← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

تَفْسُدُ التَّسْمِيةُ، ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهدا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يَرْضَ بالمُسَمَّى (١٨) إلَّا بشرطِ أن يُزَوِّجَ (١٩) وَلِيُّه صاحِبَه، فيَنْقُصَ (٢٠) المَهْرُ لهذا الشَّرْطِ، وهو باطلٌ، فإذا احْتَجْنَا إلى ضَمانِ النَّقْصِ، صار المُسَمَّى مَجْهُولًا، فبَطَلَ. والوجه الثانى (٢١) ذَكَره القاضى فى "الجامعِ"، أنَّه يَجِبُ المُسَمَّى؛ لأنَّه ذَكَرَ قَدْرًا مَعْلومًا يَصْلُحُ (٢٢) أن يكونَ مَهْرًا، فصَحَّ (٢٣)، كما لو قال: زَوَّجْتُكَ ابنتِى على أَلْفٍ، على أَنَّ لى منها مائةً. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإن سَمَّى لإِحْداهما مَهْرًا دُونَ الأُخْرَى، فقال أبو بكرٍ: يَفْسُدُ النِّكاحُ فيهما؛ لأنَّه فَسَدَ فى إحداهما، ففَسَدَ فى الأُخْرَى. والأَوْلَى أَنَّه يَفْسُدُ فى التى لم يُسَمِّ لها صَدَاقًا؛ لأنَّ نِكاحَها خَلَا منٍ صَدَاقٍ سِوَى نكاحِ الأُخْرَى، ويكونُ فى التى سَمَّى لها صَداقًا رِوَايتانِ؛ لأنَّ فيه تَسْمِيَةً وشَرْطًا، فأشْبَهَ ما لو سَمَّى لكلِّ واحدةٍ منهما (٢٤) مَهْرًا. ذكَرَه القاضى هكذا. فصل: فإن قال: زَوَّجْتُكَ جارِيَتِى هذه، على أن تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ، وتكونَ رَقَبَتُها صَداقًا لِابْنَتِكَ. لم يَصِحَّ تَزْويجُ الجاريةِ، فى قياس المذهبِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها صَداقًا سِوَى تَزْويِجِ ابْنَتِه. وإذا زَوَّجَه ابْنَتَه، على أن يَجْعلَ رَقَبةَ الجاريةِ صَداقًا لها، صَحَّ؛ لأنَّ الجاريةَ تَصْلُحُ أن تكونَ صَداقًا. وإن زَوَّجَ عبدَه امرأةً، وجعل رَقَبَتَه صَداقًا لها، لم يَصِحَّ الصَّداقُ؛ لأنَّ مِلْكَ المرأةِ زَوْجَها يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، فيَفْسُدُ الصَّداقُ، ويَصِحُّ النِّكاحُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.

стр. 5007

١١٧٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) معنى نكاحِ المُتْعةِ أن يتَزَوَّجَ المرأةَ مُدّةً، مثل أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى شَهْرًا، أو سَنَةً، أو إلى انْقِضاءِ المَوْسِمِ، أو قُدُومِ الحاجِّ. وشِبْهِهِ، سواءٌ كانت المُدَّةُ معلومةً أو مجهولةً. فهذا نِكاحٌ باطلٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: نكاحُ المُتْعةِ حَرَامٌ. وقال أبو بكرٍ: فيها رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها مَكْرُوهةٌ غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ ابنَ مَنْصورٍ سألَ أحمدَ عنها، فقال: يَجْتَنِبُها أحَبُّ إلى. قال: فظاهرُ هذا (١) الكَرَاهةُ دُونَ التَّحْريمِ. وغيرُ أبى بكرٍ من أصحابِنا يَمْنَعُ هذا، ويقولُ: فى (٢) المسألةِ رِوايةٌ واحدةٌ فى تَحْرِيمِها. وهذا (٣) قولُ عامَّةِ الصَّحابةِ والفُقَهاءِ. وممَّن رُوِىَ عنه تَحْرِيمُها عمرُ، وعلىٍّ، وابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ وعلى تَحْريِم المُتْعةِ مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو حنيفةَ فى أهلِ العراقِ (٤)، والأوْزَاعِىُّ فى أهلِ الشامِ، واللَّيْثُ فى أهل مِصْرَ، والشافعىُّ، وسائرُ أصحابِ الآثارِ. وقال زُفَرُ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ. وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها جائزةٌ. وعليه أكْثَرُ أصْحابِ (٥) عطاءٍ وطاوسٍ. وبه قال ابنُ جُريْجٍ. وحُكِىَ ذلك عن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، وجابرٍ. وإليه ذَهَبَ الشِّيعةُ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أذَنَ فيها. ورُوِىَ أن عمرَ قال: مُتْعَتان كانَتَا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، [أنا أنْهَى] (٦) عنهما، وأعاقِبُ عليهما؛ مُتْعةُ النِّساءِ، ومتعةُ الحَجِّ (٧). ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ، فيكون (٨) مُؤَقّتًا، كالإِجَارَةِ. ولَنا، ما رَوَى الرَّبِيعُ بن سَبْرَةَ، أَنَّه قال: أشهدُ على

стр. 5008

أبِى، أنَّه حَدَّثَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عنه فى حِجَّة الوَدَاعِ (٩). وفى لَفْظٍ: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَرَّمَ مُتْعةَ النِّساء. رواه أبو داودَ (١٠). وفى لفظٍ روَاه ابنُ ماجَه (١١)، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال (١٢): "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنِّى كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِى الاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَها إلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ورُوِىَ عن علىِّ بن أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن مُتْعةِ النِّساءِ يومَ خَيْبَرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. روَاه مالكٌ، فى "المُوَطَّأِ"، وأخْرَجه الأئِمَّةُ النَّسَائِىُّ وغيرُه (١٣). واختلفَ أهلُ العلمِ فى الجَمْعِ بين هذين الخَبَرَيْنِ، فقال قومٌ: فى حديثِ علىّ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتقديرُه أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهليةِ يومَ خيبرَ، ونَهَى عن مُتْعةِ النساءِ، ولم يَذْكُرْ مِيقاتَ النَّهْى عنها، وقد بَيَّنَه الرَّبيعُ بن سَبْغ فى حَدِيثِه، أنَّه كان فى حَجَّةِ الوَداعِ. حكاه الإِمامُ أحمدُ عن قومٍ، وذَكَره ابنُ عبدِ البَرِّ. وقال الشافعىُّ: لا أعْلَمُ شيئًا أحَلَّه اللَّهُ ثمَّ حَرَّمَه، ثمَّ أحَلَّه ثمَّ حَرَّمَه، إلَّا المُتْعةَ. فحَمَلَ الأمْرَ على ظاهِرِه، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَرَّمَها يَوْمَ خيبرَ، ثمَّ

стр. 5009

أحَلَّها (١٤) فى حَجَّةِ الوَداعِ ثَلاثةَ أيامٍ، ثمَّ حَرَّمَها، ولأنَّه لا تَتَعَلَّقُ به أحكامُ النِّكاحِ، من الطَّلاقِ، والظِّهَارِ، واللِّعانِ، والتَّوَارُثِ، فكان باطِلًا، كسائرِ الأنْكِحةِ الباطلةِ. وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ، فقد حُكِىَ عنه الرُّجُوعُ عنه، فرَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن سعيدِ ابن جُبَيْرٍ، قال: قلتُ لِابنِ عباسٍ: لقد كَثُرَتِ القَالَةُ (١٥) فى المُتْعةِ، حتَّى قال فيها الشاعر: أَقُولُ وقد طالَ الثَّواءُ بِنَا مَعًا ... يا صَاحِ هَلْ لكَ فى فُتْيَا ابنِ عباسِ هل لَكَ فى رَخْصَةِ الأطْرافِ آنِسَةٍ ... تكونُ مَثْواكَ حتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ فقام خَطيبًا، وقال: إنَّ المُتْعةَ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ (١٦). فأمَّا إِذْنُ رسولِ اللَّه ﷺ فيها، فقد ثَبَتَ نَسْخُه، وأمَّا حديثُ عمرَ -إن صَحَّ عنه- فالظاهرُ أنَّه إنَّما قَصَدَ الإخْبارَ عن تَحْرِيمِ النَّبِىِّ ﷺ لها، ونَهْيِه عنها، إذْ لا يجوزُ أن يَنْهَى عمَّا كان النَّبِىُّ ﷺ أباحَه، وبَقِىَ على إبَاحَتِه. فصل: وإن تزَوَّجَها بغير (١٧) شَرْطٍ، إلَّا أَنَّ فى نِيَّتِه طَلَاقَها بعدَ شَهْرٍ، أو إذا انْقَضَتْ حاجَتُه فى هذا البَلَدِ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا

стр. 5010

الأَوْزَاعِىَّ، قال: هو نِكاحُ مُتْعةٍ. والصَّحيحُ أنَّه لا بأسَ به، ولا تَضُرُّ نِيَّتُه، وليس على الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِىَ حَبْسَ امْرَأتِه وحَسْبُه إن وافَقَتْه، وإِلَّا طَلَّقَها. ١١٧٧ - مسألة؛ قال: (ولَوْ تَزَوَّجَها عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِى وَقْتٍ بِعَيْنهِ، لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ) يعنى إذا تَزَوَّجَها بشَرْطِ أن يُطَلِّقَها فى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ، سواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا، مثل أن يُشْتَرَطَ عليه طَلَاقُها إن قَدِمَ أبُوها أو أخُوها. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطلُ الشرطُ. وهو (١) أظْهَرُ قَوْلَى الشافعىِّ، قالَه فى عامَّةِ كُتُبِه؛ لأنَّ النِّكاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا، وإنَّما شَرَطَ على نَفْسِه شرطًا، وذلك لا يُؤْثِّرُ فيه، كما لو شَرَطَ أن لا يتزَوَّجَ عليها، ولا يُسافِرَ بها. ولَنا، أنَّ هذا شَرْطٌ مانعٌ من بَقَاءِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعةِ، [ولأنَّهما شَرَطاه ببقاء النِّكاحِ فى وقْتٍ بعَيْنِه، أشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ] (٢)، ويفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنَّه لم يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكاحِ. ١١٧٨ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ) وجملتُه أَنَّ نِكاحَ المُحَلِّلِ حَرَامٌ باطِلٌ (١)، فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادةُ، ومالكٌ، والليثُ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وسواءٌ قال: زَوَّجْتُكَها إلى أن تَطَأَها. أو شَرَطَ أنَّه إذا أحَلَّها فلا نِكاحَ بينهما، أو أنَّه إذا أحَلَّها للأوَّلِ طَلَّقَها. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشرطُ. وقال الشافعىُّ فى الصُّورَتينِ الأولَيَيْنِ: لا يَصِحُّ. وفى الثالثة على قَوْلَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ، والْمُحَلَّلَ لَهُ". لم روَاه أبو داود، وابنُ ماجَه،

стр. 5011

والتِّرمِذِىُّ (٢)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عليه عند أهلِ العلمِ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، منهم عمرُ بن الخطَّابِ، وعثمانُ، وعبدُ اللَّه بن عمرَ. وهو قولُ الفُقَهاءِ من التابِعِينَ. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ. وقال ابنُ مسعودٍ: المُحَلِّل (٣) والمُحَلَّلُ له مَلْعُونٌ، على لِسانِ محمدٍ ﷺ (٤). ورَوَى ابنُ ماجَه (٥)، عن عُقْبةَ بن عامرٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "ألَا أُخْبِرُكُمْ بالتَّيْسِ الْمُسْتَعارِ؟ ". قالوا: بَلَى [يا رسولَ اللَّه] (٦). قال: "هو المُحَلِّلُ (٧). لَعَنَ اللَّه المُحَللَ والمُحَلَّلَ له". ورَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن قَبِيصةَ بن جابرٍ، قال: سَمِعْتُ عمرَ، وهو يَخْطُبُ الناسَ، وهو يقول: واللَّهِ لا أُوتَى بمُحِلٍّ ولا مُحَلَّلٍ (٨) له إلَّا رَجَمْتُهُما (٩).

