← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١٦) وقال النَّبِيُّ ﷺ : "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ. فَيَسْأَلُهُم، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى؟ فيقَولُون: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتْيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". وقال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ". يُرِيدُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ. وقال: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في [صَلَاةِ العَتَمَةِ والصُّبْحِ] (١٧) لأَتُوْهُمَا ولَوْ حَبْوًا". مُتَّفَقٌ على هذه الأحادِيث (١٨). وقِيلَ: هي المَغْرِبُ؛ لأنَّ الأُولَى هي الظُّهْرُ، فتكون المَغْرِبُ الثَّالِثَةَ، والثَّالِثَةُ من كُلِّ

стр. 527

خَمْسٍ هي الوُسْطَى، ولِأَنَّهَا وُسْطَى في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، ووُسْطَى في الأَوْقَاتِ؛ لأنَّ عددَ ركعاتِها ثَلَاثٌ، فهى وُسْطى بين الأربعِ والاثْنَيْنِ، ووقْتُها في آخِرِ النَّهَارِ وَأوَّلِ اللَّيْلِ، وخُصَّتْ من بينِ الصلاةِ بأنَّها وِتْرٌ، واللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، وبأنها تُصَلَّى في أوَّلِ وقِتها في جَمِيعِ الأمْصَارِ والأعْصَارِ، ويُكْرَهُ تَأْخِيرُها عنه، وكذلك صلَّاهَا جِبْرِيلُ بالنَّبِيِّ ﷺ في اليومينِ لِوَقْتٍ واحدٍ، ولذلك ذهب بعضُ الأئِمَّةِ إلى أَنَّها ليس لها إلَّا وقتٌ واحِدٌ لذلك، وقال (١٩) النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ أُمَّتِى"، أو قال: "هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ" أو قال: "عَلى الفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ". رواهُ أبو دَاوُد (٢٠). وقِيل: هي العِشَاءُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ، قال: مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلينا حين ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بَعْدَه، فقال: "إنَّكُم لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُم، ولَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ". وقال: "إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الغَدَاةِ والعِشَاءِ الآخِرَةِ، ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتُوْهُمَا ولَوْ حَبْوا". مُتَّفَقٌ عليهما (٢١).

стр. 528

ولَنا، ما رُوِىَ عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وقُبُورَهُمْ نارًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). وعن ابنِ مسعُودٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاةُ الوُسْطىَ صَلَاةُ العَصْرِ" (٢٣). عن سَمُرَةَ مِثْلُه (٢٤)، قال التِّرْمِذِىُّ في كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما: هذا (٢٥) حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهذا نَصٌّ لا يجوزُ التَّعْرِيجُ معه على شيءٍ يُخَالِفُه، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ومَالَهُ (٢٦) ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧) وقال: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ

стр. 529

حَبِطَ عَمَلُهُ (٢٨) ". رواهُ البُخَارِىُّ، وابن ماجَه (٢٩). وقال: "إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فمَنْ حَافَظَ عَلَيْها كانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، ولَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ". يَعْنى النَّجْمَ. رواهُ البُخَارِىُّ (٣٠). ومَا ذُكِرَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ فقد شارَكَتْهُ صلاةُ العَصْرِ في أكْثَرِه، ورِوايَةُ عائشَة "وصَلَاةُ العَصْرِ" فَالوَاوُ زائِدَةٌ كالواوِ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٣١). وفى قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣٢). وقولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣٣). فالقُنُوتُ قد (٣٤) قِيلَ: هو الطَّاعَةُ. أىْ قُومُوا للَّه مُطِيعِينَ. وقِيلَ: القُنُوتُ السُّكُوتُ. قال زيدُ بنُ أرْقَمْ: (٣٥) كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا

стр. 530

بالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عن الكَلَامِ. ثم ما رَوَيْنَاهُ (٣٦) نصٌّ صَرِيحٌ. فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هذا الوَهْمِ، أو يُعَارضُ به؟ ١١٤ - مسألة؛ قال: (وإذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَجَبَت المَغْرِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَغيبَ الشَّفَقُ) أمَّا دُخُولُ وَقْتِ المَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فإِجْماعُ أهلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ بينَهُم خلَافًا فيه، والأحادِيثُ دَالَّةٌ عليه. وآخِرُه: مَغِيبُ الشَّفَقِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وبعضُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ: ليس لها إلا وقْتٌ واحِدٌ، عند مَغِيبِ الشَّمْسِ؛ لأن جِبْرِيلَ، ﵇، صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ في اليَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ أُمَّتِى بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْربَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجومُ (١) ". ولِأن المسلمينَ مُجْمِعُونَ على فِعْلِها في وقتٍ وَاحِدٍ في أوَّلِ الوَقْتِ. وعن طَاوُوس: لا تفوتُ المغربُ والعِشَاءُ حَتَّى الفَجْرِ. ونحوُه عن عَطَاءٍ؛ لِمَا ذَكرْناهُ (٢) في الظُّهْرِ والعَصْرِ. ولَنا، حديث بُرَيْدةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى المَغْرِبَ في اليَوْمِ الثَّانِى حين غاب الشَّفَقُ (٣). وفِي لفظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ: فَأَخَّرَ المَغْرِبَ إلى قُبَيلِ (٤) أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. ورَوَى أبو مُوسَى أنَّ النَّبىَّ ﷺ أَخَّرَ المَغْرِبَ في اليَوْمِ الثَّانِى حتَّى كان عند سُقُوطِ الشَّفَقِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وأبو داوُد (٥). وفي حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ

стр. 531

يَغِبِ الشَّفَقُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦)، وفي حديث أبي هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أَوَّلَ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ (٧) الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وَقْتِها حِينَ يَغِيبُ الأفُقُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٨). وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لا يجُوزُ مُخَالَفَتُها بِشَىْءٍ مُحْتَمِل، ولأنها إحدى الصلواتِ، فكان لها وَقْتٌ مُتَّسعٌ كسائِرِ الصَّلَوَاتِ، ولِأنها إحدى صَلَاتَىْ جَمْعٍ، فكان وقْتُها مُتَّصِلًا بِوَقْتِ التي تُجْمَعُ إليها كالظُّهْرِ والعَصْرِ، ولأن ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وقتٌ لاسْتِدَامَتِها، فكان وقْتًا لابْتِدَائِها كأَوَّلِ وقْتِها. وأحادِيثُهُم مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبَابِ والاخْتِيَارِ، وكراهةِ التَّأْخِيرِ، ولذلك قال الخِرَقِىُّ: "وَلَا يُسْتَحَبُّ تأْخِيرُها". فإن الأحَادِيثَ فيها تَأْكِيدٌ لِفِعْلِها في أَوَّلِ وقْتِها، وأقل أحْوَالِها تَأْكِيدُ الاسْتِحْبَابِ. وإن قُدِّرَ أن الأحاديث مُتَعَارِضَةٌ وجب حَمْلُ أَحَاديثِهِم على أنَّها مَنْسُوخَةٌ؛ لأنها في أَوَّلِ فَرْض الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ، وأحادِيثُنا بالمدينةِ مُتَأَخِّرَةٌ، فتكون نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَها مِمَّا يُخَالِفُها، واللهُ أعْلَمُ. ١١٥ - مسألة؛ قال: (فإذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَهُوَ الحُمْرَة في السَّفَرِ، وفى الحَضَرِ البَيَاضُ؛ لأنَّ في الحَضَرِ قَدْ تَنْزِلُ الحُمْرَةُ فَتُوَارِيهَا الجُدْرَانُ، فَيُظَنُّ أنَّها قَدْ غَابَتْ، فإذا غَابَ البَيَاضُ فَقَدْ تُيُقِّنَ، وَوَجَبَتْ عِشَاءُ الآخِرَةِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) لا خِلَافَ في دُخُولِ وقتِ العِشَاءِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وإنَّما اختَلفُوا في الشَّفَقِ ما هو؟ فمذْهَبُ إمامِنَا، ﵀، أن الشَّفَقَ الذي يَخْرُجُ به وقتُ المَغْرِبِ، ويَدْخُلُ به وقتُ العِشَاءِ، هو الحُمْرَةُ. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وابْنِ عبَّاس، وعَطَاءٍ، ومُجَاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وابْنِ أبي لَيْلَى، والشَّافِعِىِّ، وإسحاق، وصاحِبَىْ أبِى حنيفَة. وعن أَنَسٍ، وأبِى هُرَيْرَة:

стр. 532

الشَّفَقُ البَيَاضُ. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ. وبه قال الأوزَاعِيُّ، وأبو حنيفَة، وابن المُنْذِرِ؛ لأن النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ قال: أنا أعْلَمُ النَّاسِ بِوقت هذه الصَّلَاةِ صلاةِ العِشَاءِ، كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيها لِسُقُوطِ القمرِ لِثَالِثَةٍ (١). رَوَاهُ أبو داوُد (٢)، وروى (٣) عن أبي مسعُودٍ (٤)، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى هذه الصلاةَ حين يَسْوَدُّ الأُفُقُ". ولَنا، ما روتْ عائشةُ، ﵂، قالتْ: أَعْتَمَ رسولُ اللهِ ﷺ بالعِشَاءِ، حتَّى ناداهُ عُمَرُ بالصلاةِ: نامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "مَا يَنْتَظِرُهَا أحَدٌ غَيْرُكُمْ"، قالَ: وَلَا يُصَلَّى يومَئِذٍ إلَّا بالمدِينَةِ، وكان يُصَلُّونَ فيما بين أن يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَوَّلُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ (٥). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦). والشَّفَقُ الأوَّلُ هو الحُمْرَةُ. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "وَقْتُ المَغْرِب مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ". رَوَاهُ أبو دَاوُد (٧)، ورُوِىَ "ثَوْرُ الشَّفَقِ". وفَوْرُ الشَّفَقَ: فَوَرَانُهُ وسُطُوعُهُ. وثَوْرُهُ: ثَوَرَانُ حُمْرَتِهِ، وإنما يَتناوَلُ هذا الحُمْرَةَ. وآخِرُ وقتِ المغرِبِ أَوَّلُ وقتِ العِشَاءِ. ورُوِىَ عَن ابن عُمَرَ، عن النَّبِيِّ

