← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جماعةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالَفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا. ولم (٦) يَبْلُغْنا إباحةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ، ووَجْهُ قولِه عُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧). والآية الأُخْرَى (٨). وروَى أبو سعيدٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بَعَثَ يومَ حُنَيْن بَعْثًا قِبَلَ أوْطاسٍ (٩)، فأصابُوا لهم (١٠) سَبَايَا، فَكَأَنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ تَحَرَّجُوا من غِشْيانِهِنَّ، من أجْلِ أزْواجِهِنَّ من المُشْركِين، فأنزَلَ اللَّهُ فى ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فهُنَّ لهم حَلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. وعنه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال فى سَبايَا أَوْطاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً". رواهما أبو داودَ (١١). وهو حديثٌ صحيحٌ. وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ. وهذا ظاهرٌ فى إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ فى عصرِ النَّبِىِّ ﷺ كان أكثرُ سَباياهم من كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، فلم يكونُوا يَرَوْنَ تحَرْيمَهُنَّ لذلك، ولا نُقِلَ عن النَّبِىِّ ﷺ تَحْرِيمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصَّحابةَ باجْتِنابِهِنَّ، وقد دَفَعَ أبو بكرٍ إلى سَلَمةَ بن الأكْوَعِ امرأةً من بعضِ السَّبْىِ، نَفَلَها إيَّاه، وأخَذَ عمرُ وابنُه من سَبْىِ هَوازِنَ، [وكذلك غيرُهما] (١٢) من الصَّحابةِ، والحَنَفِيَّة أُمُّ محمدِ بن الْحَنفِيَّةِ من

стр. 4937

سَبْى بنى حنيفةَ، وقد أخَذَ الصحابةُ (١٣) سَبايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنَّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهرٌ فى إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفاقُ أهلِ العلمِ على خِلافِه. وقد أجَبْتُ عن حديثِ أبى سعيدٍ بأجْوِبَةٍ، منها؛ أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِىَ عن أحمدَ حين (١٤) سألَه محمدُ بن الحَكَمِ قال: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: فهَوَازِنُ (١٥) أليس كانوا عَبَدَةَ أوْثانٍ؟ قال: لا أدْرِى كانوا أسْلَمُوا أو لا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١٦). ١١٦٠ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً كِتابِيَّةً) لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). هذا ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، رَوَاه عنه جماعةٌ، وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحولٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعىِّ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، ومجاهدٍ. وقال أبو مَيْسَرَةَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ للمُسْلِمِ نِكاحُها؛ لأنَّها تحِلُّ بمِلْكِ اليَمينِ، فحَلَّتْ بالنِّكاحِ كالمُسْلِمةِ. ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، قال: لا بأس بتَزْوِيجِها. إلَّا أَنَّ الخَلَّالَ رَدَّ هذه الرِّوايةَ، وقال: إنَّما تَوَقَّفَ أحمدُ فيها، ولم يَنْفُذْ له قولٌ، ومَذْهَبُه أنَّها لا تَحِلُّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). فشَرَطَ فى إباحةِ نِكاحِهِنَّ الإِيمانَ، ولم يُوجَدْ، وتُفارِقُ المُسْلِمةَ، لأنَّه لا يُؤَدِّى إلى اسْتِرْقاقِ الكافرِ وَلَدَها؛ لأنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ مِلْكُه على مُسْلِمةٍ، والكافرةُ تكونُ مِلْكًا لكافرٍ، ويُقَرُّ مِلْكُه عليها. ووَلَدُها مَمْلُوكٌ لِسَيِّدها، ولأنَّه [قد اعْتَورَها] (٢)

стр. 4938

نَقْصانِ، نَقْصُ الكُفْرِ والمِلْكِ، فإذا اجْتَمَعا مَنَعَا، كالمَجُوسِيّةِ لمَّا اجْتَمَعَ فيها نَقْصُ الكُفْرِ، وعَدَمُ الكِتابِ، لم يُبَحْ نِكاحُها. ولا فَرْقَ بين الحُرِّ والعَبْدِ فى تحرِيمِ نِكاحِها؛ لعُمُومِ ما ذكرْنا من الدليلِ، ولأنَّ ما حُرِّمَ على الحُرِّ تَزْوِيجُه لأجْلِ دِينِه، حُرِّمَ [على العَبْدِ] (٣)، كالمَجُوسِيَّةِ. ١١٦١ - مسألة؛ قال: (وَلَا (١) لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمةً، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، ويَخَافَ الْعَنَتَ) الكلامُ فى هذه المسألة فى شَيْئينِ؛ أحدهما، أنَّه يَحِلُّ له (٢) نِكَاحُ الأَمَةِ المُسْلِمةِ إذا وُجِدَ فيه الشَّرْطان، عَدَمُ الطَّوْلِ، وخَوْفُ العَنَتِ. وهذا قولُ عامَّةِ العلماءِ، لا نَعْلَمُ بينهم اختِلافًا فيه. والأصلُ فيه قولُ اللَّهِ سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣). الآية. والصَّبْرُ عنها مع ذلك خيرٌ وأفْضَلُ؛ لقولِ اللَّه تعالى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣). والثانى: أنَّه (٤) إذا عُدِمَ الشرطانِ أو أحدُهما، لم يَحِلَّ نِكاحُها لِحُرٍّ (٥). رُوِىَ ذلك عن جابرٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، وعمرُو بن دِينارٍ، ومكحولٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال مُجاهِدٌ: ممَّا وَسَّعَ اللَّهُ على هذه الأُمَّةِ نِكاحُ الأَمَةِ، وإن كان مُوسِرًا. وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أن يكونَ تَحْتَه حُرَّةٌ؛ لأنَّ القُدْرةَ على النِّكاحِ لا تَمْنَعُ النِّكاحَ، كما يَمْنَعُه وُجُودُ النِّكاحِ، كنِكاحِ الأُخْتِ والخامِسةِ. وقال قَتَادةُ، والثَّوْرِىُّ: إذا خاف العَنَتَ حَلَّ له نِكاحُ الأَمَةِ، وإن وَجَدَ الطَّوْلَ؛ لأنَّ إباحَتَها لضَرُورةِ خَوْفِ العَنَتِ، وقد وُجِدَتْ، فلا يَنْدَفِعُ إلَّا بنِكاحِ

стр. 4939

الأَمَةِ، فأشْبَهَ عادِمَ الطَّوْلِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. فشَرَطَ فى نِكاحِها عَدَمَ اسْتِطاعةِ الطَّوْلِ، فلم يَجُزْ مع الاستطاعةِ، كالصَّوْمِ فى كَفَّارةِ الظِّهارِ مع (٦) استطاعةِ الإِعْتاقِ، ولأنَّ فى تَزْويِج الأَمَةِ إرْقاقَ وَلَدِه مع الغِنَى عنه، فلم يَجُزْ، كما لو كان تحتَه حُرَّةٌ. وقِياسُهُم ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ نِكاحَ الخامسةِ والأُختِ، إنَّما حُرِّمَ لأجْلِ الجَمْعِ، وبالقُدْرةِ على الجَمْعِ لا يَصِيرُ جامِعًا، والعِلَّةُ ههُنا، هو الغِنَى عن إرْقاقِ وَلَدِه، وذلك يَحْصُلُ بالقُدْرةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ. وأمَّا من يَجِدُ الطَّوْلَ ويخافُ العَنَتَ، فإن كان ذلك لكَوْنِه لا يَجِدُ إلَّا حُرّةً صغيرةً أو غائبةً أو مَرِيضةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، أو وَجَدَ مالًا ولم يُزَوَّجْ (٧) لقُصُورِ نَسَبِه، فله نِكاحُ الأَمَةِ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن حُرَّةٍ تُعِفُّه. وإن كانت الحرةُ فى حِبالةِ غيرِه (٨)، فله نِكاحُ أمَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ فى الغائبةِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا يجوز؛ لوُجْدانِ الطَّوْلِ. ولَنا، أنَّه غيرُ مستطيعٍ لِلطَّوْلِ (٩) إلى حُرَّةٍ تُعِفُّه، فأشْبَه مَنْ لا يجدُ شيئا، ألا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سبحانه جعَل (١٠) ابنَ السَّبِيلِ. الذى له اليَسارُ فى بَلَدِه فَقِيرًا؛ لعَدَمِ قُدْرَتِه عليه فى الحال! وإن كانت له حُرَّةٌ يَتَمَكَّنُ من وَطْئِها، والعِفَّةِ بها، فليس بخائِفٍ العَنَتَ. فصل: وإن قَدَرَ على تزويج كِتابِيَّةٍ تُعِفُّه، [أو ثَمَنِ أمَةٍ] (١١)، لم يَحِلَّ له نِكاحُ

стр. 4940

الأَمَةِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ، وذكروا (١٢) وَجْهًا آخرَ أنَّه يجوزُ له (١٣)؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهذا غيرُ مُسْتَطِيعٍ لذلك. ولَنا، قول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. وهذا غيرُ خائفٍ له، ولأنَّه قَدَرَ على صِيَانةِ وَلَدِه عن الرِّقِّ، فلم يَجُزْ له إرْقاقُه، كما لو قَدَرَ على نِكاحِ مُؤْمنةٍ. فصل: ومَنْ كانت تحتَه (١٤) حُرّةٌ يُمْكِنُه أن يَسْتَعِفَّ بها، لم يَجُزْ له نِكاحُ أمَةٍ. لا نعلمُ فى هذا خِلافًا، ولا فَرْقَ بين الكتابيَّةِ والمُسْلمةِ فى ذلك؛ لما ذكرْنا من قبلُ. فصل: فإن لم يَجِدْ طَوْلًا، لكنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُه ذلك، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فى بَقَاءِ الدَّيْنِ فى ذِمَّتِه، ولصاحِبِه (١٥) مُطَالَبَتُه به فى الحالِ. وكذلك إن رَضِيَتِ الحُرّةُ بتأْخِيرِ صَدَاقِها، أو تَفْوِيضِ بُضْعِها؛ لأنَّ لها مُطَالَبَتَه بعِوَضِه. وكذلك إن بَذَلَ له باذِلٌ (١٦) أن يَزِنَه عنه، أو يَهَبَه إيَّاه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه (١٧)؛ لما عليه من ضَرَرِ المِنَّةِ، وله فى ذلك كلِّه نِكاحُ الأَمَةِ. وإن لم يَجِدْ مَنْ يُزوِّجُه إلَّا بأكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ، وكان قادرًا عليه، ولا يُجْحِفُ به، لم يَكُنْ له نِكاحُ الأَمَةِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: له ذلك، كما لو لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادةٍ عن ثمنِ المِثْلِ، فله التَّيَمُّمُ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. وهذا مُسْتَطِيعٌ، ولأنَّه قادِرٌ على نِكاحِ حُرَّةٍ بما لا يَضُرُّه، فلم يَجُزْ له إرْقاقُ وَلَدِه، كما لو كان بَمْهرِ مِثْلِها، ولا نُسَلِّمُ ما ذكَرُوه فى التَّيَمُّمِ، ثم هذا مُفارِقٌ للتَّيَمُّمِ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصةٌ عامّةٌ، وهذا أُبِيحَ للضَّرُورةِ، ومع القُدْرةِ على الحُرَّةِ لا ضَرُورَةَ. والثانى، أَنَّ التَّيَمُّمَ يتكَرَّرُ، فإيجابُ

