← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

جميعِهِنَّ، أو شقَّ عليه ذلك، وبعثَ بهنَّ جميعًا معَ غيرِه مِمَّن هو مَحْرَمٌ لهُنَّ، جازَ، ولا يَقْضِى لأحدٍ، ولا يحْتاجُ إلى قُرْعةٍ؛ لأنَّه سَوَّى بينهُنَّ. وإن أرادَ إفْرادَ بعضِهِنَّ بالسفرِ معه، لم يجُزْ إلَّا بقُرْعةٍ. فإذا وصلَ إلى البلدِ الذى انْتقَل إليه، فأقامتْ معه فيه، قَضَى للباقياتِ مُدَّةَ كَوْنِها معه فى البلد خاصةً؛ لأنَّه صارَ مُقِيمًا، وانقطعَ حُكمُ السفرِ عنه. فصل: إذا كانت له امرأةٌ، فتزوَّجَ أُخْرَى، وأراد السفرَ بهما جميعًا، قسَمَ للجديدةِ سَبْعًا إن كانت بِكرًا، وثلاثًا إن كانت ثَيِّبًا، ثم يقْسِمُ بعدَ ذلك بينها وبين القديمةِ. وإن أرادَ السفرَ بإحْداهما، أقْرَعَ بينهما، فإن خرَجتْ قُرْعةُ الجديدةِ، سافرَ بها معه، ودخلَ حقُّ العَقْدِ فى قَسْمِ السفرِ؛ لأنَّه نَوْعُ قَسْمٍ. وإن وقعَتِ القُرْعةُ للأُخْرَى، سافرَ بها، فإذا (٦) حضرَ، قَضَى للجديدةِ حقَّ العَقْدِ؛ لأنَّه سافرَ بعدَ وُجوبِه علته. وإن تزوَّجَ اثنتيْنِ، وعزمَ على السفرِ، أقْرَعَ بينهما، فسافرَ بالتى تخْرُجُ لها القُرْعةُ، ويدْخُلُ حقُّ العَقْدِ فى قَسْمِ السفرِ، فإذا قَدِمَ، قَضَى للثَّانيةِ حقَّ العَقْدِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه حَقٌّ وجبَ لها قبلَ سفرِه، لم يُؤدِّه إليها، فلَزمَه قضاؤُه، كما لو لم يُسافِرْ بالأُخْرَى معه. والثانى، لا يقْضِيه؛ لئلَّا يكونَ تَفْضيلًا لها على التى سافرَ بها؛ لأنَّه لا يحْصُلُ للمُسافِرَةِ من الإِيواءِ والسَّكَنِ والمبيتِ عندَها، مثلُ ما يحْصُلُ فى الحَضَرِ، فيكونُ مَيْلًا، فيتعذَّرُ قَضاؤُه. فإن قَدِمَ من سفرِه قَبْلَ مُضِىِّ مُدَّةٍ يَنقضى فيها حقُّ عَقْدِ الأُولى، أتَمَّهُ فى الحَضَرِ، وقَضى للحاضرةِ مثلَه، وَجْهًا واحدًا، وفيما زاد الوَجْهانِ. ويَحْتَمِلُ فى المسألةِ الأُولى وَجْهًا ثالثًا، وهو أن يسْتأْنِفَ قَضاءَ حقِّ العَقْدِ لكلِّ واحدةٍ منهما، ولا يَحْتَسِبُ على المُسافِرةِ بمُدَّةِ سَفرِها، كما لا يحتَسِبُ به عليها فيما عَدَا حقِّ العَقْدِ. وهذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ مِن إسْقاطِ حَقِّ العَقْدِ الواجبِ بالشَّرعِ بغيرِ مُسْقِطٍ. ١٢٢٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ ،

стр. 5217

وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بمَا أَقَامَ عِنْدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا) متى تزوَّجَ صاحبُ النِّسْوةِ امرأةً جديدةً، قطَعَ الدَّوْرَ، وأقامَ عندَها سبعًا إن كانت بكرًا، ولا يَقْضِيها للباقياتِ، وإن كانت ثَيِّبًا أقامَ عندَها ثلاثًا، ولا يَقضيها، إلَّا أن تشاءَ هى أن يُقِيمَ عندها سَبْعًا، فإنَّه يُقيمُها عندَها، ويَقْضِى الجميعَ للباقياتِ. رُوِىَ ذلك عن أنسٍ. وبه قال الشَّعْبىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وخِلَاسِ بنِ عمرٍو، ونافعٍ مولى ابنِ عمرَ: للبكرِ ثلاثٌ وللثَّيِّبِ ليلتانِ. ونحوَه قال الأوْزَاعىُّ. وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا فضلَ للجديدةِ فى القَسْمِ، فإن أقام عندَها شيئًا قَضاهُ للباقياتِ؛ لأنَّه فضَّلَها بمُدَّةٍ، فوجبَ قَضاؤُها، كما لو أقام عند الثَّيِّبِ سَبْعًا. ولَنا، ما رَوَى أبو قِلَابةَ، عن أنسٍ، قال: مِنَ السُّنَّةِ إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثِّيِّبِ، أقام عندها سبعًا وقَسَمَ (١)، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ، أقام عندَها ثلاثًا، ثم قَسَمَ. قال أبو قِلَابةَ: لو شئتُ لقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَه إلى النَّبِىِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا تزوَّجَ أُمّ سلمة، أقام عندَها ثلاثًا، وقال: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ

стр. 5218

سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى". روَاه مسلمٌ (٣). وفى لفظٍ (٤): "وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ". وفى لفظٍ (٥): "وَإِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ، ثُمَّ حَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ". وفى لفظٍ روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٦): "إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ، وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، ثُمَّ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى". وهذا يَمْنَعُ قياسَهم. ويُقَدَّمُ عليه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: الأحاديثُ المرفوعةُ فى هذا البابِ على ما قُلْناه، وليس مع مَن خالفَنا حديثٌ مَرْفوعٌ، والحُجَّةُ مع من أدْلَى (٧) بالسُّنَّةِ (٨). فصل: والأمَةُ والحُرَّةُ فى هذا سَواءٌ. ولأصحابِ الشَّافعىِّ [فى هذا] (٩) ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كقَوْلنا. والثَّانى، الأمَةُ على [النِّصْفِ من] (١٠) الحُرَّةِ، كسائرِ القَسْمِ. والثَّالثُ، للبِكْرِ من الإِماءِ أربعٌ، وللثَّيِّبِ ليلتانِ، تكْميلًا لبعْضِ اللَّيلةِ. ولَنا، عُمومُ قولِه ﵇: "لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَللثَّيِّبِ ثَلَاثٌ". ولأنَّه يُرادُ للأُنْسِ وإزالةِ الاحْتِشَامِ، والأمَةُ والحُرَّةُ سواءٌ فى الحاجةِ إليه، فاسْتَويا فيه، كالنَّفَقةِ. فصل: يُكْرَهُ أَنْ يُزَفَّ إليه امرأتانِ فى ليلةٍ واحدةٍ، أو فى مدَّةِ حَقِّ عَقْدِ إحداهُما؛

стр. 5219

لأنَّه لا يُمْكنُه أن يُوَفِّيَهما حَقَّهما، وتَسْتَضِرُّ التى لا يُوَفِّيها حقَّها (١١) وتَسْتَوحِشُ. فإن فَعَلَ، فأُدْخلتْ إحداهُما قبلَ الأُخْرَى، بَدَأ بِها، فوفَّاها حقَّها، ثم عاد فوَفَّى الثَّانيةَ، ثم ابْتدأ القَسْمَ. وإن زُفَّتِ الثَّانيةُ فى أثْناءِ مُدَّةِ حَقِّ (١٢) العَقْدِ، أتمَّه للأُولى، ثم قضَى حقَّ الثَّانيةَ. وإن أُدْخِلتَا عليه جميعًا فى مكانٍ واحدٍ، أقْرَعَ بينهما، وقدَّمَ مَن خرجتْ لها القُرْعةُ منهما، ثم وَفَّى الأُخْرَى بعدَها. فصل: وإذا كانت عندَه امْرأتانِ، فباتَ عندَ إحداهُما ليلةً، ثم تزوَّجَ ثالثةً قبلَ ليلةِ الثَّانيةِ، قَدَّمَ المزفوفةَ بليالِيها؛ لأنَّ حقَّها آكَدُ؛ لأنَّه ثبتَ بالعَقْدِ، وحقُّ الثَّانيةِ ثبتَ بفِعْلِه، فإذا قضَى حقَّ الجديدةِ، بدأَ بالثَّانيةِ، فوفَّاها لِيلَتَها، ثم يَبيتُ عندَ الجديدةِ، ثم يبْتدِئُ القَسْمَ. وذكر القاضى أنَّه إذا وَفَّى الثَّانيةَ ليلتَها، باتَ عندَ الجديدةِ نصفَ ليلةٍ، ثم يبْتدئُ القَسْمَ؛ لأنَّ اللَّيلةَ التى يُوَفِّيها للثَّانيةِ نصفُها مِن حقِّها ونصفُها مِن حقِّ الأُخْرَى، فيثْبُتُ للجديدةِ فى مُقابلَةِ ذلك نِصْفُ ليلةٍ بإزاءِ ما حصَلَ لكلِّ واحدةٍ مِن ضَرَّتَيْها (١٣)، وعلى هذا القولِ يَحتاجُ أن ينْفَردَ بنفسِه فى نِصْفِ ليلةٍ، وفيه حَرَجٌ؛ فإنَّه ربَّما لا يجدُ مكانًا ينْفَرِدُ فيه، أو لا يقْدِرُ على الخُروجِ إليه فى نِصْفِ اللَّيلةِ، أو المجىءِ منه، وفيما ذكرْناه من البدايَةِ بها بعدَ الثَّانيةِ وفاءٌ بحقِّها (١٤) بدونِ هذا الحَرَجِ، فيكونُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ. فصل: وحُكْمُ السَّبعةِ والثَّلاثةِ (١٥) التى يقيمُها عندَ المَزْفُوفةِ حكمُ سَائرِ القَسْمِ، فى أنَّ عِمَادَه اللَّيلُ، وله الخروجُ نهارًا لمعاشِه، وقَضاءِ حُقوقِ النَّاسِ. وإن تعذَّر عليه المُقامُ عندَها ليلًا؛ لشُغْلٍ، أو حَبْسٍ، أو تَرَكَ ذلك لغيرِ (١٦) عُذْرٍ، قَضاهُ لها، وله الخروجُ

