الزِّنَى فى القُبُلِ والدُّبُرِ؛ لأنَّه يتعلَّقُ [به التَّحْريمُ] (١٨) فيما إذا وُجِدَ فى الزوْجةِ والأمَةِ، فكذلك فى الزِّنَى. فإن تَلَوَّطَ بغُلامٍ، فقال

стр. 4912

بعضُ أصْحابِنا: يتعلَّقُ به التَّحْريمُ أيضًا، فيَحْرُم على اللَّائِطِ أُمُّ الغُلامِ وابْنتُه، وعلى الغُلامِ أُمُّ اللَّائطِ وابْنَتُه. قال: ونَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الأوْزَاعىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ فى الفَرْجِ، فنَشَرَ الحُرْمةَ، كوَطْءِ المرأةِ، ولأنَّها بِنْتُ مَن وَطِئَه وأمُّه، فحَرُمتا عليه، كما لو كانت الْمَوْطُوءةُ أُنْثَى. وقال أبو الخَطَّابِ: يكونُ ذلك كالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، يكونُ فيه رِوَايتان. والصحيحُ أن هذا لا يَنْشُرُ الحُرْمةَ، فإنَّ هؤلاء غيرُ مَنْصُوصٍ عليهِنَّ فى التَّحْريمِ، فيَدْخُلْنَ فى عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١٩). ولأنَّهنَّ غيرُ مَنْصوصٍ عليهِنَّ، ولا فى معنى المَنْصُوصِ عليه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْريمِ فيهِنَّ، فإنَّ المْنصوصَ عليهنَّ فى هذا حَلائِلُ الأبْناءِ، ومَنْ نَكَحَهُنَّ الآباءُ وأمهاتُ النساءِ وبناتُهُنَّ، وليس هؤلاءِ منهنَّ، ولا فى مَعْناهنَّ؛ لأنَّ الوَطْءَ فى المرأةِ (٢٠) يكونُ سَبَبًا للبَعْضِيَّةِ (٢١)، ويُوجِبُ المَهْرَ، ويَلْحَقُ به النَّسَبُ، وتَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، ويُثْبِتُ أحكامًا لا يثبِتُها اللّوَاطُ، فلا يجوزُ إلْحاقُه بهنَّ؛ لعَدَمِ العِلَّةِ، وانْقطاعِ الشَّبَهِ، ولذلك لو أَرْضَعَ الرجلُ طِفْلًا، لم يَثْبُتْ به حكمُ التَّحْريمِ، فههُنا أوْلَى. وإن قُدِّرَ بينهما شَبَهٌ من وَجْهٍ ضَعِيفٍ، فلا يجوزُ تخْصِيصُ عُمومِ الكتابِ به، واطِّرَاحُ النَّصِّ بمِثْلِه. فصل: ويَحْرُمُ على الرَّجُلِ نِكاحُ بِنْتِه من الزِّنَى، وأُخْتِه، وبِنْتِ ابْنِه، وبنتِ بِنْتِه، وبنتِ أخِيه، وأُخْتِه من الزِّنَى. وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ فى المشهور من مَذْهَبِه: يجوزُ ذلك كلُّه؛ لأنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه ولا تَنْتسِبُ (٢٢) إليه شَرْعًا، ولا يَجْرِى التَّوَارُثُ بينهما، ولا تَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فلم تَحْرُمْ عليه، كسائرِ الأجانبِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٢٣). وهذه

стр. 4913

بِنْتُه، فإنَّها أُنْثَى مَخْلُوقةٌ من مائهِ، وهذه (٢٤) حقيقةٌ لا تَخْتَلِفُ بالحِلِّ والحُرْمةِ، ويَدُلُّ (٢٥) على ذلك قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، فى امرأةِ هِلَالِ بن أُمَيّةَ: "انْظُرُوهُ". يعنى وَلَدَها "فَإنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كذا فهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ". يعنى الزَّانِىَ (٢٦). ولأنَّها مخلوقةٌ من مائِه (٢٧)، فأشْبَهتِ المخلوقةَ من وَطْءِ الشُّبْهَةِ (٢٨)، ولأنَّها بِضْعةٌ منه، فلم تَحِلَّ له، كبِنْتِه من النِّكاحِ، وتَخَلُّفُ بعض الأحْكامِ لا يَنْفِى كَوْنَها بِنْتًا، كما لو تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أو اخْتلافِ دِينٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين عِلْمِه بكَوْنِها منه، مثل أن يَطَأَ امرأةً فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه غيرُه، ثم يَحْفَظَها حتى تَضَعَ، أو مثل أن يَشْتَرِكَ جماعةٌ فى وَطْءِ امرأةٍ، فتأتِىَ بوَلَدٍ لا يُعْلَمُ هل هو منه أو من غيرِه؟ فإنَّها تَحْرُمُ على جميعِهِم لوَجْهَينِ؛ أحدهما، أنَّها بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِم. والثانى، أنَّنا نَعْلَمُ أنَّها بنتُ بعضِهِم، فتَحْرُمِ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّانِ، ولم يُعْلَمِ السَّابقُ فهما، وتَحْرُمُ على أولادِهم؛ لأنَّها أخْتُ بعضِهم غيرَ معلومٍ، فإن ألْحَقَتْها القَافةُ بأحَدِهم، حَلَّتْ لأوْلادِ الباقِين، ولم تَحِلَّ لأحدٍ ممَّن وَطِئَ أُمَّها، لأنَّها فى معنى رَبِيبَتِه. فصل: وَوَطْءُ المَيِّتَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ؛ أحدهما، يَنْشُرُ الحُرْمةَ؛ لأنَّه مَعْنًى ينْشُرُ الحُرْمةَ المُؤبَّدةَ، فلم يَخْتَص بالحياة كالرَّضاعِ. والثانى، لا ينشرُها. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّه ليس بسَبَبٍ للبَعْضِيَّةِ (٢٩)، ولأنَّ التَّحْريمَ يَتَعلَّقُ باسْتِيفاءِ مَنْفَعةِ الوَطءِ، والموتُ يُبْطِلُ المنافِعَ. وأمَّا الرَّضَاعُ، فيُحَرِّمُ؛ لما يَحْصُلُ به من إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ، وهذا يَحْصُلُ من لَبَنِ الْمَيِّتَةِ. وفى وَطْء الصَّغِيرةِ أيضًا وَجْهان؛ أحدهما، ينْشُرُها. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأنَّه وَطْءٌ لآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ فى القُبُلِ، أشْبَهَ وَطْءَ الكبيرةِ. والثانى، لا ينشرُها. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه ليس بسَبَب للبَعْضِيَّةِ (٢٩) أشْبَهَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ.

стр. 4914

فصل: فأمَّا المُباشَرةُ فيما دُونَ الفَرْجِ، فإن كانتْ لغيرِ شَهْوةٍ، لم تَنْشُرِ الحُرْمةَ. بغير خِلافٍ نَعْلَمُه. وإن كانت لشهوةٍ، وكانت فى أجْنَبِيَّةٍ، لم تَنْشُر الحُرْمةَ أيضًا. قال الْجُوزَجانِىُّ: سألتُ أحمدَ عن رَجُل نَظَرَ إلى أُمِّ امْرَأتِه فى (٣٠) شهوةٍ، أو قَبَّلَها، أو باشَرَها. فقال: أنا أقولُ لا يُحَرِّمُه شىءٌ من ذلك إلَّا الجماعُ. وكذلك نَقَلَ أحمدُ بن القاسمِ، وإسحاقُ بن منصورٍ. وإن كانت المُباشَرةُ لِامْرأةٍ مُحَلَّلةٍ له، كامْرَأتِه، أو مَمْلوكَتِه (٣١)، لم تُحَرَّمْ عليه ابْنَتُها. قال ابنُ عباسٍ: لا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلا جِماعُ أُمِّها (٣٢). وبه قال طاوُسٌ، وعمرُو بن دِينارٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣٣). وهذا ليس بدُخُولٍ فلا يجوزُ تَرْكُ النَّصِّ الصريحِ من أجْلِه. وأمَّا تحْريمُ أُمِّها، وتَحْريمُها على أبى المُباشِرِ لها وابْنِه؛ فإنَّها فى النِّكاحِ تُحَرَّمُ بمُجَرِّدِ العَقْدِ قبلَ المُباشَرَةِ، فلا يَظْهَرُ للمُباشَرَةِ أثَرٌ. وأمَّا الأمَةُ، فمتى باشَرَها دُونَ الفَرْجِ لشَهْوةٍ، فهل يَثْبُتُ تحريمُ المُصاهَرةِ؟ فيه رِوَايتَان؛ إحداهما، يَنْشُرُها. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وعبدِ اللَّه بن عَمْرٍو، ومَسْرُوقٍ. وبه قال القاسمُ [بن محمد] (٣٤)، والحسنُ، ومكحولٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والأَوْزَاعىُّ، وأبو حَنِيفةَ، وعلىُّ بن الْمَدِينىِّ. وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه نَوْعُ اسْتِمْتاع، فتَعَلَّقَ به تَحْريمُ المُصاهَرةِ، كالوَطْءِ فى الفَرْجِ، [ولأنَّه تَلَذُّذٌ بمُباشَرَةٍ] (٣٥)، فَيَتعلَّقُ (٣٦) به التحريمُ كالوَطْءِ (٣٧). والثانية، لا يثْبُتُ به التَّحْريمُ؛ لأنَّها مُلَامَسةٌ لا تُوجِبُ الغُسْلَ، فلم