стр. 4941

شِرَائِه بزِيادةٍ على ثمنِ المِثْلِ يُفْضِى إلى الإِجْحافِ به، وهذا لا يتَكَرَّرُ، فلا ضَرَرَ فيه. فصل: وإن كان فى يَدِه مالٌ، فذَكَرَ أنَّه مُعْسِرٌ، وأنَّ المالَ لغيرِه. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه حُكْمٌ بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فقُبِلَ قولُه فيه، كما لو ادَّعَى مَخافةَ العَنَتِ. ومتى تَزَوّجَ الأمَةَ، ثم أقَرَّ أنَّه كان مُوسِرًا حالَ النِّكاحِ، فُرِّقَ بينهما؛ لأنَّه أقَرَّ بفَسادِ نِكاحِه. وهكذا إن أقَرَّ أنَّه لم يَكُنْ (١٨) يَخْشَى العَنَتَ. فإن كان قبلَ الدُّخولِ وصَدَّقَه السَّيِّدُ، فلا مَهْرَ، وإن كَذَّبَه، فله نِصْفُ المُسَمَّى؛ لأنَّه يَدَّعِى صِحّةَ النكاحِ والأصْلُ معه، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فعليه المُسَمَّى جَمِيعُه، إلَّا أن يكونَ مَهْرُ المِثْلِ أكْثَرَ، فعلى قولِ مَنْ أوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ فى النكاحِ الفاسدِ، يلْزَمُه مَهْرُ المِثْلِ؛ لإِقْرارِه به. وإن كان المُسَمَّى أكثرَ، وَجَبَ للسَّيِّدِ (١٩) [إلَّا أن] (٢٠) يُصَدِّقَه فيما قال، فيكونَ له من المَهْرِ ما يَجِبُ (٢١) فى النِّكاحِ الفاسدِ. وهل ذلك المُسَمَّى أو مَهْرُ المِثْلِ؟ على رِوَايتَيْنِ. ١١٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَتَى عَقَدَ عَلَيْهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ؛ عَدَمُ الطَّوْلِ، وخَوْفُ الْعَنَتِ، ثُمَّ أَيْسَرَ، لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ) هذا ظاهرُ المذهبِ، وهو مذهبُ الشافعىِّ، وفى المذهبِ وجهٌ آخَرُ، أنَّه يَفْسُدُ النكاحُ. وهو قول المُزَنِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ للحاجةِ، فإذا زالتِ الحاجةُ لم يَجُزْ له (١) اسْتِدامَتُه، كمن أُبِيحَ له أكْلُ المَيْتةِ للضَّرُورةِ، فإذا وَجَدَ الحَلَالَ لم يَسْتَدِمْه. ولَنا، أَنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أحَدُ شَرْطَىْ إباحةِ نِكاحِ الأَمَةِ، فلم تُعْتَبَر اسْتِدامَتُه، كخَوْفِ العَنَتِ، ويُفارِقُ أكْلَ المَيْتةِ، فإنَّ أكْلَها بعدَ القُدْرَةِ ابْتِداءٌ (١) للأَكْلِ، وهذا لا يَبْتَدِئُ النِّكاحَ،

стр. 4942

إنَّما يَسْتَدِيمُه، والاسْتِدامةُ للنِّكاحِ تُخالِفُ (٢) ابْتِداءَه، بدليلِ أَنَّ العِدَّةَ والرِّدَّةَ وأمْنَ العَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه. فصل: وإن تزوَّجَ على الأَمَةِ حُرّةً، صَحَّ. وفى بُطْلانِ نِكاحِ الأَمَةِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، لا يَبْطُلُ. وهو قول سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ معنى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. والرِّواية الثانية، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمةِ. وهو قولُ ابن عباسٍ، ومَسْرُوقٍ، وإسحاقَ، والمُزَنِىِّ. وَوَجْهُ الرِّوايتَيْنِ ما تقدَّم فى صَدْرِ (٣) المسألةِ. وقال النخعىُّ: إن كان له من الأَمَةِ وَلَدٌ، لم يُفارِقْها، وإلَّا فارَقَها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما كان مُبْطِلًا للنِّكاحِ فى غيرِ ذاتِ الوَلَدِ أبْطَلَه فى ذاتِ الوَلَدِ، كسائرِ مُبْطلاتِه، ولأنَّ وَلَدَه منها مملوكٌ لسَيِّدِها، ونَفَقَتُه عليه. وقد اسْتُدِلَّ على بَقاءِ النِّكاحِ بما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إذا تزوَّجَ الحُرَّةَ على الأَمَةِ، قَسَمَ للحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وللأمَةِ ليلةً (٤). ولأنَّه (٥) لو بَطَلَ بنِكاحِ (٦) الحُرَّةِ، لبَطَلَ (٧) بالقُدْرَةِ عليه، فإنَّ القُدْرةَ على المُبْدَلِ كاسْتِعْمالِه، بدَلِيلِ الماءِ مع التُّرَابِ. ١١٦٣ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا، إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيه قَائِمَيْنِ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى إباحةِ أكْثَرَ من أمَةٍ إذا لم تُعِفَّه، فعَنْه أنَّه قال: إذا خَشِىَ العَنَتَ تزوَّجَ أرْبعًا، إذا لم يَصْبِرْ كيف يَصْنَعُ؟ وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والحارثِ العُكْلِىِّ،

стр. 4943

ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. والرِّواية الثانية، قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن يتزوَّجَ إلَّا أمَةً واحدةً. يَذْهَبُ إلى حديثِ ابن عباسٍ، وهو ما رُوِىَ عن ابن عباسٍ: أَنَّ الحُرَّ لا يتزوَّجُ من الإِمَاءِ إلَّا واحدةً، وقرأ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (١). وبه قال قَتادةُ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ (٢) مَنْ له زَوْجةٌ يُمْكِنُه وَطْؤُها لا يَخْشَى العَنَتَ. ووَجْهُ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. الآية. وهذا داخِلٌ فى عُمُومِها، ولأنَّه عادِمٌ للطَّوْلِ، خائِفٌ لِلْعَنَتِ، فجاز له نِكاحُ أمَةٍ كالأُولَى (٣). وقولُهم: لا يَخْشَى العَنَتَ. قُلْنا: الكلامُ فى مَن يَخْشَاه، ولا نُبِيحُه إلَّا له. وقولُ ابن عباسٍ يُحْمَلُ على مَنْ لم يَخْشَ العَنَتَ، وكذلك الرِّوايةُ الأُخْرَى عن أحمدَ. وإن تزوَّجَ حُرّةً فلم تُعِفَّه، فذَكَرَ فيها أبو الخَطَّابِ رِوَايتَيْنِ، مِثْلِ نِكاحِ الأَمَةِ فى حَقِّ مَنْ تحتَه أمَةٌ لم تُعِفَّه؛ لما ذكرْنا. وإن كانت الحُرَّةُ تُعِفُّه، فلا خِلافَ فى تحْريمِ نِكاحِ الأَمَةِ. وإن نَكَحَ أمَةً تُعِفُّه، لم يَكُنْ له أن يَنْكِحَ أُخْرَى، فإن نَكَحَها، فنِكاحُها (٤) باطِلٌ. [وإن تزَوَّج أمَتَيْنِ فى عَقْدٍ، وهو يَسْتَعِفُّ بواحدةٍ، فنكاحُه باطلٌ] (٥)؛ لأنَّه يَبْطُلُ فى إحْداهما، وليست إحْداهما بأَوْلَى من الأُخْرَى، فبَطَلَ، كما لو جَمَعَ بين أُخْتَيْنِ. فصل: وللعبدِ أن يَنْكِحَ الأمَةَ، وإن فُقِدَ فيه الشَّرطان؛ لأنَّه مُسَاوٍ لها، فلم يُعْتَبَرْ فيه هذان الشَّرْطان، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ. وله نكاحُ أمَتَيْنِ معًا، وواحدةٍ بعد واحدةٍ؛ لأنَّ خَشْيَةَ العَنَتِ غيرُ مَشْرُوطةٍ (٦) فيه. وإن تزوَّجَ حُرَّةً، وقُلْنا: ليست الحُرِّيّةُ شَرْطًا فى

стр. 4944

نِكاحِ الحُرَّةِ، فهل له أن ينْكِحَ أمةً؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّها مُساوِيةٌ له، فلم يُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ نِكاحِها عَدَمُ الحُرَّةِ، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، ولأنَّه لو اشْتُرِط عَدَمُ الحُرَّةِ، لَاشْتُرطَ عَدَمُ القُدْرةِ عليها، كما فى حَقِّ الحُرِّ (٧). والثانية، لا يجُوز. وهو قولُ (٨) أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّه قال: تُنْكَحُ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ولا تُنْكَحُ الأمَةُ على الحُرَّةِ. ولأنَّه مالِكٌ لبُضْعِ حُرَّةٍ، فلم يكُنْ له أن يتزوَّجَ أمةً، كالحُرِّ (٩). وإن عَقَدَ النِّكاحَ عليهما جميعًا، صَحَّ فيهما؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ يجوزُ إفْرادُها بالعَقْدِ، فجاز بالجَمْعِ (١٠) بينهما، كالأمَتَيْنِ. فصل: وإذا زَنَتِ المرأةُ، لم يَحِلَّ لمَنْ يَعْلَمُ ذلك نِكاحَها إلَّا بشَرْطَيْن؛ أحدهما، انْقِضاءُ عِدَّتِها، فإن حَمَلَتْ من الزِّنَى فقضاءُ عِدَّتِها بوَضْعِه، ولا يَحِلُّ نِكاحُها قبلَ وَضْعِه. وبهذا قال مالكٌ وأبو يوسفَ. وهو إحدى الرِّوايَتيْنِ عن أبى حنيفةَ. وفى الأُخْرَى قال: يَحِلُّ نِكاحُها ويَصِحُّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلم يُحَرِّم النِّكاحَ، كما لو لم تَحْمِلْ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ (١١) الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِى مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" (١٢). يعنى وَطْءَ الحَوامِلِ. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ" (١٣). صحيحٌ، وهو عامٌّ، ورُوِىَ عن سعيدِ ابن المُسَيَّبِ، أَنَّ رَجُلًا تزوَّجَ امرأةً، فلما أصابَها وجَدَها حُبْلَى، فرُفِعَ ذلك إلى النَّبِىِّ ﷺ ، ففَرَّقَ بينهما، وجَعَلَ لها الصَّداقَ، وجَلَدَها مائةً. روَاه سعيدٌ (١٤). ورأَى النَّبِىُّ ﷺ

стр. 4945

امرأةً مُجِحًّا (١٥) على بابِ فُسْطاطٍ، فقال: لعَلَّه يُرِيدُ أنْ يُلِمَّ بِهَا؟ قالوا: نعم. قال: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ أمْ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ ". أخرجه مسلمٌ (١٦). ولأنَّها حامِلٌ من غيرِه، فحُرِّمَ عليه نِكاحُها، كسائرِ الحَوامِلِ. وإذا ثَبَتَ هذا لَزِمَتْها العِدَّةُ، وحُرِّمَ عليها النِّكاحُ فيها؛ لأنَّها فى الأصْلِ لمَعْرِفةِ براءَةِ الرَّحِمِ، ولأنَّها قبلَ العِدَّةِ يَحْتَمِلُ أن تكونَ حامِلًا، فيكونَ نِكاحُها باطِلًا، فلم يَصِحَّ، كالمَوْطوءةِ بشُبْهةٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المرأةُ (١٧) فِراشًا، فأشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ما ذكرْناه، ولأنَّه (١٨) إذا لم يَصِحَّ نكاحُ الحاملِ، فغيرُها أَوْلَى؛ لأنَّ وَطْءَ الحاملِ لا يُفْضِى إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ (١٩)، [وغيرُها يَحْتَمِلُ] (٢٠) أن يكونَ وَلَدَها من الأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ من الثانى، فيُفْضِى إلى اشْتِباهِ الأنْسابِ، فكان بالتَّحْريمِ أَوْلَى، ولأنَّه وَطْءٌ فى القُبُلِ، فأوْجَبَ العِدَّةَ، كوَطْءِ الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصغير الذى يُمْكِنُ منه الوَطْءُ. والشَّرْط الثانى، أن تَتُوبَ من الزِّنَى، [وبه قال] (٢١) قتادةُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لما رُوِىَ أَنَّ عمرَ ضَرَبَ رجلًا وامرأةً فى الزِّنَى، وحَرَصَ أن يَجْمَعَ بينهما، فأبَى