стр. 5220

لصلاةِ الجماعةِ؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يتْرُكُ الجماعةَ لذلك، ويخْرُجُ لما لا بُدَّ له منه، فإنَّ أطالَ قَضاهُ، وإن كان يسيرًا فلا قَضاءَ عليه. ١٢٣٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَخَافُ مَعَهُ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوزًا هَجَرَهَا، فَإِنْ أَرْدَعَها، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا لَا يَكُونُ مُبَرِّحًا) معنى النُّشُوزِ مَعْصيةُ الزَّوجِ فيما فرَضَ اللَّهُ عليها مِن طاعتِه، مأخوذٌ من النَّشْزِ، وهو الارْتفاعُ، فكأنَّها ارْتفَعتْ وتعالتْ عمَّا فَرَضَ (١) اللَّهُ عليها مِن طاعتِه، فمتى ظَهرتْ منها أمَاراتُ النُّشُوزِ، مثل أن تتثاقلَ وتُدَافِعَ إذا دعاها، ولا تصيرَ إليه إلَّا بِتَكَرُّهٍ ودَمْدَمَةٍ، فإنَّه يَعِظُها، فيُخَوِّفُها اللَّهَ سبحانَه، ويَذْكُرُ ما أوْجَبَ اللَّهُ له عليها مِن الحقِّ والطاعةِ، وما يلْحَقُها مِن الإثْمِ بالمُخالفةِ والمعصيةِ، وما يَسْقُطُ بذلك مِن حُقوقِها (٢)، مِن النَّفقةِ والكُسْوةِ، وما يُباحُ له من ضَرْبِها وهَجْرِها، لقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (٣). فإن أظْهرَتِ النُّشُوزَ، وهو (٤) أن تعْصِيَه، وتَمْتنعَ من فِراشِه، أو تخْرُجَ من منزلِه بغير إذْنِه، فله أن يهْجُرَها فى المَضْجَعِ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ (٣). قال ابنُ عباسٍ: لا تُضاجِعْها فى فِرَاشِك (٥). فأمَّا الهِجْرانُ فى الكلامِ، فلا يجوزُ أكثرَ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لما رَوَى أبو هُريرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا يَحِلُّ لِمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ" (٦). وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه ليس له ضَرْبُها فى النُّشُوزِ فى أوَّلِ مرَّةٍ. وقد رُوى عن أحمدَ: إذَا عَصَتِ

стр. 5221

المرأةُ زَوْجَها، فله ضَرْبُها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ. فظاهرُ هذا إباحةُ ضَرْبِها بأوَّلِ مَرَّةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. ولأنَّها صَرَّحت بالمنْعِ (٧) فكان له ضربُها، كما لو أصَرَّتْ، ولأنَّ عُقوباتِ الْمَعاصِى لا تخْتلِفُ بالتَّكْرَارِ وعَدَمِه، كالحدودِ ووَجْهُ قولِ الْخِرَقىِّ أَنَّ (٨) المقصودَ زَجْرُها عن المَعْصِيَةِ فى المُسْتقبلِ، وما هذا سَبِيلُه يُبدأُ فيه بالأسْهلِ فالأسْهلِ، كمَنْ هُجِمَ منزلُه فأرادَ إخراجَه. وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. الآية، ففيها إضْمارٌ تقديرُه والَّلاتى تخافون نُشوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ، فإن نَشَزْنَ فاهْجُروهُنَّ فى المَضاجعِ، فإن أصْرَرْنَ فاضْرِبُوهُنَّ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٩). والذى يَدُلُّ على هذا أنَّه رَتَّبَ هذه العُقوباتِ على خَوْفِ النُّشُوزِ؛ ولا خِلافَ فى أنَّه لا يَضْرِبُها لخوْفِ النُّشُوزِ قبلَ إظْهارِه. وللشَّافعى قولانِ كهذيْنِ فإن لم ترتدعْ بالوعظِ والهجرِ، فله ضَرْبُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ". رَواه مسلمٌ (١٠). ومعنى "غيرُ مُبَرِّحٍ" أى ليس بالشَّديدِ. قال الخلَّالُ: سألتُ أحمدَ بنَ يحيى، عن قوله: "ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ" قال: غيرُ شديدٍ. وعليه أن يجْتَنِبَ الوَجْهَ والمواضِعَ المَخُوفَةَ؛ لأنَّ

стр. 5222

المقصودَ التَّأديبُ لا الإِتلافُ. وقد رَوى أبو داودَ (١١)، عن حَكِيمِ بنِ معاويةَ القُشَيْرِىِّ، عن أبيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوْجةِ أحدِنا عليه؟ قال: "أَنْ تطْعِمَها إذَا طعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِى الْبَيْتِ". وروىَ عبدُ اللَّهِ بنُ زَمْعةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَا يجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُضَاجعُهَا فِى آخِرِ الْيَوْمِ" (١٢). وَلا يَزِيدُ فى ضَرْبِهَا على عَشرَةِ أَسْواطٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : "لا يَجْلِدْ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه". [مُتَّفَقٌ عليه] (١٣). فصل: وله تأْديبُها على تَرْكِ فَرائضِ اللَّهِ. وسأل إسماعيلُ بنُ سعيدٍ أحمدَ عمَّا يجوزُ ضَرْبُ المرأةِ عليه، قال: على تَرْكِ (١٤) فَرائضِ اللَّه. وقال فى الرَّجُلِ (١٥) له امرأةٌ لا تُصَلّى: يضْرِبُها ضربًا رَفيقًا غيرَ مُبَرِّحٍ. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى تفسير قولِه

стр. 5223

تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١٦). قال: عَلِّمُوهُمْ أَدِّبُوهُم (١٧). ورَوى أبو محمدٍ الخلَّالُ، بإسْنادِه عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا (١٨) عَلَّقَ فى بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ" (١٩). فإن لم تُصَلِّ، فقد قال أحمدُ: أخْشَى أَنْ لا يَحِلَّ [للرجلِ أَنْ] (٢٠) يُقيمَ مع امرأةٍ لا تُصَلِّى، ولا تَغتسلُ من جَنايةٍ، ولا تَتعلَّمُ القرآنَ. قال أحمدُ، فى الرَّجُلِ يضْرِبُ امرأتَه: لا ينْبَغِى لأحدٍ أن يسألَه ولا أبوها، لم ضرَبها؟ (٢١). والأصلُ فى هذا ما رَوى الأَشْعَثُ، عن عمرَ، أنَّه قال: يا أشْعَثُ، احْفَظْ عنى شيئًا سمعتُه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ". رَواه أبو داودَ (٢٢). ولأنَّه قد يضْربُها لأجْلِ الفِراشِ، فإنْ أخْبرَ بذلك اسْتَحْيَى، وإن أخبرَ بغيرِه كَذَبَ. فصل: وإذا خافتِ المرأةُ نُشُوزَ زوجِها وإعْراضَه عنها، لرَغْبتِه عنها، إمَّا لمَرَضٍ بها، أو كِبَرٍ، أو دَمَامَةٍ، فلا بأسَ أن تضَعَ عنه بعضَ حقوقِها تسْترْضِيه بذلك؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (٢٣) بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٢٤). روَى البُخارِىُّ (٢٥)، عن عائشةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٢٣)