стр. 4915

يَثْبُتْ بها التَّحْريمُ، كما لو لم يَكُنْ [لِشَهْوةٍ، ولأنَّ] (٣٨) ثُبُوتَ التَّحْريمِ إمَّا أن يكونَ بنَصٍّ، أو قياسٍ على المَنْصُوصِ، ولا نَصَّ فى هذا، ولا هو فى معنى المنْصوصِ عليه، ولا المُجْمَعِ عليه، فإنَّ الوَطْءَ يتعلَّقُ به من الأحْكامِ اسْتِقْرارُ المَهْرِ، والإِحْصانُ، والاغْتِسالُ، والعِدَّةُ، وإفْسادُ الإِحْرامِ، والصِّيامُ، بخِلافِ اللَّمْسِ. وذكر أصحابُنا الرِّوايتَيْن فى جميعِ الصُّوَرِ من غير تَفْصِيلٍ، وهذا الذى ذكرْناه أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاء اللَّه سبحانه. فصل: ومَنْ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ بشَهْوةٍ (٣٩)، فهو كَلَمْسِها لشَهْوةٍ، فيه أيضًا روَايتان؛ إحداهما، ينْشُرُ الحُرْمةَ فى المَوْضِعِ الذى يَنْشُرُها اللَّمْسُ. رُوِىَ عن عمرَ، وابن عمرَ، وعامرِ بن رَبِيعةَ، وكان بَدْرِيًّا (٤٠)، وعبدِ اللَّه بن عمرٍو، فى مَن يَشْتَرِى الخادِمَ، ثم يُجَرِّدُها أو يُقَبِّلُها، لا يَحِلُّ لِابْنِه وَطْؤُها. وهو قولُ القاسمِ، والحسنِ، ومجاهدٍ، ومَكْحُولٍ، وحَمَّادِ بن أبى سليمانَ، وأبى حنيفةَ؛ لما رَوَى عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ نَظَرَ إلى (٤١) فَرْجٍ امْرَأَةٍ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها وبِنْتُهَا" (٤٢). وفى لفظ: "لَا يَنْظُرُ اللَّه إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فرْجِ امْرَأةٍ وابْنَتِهَا" (٤٣). والثانية، لا يتعلَّقُ به التَّحريمُ. وهو قولُ الشافعىِّ، وأكثر أهلِ العلمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. ولأنَّه نَظَرٌ من غيرِ مُباشَرةٍ، فلم يُوجِبِ التَّحْريمَ، كالنَّظرِ إلى الوَجْهِ، والخبرُ ضعيفٌ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. وقيل: هو موقوفٌ على ابنِ

стр. 4916

مسعودٍ. ثم يَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى بذلك عن الوَطْءِ. وأمَّا النظرُ إلى سائرِ البَدَنِ فلا يَنْشُرُ حُرْمةً. وقال بعضُ أصحابِنا: لا فَرْقَ بين النَّظَرِ إلى الفَرْجِ وسائرِ البَدَنِ لشَهْوةٍ. والصحيحُ، خِلافُ هذا؛ فإنَّ غيرَ الفَرْجِ لا يُقاسُ عليه، لما بينهما من الفَرْقِ، ولا خِلافَ نَعْلَمُه فى أَنَّ النَّظرَ إلى الوَجْهِ لا يُثْبِتُ الحُرْمةَ، فكذلك غيرُه، ولا خِلافَ أيضًا فى أَنَّ النَّظرَ إذا وَقَعَ من غير شَهْوةٍ لا ينشرُ حُرْمةً؛ لأنَّ اللَّمْسَ الذى هو أبْلَغُ منه (٤٤) لا يُؤَثِّرُ إذا كان لغيرِ شَهْوةٍ، فالنَّظَرُ أَوْلَى. ومَوْضِعُ الخِلافِ فى اللَّمْس والنَّظرِ فى من بَلَغَتْ سِنَّا يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ منها، كابْنةِ تِسْعٍ فما زاد، فأمَّا الطِّفْلةُ فلا يَثْبُتُ فيها ذلك. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى بنتِ سَبْعٍ: إذا قَبَّلَها حَرُمتْ عليه أُمُّها. قال القاضى: هذا عندى مَحْمولٌ على السِّنِّ الذى تُوجَدُ معه الشَّهْوةُ. فصل: فإن نَظَرَتِ المرأةُ إلى فَرْجِ رَجُلٍ (٤٥) لشَهْوةٍ، فحكمُه فى التَّحْريمِ حكمُ نَظَرِه إليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْريمَ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمرأةُ كالجِماعِ. وكذلك ينْبَغِى أن يكونَ حكمُ لَمْسِها له، وقُبْلَتِها إيَّاه لشَهْوةٍ؛ لما ذكرْنا. فصل: فأمَّا الخَلْوةُ بالمرأةِ، فالصَّحيحُ أنَّها لا تنْشُرُ حُرْمةً. وقد رُوِىَ عن أحمدَ: إذا خَلا بالمرأةِ، وَجَبَ الصَّدَاقُ والعِدَّةُ، ولا يَحِلُّ له أن يتزَوَّجَ أُمَّها وابْنتَها. قال القاضى: هذا محمولٌ على أنَّه حَصَلَ مع الخَلْوةِ مُباشَرةٌ، فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرناهما، فأمَّا مع خُلُوِّه من ذلك، فلا يُؤثِّرُ فى تَحْريمِ الرَّبِيبَةِ؛ لما فى ذلك من مُخالفةِ قولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وأمَّا الخَلْوةُ بأجْنَبِيَّة، أو أمَتِه، فلا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا. لا نعلمُ فى ذلك خِلافًا. كلُّ مَن حُرِّمَ نكاحُها حُرِّمَ وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ؛ لأنَّه إذا حُرِّمَ العَقْدُ المُراد للوَطْءِ، فالوَطْءُ أَوْلَى.

стр. 4917

١١٥١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فِى عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ. وإِنْ تَزَوَّجَهُما فِى عَقْديْنِ، فَالْأولَى زوْجَتُهُ، والْقَوْلُ [فِيهِمَا الْقَوْلُ] (١) فِى الْمَرْأَةِ وعَمَّتِهَا، والْمَرْأَةِ وخَالَتِهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الجمعَ بين المرأةِ وأُخْتِها، أو عَمَّتِها، أو خَالَتِها، مُحَرَّمٌ. فمتَى (٢) جَمَعَ بينهما، فعَقَدَ عليهما معًا، لم يَصِحَّ العَقْدُ فى واحدةٍ منهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُه فيهما، ولا مَزِيَّةَ لإحْداهما على الأُخْرَى، فيَبْطُلُ فيهما، كما لو زُوِّجَتِ المرأةُ لِرَجُلَيْنِ. وهكذا لو تزَوَّجَ خَمْسًا فى عَقْدٍ واحدٍ، بَطَلَ فى الجميعِ لذلك. وإن تزَوَّجَهُما فى عَقْدَينِ، فنِكاحُ الأولَى صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا جَمْعَ فيه، ونِكاحُ الثانيةِ باطِلٌ؛ لأنَّ الجمعَ يَحْصُلُ به، فبالعَقْدِ (٣) على الأولَى تُحَرَّمُ الثانيةُ، ولا يَصِحُّ عَقْدُه عليها حتى تَبِينَ الأُولَى منه، ويَزُولَ نِكاحُها وعِدَّتُها. فصل: فإن تَزَوَّجَهُما فى عَقْدَيْنِ، ولم يَدْرِ أُولَاهُما، فعليه فُرْقَتُهما معا. قال أحمدُ، فى رَجُلٍ تزَوّح أُخْتَيْنِ، لا يَدْرِى أيَّتهُما تزَوَّجَ أولا: نُفَرِّقُ بينه وبينهما. وذلك لأنَّ إحْداهُما مُحَرَّمةٌ عليه، ونِكاحُها باطِلٌ، ولا نَعْرِفُ المُحَلَّلةَ له، فقد اشْتَبَهَتا عليه، ونِكاحُ إحداهما صحيحٌ (٤)، ولا تَتَيَقَّن بَيْنُونَتُها منه إلَّا بطَلَاقِهِما جميعًا، أو فَسْخِ نِكَاحِهِما، فوَجَبَ ذلك، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّانِ، ولم يُعْرَف الأوَّلُ منهما. وإن أحَبَّ أن يُفارِقَ إحداهما، ثم يُجَدِّدَ عَقْدَ الأُخْرَى ويُمْسِكَها، فلا بأسَ، وسواءٌ فَعَلَ ذلك بقُرْعةٍ أو بغيرِ قرعةٍ، ولا يَخْلُو من ثلاثةِ أقسامٍ؛ أحدها، أن لا يكونَ دَخَلَ بواحدةٍ منهما، فله أن يَعْقِدَ على إحداهما فى الحالِ بعدَ فِرَاقِ الأُخْرَى. الثانى، إذا دَخَلَ بإحداهما، فإن أراد