стр. 5012

ولأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شَرْط يَمْنَعُ بَقَاءَه، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعةِ. فصل: فإن شَرَطَ عليه التَّحْلِيلَ قبلَ العَقْدِ، ولم يَذكُرْه فى العقدِ [ونَوَاه فى العقدِ] (١٠) أو نَوَى التَّحْليلَ من غير شَرْطٍ، فالنِّكاحُ باطِلٌ أيضًا. قال إسماعيلُ بن سعيدٍ: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يتزوجُ المرأةَ، وفى نَفْسِه أن يُحَلِّلَها (١١) لزَوْجِها الأَوَّل، ولم تَعْلَمِ المرأةُ بذلك. قال: هو مُحَلِّلٌ، إذا أراد بذلك الإِحْلالَ، فهو مَلْعُونٌ. وهذا ظاهرُ قولِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورَوَى نافِعٌ، عن ابن عمرَ، أن رَجُلًا قال له: امرأةٌ تَزَوَّجْتُها، أُحِلُّها لزَوْجِها، لم يَأْمُرْنِى، ولم يَعْلَمْ. قال: لا، إلَّا نِكاحُ رَغْبةٍ (١٢)، إن أعْجَبَتْكَ أَمْسِكها، وإن كَرِهْتَها فارِقْها. قال: وإن كُنَّا نَعُدُّه على عَهدِ رسولِ اللَّه ﷺ سِفَاحًا. وقال: لا يَزَالانِ زانِيَيْنِ، وإن مَكَثَا عِشْرِينَ سنةً، إذا علِمَ أنَّه يُرِيدُ أن يُحِلَّها (١٣). وهذا قولُ عثمانَ [بن عفَّان] (١٤)، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وجاء رَجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال له: إن عَمِّى طَلَّقَ امْرَأتَه ثلاثًا، أيُحِلُّها له رَجُلٌ؟ قال: مَنْ يُخادِعِ اللَّه يَخْدَعْهُ (١٥). وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، وقَتادةَ، وبكرٍ المُزَنِىِّ، واللَّيْثِ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: العَقْدُ صحيحٌ. وذَكَر القاضى فى صِحَّتِه وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما؛ لأنَّه خَلَا عن شَرْطٍ يُفْسِدُه، فأشْبَهَ ما لو نَوَى طَلَاقَها لغيرِ الإحْلالِ، [أو ما] (١٦) لو نَوَتِ المرأةُ ذلك، ولأنَّ العَقْدَ إنَّما يَبْطلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشْتَرَى عبدًا بشَرْط (١٧) أن يَبِيعَه، لم يَصِح، ولو نَوَى ذلك، لم يَبْطُلْ. ولأنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ما يَدُلُّ على إجَازَتِه (١٨).

стр. 5013

فروَى (١٩) أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن محمدِ بن سِيرِينَ، قال: قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ، ومعه إخْوَةٌ له صِغَارٌ، وعليه إزَارٌ، من بين يَدَيْه رُقْعةٌ، ومن خَلْفِه رقعةٌ، فسألَ عمرَ، فلم يُعْطِه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نَزَغَ الشَّيطانُ بين رَجُلٍ من قريش وبين امْرَأتِه فطَلَّقَها، فقال لها: هل لكِ أن تُعْطِى ذا الرُّقْعَتَينِ شيئًا، ويُحِلَّكِ لى؟ قالت: نعم. إن شِئْتَ فأخبِرْهُ (٢٠) بذلك. قال: نعم، فتَزَوَّجَها (٢١)، ودَخَلَ بها (٢٢). فلما أصْبَحَتْ أدْخَلَتْ إخْوَتَه الدارَ. فجاء القُرَشِىُّ يَحُومُ حَوْلَ الدارِ، ويقول: يا وَيْلَه، غُلِبَ على امْرَأتِه، فأتَى عُمَرَ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، غُلِبْتُ على امْرَأتِى. قال: مَنْ غَلَبَكَ؟ قال: ذو الرُّقْعَتَينِ. قال: أَرْسِلُوا إليه. فلما جاء الرسولُ، قالت له المرأةُ: كيف مَوْضِعُكَ من قَوْمِكَ؟ قال: ليس بمَوضِعِى بَأسٌ. قالتْ: إنَّ أمِيرَ المؤمنينَ يقولُ لك: طَلِّق امرَأتَكَ. فقُلْ: لا، واللَّه لا أطَلِّقُها. فإنَّه لا يُكْرِهُك. وأَلْبَسَتْهُ حُلّةً، فلمَّا رآه عمرُ من بعيدٍ. قال: الحمدُ للَّه الذى رَزَقَ ذا الرُّقْعَتَينِ. فدَخَلَ عليه، فقال: أَتُطَلِّقُ امْرَأتكَ؟ قال: لا، واللَّه لا أُطَلِّقُها. قال عمرُ: لو طَلَّقْتَها لأَوْجَعْتُ رَأسَكَ بالسَّوْطِ. وروَاه (٢٣) سعيدٌ (٢٤)، عن هُشَيْمٍ، عن يُونُسَ بن عُبَيْدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ نحوًا من هذا، وقال: من أهلِ المَدِينةِ. [وهذا قدْ] (٢٥) تَقَدَّم فيه الشَّرطُ على العَقْدِ، ولم يَرَ به عمرُ بَأْسًا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّه المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ". وقولُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قَصَدَ به التَّحْلِيلَ، فلم يَصِحَّ،

стр. 5014

كما لو شَرَطَه. أمَّا حديثُ ذِى الرُّقْعَتَينِ، فقال أحمدُ: ليس له إسْنادٌ، يعنى أَنَّ ابنَ سِيرِينَ لم يَذْكُرْ إسنادَه إلى عمرَ. وقال أبو عُبَيْدٍ: هو مُرْسَلٌ. فأين هو من الذى سَمِعُوه (٢٦) يَخْطُبُ به على المِنْبَرِ: لا أُوتَى بمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّلٍ له إلَّا رَجَمْتُهُما. ولأنَّه ليس فيه أَنَّ ذا الرُّقْعَتينِ قصَدَ التَّحْلِيل، ولا نَوَاه، وإذا كان كذلك، لم يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ. فصل: فإن شُرِطَ عليه أن يُحِلَّها قبلَ العَقْدِ، فنَوَى بالعَقْدِ غيرَ ما شَرَطُوا عليه، وقَصَدَ نِكاحَ رَغْبةٍ، صَحَّ العقدُ؛ لأنَّه خَلَا عن نِيَّةِ (٢٧) التَّحْليلِ وشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو لم يَذْكُرْ ذلك، وعلى هذا يُحْمَلُ حديثُ ذِى الرُّقْعتَيْنِ. وإن قصَدَتِ المرأةُ التحليلَ أو وَلِيُّها دُونَ الزَّوْجِ، لم يُؤثِّرْ ذلك فى العَقْدِ. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ: إذا هَمَّ أحَدُ الثلاثةِ، فَسَدَ النكاحُ. قال أحمدُ: كان الحَسَنُ وإبراهيمُ والتابِعُونَ يُشَدِّدُون فى ذلك. قال أحمدُ: الحَدِيثُ عن النَّبِىِّ ﷺ : "أتُرِيدينَ أنْ تَرْجِعِى إلَى رِفَاعةَ؟ " (٢٨). ونِيّةُ المرأةِ ليس بشىءٍ، إنَّما قال النَّبىُّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّه المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ". ولأنَّ العقدَ إنَّما يَبْطُلُ بنِيَّة الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذى إليه المُفَارَقَةُ والإمْساكُ، أمَّا المرأةُ فلا تَمْلِكُ رَفْعَ العَقْدِ، فوُجُودُ نِيَّتِها وعَدَمُها سواءٌ، وكذلك الزَّوْجُ الأوَّلُ لا يملكُ شيئًا من العَقْدِ، ولا مِن رَفْعِه، فهو أجْنَبِى كسائرِ الأجانِبِ. فإن قيل: فكَيْفَ (٢٩) لَعَنَه النَّبِىُّ ﷺ ؟ قُلْنا: إنَّما لعَنهُ إذا رَجَعَ إليها بذلك التَّحْلِيلِ؛ لأنَّها لم تَحِلَّ له، فكان زانِيًا، فاسْتَحَقَّ اللَّعْنةَ لذلك.

стр. 5015

فصل: فإن اشترَى عبدًا، فزَوَّجَها إيَّاه، ثم وَهَبها إيَّاه ليَنْفَسِخَ النِّكاحُ بمِلْكِها له، لم يَصِحَّ. قال أحمدُ، فى رِوايةِ حَنْبلٍ: إذا طَلَّقَها ثلًاثا، وأراد أن يُرَاجِعَها، فاشْترَى عبدًا، فأعْتَقَه، وزَوَّجَها إيَّاه، فهذا الذى نَهَى عنه عمرُ، يُؤَدَّبانِ جميعا، وهذا فاسدٌ ليس بكُفْءٍ، وهو شِبْهُ المُحَلِّلِ. وعَلّلَ أحمدُ فسادَه بشيئَيْنِ؛ أحدهما، شَبَهُه بالمُحَلِّلِ؛ لأنَّه إنَّما زَوَّجَه إيَّاها ليُحِلَّها له. والثانى، كَوْنُه (٣٠) ليس بكُفْءٍ لها، وتَزْويجُه لها فى حالِ كونِه عبدًا أبْلَغُ فى هذا المعنى؛ لأنَّ العَبْدَ فى عَدَمِ الكفاءةِ أشَدُّ من المَولى، والسَّيِّدُ له سَبِيلٌ إلى إزَالةِ نِكاحِه من غيرِ إرادَتِه، بأن يَهَبَه للمرأةِ، فيَنْفَسِخَ نِكاحُه (٣١) بمِلْكِها إيَّاه، والمَوْلَى بخلافِ ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ النكاحُ، إذا لم يَقْصِد العَبْدُ التَّحْليلَ؛ لأنَّ المُعْتَبرَ فى الفَسادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ، لا نِيَّةُ غيرِه، ولم يَنْوِ. وإذا كان مَوْلًى ولم يَنْوِ التحليلَ، فهو أوْلَى بالصِّحَّةِ؛ لأَنَّه لا سَبِيلَ لمُعْتِقِه إلى فَسْخِ نِكاحِه، فلا (٣٢) عِبرةَ بنِيَّتِه. فصل: ونِكاحُ المُحَلِّلِ فاسِدٌ، يَثْبُتُ فيه سائرُ أحكامِ العُقُودِ الفاسدةِ، ولا يَحْصُلُ به الإحْصانُ (٣٣)، ولا الإِباحةُ للزَّوْجِ الأَوَّلِ، كما لا يَثْبُتُ فى سائرِ العُقُودِ الفاسدةِ. فإن قيل: فقد سَمَّاه النَّبِىُّ ﷺ مُحَلِّلًا، وسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا له، ولو لم يَحْصُلِ الحِلُّ لم يكُنْ مُحَللًا ولا مُحَلَّلًا له. قُلْنا: إنَّما سَمَّاه مُحَللًا؛ لأنَّه قَصَدَ التَّحْلِيلَ فى موضِعٍ لا يَحْصُلُ فيه الحِلُّ، كما قال ﷺ : "مَا آمَنَ بالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ" (٣٤). وقال اللَّهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٣٥). ولو كان

стр. 5016

مُحَلِّلًا (٣٦) فى الحقيقةِ والآخَرُ مُحَلَّلًا له، لم يكونا مَلْعُونَيْنِ. ١١٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا (١) لِنَفْسِهِ أَوْ لِغيْرِه، أو عَقَدَ أحَدٌ (٢) نِكاحًا لِمُحْرِمٍ أوْ (٢) عَلَى مُحْرِمَةٍ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ) وجملتُه أَنَّ المُحْرِمَ إذا تَزَوَّجَ لنَفْسِه، أو عَقَدَ النِّكاحَ لغيرِه، ككَوْنِه (٣) وَلِيًّا أو وَكِيلًا، فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، ولَا يَخْطُبُ". رواه مسلمٌ (٤). وإن عَقَدَ الحَلَالُ نِكاحًا لمُحْرِمٍ، بأن يكونَ وَكِيلًا له، أو وَلِيًّا عليه، أو عَقَدَه على مُحْرِمَةٍ، لم يَصِحَّ؛ لدُخُولِه فى عُمُومِ الحديثِ؛ لأنَّه إذا تَزَوَّجَ له وَكِيلُه فقد نَكَحَ. وحكى القاضِى فى كَوْنِ الْمُحْرِمِ وَلِيًّا لغيرِه رِوَايتَيْنِ؛ إحداهما، لا تَصِحُّ. وهى اختيارُ الْخِرَقِىِّ. والثانية، تَصِحُّ. وهى اختيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ حُرِّمَ على الْمُحْرِمِ؛ لأنَّه من (٥) دَواعِى الوَطْءِ المُفْسِدِ للحَجِّ، ولا يَحْصُلُ ذلك فيه بكَوْنِه وَلِيًّا فيه (٦) لغيرِه. والأوّلُ أوْلَى؛ لدُخُولِه فى عُمُومِ الخبرِ، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَصِحُّ للمُحْرِمِ، فلا يَصِحُّ منه، كشِرَاءِ الصَّيْدِ. وقد مَضَتْ هذه المسألةُ فى الحَجِّ بأبْسَطَ من هذا الشَّرْحِ (٧). ١١٨٠ - مسألة؛ قال: (وَأَىُّ الزَّوْجَيْنِ وَجَد بِصَاحِبِهِ جُنُونًا، أَوْ جُذَامًا، أو