стр. 5224

[﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾] (٢٦) قالت: هى المرأةُ تكونُ عندَ الرَّجُلِ، لا يسْتَكثِرُ منها، فيُرِيدُ طلاقَها، ويتزوَّجُ عليها، فتقولُ (٢٧) له: أمْسِكْنِى، ولا تُطلِّقْنِى، ثم تزوَّجْ غيرِى، فأنتَ فى حِلٍّ مِنَ النَّفقةِ علىَّ، والقِسمَةِ لى. وعن عائشةَ، أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، حينَ أسَنَّتْ، وفَرِقَتْ أن يُفارقَها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قالت: يا رسولَ اللَّهِ، يَوْمِى لعائشةَ. فقَبِلَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ منها. قالت: وفى ذلك أنْزلَ اللَّه جَلَّ ثَناؤُه وفى أشْباهِها أُراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. رَواه أبو داودَ (٢٨). ومتى صَالَحَتْه على تَرْك شىءٍ من قَسْمِها أو نَفَقَتِها، أو على ذلك كلِّه، جازَ. فإنْ رجعتْ، فلها ذلك. قال أحمدُ، فى الرَّجُلِ يَغِيبُ عن امرأتِه، فيقولُ لها: إنْ رَضِيتِ على هذا، وإلَّا فأنتِ أعلمُ. فتقولُ: قد رَضِيتُ. فهو جائزٌ، فإنْ شاءتْ رجعتْ. ١٢٣١ - مسألة؛ قال: (وَالزَّوْجَانِ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْعَداوَةُ، وَخُشِىَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُخْرِجَهُمَا ذَلِكَ إِلَى الْعِصْيَانِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، مَأْمُؤْنَيْنِ، بِرِضَى الزَّوْجَيْنِ، وَتَوْكِيلِهِما، بِأَنْ يَجْمَعَا إِذَا رَأَيَا أَوْ يُفَرِّقَا، فَمَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُمَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا وقعَ بينهما شقاقٌ، نظرَ الحاكمُ، فإن بانَ له أنَّه من المرأةِ، فهو نُشُوزٌ، قد مضى حكْمُه، وإن بانَ أنَّه مِنَ الرَّجُلِ، أسْكَنَهما إلى جانبِ (١) ثِقَةٍ، يَمْنعُه مِنَ الإِضْرارِ بها، والتَّعَدِّى عليها. وكذلك إن بانَ مِن كلِّ واحدٍ منهما تَعَدِّ، أو ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ الآخَرَ ظلمَه، أسْكنَهما إلى جانبِ مَن يُشْرِفُ عليهما

стр. 5225

ويُلْزِمُهما الإِنْصافَ، فإن لم يتهيَّأْ ذلك، وتمادَى الشَّرُّ بينهما، وخِيفَ الشِّقَاقُ عليهما والعِصيانُ، بعثَ الحاكمُ حَكمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها، فنظرَا بينهما، وفعلا ما يَرَيانِ المصلحةَ فيه، مِن جَمْعٍ أو تَفْريقٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢). واخْتَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، فى الحَكَمَيْنِ، ففى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عنه، أنَّهما وكيلانِ لهما، لا يَمْلِكانِ التَّفريقَ (٣) إِلَّا بإذْنِهما. وهذا مذهبُ عَطاءٍ، وأحدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ البُضْعَ حقُّه، والمالَ حقُّها، وهما رَشِيدانِ، فلا يجوزُ لغيرِهِمَا التَّصرُّفُ فيه إلَّا بوَكالةٍ منهما، أو وِلَايةٍ عليهما. والثَّانيةُ، أنَّهما حاكمانِ، ولهما أَنْ يفْعَلا ما يَرَيانِ مِن جَمْعٍ وتَفْريقٍ، بعِوَضٍ وغيرِ عِوَضٍ، ولا يَحْتاجانِ إلى تَوْكيلِ الزَّوْجيْنِ ولا رِضاهُمَا. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عَلىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. فسمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، ولم يَعْتَبِرْ رِضَى الزَّوجَيْن، ثم قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. فخاطبَ الحَكَميْنِ بذلك. ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، أَنَّ رجلًا وامرأةً أتَيا عليًّا، مع كل واحدٍ منهما فِئَامٌ (٤) مِنَ النَّاسِ، فقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ابعَثُوا حَكَمًا مِن أهلِه، وحكمًا من أهلِها، فبعَثُوا حكميْنِ، ثم قال علىٌّ للحكميْنِ: هل تَدْرِيانِ ما عليكُما مِنَ الحقِّ (٥)؟ إنْ رأيتُمَا أن تَجْمَعَا جمعْتُمَا، وإن رأيتُما أن تُفَرِّقَا فرَّقْتُمَا. فقالتِ المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ عَلَىَّ ولِى. فقال الرجل: أمَّا الفُرْقَةُ فلا. فقال علىٌّ: كَذَبْتَ حتى تَرْضَى بما رَضِيَتْ به (٦). وهذا يدلُّ على أنَّه أجْبرَه

стр. 5226

على ذلك، ويروى أَنَّ عَقِيلًا تزوَّجَ فاطمةَ بنتَ عُتْبَة، فتخاصَما، فجمَعتْ ثيابَها، ومضَتْ إلى عثمانَ، فبعثَ حَكَمًا من أهلِه عبدَ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ، وحَكَمًا من أهلِها معاويةَ، فقال ابن عبَّاسٍ: لأُفَرِّقَنَّ بينهما. وقال معاويةُ: ما كنت لأُفَرِّقُ بين شَخْصَيْنِ (٧) مِن بنى عَبْدِ مَنَافٍ. فلما بَلغا البابَ كانا قد أغْلَقَا (٨) البابَ واصْطَلَحا (٩). ولا يمْتَنِعُ أن تثْبُتَ الوِلايةُ على الرَّشيدِ عندَ امْتناعِه مِن أداءِ الحقِّ، كما يُقْضَى الدَّينُ عنه مِن مالِه إذا امْتَنعَ، ويُطَلِّقُ الحاكمُ على المُولِى إذا امتَنَعَ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ الحكميْن لا يكونانِ إلَّا عاقلَيْنِ بالغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ؛ لأنَّ هذه من شُروطِ العَدالةِ، سَواءٌ قُلْنا: هما حاكمانِ أو وكيلانِ؛ لأنَّ الوكيلَ إذا كان مُتَعَلِّقًا بنَظَرِ الحاكمِ، لم يجُزْ أن يكونَ إلَّا عَدْلًا، كما لو نُصِبَ وكيلًا لصَبِىٍّ أو مُفْلِسٍ، ويكونان ذَكَرَيْنِ؛ لأنَّه يَفْتَقِرُ (١٠) إلى الرَّأْىِ والنَّظَرِ. قال القاضى: ويُشْتَرطُ كونهما حُرَّيْنِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ العبدَ عندَه لا تُقْبَلُ شهادتُه، فتكونُ الحُرِّيَّةُ من شُروطِ العدالةِ. والأَوْلَى [أن يُقالَ] (١١): إنْ كانا وكيلَيْنِ، لم تُعْتَبَرِ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّ تَوْكيلَ العبدِ جائزٌ، وإن كانا حَكمَيْنِ، اعتُبِرَتِ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّ الحاكم لا يجوزُ أن يكونَ عبدًا. ويُعْتَبرُ أن يكونا عالِمَيْنِ بالجَمْعِ والتَّفْريقِ؛ لأنَّهما يتصرَّفانِ فى ذلك، فيُعتَبرُ عِلْمُهما به. والأَوْلَى أن يكُونا مِن أهلِهما؛ لأمرِ اللَّه تعالى بذلك، ولأنَّهما أشْفَق وأعلمُ بالحالِ، فإن كانا مِن غيرِ أهلِهما جازَ؛ لأنَّ القرَابةَ

стр. 5227

ليست شرطًا فى الحُكْمِ ولا الوكالةِ، فكان الأمرُ بذلك إرْشادًا واسْتِحْبابًا، فإن قُلْنا: هما وَكيلانِ. فلا يَفْعلانِ شِيئًا حتى يأْذنَ الرَّجلُ لوكيلِه فيما يَراهُ مِن طلاقٍ أو صُلحٍ، وتأْذنَ المرأةُ لوكيِلها فى الخُلْعِ والصُّلْحِ على ما يَراهُ، فإنِ امْتَنعا من التَّوكيلِ، لم يُجْبَرَا. وإن قُلْنا: إنَّهما حَكَمانِ. فإنَّهما يُمْضِيَانِ ما يَرَيَانِه من طلاقٍ وخُلْعٍ، فينفُذُ ذلك عليهما، رَضِيَاه أو أبَيَاه. فصل: فإن غابَ الزَّوْجانِ أو أحدُهُما بعدَ بَعْثِ حَكَمَيْنِ (١٢)، جازَ للحَكَمَيْنِ إمْضاءُ رأْيِهِما إنْ قُلْنا: إنَّهما وكيلانِ. لأنَّ الوكالةَ لا تَبْطُلُ بالغَيْبَةِ، وإن قُلْنا: إنَّهما حاكمانِ. لم يجُزْ لهما إمضاءُ الحُكمِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَيْنِ مَحْكومٌ له وعليه، والقضاءُ للغائبِ لا يجوزُ، إلَّا أن يكُونا قد وَكَّلاهما، فيَفْعلانِ ذلك بحُكْمِ التَّوكْيلِ، لا بالحُكْمِ. وإن كان أحدُهما قد وكَّلَ، جازَ لوكيلِه فِعْلُ ما وكَّلَه فيه مع غَيْبَتِه. وإن جُنَّ أحدُهما، بَطَلَ حُكْمُ وكيلِه؛ لأنَّ الوكالةَ تبطُلُ بجُنونِ المُوَكِّلِ. وإن كان حاكمًا، لم يَجُزْ له الحُكْمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ ذلك بَقاءَ الشِّقَاقِ، وحُضُورَ المُتَداعِيَيْنِ، ولا يتَحقَّقُ ذلك مع الجُنُونِ. فصل: فإنْ شَرَطَ الحَكَمانِ شرطًا لو (١٣) شرَطَه الزَّوجانِ لم يلْزَمْ، مثل أن يشْترِطَا (١٤) تَرْكَ بعض النَفَقةِ والقَسْمِ، لم يَلْزَمِ الوَفاءُ به؛ لأنَّه إذا لم يَلْزَمْ بِرِضَى المُوَكِّلَيْنِ، فبرِضَى الوكيلَيْنِ أولى. وإن أبْرَأَ وكيلُ المرأةِ مِن الصَّدَاقِ أو دينٍ لها، لم يَبْرَإ الزَّوْجُ (١٥) إلَّا فى الخُلْعِ. وإن أبْرَأَ وكيلُ الزَّوجِ مِن دَيْنٍ له، أو من الرَّجُلِ، لم تَبْرَإِ الزَّوْجةُ؛ لأنَّهما وكيلانِ فيما يتعلَّقُ بالإِصْلاحِ، لا فى إسْقاطِ الحُقوقِ.