стр. 4918

نِكاحَها، فارَقَ التى لم يُصِبْها بطَلْقةٍ (٥)، ثم تَرَكَ المُصابةَ حتى تَنْقَضِىَ (٦) عِدَّتُها، ثم نَكَحَها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ أن تكونَ هى الثانيةَ، فيكونَ قد أصابَها فى نِكاحٍ فاسِدٍ، فلهذا اعْتَبَرْنا انْقِضاءَ عِدَّتِها، ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له العَقْدُ عليها فى الحالِ؛ لأنَّ النَّسَبَ لاحِقٌ به، ولا يُصانُ ذلك عن مائِه. وإن أحَبَّ نِكاحَ الأُخْرَى، فارَقَ المُصابةَ بِطَلْقةٍ، ثم انْتَظَرها حتى تَنْقَضِىَ (٦) عِدَّتُها، ثم تَزَوَّجَ أُخْتَها. القسم الثالث، إذا دَخَلَ بهما، فليس له نِكاحُ واحدةٍ منهما حتى يُفارِقَ الأُخْرَى، وتَنْقَضِىَ عِدَّتُها من حينِ فُرْقَتِها، وتَنْقَضِى عِدَّةُ الأُخْرَى من حينَ أصَابَها. وإن وَلَدَتْ منه إحداهما، أو هما جميعًا، فالنَّسَبُ لَاحِقٌّ به؛ لأنَّه إمَّا من نِكاحٍ صحيحٍ أو نكاحٍ فاسدٍ، وكلاهما يَلْحَقُ النَّسَبُ فيه. وإن لم يُرِدْ نِكاحَ واحدةٍ منهما، فارَقَهُما بطَلْقةٍ طَلْقةٍ. فصل: فأمَّا المَهْرُ، فإن لم يَدْخُلْ بواحِدَةٍ منهما، فلإحْدَاهما نِصْفُ المَهْرِ، ولا نَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّه منهما، فيَصْطَلِحانِ عليه، فإن لم يَفْعَلَا، أُقْرِعَ بينهما، فكان لمن خَرَجَتْ قُرْعَتُها مع يَمِينِها. وقال أبو بكرٍ: اخْتِيارِى أن يَسْقُطَ المَهْرُ إذا كان مُجْبَرًا على الطَّلاقِ قبلَ الدُّخُولِ. وإن دَخَلَ بواحدةٍ منهما أُقْرِع بينهما، فإن وَقَعَتْ لغيرِ المُصابةِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، ولِلْمُصابةِ مَهْرُ المِثْلِ بما اسْتَحَلَّ من فَرْجِها، وإن وَقَعَتْ على المُصابةِ، فلا شىءَ للأُخْرَى، وللمصابةِ المُسَمَّى جَمِيعُه. وإن أصابَهُما معًا، فلإحْداهما المُسَمَّى، وللأُخْرَى مَهْرُ المِثْلِ، يُقْرَعُ بينهما فيه، إن قُلْنا: إنَّ الواجبَ فى النِّكاحِ الفاسدِ مَهْرُ المِثْلِ. وإن قُلْنا بوُجُوبِ المُسَمَّى فيه، وَجَبَ ههُنا لكلِّ واحدةٍ (٧) منهما. فصل: قال أحمدُ: إذا تزَوّجَ امرأةً، ثم تزوَّجَ أُخْتَها، ودَخَلَ بها، اعْتَزَلَ زَوْجَتَه

стр. 4919

حتى تَنْقَضِىَ عِدّةُ الثَّانيةِ. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أرادَ العَقْدَ على أُخْتِها فى الحالِ، لم يَجُزْ له حتى تَنْقَضِىَ عِدَّةُ المَوْطُوءةِ، كذلك لا يجوزُ الوَطْءُ لِامْرَأتِه، حتى تنقضىَ عِدّةُ أُخْتِها التى أصَابَها. ١١٥٢ - مسألة؛ قال: (وإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ وأجْنَبِيَّةً فِى عَقْدٍ وَاحِدٍ، ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَجْنَبِيَّة) وجملةُ ذلك أنَّه إذا عَقَدَ النِّكاحَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ مَعًا، بأن يكونَ لرَجُلٍ أُخْتٌ وابنةُ عَمٍّ، إحداهُما رَضِيعةُ المتزَوِّجِ، فيقولَ له: زَوَّجْتُكَهُما معًا (١). فيَقْبَلُ ذلك؛ فالمنصوصُ هُنا صِحّةُ نِكاحِ الأجْنَبِيَّةِ. ونَصَّ فى مَن تزَوَّجَ حُرّةً وأمَةً، على أنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الْحُرَّةِ، ويُفارِقُ الأمَةَ. وقيل: فيه روَايتان؛ إحداهما، يَفْسُدُ فيهما، وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ، واختيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّها لَفْظَةٌ واحدةٌ، جَمَعَتْ حَلَالًا وحَرامًا، فلم يَصِحَّ، كما لو جَمَعَ بين أُخْتَيْنِ (٢). والثانية، يَصِحُّ فى الحُرَّةِ. وهى أظْهَرُ الرِّوايتَيْنِ. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّها مَحَلٌّ قابِلٌ للنِّكاحِ، أُضِيفَ إليها عَقْدٌ صادِرٌ مِن (٣) أهْلِه، لم يجتمِعْ معها فيه مِثْلُها، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدتْ به، وفارَقَ (٤) العقدَ على الأُخْتَيْنِ؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لإِحداهما على الأُخْرَى، وههُنا قد تَعَينَّتَ التى بَطَلَ النكاحُ فيها، فعلَى هذا القولِ يكونُ لها من المُسَمَّى بقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِها منه. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّ لها نِصْفَ المُسَمَّى. وأصْلُ هذين الوَجْهَيْنِ، إذا تزَوّجَ امرأتَيْنِ، يجوزُ له نِكاحُهُما بمَهْرٍ واحدٍ، هل يكون بينهما على قَدْرِ صَدَاقِهِما (٥)، أو نِصْفَيْنِ؟ على وَجْهَيْن، يأتى ذكرُهما إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 4920

فصل: ولو تزَوَّجَ يَهُوديَّةً ومَجُوسِيّةً، أو مُحَلَّلةً ومُحَرَّمةً، فى عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ فى الْمَجُوسِيَّةِ والمُحَرَّمةِ، وفى الأُخْرَى وَجْهان. وإن نَكَحَ أرْبَعَ حَرَائِر وأمَةً، فَسَدَ فى الأَمَةِ، وفى الحَرَائرِ وَجْهان. وإن نَكَح العَبْدُ حُرَّتَيْنِ وأمةً، بَطَلَ نِكاحُ الجميعِ. وان تزَوَّجَ امرأةً وابْنَتَها، فَسَدَ فيهما (٦)؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما مُحَرَّمٌ، فلم يَصِحَّ فيهما، كالأُخْتَينِ. ١١٥٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اشْتَرَى أُخْتَيْنِ، فَأَصَابَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ يُصِبِ الْأُخْرَى حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَو هِبَةٍ، وَمَا أشْبَهَه، ويَعْلَمَ أنَّها لَيْسَتْ بِحَامِلٍ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُما، حَتَّى تُحَرَّمَ عَلَيْهِ (١) الأُولَى (٢)) الكلام فى هذه المسألة فى فُصولٍ سِتَّةٍ: الفصل الأول: أنَّه يجوزُ الجمعُ بين الأُخْتَيْنِ فى المِلْكِ. بغير خِلافٍ بين أهلِ العلمِ. وكذلك بينها وبين عَمَّتِها وخالَتِها. ولو اشْترَى جاريةً، فوَطِئَها، حَلَّ له شِراءُ أخْتِها وعَمَّتِها وخالَتِها؛ لأنَّ المِلْكَ يُقْصَدُ به التَّمَوُّلُ دُونَ الاسْتِمْتاعِ، وكذلك حَلَّ له شِراءُ الْمَجُوسِيَّةِ، والوَثَنِيَّةِ، والمُعْتَدَّةِ، والمُزَوَّجةِ، والمُحَرَّماتِ عليه بالرَّضاعِ وبالمُصاهرةِ (٣). الفصل الثانى: أنَّه لا يجوزُ الجمعُ بين الأُخْتَيْنِ من إمائِه فى الوَطْءِ. نَصَّ عليه أحمدُ (٤)، فى رِواية الجماعةِ. وكَرِهَه عمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، وعَمّارٌ، وابنُ عمرَ، وابنُ

стр. 4921

مسعودٍ. وممَّن قال بتَحْرِيمه، [عبيدُ اللَّه بن] (٥) عبدِ اللَّه بن عُتْبةَ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوُسٌ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ. ورُوِىَ عن ابن عبَّاس، أنَّه قال: أحَلَّتْهُما آيةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيةٌ، ولم أكُنْ لأَفْعَله. ويُرْوَى ذلك (٦) عن علىٍّ أيضًا (٧). يُرِيدُ بالمُحَرِّمةِ قولَه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٨). وبالْمُحَفلةِ قولَه تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٩). وقد رَوَى ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، وسأَلَه عن الجَمْعِ بين الأُخْتينِ المَمْلُوكتَيْنِ، أحَرَامٌ هو؟ قال: لا أقولُ حرامٌ، ولكنْ نَنْهَى عنه. وظاهرُ هذا أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وقال داودُ، وأهلُ الظاهرِ: لا يُحَرَّمُ. اسْتِدْلالًا بالآية المُحَلِّلةِ؛ لأنَّ حُكْمَ الحرائرِ فى الوَطْءِ مُخالِفٌ لحُكْمِ الإِمَاءِ، ولهذا تَحْرُمُ الزيادةُ على أرْبَع فى الحرائر، وتُباحُ فى الإِمَاءِ بغيرِ حَصْرٍ، والمذهبُ تَحْرِيمُه، للآيةِ المُحَرِّمَةِ، فإنَّه يريدُ بها الوَطْءَ والعَقْدَ جميعًا، بدليلِ أَنَّ سائرَ المذْكوراتِ فى الآية يُحَرَّمُ وَطْؤُهُنَّ والعقدُ عليهنَّ، وآيةُ الحِلِّ مَخْصُوصةٌ بالمُحَرَّماتِ جميعِهِنَّ، وهذه مِنْهُنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارت فِرَاشًا، فحُرِّمَتْ أُخْتُها كالزَّوْجةِ. الفصل الثالث: أنَّه إذا كان فى مِلْكِه أُخْتان، فله وَطْءُ إحْداهما، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَقْرَبُ واحدةً منهما. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ. وذكَره أبو الخَطَّابِ مَذْهَبًا لأحْمدَ. ولَنا، أنَّه ليس يَجْمَعُ بينهما فى الفِرَاشِ، فلم يُحَرَّمْ، كما لو كان فى مِلْكِه إحداهما فقط.

