← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما دَفْعةً واحدةً، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّلُ البَيْنُونةُ (٢٤)، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههنا لها عِدَّةٌ، فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقةِ من حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقةِ، فتُحْتَسَبُ الفُرْقةُ منه كالطَّلَاقِ. الفصل الخامس: أنَّه إذا أسْلَم أحدُ الزَّوْجَيْنِ. وتَخَلَّفَ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّةُ المرأةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ. فى قولِ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَختَلِف العلماءُ فى هذا، إلّا شىءٌ رُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، فلم (٢٥) يَتْبَعْهُ عليه أحدٌ، زَعَمَ أنَّها تُرَدُّ إلى زَوْجِها، وإن طالتِ المدةُ؛ لما رَوَى ابنُ عباسٍ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ على زَوْجِها أبى العاصِ بنِكاحِها الأَوَّلِ. روَاه أبو داودَ (٢٦). واحْتَجَّ به أحمدُ. قيل له: أليس يُرْوَى أنَّه رَدَّها بنكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قال: ليس لذلك (٢٧) أصْلٌ. وقيل: كان بين إسْلامِها ورَدِّها إليه ثمانِ سِنِينَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢٨). وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. والإجماعُ المُنْعَقِدُ على تحريمِ فُرُوجِ (٢٩) المسلماتِ على الكُفّارِ. فأمَّا قِصَّةُ أبى العاص مع امرأتِه، فقال ابنُ عبد البرِّ: لا يَخْلُو. من أن تكونَ قبلَ نُزُولِ تَحْريمِ المسلماتِ على الكفارِ، فتكونَ مَنْسُوخةً بما جاء بعدَها، أو تكونَ حامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُها (٣٠) حتى أسْلَم زَوْجُها، أو

стр. 4972

مَرِيضةً لم تَحِضْ ثلاثَ حَيْضاتٍ حتَى أسْلَمَ، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنكاحٍ جديدٍ، فقد رَوَى ابن أبى شَيْبةَ، فى "سُنَنِه" عن عمرِو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّها على أبى العاص بنكاحٍ جديدٍ. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٣١)، وقال: سَمِعْتُ عَبْدَ بن حُمَيْدٍ يقول: سمعتُ يَزِيدَ بن هارُونَ يقول: حديثُ ابنِ عباسٍ أجْوَدُ إسْنادًا، والعملُ على حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ. فصل: وإذا وَقَعتِ الفُرْقْةُ بإسْلامِ أحَدِهما بعدَ الدُّخولِ، فلها المَهْرُ كاملًا؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدُّخُولِ، فلم يَسْقُط بشىءٍ، فإن كان مُسَمًّى صَحِيحًا، فهو لها؛ لأنَّ أَنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، يَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ، وإن كان مُحَرَّمًا، وقد قَبَضَتْه فى حالِ الكُفْرِ، فليس لها غيرُه؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما مضَى من أحكامِهِم، وإن لم تَقْبِضْه، وهو حَرامٌ، فلها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمُسْلِمةٍ، ولا فى نكاحِ مُسْلِمٍ، وقد صارتْ أحكامُهم أحْكامَ المُسْلِمينَ. فأمَّا نَفَقةُ العِدَّةِ، فإن كانت هى المسلمةَ قبلَه، فلها نفقةُ عِدَّتِها؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ من إبْقاءِ نِكاحِها، واستِمتْاعِه منها، بإسْلامِه معها، فكانت لها النفقةُ كالرَّجْعِيَّةِ، وإن كان هو المسلمَ قَبْلَها، فلا نَفَقةَ لها عليه؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى اسْتِبْقاءِ نِكاحِها، وتَلافِى حالِها، فأشْبَهتِ البائِنَ، وسواءٌ أسْلَمَتْ فى عِدَّتِها أو لم تُسْلِمْ. فإن قيل: إذا لم تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّ نِكاحَها انْفَسخَ باخْتِلافِ الدِّينَيْنِ، فكيف تَجِبُ النفقةُ للبائنِ؟ قُلْنا: لأنَّه كان يُمْكِنُ الزَّوجُ تَلافِىَ نِكاحِها إذا أسْلَمَتْ قبلَه (٣٢)، بل يجبُ عليه ذلك، فكانت فى مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ. فإن قيل: الرَّجْعيَّةُ جَرَّتْ إلى البَيْنُونةِ بسَبَبٍ منه، وهذه السَّببَ منها؟ قُلْنا: إلَّا أنَّه كان فَرْضًا عليها مُضَيّقًا، ويُمْكِنُه تَلافِيه، بخِلْافِ ما إذا أسْلَمَتْ قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه يَسْقُطُ (٣٣) مَهْرُها جَمِيعُه؛ لأنَّه ما أمْكَنَه تَلافِيه.

стр. 4973

فصل: فى اخْتلافِ الزَّوْجَيْنِ، لا يَخْلُو اخْتِلافُهما من حالينِ؛ أحدهما، أن يكونَ قبلَ الدُّخولِ، ففيه مسألتان، إحداهما، أن يقولَ الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معا، فنحنُ على النِّكاحِ. وتقول هى: بل أسْلَمَ أحَدُنا قبلَ صاحِبِه، فانفَسَخَ النِّكاحُ. فقال القاضى: القولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّ الظاهرَ معها (٣٤)؛ إذْ يَبْعُدُ (٣٥) اتِّفاقُ الإِسْلامِ منهما دَفْعةً واحدةً، والقولُ قولُ مَن الظَّاهِرُ معه، ولذلك كان القولُ قولَ صاحبِ اليَد. وذكَر أبو الخَطَّابِ فيها وَجْهًا آخرَ، أَنَّ القولَ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، والفَسْخُ طَارِئٌ عليه، فكان القولُ قولَ مَنْ يُوافِقُ (٣٦) قولُه الأصْلَ كالمُنْكِرِ، وللشافعىِّ قَوْلان، كهذَيْنِ الوَجْهَينِ. المسألة الثانية، أن يقولَ الزَّوْجُ: أسْلَمْتِ قَبْلِى، فلا صَدَاقَ لكِ. وتقولُ هى: أسْلَمْتَ قَبْلِى، فلِى نِصْفُ الصَّداقِ. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ المَهْرَ وَجَبَ بالعَقْدِ، والزَّوْجُ يَدَّعِى ما يُسْقِطه، والأصلُ بَقاؤُه، ولم يُعارِضْه ظاهِرٌ فبَقِىَ. فإن اتَّفَقا على أنَّ أحَدَهُما أسْلَم قبلَ صاحِبِه، ولا يَعْلَمانِ عَيْنَه، فلها نِصْفُ الصَّداقِ. كذلك ذكَره أبو الخطَّابِ. وقال القاضى: إن لم تَكُنْ قَبَضَتْ، فلا شىءَ لها؛ لأنَّها تَشُكُّ فى اسْتِحْقاقِها، فلا تَسْتَحِقُ بالشَّكِّ، وإن كان بعدَ القَبْض، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّه يَشُكُّ فى اسْتِحْقاقِ الرُّجُوعَ، فلا يَرْجِعُ مع الشكِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يُزَالُ بالشَّكِّ، وكذلك إذا تَيَقّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ فى الحَدَثِ، أو تَيَقّنَ الحَدَثَ وشَكَّ فى الطَّهارةِ، بَنَى على اليَقينِ، وهذه قد كان صَدَاقُها واجِبًا لها، وشَكَّا فى سُقُوطِه، فيَبْقَى على الوُجُوبِ. وأمَّا إن اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ، ففيه أيضًا مَسْألتان؛ إحداهما، أن يقولَ: أسْلَمْنا معًا. أو أسْلَمَ الثانى مِنَّا فى العِدَّةِ، فنحنُ على النكاح. وتقولَ هى: بل أسْلَم الثانى بعدَ العِدَّةِ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، القولُ قولُه؛ لأنَّ

стр. 4974

الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ. والثانى، القولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِ الثانى. المسألة الثانية، أن تقولَ: أسْلَمْتُ قَبْلَكَ، فلى نَفَقةُ العِدَّةِ. ويقولَ هو: أسْلَمْتُ قَبْلكِ، فلا نَفَقَةَ لك. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ النَّفَقةِ. وهو يَدَّعِى سُقُوطَها. وإن قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهْرينِ من إسْلامِى، فلا نفقةَ لك فيهما. وقالت: بعد شَهْرٍ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِها فى الشَّهْرِ الثانى. فأمَّا إن ادَّعَى هو ما يَفْسَخُ النِّكاحَ، وأنْكَرَتْه، انْفَسخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بزَوالِ نِكاحِه وسُقُوطِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أَنَّها أُخْتُه من الرَّضاعَ، فكَذّبَتْه. فصل: وسواءٌ فيما ذكَرْنا اتّفَقَتِ الدارانِ أو اخْتَلَفَتا. وبه قال مالكٌ، والأوْزاعىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن أسْلَمَ أحَدُهما وهما فى دارِ الحَرْبِ، ودَخَلَ دارَ الإِسلامِ، انْفَسخَ النِّكاحُ، ولو تَزَوّجَ حَرْبِىٌّ حَرْبَيّةً، ثم دَخَلَ دارَ الإِسلامِ، وعَقَدَ الذِّمّةَ، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لِاخْتلافِ الدَّارينِ. ويَقْتَضِى مَذْهَبُه أَنَّ أحَدَ الزَّوْجينِ الذِّمِّيَّيْنِ إذا دَخَلَ دارَ الحرب، ناقِضًا للعَهْدِ، انْفَسخَ نِكاحُه؛ لأَنَّ الدارَ اخْتَلَفَتْ بهما فِعْلًا وحُكْمًا، فوَجَبَ أنَّ تقَعَ الفُرْقةُ بينهما، كما لو أسْلَمَتْ فى دارِ الإِسْلامِ قبلَ الدُّخولِ. ولَنا، أَنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَم بمَرِّ الظَّهْرانِ، وامرأتُه بمَكَّةَ لم تُسْلِمْ، وهى دارُ حَرْبٍ، وأُمُّ حَكِيمٍ أسْلَمتْ بمكةَ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمنِ، وامرأةُ صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ أسلمتْ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زوجُها، ثم أسْلَمُوا، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم مع اختلافِ الدِّينِ والدارِ بهم، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم ينْفَسِخْ (٣٧) باخْتِلافِ الدارِ كالبَيْعِ، ويُفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّ القاطِعَ للنِّكاحِ اخْتلافُ الدِّينِ، المانعُ من الإِقرارِ على النِّكاحِ، دُونَ ما ذكَرُوه. فعلى هذا، لو تزوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بدارِ الإسْلامِ حَرْبِيَّةً من أهلِ الكتابِ، صَحَّ نكاحُه، وعندهم لا يَصِحُّ. ولَنا عمومُ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣٨). ولأنَّها امرأةٌ يُباحُ نِكاحُها إذا كانت فى دارِ الإِسلامِ، فأُبِيحَ نِكاحُها فى دارِ الحَرْبِ، كالمُسْلِمةِ.

стр. 4975

١١٦٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فِى عَقْدٍ وَاحِدٍ (١)، أو فِى عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثُمَّ أصَابَهُنَّ، ثُمَّ أَسْلَم، ثُمَّ أسْلَمَتْ كُلُّ واحِدةٍ مِنْهُنَّ فِى عِدَّتِهَا، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وفَارَقَ مَا سِوَاهُنَّ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أمْسَك مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ (٢) أو آخِرَهُنَّ) وجملةُ ذلك أنَّ الكافرَ إذا أسْلَم، ومعه أكْثرُ من أرْبعِ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ فى عِدَّتِهِنَ، أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لم يَكُنْ له إمْساكُهُنَّ كُلِّهنَّ. بغير خلافٍ نَعْلَمُه. ولا يَمْلِكُ إمْساكَ أكثَر من أربعٍ. فإذا أحَبَّ ذلك، اختارَ أرْبعًا منهنَّ، وفارَقَ سائِرَهُنَّ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ (٣) فى عَقْدٍ أو فى عُقُودٍ، وسواءٌ اخْتارَ الأوَائِلَ أو الأَواخِرَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بن الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إن كان تزَوّجَهُنَّ فى عَقْدٍ، انْفَسخَ نِكاحُ جَمِيعِهِنَّ، وإن كان فى عُقُودٍ، فنكاحُ الأوائِلِ صحيحٌ، ونكاحُ ما زادَ على أرْبَعٍ باطلٌ؛ لأنَّ العَقْدَ إذا تناوَلَ أكثرَ من أرْبَعٍ، فتَحْرِيمُه من طَرِيقِ الجَمْعِ، فلا يكونُ فيه مُخَيَّرًا بعدَ الإِسلامِ، كما لو تزَوَّجَتِ المرأةُ زَوْجَيْنِ فى حالِ الكُفْرِ، ثم أسْلَمُوا. ولَنا، ما رَوَى قَيْسُ بن الحارثِ، قال: أسْلَمْتُ وَتَحْتِى ثَمانِ نِسْوَةٍ، فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فقلتُ له ذلك، فقال: "اخْتَرْ مِنْهنَّ أرْبعًا". روَاه أحمدُ، وأبو داودَ (٤). وروى محمدُ ابن سويدٍ الثَّقَفِىُّ، أَنَّ غَيْلانَ بن سَلَمةَ أسْلَمَ وتحته عَشْرُ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه رسولُ اللَّه ﷺ أن يتَخَيَّر منهنَّ أرْبعًا (٥). روَاه التِّرمِذِىُّ، ورَواه مالكٌ فى "مُوَطّإِهِ"،