стр. 5017

بَرَصًا، أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ (١)، أو عَفْلاءَ، أَوْ فَتْقَاءَ، أَوْ الرَّجُلُ مَجْنُونًا، فَلِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا (٢) بِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِى فَسْخِ النِّكَاحِ) الكلامُ فى هذه المسألة فى فصولٍ أربعةٍ: الأول: أَنَّ خِيارَ الفَسْخِ يَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبٍ (٣) يَجِدُه فى صاحِبِه فى الجملةِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ، وابنِه، وابنِ عباسٍ. وبه قال جابرُ [بن زيد] (٤)، والشافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن علىِّ: لا تُرَدُّ الحُرّةُ بِعَيْبٍ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن ابنِ مسعودٍ: لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بعَيْبٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وأصحابُه، إلَّا أن يكونَ الرجلُ مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا، فإنَّ للمرأةِ الخِيارَ، فإن اخْتارتِ الفِرَاقَ، فَرّقَ الحاكمُ بينهما بطَلْقةٍ، ولا يكونُ فَسْخًا؛ لأنَّ وُجُودَ العَيْبِ لا يَقْتَضِى فَسْخَ النِّكاحِ، كالعَمَى والزَّمانةِ وسائرِ العُيُوبِ. ولَنا، أَنَّ المُخْتَلَفَ فيه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنَّ المرأةَ أحدُ العِوَضَيْنِ فى النِّكاحِ، فجاز رَدُّه بالعَيْبِ (٥)، كالصَّداقِ، أو أحدُ العِوَضَيْنِ فى عَقْدِ النِّكاحِ، فجاز رَدُّه بالعَيْبِ، أو أحدُ الزَّوْجَيْنِ، فثَبَتَ له الخِيارُ بالعَيْبِ فى الآخَرِ كالمرأةِ. وأمَّا غيرُ هذه العُيُوبِ، فلا يَمْنَعُ المَقْصودَ بعَقْدِ النِّكاحِ، وهو الوَطْءُ، بخِلافِ العُيُوبِ المُخْتَلَفِ فيها. فإن قيل: فالجُنُونُ والجُذامُ والبَرَصُ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ. قُلْنا: بل يَمنَعُه؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ نَفْرَةً تَمْنَعُ قُرْبانَه بالكُلِّيةِ ومَسَّه، ويُخَافُ منه التَّعَدِّى إلى نَفْسِه ونَسْلِه، والمَجْنُونُ (٦) يُخافُ

стр. 5018

منه الجِنايةُ، فصار كالمانِعِ الحِسِّىِّ. الفصل الثانى: فى عَدَدِ العيوبِ المُجَوِّزَةِ للفَسْخِ، وهى فيما (٧) ذكَرَ (٨) الخِرَقِىُّ ثمانيةٌ: ثلاثةٌ يشْترِكُ فيها الزَّوْجان؛ وهى: الجُنُونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ. واثنان يَخْتَصَّانِ الرَّجُلَ؛ وهما الجَبُّ، والعُنَّةُ. وثلاثةٌ تَخْتَصُّ المرأةَ (٩)؛ وهى الفَتْقُ، والقَرْنُ، والعَفَلُ. وقال القاضى: هى سَبْعةٌ. جَعَلَ القَرْنَ والعَفَلَ شيئا واحدًا، وهو الرَّتْقُ أيضًا، وذلك لحمٌ يَنْبُتُ فى الفَرْجِ. وحكى ذلك عن أهل الأدَبِ، وحُكِىَ نَحوُه عن أبى بكرٍ، وذَكَره (١٠) أصحابُ الشافعىِّ. وقال الشافعىُّ: القَرْنُ عَظْمٌ فى الفَرْجِ يَمْنَعُ الوَطْءَ. وقال غيرهُ: لا يكونُ فى الفَرْجِ عَظْمٌ، إنَّما هو لَحْمٌ يَنْبُتُ فيه. وحُكِىَ عن أبى حَفْصٍ، أنَّ العَفَلَ كالرَّغْوَةِ فى الفَرْجِ، يَمْنَعُ لَذّةَ الوَطْءِ. فعلى هذا يكون عَيْبًا نامِيًا. وقال أبو الخَطَّابِ: الرّتْقُ أن يكون الفَرجُ مَسْدُودًا. يعنى [أن يكونَ] (١١) مُلْتَصِقًا لا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فيه. والقَرْنُ والعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فى الفَرْجِ فيَسُدَّه، فهما فى مَعْنَى الرَّتقِ، إلَّا أنَّهما نَوْعٌ آخرُ. وأمَّا الفَتْقُ فهو انْخِراقُ ما بين مَجْرَى البَوْلِ ومَجْرَى المَنِىِّ. وقيل: ما بين القُبُلِ والدُّبُرِ. وذكَرها أصحابُ الشافعىِّ سَبْعةً، أسْقَطُوا منها الفَتْقَ، ومنهم من جَعَلَها سِتَّةً، جعَل القَرْنَ والعَفَلَ شيئا واحدًا. وإنما اخْتصَّ الفَسْخُ بهذه العُيُوبِ؛ لأنَّها تَمْنَعُ الاسْتِمتاعَ المَقْصُودَ بالنكاحِ، فإنَّ الجُذَامَ والبَرَصَ يُثِيرانِ نَفْرَةً فى النَّفْس تَمْنَعُ قُرْبانَه، ويُخْشَى تَعَدِّيه إلى النَّفْس والنَّسْلِ، فيَمنَعُ الاسْتِمْتاعَ، والجُنُونُ يُثيرُ نَفْرةً ويُخْشَى ضَرَرُه، والجَبُّ والرَّتقُ يتَعَذَّرُ معه الوَطْءُ، والفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ وفائِدَتَه، وكذلك العَفَلُ، على قولِ مَنْ فَسَّرة بالرَّغْوةِ.

стр. 5019

فإن اخْتَلَفَا فى وُجُودِ العَيْبِ، مثل أن يكونَ بجَسَدِه (١٢) بَياضٌ يُمْكِنُ أن يكونَ بَهَقًا أو مرارًا، واخْتَلَفا فى كونِه بَرَصًا، أو كانت به علاماتُ الجُذَامِ، من ذهَابِ شَعْرِ الحاجِبَيْنِ، فاخْتَلَفا فى كونِه جُذَامًا، فإن كانت (١٣) للمُدَّعِى بَيِّنةٌ من أهلِ الخِبْرَةِ والثِّقَةِ، يَشْهَدانِ له بما قال، ثَبَتَ قَوْلُه، وإلَّا حَلَفَ المُنْكِرُ، والقولُ قولُه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "وَلكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٤). وإن اخْتلَفا فى عُيُوبِ النِّساءِ، أُريَتِ النِّساءَ الثِّقاتَ، ويُقْبَلُ فيه قولُ امرأةٍ واحدةٍ، فإن شَهِدَتْ بما قال الزَّوْجُ، وإلَّا فالقولُ قولُ المرأةِ. وأمَّا الجُنُونُ، فإنه يُثْبِتُ الخِيارَ، سواءٌ كان مُطْبِقًا أو كان يُجَنُّ فى الأحْيانِ؛ لأنَّ النَّفْسَ لا تَسْكُنُ إلى مَنْ هذه (١٥) حالُه، إلَّا أن يكونَ مَرِيضًا يُغْمَى عليه، ثم يَزُولُ، فذلك مَرَضٌ لا يَثْبُتُ به خِيارٌ. فإن زالَ المَرَضُ، ودام به الإِغْماءُ، فهو كالجُنُونِ، يَثْبُتُ به الخِيارُ، وأمَّا الجَبُّ، فهو أن يكونَ جميعُ ذَكَرِه مَقْطُوعًا، أو لم يَبْقَ منه إلَّا ما لا يُمْكِنُ الجِماعُ به، فإن بَقِىَ منه ما يُمْكِنُ الجِماعُ به، ويَغِيبُ منه فى الفَرْجِ قَدْرُ الحَشَفةِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوَطْءَ يُمْكِنُ (١٦). وإن اخْتَلَفا فى ذلك، فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّه يَضْعُفُ بالقَطْعِ، والأصْلُ عَدَمُ الوَطْءِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُه، كما لو ادَّعَى الوَطْءَ فى العُنَّةِ، ولأنَّ له ما يُمْكِنُ الجماعُ بمِثْلِه، فأشْبَهَ مَنْ له ذَكَرٌ قَصِيرٌ. الفصل الثالث: أنَّه لَا يَثْبُتُ الخِيَارُ لغير ما ذكَرْناه؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ من الاسْتِمْتاعِ المَعْقُودِ (١٧) عليه، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه، فلم يُفْسَخْ (١٨) به النكاحُ، كالعَمَى والعَرَجِ،

стр. 5020

ولأنَّ الفَسْخَ إنَّما يَثْبُتُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَصَّ فى غيرِ هذه (١٩) ولا إجماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على هذه العُيوبِ؛ لما بينهما من الفَرْقِ. وقال أبو بكرٍ، وأبو حَفْصٍ: إذا كان أحَدُهُما لا يَسْتَمْسِكُ بَوْلُه ولا خَلاؤُه، فللآخَرِ الخِيارُ. قال أبو الخَطَّابِ: ويتَخَرَّجُ على ذلك مَنْ به الْباسُورُ، والنَّاصُورُ (٢٠)، والقُرُوحُ السَّيَّالةُ فى الفَرْجَ، لأنَّها تُثِيرُ نَفْرةً، وتَتَعَدَّى نَجَاسَتُها، وتُسَمَّى مَنْ لا تَحْبِسُ نَجْوَها (٢١) الشَّرِيمَ، ومن لا تَحْبِسُ بَوْلَها المَشُولةَ (٢٢)، ومثلُها من الرِّجالِ الأَفِينُ. قال أبو حَفْصٍ: والخِصَاءُ عَيْبٌ يُرَدُّ به. وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّ فيه نَقْصًا وعارًا، ويَمْنَعُ الوَطْءَ أو يُضْعِفُه. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ، بإسنادِه عن سليمانَ بن يَسارٍ، أَنَّ ابنَ سَنْدَرٍ تزَوَّجَ امرأةً وهو خَصِىٌّ، فقال له عمرُ: أعْلَمْتَها؟ قال: لا. قال: أعْلِمْها، ثم خَيِّرْها (٢٣). وفى البَخَرِ، وكَوْنِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ خُنْثَى، وَجْهان؛ أحدهما، يَثْبُتُ الخِيارُ؛ لأنَّ فيه نَفْرَةً ونَقْصًا وعارًا، والبَخَرُ: نَتَنُ الفَمِ. وقال ابنُ حامدٍ: هو نَتَنٌ فى الفَرْجِ، يَثُورُ عندَ الوَطْءِ. وهذا إن أرادَ به أنَّه يُسَمَّى أيضًا بَخَرًا، ويثبتُ الخيارَ، وإلَّا فلا مَعْنَى له، فإنَّ نَتَنَ الفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا، ويَمْنَعُ مُقارَبةَ صاحِبِه إلًّا على كُرْهٍ. وما عَدَا هذه (٢٤) فلا يُثْبِتُ الخِيارَ، وَجْهًا واحدًا، كالقَرَعِ، والعَمَى، والعَرَجِ، وقَطْعِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه. ولا نعلمُ فى هذا بين أهلِ العلمِ خِلافًا، إلَّا أنَّ الحَسَنَ قال: إذا وَجَدَ الآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ. وأحَبَّ أحمدُ [أن يتَبَيَّنْ] (٢٥) أمْرُه، وقال: عَسَى