стр. 4922

ال فصل الرابع: أنَّه إذا وَطِئ إحداهما، فليس له وَطْءُ الأُخْرَى قبلَ تَحْريمِ المَوْطوءةِ على نَفْسِه، بإخْراجٍ عن مِلْكِه أو تَزْويجٍ. هذا قولُ علىٍّ، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والأَوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، والشافعىِّ. فإنَّ رَهَنَها، لم تَحِلَّ له أُخْتُها؛ لأنَّ مَنْعَه من وَطْئِها لِحَقِّ المُرْتَهِنِ لا لِتَحْرِيمها، ولهذا يَحِلُّ له بإِذْنِ المُرْتَهنِ فى وَطْئِها، ولأنَّه يَقْدِرُ على فَكِّها متى شاء واسْتِرْجاعِها إليه. وقال قتادةُ: إن اسْتَبْرَأها، حَلَّتْ له أُخْتُها؛ لأنَّه قد زالَ (١٠) فِرَاشُه، ولهذا لو أتَتْ بوَلَدٍ، فنَفَاه بِدَعْوَى الاسْتِبْراءِ انتفَى، فأشْبَهَ ما لو زَوَّجَها. ولَنا، قولُ علىٍّ، وابنِ عمرَ، ولأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنها، ولا حِلُّها له، فأشْبَهَ ما لو وُطِئَتْ بشُبْهةٍ فاسْتَبْرأها من ذلك الوَطْءِ، ولأنَّ ذلك لا يَمْنَعُه وَطْأها، فلا يَأْمَنُ عَوْدَه إليها، فيكونُ ذلك ذَرِيعةً إلى الجَمْعِ بينهما. وإن حَرَّمَ إحداهما على نَفْسِه، لم تُبَحِ الأُخْرَى؛ لأنَّ هذا لا يُحَرِّمُها، إنَّما هو يَمِينٌ يُكَفّرُ، ولو كان يُحَرِّمُها إلَّا أنَّه لِعَارِضٍ (١١)، متى شاء أزَالَه بالكَفَّارةِ، فهو كالحَيْضِ والنِّفَاس والإحْرامِ والصِّيامِ. وإن كاتَبَ إحداهما، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لا تَحِلُّ له الأُخْرَى. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تَحِلُّ له الأُخْرَى؛ لأنَّها حُرِّمَتْ عليه بسَبَبٍ لا يَقْدِرُ على رَفْعِه، فأشْبَهَ التَّزْوِيجَ. ولَنا، أنَّه بسَبِيلٍ من اسْتِباحَتِها بما لا يَقِفُ على غيرِهما، فلم تُبَحْ له أُخْتُها، كالمَرْهُونةِ. الفصل الخامس: أنَّه إذا أخْرَجَها من مِلْكِه، لم تَحِلَّ له أخْتُها، حتَّى يَسْتَبْرِئَ المُخْرَجةَ، ويعلمَ براءَتَها من الحَمْلِ. ومتى كانت حامِلًا منه، لم تَحِلَّ له أُخْتُها حتَّى تَضَعَ حَمْلَها؛ لأنَّه يكونُ جامِعًا ماءَه فى رَحِمِ أُخْتَيْنِ، بمنْزِلةِ نِكاحِ الأُخْتِ فى عِدَّةِ أُخْتِها. فصل: فإن وَطِئَ أَمَتَيْه الأُخْتَيْنِ معًا، فوَطْءُ الثانيةِ مُحَرَّمٌ، ولا حَدَّ فيه؛ لأنَّ وَطْأَهُ

стр. 4923

فى مِلْكِه، ولأنَّه (١٢) مُخْتَلَفٌ فى حُكْمِها، وله سَبِيلٌ إلى اسْتِباحَتِها، بخلافِ أُخْتِه من الرَّضاعِ المَمْلُوكةِ له. ولا يَحِلُّ له (١٣) وَطْءُ إحداهما حتَّى يُحَرِّمَ الأخرى ويَسْتَبْرِئَها. وقال القاضى، وأصحابُ الشافعىِّ: الأُولَى باقيةٌ على الحِلِّ؛ لأنَّ الوَطْءَ الحرامَ لا يُحَرِّمُ (١٤) الحلالَ. إلَّا أَنَّ القاضىَ قال: لا يَطَؤُها حتَّى يسْتَبْرِئَ الثانيةَ. ولَنا، أَنَّ الثانيةَ قد صارَتْ فِراشًا له يَلْحَقُه نَسَبُ (١٥) وَلَدها (١٦)، فحُرِّمَتْ عليه أُخْتُها، كما لو وَطِئَها ابتداءً. وقولهم: إن الحَرَامَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ. ليس بخَبَرٍ (١٧) صحيحٍ، وهو مَتْرُوكٌ بما لو وَطِئَ الأُولَى فى حَيْضٍ أو نِفَاسٍ أو إحْرامٍ، حُرِّمَتْ عليه أخْتُها، وتُحَرَّمُ عليه أمُّها وابْنَتُها على التَّأْبيدِ، وكذلك لو وَطِئَ امرأةً (١٨) بشُبْهةٍ فى هذه الحالِ. ولو وَطِئَ امرأةً (١٩) حُرِّمَتْ عليه ابْنَتُها، سواءٌ وَطِئَها حَرَامًا أو حَلَالًا. الفصل السادس: أنَّه متى زال مِلْكُه عن المَوْطوءةِ زَوَالًا، أَحَلَّ له أُخْتَها، فوَطِئَها، ثمَّ عادت الأُولَى إلى مِلْكِه، فليس له وَطْءُ إحداهما حتَّى تُحَرَّمَ الأُخْرَى، بإخْراجٍ عن مِلْكِه أو تزوِيجٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يُحَرَّمُ عليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الأُولَى لم تَبْقَ فِرَاشًا، فأَشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَةً ثمَّ اشْتَرى أخْتَها. ولَنا، أَنَّ هذه صارت فِرَاشًا، وقد رَجَعَتْ إليه التى كانت فِرَاشًا، فحُرِّمَتْ عليه (١٧) كلُّ واحدةٍ منهما تكونُ أُخْتُها فِرَاشًا، كما لو انْفَرَدَتْ به. فأمَّا إن اسْتَفْرَشَ أمَةً [ثمَّ اشْتَرَى] (٢٠) أُخْتَها، فإنَّ

стр. 4924

المُشْتَراةَ لم تكُنْ فِرَاشًا له، لكنْ (٢١) هى مُحَرَّمةٌ عليه باسْتِفْراشِ (٢٢) أُخْتِها. ولو أخْرَجَ المَوْطوءةَ عن مِلْكِه، ثمَّ عادت إليه قبلَ وَطْءِ أُخْتِها، فهى حَلَالٌ له، وأُخْتُها مُحَرَّمةٌ عليه؛ لأنَّ أخْتَها فِرَاشُه. فصل: وحكمُ المُباشَرةِ من الإِمَاءِ فيما دُونَ الفَرْجِ، والنَّظَرِ إلى الفَرْجِ بِشَهْوةٍ، فيما يَرْجِعُ إلى تَحْرِيمِ الأُخْتِ، كحُكْمِه فى تحريمِ الرَّبِيبَةِ. والصحيحُ أنَّه لا يُحَرِّمُ؛ لأنَّ الحِلَّ ثابتٌ بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢٣). ومخالَفةُ ذلك إنَّما ثَبَتَتْ بقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٢٤). والمرادُ به الجَمْعُ فى العَقْدِ أو الوطءِ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما، ولا ما فى معناهما. فصل: وإن وَطِئَ أمَتَه، ثمَّ أراد نِكاحَ أُخْتِها، فقد سُئِلَ أحمدُ عن هذا، فقال: لا يَجْمَعُ بين الأُخْتَيْنِ الأمَتَيْنِ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد أَنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ. وهى إحْدَى الرِّواياتِ عن مالكٍ. قال القاضى: هو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، فلم يَجُزْ أن تَرِدَ على فِرَاشِ الأُخْتِ، كالوَطْءِ، ولأنَّه فِعْلٌ فى الأُخْتِ (٢٥) يُنَافِى إباحةَ أُخْتِها المُفْتَرَشةِ، فلم يَجُزْ، كالوَطْءِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ، ولا تُباحُ المَنْكُوحةُ حتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُها. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ. قال أبو الخَطَّابِ: وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُسْتَباحُ به الوَطْءُ، فجاز أن يَرِدَ على وَطْءِ الأُخْتِ، ولا يُبِيحُ كالشِّرَاءِ. وقال الشافعىُّ: يَصِحُّ النِّكاحُ، وتَحِلُّ له المَنْكوحةُ، وتُحَرَّمُ (٢٦) أخْتُها؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى من الوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، فإذا اجْتَمَعا وَجَبَ تقديمُ الأَقْوَى. ووَجْهُ الأَوَّلِ ما ذكرْنا،