стр. 4976

عن الزُّهْرِىِّ مُرْسلًا، وروَاه الشافعىُّ فى "مُسْنَدِه" عن ابن عُلَيَّةَ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمٍ، عن أبِيه، إلَّا أنَّه غيرُ مَحْفُوظٍ، غَلِطَ فيه مَعْمَرٌ، وخالَف فيه أصحابَ الزُّهْرِىِّ. كذلك قال الحُفّاظُ؛ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِىُّ، وغيرُهما. ولأنَّ كُلَّ عددٍ جازَ له ابْتداءُ العَقْدِ عليه، جاز له إمْساكُه بنِكاحٍ مُطْلَقٍ فى حالِ الشِّرْكِ، كما لو تَزَوَّجَهُنَّ (٦) بغيرِ شُهُودٍ. وأمَّا إذا تزَوَّجَتْ بزَوْجَيْنِ، فنِكاحُ الثانى باطِلٌ؛ لأنَّها مَلَّكَتْه مِلْكَ غيرِها. وإن جَمَعَتْ بينهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها لم تُمَلِّكْه جميعَ بُضْعِها (٧)، ولأنَّ ذلك ليس بشائعٍ عندَ أحدٍ من أهلِ الأدْيانِ، ولأنَّ المرأةَ ليس لها اخْتِيارُ النِّكاحِ وفَسْخُه، بخِلافِ الرَّجُلِ. فصل: ويجبُ عليه أن يختارَ أربعًا فما دُونَ، ويُفارِقَ سائِرَهُنَّ، أو يُفارقَ الجميعَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ غَيلانَ وقَيْسًا بالاختيارِ، وأمْرُه يقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّ المُسْلِمَ لا يجُوزُ إقْرارُه على نكاحِ أكثرَ من أربعٍ، فإن أَبى، أُجْبِرَ بالحَبْس والتَّعْزِيرِ إلى أن يَخْتارَ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ عليه، يُمْكِنُه إيفاؤُه (٨)، وهو مُمْتَنِعٌ منه، فأُجْبِرَ عليه، كإيفاءِ الدَّيْنِ. وليس للحاكمِ أن يخْتارَ عنه، كما يُطَلِّقُ على المُولِى إذا امْتَنَعَ من الطَّلَاقِ؛ لأنَّ الحَقَّ ههُنا لغيرِ مُعيَّنٍ، وإنَّما تَتَعَيّنُ الزَّوْجاتُ بِاخْتِيارِه وشَهْوَتِه، وذلك لا يَعْرِفُه الحاكمُ فينَوُبُ عنه فيه (٩)، بخلافِ المُولِى، فإنَّ الحَقَّ المُعَيَّنَ يُمْكِنُ الحاكمَ إيفاؤه، والنِّيابةُ عن المُسْتَحِقِّ فيه. فإن جُنَّ خُلِّىَ حتى يَعُودَ عَقْلُه، ثم يُجْبَرُ على الاخْتيارِ، وعليه نَفَقةُ الجميعِ إلى أن يَخْتارَ؛ لأنَّهنَّ مَحْبُوساتٌ عليه، ولأنَّهنَّ فى حُكْمِ الزَّوْجاتِ أيَّتهُنَّ اختارَ جازَ. فصل: ولو زَوَّجَ الكافرُ ابْنَه الصَّغيرَ أكثرَ من أرْبعٍ، ثم أسْلَمُوا جميعًا، لم يَكُنْ له

стр. 4977

الاختيارُ قبلَ بُلُوغِه، فإنَّه لا حُكْمَ لقَوْلِه، وليس لأِبيه الاخْتيارُ عنه؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالشَّهْوةِ، فلا يقومُ غيرُه مَقامَه فيه، فإذا بَلَغ الصبىُّ، كان له أن يَخْتارَ حِينَئذٍ، وعليه النَّفَقةُ إلى أن يَخْتارَ. فصل: فإن مات قبلَ أن يخْتارَ، لم يَقُمْ وارِثُه مَقامَه؛ لما ذكرْنا فى الحاكمِ، وعلى جَمِيعِهِنَ العِدَّةُ؛ لأنَّ الزَّوْجاتِ لم يَتَعَيَّنَّ منهنَّ، فمن كانت مِنْهُنَّ حامِلًا فعِدَّتُها بوَضْعِه، ومَنْ كانت آيِسَةً أو صغيرةً فعِدَّتُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ؛ لأنَّها أطْوَلُ العِدَّتَيْنِ فى حَقِّها، ومَن (١٠) كانت من ذواتِ القُرُوءِ، فعِدَّتُها أطْوَلُ الأجَلَيْنِ، من ثلاثةِ قُرُوءٍ أو أرْبعةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، لتَقْضِىَ العِدَّةِ بِيَقينٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ يَحْتَمِلُ أن تكونَ مُخْتارةً أو مُفارَقة، وعِدّةُ المُخْتارةِ عِدَّةُ الوَفاةِ، وعِدَّةُ المُفارقةِ ثلاثةُ قروءٍ، فأوْجَبْنا أطْوَلَهما، لِتَقْضِىَ (١١) العِدَّةَ بيَقِينٍ، كما قُلْنا فى مَن نَسِىَ صلاةً من يومٍ، لا يَعْلَمُ عَيْنَها: عليه خَمْسُ صَلَواتٍ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، فأمَّا المِيراثُ، فإن اصْطَلَحْنَ عليه، فهو جائزٌ كيفما اصْطَلَحْنَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهنَّ، لا يَخْرُجُ عنهنَّ، وإن أَبَيْنَ الصُّلْحَ، فقياسُ المَذْهَبِ أن يُقْرَعَ بينهنَّ، فتكونَ الأرْبَعُ منهنَّ بالقُرْعةِ. وعند الشافعىِّ، يُوقَفُ المِيراثُ حتى يَصْطَلِحْنَ. وأصلُ هذا يُذْكَرُ فى [موضع آخَرَ] (١٢)، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: وصِفَةُ الاخْتيارِ أن يقولَ: اخْتَرْتُ نِكاحَ هؤلاءِ، [أو اخْترتُ هؤلاء] (١٣)، أو أمْسَكْتُهُنَّ، أو اخْتَرْتُ حَبْسَهُنَّ، أو إمْساكَهُنَّ، أو نِكاحَهُنَّ، أو أمْسَكْتُ نِكاحَهُنَّ، أو ثَبَّتُّ نِكاحَهُنَّ، أو أثْبَتُّهُنَّ. وإن قال لما زاد على الأرْبَعِ (١٤):

стр. 4978

فَسَخْتُ نِكاحَهُن. كان اخْتِيارًا للأرْبعِ. وإن طَلَّقَ إحْداهُنَّ، كان اختيارًا لها؛ لأنَّ الطَّلَاقَ لا يكونُ إلَّا فى زَوْجةٍ. وإن قال: قد (١٥) فارَقْتُ هؤلاء، أو اخْتَرْتُ فِراقَ هؤلاء. فإن لم يَنْوِ به (١٦) الطَّلاقَ، كان اخْتِيارًا لغيرِهِنَّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ لِغَيْلانَ: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبعًا، وفَارِقْ سَائِرَهُنَّ". وهذا يقتضِى أن يكونَ لَفْظُ (١٧) الفِرَاقِ صَرِيحًا فيه، [كما كان لفظُ الطَّلاقِ صَرِيحًا فيه] (١٨)، وكذا فى حديثِ فَيْرُوز الدَّيْلَمِىِّ (١٩) قال: فعَمَدْتُ إلى أقْدَمِهِنَّ صُحْبةً، ففارَقْتُها. وهذا الموضعُ أخَصُّ [بهذا اللفظِ] (٢٠). فيَجِبُ أن يتَخَصَّصَ (٢١) فيه بالفَسْخِ. وإن نَوَى به الطَّلاقَ، كان اخْتيارًا لهنَّ دُونَ غيرِهِنَّ. وذكر القاضى فيه عند الإطْلاقِ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه يكونُ اختيارًا للمُفَارَقاتِ؛ لأنَّ لَفْظَ الفِرَاقِ صريحٌ فى الطَّلاقِ، والأوْلَى ما ذكرْناه. وإن وَطِىءَ إحْداهُنَّ، كان اختيارًا لها، فى قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا فى مِلْكٍ، فيَدُلُّ على الاخْتيارِ، كوَطْءِ الجاريةِ المَبِيعةِ بشَرْطِ الخِيارِ، ووَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ أيضًا اختيارًا (٢٢) لها. وإن آلَى من واحدةٍ منهنَّ، أو ظاهَرَ فها، لم يكُن اخْتِيارًا لها؛ لأنَّه يَصِحُّ فى غيرِ زَوْجةٍ، فى أحدِ الوَجْهينِ، وفى الآخَرِ، يكونُ اخْتِيارًا لها؛ لأنَّ حُكْمَه لا يَثْبُتُ فى غيرِ زَوْجةٍ.

стр. 4979

وإن قَذَفَها، لم يَكُنِ اخْتيارًا لها؛ لأنَّه يَقَعُ فى غيرِ زَوْجةٍ. فصل: وإذا اخْتارَ منهنَّ أرْبعًا، وفارَقَ البَواقِىَ، فعِدَّتُهُنَّ من حينَ اخْتارَ؛ لأنَّهُنَّ بِنَّ منه بالاخْتيارِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ عِدّتُهن من حِينَ أسْلَمَ؛ لأنَّهنَّ بِنَّ بإسْلامِه، وإنما يَتَبَيَّنُ ذلك باخْتِيارِه، فيَثْبُتُ (٢٣) حُكْمُه من حينِ الإِسْلامِ، كما إذا أَسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَيْنِ ولم يُسْلِمِ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها. وفُرْقتهُنَّ فَسْخٌ؛ لأنَّها تَثْبُتُ بإسْلامِه من غير لَفْظٍ فِيهنَّ (٢٤)، وعِدّتُهنَّ كعِدَّةِ المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّ عِدَّةَ مَن انْفَسَخَ نِكاحُها كذلك. وإن ماتَتْ إحْدَى المُخْتاراتِ، أو بانَتْ منه وانْقَضَتْ عِدّتُها، فله أن يَنْكِحَ من المُفارَقاتِ، وتكونُ عندَه على طَلاق ثلاثٍ؛ لأنَّه لم يُطَلِّقْها قبلَ ذلك. وإن اختارَ أقَلَّ من أرْبَعٍ، أو اختارَ تَرْكَ الجميعِ، أُمِرَ بطَلَاقِ أرْبَعٍ، أو تمامِ أرْبعٍ؛ لأنَّ الأَرْبَعَ الزَّوْجاتِ لا يَبِنَّ منه إلَّا بطَلَاقٍ، أو ما يقومُ مَقامَه، فإذا طَلَّقَ أرْبعًا منهنَّ، وَقَعَ طَلَاقُه بِهِنَّ، وانْفَسَخَ (٢٥) نِكاحُ الباقياتِ، لاخْتِيارِه لَهُنَّ، وتكونُ عِدَّةُ المُطلَّقاتِ من حينَ طَلَّقَ، وعِدَّةُ الباقياتِ على الوَجْهَيْنِ. وإن طَلّقَ الجميعَ، أُقْرِعَ بينهنَّ، فإذا وَقَعَتِ القُرْعةُ على أرْبعٍ منهنَّ، كُنَّ المُخْتاراتِ، ووَقَعَ طلاقُه بِهِنَّ، وانْفَسَخَ نِكاحُ البَوَاقِى. وإن كان الطَّلاقُ ثلاثًا، فمتى انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ، فله أن يَنْكِحَ من الباقياتِ؛ لأنَّهُنَّ لم يُطَلَّقْنَ منه، ولا تَحِلُّ له المُطلَّقاتُ إلَّا بعدَ زَوْجٍ وإصابةٍ. ولو أسْلَمَ، ثم طَلَّقَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ فى العِدَّةِ، أُمِرَ أن يختارَ أربعًا منهنَّ، فإذا اختارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَه وَقَعَ بهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ويَعْتَدِدْنَ (٢٦) من حينِ طَلَاقِه، وبانَ البَواقِى منه (٢٧) باخْتِيارِه لغيرِهِنَّ، ولا يَقَعُ بهنَّ طَلَاقُه، وله نِكاحُ أربَعٍ منهنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّةُ المُطلَّقاتِ؛ لأنَّ

стр. 4980

هؤلاء غيرُ مُطَلَّقاتٍ. والفَرْقُ بين هذه وبين التى قَبْلَها، أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قبلَ إسْلامِهِنَّ فى زَمَنٍ ليس له الاختيارُ فيه، فإذا أسْلَمْنَ تَجَدَّدَ له الاختيارُ حينَئذٍ، وفى التى قبْلَها طَلَّقَهُنَّ (٢٨) وله الاختيارُ، والطَّلاقُ يَصْلُحُ اخِتيارًا، وقد أوْقَعَه فى الجميعِ، وليس بعضُهنَّ (٢٩) أَوْلَى من بعضٍ، فَصِرْنا إلى القُرْعةِ (٣٠)، لِتَساوِى الحُقُوقِ. فصل: وإذا أسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وقُلْنا بتَعْجِيلِ (٣١) الفُرْقةِ باخْتِلافِ الدِّينِ، فلا كَلامَ. وإن قُلْنا: يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ. ولم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضتْ عِدَّتُهنَّ، تبيَّنَّا أنَّهُنَّ بِنَّ منذُ اخْتَلفَ الدِّينانِ، فإن كان قد طَلَّقَهُنَّ قبلَ انْقضاءِ عِدَّتِهِنَّ، تَبيَّنَّا أَنَّ طلاقَه لم (٣٢) يَقَعْ بهِنَّ، وله نكاحُ أربعٍ منهنَّ إذا أسْلَمْنَ، وإن كان وَطِئَهُنَّ تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئ غيرَ نِسائِه، وإن [آلَى منهُنَّ] (٣٣)، أو ظاهَرَ، أو قَذَفَ، تبَيَّنَّا أَنَّ ذلك كان فى غيرِ زَوْجِهِ (٣٤)، وحُكْمُه حكمُ ما لو خاطَبَ بذلك أجْنَبِيَّةً. فإن أسْلَم بعضُهنَّ فى العِدَّةِ، تَبَيَّنَّا أنها زَوْجَتُه (٣٥)، فوَقَعَ طَلاقُه (٣٦) بها، وكان وَطْؤُه لها وَطْأً لمُطلَّقتِه. وإن كانت المُطلَّقةُ غيرَها، فوَطْؤُه لها وَطْءٌ لِامْرأتِه. وكذلك إن كان وطؤُه لها قبل طَلَاقِها. وإن طَلَّقَ الجميعَ، فأسْلَمَ أرْبَعُ نِسْوةٍ (٣٧) منهنَّ، أو أقَلُّ فى (٣٨) عِدَّتِهِنَّ، ولم تُسْلِم البَواقِى، تَعَيَّنتِ (٣٩) الزَّوْجيَّةُ فى