стр. 4946

الرجلُ (٢٢). ورُوِىَ أَنَّ رجلًا سأل ابنَ عباسٍ عن نِكاحِ الزَّانِيَةِ، فقال: يجوزُ، أرَأيْتَ لو سَرَقَ من كَرْمٍ، ثم ابْتاعَه، أكان يَجُوزُ (٢٢)؟ . ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٣). وهى قبلَ التَّوْبةِ فى حُكْمِ الزِّنَى، فإذا تابَتْ زال ذلك؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (٢٤). وقولِه: "التَّوْبةُ تَمْحُو الْحُوَبةَ" (٢٥). ورُوِىَ أَنَّ مَرْثَدًا دَخَلَ مَكَّةَ، فرأى امرأةً فاجِرةً يُقال لها عَنَاقٌ، فدَعَتْه إلى نَفْسِها، فلم يُجِبْها، فلما قَدِمَ المدينةَ سألَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال له (٢٦): أَنْكِحُ عَناقًا؟ فلم يُجِبْه، [فنزَل قولُه] (٢٧) تعالى: ﴿الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. فدَعاهُ رسولُ اللَّه ﷺ ، فتَلَا عليه الآيةَ، وقال: "لَا تَنْكِحْهَا" (٢٨). ولأنَّها إذا كانت مُقِيمةً على الزِّنَى لم (٢٩) يَأْمَنْ أن تُلْحِقَ به [ولدًا من] (٣٠) غيرِه، وتُفْسِدَ فِرَاشَه. فأمَّا حديثُ عمرَ، فالظاهرُ أنَّه اسْتَتابَها. وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه بيانٌ، ولا تَعَرُّضَ له لمَحَلِّ (٣١) النِّزاعِ. إذا ثَبَتَ

стр. 4947

هذا فإنَّ عِدَّةَ الزَّانِيَةِ كعِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ لأنَّه اسْتِبْراءٌ لحُرَّةٍ، فأشْبَهَ عِدَّةَ المَوْطوءةِ بشُبْهةٍ. وحكى ابنُ أبى موسى، أنَّها تُسْتَبْرأُ بحَيْضَةٍ؛ لأنَّه ليس من نِكاحٍ ولا شُبْهةِ نكاحٍ، فأشْبَهَ اسْتِبْراءَ أُمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ. وأمَّا التَّوْبةُ، فهى الاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والإِقْلاعُ عن الذَّنْبِ، كالتَّوْبةِ من سائرِ الذُّنُوبِ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قِيلَ له: كيف تُعْرَفُ تَوْبَتُها؟ قال: يُرِيدُها على ذلك، فإن طاوَعَتْه فلم تَتُبْ، وإن أبَتْ فقد تابتْ. فصار أحمدُ إلى قولِ ابن عمرَ اتِّباعًا له. والصحيحُ الأَوَّلُ، فإنَّه لا ينبغِى لمُسْلمٍ أن يَدْعُوَ امرأةً إلى الزِّنَى، ويَطْلُبَه منها، ولأنَّ طَلَبَه ذلك منها إنَّما يكونُ فى خَلْوةٍ، ولا تَحِلُّ الخَلْوةُ بأجْنَبِيَّةٍ، ولو كان فى تَعْلِيمِها القرآنَ، فكيف يَحِلُّ فى مُرَاوَدَتِها على الزِّنَى! ثم لا يَأْمَنُ إن أجَابَتْه إلى ذلك أن تَعُودَ إلى المَعْصِيَةِ، فلا يَحِلُّ للتَّعَرُّضِ لمثل هذا، ولأنَّ التَّوْبةَ من سائرِ الذُّنوبِ، وفى حَقِّ سائرِ الناسِ، وبالنِّسْبةِ إلى سائرِ الأحكامِ، على غيرِ هذا الوَجْهِ، فكذلك يكونُ (٣٢) هذا. فصل: وإذا وُجِدَ الشَّرْطانِ حَلَّ نِكاحُها للزَّانِى وغيرِه، فى قولِ أكثر أهل العلمِ، منهم: أبو بكر، وعمرُ، وابْنُه (٣٣)، وابنُ عباسٍ، [وجابرٌ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ] (٣٤)، وجابرُ بن زَيْدٍ، وعطاءٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، والبَراءِ بن عازِبٍ، وعائشةَ، أنَّها لا تَحِلُّ للزَّانِى بحالٍ، قالوا: لا يَزَالانِ زانِيَيْنِ ما اجْتَمَعَا؛ لعُمُومِ الآيةِ والْخَبرِ (٣٥). ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بذلك ما كان قبلَ التَّوْبةِ، أو قبلَ اسْتِبْرائِها،

стр. 4948

فيكونُ كقَوْلِنا. فأمَّا تَحْرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣٦). ولأنَّها مُحَلَّلةٌ لغيرِ الزانِى، فحَلَّتْ له، كغيرِها. فصل: وإن زَنَتِ امرأةُ رَجُلٍ، أو زَنَى زَوْجُها، لم يُفْسَخِ (٣٧) النِّكاحُ، سواءٌ كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وبذلك قال مجاهدٌ، وعطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن جابرِ بن عبدِ اللَّه، أَنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفَرَّقُ بينهما، وليس لها شىءٌ. وكذلك رُوِىَ عن الحسنِ. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَرَّقَ بين رَجُلٍ وامْرَأتِه زَنَى قبلَ [أن يدْخُلَ] (٣٨) بها (٣٩). واحْتجَّ لهم بأنَّه لو قَذَفَها وَلاعَنَها بانَتْ منه؛ لتَحْقِيقِه (٤٠) الزِّنَى عليها، فدَلَّ على أن الزِّنَى يُبِينُها (٤١). ولَنا، أَنَّ دَعْواه الزِّنَى عليها لا يُبِينُها، ولو كان النكاحُ يَنْفَسِخُ به لَانْفَسَخَ بمُجَرَّدِ دَعْواه، كالرَّضَاعِ، ولأنَّها مَعْصِيةٌ لا تُخْرِجُ عن الإِسلامِ، فأشْبَهَتِ السَّرقةَ، فأمَّا اللِّعانُ فإنه يَقْتَضِى الفَسْخَ بدُونِ الزِّنى، بدَليلِ أنَّها إذا لَاعَنَتْه فقد قابَلَتْه، فلمْ يَثْبُتْ زِناها، ولذلك أَوْجَبَ النَّبِىُّ ﷺ الحَدَّ على مَنْ قَذَفَها، والفَسْخُ واقِعٌ. ولكنَّ أحمدَ اسْتَحَبَّ للرَّجُلِ مُفارَقَةَ امْرأتِه إذا زَنَتْ، وقال: لا أَرَى أن يُمْسِكَ مثلَ هذه. وذلك أنَّه لا يُؤْمَنُ أن تُفْسِدَ فِراشَه، وتُلْحِقَ به وَلَدًا ليس منه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لَعَلَّ من كَرِهَ هذه

стр. 4949

المرأةَ إنَّما كَرِهَها على غيرِ وَجْهِ التَّحْرِيمِ، فيكونُ مثلَ قولِ أحمدَ هذا. قال أحمدُ: ولا يَطَؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها بثلاثِ حِيَضٍ. وذلك لما رَوَى رُوَيْفِعُ بن ثابتٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ (٤٢) يَوْمَ حُنَيْن: "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخَرِ يَسْقِى مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" (٤٣). يعنى إتْيانَ الحَبَالَى. ولأنَّها ربَّما تأتِى بوَلَدٍ من الزِّنَى فيُنْسَبُ إليه. والأَوْلَى أنَّه يَكْفِى اسْتِبْراؤُها [بحَيْضَةٍ واحدةٍ] (٤٤)؛ لأنَّها تكْفِى فى اسْتِبْراءِ الإِماءِ، وفى أُمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدِها، أو بإعْتاقِ سَيِّدِها، فيَكْفِى ههُنا، والمَقْصودُ (٤٥) ههُنا مُجَرَّدُ الاسْتِبْراءِ، وقد حَصَلَ بحَيْضةٍ فيُكْتَفَى بها. فصل: وإذا عَلِمَ الرجلُ من جاريَتِه الفُجُورَ، فقال أحمدُ: لا يَطَؤُها؛ لعَلَّها تُلْحِقُ به ولَدًا ليس منه. قال ابنُ مسعودٍ: أكْرَهُ أن أطَأَ أَمَتِى وقد بَغَتْ (٤٦). وروى مالكٌ، عن يَحْيَى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنْهَى أن يَطَأَ الرجلُ أمَتَه وفى بَطْنِها ولدٌ جَنِينٌ لغيرِه (٤٧). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا مُجْمَعٌ على تَحْرِيمه. وكان ابنُ عباسٍ يُرَخِّصُ فى وَطْءِ الأَمَةِ الفاجِرَةِ (٤٨). ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ. ولعل مَنْ كَرِه ذلك كَرِهَه قبلَ الاسْتِبْراءِ، أو إذا لم يُحَصِّنْها ويَمْنَعْها (٤٩) من الفُجُورِ، ومَن أباحَهُ (٥٠) بعدَهما، فيكونُ القَوْلان مُتَّفِقَيْنِ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4950

١١٦٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ خطَبَ امْرَأَةً، فَلَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ، فَلِغَيْرِه خِطْبَتُهَا) الخِطْبةُ، بالكَسْرِ: خِطْبةُ الرَّجُلِ المرأةَ لِيَنْكِحَها. والخُطْبةُ، بالضَّمِّ: هى حَمْدُ اللَّه، والتَّشَهُّد؛ ولا يَخْلُو حالُ المَخْطوبةِ من ثلاثةِ أقسامٍ: أحدها: أن تَسْكُنَ إلى الخاطبِ لها، فتُجِيبَه، أو تَأْذَنَ لِوَلِيِّها فى إجَابَتِه أو تَزْوِيجِه، فهذه يَحْرُمُ على غيرِ خاطِبِها خِطْبَتُها؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يَخْطُبْ أحَدُكُم عَلَى خِطْبةِ أَخِيهِ". وعن أبى هريرةَ، عن النبى ﷺ قال: "لا يَخْطُبْ أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبةِ أخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أو يَتْرُكَ". مُتَّفَقٌ عليهما (١). ولأنَّ فى ذلك إفْسادًا على الخاطِبِ الأوَّلِ، وإيقاعَ العَداوةِ بين النَّاسِ، ولذلك نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن بَيْعِ الرَّجُلِ على بَيْعِ أخِيه. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا بين أهلِ العلمِ، إلَّا أن قَوْمًا حَمَلُوا النَّهْىَ على الكَرَاهةِ، والظَّاهرُ أَوْلَى. القسم الثانى: أن تَرُدَّهُ أو لا تَرْكَنَ إليه. فهذه يَجُوزُ خِطْبَتُها؛ لما رَوَتْ فاطمةُ بنت قَيْسٍ، أنَّها أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فذَكَرَتْ أَنَّ مُعَاوِيةَ وأبا جَهْمٍ خَطَباها، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أمَّا مُعَاوِيةُ فصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَه، وأمَّا أبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، أنْكِحِى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). فخَطَبها النَّبِىُّ ﷺ بعد إخْبارِها إياه بخِطْبةِ مُعاوِيةَ وأبى جَهْمٍ لها، ولأنَّ تحريمَ خِطْبَتِها على هذا الوَجْهِ إضرارٌ بها، فإنَّه لا يشاءُ أحدٌ أن يَمْنَعَ المرأةَ النِّكاحَ إلَّا مَنَعَها بخِطْبَتِه إيَّاها، وكذلك لو عَرَّضَ لها فى عِدَّتِها بالخِطْبةِ، فقال: لا تَفُوتِينِى بنَفْسِكِ. وأشْباهِ هذا، لم تَحْرُمْ خِطْبَتُها؛ لأنَّ فى قِصَّةِ فاطمةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ

стр. 4951

قال لها: "لَا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ". ولم يُنْكِرْ خِطْبةَ أبى جَهْمٍ ومُعاويةَ لها. وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ، أَنَّ ابنَ وَهْبٍ رَوَى بإسْنادِه عن الحارثِ بن سعدِ بن أبى ذُبَابٍ (٣)، أَنَّ عمرَ بن الخطابِ خَطَبَ امرأةً على جَرِيرِ بن عبدِ اللَّه، وعلى مَرْوانَ بن الحَكَمِ، وعلى عبدِ اللَّه بن عمرَ، فدَخَلَ على المرأةِ وهى جالِسةٌ فى بَيْتِها، فقال عمرُ: إن جَرِيرَ بنَ عبدِ اللَّه يَخْطُبُ، وهو سَيِّدُ أهْلِ المَشْرِقِ، ومروانَ يَخْطُبُ، وهو سَيِّدُ شبابِ قُرَيْشٍ، وعبدَ اللَّه بن عُمَرَ يخْطُب (٤)، وهو مَنْ قد عَلِمْتُمْ، وعمرَ بن الخَطَّابِ، فكَشَفَتِ المرأةُ السِّتْرَ، فقالت: أجادٌّ أميرُ المؤمنينَ؟ فقال: نعم. فقالت: فقد أنْكحتُ أميرَ المؤمنينَ، فأنْكحُوه (٥). فهذا عمرُ قد خَطَبَ على واحدٍ بعدَ واحدٍ، قبلَ أن يَعْلَمَ ما تقولُ المرأةُ فى الأَوَّلِ. القسم الثالث: أن يُوجَدَ من المرأةِ ما يَدُلُّ على الرِّضَى والسُّكُونِ، تَعْرِيضًا لا تَصْرِيحًا، كقَوْلِها: ما أنْتَ إلَّا رِضًى، وما عَنْكَ رَغْبَةٌ. فهذه فى حُكْمِ القسم الأول، لا يَحِلُّ لغيرِه خِطْبَتُها. هذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال: إذا رَكَنَ بعضُهم إلى بعضٍ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَخْطُبَ. والرُّكُونُ يُسْتَدَلُّ عليه بالتَّعْرِيضِ تارةً، وبالتَّصْريحِ أُخْرَى. وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ إباحةُ خِطْبَتِها. وهو مذهبُ الشافعىِّ فى الجديدِ؛ لحديثِ فاطمةَ، حيثُ خَطَبَها النَّبِىُّ ﷺ . وزَعَمُوا أَنَّ الظاهرَ من كلامِها رُكُونُها إلى أحَدِهِما. واستدلَّ القاضى بخِطْبَتِه لها قبلَ سُؤَالِها هل وجدَ منها ما دَلَّ (٦) على الرِّضَى أو لا؟ ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: "لا يَخْطُبْ

стр. 4952

أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبةِ أَخِيهِ". ولأنَّه وجد منها ما دَلَّ على الرِّضَى به، وسُكُونِها إليه، فحَرُمَتْ خِطْبَتُها، كما لو صَرَّحَتْ بذلك. وأما حديثُ فاطمةَ فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ فيه ما يَدُلُّ على أنَّها لم تَرْكَنْ إلى واحدٍ منهما، من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ النبِىَّ ﷺ قد كان قال لها: "لَا تَسْبِقِينِى بنَفْسِكِ". وفى لفظ: "لَا تَفُوتِينَا (٧) بنَفْسِكِ". وفى روايةٍ (٨): "إذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِى". فلم تَكُنْ لتَفْتاتَ بالإِجابةِ قبلَ أن تُؤْذِنَ رسولَ اللَّه ﷺ . والثانى، أنَّها ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، كالمُسْتَشِيرةِ له فيهما، أو فى العُدُولِ عنهما [إلى غيرِهما] (٩)، وليس فى الاسْتِشارةِ دليلٌ على تَرْجِيحِ أحدِ الأمْرَيْنِ، ولا مَيْلٍ إلى أحَدِهِما، على أنَّها إنَّما ذكَرَتْ ذلك للنبىِّ ﷺ لتَرْجِعَ إلى قولِه ورَأْيِه، وقد أشارَ عليها بتَرْكِهِما؛ لما ذكَر (١٠) من عَيْبِهِما، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَدِّها لهما، وتَصْرِيحِها بمَنْعِهِما. ومن وَجْهٍ آخرَ، وهو (١١) أَنَّ النَّبىَّ ﷺ قد سَبَقَهُما بخِطْبَتِها تَعْرِيضًا، بقولِه لها ما ذكرْنا، فكانت خِطْبَتُه بعدَهما مَبْنِيّةً على الخِطْبةِ السابقةِ لهما، بخلافِ ما نحن فيه. فصل: والتَّعْويلُ فى الرَّدِّ والإِجابةِ على الوَلِىِّ إن كانت مُجْبَرَةً، وعليها إن لم تَكُنْ مجبرةً؛ لأنَّها أحَقُّ بنَفْسِها من وَلِيِّها، ولو أجابَ هو، ورَغِبَتْ عن النكاحِ، كان الأمْرُ أمْرَها. وإن أجابَ وَلِيُّها، فرَضِيَتْ، فهو كإجابَتِها، وإن سَخِطَتْ فلا حُكْمَ لإِجَابَتِه؛ لأنَّ الحَقَّ لها. ولو أجابَ (١٢) الوَلِىُّ فى حَقِّ المُجْبَرَةِ، فكَرِهَتْ المُجابَ، واخْتارَتْ غيرَه، سَقَطَ حكمُ إجابةِ وَلِيِّها، لكَوْنِ اخْتيارِها مُقَدَّما على اخْتيارِه. وإن كَرِهَتْه ولم تُجِزْ سِواهُ، فيَنْبَغِى أن يَسْقُطَ حكمُ الإِجابةِ أيضًا؛ لأنَّه قد أُمِرَ باسْتِئْمارِها،

стр. 4953

فلا ينبغِى له أن يُكْرِهَها على من (١٣) لا تَرْضاه. وإن أجابَتْه (١٤)، ثم رَجَعَتْ عن الإِجابةِ وسَخِطَتْه، زال حكمُ الإِجابةِ؛ لأنَّ لها الرُّجُوعَ. وكذلك إذا رَجَعَ الوَلِىُّ المُجْبِرُ عن الإِجابةِ، زال حُكْمُها؛ لأنَّ له النَّظَرَ فى أمْرِ مُوَلِّيَتِه، ما لم يَقَعِ العَقْدُ. وإن لم تَرْجِعْ هى ولا وَلِيُّها، لكنْ (١٥) تَرَكَ الخاطِبُ الخِطْبةَ، أو أذِنَ فيها، جازت خِطْبَتُها؛ لما رُوِىَ فى حديثِ ابن عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى أن يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخِيه، حَتَّى يَأْذَنَ (١٦) أو يَتْرُكَ. روَاه البُخارِىُّ. فصل: وخِطْبةُ الرَّجُلِ على خِطْبةِ أخِيه فى موضعِ النَّهْىِ مُحَرَّمةٌ. قال أحمدُ: لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَخْطُبَ فى هذه الحالِ. وقال أبو حَفْص (١٧) العُكْبَرِىُّ: هى مكروهةٌ غيرُ محرمةٍ، وهذا نَهْىُ تأْدِيبٍ لا تَحْرِيمٍ. ولَنا، ظاهرُ النَّهْىِ، فإنَّ مُقْتَضاهُ التَّحْرِيمُ، ولأنَّه نَهْىٌ عن الإِضْرارِ بالآدَمِىِّ المعْصُومِ، فكان على التَّحْريمِ، كالنَّهْىِ عن أكْلِ مالِه وسَفْكِ دَمِه، فإن فَعَلَ فنِكاحُه صحيحٌ. نص عليه أحمدُ فقال: لا يُفَرّقُ (١٨) بينهما. وهو (١٩) مذهبُ الشافعىِّ. ورُوِىَ عن مالكٍ وداودَ، أنَّه لا يَصِحُّ. وهو قياسُ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه قال فى البَيْعِ على بَيْعِ أخِيه: هو باطِلٌ. وهذا فى معناه، ووَجْهُه أنَّه نِكاحٌ مَنْهِىٌّ عنه، فكان باطِلًا كنِكاحِ الشِّغَارِ. ولَنا، أَنَّ المُحَرَّمَ لم يُقَارِنِ (٢٠) العَقْدَ، فلم يُؤَثِّرْ فيه، كما لو صَرَّحَ بالخِطْبةِ فى العِدَّةِ.