стр. 5021

امْرَأتُه تُرِيدُ الوَلَدَ. وهذا فى ابتداءِ النِّكاحِ، فأمَّا الفَسْخُ فلا يَثْبُتُ به، ولو ثَبَتَ بذلك لثَبَتَ فى الآيِسَةِ، ولأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ، فإنَّ رِجالًا لا يُولَدُ لأحَدِهم وهو شابٌّ، ثم يُولَدُ له وهو شَيْخٌ، ولا (٢٦) يَتَحَقَّقُ ذلك منهما (٢٧). وأما سائرُ العُيُوبِ فلا يَثْبُتُ بها فَسْخٌ عندَهم. واللَّهُ أعلمُ. ال فصل الرابع: أنَّه إذا أصاب أحَدُهما بالآخرِ عَيْبًا، وبه عَيْبٌ من غيرِ جِنْسِه، كالأبْرَصِ يَجِدُ المرأةَ مَجْنُونةً أو مَجذومةً، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ؛ لوُجُودِ سَبَبِه، إلَّا أن يَجِدَ المَجْبُوبُ المرأةَ رَتْقاءَ، فلا يَنْبَغِى أن يَثْبُتَ لهما (٢٨) خِيارٌ (٢٩)؛ لأنَّ عَيْبَه ليس هو المانعَ لصاحِبه من الاسْتِمْتاعِ، وإنَّما امْتَنَعَ لِعَيْب نَفْسِه. وإن وَجَدَ أحَدُهما بصاحِبِه عَيْبًا به مِثْلُه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا خِيارَ لهما؛ لأنَّهما مُتَساوِيانِ، ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، فأشْبَها الصَّحِيحَيْنِ. والثانى، له الخِيارُ؛ لوُجُودِ سَبَبِه، فأشْبَهَ ما لو غُرَّ عَبْدٌ بأمَةٍ. فصل: وإن حَدَثَ العَيْبُ بأحَدِهِما بعدَ العَقْدِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يَثبُتُ الخِيارُ. وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قال: فإن جُبَّ قبل الدُّخُولِ (٣٠)، فلها الخِيارُ فى وَقْتِها؛ لأنَّه عَيْبٌ فى النِّكاحِ يُثْبِتُ (٣١) الخيارَ مُقارِنًا، فأثْبَتَه طارئًا، كالإِعْسَارِ وكالرِّقِّ، فإنَّه يُثْبِتُ الخِيارَ إذا قارَنَ، مثل أن تُغَرَّ الأَمَةُ من عَبْدٍ، ويُثْبِتُه إذا طَرَأتِ الحُرِّيةُ، مثل إن عَتَقَتِ (٣٢) الأمَةُ تحتَ العَبْدِ، ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ، فحُدُوثُ العيْبِ بها

стр. 5022

يُثْبِتُ الخيارَ، كالإِجَارَةِ. والثانى، لا يُثْبِتُ الخِيارَ. وهو قولُ أبى بكرٍ وابنِ حامدٍ. ومذهبُ مالكٍ؛ لأنَّه عَيْبٌ حَدَثَ بالمَعْقُودِ عليه بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، أشْبَهَ الحادِثَ بالمَبِيع (٣٣). وهذا يَنْتَقِضُ بالعَيْبِ الحادِثِ فى الإِجارةِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن حَدَثَ بالزَّوْجِ، أثْبَتَ (٣٤) الخِيارَ، وإن حَدَثَ بالمرأةِ، فكذلك، فى أحدِ الوَجْهينِ، والآخَرِ، لا يُثبِتُه؛ لأنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُه طَلَاقُها، بخِلافِ المرأةِ. وَلنا، أنَّهما تَسَاوَيا فيما إذا كان العَيْبُ سابِقًا، فتَساوَيا فيه لاحِقًا، كالمُتَبايِعَيْنِ. فصل: ومن شَرْطِ ثُبُوتِ الخِيارِ بهذه العيوبِ، أن لا يكونَ عالِمًا بها وَقْتَ العَقْدِ، ولا يَرْضَى بها بعدَه، فإن عَلِمَ بها فى العَقْدِ، أو بعدَه فرَضِىَ، فلا خِيارَ له. لا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه رَضِىَ به، فأشْبَهَ مُشْتَرِىَ المَعِيبِ. وإن ظَنَّ العَيْبَ يَسِيرًا فبانَ كثيرًا، كمن ظَنَّ أن البَرَصَ فى قليلٍ من جَسَدِه، فبانَ فى كثيرٍ منه، فلا خِيارَ له أيضًا؛ لأنَّه من جِنْس ما رَضِىَ به. وإن رَضِىَ بعَيْبٍ، فبان به غيرُه، فله الخِيارُ؛ لأنَّه وَجَدَ به عيبًا لم يَرْضَ به، ولا بجِنْسِه، فثَبَتَ له الخِيارُ، كالمَبِيعِ إذا رَضِىَ بعَيْبٍ فيه، فوَجَدَ به غيرَه. وإن رَضِىَ بعيبٍ، فزادَ بعدَ العَقْدِ، كأنْ (٣٥) كان به قليلٌ من البَرَصِ، فانْبَسطَ فى جِلْدِه (٣٦)، فلا خِيارَ له؛ لأنَّ رِضَاهُ به (٣٧) رِضًى بما يَحْدُثُ منه. فصل: وخِيارُ العَيْبِ ثابِتٌ على التَّراخِى، لا يَسْقُطُ، ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَى به، من القولِ (٣٨)، أو الاسْتِمْتاعِ (٣٩) من الزَّوْجِ، أو التَّمْكينِ من المرأةِ. هذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقوله: فإن عَلِمَتْ أنَّه عِنِّينٌ، فسَكَتَتْ عن المُطالَبةِ، ثم طالَبَتْ

стр. 5023

بعدُ، فلها ذلك. وذَكَر القاضى أنَّه على الفَوْرِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. فمتى أخَّرَ الفَسْخَ مع العِلْمِ والإِمكانِ، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه خِيارُ الرَّدِّ بالعَيْبِ. فكان على الفَوْرِ، كالذى فى البَيْعِ. ولَنا، أنَّه خِيارٌ (٤٠) لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فكان على التَّرَاخِى، كخِيارِ القِصَاصِ، وخِيارُ العَيْبِ فى المَبِيعِ يَمْنَعُه، ثم الفرق بينهما أنَّ ضَرَرَه فى الْمَبِيعِ غيرُ مُتَحَقِّقٍ (٤١)؛ لأنَّه قد يكونُ المقصودُ مالِيَّتَه أو خِدْمَتَه، ويَحْصُلُ ذلك مع عَيْبِه. وههُنا المقصودُ الاسْتِمْتاعُ، ويَفُوتُ ذلك بِعَيبِه. وأمَّا خِيارُ المُجْبَرةِ والشُّفْعَةِ والمَجْلِسِ، فهو لِدَفْعِ ضَرَرٍ غيرِ مُتَحَقِّقٍ. فصل: ويَحتاجُ الفسخُ إلى حُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فهو كفَسْخِ العُنَّةِ، والفَسْخِ للإعْسارِ بالنَّفَقةِ. ويخالفُ خِيارَ المُعْتَقَةِ؛ فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه. ١١٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدهُ، وادَّعَى أنَّهُ مَا عَلِمَ، حَلَفَ، وكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ، وعَلَيْهِ المَهْرُ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصولٍ أربعة: أحدها: أَنَّ الفَسْخَ إذا وُجِدَ قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها عليه، سواءٌ كان من الزَّوْجِ أو المرأةِ. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الفَسْخَ إن كان منها، فالفُرْقَةُ من جِهَتِها، فسَقَطَ مَهْرُها، كما لو فَسَخَتْهُ (١) بِرَضَاعِ زَوجةٍ له أُخْرَى، وإن كان منه، فإنَّما فَسَخَ لعَيْبٍ بها دَلَّسَتْه بالإِخْفاءِ، فصار الفَسْخُ كأنَّه منها. فإن قيل: فهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَها لِعَيْبِه (٢)،

стр. 5024

كأنَّه منه؛ لحُصُولِه بتَدْلِيسِه؟ قُلْنا: العِوَضُ من الزَّوْجِ فى مُقابَلةِ مَنافِعِها، فإذا اختارَتْ فَسْخَ العَقْدِ مع سَلامةِ ما عَقَدَتْ عليه، رَجَعَ العِوَضُ إلى العاقدِ معها، وليس من جِهَتِها عِوَضٌ فى مُقابَلةِ مَنافِعِ الزَّوْجِ، وإنَّما ثَبَتَ (٣) لها الخِيارُ لأجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُها، لا لتَعَذُّرِ ما اسْتَحَقَّتْ عليه فى مُقابَلَتِه عِوَضًا، فافْتَرقَا. الفصل الثانى: أَنَّ الفَسْخَ إذا كان بعدَ الدُّخولِ، فلها المَهْرُ؛ لأنَّ المهرَ يَجِبُ بالعَقْدِ، ويَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فلا يَسْقُطُ بحادِثٍ (٤) بعدَه، ولذلك لا يَسْقُطُ برِدَّتِها، ولا بِفَسْخٍ من جِهَتِها، ويجبُ المَهْرُ المُسَمَّى. وذكر القاضى، فى "المُجَردِ" فيه رِوَايتَيْنِ؛ إحداهما، يجبُ المُسَمَّى. والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ فى العَقْدِ الفاسدِ. وقال الشافعىُّ: الواجبُ مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسْخَ اسْتَندَ إلى العَقْدِ، فصار كالعَقْدِ الفاسدِ. ولَنا، أنَّها فُرْقة بعدَ الدُّخولِ فى نكاحٍ صحيحٍ فيه [مُسَمًّى (٥) صحيحٌ] (٦)، فوَجَبَ المُسَمَّى، كَغَيْرِ (٧) المَعِيبةِ، وكالمُعْتَقةِ تحتَ عَبْدٍ. والدليلُ على أَنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، أنَّه وُجِدَ بشُرُوطِه وأركانِه، فكان صحيحًا، كما لو لم يَفْسَخْه، ولأنَّه لو لم يَفْسَخْه لَكان صحيحًا، فكذلك إذا فَسَخَه، كنِكاحِ الأَمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ، ولأنَّه تَتَرَتَّبُ عليه أحكامُ الصِّحَّةِ من ثُبُوتِ الإحْصانِ والإباحةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، وسائرُ أحْكامِ الصَّحِيحِ (٨)، ولأنَّه لو كان فاسدًا لمَا جاز إبْقاؤُه وتَعَيَّنَ فَسْخُه. وما ذَكَرُوه غيرُ صحيحٍ؛ فإن الفَسْخَ يَثْبُتُ حُكْمُه من (٩) حِينِه، غيرَ سابقٍ عليه، وما وَقَعَ على صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ أن يكونَ واقعًا على غيرِها. وكذلك لو فُسِخَ البَيْع بعَيْبٍ (١٠)، لم

стр. 5025

يَصِر العَقْدُ فاسدًا، ولا يكونُ النَّماءُ لغيرِ المُشْتَرِى، ولو كان المَبِيعُ (١١) أمَةٌ، فوَطِئَها، لم يَجِبْ به مَهْرُها، فكذلك النكاحُ. الفصل الثالث: إذا عَلِمَ بالعَيْبِ وقتَ العَقْدِ، أو بعدَه ثم وُجِدَ منه رِضًى، أو دلالةٌ عليه، كالدُّخولِ بالمرأةِ، أو تَمْكِينها (١٢) إيَّاه من الوَطْءِ، لم يَثْبُتْ له الفَسْخُ؛ لأنَّه رَضِىَ بإسْقاطِ حَقِّه فسَقَطَ، كما لو عَلِمَ المشترِى بالعَيْبِ فرَضِيَه. وإذا اخْتلفَا فى العِلْمِ، فالقولُ قولُ مَنْ ينكِرُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. الفصل الرابع: أنَّه يَرجِعُ بالمَهْرِ على مَنْ غَرَّة. وقال أبو بكرٍ: فيه روايتان؛ إحداهما، يَرْجِعُ به (١٣). والأُخْرَى: لا يَرْجِعُ. والصحيحُ أن المذهبَ رِوايةٌ واحدةٌ، وأنَّه يَرْجِعُ به (١٤)؛ فإنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذْهَبُ إلى قولِ على فهِبْتُه، فمِلْتُ إلى قولِ عمرَ: إذا تَزَوَّجَها، فرأى جُذَامًا أو بَرَصًا، فإنَّ لها المَهْرَ بمَسِيسِه (١٥) إيَّاها، ووَلِيُّها ضامِنٌ للصَّدَاقِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه رَجَعَ إلى هذا القولِ، وبه قال الزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ فى القديمِ. ورُوِىَ عن على أنَّه قال (١٦): لا يَرْجِعُ (١٧). وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ فى الجديدِ؛ لأنَّه ضَمِنَ ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، وهو الوَطْءُ، فلا يَرْجِعُ به على غيرِه، كما لو كان المَبِيعُ مَعِيبًا فأكَلَه. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ، عن يَحْيَى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: قال عمرُ بن الخَطَّابِ: أيُّما رَجُلٍ تَزوَّجَ بامْرأةٍ بها جُنُونٌ أو جُذَامٌ أو بَرَصٌ، فمَسَّها، فلها صَدَاقُها، وذلك لزَوْجِها غُرْمٌ على وَلِيِّها (١٨). ولأنَّه