стр. 4981

المُسْلماتِ، ووَقَعَ الطَّلاقُ بهِنَّ، فإذا أسْلَمَ البواقِى، فله أَنَّ يتزوَّجَ بهِنَّ؛ لأنَّه لم يَقَعْ طَلاقُه بهِنَّ. فصل: وإذا أسْلَمَ وتَحْتَه ثَمانِ نِسْوَةٍ، فأسْلَمَ أرْبَعٌ منهنَّ، فله اخْتيارُهنَّ، وله الوقوفُ إلى أَنَّ يُسْلِمَ البَواقِى. فإن مات اللَّاتِى أسْلَمْنَ، ثم أسلمَ الباقياتُ، فله اختيارُ المَيِّتَاتِ، وله اختيارُ الباقياتِ، وله اختيارُ بعض هؤلاءِ وبعض هؤلاءِ؛ لأنَّ الاختيارَ ليس بعَقْدٍ، وإنَّما هو تَصْحِيحٌ للعَقْدِ الأوَّلِ فيهنَّ، والاعتبارُ فى الاختيارِ بحالِ ثُبُوتِه، وحالَ ثُبُوته كُنَّ أحْياءَ. وإن اسْلمتْ واحدةٌ منهن، نجقال: اخْتَرْتُها. جاز، فإذا اختارَ أرْبعًا على هذا الوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكاحُ الْبواقِى. وإن قال للمُسْلِمةِ: اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الفَسْخَ إنَّما يكونُ فيما زادَ على الأرْبَعِ، [والاختيارُ للأرْبَعِ] (٤٠)، وهذه من جُمْلةِ الأرْبَعِ، إلَّا أن يُرِيدَ بالفَسْخِ الطَّلاقَ، فيَقَعُ؛ لأنَّه كِنايةٌ، ويكونُ طَلَاقُه لها اخْتيارًا لها. وإن قال: اخترتُ فلانة. قبلَ أَنَّ تُسْلِمَ، لم يَصِحُّ؛ لأنَّه ليس بوَقْتٍ للاخْتيارِ؛ لأنَّها جارِيةٌ إلى بَيْنُونةٍ، فلا يَصِحُّ إمْساكُها. وإن فَسَخَ نِكاحَها، لم يَنْفَسِخْ؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزْ الاخْتيارُ، لم يجزِ الفَسْخُ. وإن نَوَى بالفَسْخِ الطَّلاقَ، أو قال: أنْتِ طالقٌ. فهو مَوْقُوفٌ، فإن أسْلَمَتْ ولم يُسْلِمْ زِيادَةٌ على أرْبَعٍ، أو أسْلَم زِيادَةٌ فاختارَها، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ بها، وإلَّا فلا. فصل: وإن قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ اخْتَرْتُها. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الاختيارَ لا يصحُّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ فى غيرِ مُعَيَّنٍ (٤١). وإن قال: كلَّما أسْلَمتْ واحدةٌ اخترتُ فَسْخَ نِكاحِها. لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ الفَسْخَ لا يتعلق بالشَّرْطِ، ولا يَمْلِكُه فى واحدةٍ حتى يَزِيدَ عددُ المُسْلماتِ على الأرْبعِ، وإن أراد به الطَّلاقَ، فهو كما لو قال: كلَّما أسْلَمتْ واحدةٌ فهى طالِقٌ. وفى ذلك وَجْهان؛ أحدهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يصحُّ تعليقُه

стр. 4982

بالشَّرْطِ، ويتَضَمّنُ الاخْتِيارَ لها، فكلَّما أسلمتْ واحدةٌ كان اختِيارًا لها، وتَطْلُقُ بطَلاقِه. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يتضَمَّنُ الاخْتِيارَ، والاختيارُ لا يصحُّ تعْليقُه بالشَّرْطِ. فصل: وإذا أسْلَم، ثم أحْرَمَ بحجٍّ أو عُمْرةٍ، ثم أَسْلَمْنَ، فله الاختيارُ؛ لأنَّ الاخْتيارَ اسْتِدامةٌ للنِّكاحِ (٤٢)، وَتَعْيِينٌ [للمَنْكوحةِ، وليس بابْتِداءٍ] (٤٣) له. وقال القاضى: ليس له الاختيارُ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. ولَنا، أنَّه اسْتدامةُ نِكاحٍ، لا يُشْتَرطُ له رِضاءُ المرأةِ، ولا وَلِىٌّ، ولا شُهُودٌ، ولا يَتَجَدّدُ به مَهْرٌ، فجازَ له (٤٤) فى الإِحْرامِ، كالرَّجْعةِ. فصل: وإذا أسْلَمْنَ معه، ثم مِتْنَ قبلَ اخْتِيارِه، فله أن يخْتارَ منهنَّ أرْبَعًا، فيكونَ له مِيرَاثُهُنَّ، ولا يَرِثُ الباقياتِ؛ لأنَّهنَّ لَسْنَ (٤٥) بزَوْجاتٍ له. وإن مات بعضُهنَّ، فله الاختيارُ من الأَحْياءِ، وله الاخْتيارُ من الميِّتاتِ. وكذلك لو أسْلَم بعضُهنَّ فمِتْنَ، ثم أسْلَم الْبواقِى، فله الاخْتيارُ من الجميعِ، فإن اخْتارَ المَيِّتاتِ، فله مِيراثُهُنَّ؛ لأنَّهُنَّ مِتْنَ وهُنَّ نِساؤُه، وإن اختارَ غيرَهُنَّ، فلا مِيراثَ له منهنَّ؛ لأنَّهنَّ أجْنَبِيَّاتٌ. وإن لم يُسْلِم البواقِى، لَزِمَ النِّكاحُ فى الْمَيِّتاتِ، وله مِيراثُهُنَّ. فإن وَطِئَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ، فاختارَ أرْبعًا منهنَّ، فليس لهنَّ إلَّا المُسَمَّى؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ولسائِرِهنَّ المُسَمَّى بالعَقْدِ الأوَّلِ، ومَهْرُ المِثْلِ للوَطْءِ الثانى؛ لأنَّهُنَّ أجْنبِيَّاتٌ. وإن وَطِئَهُنَّ بعدَ أسْلامِهِنَّ، فالمَوْطوءاتُ أوَّلًا هُنَّ المُخْتاراتُ، والبواقِى أجْنبِيَّاتٌ، والحكمُ فى المَهْرِ على ما ذكَرْناه. ١١٦٨ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدةٌ) هذا قولُ الحسنِ، والأوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ

стр. 4983

فى هذه، كقولِه فى عَشْرِ نِسْوةٍ. ولَنا، ما رَوَى الضَّحَّاكُ بن فَيْرُوز، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى أسْلَمْتُ وَتَحْتِىَ أُخْتانِ. قال: "طَلِّقْ أَيِّتهُمَا شِئْتَ". روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما (١). ولأنَّ أنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، وإنَّما حُرِّمَ الجَمْعُ فى الإِسلامِ، وقد أزالَه، فصَحَّ، كما لو طَلَّقَ إحداهما قبلَ إسْلامِه، ثم أسْلَمَ والأُخْرَى فى حِبَالِه. وهكذا الحكمُ فى المرأةِ وعَمَّتِها أو خالَتِها؛ لأنَّ المعنى فى الجميعِ واحدٌ. فصل: ولو تزوَّجَ وَثَنِيَّةً، فأسْلَمتْ قبلَه، ثم تزوَّجَ فى شِرْكِه أُخْتَها، ثم أسْلَما فى عِدَّةِ الأُولَى، فله أَنَّ يخْتارَ منهما (٢)؛ لأنَّه أسْلَمَ وتحتَه أُخْتانِ مُسْلِمتانِ. وإن أسْلَم هو قبلَها، لم يَكُنْ له أَنَّ يتزوَّجَ أُخْتَها فى عِدَّتِها، ولا أرْبَعًا سِوَاها. فإن فَعَلَ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ الثانى. وإذا أسْلَمتِ الأُولَى فى عِدَّتِها، فنِكاحُها لازِمٌ؛ لأنَّها انْفَرَدَتْ به. فصل: وإن تزوَّجَ أُخْتَيْنِ، ودَخَلَ بهما، ثم أسْلَمَ وأسْلَمَتا معه، فاخْتارَ إحْداهُما، لم يَطَأْها حتى تَنْقَضِىَ عدةُ أخْتِها لئلَّا يكونَ واطِئًا لإِحْدَى الأُخْتَيْنِ فى عِدَّةِ الأُخْرَى. وكذلك إذا أسْلَم وتحتَه أكثرُ من أرْبعٍ، قد دَخَلَ بهِنَّ، فأسْلَمْنَ معه، وكُنّ ثَمانِيًا، فاختارَ أرْبَعًا منهنَّ، وفارَقَ أرْبعًا، لم يَطَأُ واحدةً من المُختاراتِ حتى تَنْقَضِىَ عِدَّةُ المُفارقاتِ، لئَلَّا يكونَ واطِئًا لأَكثرَ من أربعٍ. فإن كُنَّ خَمْسًا، ففارَقَ إحْداهُنَّ، فله وَطْءُ ثَلاثٍ من المُخْتاراتِ، ولا يَطَأُ الرَّابعةَ حتى تنْقَضِىَ عِدَّةُ المُفارَقةِ. وإن كُنَّ سِتًّا، ففارَقَ اثنتَيْنِ، فله وَطْءُ اثْنَتَيْنِ من المُخْتاراتِ. وإن كُنَّ سَبْعًا، ففارقَ ثلاثًا، فله وَطْءُ واحدةٍ من المُخْتاراتِ، [ولا يَطَأُ الباقياتِ حتى تنْقَضِىَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ، فكلَّما انْقَضتْ عِدَّةُ واحدةٍ من المُفارَقاتِ، فله وَطْءُ واحدةٍ من المُخْتاراتِ] (٣). هذا قياسُ المَذْهَبِ.

стр. 4984

فصل: وإذا تزوَّجَ أُخْتَيْنِ فى حالِ كُفْرِه، فأسْلَمَ وأسْلَمَتا معًا قبلَ الدُّخولِ، فاختارَ إحداهُما، فلا مَهْرَ للأُخْرَى؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أَنَّ الفُرْقةَ وقَعَتْ بإِسْلامِهِم جميعًا، فلا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا، كما لو فَسَخَ النِّكاحَ لِعَيْبٍ فى إحداهما، ولأنَّه نكاحٌ لا يُقَرُّ عليه فى الإِسْلامِ، فلا يجبُ به مَهْرٌ إذا لم يَدْخُلْ بها، كما لو تزوَّجَ المَجوسِىُّ أخْتَه، ثم أسْلَما قبلَ الدُّخولِ. وهكذا الحكمُ فيما زاد على الأرْبَعِ إذا أسْلَمُوا جميعًا قبلَ الدُّخولِ، فاختارَ أرْبعًا، وانْفَسخَ نِكاحُ البواقِى، فلا مَهْرَ لهنَّ؛ لما ذكَرْنا. واللَّهُ أعلمُ. ١١٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وبِنْتًا، فأَسْلَمَ وأَسْلَمَتا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُ الأُمِّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بالأُمِّ فَسَدَ نِكاحُهُمَا) الكلامُ فى هذه المسألة فى فصلين: أحدهما: إذا كان إسْلامُهم جميعًا قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأُمِّ، ويَثْبُتُ نكاحُ البِنْتِ. وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ، واخْتيار المُزَنِىِّ. وقال فى الآخَرِ: يخْتارُ أيَّتَهما شاء؛ لأنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ (١) إنما يَثْبُتُ له حكمُ الصِّحّةِ إذا انْضَمَّ إليه الاخْتيارُ، فإذا اخْتارَ الأُمَّ فكأنَّه لم يَعْقِدْ على البِنْتِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٢). وهذه أُمُّ زَوْجَتِه، فتَدْخُلُ فى عُمُومِ الآية، ولأنَّها أُمُّ زَوْجَتِه، فَتَحْرُمُ (٣) عليه، كما لو طَلّقَ ابْنَتَها فى حالِ شِرْكِه، ولأنَّه لو تزَوَّجَ البنتَ وَحْدَها، ثم طَلَّقَها، حَرُمَتْ عليه أُمُّها إذا أسْلَمَ، فإذا لم يُطَلِّقْها وتمَسَّكَ بنِكاحِها أَوْلَى. وقولُهم: إنَّما يَصِحُّ العَقْدُ بانْضِمامِ الاخْتيارِ إليه. غيرُ صحيحٍ، فإنَّ أنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، يَثْبُتُ (٤) لها أحكامُ الصِّحَّةِ. وكذلك لو انْفَرَدَتْ كان نِكاحُها صحيحًا لازِمًا من غير

стр. 4985

اختيارٍ، ولهذا فُوِّضَ إليه الاخْتيارُ ههُنا. ولا يصحُّ أَنَّ يختارَ مَنْ ليس نِكاحُها صَحِيحًا، وإنَّما اخْتُصّتِ الأُمُّ بفَسادِ نِكاحِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها على التَّأْبِيدِ، فلم يُمْكِنِ اخْتِيارُها، والبِنْتُ لا تَحْرُمُ قبلَ الدُّخولِ بأُمِّها، فتَعَيَّنَ النِّكاحُ فيها، بخِلافِ الأُخْتَيْنِ. الفصل الثانى: إذا دَخَلَ بهما، حَرُمَتا على التَّأبِيدِ، الأُمُّ لأنَّها أمُّ زَوْجَتِه، والبنتُ لأنَّها رَبِيبَتُه من زَوْجَتِه التى دَخَلَ بها. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجمعَ على هذا كلُّ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلمِ. وهذا قولُ الحسنِ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والثَّوْرىِّ، وأهلِ العِراقِ، والشافعىِّ، ومَنْ تَبِعَهُم. وإن دَخَلَ بالأُمِّ وَحْدَها، فكذلك؛ لأنَّ (٥) البِنْتَ تكونُ رَبِيبَتَه (٦) مَدْخُولًا بأُمِّها، والأُمُّ حَرُمَتْ بمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها. وإن دَخَلَ بالبِنْتِ وحدَها، ثَبَتَ نِكاحُها، وفَسَدَ نكاحُ أُمِّها، كما لو لم يَدْخُلْ بهما (٧). ولو لم تُسْلِمْ معه إلَّا إحْداهما، كان الحكمُ كما لو أسْلَمَتا معه معًا؛ فإن كانت المُسْلِمةُ هى الأُمَّ، فهى مُحَرَّمة عليه على كل حالٍ، وإن كانت البنتَ، ولم يكُنْ دَخَلَ بأُمَّها (٨)، ثَبَتَ نِكاحُها، وإن كان دَخَل بأُمَّها، فهى مُحَرَّمة على التَّأْبِيد. ولو أسْلَمَ وله جارِيتانِ، إحداهما أُمُّ الأُخْرَى، وقد وَطِئَهما جميعًا، حَرُمَتَا عليه على التَّأْبِيدِ، وإن كان قد وَطِئَ إحْداهما، حَرُمَتِ الأُخْرَى على التَّأْبِيد، [تَحْرُمِ المَوْطوءةُ، وإن كان لم يَطَأْ واحدةً منهما (٩)، فله وَطْءُ أيَّتَهما شاء، فإذا وَطِئَها، حَرُمَتْ الأُخْرَى على التَّأْبِيد] (١٠). واللَّه أعلم.