стр. 533

- ﷺ أنه قال: "الشَّفَقُ الحُمْرَةُ، فإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَت العِشَاءُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٨). وما رَوَوْهُ لا حُجَّةَ لهم فيه، فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الصلاةَ عن أَوَّلِ الوقتِ قَلِيلًا، وهو الأفضَلُ والأوْلَى، ولهذا رُوِىَ عنه ﷺ أنه قال لِبلَالٍ: "اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وإقَامَتِكَ قَدْرَ ما يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، والمُتَوَضِّىءُ مِنْ وُضُوئِهِ، والمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ" (٩). إذا ثَبَتَ هذا، فإنه إن كان في مكانٍ يَظْهَرُ له الأُفُقُ، ويَبِينُ له مَغِيبُ الشَّفَقِ، فمتى ذهبت الحُمْرَةُ وغابت، دخل وقتُ العِشَاءِ، وإن كان في مكانٍ يَسْتَتِرُ عنه الأُفُقُ بِالجُدْرَانِ والجِبالِ، اسْتَظْهَرَ حتَّى يغيبَ البَياضُ، لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبَتِه على مَغِيبِ الحُمْرَةِ، فيَعْتِبرُ غَيْبَةَ البَيَاضِ، لِدَلَالَتِهِ على مَغِيبِ الحُمْرَةِ، لا لنفسِهِ. ١١٦ - مسألة؛ قال: (فإذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ (١) الاخْتِيَارِ، وَوَقْتُ الضَّرُورَةِ مُبْقًى إلَى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ الثَّانِى، وَهُوَ البَيَاضُ الَّذِى يَبْدُو (٢) مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، فَيَنْتَشِرُ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ). اخْتَلَفَت الرِّوَايةُ فِي آخِرِ الاخْتِيَارِ، فَرُوِىَ عن أحمد: أنه ثُلُثُ اللَّيْلِ، نَصَّ عليه أحمدُ، في روَايَةِ الجماعةِ، وهو قولُ عمرَ بن الخَطَّابِ ﵁، وأبِى هُرَيْرَة، وعُمَرَ بن عبد العَزِيزِ، ومالكٍ؛ لأنَّ في حديثِ جِبْرِيلَ، أَنَّه صَلَّى بِالنَّبِىِّ ﷺ في المَرَّةِ الثَّانِيةِ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وقال: "الوَقْتُ فيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ" (٣). وفى حديث بُرَيْدة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صلَّاهَا في اليَوْمِ الثَّانِى ثُلُثَ اللَّيْلِ (٤). وعن عائشةَ

стр. 534

أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "صَلُّوا فِيمَا بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" (٥). [وفي حدِيثها الآخَر: وكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَوَّل إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ] (٦). ولأنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّوَايَات، والزِّيَادَةُ تَعَارَضَتِ الأخبارُ فيها، فكان ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْلَى. والرِّوَايَةُ الثَّانِيةُ أن آخِرَهُ نِصْفُ اللَّيْل. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبَارَكِ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وأحدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ، لِمَا رُوِىَ عن أنَسِ [بنِ مالكٍ] (٧) قال: أخَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٨). وعن أبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وسُقْمُ السَّقِيمِ، لَأَمَرْتُ بِهَذِهِ الصَّلَاة أنْ تُؤَخَّرَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ"، رَوَاهُ أبو داوُد، والنَّسَائِىُّ (٩). وفي حديث عبدِ اللهِ بنِ عمرو، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "وَقْتُ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ". رَوَاهُ أبو داوُد (١٠). والأوْلَى - إنْ شاء اللهُ تعالى - أَنْ لا يُؤَخِّرَهَا عن ثُلُثِ اللَّيْلِ، وإنْ أَخَّرها إلى نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ، وما بعد النِّصْفِ وقتُ ضَرُورَةٍ، الحُكْمُ فيه حُكْمُ

стр. 535

وقتِ الضَّرُورَةِ في صلاةِ العَصْرِ، على ما مَضَى شَرْحُهُ وبيَانُهُ، ثم لا يزالُ الوقت مُمْتَدًّا حتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ الثَّانِى. فصل: وتُسَمَّى هذه الصلاةُ العِشَاءَ، ولا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُها العَتَمَةَ، وكان ابْنُ عمرَ إذا سَمِعَ رَجُلًا يقولُ: العَتَمَةُ. صاح وغَضِبَ، وقال: إنما هو العِشَاءُ. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتكُمْ، فإنَّها العِشَاءُ، وإنَّهُم يُعْتِمُونَ بالإِبِلِ" (١١). وعن أبِى هُرَيْرَة مِثْلُه. رواهُمَا ابن ماجَه (١٢). وإن سَمَّاهَا العَتَمَةَ جَازَ؛ فقد رَوَى أبو داوُد (١٣)، بإسْنَادِهِ عن مُعَاذٍ، أنه قال: أَبْقَيْنَا (١٤) - يَعْنِى - انْتَظَرْنَا - رسولَ اللهِ ﷺ فِي صلاةِ العَتَمَةِ، ولأن هذا نِسْبَةٌ لها إلى الوَقْتِ الذي تَجِبُ فيه، فأَشْبَهَتْ (١٥) صلاةَ الصُّبْحِ والظُّهْرِ وسَائِرَ الصلواتِ. ١١٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا طَلَعَ الفَجْرُ الثَّانِى وَجَبَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالوَقْتُ مُبْقًى إلَى مَا (١) قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ومَنْ أَدْرَكَ مِنْها رَكْعَةً قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وهَذَا مَوْضِعُ (٢) الضَّرُورَةِ) وجُمْلَتُه أنَّ وقت الصُّبْحِ يدخلُ بطُلُوعِ الفجرِ الثَّانِى إجْماعًا، وقد دلَّتْ عليه

стр. 536

أخبارُ المَوَاقِيتِ، وهو البَياضُ المُسْتَطِيرُ المُنْتَشِرُ في الأُفُقِ، ويُسَمَّى الفجرَ الصَّادِقَ، لأنّه صَدَقَكَ عن الصُّبْحِ وبَيَّنَهُ لك، والصُّبْحُ ما جمع بَياضًا وحُمْرَةً، ومنه سُمِّىَ الرَّجُلُ الذي في لَوْنِه بياضٌ وحُمْرَةٌ أصْبَحَ، وأمَّا الفجرُ الأَوَّل، فهو البياضُ المُسْتَدِقُّ صُعُدًا مِن غيرِ اعْتِرَاضٍ، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ، ويُسَمَّى الفَجْرَ الكاذبَ. ثم لا يَزَالُ وقتُ الاخْتِيَارِ إلى أن يُسْفِرَ النَّهَارُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ في حديثِ جِبْرِيلَ وبُرَيْدةَ. وما بعدَ ذلك وَقْتُ عُذْرٍ وضَرُورَةٍ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ لِقولِ النَّبِىَّ ﷺ في حديث عبدِ اللهِ بنِ عمرو: "ووقتُ الفَجْرِ مَا لم تَطْلُعُ الشَّمْسُ" (٣). ومَنْ أَدْرَكَ منها رَكْعَةً قَبْلَ أنْ تطْلُعَ الشمسُ كان مُدْرِكًا لها، وفى إدْرَاكِهَا بما دونَ ذلك اخْتِلَافٌ قد ذكرْناهُ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ، فيمَنْ طَلَعَتِ الشمسُ وقد صَلَّى ركعةً: تَفْسُدُ صلاتُهُ؛ لأنَّه صارَ في وقتِ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. وهذا لا يَصِحُّ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ [فَقَدْ أدْرَكَ الصُّبْحِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفي رِوَايَةٍ: "مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ] (٤) فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأنه أدرك ركعةً من الصلاةِ في وقتِها، فكان مُدْرِكًا لها [في وقتِها] (٦)، كبقِيَّةِ الصلواتِ (٧)، وإنما نُهِىَ عن النَّافِلَةِ، فأما الفَرَائِضُ فتُصَلَّى في كلِّ وقتٍ، بدلِيلِ أنَّ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ وقتُ نَهْى أيضًا، ولا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الفَجْرِ فيه. فصل: إذا شكَّ في دخولِ الوقتِ، لم يُصَلِّ حتى يَتَيَقَّنَ دُخولَه، أو يَغْلِبَ على ظَنِّهِ ذلك، مثْل مَنْ هو ذو صَنْعَةٍ جَرَتْ عادَتُه بِعَمَلِ شيءٍ مُقَدَّرٍ إلى وقتِ الصلاةِ، أو قارِىءٍ جرتْ عادَتُه بقراءَةِ جُزْءٍ فقرأه، وأشْباه هذا، فمتى فَعَلَ ذلك، وغَلَبَ على ظَنِّهِ دخولُ الوقتِ، أُبِيحَتْ له الصلاةُ، ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها

стр. 537

قليلًا احْتِياطًا، لتَزْدَادَ غَلَبَةُ ظَنِّه، إلَّا أنْ يَخْشَى خروجَ الوقتِ، أو تكونَ صلاةُ العَصْرِ في وقتِ الغَيْمِ، فإنَّه يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بها؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدةُ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ (٨)، فقال: "بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ في الغَيْمِ، فإنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ". رواهُ البُخَارِىُّ، وابن ماجَه (٩). ومعناهُ - واللَّه أعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بها إذا [دَخَلَ وَقْتُ] (١٠) فعْلِها، لِيقِينٍ، أو غَلَبَةِ ظَنٍّ، وذلك لأنَّ وقتَها المُخْتَارَ في زمنِ الشِّتاءِ يَضِيقُ، فَيُخْشَى خُرُوجُه. فصل: ومَنْ أخْبَرَهُ ثِقَةٌ عن عِلْمٍ عَمِلَ به؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينِيٌّ، فيُقْبلُ (١١) فيه قولُ الوَاحِدِ كالرِّوَايةِ، وإن أَخْبرَهُ عن اجْتِهادِهِ لم يُقَلِّدْهُ، واجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ، حتَّى يَغْلِبَ على ظَنِّه؛ لأنَّه يقْدِرُ على الصَّلَاةِ بِاجْتِهادِ نفسِه، فلم يُصَلِّ بِاجْتِهَادِ غيرِهِ، كحَالَةِ اشْتِباهِ القِبْلَةِ. والبصِيرُ والأعمى والمَطْمُورُ القادِرُ على التوصُّلِ إلى الاستدلَالِ سواءٌ؛ لاستوائِهِم في إمكانِ التقدِيرِ بمُرُورِ الزمانِ، كما بيَّنَّا، فمتى صَلَّى في هذه المواضِع، فَبانَ أَنَّه وَافَقَ الوَقْتَ أو بعدَهُ أجْزَأَهُ؛ لأنَّه أدَّى مَا فُرِضَ عليه، وخُوطِبَ بأدائِهِ. وإن بانَ أنَّه صَلَّى قبلَ الوَقْتِ لمْ يُجْزِهِ؛ لأنَّ المُخَاطبةَ بِالصلَاةِ وسببَ الوجوبِ وُجِدَ بعدَ فِعْلِهِ، فلم يَسْقُطْ حُكْمُهُ بما وُجِدَ قَبْلَه. وإن صَلَّى من غيرِ دَلِيلٍ مع الشَّكِّ، لم تُجْزِهِ صلاتُهُ، سواءٌ أصابَ أو أخطأَ؛ لأنه صلَّى مع الشكِّ في شَرْطِ الصَّلَاةِ من غيرِ دَلِيلٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَبَهَتْ عليهِ القِبْلَةُ فصلَّى من غير اجْتِهَادٍ. فصل: وإذا سَمِعَ الأذانَ من ثِقَةٍ عالِمٍ بالوقتِ، فله تَقْلِيدُه؛ لأن الظَّاهِرَ أنَّه لا يُؤَذِّنُ إلَّا بعدَ دُخُولِ الوقتِ، فَجَرَى مَجْرَى خَبَرهِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "المُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ". رواهُ أبو داوُد (١٢). ولولا أنَّه يُقَلَّدُ ويُرْجَعُ إليه ما كان

стр. 538

مُؤْتَمَنًا، وجاء عنه ﷺ أنَّه قال: "خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ المُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ؛ صَلَاتُهُم، وصِيَامُهُم". رواهُ ابنُ ماجَه (١٣). ولأنَّ الأذانَ مَشْرُوعٌ للإِعْلَامِ بِالوقتِ، فلو لم يَجُزْ تَقْلِيدُ المؤُذِّنِ لم تَحْصُل الحِكْمَةُ الَّتى شُرِع الأذانُ من أجْلِها، ولم يزل الناسُ يَجْتَمِعُونَ في مساجِدِهم وجوامِعِهم في أوقاتِ الصَّلَاةِ (١٤)، فإذا سَمِعُوا الأذانَ قاموا إلى الصلاةِ، وبَنَوْا على أذانِ المُؤَذِّنِ، من غير اجْتِهَادٍ في الوقتِ، ولا مُشَاهَدَة ما [يَعْرِفون به] (١٥) من غيرِ نَكِيرٍ، فكان إجْمَاعًا. ١١٨ - مسألة؛ قال: (والصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ أَفْضَلُ، إلَّا عِشَاءَ الآخِرَةِ، وَفِى شِدَّةِ الحَرِّ الظُّهْرَ) وجُمْلَتُه أنَّ الأوقاتَ ثلاثةُ أضْرُبٍ: وقتُ فَضِيلَةٍ، وجَوَازٍ، وضَرُورَةٍ. فأما وقتُ الجوازِ والضرورَةِ، فقد ذكَرْنَاهُما، وأمَّا وقتُ الفَضِيلَةِ فهو (١) الذي ذكرهُ الخِرَقِىُّ. قال أحمدُ: أَوَّلُ الوقتِ أَعْجَبُ إليَّ، إلَّا في صلاتيْنِ: صلاةِ العِشَاء، وصلاةِ الظُّهْرِ يُبْرَدُ بها في الحَرِّ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ. وهكذا كان يُصَلِّى النَّبِيُّ ﷺ ، قال سَيَّارُ بنُ سلامة: دَخَلْتُ أنا وأبى على أبى بَرْزَةَ الأسْلَمِىِّ، فسَأَلَهُ أبي: كيف كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى المَكْتُوبَةَ؟ قال: كان يُصَلِّى الهَجِيرَ، التي يَدْعُونَها الأُولَى، حين تَدْحَضُ (٢) الشَّمْسُ، ويُصَلِّى العَصْرَ، ثم يَرْجِعُ أحَدُنَا إلى رَحْلِه في أقْصَى المدينةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ. ونَسِيتُ ما قال

стр. 539

في المَغْرِبِ. [قال: ] (٣) وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ مِن (٤) العِشَاءِ التي تَدْعُونَها العَتَمَةَ، وكان يَكْرَهُ النَّومَ قَبْلَهَا والحدِيثَ بَعدَها، وكان يَنْفَتِلُ من صلاةِ الغَدَاةِ حين يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، ويَقْرَأُ بالسِّتِّين إلى المائَةِ. وقال جابِرٌ: كان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بالهاجِرَةِ، والعَصْرَ والشمسُ نَقِيَّةٌ، والمَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ، والعِشَاءَ أَحْيَانًا، وأحيانًا إذا رَآهُم قد (٥) اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهُم قَدْ أَبْطَأُوا أخَّرَ، والصُّبْحُ كان النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ (٦). مُتَّفَقٌ عليهما (٧). وقد رَوَى الأُمَوِىُّ (٨)، في "المَغَازِى" حديثًا أسْنَدَهُ إلى عبد الرحمن بنِ غَنْم (٩)، قال: حدثنا مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، قال: لَمَّا بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، قال: "أَظْهِرْ كَبِيرَ الإِسْلَامِ وصَغِيرَهُ، ولْيَكُن مِنْ كَبيرِهِ (١٠) الصَّلاةُ، فإنَّها رَأْسُ الإِسْلَامِ بَعْدَ

стр. 540

الإِقْرَارِ بالدِّينِ، إذَا كانَ الشِّتَاءُ فَصَلٌ صَلَاةَ الفَجْرِ في أَوَّلِ الفَجْرِ، ثُمَّ أَطِلِ القِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ مَا تُطِيقُ، ولَا تُمِلَّهُمْ، وتُكَرِّهْ إلَيْهِمْ أَمْرَ اللهِ، ثُمَّ عَجِّلِ الصَّلَاةَ الأُولَى بَعْدَ أنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ، وصَلِّ العَصْرَ والمَغْرِبَ في الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ العَصْرَ والشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَة، والمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ، وتَوَارَى بالحِجَابِ، وصَلِّ العِشَاءَ فأَعْتِمْ بِها، فإنَّ اللَّيْلَ طَويلٌ، فإذَا كانَ الصَّيْفُ فأَسْفِرْ بالصُّبْحِ، فإنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ، وإنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فأمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أنْ يَنْقُصَ الظِّلُّ وتَتَحرَّكَ (١١) الرِّيحُ، فَإنَّ النَّاسَ يَقِيلُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ العَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، ولَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ". ورَوَى أَيْضًا في "كتابِهِ" عن عمرَ، أنه قال: والصَّلَاةُ لها وَقْتٌ شَرَطَهُ اللهُ، لا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا به؛ وَقْتُ صَلَاةِ الفَجْرِ حِينَ يُزَايِلُ الرَّجُلُ أهْلَه (١٢)، ويَحْرُمُ على الصَّائِمِ الطَّعَامُ والشَّرَابُ، فأعْطُوها نَصِيبَها مِنَ القِرَاءَةِ، ووَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذا كان القَيْظُ واشْتَدَّ الحَرُّ، حِينَ يَكُونُ (١٣) ظِلُّكَ مِثْلَكَ، وذلكَ حِينَ يُهَجِّرُ الْمُهَجِّرُ (١٤)، وذلك لِئَلَّا يَرْقُدَ عَنِ الصَّلَاةِ، فإذَا كانَ في الشِّتَاءِ فَحِين تَزِيغُ عَنِ الفَلَكِ حَتَّى تكونَ على حَاجِبِكَ الأيْمَنِ، والعَصْرُ والشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أن تَصْفَرَّ لِلغُروبِ (١٥)، [والمَغْرِبُ] (١٦) حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، والعِشَاءُ حِينَ يَنْشَأُ (١٧) اللُّيْلُ، وتَذْهَبُ حُمْرَةُ الأُفُقِ إلى أنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ

стр. 541

الأوَّلُ، مَنْ نَامَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرْقَدَ اللهُ عَيْنَهُ. هذه مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١٨). فصل: ولا نَعْلَمُ في اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ، في غيرِ الحَرِّ والغَيْمِ، خِلَافًا. قال التِّرْمِذِىُّ: (١٩) وهو الذي اخْتَارَهُ أَهْلُ العِلْمِ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ومَنْ بَعْدَهُمْ. وذلك لِمَا ثَبَتَ من حديثِ أبى بَرْزَة وجابِرٍ (٢٠)، وغَيْرِهِمِا، عن النَّبِيِّ ﷺ . وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: ما رَأَيْتُ أحَدًا (٢١) [كان] (٢٢) أشدَّ تَعْجِيلَا للظُّهْر من رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا أبِى بَكْرٍ ولا مِنْ عمرَ. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ. وعن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّه، والوَقْتُ الآخِرُ (٢٣) عَفْوُ اللهِ" (٢٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ غريبٌ. وأمَّا في شِدَّةِ الحَرِّ فكلامُ الخِرَقِىِّ يَقْتَضِى اسْتِحْبَابَ الإِبْرَادِ بها على كلِّ حَالٍ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ. قال الأثْرَمُ: [وهذا علَى] (٢٥) مَذْهَبِ أبى عبدِ اللَّه سواءٌ، يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُها في الشِّتَاءِ والإِبْرَادُ بِهَا في الحَرِّ. وهو قولُ إسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لظاهِرِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فأَبْردُوا بالصَّلَاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم". رَوَاهُ [أبو ذَرّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابنُ عمرَ، مُتَّفَقٌ عليهِنَّ.] (٢٦) وهذا عامٌّ. وقال