стр. 5026

غَرَّه فى النِّكاحِ بما (١٩) يُثْبِتُ (٢٠) الخِيارَ، فكان المَهْرُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيَّةِ أَمَةٍ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإن كان الوَلِىُّ عَلِمَ غَرِمَ، وإن لم يكنْ عَلِمَ فالتَّغْرِيرُ من المرأةِ، فيَرْجِعُ عليها (٢١) بجميعِ الصَّدَاقِ. وإن اخْتلَفُوا فى عِلْمِ الوَلِىِّ، فشَهِدَتْ بَيِّنةٌ عليه بالإِقْرارِ بالعِلْمِ، وإلَّا فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. قال الزهرىُّ، وقَتادةُ: إن عَلِمَ الوَلِىُّ غَرِمَ، وإلَّا اسْتُحْلِفَ باللَّهِ العَظِيمِ (٢٢)؛ أنَّه ما عَلِمَ، ثم هو على الزَّوْجِ. وقال القاضى: إن كان أبًا، أو جَدًّا، أو ممَّن يجوزُ له أن يَراها، فالتَّغْريرُ من جِهَتِه، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ. وإن كان ممَّن لا يجوزُ له أن يَراها، كابْنِ العَمِّ، والمَوْلَى، وعَلِمَ غَرِمَ، وإن أنْكَرَ، ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ بإقْرارِه، فالقولُ قولُه، ويَرْجِعُ على المرأةِ بجميعِ الصَّداقِ. وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه قال: إذا رَدَّتِ المرأةُ ما أخَذَتْ، تَرَكَ لها قَدْرَ ما تُسْتَحَلُّ به، لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ. وللشافعىِّ قَوْلان، كقولِ مالكٍ والقاضِى. ولَنا، على أَنَّ الوَلِىَّ إذا لم يَعْلَمْ لا يَغْرَمُ، أَنَّ التَّغْرِيرَ (٢٣) من غيرِه، فلم يَغْرَمْ، كما لو كان ابنَ عَمٍّ. وعلى أنَّه ورجعُ بكلِّ الصداقِ، أنَّه مَغْرُورٌ منها، فرَجَع بكلِّ الصَّداقِ، كما لو غَرَّه الوَلِىُّ. وقولهم: لا يَخْفَى على مَنْ يَرَاها. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ عُيُوبَ الفَرْجِ لا اطِّلَاعَ له عليها، ولا يَحِلُّ له رُؤْيَتُها، وكذلك العيوبُ تحت الثِّيابِ، فصار فى هذا كمَنْ لا يَراها، إلَّا فى الجُنُونِ، فإنَّه لا يكادُ يَخْفَى على مَنْ يَراها، إلَّا أن يكونَ غائبًا. وأمَّا الرُّجوعُ بالمَهْرِ، فإنَّه لسَبَبٍ آخرَ، فيكونُ بمَنْزِلةِ ما لو وَهَبَتْه إيَّاه، بخلافِ المَوْهُوبةِ. فصل: إذا طَلَّقَها (٢٤) قبلَ الدُّخولِ، ثم عَلِمَ أنَّه كان بها عَيْبٌ، فعليه نِصْفُ

стр. 5027

الصَّداقِ، ولا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه رَضِىَ بالْتِزامِ نِصْفِ الصَّداقِ، فلم يَرْجِعْ على أحدٍ. وإن ماتتْ أو ماتَ قبل العِلْمِ بالعَيْبِ، فلها الصَّداقُ كاملًا، ولا يرجعُ على أحدٍ؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّجوعِ الفَسْخُ، ولم يُوجَدْ، وههُنا اسْتَقَرَّ الصداقُ بالمَوْتِ، فلا يَرْجِعُ به. ١١٨٢ - مسألة؛ قال: (ولَا سُكْنَى لَهَا، ولَا نَفَقَةَ؛ لأَنَّ السُّكْنَى والنَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِمَرْأةٍ لزَوْجِهَا (١) عَلَيْهَا الرَّجْعةُ) وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّها تَبِينُ بالفَسْخِ، كما تَبِينُ بطَلَاقِ ثَلَاثٍ، ولا يَسْتَحِقُّ زَوْجُها عليها رَجْعةً، فلم تَجِبْ لها سُكْنَى ولا نَفَقةٌ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ لفاطمةَ بنتِ قَيْسٍ: "إنَّمَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ". روَاه النَّسَائِىُّ (٢). وهذا إذا كانت حائِلًا، فإن كانت حامِلًا، فلها النَّفَقةُ؛ لأنَّها بائنٌ من نكاحٍ صحيحٍ فى حالِ حَمْلِها، فكانت لها النفقةُ كالمُطَلَّقةِ ثلاثًا والمُخْتَلعةِ. وفى السُّكْنَى رِوَايتان. وقال القاضى: لا نَفَقَةَ لها إن كانت حامِلًا، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ [لأنَّها بائِنٌ من نِكاحٍ فاسدٍ. وكذلك قال (٣) أصحابُ الشافعىِّ، فى أحدِ الوَجْهينِ] (٤)، وفى الآخَرِ: لها النفقةُ؛ لأنَّ النفقةَ للحَمْلِ، والحَمْلُ لَاحِقٌ به، وبَنَوْه على أَنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ، وقد بَيَّنّا صِحَّتَه فيما مَضَى. فصل: وليس لوَلِىِّ الصغيرةِ والصغيرِ وسَيِّدِ الأَمَةِ تَزْوِيجُهُم مِمَّن (٥) به أحدُ هذه العُيوبِ؛ لأنَّه ناظِرٌ لهم بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ لهم فى هذا العقدِ. فإن زَوَّجَهُم مع العِلْمِ بالعَيْبِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّه عَقَدَ لهم عقدًا لا يجوزُ عَقْدُه، فلم يَصِحَّ، كما لو باع

стр. 5028

عَقارَه لغيرِ غِبْطَةٍ ولا حاجةٍ. وإن لم يَعْلَمْ بالعَيْبِ، صَحَّ، كما لو اشْتَرَى لهم مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيْبَه، ويَجِبُ عليه الفَسْخُ إذا عَلِمَ؛ لأنَّ عليه النَّظَرَ لهم بما فيه الحظُّ، والحظُّ فى الفَسْخِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّه زَوَّجَهُم ممَّن لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُم إيَّاه، فلم يَصِحَّ، كما لو زَوَّجَهُم مِمَّن (٦) يَحْرُمُ عليهم. فصل: وليس له تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بمَعِيبٍ بغيرِ رِضَاها. بغير خلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّها تَمْلِكُ الفَسْخَ إذا عَلِمَتْ به بعدَ العَقْدِ، فالامْتِناعُ أَوْلَى. وإن أرادتْ أن تتَزَوّجَ مَعِيبًا، فله مَنْعُها، فى أحدِ الوَجْهينِ. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أن يُزَوِّجَها بعِنِّينٍ، وإن رَضِيَتِ الساعةَ تكْرَهُه (٧) إذا دَخَلَتْ عليه؛ لأنَّ من شَأْنِهِنّ النِّكاحُ، ويُعْجِبُهُنَّ من ذلك ما يُعْجِبُنا. وذلك لأنَّ الضَّرَرَ فى هذا دائمٌ، والرِّضَى غيرُ مَوْثوقٍ بدَوَامِه، ولا يتَمَكَّنُ من التَّخَلُّصِ إذا كانت عالِمةً فى ابْتِداءِ العَقْدِ، وربَّما أفْضَى إلى الشِّقَاقِ والعَدَاوةِ، فيَتَضَرَّرُ وَلِيُّها وأَهْلُها، فمَلَكَ الوَلِىُّ مَنْعَها، كما لو أرادتْ نِكاحَ مَنْ ليس بكُفْءٍ. والثانى، ليس له مَنْعُها؛ لأنَّ الحَقَّ لها. وقال القاضى: له مَنْعُها من نِكاحِ المجنونِ، وليس له منعُها من نكاحِ المَجْبُوبِ والعِنِّينِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُما عليها خاصَّةً. وفى الأبْرَصِ والمَجْذُومِ وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يَمْلِكُ مَنْعَها؛ لأنَّ الحَقَّ لها، والضَّرَرَ عليها، فأشْبَها المَجْبُوبَ والعِنِّينَ. والثانى، له مَنْعُها؛ لأنَّ عليه ضَررًا منه (٨)، فإنَّه (٩) يُعَيَّرُ (١٠) به، ويخْشَى تَعَدِّيه إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ التَّزْويجَ بمَن (١١) لا يُكَافِئُها. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. والأَوْلَى أَنَّ له مَنْعَها فى جميعِ الصُّوَرِ؛ لأنَّ عليها فيه ضَرَرًا دائمًا، وعارًا عليها وعلى أهْلِها، فمَلَكَ

стр. 5029

مَنْعَها منه، كالتَّزْويجِ بغيرِ كُفْءٍ. فأمَّا إن (١٢) اتَّفَقَا على ذلك، ورَضِيَا به، جازَ، وصَحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، ولا يَخْرُجُ عنهما. ويُكْرَهُ لهما ذلك؛ لما ذَكَره الإِمامُ أبو عبدِ اللَّه، من أنَّها وإن (١٣) رَضِيَتِ الآن، تكرهُه (١٤) فيما بعدُ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ سائرُ الأوْلياءِ الاعْتِراضَ [عليها ومَنْعَها] (١٥) من هذا التَّزْويج؛ لأنَّ العارَ يلْحَقُهم (١٦)، ويَنَالُهم الضَّرَرُ، فأشْبَهَ ما لو زَوَّجَها بغيرِ كُفْءٍ. فأمَّا إِن حَدَثَ العَيْبُ بالزَّوْجِ، ورَضِيَتْه المرأةُ، لم يَمْلِكْ وَلِيُّها إجْبارَها على الفَسْخِ؛ لأنَّ حَقَّه فى ابْتِداءِ العَقْدِ لا فى دَوَامِه، ولهذا لو دَعَتْ وَلِيَّها إلى تَزْوِيجِها بعَبْدٍ لم يَلْزَمْه إجابَتُها، ولو عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ، لم يَملِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ. ١١٨٣ - مسألة؛ قال: (وإذا عَتَقَتِ الأَمَةُ، وزَوْجُها عَبْدٌ، فَلَهَا الْخِيارُ فى فَسْخِ النِّكَاحِ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا، ذَكَره ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ، وغيرُهما. والأصْلُ فيه خَبَرُ بَرِيرةَ، قالت عائشةُ: كاتَبَت بَرِيرَةُ، فخَيَّرها رسولُ اللَّه ﷺ فى زَوْجِها، وكان عَبْدًا، فاخْتارَتْ نَفْسَها. قال عُرْوَةُ: ولو كان حُرًّا ما خَيَّرَهَا رسولُ اللَّه ﷺ . رواه مالكٌ، [فى "المُوَطَّأِ"] (١)، وأبو داودَ، والنَّسَائِىُّ (٢). ولأنَّ عليها ضَرَرًا فى كَوْنِها حُرَّةً تحت

стр. 5030

عَبْدٍ (٣)، فكان لها الخِيارُ كما لو (٤) تزوَّج حُرَّةً على أنَّه حُرٌّ، فبانَ عَبْدًا، فإن اختارَتِ الفَسْخَ فلها فِرَاقُه، وإن رَضِيَتِ المُقامَ معه لم يَكُنْ لها فِراقُه بعدَ ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها. وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه، بحَمْدِ اللَّه تعالى. فصل: وإن عَتَقَتْ تحت حُرٍّ، فلا خِيارَ لها. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وسليمانَ بن يسارٍ، وأبى قِلَابةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، ومالكٍ، والأَوْزاعىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وقال طاوُس، وابنُ سِيرِينَ، ومُجاهدٌ، والنَّخَعِىُّ، وحمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لها الخِيارُ؛ لما رَوَى الأسْوَدُ، عن عائشةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ، وكان زَوْجُها حُرًّا. روَاه النَّسائىُّ (٥). ولأنها كَمَلَتْ (٦) بالحُرِّيّةِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو كان زَوْجُها عَبْدًا. ولَنا، أنَّها كافَأَتْ زَوْجَها فى الكَمالِ، فلم يَثْبُتْ لها الخِيارُ (٧)، كما لو أسْلَمَتِ

стр. 5031

الكِتَابِيَّةُ تحتَ مُسْلِمٍ. فأمَّا خبرُ الأسْوَدِ عن عائشةَ، فقد رَوَى عنها القاسِمُ بن محمدٍ وعُرْوةَ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عَبْدًا (٨). وهما أخَصُّ بها من الأسْوَدِ؛ لأنَّهما ابنُ أخِيها وابنُ أُخْتِها. وقد رَوَى الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عائشةَ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا. فتَعارَضَتْ رِوَايتاه. وقال ابنُ عباسٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا أسْوَدَ لبَنِى المُغِيرَةِ، يقال له: مُغِيثٌ. روَاه البُخارىُّ، وغيرُه (٩). وقالت صَفِيَّةُ بنت أبى عُبَيْدٍ: كان زوجُ بريرةَ عبدًا أسْودَ (١٠). قال أحمدُ: هذا ابنُ عباسٍ وعائشةُ قالا فى زَوْجِ بَرِيرةَ: إنَّه عَبْدٌ. رِوَايةُ علماءِ المَدِينةِ وعَمَلُهم، وإذا رَوَى أهْلُ المدينةِ حَدِيثًا وعَمِلُوا به، فهو أصَحُّ شىءٍ، وإنَّما يَصِحُّ أنَّه حُرٌّ عن الأسْوَدِ وَحْدَه، فأمَّا غيرُه فليس بذاك. قال: والعَقْدُ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، والحُرُّ فيه اخْتِلافٌ، والعَبْدُ لا اخْتِلافَ فيه، ويُخالِفُ الحُرُّ العَبْدَ؛ لأنَّ العَبْدَ ناقِصٌ، فإذا كَمَلَتْ تحتَه تَضَرَّرَتْ ببقَائِها عندَه، بخِلافِ الحُرِّ. فصل: وفُرْقةُ الخِيارِ فَسْخٌ، لا يَنْقُصُ بها عَدَدُ الطَّلاقِ. نصَّ عليه أحمدُ. ولا أعلمُ فيه خلافًا. قيل لأحمدَ: لِمَ لا يكونُ طَلاقًا؟ قال: لأنَّ الطَّلاقَ ما تكَلَّمَ به الرجلُ. ولأنَّها فُرْقةٌ لِاخْتِيارِ المرأةِ، فكانت فَسْخًا، كالفَسْخِ [لِعُنَّتِه أو عَتَهِهِ] (١١).