стр. 5228

١٢٣٢ - مسألة (١)؛ قال: (وَالْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَكْرَهُ أَنْ تَمْنَعَهُ مَا تَكُونُ عَاصِيَةً بِمَنْعِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ المرأةَ إذا كرِهتْ زوجَها، لخَلْقِه، أو خُلُقِه، أو دينِه، أو كِبَرِه، أو ضَعْفِه، أو نحوِ ذلك، وخَشِيَتْ أن لا تُؤدِّىَ حقَّ اللَّهِ تعالى فى طاعتِه، جازَ لها أن تُخالِعَه بِعِوَضٍ (٢) تَفْتَدِى به نفسَها منه؛ لقولِ اللَّه تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣). ورُوِىَ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، خرجَ إلى الصُّبْحِ، فوجدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عندَ بابِه فى الغلَسِ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا شَأْنُكِ؟ ". قالت: لا أنا ولا ثابِتٌ. لزَوجها، فلمَّا جاء ثابتٌ، قال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذِهِ حَبيبَةُ بِنتُ سَهْلٍ، فَذَكَرَتْ (٤) مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ". وقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعْطانى عِندِى. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لثابِتِ بنِ قَيْسٍ: "خُذْ مِنهَا". فأخذَ منها، وجلَستْ فى أهلِها. وهذا حديثٌ صحيحٌ، ثابتُ الإِسنادِ، روَاه الأئمَّةُ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهُمَا (٥)، وفى روايةِ البُخارِىِّ، قال: جاءت امرأةُ ثابتِ بنِ قيسٍ إلى النَّبىِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ما أنْقِمُ على ثابتٍ فى دِينٍ ولا خُلُقٍ، إلَّا أنِّى أخافُ الكُفْرَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرُدِّيْنَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قالت: نعم. فردَّتْها (٦)

стр. 5229

عليه، وأمرَه ففارَقَها. وفى روايةِ، فقال له: "اقْبَلِ الْحَدِيْقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". وبهذا قال جميعُ الفقهاءِ بالحجازِ والشَّامِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ولا نعلمُ أحدًا خالفَه، إلَّا بكرَ ابنَ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىِّ؛ فإنَّه لم يُجِزْه، وزَعَمَ أَنَّ آيةَ الخُلْعِ مَنْسوخةٌ بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٧). الآية. ورُوِىَ عن ابن سِيرينَ، وأبى قِلَابَةَ، أنَّه لا يَحِلُّ الخُلْعُ حتى يجدَ على بَطْنِها رَجُلًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٨). ولَنا، الآيةُ التى تلَوْناها، والخبرُ، وأنَّه قولُ عمرَ وعثمانَ وعلىٍّ (٩) وغيرِهم من الصحابةِ، لم نَعْرفْ لهم فى عصرِهم مُخالِفًا، فيكونُ إجماعًا، ودَعْوَى النَّسْخِ لا تُسْمَعُ حتى يثبُتَ تَعذرُ الجمعِ، وأنَّ الآيةَ النَّاسخةَ مُتأخِّرةٌ، ولم يثبُتْ شىءٌ مِن ذلك. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّ هذا يُسَمَّى خُلْعا؛ لأنَّ (١٠) المرأةَ تَنْخَلِعُ مِن لباسِ زوجها. قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١١). ويُسَمَّى افْتِداءً؛ لأَنَّها تَفْتدِى نفسَها بمالٍ تَبذُلُه. قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فصل: ولا يفْتِقرُ الخُلْعُ إلى حاكمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يجوزُ الخُلعُ دونَ السُّلطانِ. ورَوى البُخارِىُّ (١٢) ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال شُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأهلُ الرَّأْىِ. وعن الحسنِ، وابن سيرينَ: لا يجوزُ إلَّا عندَ السُّلطانِ. ولَنا، قولُ عمرَ وعثمانَ، ولأنَّه مُعَاوَضَةٌ، فلم

стр. 5230

يَفتقرْ إلى السُّلطانِ، كالبيعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه قَطْعُ عَقْدٍ بالتَّراضِى، أشْبَهَ الإِقالةَ. فصل: ولا بأسَ بالخُلْعِ فى الحَيْضِ والطُّهرِ الذى أصابَها فيه؛ لأنَّ المَنْعَ من الطَّلاقِ فى الحَيْضِ من أجل الضَّررِ الذى يلحقُها بطُول العِدَّةِ، والخُلْعُ لإزالةِ الضَّررِ الذى يلْحَقُها بسُوءِ العِشْرَةِ والمُقَامِ مع مَن تكْرهُه وتبْغِضُه، وذلك أعْظَمُ مِن ضَرَرِ طُولِ العِدَّةِ، فجازَ دَفْعُ أعْلاهما بأدْناهما، ولذلك لم يسْألِ النَّبىُّ ﷺ المُخْتَلِعَةَ عن حالِها، ولأنَّ ضَرَرَ تطويلِ العِدَّةِ عليها، والخُلْعُ يَحصُلُ بسؤالِها، فيكونُ ذلك رضاءً منها به، ودليلًا على رُجْحانِ مَصْلحتِها فيه. ١٢٣٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) هذا القولُ يدلُّ على صِحَّةِ الخُلْعِ بأكثرَ مِنَ الصَّداقِ، وأنَّهما إذا تَراضَيا على الخُلْعِ بشىءٍ صحَّ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجَاهِدٍ، وقَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّهما قالا: لو اخْتلَعَتِ امرأةٌ من زَوْجِها بميراثِها، وعِقَاصِ رأسِها، كان ذلك جائزًا. وقال عَطاءً، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، وعمرو بنُ شُعَيْبٍ: لا يأخذُ أكثرَ مِمَّا أعطاها. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ (١) بإسنادٍ منقطعٍ. واختارَه أبو بكرٍ، قال: فإنْ فعلَ ردَّ الزِّيادةَ. وعن سعيد بنِ المُسَيَّبِ قال: ما أرى أن يأخُذَ كلَّ مالِها، ولكن لِيَدَعْ لها شيئًا. واحتجُّوا بما رُوِىَ أَنَّ جَمِيلَةَ بنتَ سَلُولٍ، أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فقالت: واللَّه ما أعِيبُ على ثابتٍ فى دينٍ ولا خُلُقٍ، ولكن أكْرَهُ الكُفْرَ فى الإِسلامِ، لا أطِيقُهُ بُغْضًا. فقال لها النَّبِىُّ ﷺ : "أَتَرُدِّيْنَ عَلَيْهِ حَدِيْقَتَهُ؟ " قالت: نعم. فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ أن يأخذَ منها حديقتَه، ولا يَزْاددَ. رَواه ابنُ

стр. 5231

ماجه (٢). ولأنَّه بَدَلٌ فى مُقابلةِ فَسْخٍ، فلم يَزِدْ على قدرِه فى ابتداءِ العَقدِ، كالعِوَضِ فى الإِقالةِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِنَ الصَّحابةِ، قالت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ: اختلعتُ مِن زَوْجِى بما دونَ عِقاصِ رأْسِى، فأجازَ ذلك عثمانُ بنُ عفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٤). ومثلُ هذا يَشْتَهِرُ، فلم يُنْكَرْ، فيكونُ إجماعًا، ولم يَصِحَّ عن علىٍّ خلافُه. فإذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يُسْتحَبُّ له أن يأخذَ أكثرَ ممَّا أعْطاها. وبذلك قال سعيدُ بنُ المَسيَّبِ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. فإنْ فعلَ جازَ مع الكَراهِيَةِ (٥)، ولم يكْرَهْه أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ. قال مالكٌ: لم أزلْ أسمعُ إجازةَ الفِدَاءِ بأكثرَ مِنَ الصَّداقِ. ولَنا، حديثُ جَمِيلةَ. ورُوىَ عن عَطاءٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه كَرِهَ أن يأخذَ من المُختَلِعَةِ أكثرَ ممَّا أعْطاها. رواه أبو حفصٍ بإسنادِه (٦). وهو صريحٌ فى الحُكْمِ، فنَجْمعُ بين الآيةِ والخبرِ، فنقول: الآيةُ دالةٌ على الجَوَازِ، والنَّهىُ عن الزِّيادةِ للكراهِيَةِ (٧). واللَّهُ أعلمُ. ١٢٣٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خَالَعَتْه لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَوَقَعَ الْخلْعُ) فى بعض النُّسَخ "بِغيرِ ما ذكرنا" بالباءِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بأكثرَ مِن صداقِها. وقد ذكَرْنا ذلك فى المسألةِ التى قبلَ هذه، والظَّاهِرُ أنَّه أرادَ إذا خالعتْه لغيرِ بُغضٍ، وخَشْيةً مِن أن لا تقيمَ (١) حُدودَ اللَّهِ؛ لأنَّه لو أرادَ الأوَّلَ لَقال: كُرِهَ له. فلمَّا قال: كُرهَ لها. دلَّ على أنَّه أرادَ مُخالعتَها له (٢)، والحالُ عامرةٌ، والأخلاقُ مُلْتَئِمةٌ، فإنَّه يُكْرهُ لها ذلك، فإن فعَلتْ