стр. 542

القاضِى: إنَّما يُسْتَحَبُّ الإِبْرَادُ بثلاثةِ شرائِطَ (٢٧): شِدَّة الحَرِّ، وأن يكونَ في البُلْدَانِ الحَارَّةِ، ومساجدِ الجماعاتِ، فأمَّا مَنْ صَلَّاهَا في بيتِه، أو في مسجِدٍ بِفِنَاءِ بيتِه، فالأفضلُ تَعْجِيلُها. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ التَّأْخِيرَ إنما

стр. 543

اسْتُحِبَّ (٢٨) لِيَنْكَسِرَ الحَرُّ، ويَتَّسِعَ فَىْءُ الحِيطَانِ، ويَكْثُرَ السَّعىُ إلى الجَمَاعَاتِ، ومَنْ لَا يُصَلِّى في جماعةٍ لا حاجةَ به إلى التَّأْخِير. وقال القَاضِى في "الجَامِعِ" (٢٩): "فَرْقَ بين البُلْدَانِ الحَارَّةِ وغَيْرِها، [ولا بين كَوْنِ] (٣٠) المسجدِ يَنْتَابُه النَّاسُ أوْ لا، فإنَّ أحمدَ، ﵀، كان يُؤَخِّرُهَا في مسجدِه. ولم يكنْ بهذه الصِّفَةِ. والأَخْذُ بِظَاهِرِ الخَبَرِ أَوْلَى. ومعنى الإِبْرَادِ بها، تَأْخِيرُهَا حتى يَنْكَسِرَ الحَرُّ، ويَتَّسِعَ فَىْءُ الحِيطَانِ، وفي حديث أبى ذَرِّ: أن النَّبِىَّ ﷺ قال للمُؤَذِّن (٣١): "أَبْرِدْ" حتى رَأَيْنا فَىْءَ التُّلُول (٣٢) وهذا إنَّما يكون مع كَثْرَةِ تَأْخِيرِهَا، ولَا يُؤَخِّرها إلى آخِرِ وَقْتِهَا، بل يُصَلِّيها في وقتٍ إذا فَرَغَ يكونُ بَيْنَه وبين آخِرِ الوَقْتِ فَضْلٌ، وقد رَوَى ابْنُ مَسْعُود، قال: كان قَدْرُ صلاةِ (٣٣) رسولِ اللهِ ﷺ في الصيفِ ثلاثةَ أقدَامٍ، وفى الشتاءِ خَمْسَةَ أقدامٍ إلى سَبْعَةِ (٣٤) أقْدَامٍ. رَوَاهُ أبو داوُد والنَّسَائِىُّ (٣٥). فأمَّا الجُمُعَةُ فيُسَنُّ تَعْجِيلُها في كلِّ وقتٍ بعد الزَّوَالِ هن غَيْرِ إبْرَادٍ؛ لأنَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ، قال: كُنَّا نُجَمِّعُ مع رسول اللهِ ﷺ إذا زالَتِ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه (٣٦). ولم يَبْلُغْنَا أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجِّلُها، حتى قال سَهْلُ بن سعدٍ: ما كُنَّا

стр. 544

نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بعد الجُمُعَةِ. أخرجهُ البُخَارِىُّ (٣٧). ولأن السُّنَّةَ التَبْكِيرُ بِالسَّعْىِ إليها، ويَجْتَمِعُ الناسُ لها، فلو أخَّرَها لَتَأذَّى النَّاسُ بتَأْخِيرِ الجُمُعَةِ. فصل: ذَكَرَ القَاضِى أنَّه يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ في الغَيْمِ، وتَعْجِيلُ العَصْرِ والعِشَاءِ فِيه. قال: ونَصَّ عليه [أحمدُ، ﵀] (٣٨) في رِوَايَةِ الجماعةِ؛ منهم المَرُّوذِىّ، فقال: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ في يومِ الغَيْمِ، ويُعَجِّلُ العَصْرَ، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، ويُعَجِّلُ العِشَاءَ. وعَلَّلَ القاضِى ذلك بأنَّه وقتٌ يُخَافُ منه العَوَارِضُ والمَوَانِعُ؛ من المَطَرِ، والرِّيحِ، والبَرْدِ، فَتلْحَقُ المَشَقَّةُ في الخُرُوجِ لكلِّ صلاةٍ، وفى تأْخيرِ الصلاةِ الأُولَى من صلاتَىِ الجَمْعِ، وتَعْجِيلِ الثَّانِيةِ، دَفْعٌ لهذه المَشَقَّةِ؛ لكونه يَخْرُجُ إليهما خُرُوجًا واحدًا، فَيَحْصُلُ به الرِّفْقُ، كما يحصُلُ بِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ في وقتِ إحداهما، وبهذا قال أبو حنيفَة، والأوْزَاعِىُّ. ورُوِىَ عن عمر رضِىَ اللهُ عنه، مِثْلُ ذلك في الظُّهْرِ والعَصْرِ. وعنِ ابنِ مسعُودٍ: يُعَجِّلُ الظُّهْرَ والعصرَ، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ. وقال الحسنُ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ. وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنه يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فى غيرِ الحَرِّ، والمَغْرِبِ في كلِّ حالٍ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. قال: متى غَلَبَ على ظَنِّهِ دخولُ الوَقْتِ بِاجْتِهَادِهِ اسْتُحِبَّ له التَّعْجِيلُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ، ﵀، إنما أرَادَ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ لِيَتَيَقَّنَ

стр. 545

دُخُولَ وَقْتِهِمَا، ولا يُصَلِّى مع الشَّكِّ، وقد نَقَلَ أبو طالب كلاما يَدُلُّ على هذا، قال: يومُ الغَيْمِ يُؤَخِّرُ الظهْرَ (٣٩) حتى لَا يَشُكّ أنَّها قد حانت، ويُعَجِّلُ العَصْرَ، والمَغْرِبُ يُؤَخِّرُهَا حتى يَعْلَمَ أنَّه سَوَادُ اللَّيْلِ، ويُعَجِّلُ العِشاءَ. فصل: وأمَّا العَصْرُ فَتَعْجِيلُها مُسْتَحَبٌّ بكلِّ حالٍ، ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعُود، وعائشةَ، وأنَسٍ، وابْنِ المُبَارَكِ، وأهْلِ المدينةِ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاق. ورُوِىَ عن أبي قِلَابَة (٤٠)، وابنِ شُبْرُمَة (٤١)، أنَّهما قالا: إنَّما سُمِّيت العَصْرُ لِتُعْصَرَ. يعْنِيَانِ أن تَأْخِيرَها أفْضَلُ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: الأفضلُ فِعْلُها في آخِرِ وقتِها المُخْتَار؛ لِما رَوَى رافِعُ (٤٢) بن خَدِيجٍ، أن النَّبِىَّ ﷺ كان يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ العَصْرِ (٤٣). وعن عَلىِّ بنِ شَيْبَان، قال: قَدِمْنَا على رسولِ اللهِ ﷺ ، فكان يُؤَخِّرُ العَصْرَ ما دامَت (٤٤) بيضاءَ نَقِيَّةً. رواهُ أبو داوُد (٤٥) ولأنَّها آخِرُ صلاتَىْ جَمْعٍ، فاسْتُحِبَّ تأخِيرُها كصلاةِ العِشَاءِ. ولنا، ما ذَكَرْنَاهُ من حديثِ أبى بَرْزَةَ، وقال رَافِعُ بن خَدِيج: كنا نُصَلِّى مع رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ العَصْرِ، ثم يُنْحَرُ الجَزُورُ، فَيُقَسَّمُ عشرةَ أجْزَاءٍ، ثم يُطْبَخُ فيُؤْكَلُ لحْمًا نضِيجًا

стр. 546

قبلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عليهِ (٤٦)، وعن أبي أُمامَةَ [بن سَهْل] (٤٧) قال: "صَلَّيْنَا مع عمرَ بن عبدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ ثم خرَجْنَا حتى دخلنا على أنَسِ بنِ مالكٍ، فوجدنَاهُ يُصَلِّى العَصْرَ، فقُلْنَا. يا أبا حَمْزةَ (٤٨) ما هذه الصلاة التي صَلَّيْتَ؟ قال: العَصْرُ، وهذه صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ التي كنا نُصَلِّيها مَعَهُ. [مُتَّفَقٌ عليه] (٤٩). وعن أبِى الْمَلِيح، قال: كنَّا مع بُرَيْدةَ (٥٠) في غزوةٍ في يومٍ ذى غَيْمٍ، فقال: بَكِّرُوا بصلاةِ (٥١) العَصْرِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ". رواهُ البُخارِىُّ (٥٢). وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، والوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ". يَرْوِيهِ عبدُ اللهِ بن عمرَ العُمَرِىُّ (٥٣)، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غرِيبٌ. وأمَّا حديثُ رافِع الذي احْتَجُّوا به فلا يَصِحُّ. قالهُ التِّرْمِذِىُّ (٥٤). وقال الدَّارَقُطْنِىّ: يَرْوِيهِ عبدُ الوَاحِدِ بن نافِعٍ، وليس بِالقوىِّ، ولا يَصِحُّ عن رافِعٍ ولا عن غيرهِ من الصحابَةِ، والصَّحِيحُ عنهم تَعْجِيلُ صلاةِ العَصْرِ، والتَّبْكِيرُ بها (٥٥).