стр. 4954

فصل: ولا يُكْرَه للوَلِىِّ الرُّجُوعُ عن الإِجابةِ، إذا رأى المصلحةَ لها فى ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائِبٌ عنها فى النَّظَرِ لها، فلم (٢١) يُكْرَهْ له الرُّجوعُ الذى رَأَى المصلحةَ فيه، كما لو ساوَمَ فى بَيْعِ دارِها، ثم تَبَيَّنَ له المصلحةُ فى تَرْكِها. ولا يُكْرَه لها أيضًا الرجوعُ إذا كَرِهَتِ الخاطِبَ؛ لأنَّه عَقْدُ عُمْرٍ (٢٢) يَدُومُ الضَّرَرُ فيه، فكان لها الاحْتِياطُ لِنَفْسِها، والنَّظَرُ فى حَظِّها. وإن رَجَعَا عن ذلك لغيرِ غَرَضٍ (٢٣)، كُرِهَ؛ لما فيه من إخْلافِ الوَعْدِ، والرُّجُوعِ عن القَوْلِ، ولم يُحَرَّمْ؛ لأنَّ الحقَّ بعدُ لم يَلْزَمْهُما (٢٤)، كمَن [ساوَم بسِلْعَتِه] (٢٥)، ثم بَدَا له أن لا يَبِيعَها. فصل: فإن كان الخاطبُ الأوَّلُ ذِمِّيًّا، لم تُحَرَّمِ الخِطْبةُ على خِطْبَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يَخْطُبُ على خِطْبةِ أخِيه، ولا يُساوِمُ على سَوْمِ أخيه، إنَّما هو للمُسْلِمينَ، ولو خَطَبَ على خِطْبةِ يَهُودِىٍّ أو نَصْرانىٍّ، أو اسْتامَ على سَوْمِهِم، لم يَكُنْ داخلًا فى ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخْوَةٍ للمُسْلِمينَ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يجوزُ أيضًا؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، لا لِتَخْصِيصِ المُسْلِمِ به. ولَنا، أَنَّ لَفْظَ النَّهْىِ خاصٌّ فى المسلمينَ، وإلْحاقُ غيرِه به إنَّما يَصِحُّ إذا كان مِثْلَه، وليس الذِّمِّىُّ كالمُسْلمِ، ولا حُرْمَتُه كحُرْمَتِه، ولذلك لم تَجِبْ إجابَتُهم فى دَعْوةِ الوَلِيمةِ ونحوِها. وقولُه: خرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ. قُلْنا: متى كان فى المَخْصُوصِ بالذِّكْرِ مَعْنًى يصْلُحُ (٢٦) أن يُعْتَبرَ فى الحُكْمِ، لم يَجُزْ حَذْفُه ولا تَعْدِيةُ الحُكْمِ بدُونِه، [والأُخُوَّةُ الإِسْلامِيَّةُ لها] (٢٧) تَأْثِيرٌ فى وُجُوبِ

стр. 4955

الاحْتِرامِ، وزِيادةِ الاحْتِياطِ فى رِعايةِ حُقُوقِه، وحِفْظِ قَلْبِه، واسْتِبْقاءِ مَوَدَّتِه، فلا يجوزُ خِلافُ (٢٨) ذلك. واللَّه أعلم. ١١٦٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ عَرَّضَ لَهَا وَهِىَ فِى الْعِدَّةِ، بأَنْ يَقُولَ: إِنِّى فِى مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ. وَإِنْ قُضِىَ شَىْءٌ كَانَ. ومَا أشْبَهَهُ مِنَ الْكَلَامِ، مِمَّا يَدُلُّهَا (١) عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا، فَلَا بَأْسَ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ) وجملةُ ذلك أن المُعْتَدَّاتِ (٢) على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ مُعْتَدَّةٌ من وَفاةٍ، أو طَلَاقِ ثلاثٍ، أو فَسْخٍ لِتَحْرِيمِها على زَوْجِها، كالفَسْخِ برَضَاعٍ، أو لِعَانٍ، أو نحوِه (٣) ممَّا لا تَحِلُّ بعدَهُ (٤) لِزَوْجِها، فهذه يجوزُ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها فى عِدَّتها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٥). ولما رَوَتْ فاطِمةُ بنتُ قَيْسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال لها لمَّا طَلَّقَها زَوْجُها ثَلاثًا: "إذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِى". وفى لفظ: "لَا تَسْبِقينِى بنَفْسِكِ". وفى لفظ: "لَا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ" (٦). وهذا تَعْرِيضٌ بخِطْبَتِها فى عِدَّتِها. ولا يجوزُ التَّصْريحُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى لما خَصَّ التَّعْريضَ بالإِباحةِ (٧)، دَلَّ على تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ، ولأنَّ التَّصْريحَ لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَحْمِلَها الحِرْصُ عليه على الإِخْبارِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها قبلَ انْقِضائِها، والتَّعْريضُ بخِلافِه. القسم الثانى، الرَّجْعِيّةُ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ التَّعْريضُ بخِطْبَتِها، ولا التَّصْرِيحُ؛ لأنَّها فى حُكْمِ الزَّوْجاتِ، فهى كالتى

стр. 4956

فى صُلْبِ نِكاحِه. القسم الثالث، بائِنٌ يَحِلُّ لزَوْجِها نِكاحُها، كالمُخْتَلِعةِ، والبائِنِ بفَسْخٍ (٨) لعَيْبٍ (٩) أو إعسارٍ ونحوِه، فلِزَوْجِها التَّصْريحُ بخِطْبَتِها والتعريضُ؛ لأنَّها مُباحٌ (١٠) له نِكاحُها فى عِدَّتها، فهى كغيرِ المُعْتَدَّةِ. وهل يجوزُ لغيرِه التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها؟ فيه وَجْهان. وللشافعىِّ فيه أيضًا قَوْلان؛ أحدهما، يجوزُ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّها بائِنٌ فأشْبَهَتِ المُطلَّقةَ ثلاثًا. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أن يَسْتَبِيحَها، فهى كالرَّجْعِيَّةِ. والمَرْأةُ فى الجَوابِ، كالرجلِ فى الخِطْبةِ، فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ؛ لأنَّ الخِطْبةَ للعَقْدِ، فلا يخْتلفان فى حِلِّه وحُرْمَتِه؛ إذا ثَبَتَ هذا، فالتَّعْرِيضُ أن يقول: إنِّى فى مِثْلِكِ لرَاغِبٌ. ورُبَّ راغبٍ فيكِ. وقال القاسمُ بن محمدٍ: التَّعْريضُ أن يقولَ: إنَّكِ عَلَىَّ لَكَرِيمةٌ. وإنِّى فيكِ لرَاغبٌ. وإنَّ اللَّه لسائِقٌ إليك خَيْرًا أو رِزْقًا. وقال الزُّهْرِىُّ: أنتِ جَمِيلةٌ. وأنتِ مَرْغُوبٌ فيكِ. وإن قال: لا تَسْبِقِينا بنَفْسِكِ. أو لا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ. أو إذا حَلَلْتِ فآذِنِينِى. ونحو ذلك، جازَ. قال مجاهدٌ: مات رجلٌ، وكانت امرأتُه تَتْبَعُ الجِنازةَ، فقال لها (١١) رَجُلٌ: لا تَسْبِقِينَا بنَفْسِكِ. فقالتْ: سَبَقَكَ غيرُكَ. وتُجِيبُه المرأةُ: إن قُضِىَ شىءٌ كان. وما نَرْغَبُ عنك. وما أشْبَههُ. والتَّصريحُ: هو اللفظُ الذى لا يَحْتَمِلُ غيرَ النكاحِ، نحو أن يقولَ: زَوِّجِينِى نَفْسَكِ. أو إذا (١٢) انْقَضَتْ عِدّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ هذا معنَى قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (١٣). فإنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى سِرًّا، قال الشاعر (١٤): فلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى ... ولن تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا (١٥)

стр. 4957

وقال الشافعىُّ: السِّرُّ: الجِماعُ (١٦). وأنشد لِامْرئ القَيْسِ: ألَا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القَوْمِ أنَّنِى ... كَبِرْتُ وأن لا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثالِى (١٧) ومُواعَدَةُ السِّرِّ أن يقولَ: عندِى جماعٌ يُرْضِيكِ. ونحوه، وكذلك إن قال: رُبَّ جماعٍ يُرْضِيكِ. فنُهِىَ عنه لما فيه من الهُجْرِ والفُحْش والدَّناءةِ والسُّخْفِ. فصل: فإن صَرَّحَ بالخِطْبةِ، أو عَرَّضَ فى موضعٍ يَحْرُمُ (١٨) التعريضُ، ثم تَزَوَّجَها (١٩) بعدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُه. وقال مالكٌ: يُطَلِّقُها تَطليقةً، ثم يتزَوَّجُها. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ هذا المُحَرّمَ لم يُقارِنِ (٢٠) العَقْدَ، فلم يُؤَثِّرْ فيه، كما فى النِّكاحِ الثانى، أو كما لو رآها مُتَجَرِّدةً ثم تزَوَّجَها. فصل: ويَحْرُمُ على العبدِ نِكاحُ سَيِّدَتِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ نِكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطِلٌ. وروى الأَثْرَمُ، بإسنادِه عن أبى الزُّبَيْرِ، قال: سألتُ جابرًا عن العَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَه، فقال: جاءتِ امرأةٌ إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، ونحن بالْجابِيَةِ (٢١)، وقد نَكَحَتْ عَبْدَها، فانْتَهرَها عمرُ، وهَمَّ أن يَرْجُمَها، وقال: لا يَحِلُّ لكِ (٢٢). ولأنَّ أحْكامَ النِّكاحِ مع أحكامِ المِلْكِ (٢٣) يتَنافَيانِ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَقْتَضِى أن يكونَ الآخرُ بحُكْمِه، يُسافِرُ بسَفَرِه، ويُقِيمُ بإقامَتِه، ويُنْفِقُ عليه، فيتَنافَيان.

стр. 4958

فصل: وليس للسَّيِّدِ أن يتزوَّجَ أمَتَه؛ لأنَّ مِلْكَ الرَّقَبةِ يُفِيدُ مِلْكَ المَنْفَعةِ، وإباحةَ البُضْعِ، فلا يَجْتَمِعُ معه عَقْدٌ أضْعَفُ منه. ولو مَلَكَ زَوْجَتَه وهى أمَةٌ، انْفَسَخَ نِكاحُها. وكذلك لو مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها، انفسخَ نِكاحُها. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا (٢٤). ولا يجوزُ أن يتزوَّجَ أمَةً له فيها مِلْكٌ. ولا يتزوَّجُ مُكاتَبَتَه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتَه. فصل: ولا يجوزُ للحُرِّ أن يتزوَّجَ أمَةَ ابْنِه؛ لأنَّ له فيها شُبْهةَ مِلْكٍ (٢٥). وهذا قولُ أهلِ الحجازِ. وقال أهلُ العِراقِ: له ذلك؛ لأنَّها ليستْ مملوكةً له، ولا تُعْتَقُ بإعْتاقِه لها. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ" (٢٦). ولأنَّه لو مَلَكَ جُزْءًا من أمَةٍ، لم يَصِحَّ نِكاحُه لها، فما هى مُضافةٌ إليه بجُمْلَتِها شَرْعًا أوْلَى بالتحريمِ. وكذلك لا يجوزُ للعبدِ نِكاحُ أُمِّ سَيِّدِه أو سَيِّدَتِه (٢٧)، مع ما ذكرْنا من الخِلافِ. ويجوزُ للعبدِ [أن يتزوَّجَ] (٢٨) أمَةَ ابْنِه؛ لأنَّ الرِّقَّ قطَع (٢٩) وِلايَتَه عن أبِيه ومالِه، ولهذا لا يَلِى مالَه ولا نِكاحَه، ولا يَرِثُ أحَدُهُما صاحِبَه، فهو كالأجْنَبِىِّ منه. فصل: وللابْنِ نِكاحُ أمَةِ أبِيه؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهةَ مِلْكٍ، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وكذلك سائرُ القَراباتِ. ويجوزُ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنْتَه لمَمْلُوكِهِ، إذا قُلْنا: ليست الحُرِّيَّةُ شَرْطًا فى الصِّحَّةِ. ومتى مات الأبُ، فوَرِثَ أحَدُ الزَّوْجينِ صاحِبَه، أو جُزْءًا منه، انْفَسَخَ النِّكاحُ. وكذلك إن مَلَكَه أو جُزْءًا منه بغيرِ الإِرْثِ. لا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا أَنَّ الحسنَ قال: إذا اشْتَرَى امرأتَه لِلْعِتْقِ، فأعْتَقَها حين مَلَكَها، فهما على نِكاحِهما. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّهما مُتَنافِيَانِ، فلا يَجْتَمِعانِ قليلًا ولا كثيرًا، فبِمُجَرَّدِ