стр. 4986

١١٧٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ، وتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ، قَدْ دَخَلَ بِهِمَا، فَأَسْلَمَتَا فِى الْعِدَّةِ، فَهُمَا زَوْجَتَاهُ، ولَوْ كُنَّ أَكْثَرَ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ) وجملةُ ذلك أَنَّ حُكْمَ العبدِ فيما زاد على الاثْنتَيْنِ حكمُ الحُرِّ فيما زاد على الأَرْبعِ (١)، فإذا أسْلَمَ وتحته زَوْجتانِ، فأسْلَمَتا معه، أو فى عِدَّتِهما، لَزِمَ نِكاحُهما، حُرَّتَيْنِ كانَتَا أو أمَتَيْنِ، أو حُرَّةً وأمَةً؛ لأنَّ (٢) له الجَمْعَ بينهما فى ابْتِداء نكاحه، فكذلك فى اخْتِيارِه. وإن كُنَّ أكثرَ، اختارَ منهنَّ اثنتَيْنِ، أيَّتَهُنَّ شاء، على ما مَضَى فى الحُرِّ، فلو كان تحته حُرَّتانِ وأمَتَانِ، فله أَنَّ يخْتارَ الحُرَّتَيْنِ أو الأمَتَيْنِ، أو حُرَّةً وأمَةً، وليس للحُرَّةِ إذا أسْلَمَتْ معه الخيارُ فى فِراقِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بنِكاحِه وهو عَبْدٌ، ولم يتجَدَّدْ رِقُّه بالإِسْلامِ، ولا تَجَدّدَتْ حُرّيتُها بذلك، فلم يكُنْ لها اخْتيارٌ (٣)، كما لو تزَوّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيْبَه ثم أسْلَما. وذكر القاضى وجهًا، أنَّ لها الخيارَ؛ لأنَّ الرِّقَّ عَيْبٌ تجدَّدَتْ أحكامُه بالإِسلامِ، فكأنَّه عَيْبٌ حادِثٌ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّقَّ لم يَزلْ عَيْبًا ونَقْصًا عندَ العُقَلاءِ، ولم يتَجَدَّدْ نَقْصُه بالإِسْلامِ، فهو كسائرِ العُيُوبِ. فصل: وإن أسْلَم وتحتَه أرْبَعُ حَرَائِرَ، فأُعْتِقَ، ثم أسلَمْنَ فى عِدَّتِهِنَّ، أو أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقَ، ثم أسْلَم، لَزِمَه نِكاحُ الأرْبعِ؛ لأنَّه ممَّن يجُوزُ له الأَرْبَعُ فى وَقْتِ اجتماعِ إسْلامِهِم، فإنَّه حُرٌّ. فأمَّا إن أسْلَمُوا كلُّهم، ثم أُعْتِقَ قبلَ أَن يختارَ، لم يكُنْ له أَن يختارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لأنَّه كان عَبْدًا حين ثَبَتَ له الاخْتيارُ، وهو حالُ اجتماعِهِم على الإِسْلامِ، فتَغَيُّرُ حالِه بعدَ ذلك لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ، كمن أسْلَم وتحتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه (٤)، ثم

стр. 4987

أيْسَرَ. ولو أسْلَم معه (٥) اثْنَتانِ، ثم أُعْتِقَ، ثم أسْلَم الباقياتُ لم يَخْتَرْ (٦) إلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لأنَّه ثَبَتَ له الاخْتيارُ (٧) بإسْلامِ الأُولَيَيْنِ. فصل: وإن تزوَّجَ أرْبعًا، فأسْلَمْنَ، وأُعْتِقْنَ (٨) قبلَ إِسْلامِه، فلَهُنَّ فَسْخُ النِّكاحِ؛ لأنَّهُنَّ عَتَقْنَ تحت عَبْدٍ، وإنَّما مَلَكْنَ الفَسْخَ وإن كُنَّ جارباتٍ إلى بَيْنُونةٍ؛ لأنَّه قد يُسْلِمُ فيَقْطعُ جَرَيانَهُنَّ إلى البَيْنُونَةِ، فإذا فَسَخْنَ ولم يُسْلِمِ الزَّوْجُ، بِنَّ باخْتلافِ الدِّينِ من حينَ أسْلَمْنَ، [وتَبَيَّنَ أَنَّ الفَسْخَ لم يَصِحَّ] (٩). وإن أسْلَمَ فى العدَّةِ، بِنَّ لِفَسْخِ (١٠) النِّكاحِ، وعليهنَّ عِدَّةُ الحرائرِ فى المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّهُنَّ ههنا وَجَبَتْ عليهنَّ العِدَّةُ وهُنَّ حرائرُ، وفى التى قبلَها عَتَقْنَ فى أثناءِ العِدةِ التى يُمْكِنُ الزَّوْجُ تلافِىَ النِّكاحِ فيها، فأشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ. فإن أخرْنَ الفَسْخَ حتى أسْلَمَ الزَّوْجُ، لم يَسْقُطْ بذلك حَقُّهُنّ فى (١١) الفَسْخِ؛ لأنَّ تَرْكَهُنّ لِلفَسْخِ اعتمادٌ (١٢) على جَرَيانِهِنَّ [إلى البَيْنُونَةِ] (١٣)، فلم يتَضَمَّنِ الرَّضَى بالنِّكاحِ كالرَّجْعِيَّةِ إِذا أُعْتِقَتْ وأخَّرَتِ الفَسْخَ، ولو أسْلَم قبلَهُنَّ، ثم أُعْتِقْنَ، فاخْتَرْنَ الفَسْخَ، صَحَّ؛ لأنَّهُنَّ إماءٌ عَتَقْنَ تحت عَبْدٍ (١٤). وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا خِيارَ لهنَّ؛ لأنَّه لا حاجةَ بهِنَّ إلى الفَسْخِ، لِكَوْنِه يَحْصُلُ بإقامَتِهِنَّ على الشِّرْكِ، بخلافِ التى قبلَها. وليس بصحيحٍ؛ فإنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ، وقد يَبْدُو لهنَّ الإِسلامُ، وهو واجبٌ عليهنَّ. فإن قيل: فإذا أسْلَمْنَ اخْتَرْنَ

стр. 4988

الفَسْخَ. قُلْنا: يتَضَرَّرْنَ بِطولِ العِدَّةِ، فإنَّ ابْتداءَها من حينِ الفَسْخِ، ولذلك مَلَكْنَ الفسخَ فيما إذا أسْلَمْنَ وعَتَقْنَ قبلَه. فأمَّا إن اخْتَرْنَ المُقامَ، وقُلْنَ: قد رَضِينَا بالزَّوْجِ. فذكَر القاضى أنَّه يَسْقُطُ خِيارُهُنَّ؛ لأنَّها حالةٌ يَصِحُّ فيها اخْتيارُ الفَسْخِ، فصَحَّ فيها اخْتيارُ الإِقامةِ، كحالةِ اجْتماعِهِم (١٥) على الإِسلامِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَسْقُطُ خِيَارُهنَّ (١٦)؛ لأنَّ اخْتيارَهُنَّ للإقامةِ ضِدٌّ للحالةِ (١٧) التى هُنَّ عليها، وهى جَرَيانُهنَّ إلى البَيْنُونةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو ارْتَدَّتِ الرَّجْعِيَّةُ، فرَاجَعَها الزَّوْجُ حالَ رِدَّتِها. وهذا يَبْطُلُ بما إذا قال: إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ فأنْتِ طالِقٌ (١٨). ثم عَتَقَتْ، فاختارَتْ زَوْجَها. فصل: وإذا أسْلَم الحُرُّ وتحتَه إماءٌ، فأُعْتِقَتْ إحْداهُنَّ، ثم أسْلَمَتْ، ثم أسْلَمَ الْبَواقِى، لم يكُنْ له أَنَّ يخْتارَ من الإماءِ؛ لأنَّه مالِكٌ لعِصْمةِ حُرَّةٍ حين اجْتِماعِهما (١٩) على الإِسلامِ. وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ معه، ثم اعْتِقَتْ، ثم أسْلَم البَواقِى، فله أَن يخْتارَ من الإِماءِ؛ لأنَّ العِبْرةَ بحالِ (٢٠) الاخْتيارِ، وهى حالةُ اجْتِماعِهِم على الإِسلامِ، وحالةُ اجتماعِهِما على الإِسلامِ كانت أمَةً. فصل: ولو أسلَم وتحته أربعُ إماءٍ، وهو عادِمٌ لِلطَّوْلِ خائِفٌ للعَنَتِ، فأسْلَمْنَ معه، فله أَن يخْتارَ منهنَّ واحدةً، فإن كانت لا تُعِفُّه، فله أَن يختارَ منهنَّ (٢١) مَن تُعِفُّه، فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، والأُخْرَى لا يخْتارُ إلَّا واحدةً. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وَتَوْجِيهُهما قد (٢٢) مَضَى فى ابْتداءِ نكاحِ الإِماءِ. وإن عُدِمَ فيه الشَّرْطان، انْفَسخَ النِّكَاحُ فى

стр. 4989

الكُلِّ، ولم يكُنْ له خِيارٌ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: له أَنَّ يخْتارَ منهنَّ؛ لأنَّه اسْتِدامةٌ للعَقْدِ، لا ابتداءٌ له، بدليلِ أنَّه لا يُشْتَرطُ له شُروطُ العَقْدِ، فأشْبَهَ الرَّجْعَةَ (٢٣). ولَنا، أَنَّ هذه امرأةٌ لا يجوزُ ابْتداءُ العَقْدِ عليها حالَ الإِسْلامِ، فلم يَمْلِك اختيارَها (٢٤)، كالمُعْتَدَّةِ من غيرِه، وكذَواتِ مَحارِمه. وأمَّا الرَّجْعةُ فهى قَطْعُ جَرَيانِ النِّكاحِ إلى البَيْنُونةِ، وهذا إثباتُ النِّكاحِ فى امرأةٍ. وإن كان دَخَلَ بهِنَّ، ثم أسْلَم، ثم أسْلَمْنَّ فى عِدَّتِهِنَّ، فالحُكْمُ كذلك. وقال أبو بكرٍ: لا يجوزُ له ههُنا اخْتيارٌ، بل يَبِنَّ بمُجَرَّدِ إسْلامِه، لئلَّا يُفْضِىَ إلى اسْتدامةِ نِكاحِ مُسْلمٍ فى أُمَةٍ كافرةٍ. ولَنا، أَنَّ إسْلامَهُنَّ فى العِدَّةِ بمَنْزِلةِ إسلامِهِنَّ معه، ولهذا لو كُنَّ حرائرَ مَجُوسِيَّاتٍ أو وثَنِيَّاتٍ، فأسْلَمْنَ فى عِدَّتِهِنَّ، كان ذلك كإسْلامِهِنَّ معه، وإن لم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضَتْ عِدّتُهُنَّ (٢٥)، انْفَسخَ نِكاحُهُنَّ، سواءٌ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ أو غيرَ كتابياتٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ له (٢٦) اسْتِدامةُ النِّكاحِ فى أُمةٍ كتابيَّةٍ. فصل: ولو أسْلَم وهو واجِدٌ للطَّوْلِ، فلم يُسْلِمْنَ حتى أعْسَرَ، ثم أسْلَمْن، فله أَن يخْتارَ منهنَّ؛ لأنَّ شَرائِطَ النكاحِ تُعْتَبرُ فى وقتِ الاخْتِيارِ، وهو وقتُ اجْتماعِهم على الإِسلامِ، وهو حينئذٍ عادِمٌ للطَّوْلِ خائِفٌ لِلعَنَتِ، فكان له الاخْتيارُ. وإن أسلمَ وهو مُعْسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتى أيْسَرَ، لم يكنْ له الاخْتيارُ؛ لذلك. وإن أسلمتْ واحدةٌ منهنَّ وهو مُوسِرٌ، ثم أسْلَم البواقِى بعدَ إعْسارِه، لم يكنْ له أَن يختارَ منهنَّ شيئًا، لأنَّ وقتَ الاخْتيارِ دَخَلَ بإسْلامِ الأُولَى، ألا تَرَى أنَّه لو كان مُعْسِرًا، كان له اختيارُها، فإذا كان مُوسِرًا، بَطَلَ اختيارُه. وإن أسْلمتِ الأُولَى وهو مُعْسِر، فلم تُسْلِم البواقِى حتى أيْسَرَ، لَزِمَ نكاحُ الأُولَى، ولم يكُنْ له الاخْتيارُ من البواقِى؛ لأنَّ الأُولَى اجْتَمَعتْ معه فى حالٍ (٢٧)