стр. 547

فصل: وأمَّا المَغْرِبُ فلا خِلافَ في اسْتِحْبابِ تَقْدِيمِها في غيرِ حالِ العُذْرِ، وهو قولُ أهلِ العِلْمِ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ومَنْ بَعْدَهُم. قالهُ التِّرْمِذِىُّ (٥٦). وقد ذكَرْنا في حديث جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّيهَا إذا وَجَبَتْ (٥٧). وقال رَافِعُ بن خَدِيج: كنا نُصَلِّى المَغْرِبَ مع النَّبِيِّ ﷺ ، فيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥٨). وعن أنَسٍ مِثْلُه، رَوَاهُ أبو داوُد (٥٩). وعن سَلَمة بن الأكْوَع، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى المَغْرِبَ ساعةَ تَغْرُبُ الشمسُ، إذا غابَ حاجِبُها. رواهُ أبو داوُد، والتِّرْمِذِىُّ (٦٠)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ (٦١). وهذا لفْظُ أبِى داوُد (٦٢). وفِعْلُ جِبْرِيل لها في اليوميْنِ في وقتٍ واحدٍ دليلٌ على تأكُّدِ (٦٣) اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِها (٦٤). فصل: وأما صلاةُ العِشاءِ فَيُسْتَحَبُّ تأْخِيرُها إلى آخِرِ وقتِها إنْ لم يَشُقّ، وهو اخْتِيَارُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ، من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، والتَّابِعين. قالهُ التِّرْمِذِىُّ (٦٥). حُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ أنَّ الأفضلَ تقْدِيمُها، لِقوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الوَقْتُ الأَوَّلُ رِضْوَانُ اللهِ، والوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ" (٦٦). ورَوَى القاسِمُ بن غَنَّامٍ، عن بعْضِ

стр. 548

أُمَّهَاتِهِ، عن أُمِّ فَرْوَةَ، قالتْ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إنَّ أحَبَّ الأَعْمَالِ إلَى اللهِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِها" (٦٧). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكن يؤخِّرها، وإنما أخَّرها ليلةً واحدةً، ولا يفعلُ إلَّا الأفْضَلَ. ولَنا، قولُ أبى بَرْزَةَ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَسْتَحِبُّ أن يُؤَخِّرَ من العِشَاءِ التي يدْعُونَها العَتَمَةَ (٦٨). وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَوْلَا أنْ أُشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ أنْ يُؤَخِّرُوا العِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أوْ نِصْفِهِ (٦٩) ". وهو حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ، وأحَادِيثُهم ضعيفةٌ. أمَّا خَبَرُ: "الوَقْتُ الأَوَّلُ رِضْوَانُ اللهِ" فيَرْوِيهِ عبدُ اللهِ [بن عمرَ] (٧٠) العُمَرىّ، وهو ضَعِيفٌ (٧١)، وحديثُ أُمِّ فَرْوَة رُوَاتُهُ مَجَاهِيلُ، قال أحمدُ، ﵀: لا أعْرِفُ (٧٢) شَيْئًا ثَبَتَ (٧٣) في أَوْقَاتِ الصلاةِ: أَوَّلُها كذا، وأَوْسَطُها كذا، وَآخِرُهَا كذا. يَعْنِى مَغْفِرَةً ورِضْوَانًا، وقال: ليس ذا ثابِتًا. ولو ثَبَتَ فالأَخْذُ بأحادِيثنا الخَاصَّة أَوْلَى من الأَخْذِ بِالعُمُومِ، مع صِحَّةِ أخْبَارِنا، وَضَعْفِ أخْبَارِهِم. فصل: وإنَّما اسْتُحِبَّ (٧٤) تَأْخِيرُهَا لِلْمُنْفَرِدِ ولجَماعةٍ (٧٥) رَاضِينَ بالتَّأْخِيرِ؛

стр. 549

فأمَّا مع المَشَقَّةِ على المَأْمُومِينَ أو بَعْضِهِم فلا يُسْتَحَبُّ، بل يُكْرَهُ. نَصَّ عليهِ أحمدُ، ﵀، قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبِى عبدِ اللهِ: كم قدْرُ تَأْخِيرِ العِشَاءِ؟ فقال ما قَدَرَ (٧٦) يُؤَخِّرُهَا بعد أنْ لا يَشُقَّ على المَأْمُومِينَ. وقد تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَأْخِيرَ العِشَاءِ، والأمْرَ بتَأْخِيرِهَا، كراهيَةَ المَشَقَّةِ على أُمَّتِهِ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِى شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ" (٧٧). وإنما نُقِلَ التَّأْخِيرُ عنه مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ، ولعلهُ كان لشُغْلٍ، أو بيانِ (٧٨) آخِرِ الوقتِ، وأما في سائِرِ أوقاتِهِ فإنَّما (٧٩) كان يُصَلِّيها، على ما رَوَاهُ جابِر، أحيانًا وأحيانًا، إذا رَآهُمْ قد اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهُمْ قد أبْطَأُوا أَخَّرَ (٨٠). وعلى ما رَوَاهُ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ، أنه كان يُصَلِّى العِشَاءَ لِسُقُوطِ القمَر لثَالِثَةٍ (٨١). فَيُسْتَحَبُّ للإِمامِ الاقْتَدَاءُ بالنَّبِىِّ ﷺ في إحْدَى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ولا يُؤَخِّرها تأخيرًا يَشُقُّ على المَأْمُومِينَ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يأمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، رِفْقًا بالمَأْمُومِينَ، وقال: "إنِّي لأَدْخُلُ في الصَّلَاةِ، وأنَا أرِيدُ إطَالَتَها، فأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ، فأُخَفِّفُهَا كَرَاهِيَةَ أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٨٢).

стр. 550

فصل: وأما صلاةُ الصُّبْحِ فالتَّغْلِيسُ بها أفضلُ، وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ وإسحاق. ورُوِىَ عن أبِى بكر، وعمرَ، وابنِ مسعودٍ، وأبى موسى، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعمر بن عبد العزيزِ، ما يَدُلُّ على ذلك. قال ابْنُ عبد البَرِّ: صَحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وعن أبي بكر وعمرَ وعثمانَ، أنهم كانوا يُغَلِّسُون (٨٣)، ومُحَالٌ أن يَتْرُكُوا الأفضلَ، ويأْتُوا الدُّونَ، وهم النِّهايةُ في إتْيَانِ الفَضَائِلِ. وَرُوِىَ عن أحمد، ﵀، أنَّ الاعْتِبَارَ بِحَالِ المَأْمُومِينَ، فإن أَسْفَرُوا فالأفضلُ الإِسْفَارُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك في العِشَاءِ، كما ذَكَرَ جابرٌ، فكذلك في الفجرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: الأفضلُ الإِسْفَارُ؛ لِما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "أَسْفِرُوا بالفَجْرِ، فإنَّه أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ" (٨٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ من حديثِ جابرٍ وأبِى بَرْزَةَ، وقولُ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الصُّبْحَ، فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٨٥). وعن أبي مسعودٍ الأنْصَارىّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ غَلَّسَ

стр. 551

بالصُّبْحِ، ثم أَسْفَرَ مَرَّةً، ثم لم يَعُدْ إلى الإِسْفَارِ حتى قَبَضَهُ اللهُ. رواهُ أبو داوُد (٨٦). قال الخَطَّابِىُّ: وهو صحيحُ الإِسْنَادِ (٨٧). وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: مَا صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ صَلَاةً لِوَقْتِها الآخِرِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ (٨٨). وهذا حديثٌ غَرِيبٌ، وليس إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. فأمَّا الإِسْفَارُ المذْكُورُ في حديثِهِم، فالمُرَادُ به تَأْخِيرُهَا حتى يَتَبَيَّنَ طلوع الفجرِ، ويَنْكَشِفَ يَقِينًا، من قولِهِم: أسْفَرَت المرأةُ، إذا كشفَتْ وَجْهَها. فصل: ولا يأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصلاةِ التي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، ولا بتأْخِيرِ ما يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُه، إذا أخَّرَهُ عازِمًا على فِعْلِهِ، ما لم يَخْرُج الوَقْتُ، أو يَضِيقُ عن فِعْلِ العِبَادَةِ جَمِيعِها؛ لأنَّ جِبْرِيلَ صلَّاها بالنَّبِىِّ ﷺ في أَوَّلِ الوقتِ وآخِرِهِ، وصَلَّاهَا النَّبِىُّ ﷺ في أَوَّلِ الوقتِ وآخِرِهِ، وقالا: "الوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ" ولِأَن الوُجُوبَ مُوَسَّعٌ فهو كالتَّكْفِيرِ، يجِبُ مُوَسَّعًا بين الأعْيَانِ، فإن أخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ على الفِعْلِ أَثِمَ بذلك التَّأْخِيرِ المُقْتَرِن بالعَزْمِ، وإنْ أَخَّرَهَا بِحَيث لم يَبْقَ من الوقتِ ما يَتَّسِعُ لجميع الصلاةِ أَثِمَ أيضًا؛ لأن الركعةَ الأَخِيرَةَ (٨٩) من جُمْلَةِ الصلاةِ، فلا يجُوزُ تأخِيرُها عن الوقتِ، كالأُولَى. فصل: وإنْ أخَّرَ الصلاةَ عن أولِ وقتِها بِنيَّةِ فِعْلِهَا، فمات قبل فِعْلِها، لم يكن عاصِيًا؛ لأنه فَعَلَ ما يَجُوزُ له فِعْلُهُ، والمَوْتُ ليس من فِعْلِهِ، فلا يأْثَمُ به. فصل: ومَنْ صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، لم تُجْزِئْهُ (٩٠) صلاتُه، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، سواءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، كُلَّ الصَّلَاةِ أو بَعْضَها. وبه قال الزُّهْرِىُّ،