стр. 4959

المِلْكِ لها انْفَسَخَ نِكاحُه سابقًا على عِتْقِها. وحُكْمُ المُكاتَبِ يتَزَوَّجُ بِنْتَ سَيِّدِه أو سَيِّدَتِه، حكمُ العبدِ، فى أنَّه إذا مات سَيِّدُه، انْفَسَخَ نِكاحُه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: النِّكاحُ بحالِه؛ لأنَّها لم (٣٠) تَمْلِكْه، إنَّما لها عليه دَيْنٌ. وليس بصحيحٍ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (٣١). ولأنَّه لو زال المِلْكُ عنه، لمَا عاد (٣٢) بعَجْزِه، كما لو أُعْتِقَ. فصل: وإذا مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها أو بعضَه، فانْفَسخَ نِكاحُها، فليس ذلك بطلاقٍ، فمتى أعْتَقَتْهُ (٣٣)، ثم تزَوَّجَها، لم تُحْتَسَبْ عليه بتَطْلِيقةٍ. [وبهذا قال الحَكَمُ، وحمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ الْمُنْذِرِ، وإسحاقُ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، والأوْزاعىُّ: هى تَطْلِيقةٌ] (٣٤). وليس بصحِيحٍ؛ لأنَّه لم يَلْفِظْ بطَلاقٍ صريحٍ ولا كِنايةٍ، وإنَّما انْفَسخَ النِّكاحُ بوُجُودِ ما يُنافِيه، فأشْبَهَ انْفِساخَه بإسْلامِ أحَدِهِما أو رِدَّتِه. ولو مَلَكَ الرجلُ بعضَ زَوْجَتِه، انفسخَ نِكاحُها، وحَرُمَ وَطْؤُها، فى قولِ عامَّةِ المُفْتِينَ، حتى يَسْتَخْلِصَها، فتَحِلَّ له بمِلْكِ اليمينِ. ورُوِىَ (٣٥) عن قَتادةَ أنَّه قال: لم يَزِدْه مِلْكُه فيها إلَّا قُرْبًا. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَبْقَى فى بَعْضِها، ومِلْكَه لم يَتِمَّ عليها، ولا يَثْبُتُ الحِلُّ فيما لا يَمْلِكُه ولا نِكاحَ فيه. فصل: ولا يجوزُ للرجلِ وَطْءُ جارِيةِ ابْنِه؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٣٦). وليست هذه زَوْجةً له، ولا مَمْلُوكَتَه (٣٧)، ولأنَّه يَحِلُّ لابْنِه

стр. 4960

وَطْؤُها، ولا تَحِلُّ المرأةُ لِرَجُلَيْنِ. فإن وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال داودُ: يُحَدُّ. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: ان كان ابْنُه وَطِئَها حُدَّ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ عليه على التَّأْبِيدِ. ولَنا، أَنَّ له فيها شُبْهةً؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أنْتَ وَمالُكَ لِأَبِيكَ". والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بقَتْلِ ابْنِه، والقِصَاصُ حَقٌّ آدَمِىٍّ، فإذا سَقَطَ بشُبْهةِ (٣٨) المِلْكِ، فالحَدُّ الذى هو حَقُّ اللَّه تعالى بطرِيقِ الأَوْلَى، ولأنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقةِ مالِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفِه، فكذلك لا يُحَدُّ بالزِّنَى بجارِيَتِه. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تُحَرّمُ على الابْنِ على التأبِيدِ. وإن كان الابْنُ قد (٣٩) وَطِئَها، حُرِّمَتْ عليهما على التأبِيدِ. وإذا لم تَعْلَقْ من الأَبِ، لم يَزُلْ مِلْكُ الابْنِ عنها، ولم يَلْزَمْه قِيمَتُها. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه ضَمانُها؛ لأنَّه أتْلَفَها عليه، وحَرَمَه وَطْأَهَا، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَها (٤٠). ولَنا، أنَّه لم يُخرِجْها عن مِلْكِه، ولم تَنْقُصْ قِيمَتُها، فأشْبَهَ ما لو أرْضَعَتْها (٤١) امْرَأتُه، فإنَّها تُحَرَّمُ على الابْنِ، ولا يَجِبُ له ضَمانُها. وإن عَلِقَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، يلْحَقُ به النَّسَبُ؛ لأنَّه من وَطْءٍ لا يَجِبُ به الحَدُّ، لأجْلِ الشُّبْهةِ، فأشْبَه وَلَدَ الجارِيةِ المُشْتَرَكةِ، وتَصِيرُ الجارِيةُ أُمَّ وَلَدٍ للأَبِ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّها غيرُ مَمْلُوكةٍ له، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ جارِيةَ أجنبىٍّ بشُبْهةٍ. ولَنا، أنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ لأجلِ المِلْكِ، فأشْبَهتِ الجارِيةَ المُشْترَكةَ إذا كان مُوسِرًا. قال أصحابُنا: ولا يَلْزَمُ الأبَ قِيمةُ الجارِيةِ، ولا قِيمةُ وَلَدِها ولا مَهْرُها. وقال الشافعىُّ: يَلْزَمُه ذلك كلُّه، إذا حُكِمَ بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ. وهذا يَنْبَنِى (٤٢) على أصْلٍ، وهو أَنَّ للأبِ أن يتَمَلَّكَ من مالِ وَلَدِه ما شاءَ، وأنَّه ليس للابْنِ مُطَالبةُ أبِيه بدَيْنٍ له عليه، ولا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وعندَهم بخِلافِ

стр. 4961

وذلك، وهذا يُذْكَرُ فى موضعٍ آخَرَ، إن شاء اللَّهُ تعالى. فصل: وإن وَطِئَ الابْنُ جارِيةَ أبِيه، عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك، فعليه الحَدُّ، ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ، ولا تَصِيرُ به الجارِيةُ أمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّه لا مِلْكَ له، ولا شُبْهةَ مِلْكٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبِيَّةِ، وكذلك سائرُ الأقارِبِ. فصل: وإن وَطِئَ الأبُ وابْنُه جارِيةَ الابْنِ فى طُهْرٍ واحدٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ أُرِىَ الْقافةَ، فأُلْحِقَ بمن أَلْحَقَتْه به منهما، وصارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، كما لو انْفَردَ بوَطْئِها. وإن ألْحَقَتْه بهما، [لَحِقَ بهما] (٤٣). وإن أَوْلَدَها أحَدُهُما بعدَ الآخَرِ، فهى أُمُّ وَلَدٍ للأوَّلِ منهما خاصّةً؛ لأنَّها بوِلَادَتِها منه صارت له أُمَّ وَلَدٍ، لِانْفِرادِه بإِيلادِها، فلا تَنْتَقِلُ (٤٤) بعدَ ذلك إلى غيرِه؛ لأنَّ أُمَّ الوَلَدِ لا يَنْتَقِلُ (٤٥) المِلْكُ فيها إلى غيرِ مالِكِها. وقد نُقِلَ عن أحمدَ، فى رَجُلٍ وَقعَ على جارِيةِ ابْنِه، فإن كان الأبُ قابِضًا لها، ولم يكُنْ الابْنُ وَطِئَها، فأحْبَلَها الأبُ، فالوَلَدُ وَلَدُه، والجاريةُ له، وليس للابْنِ فيها شىءٌ. قال القاضى: ظاهِرُ هذا أَنَّ الابْنَ إن كان وَطِئَها، لم تَصِرْ أمَّ وَلَدٍ للأبِ؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه وَطْؤُها وأخْذُها، فتكونُ قد عَلِقَتْ بمَمْلُوكٍ. وإن كان الأبُ قَبَضَها، ولم يكُنِ الابنُ وَطِئَها، مَلَكَها؛ لأنَّ للأبِ أن يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه ما زاد على قَدْرِ نَفَقَتِه، ولم تَتَعَلَّقْ به حاجَتُه، فيتَمَلَّكُه.

стр. 4962

المغنى لمُوَفَّق الدين أبى محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسىّ الجماعيلى الدِّمَشْقىّ الصَّالحِىّ الحَنْبَلِىّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركى الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء العاشر دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 4963

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4964

المغنى

стр. 4965

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 4966

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب نِكاحِ أهْلِ الشِّرْك أنْكِحَةُ الكُفّارِ صحيحةٌ، يُقَرُّونَ عليها إذا أسْلَمُوا أوِ تَحاكَمُوا إلينا، إذا كانت المرأةُ ممَّن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها فى الحالِ، ولا يُنْظَرُ إلى (١) صِفةِ عَقْدِهِم وكيْفِيّته، ولا يُعْتَبَرُ له شروطُ أنكِحَةِ المسلمينَ، من الوَلِىِّ، والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك. بلا خِلافٍ بين المسلمينَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العلماءُ على أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا أسْلَما معًا، فى حالٍ واحدةٍ، أَنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما (٢)، ما لم يَكُنْ بينهما نَسَبٌ ولا رَضَاعٌ. وقد أسْلَمَ خَلْقٌ فى عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأسْلَم نِسَاؤُهم، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم، ولم يَسْأَلْهمُ رسولُ اللَّه ﷺ عن شُرُوطِ النكاحِ، ولا كَيْفِيَّته، وهذا أمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرورةِ، فكان يَقِينًا، ولكن يُنْظَرُ فى الحالِ، فإن (٣) كانت المرأةُ على صِفَةٍ يجوزُ له ابْتِداءُ نِكاحِها، أُقِرَّ، وإن كانتْ ممَّن لا يجوزُ ابْتداءُ نِكاحِها، كأحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّببِ، أو المُعْتَدَّةِ (٤)، والمُرْتَدَّةِ، والوَثَنِيَّةِ، والْمَجُوسِيَّة، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا (٥). وإن تزَوَّجَها فى العِدَّةِ، وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا (٦)؛ لأنَّها يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها. ١١٦٦ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإِذَا أسلَمَ الْوَثَنِىُّ، وقَدْ تزَوَّجَ بأرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، ولَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَان

стр. 4967

حَلَالًا، أَوْ نِصْفُ صَداقِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا حَرَامًا. ولَوْ أَسْلَمَ النِّسَاءُ قَبْلَه، وقَبْلَ الدُّخُولِ، بنَّ مِنْهُ أيْضًا، ولَا شَىْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدةٍ مِنْهُنَّ. فَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُ وإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعًا، فَهُنَّ زَوْجَاتٌ. فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَم، فَمَنْ لَمْ تُسْلِمْ مِنْهُنَّ قبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِها حَرُمَتْ عَلَيْه مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ) فى هذه المسألة فصولٌ خمسةٌ: أحدها: أنَّه إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجينِ الوَثَنِيَّينِ أو المَجُوسيَّيْنِ، أو كِتَابِىٌّ مُتَزَوِّجٌ (١) بِوَثَنِيَّةٍ أو مَجُوسِيَّةٍ قبلَ الدُّخُولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقةُ بينهما من حين إسْلامِه، ويكونُ ذلك فَسْخًا لا طَلَاقًا. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، بل إن كانا (٢) فى دارِ الإِسْلامِ، عُرِضَ الإسْلامُ على الآخَرِ، فإن أَبى وَقَعَتِ الفُرْقَةُ حِينَئذٍ، وإن كانا فى دارِ الحَرْبِ، وَقَفَ ذلك على انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإن لم يُسْلِم الآخَرُ، وَقَعَتِ الفُرْقةُ. فإن كان الإِباءُ من الزَّوْجِ، كان طَلاقًا؛ لأنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ من قِبَلِه، فكان طَلَاقًا، كما لو لَفَظَ به، وإن كان من المرأةِ، كان فَسْخًا؛ لأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ. وقال مالكٌ: إن كانت هى المسلمةَ، عُرِضَ عليه الإِسلامُ، فإن أسْلَمَ، وإلَّا وقعتِ الفُرْقةُ، وإن كان هو المسلمَ، تُعُجِّلَتِ الفرقةُ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣). ولَنا، أنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يَمْنَعُ الإقْرارَ على النِّكاحِ، فإذا وُجدَ قبلَ الدُّخولَ، تُعُجِّلتِ الفرقةُ، كالرِّدَّةِ. وعلى مالكٍ كإسْلامَ الزَّوْجِ، أو كما لو أبَى الآخرُ الإِسلامَ، ولأنَّه إن كان هو المسلمَ، فليس له (٤) إمساكُ كافرةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾. وإن كانت هى المُسْلِمةَ، فلا يجوزُ إبقاؤُها فى (٥) نكاحِ