стр. 4925

ولأنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِه مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَها لعِلَّةِ الجَمْعِ، فمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِها كالزَّوْجيّةِ، ويفارِقُ الشِّرَاءَ، فإنَّه لا يُقْصَدُ به الوَطْءُ، ولهذا صَحَّ شِراءُ الأُخْتَيْنِ، ومن لا يَحِلُّ له. وقولهم: النِّكاحُ أقوَى (٢٧) من الوَطْء [بمِلْكِ اليَمِينِ] (٢٨). ممنوعٌ. وإن سُلِّمَ، فالوَطْءُ أسْبَقُ، فيُقَدَّمُ ويَمْنَعُ صِحَّةَ ما يَطْرَأَ عليه ممَّا يُنافِيهِ (٢٩)، كالعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِداءَ نِكاحِ الأُخْتِ، وكذلك وَطْءُ الأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكاحَ ابنتِها وأُمِّها، ولأنَّ هذا بمَنْزِلةِ نِكاحِ الأُخْتِ (٣٠) فى عِدَّةِ أُخْتِها، لكَوْنِه لم يَسْتَبْرِئ المَوْطُوءةَ. فصل: فإن زَوَّجَ الأمَةَ الموْطوءةَ، أو أخْرَجَها عن مِلْكِه، فله نِكاحُ أُخْتِها. وإن عادتِ الأمَةُ إلى مِلْكِه، فالزَّوْجِيَّةُ بحالِها، وحِلُّها باقٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، وهو أقْوَى، ولا تَحِلُّ له الأمةُ. وعنه أنَّه يَنْبَغِى أن تُحَرَّمَ إحداهما؛ لأنَّ أمَتَه التى كانت فِرَاشًا قد عادت إليه، والمنكوحةُ مُسْتَفْرَشةٌ، فأشْبَهَ أمَتَيْه التى وَطِئَ إحداهما بعدَ تَزْويجِ الأُخْرَى، ثمَّ طَلَّقَ الزوجُ أُخْتَها. وإن تزَوّجَ امرأةً، ثمَّ اشْترَى أخْتَها، صَحَّ الشِّراءُ، ولم تَحِلَّ له؛ لأنَّ النِّكاحَ كالوَطْءِ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَتَه ثمَّ اشْتَرى أخْتَها. فإن وَطِئَ أمَتَه حُرِّمَتَا (٣١) عليه حتَّى (٣٢) يَسْتَبْرِئَ الأمةَ، ثمِ تَحِل له زَوْجَتُه دون أمَتِه؛ لأنَّ النِّكاحَ أقْوَى وأسْبَقُ، وإنَّما وَجَبَ الاسْتِبْراءُ لئلَّا يكون جامِعًا لمائِه فى رَحِمِ أُخْتَينِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحَرَّمَا عليه جميعًا، حتَّى تُحَرَّمَ إحداهما، كالأمَتَيْنِ. ١١٥٤ - مسألة؛ قال: (وعَمَّةُ الْأَمَةِ وخَالَتُها فِى ذلِكَ كَأُخْتِهَا) يعنى فى تحريمِ الجَمْعِ بينهما فى الوَطْءِ، والتَّفْصيلُ فيهما كالتَّفْصيلِ فى الأُخْتَيْنِ، على ما ذكرنا.

стр. 4926

١١٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زوْجةَ رَجُلٍ وابْنَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ الجمعَ بين المرأةِ ورَبِيبَتِها جائزًا، لا بأسَ به، فَعَلَه عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، و [عبد اللَّه بن] (١) صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ. وبه قال سائرُ الفقهاءِ، إلَّا الحسنَ، وعِكْرِمةَ، وابن أبى لَيْلَى. رُوِيتْ (٢) عنهم كَرَاهَتُه (٣)؛ لأنَّ إحداهما لو كانت ذَكَرًا حُرِّمَتْ عليه الأُخْرَى، فأشْبَهَ المرأة وَعَمّتَها. وَلنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٤). ولأنَّهما [لا قَرَابةَ بينهما، فأشْبَهتا الأجْنَبِيّتَيْنِ، ولأنَّ الجمعَ حُرِّمَ خَوْفًا من قَطِيعةِ الرَّحِمِ القَرِيبةِ بين المُتناسِبَتَيْنِ] (٥)، ولا قرابةَ بين هاتَيْنِ، وبهذا يُفارِقُ ما ذكرُوه. فصل: ولو كان للرجل (٦) ابنٌ من غيرِ زَوْجَتِه، ولها بِنْتٌ من غيرِه، أوكان له بِنْتٌ ولها ابنٌ، جاز تزويجُ أحَدِهما من الآخرِ. فى قولِ عامَّةِ (٧) الفقهاءِ. وحُكِىَ عن طاوُسٍ كَرَاهِيتُه إذا كان ممَّا وَلَدَتْه المرأةُ بعدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لها. والأَوّلُ أوْلى؛ لعمومِ الآية، والمعنى الذى ذكرْناه، فإنَّه ليس بينهما نَسَبٌ ولا سَبَبٌ يَقْتَضِى التحريمَ، وكونُه أخًا لأُخْتِها، لم يَرِد الشَّرْعُ بأنَّه سَبَبٌ للتَّحْريمِ، فيَبْقَى (٨) على الإِباحةِ؛ لعِمومِ الآية. ومتى ولَدَتِ المرأةُ من ذلك الرجلِ ولَدًا، صار عَمًّا لوَلدِ وَلَدَيْهما وخالًا. فصل: وإن تزوَّجَ امرأةً لم تُحَرَّمْ أُمُّها ولا ابْنَتُها على أبِيه ولا ابْنِه، فمتى تزوَّجَ امرأةً

стр. 4927

وزَوَّجَ ابْنَه أُمَّها، جاز؛ لعَدَمِ أسْبابِ التحريمِ. فإذا وُلِدَ لكلِّ واحدٍ منهما وَلَدٌ، كان وَلَدُ الابنِ خالَ ولدِ الأبِ، ووَلَدُ الأبِ عَمَّ وَلَدِ الابْنِ. ويُرْوَى أَنَّ رَجُلًا أتَى عبدَ الملكِ بن مَرْوانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّى تزَوَّجْتُ امرأةً، وزَوَّجْتُ ابْنِى بأُمِّها، فأجِزْنا (٩). فقال عبدُ الملك: إن أخْبَرْتَنِى بقَرابةِ وَلَدِك من وَلَدِ ابْنِكَ أجَزْتُك (١٠). فقال الرجلُ: يا أميرَ المؤمنين، هذا العُرْيانُ بن الهَيْثم الذى وَلَّيْتَه قائِمٌ كسَيْفِكَ (١١)، إن عَلِمَ ذلك فلا تُجِزْنِى (١٢). فقال العُرْيانُ: أحدُهما عَمُّ الآخَرِ، والآخَرُ خالُه. فصل: وإذا تزوَّجَ رجلٌ بامْرأةٍ، وزَوَّجَ ابْنَه بِنْتَها أو أُمَّها، فزُفَّتِ امرأةُ كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحِبِه، فوَطها، فإنَّ وَطْءَ الأوَّل يُوجِبُ عليه مَهْر مِثْلِها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ، ويُفْسَخُ به (١٣) نِكاحُها من زَوْجِها؛ لأنَّها صارتْ بالوطءِ حَلِيلةَ ابْنِه أو أَبِيه، ويَسْقُطُ (١٤) به مَهْرُ الموطوءةِ عن زَوْجِها؛ لأنَّ الفَسْخَ جاء من قِبَلِها، بتَمْكِينِها من وَطْئِها، ومُطَاوَعَتِها عليه، ولا شىءَ لزَوْجِها على الواطئ؛ لأنَّه لم يَلْزَمْهُ شىءٌ يَرْجِعُ به، ولأنَّ المرأةَ مُشَارِكةٌ فى إفْسادِ نِكاحِها بالمُطاوَعةِ، فلم يَجِبْ على زَوْجِها شىءٌ، كما لو انْفَرَدتْ به. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه لزَوْجِها نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه أفْسَدَ نِكاحَها قبلَ الدُّخولِ، أشْبَهَ المرأةَ تُفْسِدُ نِكاحَه بالرَّضاعِ. ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الواطئ أيضًا؛ لأنَّ امْرأتَه صارت أُمًّا لمَوْطوءَتِه أو بِنْتًا لها، ولها نِصْفُ المُسَمَّى. فأمَّا وَطْءُ الثانى، فيُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ للموطوءةِ (١٣) خاصَّة. فإن أشْكَلَ الأوَّلُ، انفَسَخَ النِّكاحانِ، ولكلِّ واحدةٍ مَهْرُ مِثْلِها على واطِئِها، ولا يَثْبُتُ رُجُوعُ أحدِهما على الآخَرِ، ويَجِبُ لِامْرأةِ كلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ نِصْفُ المُسَمَّى، ولا يَسْقُطُ بالشَّكِّ.

стр. 4928

١١٥٦ - مسألة؛ قال: (وحَرَائِرُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وذَبائِحُهُمْ حَلَالٌ (١) لِلْمُسْلِمينَ) ليس بين أهلِ العلمِ، بحمدِ اللَّه، اختلافٌ فى حِلِّ حَرائِرِ نِساءِ أهلِ الكِتابِ. وممَّن رُوِىَ عنه ذلك عمرُ، وعثمانُ، وطَلْحةُ، وحُذَيفةُ، وسَلْمانُ، وجابرٌ، وغيرُهم. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: ولا يَصِحُّ عن أحدٍ من الأوائلِ أَنَّه حَرَّمَ ذلك. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، أَنَّ حُذَيفةَ، وطلحةَ (٢)، والْجارودَ بن المُعَلَّى، وأُذَيْنةَ العَبْدِىَّ، تَزَوجُوا نِساءً من أهْلِ الكتاب (٢). وبه قال سائرُ أهلِ العلمِ. وحَرَّمَتْه الإِمامِيّةُ، تَمَسُّكًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣)، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٥). وإجماعُ الصَّحابةِ، فأمَّا قولُه سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾. فرُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّها نُسِخَتْ بالآية التى فى سورةِ المائدةِ. وكذلك ينْبَغِى أن يكونَ ذلك فى الآيةِ الأُخْرَى؛ لأنَّهما مُتَقَدِّمتانِ (٦)، والآيةُ التى فى أوَّلِ (٧) المائدةِ متأَخِّرةٌ عنهما. وقال آخرون: ليس هذا نَسْخًا، فإنَّ لَفْظَةَ (٨) المُشْرِكِينَ بإطْلاقِها (٩) لا تَتَناولُ أهْلَ الكِتابِ، بدليلِ قولِه