стр. 552

والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبِى موسى، أنَّهما أعَادَا الفجرَ، لِأنَّهما صَلَّيَاهَا قبلَ الوَقْتِ. وَرُوِىَ عن ابن عباس، في مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قبل الزَّوَالِ، يُجْزِئهُ. ونحوَه قال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ. وعن مالكٍ كقولِنَا. وعنه فيمن صَلَّى العِشَاءَ قبل مَغِيبِ الشَّفَقِ جاهِلًا أو نَاسِيًا، يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، فإنْ ذهب الوقتُ قبل عِلْمِهِ، أو ذُكْرِه (٩١)، فلا شىْءَ عليه. ولَنا، أنَّ الخِطَابَ بالصلاةِ يَتَوَّجَهُ إلى المُكَلَّفِ عندَ دخولِ وقتِها، وما وُجِدَ بعد ذلك ما يُزِيلُه ويُبْرِىءُ الذِّمَّةَ منه، فيَبْقَى بِحالِه. ١١٩ - مسألة؛ قال: (وإذَا طَهُرَتِ (١) الحَائِضُ، وأَسْلَمَ الكَافِرُ، وبَلَغَ الصَّبِىُّ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ (٢) الشَّمْسُ، صَلُّوا الظُّهْرَ فَالعَصْرَ، وإنْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، وأَسْلَمَ الكَافِرُ، وطَهُرَت الحائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلَعَ الفَجْرُ، صَلُّوا المَغْرِبَ وعِشَاءَ الآخِرَةِ) ورُوِىَ هذا القَوْلُ في الحَائِضِ تَطْهُرُ عن عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، وابنِ عباسٍ، وطاوُس، ومُجَاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ورَبيعَةَ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاق, وأبِى ثَوْرٍ. قال الإِمامُ أحمدُ: عامَّةُ التَّابِعِين يقولُونَ بهذا القولِ، إلا الحسنَ وحدَه قال: لَا تَجِبُ إلَّا الصلاةُ التي طَهُرَتْ في وقتِها وَحْدَها. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لِأن وَقْتَ الأُولَى خَرَجَ في حالِ عُذْرِها، فلم تَجِبْ كما لو لم يُدْرِكْ مِنْ وقتِ الثَّانِيَةِ شيئًا. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إذا أدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيةِ، وَجَبَتِ الأُولَى؛ لأنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الأُولَى من الخَمْسِ وقتٌ للصَّلَاةِ الأُولَى في حالِ العُذْرِ، فوَجَبَتْ بِإدْرَاكِهِ، كما لو أدْرَكَ ذلك من وقْتِهَا المُخْتَار، بخِلَافِ ما لو أدْرَكَ دون ذلك. ولَنا, ما رَوَى الأثْرَمُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغيرُهما، بإسْنَادِهِم عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وعبدِ اللهِ

стр. 553

ابنِ عباس، أنَّهما قالَا على (٣) الحَائِضِ تَطْهُرُ قبلَ طُلُوعِ الفجرِ بِركْعَةٍ: تُصَلِّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ، فإذا طَهُرَتْ قَبْلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسَ، صلَّت الظُّهْرَ والعَصْرَ جميعًا. ولأن وقتَ الثَّانِية وقتٌ للأُولَى (٤) حَالَ العُذْرِ، فإذا أَدْرَكَهُ المَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُها، كَما يَلْزَمُه فَرْضُ الثَّانِيَة. فصل: والقَدْرُ الذي يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ. وقال الشَّافِعِىُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ؛ لأنَّ ذلك هو الذي رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ وابْنِ عباسٍ، ولأنه إدْرَاكٌ تعَلَّقَ بهِ إدْرَاكُ الصلاةِ، فلم يكن بأَقَلَّ من ركْعَةٍ كإدْرَاكِ الجُمُعَةِ. وقال مالكٌ: خَمْسُ رَكَعَاتٍ. ولَنا، أنَّ ما دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ بهِ الثَّانِيَةُ، فَوَجَبَتْ به الأُولَى، كالرَّكْعَةِ والخَمْسِ عند مالكٍ، ولأنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فيهِ القليلُ والكثِيرُ، كإدْرَاكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّما اعْتُبِرَتِ الرَّكْعَةُ بِكَمَالِها؛ لكَوْنِ الجَمَاعَةِ شَرْطًا فيها فاعْتُبِرَ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ كَيْلَا يَفُوتَه شَرْطُها في مُعْظَمِها، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: وإنْ أدرَكَ المُكَلَّفُ من وَقْتِ الأُولَى من صَلَاتَى الجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بهِ، ثم جُنَّ أو كانت امْرَأةً فحاضتْ، أو نُفِسَتْ، ثم زالَ العُذْرُ بعد وقْتِهَا، لم تَجِب الثَّانِيَةُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، ولا يَجِبُ قَضَاؤُهَا. وهذا اخْتيارُ ابْنِ حامِدٍ. والأُخْرَى: يَجِبُ ويَلْزَمُ (٥) قَضَاؤُها؛ لأنَّها إحْدَى صَلَاتَىِ الجَمْعِ، فَوَجَبَتْ بإدْرَاكَ جُزْءٍ من وقْتِ الأُخْرَى، كالأُولَى. ووَجْهُ الأُولَى أنه لم يُدْرِكْ جُزْءًا من وقتِهَا، ولا وقتِ تَبَعِها، فلم تَجِبْ، كما لو لم يُدْرِكْ من وَقْتِ الأُولى شَيْئًا، وفارَق مُدْرِكَ وقتِ الثَّانِيَةِ، فإنَّه أَدْرَكَ وقتَ تَبَعِ الأُولَى، فإنَّ الأُولَى تُفْعَلُ في وقتِ الثَّانِيَةِ مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً يَجِبُ تَقْدِيمُها، والبدَايةُ بها، بخِلَافِ الثَّانِيَةِ مع الأُولَى، ولِأَنَّ مَنْ لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ إلَّا في وقتِ الثَّانِيَةِ ليس وقتُ الأُولَى عندهُ وقتًا

стр. 554

للثَّانِيَةِ بِحالٍ، فلا يكونُ مُدْرِكًا لشىءٍ من وقتِها، ووقتُ الثَّانِيَةِ وقتٌ لهما جميعًا، لجَوَازِ فِعْلِ الأُولَى في وقتِ الثَّانِيَةِ، ومَنْ جَوَّزَ الجَمْعَ في وقتِ الأُولَى، فإنهُ يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ رُخْصَةً تَحْتَاجُ إلى نيَّةِ التَّقْدِيم، وتَرْكَ التَّفْرِيقِ، ومتى أَخَّرَ الأُولَى إلى الثَّانِيَةِ كانت مَفْعُولَةً لا وَاجِبَةً، لا يجوزُ ترْكُها، ولا يَجِبُ نِيَّةُ جَمْعِها، ولا يُشْتَرَطُ تَرْكُ التَّفْرِيقِ بينهما، فلا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلى الأُولَى، والأصلُ أن لا تَجِبَ صلاةٌ إلا بإدْراكِ وقتِها. فصل: وهذه المسألة تَدُلُّ على أن الصلاةَ لا تَجِبُ على صَبِىٍّ، ولا كافِرٍ، ولا حائِضٍ؛ إذْ لو كانتِ الصلاةُ وَاجَبةً عليهِم لم يَكن لتَخْصِيصِ القَضَاءِ بهذه الحالِ معنًى، وهذا الصَّحِيحُ في المَذْهَبِ. فأما الحائِضُ، فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهَا في بابِهَا، وأما الكافِرُ فإنْ كان أصْليًّا لم يَلْزَمْهُ قَضَاءُ ما تَرَكَهُ من العبَادَاتِ في حَالِ كُفْرِهِ، بِغَيْرِ خلَافٍ نعْلَمُهُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦)، وأسْلَمَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وبَعْدَهُ، فلم يُؤْمَرْ أحَدٌ منهم بِقَضَاءٍ، ولأنَّ فِي إيجَابِ القَضَاءِ عليه تَنْفِيرًا عن الإِسْلَامِ، فعُفِىَ عنه. [وقد اخْتَلَفَ] (٧) أَهْلُ العِلْمِ في خِطَابِه بفرُوعِ الإِسْلامِ في حالِ كُفْرِهِ، مع إجْمَاعِهِمْ على أنَّه لا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُها بعدَ إسْلامِه، وحُكِىَ عن أحمد في هذا روايَتَانِ. وأمَّا المُرْتَدُّ، فَذَكَرَ أبو إسحاق ابن شَاقْلَا (٨)، عن أَحمد، في وجوبِ القَضَاءِ عليه، روايَتَيْن: إحداهُما لا يلزَمُه. وهو ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ في هذه المسألةِ، فعلى هذا لا يلْزَمُهُ قضاءُ ما تَرَكَ في حالِ كُفْرِهِ، ولا في حالِ إسْلَامِهِ قبلَ رِدَّتِهِ. ولو كان قد حَجَّ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ؛ لأن عَمَلَهُ قد حَبطَ بِكُفْرِهِ، بدَلِيلِ قَوْلِ اللهِ

стр. 555

تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٩). فصارَ كالكافِرِ الأصْلِىِّ في جَمِيعِ أحْكَامِهِ. والثَّانية، يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرك مِن العباداتِ في حالِ رِدَّتِه، وإسْلَامِه قبلَ رِدَّتِه، ولا يجبُ عليه إعادةُ الحجِّ؛ لأنَّ العملَ إنَّما يَحْبَطُ بالإِشْراكِ مع المَوْتِ، لقولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١٠). فشَرَطَ الأمْرَيْنِ لِحُبُوطِ العَمَلِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ (١١) المُرْتَدَّ أقَرَّ بوُجُوبِ العِبادَاتِ عليهِ، واعْتَقَدَ ذلك وقَدَرَ على التَّسَبُّب إلى أدَائِهَا، فلَزِمَهُ ذلك، كالمُحْدِثِ. ولو حاضَتِ المرأةُ المُرْتَدَّةُ لم يَلْزَمْها قَضَاءُ الصلاةِ في زمنِ حَيْضِها؛ لأن الصلاةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عليها في تلك الحَالِ. وذَكَرَ القَاضِى رِوَايةً ثَالِثَةً، أنه لا قضاءَ عليه لِمَا تَرَكَ في حالِ رِدَّتِهِ؛ لأنهُ تَرَكَه في حالٍ لم يكن مُخَاطَبًا بها لِكُفْرِهِ، وعليهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ في إسْلَامِهِ قبلَ الرِّدَّةِ؛ لأَنَّه (١٢) كان واجِبًا عليه، ومُخَاطَبًا به قبلَ الرِّدَّةِ، فبَقِىَ (١٣) الوُجُوبُ عليه بحَالِه. قال: وهذا المَذْهَبُ. وهو قولُ أبى عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، وعلى هذا لا يلْزَمُه اسْتِئْنَافُ الحَجِّ إن كان قد حَجَّ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ منه بِفِعْلِهِ قبل الرِّدَّةَ، فلا (١٤) يشْتَغِلُ بهِ بعدَ ذلك، كالصلاةِ التي صلَّاهَا في إسلامِهِ؛ لِأنَّ (١٥) الرِّدَّةَ لو أسْقَطَتْ حَجَّه وأبْطَلَتْه، لأَبْطَلَتْ سَائِرَ عِبَادَاتِه المَفْعُولة قبلَ رِدَّتِه. فصل: فأمَّا الصبِىُّ العاقلُ فلا (١٦) تَجِبُ عليهِ في أصحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وعنه أنَّها تَجِبُ على مَنْ بلغ عَشْرًا، وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاء اللهُ تعالى. فعلى قولِنَا إنَّها لا