стр. 4990

يجوزُ له ابتداءُ نِكاحِها، بخلافِ البواقِى. ولو أسْلَمَ وأسْلَمْنَ معه وهو مُعْسِرٌ، فلم يَخْتَرْ حتى أيْسَرَ، كان له أَنَّ يختارَ؛ لأنَّ حالَ ثُبُوتِ الاخْتيارِ كان له ذلك، فتَغَيُّرُ (٢٨) حالِهِ (٢٩) لا يُسْقِطُ ما ثَبَتَ له، كما لو تزوَّجَ أو اختارَ ثم أيْسرَ، لم يَحْرُمُ عليه اسْتِدامةُ النِّكاحِ. فصل: فإن أسلمَ وأسلمتْ معه واحدةٌ منهنَّ، وهو ممَّن يجوزُ له نكاحُ الإِمَاءِ، فله أَن يخْتارَ مَنْ أسْلَمتْ معه؛ لأنَّ له أَن يخْتارَها لو أسْلَمْنَ كُلُّهن، فكذلك إذا أسلمتْ وحدَها. وإن اخْتارَ (٣٠) انْتِظارَ البواقِى جازَ؛ لأنَّ له غرَضًا صحيحًا، وهو أَن يكونَ منهنَّ مَنْ هى آثَرُ (٣١) عندَه من هذه. فإن انْتَظَرَهُنَّ، فلم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضتْ عِدّتُهُنَ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكاحَ هذه كان لازِمًا، وبانَ البواقِى منذ اخْتَلَفَ الدِّينانِ. وإن أسْلَمْنَ فى العِدَّةِ، اختارَ منهنَّ واحدةً، وانفسخَ نكاحُ الباقياتِ (٣٢) حينَ الاخْتيارِ، وعِدَدُهُنَّ (٣٣) من حينِ الاخْتيارِ. وإن أسْلمَ بعضُهنَّ دون بعضِ، بَانَ اللَّائِى لم يُسْلِمْنَ منذ اخْتَلفَ الدِّينانِ، والبواقِى من حينِ اخْتيارِه (٣٤). وإن اختارَ التى أسْلَمتْ معه حينَ أسْلَمتْ، انْقَطَعَتْ (٣٥) عِصْمةُ البواقِى، وَثَبَتَ نِكاحُها. فإن أسلمَ البواقِى فى العِدَّةِ، تَبَيَّنَ أنَّهنَّ بِنَّ منه باخْتياره، وعِدَّتُهُنّ من حينئذٍ. وإن لم يُسْلِمْنَ، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ، وعِدّتُهُنَّ منه. وإن طَلَّقَ التى أسْلَمَتْ معه، طَلُقَتْ، وكان اخْتيارًا لها. وحكمُ ذلك حكمُ ما لو اختارَها صرِيحًا؛ لأنَّ إيقاعَ طَلَاقِه عليها يتضمَّنُ اخْتِيارَها. فأمَّا إن اخْتارَ فَسْخَ نِكاحِها، لم يكُنْ له؛ لأنَّ الباقياتِ لم يُسْلِمْنَ معه، فما زاد العدَدُ على ما لَه إمْساكُه فى هذه الحال، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُها (٣٦)، ثم نَنْظُرُ؛ فإن لم يُسْلِمِ البواقِى، لَزِمَه نِكاحُها،

стр. 4991

وإن أسْلَمْن فاخْتارَ منهنَّ واحدةً، انْفَسخَ نكاح البواقِى، والأُولَى مَعَهُنَّ. وإن اختارَ الأُولَى التى فَسَخَ نِكاحَها، صَحَّ اخْتيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه لنِكاحِها [لم يَصِحَّ] (٣٧). وفيه وجهٌ آخرُ ذكَره القاضى، أنَّه لا يَصِحُّ اخْتيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه لنِكاحِها (٣٨) إنَّما لم يَصِحَّ مع إقامةِ البواقِى على الكُفْرِ حتى تَنْقَضِىَ العِدَّةُ؛ لأنَّنا نتبيَّنُ أنَّ نِكاحَها كان لازِمًا، فإذا أسْلَمْنَ لَحِقَ إسلامُهُنَّ بتلكَ الحالِ، وصار كأنَّهُنَّ أسْلَمْنَ فى ذلك الوقتِ، فإذا فَسَخَ نِكاحَ إحْداهُنَّ، صَحَّ الفسخُ، ولم يكُنْ له [أَنَّ يَخْتارَها] (٣٩). وهذا يَبْطُلُ بما لو فَسَخَ نِكاحَ إحْداهُنّ قبلَ إسْلامِها، فإنَّه لا يَصِحُّ، ولا يُجْعَلُ إسْلامُهنَّ المَوْجُودُ فى الثانى كالمَوْجُودِ سابقًا، كذلك ههنا. فصل: فإن أسْلَمَ وتَحْتَه إماءٌ وحُرّةٌ، ففيه ثلاثُ مسائِل؛ إحْداهُنَّ، أسْلَمَ وأسْلَمْن معه كُلُّهنّ، فإنَّه يَلْزَمُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الإِماءِ؛ لأنَّه قادِرٌ على الحُرَّةِ، فلا يختارُ أمَةً. وقال أبو ثورٍ: له أَنَّ يخْتارَ. وقد مَضَى الكلامُ معه. الثانية، أسْلَمتِ الحُرَّةُ معه دُونَ الإِماءِ، فقد ثَبَتَ نِكاحُها، وانقطعتْ عِصْمَةُ الإِماءِ، فإن لم يُسْلِمْن حتى انْقَضتْ عِدّتُهنَّ، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ، وابْتِداءُ عِدَدِهِنَّ (٤٠) من حينَ أسْلَمَ. وإن أسْلَمْنَ فى عِدَدِهنّ، بِنَّ من حين إسْلامِ الحُرَّةِ، وعِدَدُهُنَّ من حينِ إسْلامِها. فإن ماتت الحُرّةُ بعدَ إسْلامِها، لم يتغَيَّر الحكمُ بمَوْتِها؛ لأنَّ مَوْتَها بعدَ ثُبُوتِ نِكاحِها وانْفِساخِ نِكاحِ الإِماءِ، لا يُؤثِّرُ فى إباحَتِهِنَّ. الثالثة، أسْلَمَ الإماءُ دون الحُرَّةِ وهو مُعْسِرٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أَن تَنْقَضِىَ عِدَّتُها قبلَ إسلامِها، فتَبِينُ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله أَن يخْتارَ من الإِماءِ؛ لأنَّه لم يَقْدِرْ على الحُرَّةِ، أو تُسْلِمَ فى عِدَّتِها، فيَثْبُتُ نِكاحُها، ويَبْطُلُ نِكاحُ الإِماءِ، كما لو أسْلَمْنَ دَفْعةً واحدةً، وليس له أَن يخْتارَ من الإِماءِ قبلَ إسْلامِها

стр. 4992

وانْقضاءِ (٤١) عِدَّتِها؛ لأنَّنا لا نعلمُ أنَّها لاتُسْلِمُ، فإن طَلَّقَ الحُرَّةَ ثلاثًا قبلَ إسلامِها، ثم لم تُسْلِمْ، لم يَقَعِ (٤٢) الطَّلَاقُ؛ لأنَّا تبَيَّنَّا أَنَّ النِّكاحَ انْفَسخَ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله الاختيارُ من الإِماءِ، وإن أسْلَمتْ فى عِدَّتها، بانَ أَنَّ نِكاحَها كان ثابِتًا، وأنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ فيه (٤٣)، والإِماءُ بِنَّ بثُبُوتِ نِكاحِها قبلَ الطَّلَاقِ. فصل: وإن أسلمَ وتحتَه إماءٌ وحُرَّةٌ، فأسْلَمْنَ، ثم عَتَقْنَ قبلَ إسْلامِها، لم يكُنْ له أَن يخْتارَ منهنَّ؛ لأنَّ نِكاحَ الأَمَةِ لا يجوزُ لقادِرٍ على حُرَّةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ حالُهنَّ حالَ ثُبُوتِ الاخْتيارِ، وهو حالةُ اجماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، ثم نَنْظُرُ؛ فإن لم تُسْلِم الحُرَّةُ، فله الاخْتيارُ منهنَّ، ولا يخْتارُ إلَّا واحدةٌ، اعتبارًا بحالةِ (٤٤) اجْماعِ إسلامِه وإسلامِهِنَّ، وإن أسْلَمتْ فى عِدَّتِها، ثَبَتَ نِكاحُها، وانْقَطعتْ عِصْمَتُهنَّ، فإن كان قد اختارَ واحدةً من المُعْتَقاتِ فى عِدَّةِ الحُرَّةِ، ثم لم تُسْلِمْ، فلا عِبْرةَ باخْتيارِه، وله أَن يخْتارَ غيرَها؛ لأنَّ الاخْتِيارَ لا يكونُ موقوفًا، فأمَّا إن عَتَقْنَ قبل أَن يُسْلِمْنَ، ثم أسْلَمْنَ واجْتَمَعْنَ (٤٥) معه على الإِسلامِ وهُنَّ حرائِرُ، فإن كان جميعُ الزَّوْجاتِ أرْبعًا فما دُونَ، ثَبَتَ نِكاحُهُنَّ، وإن كُنَّ زائداتٍ على أرْبعٍ، فله أَنَّ يخْتارَ منهنَّ أرْبعًا، وتَبْطُلُ عِصْمةُ الخامسةِ؛ لأنَّهُنَّ صِرْنَ حرائرَ فى حالةِ الاخْتيارِ، وهى حالةُ اجماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَ، فصار حُكْمُهنَّ حُكْمَ الحرائرِ الأصْلِيّاتِ، وكما لو أُعْتِقْنَ قبلَ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، ولو أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقْنَ، ثم أسْلَمَ، فكذلك، ويكون الحكمُ فى هذا كما لو أسْلَمَ وتحتَه خَمْسُ حَرَائِرَ [أو أكثرُ، على ما مَرَّ تَفْصِيلُه] (٤٦).

стр. 4993

فصل: ولو أسْلَمَ وتحتَه خَمْسُ حرائرَ، فأسْلَم معه منهنَّ اثْنَتان، احْتَمَلَ أَنَّ يُجْبَرَ على اخْتيارِ إحْداهما؛ لأنَّه لابُدَّ أَنَّ يَلْزَمَه نِكاحُ واحدةٍ منهما، فلا معنى لِانْتِظارِ الْبَواقِى فإذا اختارَ واحدةً، ولم يُسْلِم البواقِى، لَزِمَه نِكاحُ الثانيةِ. وكذلك إن لم يُسْلِمْ من البواقِى إلَّا اثْنَتان، لَزِمَه نِكاحُ الأرْبع. وإن أسْلَمَ الجميعُ فى العِدَّةِ، كُلِّفَ أَنَّ يخْتارَ ثلاثًا مع التى اختارَها أوَّلًا، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الباقيةِ. وعلى هذا لو أسلمَ معه ثلاثٌ، كُلِّفَ اخْتيارَ اثْنتَيْنِ. وإن أسلَم معه أرْبَعٌ، كُلِّف اخْتيارَ ثلاثٍ منهنَّ، إذ لا معنى لِانْتِظارِه الخامسةَ (٤٧). ونِكاحُ ثلاثٍ منهنَّ لازِمٌ له على كل حال. ويَحْتَمِلُ أَنَّ لا يُجْبَرَ على الاختيارِ؛ لأنَّه إنَّما يكونُ عند زيادةِ العَدَدِ على أرْبَعٍ، وما وُجدَ ذلك، وكذلك لو أسْلَمَتْ معه واحدةٌ من الإِماءِ، لم يُجْبَرْ على اخْتيارِها، كذا هَهُنا. والصحيحُ ههُنا أنَّه (٤٨) يُجْبَرُ على اخْتيارِها؛ لما ذكرْنا من المعنى. وأمَّا الأمَةُ، فقد يكونُ له غَرَضٌ فى اخْتيارِ غيرِها؛ بخلافِ مَسْألَتِنا. ١١٧١ - مسألة؛ قال: (وإِذَا تَزَوَّجَهَا، وهُمَا كِتَابِيَّانِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَهِىَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ كَانْتْ هِىَ المُسْلِمةَ قَبْلَهُ وقَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا) وجملةُ ذلك أنَّه إذا أسْلَم زَوْجُ الكِتابِيَّةِ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، أو أسْلَما معًا، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، سواءٌ كان زَوْجُها كِتابِيًّا أو غيرَ كتابِىٍّ؛ لأنَّ للمُسْلِمِ أَنَّ يَبْتَدِئَ نكاحَ كتابيَّةٍ، فاسْتِدَامتُه (١) أَوْلَى. ولا خِلافَ فى هذا بين القائلينَ بإجَازةِ نكاحِ الكتابيَّةِ. فأمَّا إن أسْلَمتِ الكتابيَّةُ (٢) قبلَه وقبلَ الدُّخولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقةُ، سواءٌ كان زَوْجُها كتابِيًّا أو غيرَ كتابىٍّ؛ إذ لا يجوزُ لكافِرٍ نِكاحُ مُسْلِمةٍ. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحْفَظُ (٣) عنه من أهْلِ العِلْمِ. وإن كان إسلامُها بعدَ الدخولِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما لو أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَيْنِ الوَثَنِيَّيْنِ (٢)، على ما تقدَّم. وإذا كانت هى