стр. 5032

١١٨٤ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ، أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَمْ تَعْلَمْ) وجملةُ ذلك أَنَّ خِيَارَ المُعْتَقَةِ على التَّرَاخِى، ما لم يُوجَدْ أحَدُ هذينِ الأَمْرينِ؛ عِتْقِ زَوْجِها، أوْ وَطْئِه لها، ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ من وَطْئِها. وممَّن قال إنَّه على التَّراخِى؛ مالكٌ، والأَوْزَاعىُّ. ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّه بن عمرَ، وأُخْتِه حَفْصةَ. وبه قال سليمانُ بن يسارٍ، ونافعٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ. وحكاه بعضُ أهلِ العلمِ عن الفُقَهاء السَّبْعةِ. وقال أبو حنيفةَ، وسائرُ العِرَاقِيِّينَ: لها الخِيارُ فى مَجْلِسِ العِلْمِ. وللشافعىِّ ثلاثةُ أقوالٍ؛ أظْهَرُها كقَوْلِنا. والثانى، أنَّه على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعةِ. والثالث، أنَّه (١) إلى ثَلاثةِ أيامٍ. ولَنا، ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (٢)، بإسْنادِه عن الحسنِ بن عمروِ بن أُمَيَّةَ، قال: سَمِعْتُ رِجالًا يتَحَدَّثُونَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا عَتَقَتِ الْأَمَةُ، فَهِىَ بالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَطَأْهَا، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وإِنْ وَطِئَها فَلَا خِيَارَ لَهَا". رَوَاه الأَثْرَمُ أيضًا. ورَوَى أبو داودَ (٣)، أنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وهى عندَ مُغِيثٍ، عبدٍ لآل أبى أحمدَ، فخَيَّرها النَّبِىُّ ﷺ ، فقال لها: "إِنْ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ". ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى عَصْرِهِم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ لِابْنِ عمرَ وحَفْصةَ مُخالِفًا من الصحابةِ. ولأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إلى ذلك، فثَبَتَ، كخِيارِ القِصَاصِ، أو خِيَارٍ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فأشْبَهَ ما قُلْناه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى عَتَقَ قبلَ أن تَخْتارَ، سَقَطَ خِيارُها؛ لأنَّ الخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بالرِّقِّ، وقد زال بعِتْقِه، فسَقَطَ، كالمَبِيعِ إذا

стр. 5033

زال عَيْبُه. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وإن وَطِئَها بَطَلَ خِيارُها، عَلِمَتْ بالخِيارِ أو لم تَعْلَمْ. [نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا فى صَدْرِ المسألةِ. وذكَر القاضى وأصحابُه: أَنَّ لها الخِيارَ وإن أُصِيبَتْ، ما لم تَعْلَمْ] (٤)، فإن أصَابَها بعدَ عِلْمِها، فلا خِيارَ لها. وهذا قولُ عطاءٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرىِّ، والأَوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها إذا أمْكَنَتْ من وَطْئِها قبلَ عِلْمِها، فلم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَى، فهو كما لو لم تُصَبْ. ولَنا، ما تقدَّم من الحديث. وروَى مالكٌ (٥)، عن ابن شِهَابٍ، عن عُرْوةَ، أن مَوْلاةً لبَنِى عَدِىٍّ، يُقال لها: زَبْراءُ، أخْبَرَتْه أنَّها كانت تحتَ عبدٍ، فعَتَقَتْ، قالت: فأَرْسَلَتْ إلىَّ حَفْصةُ، فدَعَتْنِى، فقالت: إنَّ أَمْرَكِ بيَدِكِ ما لم يَمَسَّكِ زَوْجُكِ، فإن مَسَّكِ، فليس لك من الأمرِ شىءٌ. فقلتُ: هو الطَّلاقُ، ثم الطَّلاقُ [ثم الطَّلاقُ] (٦). ففارَقَتْه ثَلاثًا. وقال مالكٌ (٧)، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: إنَّ لها الخِيارَ ما لم يَمَسَّها. ولأنَّه خِيارُ عَيْبٍ، فيَسْقُطُ (٨) بالتَّصَرُّفِ فيه مع الجَهالةِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ، فأمَّا على القولِ (٩) الآخَر، فإذا وَطِئَها، وادَّعَتِ الجَهالةَ بالعِتْقِ، وهى ممَّن يجوزُ خَفاءُ ذلك عليها، مثل أن يَعْتِقَها سَيِّدُها فى بَلَدٍ آخرَ، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإن كانت ممَّن لا يَخْفَى ذلك عليها، لكَوْنِهما (١٠) فى بلدٍ واحدٍ، وقد اشْتَهَرَ ذلك، لم يُقْبَلْ قولُها؛ لأنَّه خِلافُ الظاهرِ. وإن عَلِمَتِ العِتْقَ، وادَّعَتِ الجهالةَ بثُبُوتِ الخِيارِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ ذلك

стр. 5034

لا يَعْلَمُه إلَّا خَوَاصُّ الناسِ، فالظَّاهِرُ (١١) صِدْقُها فيه. وللشافعىِّ فى قَبُولِ قَوْلِها فى ذلك قَوْلان. فصل: فإن عَتَقَ العَبْدُ والأَمَةُ دَفْعةً واحدةً، فلا خِيارَ لها، والنكاحُ بحالِه، سواءٌ أعْتَقَهُما (١٢) رَجُلٌ واحدٌ أو رَجُلانِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وعنه: لها الخِيارُ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ الطارِئةَ بعدَ عِتْقِها تَمْنَعُ الفَسْخَ، فالمُقارِنةُ أَوْلَى، كإسْلامِ الزَّوْجَيْنِ. وعن أحمدَ: إن (١٣) عَتَقَا معا انْفَسخَ النِّكاحُ. ومَعْناه -واللَّه أعلم- أنَّه إذا وَهَبَ لعَبْدِه (١٤) سُرِّيَّةً، وأَذِنَ له فى التَّسَرِّى بها، ثم أعْتَقَهُما جميعا، صارا حُرَّيْنِ، وخَرَجَتْ عن مِلْكِ العَبْدِ، فلم يَكُنْ له إصابَتُها إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ. هكذا رَوَى جماعةٌ من أصحابِه، فى مَن وَهَبَ لعَبْدِه سُرِّيَّةً، أو اشْتَرَى له سُرِّيَّةً، ثم أعْتَقَهُما (١٥)، لا يَقْرَبُها إلَّا بنكاحٍ جديدٍ. واحتجَّ أحمدُ على ذلك، بما رَوَى نافعٌ، عن ابن عمرَ، أَنَّ عبدًا له كان له سُرِّيَّتانِ، فأعْتَقَهُما وأعْتَقَه (١٦)، فنَهاه أن يَقْرَبَهُما إلَّا بنكاحٍ جديدٍ (١٧). ولأنَّها بإعْتاقِها خَرَجَتْ عن أن تكونَ مملوكةً، فلم يُبَحْ له (١٨) التَّسَرِّى بها، كالحُرَّةِ الأصْلِيَّةِ. وأمَّا إذا كانت امرأتَه، فعَتَقَا، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُه بذلك؛ لأنَّه إذا لم يَنْفَسِخْ بإعْتاقِها وحْدها. فلأَنْ لا يَنْفَسِخَ بإعْتاقِهِما معا أَوْلَى. ويَحْتَمِلُ أَنَّ أحمدَ إنَّما أراد بقولِه: انْفَسَخَ نِكاحُهما (١٩). أَنَّ لها فَسْخَ (٢٠) النِّكاحِ. وهذا تخريجٌ على الرِّواية التى تقولُ بأنَّ لها

стр. 5035

الفَسْخَ إذا كان زَوْجُها حُرًّا [قبلَ العِتْقِ] (٢١). فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَنْ له عَبْدٌ وأمَةٌ متَزوِّجان، فأراد عِتْقَهُما، البدايةُ بالرَّجُلِ؛ لئلَّا يَثْبُتَ للمرأةِ خِيارٌ عليه فيُفْسَخَ (٢٢) نِكاحُه. وقد رَوَى أبو داودَ (٢٣)، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن عائشةَ، أنَّه كان لها غُلامٌ وجارِيةٌ، فتَزَوَّجا، فقالت للنَّبِىِّ ﷺ : إنِّى أُرِيدُ أن أعْتِقَهُما. فقال لها: "فَابْدئِى بالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ". وعن صَفِيّةَ بنت أبى عُبَيْدٍ، أنَّها فَعَلَتْ ذلك، وقالت للرجلِ: إنِّى (٢٤) بَدَأْتُ بعَتْقِكَ لئلَّا يكونَ لها عليكَ خِيارٌ (٢٥). فصل: إذا عَتَقَتْ المَجْنُونةُ والصغيرةُ، فلا خِيارَ لهما فى الحالِ؛ لأنَّه لا عَقْلٌ لهما، ولا قولٌ مُعْتَبَرٌ، ولا يَمْلِكُ وَلِيُّهُما الاختيارَ عنهما؛ لأنَّ هذا طريقهُ الشَّهْوةُ، فلا يَدْخُلُ تحت الوِلايةِ كالاقْتِصاصِ. فإذا بَلَغَتِ الصغيرةُ، وعَقَلَت المجنونةُ، فلهما الخِيارُ حينئذٍ؛ لكونِهِما صارَتا على صِفَةٍ لكلٍّ منهما حُكْمٌ، وهذا الحكمُ فيما لو كان بزَوْجَيْهِما عَيْبٌ يُوجِبُ الفَسْخَ، فإن كان زَوْجاهُما قد وَطِئاهُما، فظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لا خِيارَ لهما؛ لأنَّ مُدَّةَ الخِيارِ انقَضَتْ. وعلى قولِ القاضى وأصحابِه: لهما الخِيارُ؛ لأنَّه لا رَأْىَ لهما، فلا يكونُ تَمْكِينُهما من الوَطْءِ دَلِيلًا على الرِّضَى، بخلافِ الكبيرةِ العاقلةِ، ولا يُمْنَعُ زَوْجاهُما من وَطْئِهِما. ١١٨٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَتْ لِنفْسَيْنِ، فأَعْتَقَ أحَدُهُمَا، فَلَا (١) خِيَارَ لَهَا، إِذَا كَانَ المُعْتِقُ مُعْسِرًا)