стр. 5232

صحَّ الخُلْعُ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ تَحْريمَه؛ فإنَّه قال: الخُلْعُ مثلُ حديثِ سَهْلَةَ، تَكْرهُ الرَّجلَ فتُعْطِيه المهرَ، فهذا الخُلعُ. وهذا يدلُّ على (٣) أنَّه لا يكونُ الخُلْعُ صحيحًا إلَّا فى هذه الحالِ. وهذا قولُ ابن المُنْذِرِ، وداودَ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ورُوِىَ معنى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وكثيرٍ من أهل العلمِ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. [وهذا صَرِيحٌ فى التَّحْرِيمِ إذا لم يخافا ألَّا يُقيمَا حُدُودَ اللَّهِ، ثم قال] (٤): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فدلَّ بمفهومِه على أنّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما إذا افتدتْ مِن غيرِ خوفٍ، ثم غلَّظَ بالوعيدِ فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥). ورَوىَ ثَوْبَانُ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ، مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ". رَوَاه أبو داودَ (٦). وعن أبى هريرةَ عن النَّبىِّ ﷺ قال: "الْمُخْتَلِعَاتُ والْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ" رَواه أبو حفصٍ، وروَاه أحمدُ، فى "المسندِ" (٧)، وذكره مُحْتجًّا به، وهذا يدل على تَحْريمِ المُخالَعَةِ لغيرِ حاجةٍ، ولأنَّه إضْرارٌ بها وبزَوْجِها، وإزالةٌ لمصالحِ النِّكاحِ من غيرِ حاجةٍ، فحُرِّمَ؛ لقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٨). واحتجَّ مَن

стр. 5233

أجازَه بقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٩). وقال ابنُ المُنذِرِ: لا يَلْزَمُ مِنَ الجَوَازِ فى غيرِ عَقدٍ، الجوازُ فى المُعاوَضَةِ؛ بدليلِ الرِّبا، حرَّمَه اللَّه فى العَقْدِ، وأجازَه (١٠) فى الهِبَةِ. والحُجَّةُ مع مَن حرَّمَه، وخصوصُ الآيةِ فى التَّحريمِ، يجبُ تقديمُه (١١) على عُمومِ آية الْجَوازِ، معَ ما عَضَدَها من الأخْبارِ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: فأمَّا إنْ عَضَلَ زوجتَه، وضَارَّها بالضَّرْبِ والتَّضييقِ عليها، أو مَنَعَها حُقوقَها؛ من النَّفقةِ، والقَسْمِ، ونحو ذلك، لتَفتدىَ نفسَها منه (١٢)، ففعلتْ، فالخُلْعُ باطلٌ، والعِوَضُ مردودٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وعُرْوةَ، وعمرو بنِ شُعَيبٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، والزُّهْرِىِّ. وبه قال مالكٌ، والثَّورىُّ، وقَتادةُ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: العَقْدُ صحيحٌ، والعِوَضُ لازمٌ، وهو آثمٌ عاصٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. وقال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (١٣). ولأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ (١٤) على بذلِه بغيرِ حقٍّ، فلم يُسْتَحَقَّ، كالثَّمَنِ (١٥) فى البَيْعِ، والأجْرِ فى الإِجارةِ. وإذا لم يَملِكِ العِوَضَ، وقُلْنا: الخُلعُ طلاقٌ. وقعَ الطَّلاقُ بغيرِ عِوَضٍ، فإنْ كان أقلَّ مِن ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها؛ لأنَّ الرَّجعةَ إنَّما سقَطتْ بالعِوَضِ، فإذا سقَطَ العِوَضُ، ثَبتتِ الرَّجعةُ. وإن قُلْنا: هو فسخٌ. ولم

стр. 5234

يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شىءٌ؛ لأنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ لا يقَعُ على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، إنَّما رَضِىَ بالفسخِ ههُنا بالعِوَضِ، فإذا لم يحْصُلْ له العِوَضُ، لا يحصُلُ المُعَوَّضُ. وقال مالكٌ: إن أخذَ مها شيئًا على هذا الوجهِ، ردَّه، ومَضَى الخُلْعُ عليه. ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك إذا قُلْنا: يَصِحُّ الخُلعُ بغيرِ عِوضٍ. فصل: فأمَّا إن ضَربَها على نُشُوزِها، ومَنَعَها حقَّها، لم يَحْرُمْ خُلْعُها لذلك؛ لأنَّ ذلك لا يمنعُهما أن لا (١٦) يخافا أن لا يُقيما حُدودَ اللَّهِ. وفى بعض حديثِ حَبيبة، أنَّها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسٍ، فضربَها، فكسرَ ضِلَعَها (١٧)، فأتتِ النَّبِىَّ ﷺ فدَعَا النَّبِىُّ ﷺ ثابتًا، فقال: "خُذْ بَعْضَ مَالِهَا، وَفَارِقْهَا". فَفَعَلَ. رواه أبو داودَ (١٨). وهكذا لو ضرَبها ظُلْمًا؛ لسُوءِ خُلُقِه أو غيرِه، لا يُريدُ بذلك أن تفْتَدِىَ نفسَها، لم يحْرُمْ عليه مُخالعتُها؛ لأنَّه لم يَعْضُلْها ليَذْهبَ ببعض ما آتاها، ولكن عليه إثمُ الظُّلمِ. فصل: فإن أتتْ بفاحِشَةٍ، فعضَلَها لتفْتَدِىَ نفسَها منه، ففعَلتْ، صحَّ الخُلْعُ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. والاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْىِ إباحةٌ، ولأنَّها متى زنَتْ، لم يأمَنْ أن تُلحِقَ به ولدًا من غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه، ولا (١٩) تُقيمَ حدودَ اللَّهِ فى حقِّه، فتَدخلَ فى قولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وهذا أَحدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ، والقولُ الآخرُ: لا يصحُّ؛ لأنَّه عِوَضٌ أكْرِهتْ عليه، أشْبَهَ ما لو لم تَزْنِ. والنَّصُّ أوْلَى. فصل: إذا خَالَعَ زوجتَه، أو بارأَها بِعِوضٍ، فإنَّهما يتراجَعانِ بما بينهما مِنَ

стр. 5235

الحُقوقِ، فإنْ كان قبلَ الدُّخولِ، فلها نِصْفُ المَهْرِ، وإن كانت قَبَضَتْه كلَّه، ردَّتْ نصفَه، وإن كانت مُفَوِّضةً، فلها المُتْعةُ. وهذا قول عطاءٍ، والنَّخَعِىِّ (٢٠)، والزُّهْرِىِّ، والشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: ذلك بَراءةٌ لكلِّ واحدٍ منهما ممَّا لصاحبِه عليه مِنَ المهرِ. وأمَّا الدُّيونُ التى ليست من حُقوقِ الزَّوْجيَّةِ، فعَنه فيها روَايتانِ، ولا تَسْقُطُ النَّفقةُ فى المستقبلِ؛ لأنَّها ما وجَبتْ بعدُ. ولَنا، أَنَّ المهرَ حقٌّ لا يسْقُطُ بالخُلْعِ، إذا كان بلَفْظِ الطَّلاقِ، فلا يسْقُطُ بلفظِ الخُلْع، والمبارأَةُ، كسائرِ الدُّيونِ ونَفقةِ العِدَّةِ إذا كانت حاملًا، ولأنَّ نِصْفَ المهرِ الذى يصيرُ له لم يجبْ له قبلَ الخُلْعِ، فلم يسْقُطْ بالمُبارأَةِ، كنَفقةِ العِدَّةِ، والنِّصْفُ لها لا يَبْرأُ منه بقَوْلِها: بارأْتُك. لأنَّ ذلك يَقْتضِى بَراءَتها من حُقوقِه، لا براءتَه من حُقوقِها. ١٢٣٥ - مسألة؛ قال: (وَالخُلْعُ فَسْخٌ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ) اخْتلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى الخُلْعِ؛ ففى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ أنَّه فَسْخٌ. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ، وقولُ ابنِ عبَّاسٍ، وطاوسٍ، وعِكْرِمَةَ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأحدُ قولَىِ الشَّافعىِّ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّه طلقةٌ بائنةٌ. رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وقَبِيصَةَ، وشُرَيْحٍ، ومُجاهدٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومكحولٍ، وابنِ أبى نَجِيحٍ، ومالك، والأوْزَاعىِّ، والثَّورىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن عثمانَ، وعلىٍّ، وابن مسعودٍ، لكنْ ضعَّفَ أحمدُ الحديثَ عنهم (١)، وقال:

стр. 5236

ليس لنا (٢) فى الباب شىءٌ أصحَّ من حديثِ ابن عبَّاسٍ أنَّه فَسْخٌ. واحْتَجَّ ابنُ عبَّاسٍ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣). ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤). فذكَر تطْليقتَيْنِ والخُلعَ وتَطْليقةً بعدَها، فلو كان الخُلْعُ طَلاقًا لَكان أربعًا، ولأنَّها فُرقةٌ خَلَتْ عن صَريحِ الطَّلاقِ ونِيَّتِه، فكانت فَسْخًا، كسائرِ الفُسُوخِ. ووَجْهُ الثَّانيةِ أنَّها بَذَلتْ العِوَضَ للفُرقةِ، والفُرْقةُ التى يَمْلِكُ الزَّوجُ إيقاعَها هى الطَّلاقُ دونَ الفسخِ، فوجبَ أن يكونَ طلاقًا، ولأنَّه أتى بكِنَايةِ الطَّلاقِ، قاصدًا فِرَاقَها، فكان طلاقًا، كغيرِ الخُلْعِ. وفائدةُ الرِّاويتيْنِ، أنَّا إذا قُلْنا: هو طَلْقةً. فخالَعَها مَرَّةً، حُسِبَتْ طَلْقةً، فنَقَصَ (٥) بها عددُ طَلاقِها (٦). وإن خالعَها ثلاثًا، طَلُقَتْ ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له مِن بعدُ حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه. وإن قُلْنا: هو فسخٌ. لم تَحرُمْ عليه، وإن خالعَها مائةَ مرَّةٍ. وهذا الخلافُ فيما إذا خالعَها بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ، ولم يَنْوِه. فأمَّا إن بذَلتْ له العِوَضَ على فراقِها، فهو طَلاقٌ، لا اخْتلافَ فيه، وإن وقعَ بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ، مثل كناياتِ الطَّلاقِ، أو لفظِ الخُلْعِ والمُفاداةِ، ونحوِهما، ونَوَى به الطَّلاقَ، فهو طلاق أيضًا؛ لأنَّه كِناية نَوَى الطَّلاقَ، فكانت طلاقًا، كما لو كان بغيرِ عِوَضٍ، فإن لم يَنْوِ بِهِ الطَّلاقَ، فهو الذى فيه الرِّوايتانِ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وألفاظُ الخُلْعِ تَنقسمُ إلى صريحٍ وكِنايةٍ؛ فالصَّريحُ ثلاثةُ ألفاظٍ؛ خالعتُكِ؛ لأنَّه ثبتَ له العُرفُ. والمُفاداةُ؛ لأنَّه وَرَدَ به القرَآنُ، بقوله سبحانه:

стр. 5237

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وفسَخْتُ نكاحَكِ؛ لأنَّه حَقيقةٌ فيه، فإذا أتَى بأحدِ هذه الألْفاظِ، وقعَ من غيرِ نيَّةٍ، وما عدا هذه مثلُ: بارأْتُكِ، وأبْرَأْتُكِ، وأَبْنتُكِ. فهو كنايةٌ؛ لأنَّ الخُلْعَ أحدُ نَوْعَى الفُرْقةِ، فكان له صَرِيحٌ وكِنايةٌ، كالطَّلاقِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ له فى لفظِ الفَسْخِ وَجْهيْنِ، فإذا طلبتِ الخُلْعَ، وبذَلت العِوَضَ، فأجابَها بصَرِيحِ الخُلعِ أو كِنايتهِ (٧)، صحَّ من غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنْ دَلالةَ الحالِ مِن سُؤال الخُلعِ وبذلِ العِوَض، صارفةٌ إليه، فأغْنَى عَنِ النِّيَّةِ فيه، وإن لم يكُنْ دَلالة حالٍ، فأَتَى بِصَريحِ الخُلْعِ وقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، سواءٌ قُلْنا: هو فسخٌ أو طلاقٌ. ولا يقعُ بالكنايةِ إلَّا بِنِيَّةٍ مِمَّن تَلْفَّظَ به منهما، ككِنَاياتِ الطَّلاقِ مع صَرِيحِه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: ولا يحْصُلُ الخُلْعُ بمُجَرّدِ بَذْلِ المالِ وقَبولِه (٨)، مِن غيرِ لَفْظِ الزَّوْجِ. قال القاضى: هذا الذى عليه شُيوخُنا البَغْداديُّونَ. وقد أؤمَأَ إليه أحمدُ. وذهبَ أبو حفصٍ العُكْبَرِىُّ، وابنُ شِهَابٍ، إلى وُقوعِ الفُرْقةِ بقَبُولِ الزَّوجِ للعِوَض. وأفْتَى بذلك ابنُ شِهابٍ بعُكْبَرا (٩)، واعترضَ عليه أبو الحُسَيْنِ بنُ هُرْمُزَ (١٠)، واسْتَفْتُى عليه مَن كان ببغدادَ من أصحابِنا، فقال ابنُ شهابٍ: المُخْتلِعَةُ على وَجْهيْنِ، مُسْتَبْرئَةٌ، ومُفْتَدِيَةٌ، فالمُفْتدِيَةُ هى التى تقول: لا أنا ولا أنت، ولا أبَرُّ لك قَسَمًا، وأنا أفْتَدِى نفسِى منك. فإذا قبلَ الفديةَ، وأخذَ المالَ، انْفَسخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ إسحاقَ بنَ منصورٍ رَوَى، قال: قلتُ لأحمدَ: كيف الخُلْعُ؟ قال: إذا أخذَ المالَ، فهى فُرْقةٌ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: أخذُ المالِ تطليقةٌ بائنةٌ. ونحوُ ذلك عن الحسنِ. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ: مَن قَبلَ مالًا

стр. 5238

على فِرَاقٍ، فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ، لا رَجْعةَ له (١١) فيها. واحتجَّ بقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لجميلةَ: "أَتَرُدِّيْنَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قالتْ: نعم، ففرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما. وقال: "خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا، وَلَا تَزْدَدْ" (١٢)، ولم يَسْتَدْعِ مِنْهُ لَفْظًا. ولأنَّ دَلالةَ الحالِ تُغْنِى عن اللَّفْظِ؛ بدليلِ ما لو دفَعَ ثَوْبَه إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ مَعْروفَيْنِ بذلك، فعَمِلاه، اسْتَحقَّا الأَجْرَ (١٣)، وإن لم يشْتَرِطا عِوَضًا. ولَنا، أَنَّ هذا أحدُ نَوْعَى الخُلْعِ، فلم يصحَّ بدونِ اللَّفظِ، كما لو سألتْه أن يُطَلِّقَها بعِوَضٍ، ولأنَّه تَصرُّفٌ فى البُضْعِ بِعِوَضٍ، فلم يصحَّ بدُونِ اللَّفظِ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، ولأنَّ أخْذَ المالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فلم يقُمْ بمُجَرَّدِه مَقامَ الإِيجابِ، كقَبضِ أحدِ العِوَضيْنِ فى البيعِ، ولأنَّ الخُلْعَ إن كان طلاقًا، فلا يقعُ بدون صَرِيحِه أو كِنايَتِه، وان كان فَسْخًا فهو أحدُ طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكاحِ، فيُعتبَرُ فيه اللَّفظُ، كابتداءِ العَقدِ. وأمَّا حديثُ جَمِيلةَ، فقد روَاه البُخارىُّ: "اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيْقَةً" (١٤). وهذا صريحٌ فى اعتبارِ اللَّفظِ. وفى رِوَايةٍ: فأمرَه ففارَقَها. ومَن لم يذكرِ الفُرْقةَ، فإنَّما اقْتَصرَ على بعض القِصَّةِ، بدليلِ روايةِ مَن رَوَى الفُرْقةَ والطَّلاقَ، فإنَّ القصَّةَ واحدةٌ، والزِّيادةُ مِنَ الثِّقَةِ مقبولةٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّه قال: ففرَّقَ النَّبِىُّ ﷺ بينهما، وقال: "خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا". فجعلَ التَّفْريقَ قَبْلَ العِوَضِ، ونسَبَ التَّفْريقَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، ومعلومٌ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا يُباشِرُ التَّفْريقَ، فدلَّ على أن النَّبِىَّ ﷺ أمرَ به، ولعلَّ الرَّاوِىَ اسْتَغْنَى بذكْرِ العِوَضِ عن ذكْرِ اللَّفظِ؛ لأنَّه معلومٌ منه. وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وغيرِه مِنَ الأئمَّةِ، ولذلك لم يذْكرُوا مِن جانبِها لفظًا ولا دلالةَ حالٍ، ولا بُدَّ منه اتِّفاقًا.

стр. 5239

١٢٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقَعُ بِالمُعْتَدّةِ مِنَ الْخُلْع طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ) وجملةُ ذلك أن المُخْتَلِعَةَ لا يَلْحقُها طلاقٌ بحالٍ. وبه قال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعِكْرِمَةُ، وجابرُ بنُ زَيدٍ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَلْحقُها الطَّلاقُ الصَّريحُ المُعَيَّن، دونَ الكنايةِ والطَّلاقِ المرسَلِ، وهو أن يقولَ: كلُّ امرأةٍ لى طالقٌ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وشُرَيحٍ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "المُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، مَا دَامَتْ فِى الْعِدَّةِ" (١). ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ولا نعرفُ لهما مُخالِفًا فى عصرِهما. ولأنَّها لا تَحِلُّ له إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، فلم يَلْحَقها طلاقُه، كالمُطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ، أو المُنقَضِيةِ عِدَّتُها، ولأنَّه لا يملكُ بُضْعَها، فلم يَلْحَقْها طلاقُه، كالأجْنبيَّةِ، ولأنَّها لا يقَعُ بها الطَّلاقُ المُرْسَلُ، ولا تُطلَّقُ بالكنايةِ، فلا (٢) يَلْحَقُها الصَّريحُ المُعيَّنُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ. ولا فَرْقَ بين أن يُواجِهَها به (٣)، فيقولَ: أنتِ طالقٌ. أو لا يُواجهَها به، مثل أن يقولَ: فلانةٌ طالقٌ. وحديثُهم لا نعْرِفُ له أصْلًا، ولا ذكَرَه أصحابُ السُّنَنِ. فصل: ولا يثْبُتُ فى الخُلْعِ رَجْعةٌ، سواءٌ قُلْنا: هو فسخٌ أو طلاقٌ. فى قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلم؛ منهم الحسنُ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّورىُّ، والأوزاعىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، وسعيد بنِ المُسيَّبِ، أنَّهما قالا: الزَّوجُ بالخيارِ بين إمْساكِ العِوَضِ ولا رجعةَ له، وبين ردِّه وله الرَّجْعةُ. وقال أبو