стр. 4968

مُشْرِكٍ. ولَنا، على أنَّها فُرْقةُ فَسْخٍ، أنَّها فُرْقةٌ باخْتِلافِ الدِّينِ، فكانتْ (٦) فَسْخًا، كما لو أسْلَم الزوجُ وأبَتِ المرأةُ، ولأنَّها فرقةٌ بغير لَفْظٍ، فكانت فَسْخًا، كفُرْقةِ الرَّضَاعِ. الفصل الثانى: أَنَّ الفُرْقةَ إِذا حَصَلَتْ قبلَ الدُّخولِ بإسْلامِ الزَّوْجِ، فللمرأةِ نِصْفُ المُسَمَّى إِن كانت التَّسْمِيةُ صحيحةً، أو نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها إن كانت فاسدةً، مثل أن يُصْدِقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ الفُرْقةَ حصَلتْ بفِعْلِه، وإن كانت بإسلامِ المرأةِ، فلا شىءَ لها؛ لأنَّ الفُرْقةَ من جِهَتِها. وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعىُّ، وابن شُبْرُمةَ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ لها نِصْفَ المَهْرِ إذا كانت هى المُسْلِمةَ. واخْتارها أبو بكرٍ. وبه قال قَتادةُ، والثَّوْرِىُّ. ويَقْتَضِيه قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الفُرْقةَ حصَلتْ من قِبَلِه بإبائِه الإسلامَ، وامْتِناعِه منه، وهى فَعَلَتْ ما فَرَضَ اللَّه عليها، فكان لها نِصْفُ ما فَرَضَ اللَّه لها، كما لو عَلَّقَ طَلَاقَها على الصَّلاةِ فصَلَّتْ. ونُقِلَ عن أحمدَ، فى مَجُوسِىِّ أسْلَمَ قبلَ أن يَدْخُلَ بامْرأتِه: لا شىءَ لها من الصَّدَاقِ. ووَجْهُها (٧) ما ذكرناه، ووَجْه الأُولَى (٨) أَنَّ الفُرْقةَ حصَلتْ باخْتِلافِ الدِّينِ، واختلافُ الدِّينِ حَصَلَ بإسْلامِها، فكانت الفُرْقةُ حاصِلةً بفِعْلِها، فلم يَجِبْ لها شىءٌ، كما لو ارْتَدّتْ، ويفارِقُ تَعْلِيقَ الطَّلاقِ، فإنَّه من جِهَةِ الزَّوْجِ، ولهذا لو عَلَّقَه على دُخُولِ الدارِ فدَخَلَتْ، وَقَعَتِ الفُرْقةُ، ولها نِصْفُ المَهْرِ. الفصل الثالث: أَنَّ الزَّوْجينِ إذا أسْلَما معًا، فهما على النِّكاحِ، سواءٌ كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه. وليس بين أهلِ العلمِ فى هذا اختلافٌ بحَمْدِ اللَّه. ذَكَر ابنُ عبد البَرِّ أنَّه إِجماعٌ من أهلِ العلمِ؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منهم اختلافُ دِينٍ. وقد رَوَى أبو داود (٩)، عن ابن عباس، أن رَجُلًا جاء مُسْلِمًا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم جاءت امرأتُه

стр. 4969

مُسْلِمةً بعدَه، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّها كانت أسْلَمَتْ معى. فرَدَّها عليه، ويُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهما بالإِسْلامِ دَفْعةً واحدةً، لئَلَّا يَسْبِقَ أحَدُهُما صاحِبَه، فيَفْسُدَ النِّكاحُ. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ، كالقَبْض ونحوِه، فإنَّ حُكْمَ المَجْلِس كلِّه حُكْمُ حالةِ العَقْدِ، ولأنَّه يَبْعُدُ (١٠) اتِّفاقُهما على النُّطْقِ بكَلِمةِ الإِسلامِ دَفْعةً واحدةً، فلو اعْتُبِرَ ذلك، لوقَعَتِ الفُرْقةُ بين كل مُسْلِمَيْنِ قبلَ الدُّخولِ، إلَّا فى الشَّاذِّ النَّادرِ، فيَبْطُلُ (١١) الإِجْماعُ. الفصل الرابع: أنَّه إذا كان إِسلامُ أحدِهما بعدَ الدخولِ، ففيه عن أحمدَ رِوَايتان؛ إحداهما، يَقِفُ على انقضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ الآخَرُ قبلَ انْقِضائِها، فهما على النكاحِ، وإن لم يُسْلِمْ حتى انْقَضتِ العِدّةُ، وَقَعتِ الفُرْقةُ منذُ اخْتَلَفَ الدِّينانِ، فلا يَحْتاجُ إلى اسْتِئنافِ العِدَّةِ. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن صالحٍ، والأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. ونحوُه عن مُجاهدٍ، وعبدِ اللَّه (١٢) بن عمرَ، ومحمدِ ابن الحسنِ. والرواية الثانيةُ، تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ. وهو اخْتيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمةَ، وقَتادةَ، والحكَمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبد العزيزِ، ونَصَرَه ابنُ الْمُنْذِرِ. وقولُ أبى حنيفةَ ههُنا كقولِه فيما قبلَ الدُّخولِ، إلَّا أَنَّ المرأةَ إذا كانت فى دارِ الحربِ، فانْقَضتْ عِدَّتُها، وحَصَلَتِ الفُرْقةُ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ. وقال مالكٌ: إن أسلمَ الرجلُ قبلَ امرأتِه، عَرَضَ عليها الإسلامَ، فإن أسْلَمتْ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقةُ، وإن كانتْ غائبةً تُعُجِّلَتِ (١٣) الفُرْقةُ، وإن أسلمتِ المرأةُ قبلَه وقَفَ (١٤)

стр. 4970

على انْقِضاءِ العِدَّةِ. واحْتَجَّ مَنْ قال بتَعْجِيلِ الفُرْقةِ بقَوْله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾. ولأنَّ ما يُوجِبُ فَسْخَ النِّكاحِ لا يَخْتَلِفُ بما قبلَ الدخولِ وبعدَه، كالرَّضَاعِ. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ، فى مُوَطَّإِهِ (١٥)، عن ابن شِهَابٍ قال: كان بين إسْلامِ صَفْوانَ بن أُميَّةَ وامرأتِه بنتِ الوليدِ بن المُغِيرةِ نحوٌ من شَهْرٍ، أسْلَمَتْ يوم الفَتْحِ، وبَقِىَ صَفْوانُ حتى شَهِدَ حُنَيْنًا والطائِفَ وهو كافرٌ، ثم أسْلَمَ، فلم يُفَرِّقِ النَّبِىُّ ﷺ بينهما، واسْتَقَرَّتْ عندَه امرأتُه بذلك النِّكاحِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وشُهْرةُ هذا الحديثِ أَقْوَى من إسْنادِه. وقال ابنُ شِهَابٍ: أسْلَمَتْ أُمُّ حكمٍ يوم الفَتْحِ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمةُ حتى أَتَى اليَمَنَ، فارْتَحَلَتْ حتى قَدِمَتْ عليه اليمنَ، فدَعَتْه إلى الإِسلامِ، فأسْلَم، وقَدِمَ فبايعَ النَّبِىَّ ﷺ ، فثَبَتَا على نكاحِهِما (١٦). وقال ابنُ شُبْرُمةَ: كان الناسُ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ يُسْلِمُ الرجلُ قبلَ المرأةِ، والمرأةُ قبلَ الرجلِ، فأيُّهُما أسْلَمَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المرأةِ، فهى امرأتُه، وان أسلمَ بعدَ العِدَّةِ، فلا نِكاحَ بينهما (١٧). ولأنَّ أبا سُفيانَ خَرَجَ فأسلمَ عامَ الفَتْحِ قبلَ دُخولِ النَّبِىِّ ﷺ مَكّةَ، ولم تُسْلِمْ هِنْدُ امرأتُه حتى فَتَحَ النَّبِىُّ ﷺ مَكَّةَ، فثَبَتَا على النِّكاحِ (١٨). وأسلم حَكِيمُ بن حِزَامٍ قبلَ امْرأتِه (١٩). وخَرَجَ أبو سفيانَ ابن الحارثِ وعبدُ اللَّه بن أبى (٢٠) أُمَيَّةَ فلَقِيَا النبىَّ ﷺ [عامَ الفَتْحِ] (٢١) بالأَبْواءِ (٢٢)، فأسْلَما قبلَ نِسائِهِما (٢٣). ولم يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ فرَّقَ بين أحدٍ ممَّن أسلمَ وبين امرأتِه،

стр. 4971

ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما دَفْعةً واحدةً، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّلُ البَيْنُونةُ (٢٤)، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههنا لها عِدَّةٌ، فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقةِ من حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقةِ، فتُحْتَسَبُ الفُرْقةُ منه كالطَّلَاقِ. الفصل الخامس: أنَّه إذا أسْلَم أحدُ الزَّوْجَيْنِ. وتَخَلَّفَ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّةُ المرأةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ. فى قولِ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَختَلِف العلماءُ فى هذا، إلّا شىءٌ رُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، فلم (٢٥) يَتْبَعْهُ عليه أحدٌ، زَعَمَ أنَّها تُرَدُّ إلى زَوْجِها، وإن طالتِ المدةُ؛ لما رَوَى ابنُ عباسٍ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ على زَوْجِها أبى العاصِ بنِكاحِها الأَوَّلِ. روَاه أبو داودَ (٢٦). واحْتَجَّ به أحمدُ. قيل له: أليس يُرْوَى أنَّه رَدَّها بنكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قال: ليس لذلك (٢٧) أصْلٌ. وقيل: كان بين إسْلامِها ورَدِّها إليه ثمانِ سِنِينَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢٨). وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. والإجماعُ المُنْعَقِدُ على تحريمِ فُرُوجِ (٢٩) المسلماتِ على الكُفّارِ. فأمَّا قِصَّةُ أبى العاص مع امرأتِه، فقال ابنُ عبد البرِّ: لا يَخْلُو. من أن تكونَ قبلَ نُزُولِ تَحْريمِ المسلماتِ على الكفارِ، فتكونَ مَنْسُوخةً بما جاء بعدَها، أو تكونَ حامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُها (٣٠) حتى أسْلَم زَوْجُها، أو