стр. 556

تَجِبُ عليه، متى صَلَّى في الوقتِ، ثم بَلَغَ فيه بَعْدَ فَرَاغِهِ منها، أو (١٧) في أثنائِها، فعليهِ إعادَتُها. وبهذا قال أبو حنيفَة. وقال الشَّافِعِىُّ: تُجْزِئُه، ولا يلْزَمُهُ إعادتُها في المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّه أدَّى وظِيفَةَ الوقتِ، فلم يلْزَمْهُ إعادَتُها، كالبالِغِ. ولَنا، أنَّه صَلَّى قبلَ وُجوبِهَا [عليه، وقبلَ سَببِ وُجوبِها] (١٨)، فلم تُجْزِهِ عَمَّا وُجِدَ سَبَبُ وجُوبِهَا عليه، كما لو صَلَّى قبل الوقتِ، ولأنَّه صَلَّى نَافِلَةً، فلم تُجْزِهِ عن الواجِبِ، كما لو نَوَى نَفْلًا، ولأنه بَلَغَ في وقتِ العبَادَةِ وبَعْدَ فعْلِهَا، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُها كالحَجِّ، ووظيفَةُ الوقتِ في حق البالِغِ ظهرًا واجبَة، ولم يأتِ بها. فصل: والمجنُونُ غيرُ مُكَلَّفٍ، ولا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ ما تَرَكَ في حالِ جنُونِهِ، إلَّا أن يُفِيقَ في وقتِ الصلاةِ، فيَصِيرُ كالصَّبِىِّ يَبْلُغُ. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وعَنِ المَعْتُوهِ حتَّى يَعْقِلَ". أخرجَهُ أبو داوُد، وابن ماجَه، والتِّرْمِذِىُّ (١٩)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّ مُدَّتَه تطُولُ غالبًا، فوُجُوبُ القَضَاءِ عليهِ يَشُقُّ، فَعُفِىَ عنه. ١٢٠ - مسألة؛ قال: (والمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِى جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الَّتِى كَانَتْ فِي حَالِ إغْمَائِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أن المُغْمَى عليهِ حُكْمُه حُكْمُ النائِم، لا يَسْقُطُ عنه قَضاءُ شيءٍ

стр. 557

من الواجِبَاتِ الَّتى يَجِبُ قَضَاؤُهَا على النَّائِمِ؛ كالصَّلَاةِ والصيامِ. وقال مالك، والشَّافِعِىُّ: لا يلزَمُه قضاءُ الصلاةِ إلا أن يُفِيقَ في جزء من وقْتِهَا؛ لأنَّ عائشة سَأَلَتْ رسولَ اللهِ ﷺ عن الرَّجُلِ يُغْمَى عليه، فَيَتْرُكُ الصلاةَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أن يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُفِيقَ في وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَها" (٢٠). وقال أبو حنيفَة: إنْ أُغْمِىَ عليه خَمْسَ صلواتٍ قَضاها، وإن زادَتْ سَقَطَ فَرْضُ القَضَاءِ في الكُلِّ؛ لأنَّ ذلك يَدْخُلُ في التَّكْرَارِ، فأسْقَطَ القَضَاءَ، كالجُنُونِ. ولَنا، ما رُوِىَ، أنَّ عَمَّارًا غُشِىَ عليهِ أيامًا لا يُصَلِّى، ثم اسْتَفَاقَ بعدَ ثَلَاثٍ، فقيل (٢١): هل صَلَّيْتَ؟ فقال: (٢١) ما صَلَّيْتُ منذُ ثَلَاثٍ. فقال: أعْطُونِى وَضُوءًا، فتَوَضَّأ، ثم صَلَّى تلك اللَّيْلَة. ورَوَى أبو مِجْلَز، أنَّ سَمُرَةَ بن جُنْدَب، قال: المُغْمَى عليهِ يَتْرُكُ الصلاةَ، أو فيَتْرُك الصلَاةَ، يُصَلِّى مع كُلِّ صلاةٍ صلاةً (٢٢) مِثْلَها. قال: قال عِمْرَان (٢٣): زَعَم (٢٤)، ولكنْ ليُصَلِّيهِنَّ جَمِيعًا. رَوَى (٢٥) الأثْرَمُ هذين الحدِيثَيْنِ في "سُنَنِه" (٢٦). وهذا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وقولُهُم، ولا نَعْرِفُ لهم مُخَالِفًا، فكان إجْمَاعًا. ولأن الإِغْمَاءَ لا يُسْقِطُ فَرْضَ الصيامِ، ولا يُؤَثِّرُ في اسْتِحْقَاقِ الوِلايةِ على المُغْمَى عليهِ، فأشْبَهَ

стр. 558

النومَ. فأما حدِيثُهُم فباطِلٌ يَرْوِيهِ الحكَمُ (٢٧) ابنُ سعدٍ، وقد نَهَى أحمد، ﵀، عن حدِيثِهِ، وضعَّفَهُ ابن المُبَارَكِ، وقال البخارِىُّ: تركُوهُ. وفى إسنادِهِ خارِجَةُ بن مُصْعَب (٢٨)، وهو ضعِيفٌ أيضًا. ولا يصِحُّ قيَاسُهُ على المجنونِ؛ لأنَّ المجنونَ تتطَاوَلُ مُدَّتُه غالبًا، وقد رُفِعَ القلمُ عنه، ولا يلْزَمُهُ صيامٌ، ولا شيءٌ من أحكامِ التَّكْلِيفِ، وتَثْبُتُ الوِلايةُ عليهِ، ولا يجُوزُ على الأنبياء ﵈، والإِغْمَاءُ بخِلَافِهِ، وما لا يُؤَثِّرُ في إسقاطِ الخَمْسِ لا يُؤَثِّرُ في إسقَاطِ الزَّائِدِ عليها، كالنومِ. فصل: ومَنْ شَرِبَ دواءً فزَالَ عَقْلُهُ به نَظَرْتَ؛ فإنْ كان زَوَالًا لا يدومُ كثيرًا، فهو كالإغماءِ، وإن كان يتَطَاوَلُ، فهو كالجنونِ. وأما السُّكْرُ، ومَنْ شَرِبَ مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَهُ وقتًا دون وقتٍ، فلا يُؤَثِّرُ في إسقاطِ التَّكْلِيفِ، وعليه قَضَاءُ ما فاتَهُ في حالِ زَوالِ عَقْلِه. لا نعْلَمُ فيه خلَافًا؛ لأنَّه (٢٩) إذا وجَبَ عليهِ القَضَاءُ بالنومِ المُبَاحِ، فبالسُّكْرِ المُحَرَّمِ أوْلَى. فصل: وما فِيهِ السُّمُومُ من الأدْوِيَةِ؛ إنْ كان الغَالبُ من شُرْبِهِ واستِعْمَالِهِ الهَلَاكُ به، أو الجنونُ، لم يُبَحْ شُرْبُه، وإن كان الغَالِبُ منه السلامةُ ويُرْتَجَى منه المَنْفَعَةُ، فالأوْلَى إباحَةُ شُرْبِه، لِدَفْعِ ما هو أخطَرُ منه، كغَيْرِهِ من الأدوِيَةِ، ويحْتَمِلُ أن لا يُبَاحَ؛ لأنَّه يُعَرِّضُ نفسَه للهلاكِ، فلم يُبَحْ، كما لو لم يُرِدْ به التَّدَاوِى. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كثيرًا من الأدوِيَةِ يُخَافُ منه، وقد أُبيحَ لدَفْعِ ما هو أضَرُّ منه، فإذا قُلنا يَحْرُمُ شُرْبُهُ، فهو كالمُحَرَّمَاتِ من الخَمْرِ ونحوِه، وإن قلنا يُباحُ، فهو كسائرِ الأدوِيَةِ المُبَاحَة. واللهُ أعلمُ.