стр. 4994

المُسْلِمةَ قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ منها. وقد مضَى الكلامُ فى هذا أيضًا بما فيه كِفايةٌ. فصل: وإذا تزَّوج الْمَجُوسِىُّ كِتابِيَّةً، ثم تَرَافَعا إلينا قبلَ الإِسلامِ، فَرَّقَ بينهما. قال أحمدُ، فى مَجُوسىٍّ تزوَّجَ كتابِيَّةً: يُحالُ بينَه وبينها. قيل: مَنْ يَحُولُ بينَه وبينَ ذلك؟ قال: الإِمامُ. ويَحْتَمِلُ هذا الكلامُ أَنَّ يُحالَ بينهما وإن لم يَتَرافَعا إلينا؛ لأنَّها أعْلَى دِينًا منه، فيُمْنَعُ نِكاحَها كما يُمْنَعُ (٤) الذِّمِّىُّ نِكاحَ المُسْلِمةِ. وإن تزَّوجَ الذِّمِّىُّ وَثَنِيَّةً أو مَجُوسيَّةً، ثم ترافَعُوا إلينا، ففيه وجهان؛ أحدهما، يُقَرُّ على نِكاحِها؛ لأنَّها ليست أعْلَى دِينًا منه، فيُقَرُّ على نِكاحِها، كما يُقَرُّ المسلمُ على نِكاحِ الكتابيَّةِ. والثانى، لا يُقَرُّ على نِكاحِها؛ لأنَّها ممَّن لا يُقَرُّ المُسْلِمُ على نكاحِها، فلا يُقَرُّ الذِّمِّىُّ على نكاحِها، كالمُرْتَدَّةِ. ١١٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا سمَّى لَهَا، وَهُمَا كَافِرَانِ، فقَبَضَتْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، [وإِنْ كَانَ حَرَامًا] (١). ولَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ ذلِكَ) وجملتُه أَنَّ الكُفّارَ إذا أسْلَمُوا، وَتَحاكَمُوا إلينا بعدَ العَقْدِ والقَبْض، لم نتَعرَّضْ لما (٢) فَعَلُوه، وما قَبَضَتْ من المَهْرِ فقد نَفَذَ، وليس لها غيرُه، حلالًا كان أو حرامًا، بدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٣). فأمَرَ بتَرْكِ ما بَقِىَ دونَ ما قُبضَ. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). ولأنَّ التَّعَرُّضَ للمَقْبُوض بإبْطالِه يَشُقُّ، لتَطاوُلِ الزَّمانِ، وكَثْرةِ

стр. 4995

تَصَرُّفاتِهِم فى الحَرامِ، ففيه تَنْفِيرُهُم عن الإِسْلامِ، فعُفِى عنه، كما عُفِىَ عمَّا تَرَكُوه من الفَرَائض والواجباتِ، ولأنَّهما تَقابَضا بحُكْمِ الشِّرْكِ، فبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ هو عليه منه، كما لو تَبايعا بَيْعًا فاسِدًا وَتَقابَضا. وإن لم يتَقابضَا، فإن كان المُسَمَّى حلالًا، وَجَبَ ما سَمَّياه؛ لأنَّه مُسَمًّى، صحيحٌ فى نِكاحٍ صحيحٍ، فوَجَبَ، كتَسْمِيَةِ المُسْلمِ، وإن كان حَرامًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بَطَلَ، ولم يُحْكَمْ به؛ لأنَّ ما سَمَّياه لا يجوزُ إيجابُه فى الحُكْمِ، ولا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمُسلمةٍ، ولا فى نِكاحِ مُسْلمٍ، ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ إن كان بعدَ الدُّخولِ، ونِصْفُه إن وقَعتِ الفُرْقةُ قبلَ الدُّخولِ. وهذا معنى قولِه: حيثُ أوْجَبَ ذلك. وبهذا قال الشافعىُّ وأبو يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان أصْدَقَها (٥) خَمْرًا أو خِنْزِيرًا مُعَيَّنَيْنِ، فليس لها إلَّا ذلك، وإن كانَا غيرَ مُعَيَّنَيْنِ، فلها فى الخَمْرِ القيمةُ، وفى الخِنْزيرِ مَهْرُ المِثْلِ، اسْتِحْسانًا. ولَنا، أَنَّ الخمرَ لا قيمةَ لها فى الإِسلامِ، فكان الواجبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقها خِنْزِيرًا، ولأنَّه مُحَرَّم، فأشْبَهَ ما ذكرَنا. فصل: وإن قَبَضَتْ بعضَ الحرامِ دُونَ بعضِ، سَقَطَ من المَهْرِ بقَدْرِ ما قُبِضٍ، ووَجَبَ بحِصَّةِ ما بَقِىَ من مَهْرِ المِثْلِ، فإن كان الصَّداقُ عَشرةَ زِقَاقِ خَمْرٍ مُتَساوِيةً، فقَبَضَتْ (٦) خَمْسًا منها، سَقَطَ نِصْفُ المَهْرِ، ووَجَبَ لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، وإن كانت مختلفةً، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيْلِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه إذا وَجَبَ اعْتِبارُه، اعْتُبِرَ بالكَيْلِ فيما له مِثْلٌ يتأَتَّى الكيلُ فيه. والثانى، يُقَسَّمُ على عَدَدِها؛ لأنَّه لا قِيمةَ لها، فاسْتَوَى صغيرُها كبيرُها. وإن أصْدَقَها عشرةَ خنازِيرَ، ففيه الوَجْهان؛ أحدهما، يُقَسَّمُ على عددِها، لما ذكرنا، والثانى، يُعْتَبرُ قِيمَتُها كأنَّها (٧) ممَّا يجوزُ بَيْعُه، كما تُقَوَّمُ شِجَاجُ الحُرِّ كأنَّه عَبْدٌ. وإن أصْدَقها كَلْبًا وخِنْزِيرَيْن (٨) وثلاثةَ زِقاقِ خَمْرٍ، ففيه ثلاثةُ

стр. 4996

أوْجُهٍ؛ أحدها، يُقَسَّمُ على قَدْرِ قِيمَتِها عندَهم. والثانى، يُقَسَّمُ على عَدَدِ الأجْناسِ، فيُجْعَلُ لكلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ المَهْرِ. والثالث، يُقْسَّمُ على العددِ كُلِّه، فلِكُلِّ واحدٍ سُدسُ المَهْرِ، فلِلكَلْبِ سُدسُه، ولكلِّ واحدٍ من الخِنْزِيرَيْنِ والزِّقاقِ سدسُه. ومذهبُ الشافعىِّ فيه على نحوٍ من هذا. فصل: فإن نَكَحَها نِكاحًا فاسدًا، وهو ما لا يُقَرُّونَ عليه إذا أسْلَمُوا، كنِكاحِ ذَواتِ الرَّحِمِ (٩) المَحْرَمِ، فأسْلَما قبلَ الدُّخولِ، أو ترافَعُوا إلينا، فُرِّقَ بينهما، ولا مَهْرَ لها. قال أحمدُ، فى الْمَجُوسِيَّةِ تكونُ تحتَ أخِيها أو أبِيها، فيُطَلِّقُها أو يموتُ عنها، فتَرْتَفِعُ (١٠) إلى المسلمينَ بطَلَبِ مَهْرِها: لا مَهْرَ لها. وذلك لأنَّه نكاحٌ باطلٌ من أصْلِه، لا يُقَرُّ عليه فى الإِسلامِ، وحَدَثَ (١١) فيه الفُرْقةُ قبلَ الدُّخولِ. فأمَّا إن دَخَلَ بها، فهل يجبُ لها (١٢) مَهْرُ المِثْلِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايتَيْن فى المسلمِ إذا وَطِئَ امرأةً من مَحارِمِه بشُبْهةٍ. فصل: إذا تزوَّجَ ذِمِّىٌّ ذِمِّيَّةً، على أنْ لا صَداقَ لها، أو سَكَتَ عن ذكرِه، فلها المطالبةُ بفَرْضِه، إن كان قبلَ الدُّخولِ، وإن كان بعدَه، فلها مهرُ المِثْلِ، كما فى نِكاحِ المسلمينَ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن تزوَّجَها على أن لا مَهْرَ لها، فلا شىءَ لها، وإن سَكَتَ عن ذِكْرِه، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا مَهْرَ لها. والأُخْرَى: لها مَهْرُ (١٣) المِثْلِ. واحْتَجَّ بأنَّ المهرَ يجبُ لحَق اللَّه تعالى وحَقِّها، وقد أسْقَطَتْ حَقَّها، والذِّمِّىُّ لا يُطالَبُ بحَقِّ اللَّهِ تعالى. ولَنا، أَنَّ هذا نكاحٌ خَلَا عن تَسْمِيَةٍ، فيجبُ للمرأةِ فيه مَهْرُ المِثْلِ كالمُسْلمةِ، وإنَّما وَجَبَ المهرُ فى حَقِّ المُفَوِّضةِ لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ والمُباحةِ، وهذا يُوجَدُ فى حَقِّ الذِّمىِّ.

стр. 4997

فصل: إذا ارْتَفَعُوا إلى الحاكمِ فى ابتداءِ العَقْدِ، لم يُزَوِّجْهُم إلَّا بشُرُوطِ نكاحِ المسلمينَ؛ لقولِ اللَّه : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١٤). وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١٥). ولأنَّه لا حاجةَ إلى عَقْدِه، بخِلافِ ذلك. وإن أسْلَمُوا، أو ترافَعُوا (١٦) إلينا بعدَ العَقْدِ، لم نَتَعَرَّضْ لكَيْفِيَّةِ عَقْدِهم، ونَظَرْنا فى الحالِ؛ فإن كانت المرأةُ ممَّن يجوزُ عَقْدُ النِّكاحِ عليها ابتداءً، أقَرَّهُما، وإن كانت ممَّن لا يجوزُ ابتداءُ نِكاحِها، كذواتِ مَحْرَمِهِ، فُرِّقَ بينهما. فإنَّ تزوَّجَ مُعْتَدَّةً وأسْلَما، أو ترافَعا فى عِدَّتِها، فُرِّقَ بينهما؛ لأنَّه لا يجوزُ ابتداءُ نِكاحِها، وإن كان بعدَ انْقضائِها، أُقِرَّ لجَوازِ ابْتداءِ نِكاحِها. وإن كان بينهما نِكاحُ مُتْعةٍ، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه إن كان بعدَ المُدَّةِ، فلم يَبْقَ بينهما نِكاحٌ، وإن كان فى المُدَّةِ، فهما لا يَعْتَقِدانِ تَأْبِيدَه، والنِّكاحُ عَقْدٌ مُؤَبّدٌ، إلَّا أن يكونا ممَّن يَعْتَقِدُ إفْسادَ الشَّرْطِ وصِحَّة النِّكاحِ مُؤَبَّدًا، فيُقَرَّانِ عليه. وإن كان بينهما نِكاحٌ شُرِطَ (١٧) فيه الخِيارُ متى شاءَا أو شاءَ أحَدُهما، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّهما لا يَعْتَقِدان لُزُومَه، إلَّا أن يَعْتَقِدَا فَسادَ الشَّرْطِ وَحْدَه. وإن كان خِيارَ مُدَّةٍ، فأسْلَما فيها، لم يُقَرَّا، لذلك. وإن كان بعدَها أُقِرَّا؛ لأنَّهما يعْتَقِدانِ لُزُومَه. وكلُّ ما اعْتَقَدُوه، فهو نكاحٌ يُقَرُّونَ عليه، ومالا فلا، فلو مَهَرَ حَرْبىٌّ حَرْبِيَّةً، فوَطِئَها، أو طاوَعَتْه، ثمَّ أسْلَما، فإنَّ كان ذلك فى اعْتقادِهم نِكاحًا، أُقِرَّا عليه؛ لأنَّه نِكاحٌ لهم فى مَن يجوزُ اشداءُ نِكاحِها، فأُقِرَّا عليه، كالنِّكاحِ بلا وَلِىٍّ، وإن لم يَعْتَقِدَاهُ نِكاحًا، لم يُقَرَّا عليه. فصل: وأنْكِحَةُ الكُفَّارِ تتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحيحِ، من وُقُوعِ الطَّلَاقِ، والظِّهارِ، والإِيلَاءِ، ووُجُوبِ المَهْرِ، والقَسْمِ، والإِباحةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ،

стр. 4998

والإِحْصانِ، وغير ذلك. وممَّن أجازَ طَلَاقَ الكُفّارِ، عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولم يُجَوِّزْهُ الحسنُ، وقَتَادةُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ. ولَنا، أنَّه طلاقٌ من بالغٍ عاقلٍ فى نكاحٍ صحيحٍ، فوَقَعَ، كطَلَاقِ المسلمِ. فإن قيلَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهم. قُلْنا: دليلُ ذلك أَنَّ اللَّه تعالى أضافَ النِّساءَ إليهم، فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١٨). وقال: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ (١٩). وحَقِيقةُ الإِضافةِ تَقْتَضِى زَوْجِيَّةً صحيحةً. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ" (٢٠). وإذا ثَبَتَ صِحَّتُها، ثَبَتَتْ أحكامُها، كأنْكِحةِ المُسْلِمينَ. فعلى هذا، إذا طَلَّقَ الكافرُ ثلاثًا، ثمَّ تزَوَّجَها قبلَ زَوْجٍ، وأصَابَها (٢١)، ثمَّ أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه. وإن طَلَّقَ امْرأَتَه أقَلَّ من ثَلاثٍ، ثمَّ أسْلَما، فهى عندَه على ما بَقِىَ من طَلاقِها. رإن نَكَحَها كِتَابِىٌّ وأصابَها، حَلَّتْ لمُطَلِّقِها ثَلاثًا، سواءٌ كان المُطَلِّقُ مُسْلِمًا أو كافِرًا. وإن ظاهَرَ الذِّمِّىُّ من امْرأتِه، ثمَّ أسْلَما، فعليه كَفَّارةُ الظِّهارِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢٢). وإن آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الإيلاءِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢٣). فصل: ويَحْرُمُ عليهم فى النِّكاحِ ما يَحْرُمُ على المسلمينَ، [على ما] (٢٤) ذكَرْنا فى البابِ قبلَه، إلَّا أنَّهم يُقَرُّونَ على الأنْكِحةِ المُحَرَّمةِ بشَرْطين؛ أحدهما، أن لا يترافَعُوا إلينا. والثانى، أن يَعْتَقِدُوا إباحةَ ذلك فى دِينِهم؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ

стр. 4999

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ (٢٥). فيدُلُّ (٢٦) هذا على أنَّهم يُخَلُّوْنَ وأحْكامَهم إذا لم يَجِيئُوا إلينا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخذ الجِزْيةَ من مَجُوسِ هَجَرَ (٢٧)، ولم يَعْتَرِضْ (٢٨) عليهم فى أحكامِهِم ولا فى أَنْكِحَتِهِم، مع عِلْمِه أَنَّهم يَسْتَبِيحُون نكاحَ مَحارِمِهِم. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى مَجُوسِىٍّ (٢٩) تزوجَ نَصْرَانِيَّةً (٣٠)، قال: يُحالُ بينَه وبينَها. قيل: مَنْ يَحُولُ بينهما؟ قال: الإِمَامُ. قال أبو بكر؛ لأنَّ عَلَيْنا ضَرَرًا فى ذلك. يعنى بتَحْرِيمِ أولادِ النَّصْرانيَّةِ علينا. وهكذا يجىءُ على قولِه فى تَزْويِجِ النَّصْرانِىِّ الْمَجُوسِيَّةَ، ويجىءُ على هذا القولِ أن يُحالَ بينهم وبين نكاحِ مَحارِمِهِم، فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كتَب، أن فَرِّقُوا بينَ كلِّ ذِى (٣١) مَحْرَمٍ من المَجُوسِ (٣٢). وقال أحمدُ، فى مَجُوسِىٍّ مَلَكَ أمةً نَصْرَانِيَّةً: يُحالُ بينه وبينها، ويُجْبَرُ على بَيْعِها؛ لأنَّ النَّصارَى لهم دِينٌ. فإنَّ مَلَكَ نَصْرانِىٌّ مَجُوسِيَّةً، فلا بأسَ أن يَطَأَها. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: لا يجوزُ له وَطْؤُها أيضًا؛ لما ذكرْناه من الضَّرَرِ. ١١٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ تزَوَّجَهَا، وَهُمَا مُسْلِمانِ، فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا. وإِنْ كَانَ هُوَ المُرْتَدَّ قَبْلَهَا وقَبْلَ الدُّخولِ، فَكَذلِك، إلَّا أَنَّ عَلَيْه نِصْفَ الْمَهْرِ)

стр. 5000

وجملةُ ذلك أنَّه إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَيْنِ قبلَ الدُّخولِ، انْفَسخَ النِّكاحُ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا ينْفَسِخُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ النِّكاحِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١). ولأنَّه اخْتلافُ دِينٍ يمنعُ الإصابةَ، فأوْجَبَ فَسْخَ النِّكاحِ، كما لو أسْلَمَتْ تحتَ كافرٍ. ثمَّ ينظَرُ؛ فإن كانت المرأةُ هى المُرْتَدّةَ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ من قِبَلِها، وإن كان الرجلُ هو المُرْتَدَّ، فعليه نِصْفُ المَهْرِ؛ لأنَّ الفَسْخَ من جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَ، وإن كانت التَّسْمِيةُ فاسدةً، فعليه نِصْفُ [مَهْرِ المِثْلِ] (٢). ١١٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا بَعْد الدُّخولِ، فَلا نَفَقَةَ لَهَا. وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَت عِدَّتهَا، انْفَسَخ نِكَاحُهَا، وَلَو كَانَ هُوَ المُرْتَدَّ [بَعْد الدُّخولِ] (١)، فَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَت عِدَّتُهَا، انْفَسَخ النِّكَاحُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ) اخْتلَفتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، فيما إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجيْنِ بعدَ الدُّخولِ، حسب اخْتِلافِها فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجيْنِ الكافِرَيْنِ، ففى إحْداهما تُتَعَجَّلُ الفُرْقةُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ. ورُوِى ذلك عن الحسنِ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، والثَّوْرِىِّ، وزُفَرَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ فَسْخَ النِّكاحِ اسْتَوَى فيه ما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، كالرَّضَاعِ. والثانية، يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدّةِ، فإن أسْلَمَ المُرْتَدُّ قبلَ انْقِضائِها، فهما على النِّكاحِ، وإن لم يُسْلِمْ حتَّى انْقَضتْ، بانَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينان. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لَفْظٌ تَقَعُ به الفُرْقةُ، فإذا وُجِدَ بعدَ الدخولِ، جاز أن يَقِفَ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، كالطَّلاقِ الرَّجْعِىِّ، أو اخْتلافِ دِينٍ بعدَ الإِصابةِ، فلا يُوجِبُ فَسْخَه فى الحال، كإِسْلامِ الحَرْبِيَّةِ تحتَ الحَرْبى، وقياسُه على إِسْلامِ أَحَدِ الزَّوْجينِ أقْرَبُ من

стр. 5001

قِياسِه على الرَّضَاعِ. فأمَّا النَّفَقةُ، فإنَّ قُلْنا بتَعْجِيل (٢) الفُرْقةِ، فلا نفَقَةَ لها؛ لأنَّها بائِنٌ منه. وإن قُلْنا: يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ. وكانت المرأةُ المُرْتَدّةَ، فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّهُ لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَجْعَتِها، وتَلافِى نِكاحِها، فلم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ، كما بعدَ العِدَّةِ. وإن كان هو المُرْتَدَّ، فعليه النَّفقةُ للعِدَّةِ؛ لأنَّه بسَبِيلٍ من الاسْتِمتاعِ بها بأن يُسْلِمَ، ويُمْكِنُه تَلافِى نِكاحها، فكانت النَّفقةُ واجبةً عليه، كزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ. فصل: فإن ارْتَدَّ الزَّوْجانِ معا، فحُكْمُهما حكمُ ما لو ارتدَّ أحدُهما؛ إن كان قبلَ الدخولِ تُعُجِّلَتِ الفُرْقةُ، وإن كان بعدَه، فهل تُتَعَجَّلُ، أو يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدّةِ؟ على رِوَايتيْن. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. قال أحمدُ، فى رواية ابن منصورٍ: إذا ارْتَدَّا معا، أو أحَدُهما، ثمَّ تابَا، أو تابَ، فهو أحَقُّ بها، ما لم تَنْقَض العِدَّةُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النِّكاح اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لم لم يَخْتَلِفْ بهما الدِّينُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَا. ولَنا، أنَّها رِدَّة طارئةٌ على النِّكاحِ، فوَجَبَ (٣) أن يتَعَلّقَ بها فَسْخُه، كما لو ارْتَدَّ أحَدُهما، ولأنَّ كلَّ ما زال عنه مِلْكُ المُرْتَدِّ إذا ارْتَدَّ وحدَه، زال إذا ارْتَدَّ غيره معه، كمالِه، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا انتقَلَ المُسْلِمُ واليهوديَّةُ إلى دِينِ النَّصْرانيَّةِ، فإنَّ نِكاحَهُما ينْفَسِخُ، وقد انْتَقلَا إلى دِينٍ واحدٍ. وأمَّا إذا أسْلَما، فقد انْتقلَا إلى دِينِ الحَقِّ، ويُقَرَّانِ عليه، بخِلافِ الرِّدَّةِ. فصل: وإذا ارتدَّ أحدُ الزَّوْجيْنِ، أو ارْتَدَّا معا، مُنِعَ وَطْأَها، فإن وَطِئَها فى عِدَّتِها، وقُلْنا: إنَّ الفُرْقةَ تُعُجِّلَتْ. فلها عليه مَهْرُ مِثْلِها لهذا الوَطْءِ، مع الذى ثَبَتَ (٤) عليه بالنِّكاحِ؛ لأنَّه وَطِئَ أجْنَبِيَّةً، فيكونُ عليه مَهْر مِثْلِها. وإن قُلْنا: إنَّ الفُرْقةَ موقوفةٌ على انْقضاءِ العِدَّةِ. فأسْلَمَ (٥) المُرْتدُّ منهما، أو أسْلَما جميعًا فى عِدَّتِها، وكانت الرِّدَّةُ منهما،

стр. 5002

فلا مَهْرَ لها عليه بهذا (٦) الوَطْءِ؛ لأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكاحَ لم يَزُلْ، وأنَّه وَطِئَها وهى زَوْجَتُه. وإن ثَبَتَا، أو ثَبَتَ المُرْتَدُّ منهما على الرِّدَّةِ، حتَّى انْقَضتْ عِدَّتُها، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ لهذا الوَطْءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ فى غيرِ نكاحٍ بشُبْهةِ (٧) النِّكاحِ، لأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الفُرْقةَ وَقَعَتْ (٨) منذُ اخْتلفَ الدِّينان. وهكذا (٩) الحكمُ فيما إذا أسلَمَ أحدُ الزَّوْجَيْنِ بعدَ الدُّخولِ، فوَطِئَها فى العِدَّةِ قبلَ إسْلامِ الآخَرِ، فالحكمُ فيه مثلُ الحُكْمِ ههُنا؛ لما ذكرنا من التَّعلِيلِ فيه. فصل: وإذا أَسْلَم أحدُ الزَّوجَيْنِ، ثمَّ ارتدَّ، نَظَرْتَ؛ فإن لم يُسْلِم الآخَرُ فى العِدَّةِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُقُوعَ الفُرْقةِ كان منذُ اخْتلفَ الدِّينان، وعِدَّتُها من حينَ أسْلَمَ المسلمُ منهما، وإِنْ أسْلَمَ الآخَرُ منهما فى العِدَّةِ قبلَ ارْتدادِ الأَوَّلِ، اعْتُبِرَ ابْتداءُ العِدَّةِ من حينَ ارْتَدَّ؛ لأنَّ حكمَ اخْتِلافِ الدِّينِ بإسلامِ الأوَّلِ زالَ بإِسْلامِ الثانى فى العِدَّةِ. ولو أسْلَمَ وتحتَه أَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوْةٍ، فأسْلَمْنَ معه، ثمَّ ارْتَدَّ، لم يكن له (١٠) أن يختارَ منهنَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ العَقْدَ علِيهنَّ فى هذه الحالِ. وكذلك لو ارْتَدَدْنَ دُونَه أو معه، لم يكُنْ له أن يختارَ منهنَّ؛ لذلك. فصل: وإذا تزوَّجَ الكافِرُ بمَن لا يُقَرُّ على نِكاحِه فى الإِسْلامِ، مثل أن جَمَع (١١) بين الأُخْتَيْنِ، أو بين عَشْرِ نِسْوةٍ، أو نَكَحَ مُعْتَدَّةً أو مُرْتَدَّةً، ثمَّ طَلَّقَها ثلَاثًا، ثمَّ أسْلَما، لم يكُنْ له أن يَنْكِحَها؛ لأنَّنَا أجْرَيْنا أحْكامَهم على الصِّحَّةِ فيما (١٢) يَعْتَقِدُونه فى النِّكاحِ،

стр. 5003

فكذلك فى الطَّلاقِ، ولهذا جاز له إمْساكُ الثَّانيةِ من الأُخْتَيْنِ، والخامسةِ المَعْقُودِ عليها آخِرًا. ١١٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ، عَلَى أَنْ يُزْوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ سَمَّوْا مَعَ ذلِكَ صَدَاقًا أيْضًا) هذا النِّكاحُ يُسَمَّى الشِّغَارَ. فقيل (١): إنَّما سُمِّىَ شِغَارًا لِقُبْحِه، تَشْبِيهًا برَفْعِ الكَلْبِ رِجْلَه لِيَبُولَ، فى القُبْحِ. يقال: شَغَرَ الكَلْبُ: إذا رَفَعَ رِجْلَه لِيَبُولَ، وحُكِىَ عن الأصْمَعِىِّ أنَّه قال: الشِّغَارُ: الرَّفْعُ. فكأنَّ كلَّ واحدٍ منهما رَفعَ رِجْلَه للآخرِ عما يُرِيدُ. ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى أَنَّ نِكاحَ الشِّغَارِ فاسدٌ. رَوَاه عنه جماعةٌ. قال أحمدُ: ورُوِىَ عن عمرَ، وزيدِ [بن ثابتٍ] (٢)، أنَّهما فَرَّقَا فيه. وهو قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ (٣). وحُكِىَ عن عطاءٍ، وعمرو بن دِينارٍ، ومكحولٍ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يَصِحُّ، وَتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسَادَ من قِبَلِ المَهْرِ لا يُوجِبُ فَسادَ العَقْدِ، كما لو تزَوَّجَ على خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، وهذا كذلك. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ مثلَه. أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٥). ورَوَى الأَثرمُ بإِسْنَادٍ عن عِمْرانَ بن حُصَيْن، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا

стр. 5004

جَلَبَ (٦)، ولا جَنَبَ (٧)، ولا شِغارَ فى الإِسْلامِ" (٨). ولأنَّه جَعَلَ كلَّ واحدٍ من العَقْدَيْنِ سَلَفًا فى الآخَرِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قاِل: بِعْنِى ثَوْبَكَ على أن أبِيعَكَ ثَوْبِى. وقولُهم: إنَّ فَسادَه من قِبَلِ التَّسْمِيةِ. قُلْنا: بل فسادُه (٩) من جِهَةِ أنَّه وَقَفَه على شَرْطٍ فاسِدٍ، أو لأنَّه شَرَطَ تَمْلِيكَ البُضْعِ لغيرِ الزَّوْجِ، فإنَّه جَعَلَ تَزْوِيجَه إيَّاها مَهْرًا للأُخْرَى، فكأنَّه (١٠) مَلَّكَه إيَّاه بشَرْطِ انْتِزاعِه منه. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين أن يقولَ: على أَنَّ صَداقَ كلِّ واحدةٍ فهما بُضْعُ الأُخْرَى. أو لم يَقُلْ ذلك. وقال الشافعىُّ: هو أن يقولَ ذلك، ولا يُسَمِّى لكلِّ واحدةٍ صَدَاقًا؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الشِّغَارِ، والشِّغارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِى على أن تُزَوِّجَنِى بِنْتَكَ. ويكونُ بُضْعُ كل واحدةٍ منهما مَهْرَ الأُخْرَى. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن الشِّغارِ، والشِّغارُ (١١) أن يُزَوِّجَ الرجلُ ابْنَتَه على أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه، وليس بينهما صَدَاقٌ. هذا لفظُ الحديثِ الصَّحيحِ المُتَّفَق عليه. وفى حديثِ أبى هُرَيْرةَ: والشِّغارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ: زَوِّجْنِى ابنتَكَ، وأُزَوِّجكَ ابْنَتِى، أو زَوِّجْنِى أُخْتَك، وأُزَوِّجُكَ أُخْتِى. رواه مسلمٌ. وهذا يَجِبُ تَقْدِيمُه لصِحَّتِه، وعلى أنَّه قد (١٢) أَمْكَنَ الجمعُ بينهما