стр. 5240

ثَوْرٍ: إن كان الخُلْعُ بلفظِ الطَّلاقِ، فله الرَّجعةُ؛ لأنَّ الرَّجعةَ مِن حقوقِ الطَّلاقِ، فلا تسْقُطُ بالعِوَضِ، كالوَلاءِ مع العِتْقِ. ولَنا، قوُله : ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). وإنَّما يكونُ فداءً إذا خرجتْ به عن قَبْضتِه وسُلْطانِه، وإذا كانت له الرَّجْعةُ، فهى تحتَ حُكْمِه، ولأنَّ القَصْدَ إزالةُ الضَّرَرِ عن المرأةِ، فلو جازَ ارْتجاعُها، لعَاد الضَّررُ، وفَارقَ الوَلاءَ؛ فإنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ منه، والطَّلاقُ ينْفَكُّ عن الرَّجعةِ فيما قبلَ الدُّخولَ، وإذا أكْملَ العددَ. فصل: فإن شَرَطَ فى الخُلْعِ أَنَّ له الرَّجْعةَ، فقال ابنُ حامدٍ: يبْطُلُ الشَّرْطُ، ويصحُّ الخُلْعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وَإحْدَى الرِّوايتيْنِ عن مالكٍ؛ لأنَّ الخُلْعَ لا يفْسُدُ بكَوْنِ عِوَضِه فاسدًا، فلا يفْسُدُ بالشَّرْطِ الفاسدِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّه لفظٌ يقْتضِى البَيْنُونةَ. فإذا شرَطَ الرَّجْعةَ معه، بطَلَ الشَّرْطُ، كالطَّلاقِ الثَّلاثِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يبطُلَ الخُلْعُ وتثبُتَ الرَّجْعةُ. وهو مَنْصوصُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ شَرْطَ العِوَضِ والرَّجْعةِ مُتنافِيانِ (٥)، فإذا شَرَطاهما سقَطا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فنُثْبِتُ الرَّجعةَ بالأصلِ لا بالشَّرْطِ، ولأنَّه شرَطَ فى العَقْدِ ما يُنافِى مُقْتضاه، فأبْطلَه، كما لو شرَطَ أن لا يتصَرَّفَ فى المبيعِ. وإذا حَكَمْنا بالصِّحَّةِ، فقال القاضى: يسْقُطُ المُسمَّى فى العِوَضِ؛ لأنَّه يَرْضَ به عِوَضًا حتى ضَمَّ إليه الشَّرطَ، فإذا سقَطَ الشَّرْطُ، وجَبَ ضَمُّ النُّقْصانِ الذى نقَصَه من أجلِه إليه، فيصيرُ مجهولًا، فيسْقُطُ، ويجبُ المُسمَّى فى العَقْدِ. ويَحْتَمِلُ أن يجبَ المُسمَّى؛ لأنَّهما ترَاضَيا به عِوَضًا، فلم يجبْ غيرُه، كما لو خَلَا عن شَرْطِ الرَّجْعةِ. فصل: فإن شرطَ الخيارَ لها أو له، يومًا أو أكثرَ، وقَبِلَتِ المرأةُ، صحَّ الخُلْعُ، وبطَلَ الْخِيارُ. وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا كان الخيارُ للرَّجلِ. وقال: إذا جعلَ الخيارَ للمرأةِ، ثبَتَ لها الخِيارُ، ولم يقَعِ الطَّلاقُ. وَلنا، أَنَّ سَبَبَ وُقوعِ الطَّلاقِ وُجِدَ، وهو اللَّفظُ به،

стр. 5241

فوقَعَ، كما لو أطْلَقَ، ومتى وقعَ، فلا سَبِيلَ إلى رَفْعِه. فصل: نقلَ مُهَنَّا، فى رجلٍ قالت له امرأتُه: اجْعَلْ أَمْرِى بيَدِى، وأُعْطِيك عَبْدِى هذا. فقَبَضَ العبدَ، وجعلَ أمرَها بيدِها، وباع العبدَ قبلَ أن تقولَ المرأةُ شيئًا: هو له، إنَّما قالتْ: اجعَلْ أمْرِى بيَدِى وأُعْطِيك. فقيل له (٦): متى شاءتْ تخْتارُ؟ قال: نعم، ما لم يَطأْها، أو ينقُضْ. فجعلَ له الرُّجوعَ ما لم تُطَلِّقْ. وإذارجَعَ فيَنْبَغِى أن تَرْجِعَ عليه بالعِوَضِ؛ لأنَّه اسْتَرْجَعَ ما جعَلَ لها، فتَسْترجِعُ منه ما أعْطَتْه. ولو قال: إذا جاء رأسُ الشَّهرِ فأمْرُك بيدكِ. ملَكَ إبطالَ هذه الصِّفةِ؛ لأنَّ هذا يجوزُ الرُّجُوعُ فيه لو لم يكُنْ مُعَلَّقًا، فمعَ التَّعْليقِ أوْلَى، كالوكالةِ. قال أحمدُ: ولو جعَلتْ له امرأتُه ألفَ درهمٍ على أن يُخيِّرَها، فاخْتارتِ الزَّوجَ، لا يَرُدُّ عليها شيئًا، ووَجْهُه أَنَّ الألْفَ فى مُقابلَةِ تمْليكِه إيَّاها الخيارَ، وقد فعلَ، فاسْتَحقَّ الألفَ، وليستِ الألفُ فى مُقابلَةِ الفُرْقةِ. فصل: إذا قالتِ امْرأتُه: طلِّقْنِى بدينارٍ. فطلَّقَها، ثم ارْتدَّتْ، لزمَها الدِّينارُ، ووقعَ الطَّلاقُ بائنًا، ولا تُؤثِّرُ الرِّدَّةُ؛ لأنَّها وُجِدَتْ بعدَ (٧) البَيْنُونةِ. وإن طلَّقَها بعد رِدتِها وقبلَ دخولِه يها، بانَتْ بالرِّدَّةِ (٨)، ولم يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه صادفَها بائنًا، فإن كان بعدَ الدُّخولِ، وقُلْنا: إن الرِّدَّةَ ينْفَسِخُ بها النِّكاحُ فى الحالِ. فكذلك، وإن قُلْنا: يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ. كان الطَّلاقُ مُرَاعًى. فإن أقامتْ على رِدَّتِها حتى انْقَضتْ عِدَّتُها، تَبيَّنَّا أنَّها لم تكُنْ زَوْجتَه (٩) حين طلَّقَها، فلم يقَعْ، ولا شىءَ له علها، وإن رجَعتْ إلى الإِسلامِ، بانَ أَنَّ الطَّلاقَ صادَفَ زَوْجتَه (١٠)، فوقعَ، واستَحَقَّ عليها العِوَضَ.

стр. 5242

١٢٣٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِى عَلَى مَا فِى يَدِى مِنَ الدَّرَاهِم. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ فِى يَدِهَا شَىءٌ، لَزِمَهَا (١) ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) وجملةُ ذلك أَنَّ الخُلْعَ بالمجهولِ جائزٌ، وله ما جُعِلَ له. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وقال أبو بكرٍ: لا يصحُّ الخُلْعُ، ولا شىءَ له؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فلا يصِحُّ بالمجهولِ، كالبيعِ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال الشَّافعىُّ: يصِحُّ الخُلْعُ، وله مهرُ مثلِها؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالبُضْعِ، فإذا كان العِوَضُ مجهولًا، وجبَ مهرُ المِثْلِ، كالنِّكاحِ. وَلنا، أَنَّ الطَّلاقَ معنًى يجوزُ تعليقُه بالشَّرطِ، فجاز أن يُسْتَحقَّ به العِوَضُ المجهولُ كالوصيَّةِ، ولأنَّ الخُلْعَ إسْقاطٌ لحقِّه مِنَ البُضْعِ، وليس فيه تمْليكُ شىءٍ، والإِسْقاطُ تدْخلُه المُسَامَحَةُ، ولذلك جازَ مِن غيرِ عِوَضٍ، بخلافِ النِّكاحِ. وإذا صحَّ الخُلْعُ، فلا يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّها لم تبذُلْه، ولا فوَّتَتْ عليه ما يُوجِبُه، فإنَّ خروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، بدليلِ ما لو أخرجَتْه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو رَضاعِها لِمَنْ ينْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يجِبْ عليها شىءٌ، ولو قتلتْ نفسَها أو قتلَها أجنبىٌّ، لم يجِبْ للزَّوجِ عِوَضٌ عن بعضِها، ولو وُطِئَتْ بشُبْهةٍ أو مُكرَهةً، لوَجبَ المهرُ لها دونَ الزَّوجِ، ولو طاوَعتْ لم يكُنْ للزَّوجِ شىءٌ، وإنَّما يُتقوَّمُ البُضْعُ على الزَّوْجِ فى النِّكاحِ خاصَّةً، وأباحَ لها افْتداءَ نفسِها لحاجتِها إلى ذلك، فيكونُ الواجبُ ما رَضِيَتْ ببذْلِه، فأمَّا إيجابُ شىءٍ لم تَرْضَ به، فلا وَجْهَ له. فعَلَى هذا، إنْ خالَعَها (٢) على ما فى يَدِها من الدَّراهمِ، صحَّ، فإن كان فى يَدِها دراهمُ فهى له، وإن لم يكُنُ فى يدِها شىءٌ فلَه عليها ثلاثةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه أقَلُّ ما يقَعُ عليه اسمُ الدَّراهِم حقيقةً، ولفظُها دلَّ (٣) على ذلك، فاسْتحقَّه، كما لو وَصَّى له بدراهمَ. وإن كان فى يدِها أقلُّ من ثلاثةٍ، احْتَمَلَ أن لا يكُونَ له غيرُه؛ لأنَّه من