стр. 559

باب الأذان الأذانُ إعْلَامٌ بوقتِ الصلاةِ. والأصْلُ في الأذانِ الإِعْلَامُ، قال اللهُ : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣٠) أىْ: إعْلَامٌ، و: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٣١). أي (٣٢) أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا في العِلْمِ. وقالَ الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ: (٣٣) آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أسْمَاءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُملُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ (٣٤) أي: أعْلَمَتْنا. والأذانُ الشَّرْعِىُّ هو اللَّفْظُ المعلُومُ المَشْرُوعُ في أوقاتِ الصلواتِ للإِعْلَامِ بوقْتِها. وفيه فَضْلٌ كثِيرٌ وأجْرٌ عظيمٌ، بدليلِ ما رَوَى أبو هريرة، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ". وقال أبو سعيدٍ الخُدْرِىِّ: "إذا كنتَ في غَنمِكَ، أو بادِيَتِكَ، فأذَّنْتَ بالصلَاةِ، فارْفَعْ صوتَكَ بالنِّدَاءِ؛ فإنَّه لا يَسْمَعُ صَوْتَ المؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شيءٌ إلَّا شَهِدَ له يومَ القيامَةِ". قال أبو سعيد: سَمِعْتُهُ من رسولِ اللهِ ﷺ . أخرجهما البخاريُّ (٣٥). وعن مُعَاوِيَة قال:

стр. 560

سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ". أخرجهُ مُسْلِمٌ (٣٦). وعن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ المِسْكِ" أُرَاهُ قال: "يَوْمَ القِيَامَةِ، يَغْبِطُهُم الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ، رَجُلٌ نَادَى بالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ راضُونَ، وعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّه وحَقَّ مَوَالِيهِ". أخرجهُ التِّرْمِذِىُّ (٣٧)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. فصل: واختَلَفَتِ الرِّوَايَةُ، هل الأذانُ أفضلُ من الإِمامَةِ، أوْ لَا؟ فَرُوِىَ أن الإِمامَةَ أفضلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ توَلَّاهَا بنَفْسِهِ، وكذلك خُلفاؤُه، ولم يتَوَلَّوْا الأذان، ولا يَخْتَارُونَ إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإِمامةَ يُخْتَارُ لها مَنْ هو أكْمَلُ حالًا وأفضلُ، واعْتِبَارُ فَضِيلَتِهِ دليلُ فَضِيلَةِ مَنْزِلَتِه. والثَّانِيَةُ، الأذانُ أفضلُ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لِمَا رَوَيْنَا من الأخبارِ في فَضِيلَتِهِ، ولِمَا رَوَى أبو هُرَيْرة، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الإِمَامُ ضَامِنٌ، والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ

стр. 561

الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ للمُؤَذِّنِينَ". أخرجهُ أبو داود، والنَّسَائِىُّ (٣٨) والأَمَانَةُ أعلى من الضَّمَانِ، والمغْفِرةُ أعلى من الإِرْشادِ، ولم يتولَّهُ النَّبِىُّ ﷺ ، ولا خُلَفَاؤُهُ؛ لضِيقِ وقتِهم عنه، ولهذا قال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: "لَوْلَا الخِلَافةُ لَأذَّنْتُ". وهذا اختيارُ القاضِى، وابن أبي موسى، وجماعَةٍ من أصْحابِنا (٣٩). واللهُ أعلمُ. فصل: والأصْلُ في الأذانِ، ما رَوَى محمدُ بن إسحاق، قال (٤٠): حَدَّثَنِى محمد بن إبْراهيمَ بن الحارثِ التَّيْمِىِّ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ زيد بنِ عبدِ رَبِّه، قال: حدثنِى أبِى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ به لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصلاةِ، طَافَ بى وأنا نائمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا في يدهِ، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتبيعُ الناقوسَ؟ فقال: وما تَصْنَعُ به؟ قلتُ: نَدْعُو بهِ إلى الصَّلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَيْرٌ من ذلك؟ فقلتُ له (٤١): بلى، فقال: تقولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الفَلَاحِ، حَىَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. قال: ثم استَأخَرَ عَنِّى غيرَ بَعيدٍ، ثم قال: تقولُ إذا أقَمْتَ الصلَاة: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الفلاحِ، قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. فلمَّا أصْبَحْتُ أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأخبرته بما رأيتُ، فقال: "إنَّها رُؤْيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ،

стр. 562

فإنَّه أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ"، فقُمْتُ مع بلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عليه، ويُؤَذِّنُ به، فسَمِعَ ذلك عمر بنُ الخطابِ وهو في بَيْتِه، فخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءهُ، فقال يا رسولَ اللهِ، والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لقد رأَيْتُ مثلَ الذي رأى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ". روَاهُ الأثْرمُ، وأبو داود (٤٢)، وذَكَرَ التِّرْمِذِىُّ آخِرَهُ بهذا الإِسناد (٤٣)، وقال: هو حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أن الأذانَ مَشْرُوعٌ للصّلواتِ الخَمْسِ. ١٢١ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ويَذْهَبُ أبُو عَبْدِ اللهِ، ﵀، إلَى أذَانِ بِلَالٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، [حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ] (١)، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ.) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ اختيارَ أحمدَ، ﵀، من الأذانِ أذَانُ بِلَالٍ، رضى اللهُ عنهُ، وهو كمال وَصَفَ الْخِرَقِىُّ. وجاء في خبرِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وهو خَمْسَ عشرةَ كِلمَةً، لا تَرْجِيعَ فيه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وإسحاقُ. وقَال مالك، والشَّافِعِىُّ، ومَنْ تَبِعَهُمَا من أهلِ الحِجَازِ: الأذانُ المسْنُونُ أذانُ أبي مَحْذُورَةَ، وهو مِثْلُ ما وَصَفْنَا، إلَّا أنَّه يُسَنُّ التَّرْجِيعُ، وهو أنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، يَخْفِضُ بِذلك صَوْتَهُ، ثم يُعِيدُهُمَا رافِعًا بهما صَوْتَهُ، إلا أنَّ مالكًا قال: التَّكْبِيرُ في أوَّلِهِ مَرَّتَانِ حَسْبُ. فيكونُ الأذانُ عندَهَ سَبْعَ عشرةَ كلمةً، وعند الشَّافِعِىِّ تِسْعَ عشرةَ كلمةً. واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو مَحْذُورَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَقَّنَهُ الأذانَ، وألقَاهُ عليه، فقال له تقولُ: "أَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ

стр. 563

أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ (٢)، ثمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ. أَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" (٣). ثم ذَكَرَ سَائِرَ الأذَانِ. [أخْرجَه مسلم] (٤)، واحْتَجَّ مالك بأنَّ ابن مُحَيْرِيزٍ (٥)، قال: كان الأذانُ الذي يُؤَذِّنُ به أبو مَحْذُورَة، اللهُ أَكبرُ اللهُ أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ. [أخْرجَه مسلم] (٦). ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، والأخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لأنَّ بلالًا كان يُؤَذِّنُ بهِ مع رسولِ اللهِ ﷺ دائِمًا، سَفَرًا وحَضَرًا، وأقَرَّهُ النَّبِىُّ ﷺ على أذانِهِ بعدَ أذانِ أبي مَحْذُورَةَ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ: إلى أىِّ الأذانِ يَذْهَبُ؟ قال: إلى أذانِ بِلَالٍ، رواهُ محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهِيم، عن محمد بنِ عبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ، ثم وَصَفَهُ. قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: ألَيْسَ حديثُ أبِى مَحْذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ؛ لأن حديثَ أبِى مَحْذُورَة بعدَ فَتْحِ مكة؟ فقال: أليس قد رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المدينة؛ فأَقَرَّ بِلَالًا على أذانِ عبدِ اللهِ بْن زيدٍ؟ وهذا من الاخْتِلَافِ المُبَاح، فإن رجَّع فلا بأْسَ. نَصَّ عليه أحمد. وكذلِك قال إسحاقُ؛ فإنَّ الأمْرَيْن كلاهما قد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أَمَرَ أبا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ

стр. 564

الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا، ليَحْصُلَ لهُ الإِخْلَاصُ بهما، فإن الإِخلاصَ في الإِسْرَارِ بهما أبْلَغُ من قولِه (٧) إعْلَانًا للإعلامِ، وخَصَّ أُبا مَحْذُورَةَ بذلكَ، لأنَّه لم يَكُنْ مُقِرًّا بهما حينئذٍ، فإنَّ في الخَبَرِ أنه كان مُسْتَهْزِئا يَحْكِى أذانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَدَعاهُ، فأمَرَهُ بالأذَانِ، قال: ولا شىءَ عندى أبْغَضُ من النَّبِيِّ ﷺ ، ولا ممَّا يَأْمُرُنِى بهِ. فقَصَدَ النَّبِىُّ ﷺ نُطْقَه بِالشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيُسْلِمَ بذلك، ولا يُوجَدُ هذا في غيره، ودليلُ هذا الاحْتِمال كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ لم يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، ولا غيرَه مِمَّنْ كانَ مُسْلِمًا ثَابِتَ الإِسلامِ. واللهُ أعلمُ. ١٢٢ - مسألة؛ قال: (والإِقَامَةُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ) وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: الإِقامةُ مثل الأذانِ، ويَزِيدُ الإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّ الذِى عَلَّمَهُ الأذانَ أمْهَلَ هُنَيْهَةً (١)، ثم قامَ فقال مِثْلَها. رَوَاهُ أبو داود (٢). ورَوَى ابن مُحَيْرِيزٍ، عن أبِى مَحْذُورَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ علَّمَهُ الإِقامةَ سَبْعَ عَشرةَ كَلِمَةً (٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقال مالكٌ: الإِقامةُ عَشْرُ كَلِمَاتٍ، تقولُ: قد قامتِ الصلاةُ مَرَّةً واحدةً؛ لِما رَوَى أنَسٌ، قال: أُمِرَ بِلَالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإِقامةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ أنَّه قال، إنَّما كان الأذانُ على عهدِ

стр. 565

رسولِ اللهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإِقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، إلَّا أنه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ. أخرجه [أبو داود] (٥)، والنَّسَائِىُّ (٦). وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه وَصَفَ الإِقامةَ كما ذَكَرْنَا، رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، عن يعقوبَ بنِ إبراهِيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ، عن محمدِ بنِ إسحاق، بالإِسنادِ الذي ذَكَرْنَاهُ. وما احْتَجُّوا به من قولِهِ: فقامَ فقال مِثْلَها. فقد قال التِّرْمِذِىُّ: الصحِيحُ مثلُ ما رَوَيْنَاه (٧). وقال ابن خُزَيْمَة (٨): الصحِيحُ ما رواهُ محمد بن عبدِ اللهِ بن زيدٍ عن أبيه: "ثم اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وجَعَلَها وِتْرًا، إلَّا [أنه قال] (٩): قد قامتِ الصلاةُ قد قامتِ الصلَاةُ". وهذه زِيَادَةُ بَيَانٍ يَجِبُ الأَخْذُ بها، وتَقْدِيمُ العَمَلِ بهذه الرِّوَايَةِ المَشْرُوحة. وأما خَبَرُ أبي مَحْذُورَةَ في تَثْنِيَةِ الإِقَامَةِ، فإنْ ثَبَتَ كان الأخذُ بخَبَرِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ أَوْلَى؛ لأنَّه أذانُ بِلَالٍ، وقد بَيَّنَّا وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ في الأذانِ، فكذا (١٠) في الإِقَامَةِ، وخَبَرُ أبي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ
следующие страницы →