стр. 4929

سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ (١٠). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (١١). وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١٢). وقال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣). وسائرُ آىِ القرآنِ يَ فْصِلُ بينهما، فدَلَّ على أنَّ لَفْظةَ المُشْرِكِينَ بإطْلاقِها غيرُ مُتَناوِلةٍ لأهْلِ الكِتابِ، وهذا معنى قولِ سعيدِ بن جُبَيْرٍ، وقَتادةَ، ولأنَّ ما احْتَجُّوا به عامٌّ فى كلِّ كافِرَةٍ، وَآيَتُنَا خاصَّةٌ فى حِلِّ أهْلِ الكِتابِ، والخاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُه. إذا ئَبَتَ هذا، فالأَوْلَى أن لا يتَزَوَّجَ كِتابِيّةً؛ لأنَّ عمرَ قال للذينَ تَزَوَّجُوا من نِساءِ أهلِ الكتابِ: طَلِّقُوهُنَّ. فطَلَّقُوهُنَّ إلَّا حُذَيفةَ، فقال له عمرُ: طَلِّقْها. قال: تَشْهَدُ أنَّها حَرامٌ؟ قال: هى جَمْرةٌ (١٤)، طَلِّقْها. قال: تَشْهَدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هى جَمرةٌ. قال: قد عَلِمْتُ أنَّها جَمرةٌ، [ولكنَّها لى] (١٥) حَلالٌ. فلمَّا كان بعدُ طَلَّقَها، فقيل له: ألَا طَلَّقْتَها حين أمَرَكَ عُمَرُ؟ قال: كَرِهْتُ أن يَرَى الناسُ أنِّى رَكِبْتُ أمْرًا لا يَنْبَغِى لى. ولأنَّه ربَّما مالَ إليها قَلْبُه ففَتنَتْه، وربما كان بينهما وَلَدٌ فيَمِيَلُ إليها. فصل: وأهْلُ الكِتابِ الذين هذا حُكْمُهم، هم أهْلُ التَّوْارةِ والإِنْجيلِ. قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١٦). فأهلُ التَّوْراةِ اليَهُودُ والسَّامِرَةُ، وأهلُ الإِنْجِيلِ النَّصارىَ، ومَنْ وافَقَهم فى أصْلِ دِينِهِم من الإفْرنْجِ والأَرْمَنِ وغيرِهم. وأمَّا الصَّابِئُونَ فاخْتَلَفَ فيهم السَّلَفُ كثيرًا، فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّهم

стр. 4930

جِنْسٌ من النَّصَارَى. ونَصَّ عليه الشافعىُّ، وعَلَّقَ القولَ فيهم فى موضعٍ آخرَ. وعن أحَمدَ أَنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّهم يَسْبِتُونَ. فهؤلاء إذًا يُشْبِهُونَ اليهودَ. والصحيحُ فيهم أنَّهم إن (١٧) كانوا يُوَافِقُون النصارَى أو اليهودَ فى أصلِ دِينِهم، ويُخالِفُونَهم فى فُرُوعِه، فهم ممَّن وافَقُوه، وإن خالَفُوهُم فى أصلِ الدِّينِ، فليس هم منهم. واللَّه أعلم. وأمَّا مَنْ سِوَى هؤلاء من الكُفَّارِ، مثل المُتَمَسِّكِ بصُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ وزَبُورِ داودَ، فَليْسُوا بأهلِ كَتابٍ، ولا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا ذبائِحُهم. وهذا قولُ الشافعىِّ. وذكر القاضى فيهمِ وَجْهًا آخرَ، أنَّهم من أهلِ الكتابِ، وتَحِلُّ ذَبائِحُهم، ونِكاحُ نِسائِهم، ويُقَرُّون بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم تَمَسَّكُوا بكِتابٍ من كُتُبِ اللَّه ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١٨). ولأنَّ تلك الكتُبَ كانت مَواعِظَ وأمثْالًا، لا أحْكامَ فيها، فلم يَثْبُتْ لها حُكْمُ الكُتُبِ المُشْتَمِلةِ على الأحْكامَ. فصل: وليس للمَجُوسِ كِتابٌ، ولا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، ولا نِكاحُ نِسائِهِم. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ عامَّةِ العُلَماءِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه أباح ذلك؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ" (١٩). ولأنَّه يُرْوَى أَنَّ حُذَيفْةَ تزوّجَ مَجُوسِيّةً. ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيةِ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنصارَى. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٢٠). وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢١). فرَخَّصَ من ذلك فى (٢٢) أهلِ الكِتابِ، فمَنْ عَدَاهُم يَبْقَى على العُمُومِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ للمَجُوس

стр. 4931

كِتابًا. وسُئِلَ أحمدُ، أيَصِحُّ عن علىٍّ أنَّ للمَجُوسِ كِتابًا؟ فقال: هذا باطِلٌ. واسْتَعْظَمَه جِدًّا. ولو ثَبَتَ أَنَّ لهم كِتابًا، فقد بَيّنَّا أَنَّ حُكْمَ أهْلِ الكِتاب لا يَثْبُتُ لغير أهلِ الكِتَابَيْنِ. وقوله ﵇: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتابِ". دَلِيَلٌ على أنَّه لا كِتَابَ لهم، وإنَّما أراد به النَّبِىُّ ﷺ ، فى حَقْنِ دِمِائِهِم، وإقْرارِهِم بالجِزْيةِ لا غيرُ، وذلك أنَّهم لمَّا كانت لهم شُبْهةُ كِتابٍ، غُلِّبَ ذلك فى تَحْرِيمِ دِمائِهِم، فيَجِبُ أن يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لنِسائِهِم وذَبائِحِهم، فإنَّنا (٢٣) إذا غَلَّبْنا الشُّبْهةَ فى التَّحْرِيمِ [فتَغْلِيبُ الدَّلِيلِ الذى عارَضَتْه الشُّبْهةُ فى التَّحْرِيمِ] (٢٤) أَوْلَى، ولم يَثْبُتْ أَنَّ حذيفةَ تزوّجَ مَجُوسِيّةً، وضَعَّفَ أحمدُ رِوايةَ مَنْ رَوَى عن حُذَيْفةَ أنَّه تزَوَّج مَجُوسِيَّةً. وقال: أبو وائلٍ يقول: تَزَوَّجَ يَهُودِيّةً. وهو أوْثَقُ ممَّن رَوَىَ عنه أنَّه تزَوَّج مَجُوسِيَّةً. وقال ابن سِيرِينَ: كانت امرأةُ حذيفةَ نَصْرانِيَّةً. ومع تَعارُضِ الرِّواياتِ لا يَثْبُتُ حكمُ إحْداهُنَّ (٢٥) إلَّا بتَرْجِيحٍ، على أنَّه لو ثَبَتَ ذلك عن حُذَيْفةَ، فلا يجوزُ الاحْتجاجُ به مع مُخالفتِه (٢٦) الكِتابَ وقولَ سائرِ العلماءِ. وأمَّا إقْرارُهم بالجِزْيةِ، فلأنَّنا غَلَّبْنا حُكْمَ التحريمِ لدِمائِهِم، فيجبُ أن يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ [فى ذبائِحِهم] (٢٧) ونِسائِهِم. فصل: وسائرُ الكُفَّارِ غيرُ أهلِ الكتابِ، كمَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ من الأصنامِ والأحجارِ والشَّجَرِ والحيوانِ، فلا خِلافَ بين أهلِ العلمِ فى تَحْريمِ نِسائِهِم وذبائِحِهم؛ وذلك لما ذكرْنا من الآيتَيْنِ، وعَدَمِ المُعارِض لهما. والمُرْتَدّةُ يُحَرَّمُ نِكاحُها على أىِّ دينٍ كانت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها حكمُ أهلِ الدِّينِ الذى انْتَقَلَتْ إليه فى إقْرارِها عليه، ففى حِلِّها أَوْلَى.

стр. 4932

١١٥٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ أَحَدُ أبَوَىِ الْكَافِرَةِ كِتَابِيًّا، والْآخَرُ وَثَنِيًّا، لَمْ يَنْكِحْها مُسْلِمٌ) وجملتُه أنَّه إذا كان أحدُ أبَوَىِ الكِتابيَّةِ غيرَ كِتَابِىٍّ، لم يَحِلَّ نِكاحُها، سواءٌ كان وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا أو مُرْتَدًّا. وبهذا قال الشافعىُّ، فيما إذا كان الأبُ غيرَ كتابِىٍّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُنْسَبُ (١) إلى أبِيه، ويَشْرُفُ بشَرَفِه ويُنْسَبُ (٢) إلى قَبِيلَتِه، وإن كانت الأمُّ غيرَ كتابيةٍ فله فيه قَوْلان. ولَنا، أنَّها غيرُ مُتَمَحضَةٍ من أهلِ الكتابِ، فلم يَجُزْ للمُسْلمِ نِكاحُها، كما لو كان أبوها وَثَنِيًّا، ولأنَّها مُتوَلِّدَة (٣) بين مَنْ يَحِلُّ وبين مَنْ لا يَحِلُّ، فلم يَحِلَّ (٤)، كالسِّمْعِ (٥) والبَغْلِ. ويَحْتَمِلُ أن تَحِلَّ بكلِّ حالٍ (٦)، لدُخُولها فى عُمُومِ الآية المُبِيحةِ، ولأنَّها كتابيَّةٌ تُقَرُّ على دِينِها، فأشْبَهَتْ مَنْ أُبواها كِتابِيَّانِ. والحُكْمُ فى مَن أبَواها غيرُ كِتَابَيَّيْنِ، كالحكمِ فى مَن أحَدُ أبَوَيْها كذلك؛ لأنَّها إذا حُرِّمَتْ لكَون أحدِ أبَوَيْها وَثَنِيًّا، فلأَن تُحَرَّمَ إذا كانَا وَثَنِيَّيْنِ أَوْلَى. والاحتمالُ الذى ذكرْناه ثَمَّ مُتَحَقِّقٌ (٧) ههُنا، [اعْتِبارًا بحالِ] (٨) نَفْسِها دُونَ أُبَوَيْها (٩). ١١٥٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، فَانْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ آخرَ مِنَ الْكُفْرِ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أُجْبِرَتْ عَلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، انْفَسَخَ نِكاحُهَا) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصولٍ أربعةٍ:

стр. 4933

الأول: أَنَّ الكِتابِىَّ إذا (١) انْتَقَلَ إلى غيرِ دِينِ أهلِ الكِتابِ، لم يُقَرَّ عليه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا، فإنَّه إذا انتقلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه بالجِزْيةِ، كعِبَادةِ الأَوْثانِ وغيرِها، ممَّا يَسْتَحْسِنُه، فالأَصْلِىُّ منهم لا يُقَرُّ على دِينِه، فالمُنْتَقِلُ إليه أوْلَى. وإن انْتَقلَ إلى الْمَجُوسِيَّةِ، لم يُقَرّ أيضًا؛ لأنَّه انْتَقلَ إلى أنْقَصَ من دِينهِ، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُسْلمِ إذا ارْتَدَّ. فأمَّا إن انتقلَ إلى دينٍ آخرَ من دِينِ (٢) أهلِ الكِتاب، كاليَهُودِىِّ يَتَنَصَّرُ، أو النَّصْرانِىِّ يتَهَوَّدُ، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يُقَرُّ أيضًا؛ لَأنَّه انتقلَ إلى دينٍ باطلٍ، قد أقَرَّ ببُطْلانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ. والثانية، يُقَرُّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، واختيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دِينِ أهلِ الكِتابِ، فأشْبهَ غيرَ (٢) المُنْتَقِلِ. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. فأما الْمَجُوسِىُّ إذا انْتَقلَ إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، لم يُقَرَّ، كأهْلِ ذلك الدِّينِ. وإن انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، خُرِّجَ فيه الرِّوايتان، وسواءٌ فيما ذكرْنا الرَّجُلُ والمرأةُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٣). ولعمومِ المعنى الذى ذكرْناه فيهما جميعًا. الفصل الثانى: أَنَّ المُنْتَقِلَ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتاب، لا يُقْبَلُ (٤) منه إلَّا الإِسلامُ. نَصَّ عليه أحمدُ. واختاره الخَلَّالُ وصاحِبُه. وهو أحدُ أقَوالِ الشافعىِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ باطلةٌ. قد أَقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها كالمُرْتَدِّ. وعن أحمدَ أنَّه لا يُقْبَلُ منه (٢) إلَّا

стр. 4934

الإِسْلامُ أو الدينُ الذى كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأَوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مَرّةً، ولم يَنْتَقِلْ إلى خيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رَجَعَ إليه، ولأنَّه مُنْتَقِلٌ من دينٍ يُقَرُّ أهْلُه عليه، إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، فيُقْبَلُ منه الرُّجُوعُ إليه، كالمُرْتَدِّ إذا رَجَعَ إلى الإِسْلامِ. وعن أحمدَ، روايةٌ ثالثة، أنَّه يُقْبَلُ منه أحدُ ثَلاثةِ أشياء؛ الإسلامُ، أو الرجوعُ إلى دينِه الأَوَّلِ، أو دينٍ يُقَرُّ أهلهُ عليه؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥). وإن اْنتَقلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ (٦). ففيه الرِّوايتان؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإسلامُ. والأُخْرَى، لا يقبلُ منه إِلَّا الإِسْلامُ أو الدِّينُ الذى كان عليه. الفصل الثالث: فى صِفَةِ إجبارِه على تَرْكِ ما انتقلَ إليه. وفيه روَايتان؛ إحداهما، أنَّه يُقْتَلُ إن لم يَرْجِعْ، رَجُلًا كان أو امرأةً؛ لعُموم قوله ﵇: "مَنْ بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوهُ". ولأنَّه ذِمِّىٌّ (٧) نَقَضَ العَهْدَ، فأشْبَهَ ما لو نَقَضَه بتَرْكِ الْتِزامِ الذِّمَّةِ. وهل يُسْتَتابُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدهما، يُسْتتابُ؛ لأنَّه يُسْتَرْجَعُ عن دينٍ باطلٍ انتقلَ إليه، فيُسْتتابُ، كالمُرْتَدِّ. والثانى: لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافِرٌ أصْلِىٌّ أُبِيحَ قَتْلُه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ. فعلى هذا إن بادَرَ وأسْلَم، أو رَجَعَ إلى ما يُقَرُّ عليه، عُصِمَ دَمُه وإلَّا قُتِلَ. والرِّواية الثانية، عن أحمدَ قال: إذا دَخَلَ اليَهُودىُّ فى النَّصْرانيَّةِ، رَدَدْتُه إلى اليَهُوديَّةِ، ولم أدَعْه فيما انتقلَ إليه، فقِيل له: أتَقْتُلُه؟ قال: لا، ولكن يُضْرَبُ ويُحْبَسُ. قال: وإن كان نَصْرانيًّا أو يَهُوديًّا، فدَخَلَ فى الْمَجُوسيَّةِ، كان أغْلَظَ؛ لأنَّه لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُه، ولا تُنْكَحُ له امرأةٌ، ولا يُتْرَكُ حتَّى يُرَدَّ إليها. فقيل له: تَقْتُلُه (٨) إذا لم يَرْجِعْ؟ قال: إنَّه لأَهلُ ذلك. وهذا نصٌّ فى أَنَّ الكتابِىَّ المُنْتَقِلَ إلى دينٍ آخرَ من دينِ أهلِ الكتابِ لا يُقْتَلُ، بل يُكْرَهُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ.

стр. 4935

الفصل الرابع: أَنَّ امرأةَ المُسْلمِ الذِّمِّيَّةَ، إذا انتقلتْ إلى دينٍ (٩) غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، فهى كالمُرْتَدَّةِ؛ لأنَّ غيرَ (١٠) أهلِ الكتابِ لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهِم، فمتى كان قبلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكاحُها فى الحالِ، ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ من قِبَلِها، وإن كان بعدَه، وَقَفَ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، والأُخْرَى يَنْفَسِخُ فى الحالِ أيضًا. ١١٥٩ - مسألة؛ قال: (وأَمَتُهُ الْكِتَابِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ، دُونَ أمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ) الكلامُ فى هذه المسألة فى فصلين: أحدهما: أَنَّ أمَتَه الكتابيَّةَ حلالٌ له (١). وهذا (٢) قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه كَرِهَه؛ لأنَّ الأمَةَ الكتابيَّةَ يُحَرَّمُ نِكاحُها فحُرِّمَ التَّسَرِّى بها كالْمَجُوسِيَّةِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣). ولأنَّها ممَّن يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهم، فحَلَّ له التَّسَرِّى بها، كالمُسْلمةِ. فأمَّا نِكاحُها فيُحَرَّمُ (٤) لأنَّ فيه إرْقاقَ وَلَدِه، وإبقاءَه مع كافِرَةٍ، بخلافِ التَّسَرِّى. الفصل الثانى: أَنَّ مَنْ حُرِّمَ نِكاحُ حرائِرِهم من الْمَجُوسِيَّاتِ، وسائرِ الكوافِرِ سِوَى أهلِ الكتابِ، لا يُباحُ وَطْءُ الإماءِ منْهُنَّ بمِلْكِ اليَمينِ. فى قول أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ مُرَّةُ الهمْدَانِىُّ (٥)، والزُّهْرِىُّ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والأوْزَاعىُّ، والثَّوْرِىُّ،

стр. 4936

وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جماعةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالَفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا. ولم (٦) يَبْلُغْنا إباحةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ، ووَجْهُ قولِه عُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧). والآية الأُخْرَى (٨). وروَى أبو سعيدٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بَعَثَ يومَ حُنَيْن بَعْثًا قِبَلَ أوْطاسٍ (٩)، فأصابُوا لهم (١٠) سَبَايَا، فَكَأَنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ تَحَرَّجُوا من غِشْيانِهِنَّ، من أجْلِ أزْواجِهِنَّ من المُشْركِين، فأنزَلَ اللَّهُ فى ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فهُنَّ لهم حَلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. وعنه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال فى سَبايَا أَوْطاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً". رواهما أبو داودَ (١١). وهو حديثٌ صحيحٌ. وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ. وهذا ظاهرٌ فى إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ فى عصرِ النَّبِىِّ ﷺ كان أكثرُ سَباياهم من كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، فلم يكونُوا يَرَوْنَ تحَرْيمَهُنَّ لذلك، ولا نُقِلَ عن النَّبِىِّ ﷺ تَحْرِيمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصَّحابةَ باجْتِنابِهِنَّ، وقد دَفَعَ أبو بكرٍ إلى سَلَمةَ بن الأكْوَعِ امرأةً من بعضِ السَّبْىِ، نَفَلَها إيَّاه، وأخَذَ عمرُ وابنُه من سَبْىِ هَوازِنَ، [وكذلك غيرُهما] (١٢) من الصَّحابةِ، والحَنَفِيَّة أُمُّ محمدِ بن الْحَنفِيَّةِ من