стр. 5005

بأن يُعْمَلَ بالجميعِ. ويَفْسُدُ النِّكاحُ بأىِّ ذلك كان. ولأنَّه إذا شَرَطَ فى نِكاحِ إحْداهما تَزْويجَ الأُخْرَى، فقد جَعَلَ بُضْعَ كلِّ واحدةٍ صَداقَ الأُخْرَى، ففَسَدَ، كما لو لَفَظَ به. فأمَّا إن سَمَّوْا مع ذلك صَداقًا، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، على أن تُزَوِّجَنِى ابنتَكَ، ومَهْرُ كلِّ واحدةٍ منهما مائةٌ، أو مَهْرُ ابْنَتِى مائةٌ ومهرُ ابنتكَ خَمْسُونَ، أو أَقَلُّ أو أكثرُ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، فيما وَقَفْنا عليه (١٣)، صِحّتُه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لما تقدَّمَ من حديثِ ابن عمرَ، ولأنَّه قد سَمَّى صَدَاقًا، فَصَح، كما لو لم يَشْتَرِطْ ذلك. وقال الْخِرَقِىُّ: لا يَصِحُّ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرةَ، ولما رَوَى أبو داودَ (١٤)، عن الأعْرَجِ، أَنَّ العباسَ بن عُبَيْد اللَّه بن العباسِ، أَنْكَحَ عبدَ الرحمنِ بن الحَكَم ابْنَتَه، وأَنْكَحَه عبدُ الرحمن ابْنَتَه، وكانا جَعَلَا صَدَاقًا، فكَتَبَ معاويةُ إلى مَرْوانَ، فأَمَرَه أَن يُفَرِّق بينهما، وقال فى كتابه: هذا الشِّغارُ الذى نَهَى عنه رسولُ اللَّه ﷺ . ولأنَّه شَرَطَ نِكاحَ إحْداهما لنِكاحِ الأُخْرَى، فلم يَصِحَّ، كما لو لم (١٣) يُسَمِّيَا صَداقًا. يُحَقِّقُه أَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ ليس بمُفْسِدٍ للعَقْدِ، بدليلِ نِكاحِ المُفَوِّضةِ، فدَلَّ على أَنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وقد وُجِدَ، ولأنَّه سَلَفٌ فى عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ ثَوْبِى بعَشرَة، على أن تَبِيعَنِى ثَوْبَكَ بعِشْرِينَ. وهذا [الاخْتلافُ فيما] (١٥) إذا لم يُصَرِّحْ بالتَّشْرِيكِ، فأمَّا إن (١٦) قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِى، على أَن تُزَوِّجَنِى ابْنَتكَ، ومَهْرُ كلِّ واحدةٍ مهما مائةٌ وبُضْعُ الأُخْرَى. فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالتَّشْريكِ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ، كما لو لم يَذْكُرْ مُسَمًّى. فصل: ومتى قُلْنَا بصِحّةِ العَقْدِ إذا سَمَّيَا (١٧) صَداقًا، ففيه وَجْهان؛ أحدهما،

стр. 5006

تَفْسُدُ التَّسْمِيةُ، ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهدا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يَرْضَ بالمُسَمَّى (١٨) إلَّا بشرطِ أن يُزَوِّجَ (١٩) وَلِيُّه صاحِبَه، فيَنْقُصَ (٢٠) المَهْرُ لهذا الشَّرْطِ، وهو باطلٌ، فإذا احْتَجْنَا إلى ضَمانِ النَّقْصِ، صار المُسَمَّى مَجْهُولًا، فبَطَلَ. والوجه الثانى (٢١) ذَكَره القاضى فى "الجامعِ"، أنَّه يَجِبُ المُسَمَّى؛ لأنَّه ذَكَرَ قَدْرًا مَعْلومًا يَصْلُحُ (٢٢) أن يكونَ مَهْرًا، فصَحَّ (٢٣)، كما لو قال: زَوَّجْتُكَ ابنتِى على أَلْفٍ، على أَنَّ لى منها مائةً. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإن سَمَّى لإِحْداهما مَهْرًا دُونَ الأُخْرَى، فقال أبو بكرٍ: يَفْسُدُ النِّكاحُ فيهما؛ لأنَّه فَسَدَ فى إحداهما، ففَسَدَ فى الأُخْرَى. والأَوْلَى أَنَّه يَفْسُدُ فى التى لم يُسَمِّ لها صَدَاقًا؛ لأنَّ نِكاحَها خَلَا منٍ صَدَاقٍ سِوَى نكاحِ الأُخْرَى، ويكونُ فى التى سَمَّى لها صَداقًا رِوَايتانِ؛ لأنَّ فيه تَسْمِيَةً وشَرْطًا، فأشْبَهَ ما لو سَمَّى لكلِّ واحدةٍ منهما (٢٤) مَهْرًا. ذكَرَه القاضى هكذا. فصل: فإن قال: زَوَّجْتُكَ جارِيَتِى هذه، على أن تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ، وتكونَ رَقَبَتُها صَداقًا لِابْنَتِكَ. لم يَصِحَّ تَزْويجُ الجاريةِ، فى قياس المذهبِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها صَداقًا سِوَى تَزْويِجِ ابْنَتِه. وإذا زَوَّجَه ابْنَتَه، على أن يَجْعلَ رَقَبةَ الجاريةِ صَداقًا لها، صَحَّ؛ لأنَّ الجاريةَ تَصْلُحُ أن تكونَ صَداقًا. وإن زَوَّجَ عبدَه امرأةً، وجعل رَقَبَتَه صَداقًا لها، لم يَصِحَّ الصَّداقُ؛ لأنَّ مِلْكَ المرأةِ زَوْجَها يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، فيَفْسُدُ الصَّداقُ، ويَصِحُّ النِّكاحُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.

стр. 5007

١١٧٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) معنى نكاحِ المُتْعةِ أن يتَزَوَّجَ المرأةَ مُدّةً، مثل أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى شَهْرًا، أو سَنَةً، أو إلى انْقِضاءِ المَوْسِمِ، أو قُدُومِ الحاجِّ. وشِبْهِهِ، سواءٌ كانت المُدَّةُ معلومةً أو مجهولةً. فهذا نِكاحٌ باطلٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: نكاحُ المُتْعةِ حَرَامٌ. وقال أبو بكرٍ: فيها رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها مَكْرُوهةٌ غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ ابنَ مَنْصورٍ سألَ أحمدَ عنها، فقال: يَجْتَنِبُها أحَبُّ إلى. قال: فظاهرُ هذا (١) الكَرَاهةُ دُونَ التَّحْريمِ. وغيرُ أبى بكرٍ من أصحابِنا يَمْنَعُ هذا، ويقولُ: فى (٢) المسألةِ رِوايةٌ واحدةٌ فى تَحْرِيمِها. وهذا (٣) قولُ عامَّةِ الصَّحابةِ والفُقَهاءِ. وممَّن رُوِىَ عنه تَحْرِيمُها عمرُ، وعلىٍّ، وابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ وعلى تَحْريِم المُتْعةِ مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو حنيفةَ فى أهلِ العراقِ (٤)، والأوْزَاعِىُّ فى أهلِ الشامِ، واللَّيْثُ فى أهل مِصْرَ، والشافعىُّ، وسائرُ أصحابِ الآثارِ. وقال زُفَرُ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها جائزةٌ. وعليه أكْثَرُ أصْحابِ (٥) عطاءٍ وطاوسٍ. وبه قال ابنُ جُريْجٍ. وحُكِىَ ذلك عن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، وجابرٍ. وإليه ذَهَبَ الشِّيعةُ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أذَنَ فيها. ورُوِىَ أن عمرَ قال: مُتْعَتان كانَتَا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، [أنا أنْهَى] (٦) عنهما، وأعاقِبُ عليهما؛ مُتْعةُ النِّساءِ، ومتعةُ الحَجِّ (٧). ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ، فيكون (٨) مُؤَقّتًا، كالإِجَارَةِ. ولَنا، ما رَوَى الرَّبِيعُ بن سَبْرَةَ، أَنَّه قال: أشهدُ على

стр. 5008

أبِى، أنَّه حَدَّثَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عنه فى حِجَّة الوَدَاعِ (٩). وفى لَفْظٍ: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَرَّمَ مُتْعةَ النِّساء. رواه أبو داودَ (١٠). وفى لفظٍ روَاه ابنُ ماجَه (١١)، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال (١٢): "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنِّى كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِى الاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَها إلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ورُوِىَ عن علىِّ بن أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن مُتْعةِ النِّساءِ يومَ خَيْبَرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. روَاه مالكٌ، فى "المُوَطَّأِ"، وأخْرَجه الأئِمَّةُ النَّسَائِىُّ وغيرُه (١٣). واختلفَ أهلُ العلمِ فى الجَمْعِ بين هذين الخَبَرَيْنِ، فقال قومٌ: فى حديثِ علىّ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتقديرُه أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهليةِ يومَ خيبرَ، ونَهَى عن مُتْعةِ النساءِ، ولم يَذْكُرْ مِيقاتَ النَّهْى عنها، وقد بَيَّنَه الرَّبيعُ بن سَبْغ فى حَدِيثِه، أنَّه كان فى حَجَّةِ الوَداعِ. حكاه الإِمامُ أحمدُ عن قومٍ، وذَكَره ابنُ عبدِ البَرِّ. وقال الشافعىُّ: لا أعْلَمُ شيئًا أحَلَّه اللَّهُ ثمَّ حَرَّمَه، ثمَّ أحَلَّه ثمَّ حَرَّمَه، إلَّا المُتْعةَ. فحَمَلَ الأمْرَ على ظاهِرِه، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَرَّمَها يَوْمَ خيبرَ، ثمَّ

стр. 5009

أحَلَّها (١٤) فى حَجَّةِ الوَداعِ ثَلاثةَ أيامٍ، ثمَّ حَرَّمَها، ولأنَّه لا تَتَعَلَّقُ به أحكامُ النِّكاحِ، من الطَّلاقِ، والظِّهَارِ، واللِّعانِ، والتَّوَارُثِ، فكان باطِلًا، كسائرِ الأنْكِحةِ الباطلةِ. وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ، فقد حُكِىَ عنه الرُّجُوعُ عنه، فرَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن سعيدِ ابن جُبَيْرٍ، قال: قلتُ لِابنِ عباسٍ: لقد كَثُرَتِ القَالَةُ (١٥) فى المُتْعةِ، حتَّى قال فيها الشاعر: أَقُولُ وقد طالَ الثَّواءُ بِنَا مَعًا ... يا صَاحِ هَلْ لكَ فى فُتْيَا ابنِ عباسِ هل لَكَ فى رَخْصَةِ الأطْرافِ آنِسَةٍ ... تكونُ مَثْواكَ حتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ فقام خَطيبًا، وقال: إنَّ المُتْعةَ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ (١٦). فأمَّا إِذْنُ رسولِ اللَّه ﷺ فيها، فقد ثَبَتَ نَسْخُه، وأمَّا حديثُ عمرَ -إن صَحَّ عنه- فالظاهرُ أنَّه إنَّما قَصَدَ الإخْبارَ عن تَحْرِيمِ النَّبِىِّ ﷺ لها، ونَهْيِه عنها، إذْ لا يجوزُ أن يَنْهَى عمَّا كان النَّبِىُّ ﷺ أباحَه، وبَقِىَ على إبَاحَتِه. فصل: وإن تزَوَّجَها بغير (١٧) شَرْطٍ، إلَّا أَنَّ فى نِيَّتِه طَلَاقَها بعدَ شَهْرٍ، أو إذا انْقَضَتْ حاجَتُه فى هذا البَلَدِ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا

стр. 5010

الأَوْزَاعِىَّ، قال: هو نِكاحُ مُتْعةٍ. والصَّحيحُ أنَّه لا بأسَ به، ولا تَضُرُّ نِيَّتُه، وليس على الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِىَ حَبْسَ امْرَأتِه وحَسْبُه إن وافَقَتْه، وإِلَّا طَلَّقَها. ١١٧٧ - مسألة؛ قال: (ولَوْ تَزَوَّجَها عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِى وَقْتٍ بِعَيْنهِ، لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ) يعنى إذا تَزَوَّجَها بشَرْطِ أن يُطَلِّقَها فى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ، سواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا، مثل أن يُشْتَرَطَ عليه طَلَاقُها إن قَدِمَ أبُوها أو أخُوها. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطلُ الشرطُ. وهو (١) أظْهَرُ قَوْلَى الشافعىِّ، قالَه فى عامَّةِ كُتُبِه؛ لأنَّ النِّكاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا، وإنَّما شَرَطَ على نَفْسِه شرطًا، وذلك لا يُؤْثِّرُ فيه، كما لو شَرَطَ أن لا يتزَوَّجَ عليها، ولا يُسافِرَ بها. ولَنا، أنَّ هذا شَرْطٌ مانعٌ من بَقَاءِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعةِ، [ولأنَّهما شَرَطاه ببقاء النِّكاحِ فى وقْتٍ بعَيْنِه، أشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ] (٢)، ويفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنَّه لم يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكاحِ. ١١٧٨ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ) وجملتُه أَنَّ نِكاحَ المُحَلِّلِ حَرَامٌ باطِلٌ (١)، فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادةُ، ومالكٌ، والليثُ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وسواءٌ قال: زَوَّجْتُكَها إلى أن تَطَأَها. أو شَرَطَ أنَّه إذا أحَلَّها فلا نِكاحَ بينهما، أو أنَّه إذا أحَلَّها للأوَّلِ طَلَّقَها. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشرطُ. وقال الشافعىُّ فى الصُّورَتينِ الأولَيَيْنِ: لا يَصِحُّ. وفى الثالثة على قَوْلَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ، والْمُحَلَّلَ لَهُ". لم روَاه أبو داود، وابنُ ماجَه،
следующие страницы →