стр. 4972

مَرِيضةً لم تَحِضْ ثلاثَ حَيْضاتٍ حتَى أسْلَمَ، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنكاحٍ جديدٍ، فقد رَوَى ابن أبى شَيْبةَ، فى "سُنَنِه" عن عمرِو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّها على أبى العاص بنكاحٍ جديدٍ. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٣١)، وقال: سَمِعْتُ عَبْدَ بن حُمَيْدٍ يقول: سمعتُ يَزِيدَ بن هارُونَ يقول: حديثُ ابنِ عباسٍ أجْوَدُ إسْنادًا، والعملُ على حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ. فصل: وإذا وَقَعتِ الفُرْقْةُ بإسْلامِ أحَدِهما بعدَ الدُّخولِ، فلها المَهْرُ كاملًا؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدُّخُولِ، فلم يَسْقُط بشىءٍ، فإن كان مُسَمًّى صَحِيحًا، فهو لها؛ لأنَّ أَنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، يَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ، وإن كان مُحَرَّمًا، وقد قَبَضَتْه فى حالِ الكُفْرِ، فليس لها غيرُه؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما مضَى من أحكامِهِم، وإن لم تَقْبِضْه، وهو حَرامٌ، فلها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمُسْلِمةٍ، ولا فى نكاحِ مُسْلِمٍ، وقد صارتْ أحكامُهم أحْكامَ المُسْلِمينَ. فأمَّا نَفَقةُ العِدَّةِ، فإن كانت هى المسلمةَ قبلَه، فلها نفقةُ عِدَّتِها؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ من إبْقاءِ نِكاحِها، واستِمتْاعِه منها، بإسْلامِه معها، فكانت لها النفقةُ كالرَّجْعِيَّةِ، وإن كان هو المسلمَ قَبْلَها، فلا نَفَقةَ لها عليه؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى اسْتِبْقاءِ نِكاحِها، وتَلافِى حالِها، فأشْبَهتِ البائِنَ، وسواءٌ أسْلَمَتْ فى عِدَّتِها أو لم تُسْلِمْ. فإن قيل: إذا لم تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّ نِكاحَها انْفَسخَ باخْتِلافِ الدِّينَيْنِ، فكيف تَجِبُ النفقةُ للبائنِ؟ قُلْنا: لأنَّه كان يُمْكِنُ الزَّوجُ تَلافِىَ نِكاحِها إذا أسْلَمَتْ قبلَه (٣٢)، بل يجبُ عليه ذلك، فكانت فى مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ. فإن قيل: الرَّجْعيَّةُ جَرَّتْ إلى البَيْنُونةِ بسَبَبٍ منه، وهذه السَّببَ منها؟ قُلْنا: إلَّا أنَّه كان فَرْضًا عليها مُضَيّقًا، ويُمْكِنُه تَلافِيه، بخِلْافِ ما إذا أسْلَمَتْ قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه يَسْقُطُ (٣٣) مَهْرُها جَمِيعُه؛ لأنَّه ما أمْكَنَه تَلافِيه.

стр. 4973

فصل: فى اخْتلافِ الزَّوْجَيْنِ، لا يَخْلُو اخْتِلافُهما من حالينِ؛ أحدهما، أن يكونَ قبلَ الدُّخولِ، ففيه مسألتان، إحداهما، أن يقولَ الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معا، فنحنُ على النِّكاحِ. وتقول هى: بل أسْلَمَ أحَدُنا قبلَ صاحِبِه، فانفَسَخَ النِّكاحُ. فقال القاضى: القولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّ الظاهرَ معها (٣٤)؛ إذْ يَبْعُدُ (٣٥) اتِّفاقُ الإِسْلامِ منهما دَفْعةً واحدةً، والقولُ قولُ مَن الظَّاهِرُ معه، ولذلك كان القولُ قولَ صاحبِ اليَد. وذكَر أبو الخَطَّابِ فيها وَجْهًا آخرَ، أَنَّ القولَ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، والفَسْخُ طَارِئٌ عليه، فكان القولُ قولَ مَنْ يُوافِقُ (٣٦) قولُه الأصْلَ كالمُنْكِرِ، وللشافعىِّ قَوْلان، كهذَيْنِ الوَجْهَينِ. المسألة الثانية، أن يقولَ الزَّوْجُ: أسْلَمْتِ قَبْلِى، فلا صَدَاقَ لكِ. وتقولُ هى: أسْلَمْتَ قَبْلِى، فلِى نِصْفُ الصَّداقِ. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ المَهْرَ وَجَبَ بالعَقْدِ، والزَّوْجُ يَدَّعِى ما يُسْقِطه، والأصلُ بَقاؤُه، ولم يُعارِضْه ظاهِرٌ فبَقِىَ. فإن اتَّفَقا على أنَّ أحَدَهُما أسْلَم قبلَ صاحِبِه، ولا يَعْلَمانِ عَيْنَه، فلها نِصْفُ الصَّداقِ. كذلك ذكَره أبو الخطَّابِ. وقال القاضى: إن لم تَكُنْ قَبَضَتْ، فلا شىءَ لها؛ لأنَّها تَشُكُّ فى اسْتِحْقاقِها، فلا تَسْتَحِقُ بالشَّكِّ، وإن كان بعدَ القَبْض، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّه يَشُكُّ فى اسْتِحْقاقِ الرُّجُوعَ، فلا يَرْجِعُ مع الشكِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يُزَالُ بالشَّكِّ، وكذلك إذا تَيَقّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ فى الحَدَثِ، أو تَيَقّنَ الحَدَثَ وشَكَّ فى الطَّهارةِ، بَنَى على اليَقينِ، وهذه قد كان صَدَاقُها واجِبًا لها، وشَكَّا فى سُقُوطِه، فيَبْقَى على الوُجُوبِ. وأمَّا إن اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ، ففيه أيضًا مَسْألتان؛ إحداهما، أن يقولَ: أسْلَمْنا معًا. أو أسْلَمَ الثانى مِنَّا فى العِدَّةِ، فنحنُ على النكاح. وتقولَ هى: بل أسْلَم الثانى بعدَ العِدَّةِ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، القولُ قولُه؛ لأنَّ

стр. 4974

الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ. والثانى، القولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِ الثانى. المسألة الثانية، أن تقولَ: أسْلَمْتُ قَبْلَكَ، فلى نَفَقةُ العِدَّةِ. ويقولَ هو: أسْلَمْتُ قَبْلكِ، فلا نَفَقَةَ لك. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ النَّفَقةِ. وهو يَدَّعِى سُقُوطَها. وإن قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهْرينِ من إسْلامِى، فلا نفقةَ لك فيهما. وقالت: بعد شَهْرٍ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِها فى الشَّهْرِ الثانى. فأمَّا إن ادَّعَى هو ما يَفْسَخُ النِّكاحَ، وأنْكَرَتْه، انْفَسخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بزَوالِ نِكاحِه وسُقُوطِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أَنَّها أُخْتُه من الرَّضاعَ، فكَذّبَتْه. فصل: وسواءٌ فيما ذكَرْنا اتّفَقَتِ الدارانِ أو اخْتَلَفَتا. وبه قال مالكٌ، والأوْزاعىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن أسْلَمَ أحَدُهما وهما فى دارِ الحَرْبِ، ودَخَلَ دارَ الإِسلامِ، انْفَسخَ النِّكاحُ، ولو تَزَوّجَ حَرْبِىٌّ حَرْبَيّةً، ثم دَخَلَ دارَ الإِسلامِ، وعَقَدَ الذِّمّةَ، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لِاخْتلافِ الدَّارينِ. ويَقْتَضِى مَذْهَبُه أَنَّ أحَدَ الزَّوْجينِ الذِّمِّيَّيْنِ إذا دَخَلَ دارَ الحرب، ناقِضًا للعَهْدِ، انْفَسخَ نِكاحُه؛ لأَنَّ الدارَ اخْتَلَفَتْ بهما فِعْلًا وحُكْمًا، فوَجَبَ أنَّ تقَعَ الفُرْقةُ بينهما، كما لو أسْلَمَتْ فى دارِ الإِسْلامِ قبلَ الدُّخولِ. ولَنا، أَنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَم بمَرِّ الظَّهْرانِ، وامرأتُه بمَكَّةَ لم تُسْلِمْ، وهى دارُ حَرْبٍ، وأُمُّ حَكِيمٍ أسْلَمتْ بمكةَ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمنِ، وامرأةُ صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ أسلمتْ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زوجُها، ثم أسْلَمُوا، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم مع اختلافِ الدِّينِ والدارِ بهم، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم ينْفَسِخْ (٣٧) باخْتِلافِ الدارِ كالبَيْعِ، ويُفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّ القاطِعَ للنِّكاحِ اخْتلافُ الدِّينِ، المانعُ من الإِقرارِ على النِّكاحِ، دُونَ ما ذكَرُوه. فعلى هذا، لو تزوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بدارِ الإسْلامِ حَرْبِيَّةً من أهلِ الكتابِ، صَحَّ نكاحُه، وعندهم لا يَصِحُّ. ولَنا عمومُ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣٨). ولأنَّها امرأةٌ يُباحُ نِكاحُها إذا كانت فى دارِ الإِسلامِ، فأُبِيحَ نِكاحُها فى دارِ الحَرْبِ، كالمُسْلِمةِ.

стр. 4975

١١٦٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فِى عَقْدٍ وَاحِدٍ (١)، أو فِى عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثُمَّ أصَابَهُنَّ، ثُمَّ أَسْلَم، ثُمَّ أسْلَمَتْ كُلُّ واحِدةٍ مِنْهُنَّ فِى عِدَّتِهَا، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وفَارَقَ مَا سِوَاهُنَّ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أمْسَك مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ (٢) أو آخِرَهُنَّ) وجملةُ ذلك أنَّ الكافرَ إذا أسْلَم، ومعه أكْثرُ من أرْبعِ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ فى عِدَّتِهِنَ، أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لم يَكُنْ له إمْساكُهُنَّ كُلِّهنَّ. بغير خلافٍ نَعْلَمُه. ولا يَمْلِكُ إمْساكَ أكثَر من أربعٍ. فإذا أحَبَّ ذلك، اختارَ أرْبعًا منهنَّ، وفارَقَ سائِرَهُنَّ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ (٣) فى عَقْدٍ أو فى عُقُودٍ، وسواءٌ اخْتارَ الأوَائِلَ أو الأَواخِرَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بن الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إن كان تزَوّجَهُنَّ فى عَقْدٍ، انْفَسخَ نِكاحُ جَمِيعِهِنَّ، وإن كان فى عُقُودٍ، فنكاحُ الأوائِلِ صحيحٌ، ونكاحُ ما زادَ على أرْبَعٍ باطلٌ؛ لأنَّ العَقْدَ إذا تناوَلَ أكثرَ من أرْبَعٍ، فتَحْرِيمُه من طَرِيقِ الجَمْعِ، فلا يكونُ فيه مُخَيَّرًا بعدَ الإِسلامِ، كما لو تزَوَّجَتِ المرأةُ زَوْجَيْنِ فى حالِ الكُفْرِ، ثم أسْلَمُوا. ولَنا، ما رَوَى قَيْسُ بن الحارثِ، قال: أسْلَمْتُ وَتَحْتِى ثَمانِ نِسْوَةٍ، فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فقلتُ له ذلك، فقال: "اخْتَرْ مِنْهنَّ أرْبعًا". روَاه أحمدُ، وأبو داودَ (٤). وروى محمدُ ابن سويدٍ الثَّقَفِىُّ، أَنَّ غَيْلانَ بن سَلَمةَ أسْلَمَ وتحته عَشْرُ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه رسولُ اللَّه ﷺ أن يتَخَيَّر منهنَّ أرْبعًا (٥). روَاه التِّرمِذِىُّ، ورَواه مالكٌ فى "مُوَطّإِهِ"،
следующие страницы →