стр. 5036

إنما شُرِطَ الإِعْسارُ فى المُعْتِقِ؛ لأنَّ المُوسرَ يَسْرِى عِتْقُه إلى جَمِيعِها، فتَصِيرُ حُرّةً، ويَثْبُتُ لها الخِيارُ، والمُعْسِرُ لا يَسْرِى عِتْقُه، بل يَعْتِقُ منها ما أعْتَقَ، وباقِيها رَقِيقٌ، فلا تَكْمُلُ حُرِّيَتُها، فلا يَثْبُتُ لها الخِيارُ حينئذٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ، أَنَّ لها الخِيارَ. حكاها أبو بكرٍ، واختارَها؛ لأنَّها أكْمَلُ منه، فإنَّها تَرِثُ، وتُورَثُ، وتَحْجُبُ بقَدْرِ ما فيها من الحُرِّيَّةِ. ووجهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا نَصَّ فى المُعْتَقِ بَعْضُها، ولا هى فى معنى الحُرَّةِ الكاملةِ؛ لأنَّها كاملةُ الأحْكامِ، وأيضا ما عَلَّلَ به أحمدُ، وهو أَنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، وهذه مُخْتَلَفٌ فيها. فصل: ولو زَوَّجَ أمَةٌ قِيمَتُها عَشرةٌ بصَداقٍ عِشْرِينَ، ثم أعْتَقَها فى مَرَضِه بعدَ الدخولِ بها، ثم مات، ولا يَمْلِكُ غيرَها [وغيرَ مَهْرِها] (٢) بعدَ اسْتِيفائِه، عَتَقَتْ؛ لأنَّها تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، ولها الخِيارُ. وإن لم تكُنْ قَبَضَتْه، عَتَقَ ثُلُثُها فى الحالِ. وفى الخيارِ لها وَجْهان، فكلَّما اقْتُضِىَ من مَهْرِها شىءٌ عَتَقَ منها بقَدْرِ ثُلُثِه، فإذا اسْتُوفِىَ كلُّه عَتَقَتْ كلُّها، ولها الخِيارُ حينئذٍ عندَ مَنْ لم يُثْبِتْ لها الخِيارَ قبلَ ذلك. فإن كان زَوْجُها قد وَطِئها قبلَ اسْتِيفاءِ مَهْرِها، فقد بَطَلَ خِيارُها عندَ مَنْ جَعَلَ لها الخِيارَ حينئذٍ؛ لأنَّها أسْقَطَتْه بتَمْكِينِه من وَطْئِها. وعلى قولِ الْخِرَقِىِّ، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها مَكَّنَتْ منه قبلَ ثُبُوتِ الخِيارِ لها، فأشْبَهَ ما لو مَكَّنَتْ منه قبلَ عِتْقِها. فأمَّا إن عَتَقَتْ قبلَ الدُّخولِ بها، فلا خِيارَ لها، على قولِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّ فَسْخها النِّكاحَ (٣) يَسْقُطُ به صَدَاقُها، فيَعْجِزُ الثُّلُثُ عن كمالِ قِيمَتِها، فيَرِقُّ ثُلُثاها، ويَسْقُطُ خِيارُها، فيُفْضِى إثباتُ الخِيارِ لها إلى إسْقاطِه، فيَسْقُطُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وعند أبى بكرٍ، لها الخِيارُ. فعلى قولِ مَنْ أوْجَبَ لسَيِّدِها نِصْفَ المَهْرِ، فإذا اسْتُوفِىَ عَتَقَ ثُلُثاها، وعلى قولِ مَنْ أسْقَطه، يَعْتِقُ ثُلُثُها.

стр. 5037

١١٨٦ - مسألة؛ قال: (فَإِنِ اخْتَارَتِ الْمُقَامَ مَعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدهُ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّد، وَإِنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وإِنِ اخْتَارَتْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالمَهْرُ للسَّيِّدِ) وجملتُه أَنَّ المُعْتَقَةَ إن اختارتِ المُقامَ مع زَوْجِها (١) قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه أو اخْتارتِ الفَسْخَ بعدَ الدُّخولِ، فالمَهْرُ واجبٌ؛ لأنَّه واجبٌ بالعقدِ، فإذا اخْتارتِ المُقامَ، فلم يُوجَدْ له مُسْقِطٌ، وإن فَسَخَتْ بعدَ الدُّخولِ، فقد اسْتَقَرَّ بالدُّخولِ، فلم يَسْقُطْ بشىءٍ، وهو للسَّيِّدِ فى الحالَيْنِ؛ لأنَّه وَجَبَ بالعَقْدِ فى مِلْكِه، والواجِبُ المُسَمَّى فى الحالَيْنِ، سواءٌ كان الدُّخولُ قبلَ العِتْقِ أو بعدَه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن كان الدُّخولُ قبلَ العِتْقِ (٢)، فالواجبُ المُسَمَّى، وإن كان بعدَه، فالواجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسْخَ اسْتَندَ إلى حالةِ العِتْقِ، فصار الوَطْءُ فى نِكاحٍ فاسد. ولَنا، أنَّه عقدٌ صحيحٌ، فيه مُسَمًّى صحيحٌ، اتَّصَلَ به الدُّخُولُ قبلَ الفَسْخِ، فأوْجَبَ المُسَمَّى، كما لو لم يُفْسَخْ، ولأنَّه لو وَجَبَ بالوَطْءِ بعدَ الفَسْخِ، لَكان المَهْرُ لها؛ لأنَّها حُرَّةٌ حينئذٍ. وقولُهم: إنَّ الوَطْءَ فى نكاحٍ فاسدٍ. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه كان صحيحًا، ولم يُوجَدْ ما يُفْسِدُه، ويَثْبُتُ فيه أحكامُ الوَطْءِ فى النِّكاحِ الصحيحِ، من الإِحْلالِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، والإِحْصانِ، وكونِه حَلَالًا (٣). وَأمَّا ان اخْتارتِ الفَسْخَ قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، للسَّيِّدِ نِصْفُ المَهْرِ؛ لأنَّه وَجَبَ للسَّيِّدِ، فلا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه. ولَنا، أَنَّ الفُرْقةَ جاءت من قِبَلِها، فسَقَطَ (٤) مَهْرُها، كما لو أسْلَمَتْ، أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَنْ يفْسَخُ نِكاحَها رَضاعُه. وقولُه: وَجَبَ للسَّيِّدِ. قُلْنا: لكن بواسِطَتِها، ولهذا سَقَطَ نِصْفُه بفَسْخِها، وجَمِيعُه بإسْلامِها ورِدَّتِها.

стр. 5038

فصل: ولو كانت مُفَوِّضَةً، ففُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ، فهو للسَّيِّدِ أيضًا؛ لأنَّه وَجَبَ بالعَقْدِ فى مِلْكِه لا بالفَرْضِ. وكذلك لو مات أحَدُهما، وَجَبَ، والموتُ لا يُوجِبُ، فدَلَّ على أنَّه وَجَبَ بالعَقْدِ. وإن كان الفَسْخُ قبلَ الدُّخولِ والفَرْضِ، فلا شىءَ، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، يَنْبَغِى أن تَجِبَ المُتْعةُ؛ لأنَّها تجبُ بالفُرْقةِ قبلَ الدُّخولِ فى مَوْضِع لو كان مُسَمًّى وَجَبَ نِصْفُه. فصل: فإن طَلّقَها طَلاقًا بائِنًا (٥)، ثم أُعْتِقَتْ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ إنَّما يكونُ فى نكاحٍ، ولا نِكاحَ ههُنا. وإن كان رَجْعِيًّا، فلها الخِيارُ فى العِدَّةِ؛ لأنَّ نِكاحَها باقٍ، فيُمْكِنُ فَسْخُه، ولها فى الفَسْخِ فائدةٌ؛ لأنَّها (٦) لا تَأْمَنُ رَجْعَتَه [لها فى آخِرِ عِدَّتِها، فتحْتاجُ إلى اسْتِئنافِ عِدَّةٍ أُخْرَى إذا فَسَخَتْ، فإذا فَسَخَتِ انْقَطَعَتِ الرَّجْعةُ، وثَبَتَتْ على ما مَضَى مِن عِدَّةِ الطَّلاقِ، ولا تَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِ عِدَّةٍ؛ لأنَّها مُعْتدَّةٌ من الطَّلاقِ] (٧) إذا لم يَفْسَخْ. فإن قيل: فيَفْسَخُ حينئذٍ؟ قلنا: إذًا تحتاج إلى عِدَّةٍ أُخْرَى. وإذا فَسَخَتْ فى عِدَّتِها، ثَبَتَتْ على ما مَضَى من عِدَّتِها، ولم تَحْتَجْ إلى عِدَّةٍ أُخْرَى؛ لأنَّها مُعْتَدّةٌ من الطَّلاقِ، والفَسْخُ لا يُنافِيها ولا يَقْطَعُها، فهو كما لو طَلَّقَها طلقةً أُخْرَى، ويَنْبَنِى على عِدَّةِ حُرَّةٍ؛ لأنَّها عَتَقَتْ فى أثْناء العِدَّةِ وهى رَجْعِيَّةٌ. فإن اختارتِ المُقامَ، بَطَلَ خِيارُها. وقال الشافعىُّ: لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها اخْتارتِ المُقامَ مع جَرَيانِها إلى البَيْنُونةِ، وذلك يُنافِى اخْتِيارَ الْمُقامِ. ولَنا، أنَّها حالةٌ يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ الفَسْخِ، فصَحَّ اخْتِيارُ الْمُقامِ، كصُلْبِ النِّكاحِ. وإن لم تَخْتَرْ شيئًا، لم يَسْقُطْ خِيارُها؛ لأنَّه على التَّرَاخِى، ولأنَّ سُكُوتَها لا يَدُلُّ على رِضَاها؛ لِاحْتِمالِ (٨) أنَّه كان لجَرَيانِها إلى الْبَيْنُونةِ (٩)، اكْتِفاءً منها

стр. 5039

بذلك. فإن ارْتَجَعها، فلها الفَسْخُ حينئذٍ، فإن فَسَخَتْ، ثم عاد فتزَوَّجَها، بَقِيَتْ معه بطَلْقةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ طلاقَ العَبْدِ اثْنَتانِ. وإن تَزَوَّجَها بعدَ أن أُعْتِقَ، رَجَعَتْ معه (١٠) على طَلْقَتَيْنِ؛ لأنَّه صار حُرًّا، فمَلَكَ ثلاثَ طَلقاتٍ، كسائرِ الأحْرارِ. فصل: فإن طَلَّقها بعدَ عِتْقِها، وقبلَ اخْتِيارِها (١١)، أو طَلَّقَ الصغيرةَ والمجنونةَ بعد العِتْقِ، وَقَعَ طَلاقُه، وبَطَلَ خِيارُها؛ لأنَّه طَلاقٌ من زَوْجٍ جائزِ التَّصَرُّفِ، فى نكاحٍ صحيحٍ، فنفذَ (١٢) كما لو لم يَعْتِقْ. وقال القاضى: طَلَاقُه موقوفٌ، فإن اخْتارتِ الفَسْخَ لم يَقَعِ الطَّلاقُ (١٣)؛ لأنَّ طَلاقَه يتضَمَّنُ إبْطالَ حَقِّها من الخِيارِ، وإن لم تَخْتَرْ وَقَعَ. وللشافعىِّ قَوْلان، كهذَيْنِ الوَجْهينِ. وبَنَوا عَدَمَ الوُقُوعِ على أَنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى حالةِ العِتْقِ، فيكونُ الطَّلاقُ واقِعًا فى نكاحٍ مَفْسُوخٍ. ولَنا، أنَّه طلاقٌ من زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ، فى نكاحٍ صحيحٍ، فوَقَعَ، كما لو طَلَّقها قبلَ عِتْقِها، أو كما لو لم تَخْتَرْ، وقد ذَكَرْنا أَنَّ الفَسْخَ يُوجِبُ الفُرْقةَ [من حِينِه] (١٤)، ولا يجوزُ تقديمُ الفُرْقةِ عليه، [إذِ الحكمُ] (١٥) لا يتَقَدَّمُ سَبَبُه، ولأنَّ العِدَّةَ تُبْتَدَأُ (١٦) من حينِ الفَسْخِ، لا من حينِ العِتْقِ، وما سَبَقَه من الوَطْءِ وَطْءٌ فى نكاحٍ صحيحٍ، يُثْبِتُ الإِحْصانَ والإِحْلالَ للزَّوْجِ الأَوَّلِ، ولو كان الفَسْخُ سابقًا عليه لَانْعَكَسَتِ الحالُ. وقولُ القاضى: إنه يُبْطِلُ حَقَّها من الفَسْخِ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ به مَقْصُودُ الفَسْخِ، مع (١٧) زِيَادةِ وُجُوبِ نِصْفِ المَهْرِ، وتَقْصِيرِ العِدَّةِ عليها، فإنَّ ابْتِداءَها من حينِ طَلاقِه، لا من حينِ