стр. 4937

سَبْى بنى حنيفةَ، وقد أخَذَ الصحابةُ (١٣) سَبايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنَّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهرٌ فى إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفاقُ أهلِ العلمِ على خِلافِه. وقد أجَبْتُ عن حديثِ أبى سعيدٍ بأجْوِبَةٍ، منها؛ أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِىَ عن أحمدَ حين (١٤) سألَه محمدُ بن الحَكَمِ قال: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: فهَوَازِنُ (١٥) أليس كانوا عَبَدَةَ أوْثانٍ؟ قال: لا أدْرِى كانوا أسْلَمُوا أو لا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١٦). ١١٦٠ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً كِتابِيَّةً) لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). هذا ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، رَوَاه عنه جماعةٌ، وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحولٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعىِّ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، ومجاهدٍ. وقال أبو مَيْسَرَةَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ للمُسْلِمِ نِكاحُها؛ لأنَّها تحِلُّ بمِلْكِ اليَمينِ، فحَلَّتْ بالنِّكاحِ كالمُسْلِمةِ. ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، قال: لا بأس بتَزْوِيجِها. إلَّا أَنَّ الخَلَّالَ رَدَّ هذه الرِّوايةَ، وقال: إنَّما تَوَقَّفَ أحمدُ فيها، ولم يَنْفُذْ له قولٌ، ومَذْهَبُه أنَّها لا تَحِلُّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). فشَرَطَ فى إباحةِ نِكاحِهِنَّ الإِيمانَ، ولم يُوجَدْ، وتُفارِقُ المُسْلِمةَ، لأنَّه لا يُؤَدِّى إلى اسْتِرْقاقِ الكافرِ وَلَدَها؛ لأنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ مِلْكُه على مُسْلِمةٍ، والكافرةُ تكونُ مِلْكًا لكافرٍ، ويُقَرُّ مِلْكُه عليها. ووَلَدُها مَمْلُوكٌ لِسَيِّدها، ولأنَّه [قد اعْتَورَها] (٢)

стр. 4938

نَقْصانِ، نَقْصُ الكُفْرِ والمِلْكِ، فإذا اجْتَمَعا مَنَعَا، كالمَجُوسِيّةِ لمَّا اجْتَمَعَ فيها نَقْصُ الكُفْرِ، وعَدَمُ الكِتابِ، لم يُبَحْ نِكاحُها. ولا فَرْقَ بين الحُرِّ والعَبْدِ فى تحرِيمِ نِكاحِها؛ لعُمُومِ ما ذكرْنا من الدليلِ، ولأنَّ ما حُرِّمَ على الحُرِّ تَزْوِيجُه لأجْلِ دِينِه، حُرِّمَ [على العَبْدِ] (٣)، كالمَجُوسِيَّةِ. ١١٦١ - مسألة؛ قال: (وَلَا (١) لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمةً، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، ويَخَافَ الْعَنَتَ) الكلامُ فى هذه المسألة فى شَيْئينِ؛ أحدهما، أنَّه يَحِلُّ له (٢) نِكَاحُ الأَمَةِ المُسْلِمةِ إذا وُجِدَ فيه الشَّرْطان، عَدَمُ الطَّوْلِ، وخَوْفُ العَنَتِ. وهذا قولُ عامَّةِ العلماءِ، لا نَعْلَمُ بينهم اختِلافًا فيه. والأصلُ فيه قولُ اللَّهِ سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣). الآية. والصَّبْرُ عنها مع ذلك خيرٌ وأفْضَلُ؛ لقولِ اللَّه تعالى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣). والثانى: أنَّه (٤) إذا عُدِمَ الشرطانِ أو أحدُهما، لم يَحِلَّ نِكاحُها لِحُرٍّ (٥). رُوِىَ ذلك عن جابرٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، وعمرُو بن دِينارٍ، ومكحولٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال مُجاهِدٌ: ممَّا وَسَّعَ اللَّهُ على هذه الأُمَّةِ نِكاحُ الأَمَةِ، وإن كان مُوسِرًا. وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أن يكونَ تَحْتَه حُرَّةٌ؛ لأنَّ القُدْرةَ على النِّكاحِ لا تَمْنَعُ النِّكاحَ، كما يَمْنَعُه وُجُودُ النِّكاحِ، كنِكاحِ الأُخْتِ والخامِسةِ. وقال قَتَادةُ، والثَّوْرِىُّ: إذا خاف العَنَتَ حَلَّ له نِكاحُ الأَمَةِ، وإن وَجَدَ الطَّوْلَ؛ لأنَّ إباحَتَها لضَرُورةِ خَوْفِ العَنَتِ، وقد وُجِدَتْ، فلا يَنْدَفِعُ إلَّا بنِكاحِ

стр. 4939

الأَمَةِ، فأشْبَهَ عادِمَ الطَّوْلِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. فشَرَطَ فى نِكاحِها عَدَمَ اسْتِطاعةِ الطَّوْلِ، فلم يَجُزْ مع الاستطاعةِ، كالصَّوْمِ فى كَفَّارةِ الظِّهارِ مع (٦) استطاعةِ الإِعْتاقِ، ولأنَّ فى تَزْويِج الأَمَةِ إرْقاقَ وَلَدِه مع الغِنَى عنه، فلم يَجُزْ، كما لو كان تحتَه حُرَّةٌ. وقِياسُهُم ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ نِكاحَ الخامسةِ والأُختِ، إنَّما حُرِّمَ لأجْلِ الجَمْعِ، وبالقُدْرةِ على الجَمْعِ لا يَصِيرُ جامِعًا، والعِلَّةُ ههُنا، هو الغِنَى عن إرْقاقِ وَلَدِه، وذلك يَحْصُلُ بالقُدْرةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ. وأمَّا من يَجِدُ الطَّوْلَ ويخافُ العَنَتَ، فإن كان ذلك لكَوْنِه لا يَجِدُ إلَّا حُرّةً صغيرةً أو غائبةً أو مَرِيضةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، أو وَجَدَ مالًا ولم يُزَوَّجْ (٧) لقُصُورِ نَسَبِه، فله نِكاحُ الأَمَةِ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن حُرَّةٍ تُعِفُّه. وإن كانت الحرةُ فى حِبالةِ غيرِه (٨)، فله نِكاحُ أمَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ فى الغائبةِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا يجوز؛ لوُجْدانِ الطَّوْلِ. ولَنا، أنَّه غيرُ مستطيعٍ لِلطَّوْلِ (٩) إلى حُرَّةٍ تُعِفُّه، فأشْبَه مَنْ لا يجدُ شيئا، ألا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سبحانه جعَل (١٠) ابنَ السَّبِيلِ. الذى له اليَسارُ فى بَلَدِه فَقِيرًا؛ لعَدَمِ قُدْرَتِه عليه فى الحال! وإن كانت له حُرَّةٌ يَتَمَكَّنُ من وَطْئِها، والعِفَّةِ بها، فليس بخائِفٍ العَنَتَ. فصل: وإن قَدَرَ على تزويج كِتابِيَّةٍ تُعِفُّه، [أو ثَمَنِ أمَةٍ] (١١)، لم يَحِلَّ له نِكاحُ

стр. 4940

الأَمَةِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ، وذكروا (١٢) وَجْهًا آخرَ أنَّه يجوزُ له (١٣)؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهذا غيرُ مُسْتَطِيعٍ لذلك. ولَنا، قول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. وهذا غيرُ خائفٍ له، ولأنَّه قَدَرَ على صِيَانةِ وَلَدِه عن الرِّقِّ، فلم يَجُزْ له إرْقاقُه، كما لو قَدَرَ على نِكاحِ مُؤْمنةٍ. فصل: ومَنْ كانت تحتَه (١٤) حُرّةٌ يُمْكِنُه أن يَسْتَعِفَّ بها، لم يَجُزْ له نِكاحُ أمَةٍ. لا نعلمُ فى هذا خِلافًا، ولا فَرْقَ بين الكتابيَّةِ والمُسْلمةِ فى ذلك؛ لما ذكرْنا من قبلُ. فصل: فإن لم يَجِدْ طَوْلًا، لكنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُه ذلك، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فى بَقَاءِ الدَّيْنِ فى ذِمَّتِه، ولصاحِبِه (١٥) مُطَالَبَتُه به فى الحالِ. وكذلك إن رَضِيَتِ الحُرّةُ بتأْخِيرِ صَدَاقِها، أو تَفْوِيضِ بُضْعِها؛ لأنَّ لها مُطَالَبَتَه بعِوَضِه. وكذلك إن بَذَلَ له باذِلٌ (١٦) أن يَزِنَه عنه، أو يَهَبَه إيَّاه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه (١٧)؛ لما عليه من ضَرَرِ المِنَّةِ، وله فى ذلك كلِّه نِكاحُ الأَمَةِ. وإن لم يَجِدْ مَنْ يُزوِّجُه إلَّا بأكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ، وكان قادرًا عليه، ولا يُجْحِفُ به، لم يَكُنْ له نِكاحُ الأَمَةِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: له ذلك، كما لو لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادةٍ عن ثمنِ المِثْلِ، فله التَّيَمُّمُ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. وهذا مُسْتَطِيعٌ، ولأنَّه قادِرٌ على نِكاحِ حُرَّةٍ بما لا يَضُرُّه، فلم يَجُزْ له إرْقاقُ وَلَدِه، كما لو كان بَمْهرِ مِثْلِها، ولا نُسَلِّمُ ما ذكَرُوه فى التَّيَمُّمِ، ثم هذا مُفارِقٌ للتَّيَمُّمِ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصةٌ عامّةٌ، وهذا أُبِيحَ للضَّرُورةِ، ومع القُدْرةِ على الحُرَّةِ لا ضَرُورَةَ. والثانى، أَنَّ التَّيَمُّمَ يتكَرَّرُ، فإيجابُ
следующие страницы →