стр. 5040

فَسْخِه، ثم لو كان مُبْطِلًا لحَقِّها، لم يَقَعْ وإن لم تَخْتَرِ الفَسْخَ، كما لم يَصِحَّ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى فى المَبِيعِ فى مُدَّةِ الخِيارِ، سواءٌ فَسَخَ البائعُ أو لم يَفسَخْ. وهذا فيما إذا كان الطَّلاقُ بائِنًا، فإن كان رَجْعِيًّا، لم يَسْقُطْ خِيارُها، على ما ذكَرْنا فى ال فصلِ الذى (١٨) قبلَ هذا، فعلى قَوْلِهِم: إذا طَلَّقَها (١٩) قبلَ الدُّخولِ، ثم اخْتارتِ الفَسْخَ، سَقَطَ مَهْرُها؛ لأنَّها بانَتْ بالفَسْخِ، وإن لم يَفْسَخْ، فلها نِصْفُ الصَّداقِ؛ لأنَّها بانَتْ بالطَّلاقِ. [وهكذا لو ارْتَدَّتْ أو أسْلَمتِ الكافرةُ] (٢٠). فصل: وللمُعْتَقَةِ الفَسْخُ من غيرِ حُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه مُجْمَعٌ عليه، غيرُ مُجْتَهَدٍ فيه، فلم يَفْتَقِرْ إلى حاكمٍ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ فى المَبِيعِ، بخلافِ [خِيَارِ العَيْبِ] (٢١) فى النِّكاحِ، فإنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ الحاكمِ، كالفَسْخِ للإِعْسارِ. فصل: وإذا اخْتارتِ المُعْتَقةُ الفِراقَ، كان فَسْخًا [ليس بطَلاقٍ] (٢٢). وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ ابن حَىٍّ، والشافعىُّ. وذَهَبَ مالكٌ، والأوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، إلى أنَّه طَلَاقٌ بائِنٌ. قال مالكٌ: إلَّا أن تُطَلِّقَ نَفْسَها ثلاثًا، فَتَطْلُقَ ثَلاثًا. واحْتَجَّ له بقِصّةِ زَبْرَاءَ حين طَلَّقَتْ نَفْسَها ثلاثًا (٢٣)، فلم يَبْلُغْنا أَنَّ أحدًا من الصَّحابةِ أنْكَرَ ذلك، ولأنَّها تَملِكُ الفِراقَ، فمَلكتِ الطَّلاقَ كالرَّجُلِ. ولَنا، قولُه ﷺ : "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاقِ" (٢٤). ولأنَّها فُرْقةٌ من قِبَلِ الزَّوْجةِ، فكانت فَسْخًا، كما لو اخْتَلَفَ دِينُهُما، أو أَرْضَعَت مَنْ يُفسَخُ نِكاحُها برَضاعِه، وفِعْلُ زَبْراءَ ليس بحُجَّةٍ، ولم يَثْبُت انْتِشارُه فى الصَّحابةِ. فعلى هذا، لو قالتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِى، أو فَسَخْتُ

стр. 5041

النِّكاحَ. انْفَسَخَ. ولو قالتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِى. وَنوَتِ المُفارقةَ، كان كِنايةً عن الفَسْخِ؛ لأنَّه يُؤَدِّى (٢٥) مَعْناه، فصارَ (٢٦) كِنايةً عنه، كالكِنَايةِ بالفَسْخِ عن الطَّلاقِ. فصل: وإن عَتَقَ زَوْجُ الأَمَةِ، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ؛ لأنَّ عَدَمَ الكَمالِ فى الزَّوْجةِ لا يُؤَثِّرُ فى النِّكاحِ، ولذلك (٢٧) لا تُعْتَبَرُ الكفاءةُ إلَّا فى الرَّجُلِ دُونَ المرأةِ. ولو تَزَوَّجَ امرأةً مُطْلَقًا، فبانَتْ أمَةً، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ. ولو تزَوَّجَتِ المرأةُ رَجُلًا مُطْلَقًا، فبان عَبْدًا كان لها الخِيارُ، وكذلك فى الاسْتِدامةِ، لكن إن عَتَقَ (٢٨) ووَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرّةٍ، فهل يَبْطُلُ نِكاحُه؟ على وَجْهينِ، تقدَّم ذكرُهما. فصل: وإذا عَتَقَتِ الأمَةُ، فقالت لِزَوْجِها: زِدْنِى (٢٩) فى مَهْرِى. ففَعَلَ، فالزِّيادةُ لها دون سَيِّدِها، سواءٌ كان زَوْجُها حُرًّا أو عبدًا، وسواءٌ عَتَقَ معها، أو لم يَعْتِقْ. نَصَّ عليه أحمدُ، فيم إذا زَوَّجَ عَبْدَه من أَمَتِه ثم عَتَقَا (٣٠) جميعا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْنِى فى مَهْرِى. فالزيادةُ للأَمَةِ لا للسَّيِّدِ. فقيل: أَرَأيْتَ إن كان الزوجُ لغيرِ السَّيِّدِ، لمن تَكونُ الزِّيادةُ؟ قال: للأَمَةِ. وعلى قياس هذا، لو زَوَّجَها سَيِّدُها، ثم باعَها، فزادَها زَوْجُها فى مَهْرِها، فالزيادةُ للثانى. وقال القاضى: الزِّيادةُ للسَّيِّدِ المُعْتِقِ فى المَوْضِعَيْنِ، على قياسِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أَنَّ الزِّيادةَ فى الصَّدَاقِ تَلْحَقُ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فتكون كالمذكورةِ فيه. والذى قُلْناه أصَحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ فى الزِّيادةِ إنما ثَبَتَ (٣١) حالَ وُجُودِها، بعدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِها عنها، فيكونُ لها، ككَسْبِها والمَوْهُوبِ لها. وقولُنا: إن الزِّيادَةَ تَلْحَقُ بالعَقْدِ. معناه أنَّها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ المِلْكُ فيها، ويَصِيرُ الجَمِيعُ صَدَاقًا، وليس معناه

стр. 5042

أنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا فيها، وكان لِسَيِّدِها، فإِنَّ هذا مُحالٌ، ولأنَّ سَبَبَ مِلْكِ هذه الزيادةِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فلا يجوزُ أن يَتَقَدَّمَ المِلْكُ عليه؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى تقَدُّمِ (٣٢) الحُكْمِ قبل سَبَبِه، ولو كان المِلْكُ ثابتًا للمُعْتِقِ فيه حين التَّزْويج لَلَزِمَتْهُ زَكاتُه، وكان له نَماؤُه. وهذا أظْهَرُ من أن نُطِيلَ فيه.

стр. 5043

باب أجَلِ العِنِّينِ والخَصِىِّ غيرِ المَجْبُوبِ العنِّينُ: هو العاجزُ عن الإِيلاجِ. وهو مَأْخُوذٌ من عَنَّ. أى: اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذا أرَادَ إِيلاجَه، أى يَعْتَرِضُ، والعَنَنُ الاعْتِراضُ. وقيل: لأنَّه يَعِنُّ لِقُبُلِ المَرْأةِ (١) عن يَمينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه. فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيْبٌ به، ويُسْتَحَقُّ به فَسْخُ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والنَّخَعِىُّ، وقتادةُ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ. وعليه فَتْوى فُقَهاءِ الأمْصارِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وشَذَّ الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهى امْرَأتُه. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ امْرأةً أتَتِ النبىَّ ﷺ ، فقالت: يارسولَ اللَّه، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلَاقِى، فتزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بن الزُّبَيْرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: "تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" (٢). ولم يَضْرِبْ له مُدّةً. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجَّلَ الغِنِّينَ سَنَةً. ورَوَى ذلك الدَّارَقُطْنِىُّ (٣)، بإسْنادِه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ. ولا مُخالِفَ لهم. ورَواه أبو حَفْصٍ عن علىٍّ. ولأنَّه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ فى الرَّجُلِ، والرَّتْقِ فى المرأةِ، فأمَّا الخَبَرُ، فلا

стр. 5044

حُجّةَ لهم فيه؛ فإنَّ المُدّةَ إنما تُضْرَبُ له مع اعْتِرافِه، وطَلَبِ المرأةِ ذلك، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. وقد رُوِىَ أَنَّ الرجلَ أنْكَرَ ذلك، وقال: إنِّى لأعْرُكُها عَرْكَ الأدِيمِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد صَحَّ أَنَّ ذلك كان بعدَ طَلَاقِه، فلا معنى لِضَرْبِ المُدَّةِ. وصَحَّحَ ذلك قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "تُرِيدِينَ أن تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ". ولو كان قبلَ طَلَاقِه لَما كان ذلك إليها. وقيل: إنها ذَكَرَتْ ضَعْفَه، وشَبَّهَتْه بهُدْبةِ الثَّوْبِ مُبالغةً، ولذلك قال النبىُّ ﷺ : "حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ" والعاجِزُ عن الوَطْءِ لا يَحْصُلُ منه ذلك. ١١٨٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها فِيهَا، خُيِّرَتْ فِى الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ، فإِنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، كَانَ ذلِكَ فَسْخًا بِلَا طَلَاقٍ) وجملةُ ذلك أَنَّ المرأةَ إذا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِها عن وَطْئِها لِعُنَّةٍ، سُئِلَ عن ذلك، فإن أنْكَرَ والمرأةُ عَذْراءُ، فالقولُ قولُها، وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. فى ظاهرِ المَذْهبِ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ (١) لا يُعْلَمُ إِلَّا من جِهَتِه، والأَصْلُ السَّلامةُ. وقال القاضى: هل يُسْتَحْلَفُ أو لا؟ على وَجْهَيْنِ، بناءً على دَعْوَى الطَّلاقِ. فإن أقَرَّ بالعَجْزٍ، أو ثَبَتَ ببَيِّنةٍ على إقْرارِه به، أو أنْكَرَ وطَلَبَتْ يَمِينَه فنَكَلَ، ثَبَتَ عَجْزُه، ويُؤَجَّلُ سَنَةً. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وعن الحارِث بن رَبِيعةَ (٢)، أنَّه أجَّلَ رَجُلًا عَشرةَ أشْهُرٍ. ولَنا، قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولأنَّ هذا العَجْزَ قد يكونُ لِعُنَّةٍ، وقد يكون لِمَرَضٍ، فضُرِبَتْ له سَنةً لِتَمُرَّ به الفُصُولُ الأرْبعةُ، فإن كان من يُبْسٍ زال فى فَصْلِ الرُّطُوبةِ، وإن كان من رُطُوبةٍ زال فى فَصْلِ الحَرارةِ، وإن كان من انْحِرافِ مِزَاجٍ زال فى فَصْلِ الاعْتِدالِ. فإذا مَضَتِ الفصولُ الأربعةُ، واخْتَلَفَتْ عليه الأهْوِيةُ فلم تَزُلْ، عُلِمَ أنَّه خِلْقةٌ. وحُكِىَ عن

стр. 5045

أبى عُبَيْدٍ، أنَّه قال: أهْلُ الطِّبِّ يقولون: الداءُ لا يَسْتَجِنُّ (٣) فى البَدَنِ أكثرَ من سَنَةٍ، ثم يَظْهَرُ. وابتداءُ السَّنةِ منذُ تَرَافُعِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جماعةُ القائلينَ بتَأْجِيلِه. قال مَعْمَرٌ، فى حديثِ عمرَ: "يُؤَجَّلُ سنةً" (٤): من يومِ مُرَافَعَتِه، فإذا انقضتِ المُدَّةُ فلم يَطَأْ، فلها الخِيارُ، فإن اخْتارتِ الفَسْخَ، لم يَجُزْ إلَّا بحُكْمِ الحاكم (٥)؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فإمَّا أن يَفْسَخَ، [وإمَّا أن يَرُدَّه] (٦) إليها فتَفْسَخَ هى. فى قولِ عامَّةِ القائلينَ به. ولا يَفْسَخُ حتى تختارَ الفَسْخَ وتَطْلُبَه؛ لأنَّه لحَقِّها، فلا تُجْبَرُ على اسْتِيفائِه، كالفَسْخِ للإِعْسارِ (٧)، فإذا فَسَخَ (٨) فهو فَسْخٌ وليس بطَلاقٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ: يُفَرِّقُ الحاكمُ بينهما، وتكونُ تَطْلِيقةً؛ لأَنَّهَا فُرقَةٌ لعَدَمِ الوَطْءِ، فكانت طَلاقًا، كفُرْقَةِ المُولِى. ولَنا، أَنَّ هذا خِيارٌ ثَبَتَ لأجْلِ العَيْبِ، فكان فَسْخًا، كفَسْخِ المُشْتَرِى لأجْلِ العَيْبِ. فصل: فإن اتَّفَقَا بعدَ الفُرْقةِ (٩) على الرَّجْعةِ، لم يَجُزْ إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ؛ لأنَّها قد بانَتْ (١٠)، وانفَسَخَ النِّكاحُ. فإذا تَزَوّجَها كانت عنده على طَلاق ثَلاثٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وذَكَرَ أبو بكرٍ فيها قولًا ثانيًا، أنَّهما لا يَجْتَمِعان أبدًا؛ لأنَّها فُرْقةٌ تتَعلّقُ بحُكْمِ الحاكمِ، فَحَرَّمَتْ النِّكاحَ (١١)، كفُرْقةِ اللِّعانِ. والمَذْهَبُ أنَّها تَحِلُّ له؛ لأنَّها فُرْقةٌ لأجْلِ العَيْبِ، فلم تَمْنَعِ النِّكاحَ، كفُرْقةِ المُعْتَقَةِ، والفُرْقةِ فى (١٢) سائرِ العُيُوبِ.
следующие страницы →