стр. 5243

الدَّراهمِ، وهو فى يَدِها. واحْتَملَ أن يكونَ له ثلاثةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقْتضِيها فيما إذا لم يكُنْ فى يَدِها شىءٌ، فكذلك إذا كان فى يَدِها. فصل: والخُلْعُ على مجهولٍ ينْقَسِمُ أقسامًا؛ أحدُها، أن يُخالعَها (٤) على عددٍ مجهولٍ من شىءٍ غيرِ مختلفٍ، كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، كالتى يُخالعُها على ما فى يَدِها من الدَّراهمِ، فهى هذه التى ذكرَ الْخِرَقِيُّ حُكْمَها. الثَّانى، أن يكونَ ذلك من شىءٍ مُخْتلِفٍ [لا يَعظُمُ] (٥) اخْتلافُه، مثل أن يُخالعَها على عبدٍ مُطْلَقٍ (٦) أو عبيدٍ، أو يقولَ: إن أعْطَيْتنِى عبدًا فأنتِ طالقٌ. فإنها تَطْلُقُ بأىِّ عبدٍ أعطتْه إيَّاه، ويَمْلِكُه بذلك، ولا يكونُ له غيرُه. وكذلك إن خالعَتْه عليه، فليس له إلَّا ما يقَعُ عليه اسمُ العبدِ. وإن خالعَتْه على عَبِيدٍ فله ثلاثةٌ. هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، وقياسُ قولِه وقولِ الخِرَقىِّ فى المسألةِ التى قبلَها. وقد قال أحمدُ فيما إذا قال: إذا أعطيتنِى عبدًا فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه (٧) عبدًا: فهى طالقٌ. والظَّاهرُ من كلامِه ما قُلْناه (٨). وقال القاضى: له عليها عبدٌ وَسَطٌ. وتَأوَّل كلامَ أحمدَ على أنَّها أعْطَتْه عبدًا وسَطًا، والظَّاهرُ خلافُه. ولَنا، أنَّها خالَعتْه على مُسَمًّى مجهولٍ، فكان له أقلُّ ما يقَعُ عليه الاسمُ، كما لو خالَعَها على ما فى يَدِها مِن الدَّراهمِ، ولأنَّه إذا قال: إن أعْطَيْتنِى عبدًا فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه عبدًا، فقد وُجدَ شرطُه، فيجبُ أن يقعَ الطَّلاقُ، كما لو قال: إن رأيت عبدًا فأنتِ طالقٌ. ولا يَلزمُها أكثرُ منه؛ لأنَّها لم تَلْتَزِمْ له شيئًا، فلا يَلْزَمُها شىءٌ، كما لو طلَّقَها بغيرِ خُلعٍ. الثَّالثُ، أن يُخالِعَها على مُسَمًّى تعْظُمُ الجَهَالةُ فيه، مثل أن يُخالعَها على دابَّةٍ، أو بعيرٍ، أو بقرةٍ، أو ثوبٍ، أو يقولَ: إن أعْطَيْتنِى ذلك فأنتِ طالقٌ. فالواجبُ فى الخُلْعِ ما يقعُ عليه الاسمُ مِن ذلك، ويقَعُ

стр. 5244

الطَّلاقُ بها إذا أعطتْه إيَّاه، فيما إذا عَلَّقَ طَلاقَها على عَطِيَّتِه إيَّاه، ولا يَلْزمُها غيرُ ذلك، فى قياسِ ما قبلَها. وقال القاضى وأصحابُه مِنَ الفقهاءِ: تَرُدُّ عليه ما أخَذتْ مِن صَداقِها؛ لأنَّها فوَّتتِ البُضْعَ، ولم يحصُلْ له العِوَضُ؛ لجَهَالَتِه، فوجبَ عليها قيمةُ ما فوَّتتْ، وهو المهرُ. ولَنا، ما تقدَّمَ، ولأنَّها ما الْتزَمتْ له المهرَ المُسمَّى ولا مهرَ المِثْلِ، فلم يلْزَمْها، كما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ. ولأنَّ المُسَمَّى قد اسْتُوفِىَ بَدَلُه بالوَطْءِ، فكيف يجبُ بغيرِ رِضًى مِمَّن يجبُ عليه! والأشْبَهُ بمذهبِ أحمدَ، أن يكونَ الخُلْعُ بالمجهولِ كالوصيَّةِ به. ومن هذا القِسْمِ، لو خالَعَها على ما فى بيتِها مِن المَتاعِ، فإن كان فيه مَتاعٌ، فهو له، قليلًا كان أو كثيرًا، معلومًا أو مجهولًا، وإن لم يكُنْ فيه مَتاعٌ، فله أقل ما يقعُ عليه اسمُ المَتاعِ. وعلى (٩) قولِ القاضى، عليها المُسَمَّى فى الصَّداقِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. والوجهُ للقَوْلَيْنِ ما تَقدَّمَ. الرَّابعُ، أن يُخالِعَها على حَمْلِ أمَتِها، أو غَنمِها، أو غيرِهما مِنَ الحيوانِ، أو قال: على ما فى بُطونِها أو ضُرُوعِها، فيصحُّ الخُلْعُ. وحُكِىَ (١٠) عن أبى حنيفةَ، أنَّه (١١) يَصِحُّ الخُلْعُ على ما فى بَطْنِها، ولا يصحُّ على حَمْلِها. ولَنا، أَنَّ حَمْلَها هو ما فى بَطْنِها، فصحَّ الخُلْعُ عليه، كما لو قال: على ما فى بَطْنِها. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إن خرجَ الولدُ سليمًا، أو كان فى ضُروعِها شىءٌ مِنَ اللَّبَنِ، فهو له، وإن لم يخْرُجْ شىءٌ، فقال القاضى: لا شىءَ له. وهو قولُ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأىِ. وقال ابنُ عَقيلٍ: له (١٢) مهرُ المِثلِ. وقال أبو الخَطَّابِ: له المُسَمَّى. وإن خالَعَها على ما يُثْمِرُ نخلُها، أو تَحمِلُ أمتُها، صحَّ. قال أحمدُ: إذا خالعَ امرأتَه على ثَمرةِ نَخْلِها سِنِينَ، فجائزٌ، فإن لم يَحْمِلْ نَخْلُها، تُرْضِيه بشىءٍ. قيل له: فإن حمَلَ نَخْلُها؛ قال: هذا أجودُ مِن ذاك. قيل له: يسْتقيمُ هذا؟ قال: نعمْ جائزٌ. فيَحْتَمِلُ قولُ أحمدَ: تُرضيه بشىءٍ. أىْ: له أقلُّ ما يقَعُ عليه اسمُ الثَّمرةِ أو

стр. 5245

الحَمْلُ، فتُعْطِيه عن ذلك شيئًا، أىَّ شىءٍ كانَ، مثلَ ما ألزمْناه فى مسألةِ المَتْاعِ. وقال القاضى: لا شىءَ له، وتأوَّلَ قولَ أحمدَ: تُرضيه بشىءٍ على الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه لو كان واجبًا، لَتَقَدَّرَ بتقديرٍ يُرْجَعُ إليه. وفَرْقٌ بينَ هاتَيْنِ المسألتَيْنِ ومسألةِ الدَّراهمِ والمتاعِ، حيثُ يَرْجِعُ فيهما بأقلِّ ما يقَعُ عليه الاسمُ إذا لم يجدْ شيئًا، وههُنا لا يَرْجِعُ بشىءٍ إذا لم يجد حَمْلًا ولا ثمرةً أَنَّ (١٣) ثَمَّ أوهمَتْه أَنَّ معها دراهمَ، وفى بيتها متاعٌ؛ لأنَّها خاطبَتْه بلفظٍ يقْتَضِى الوُجودَ مع إمْكانِ عِلْمِها به، فكان له ما دلَّ عليه لفظُها، كما لو خالَعَتْه على عبدٍ فوُجِدَ (١٤) حُرًّا، وفى هاتَيْنِ المسألتينِ دخلَ معها فى العَقْدِ مع تَساوِيهِمَا فى العلمِ فى الحالِ، ورِضاهما بما فيه مِن الاحْتمالِ، فلم يكُنْ له شىءٌ غيرَه، كما لو قال: خالَعْتُك على هذا الحُرِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يصحُّ العِوَضُ ههُنا؛ لأنَّه معدومٌ. ولَنا، أَنَّ ما جازَ فى الحَمْلِ فى البَطْنِ، جازَ فيما يَحْمِلُ، كالوَصيَّةِ. واخْتارَ أبو الخطَّابِ أَنَّ له فى هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ المُسَمَّى فى الصَّداقِ. وأوْجَبَ له الشَّافعىُّ مهرَ المِثْلِ. ولم يُصحِّحْ أبو بكرٍ الخُلْعَ فى هذا كلِّه. وقد ذكرنا نُصوصَ أحمدَ على جَوازِه، والدَّليلَ عليه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: إذا خالعَتْه على رَضاعِ ولدِه سَنتيْنِ، صحَّ، وكذلك إن جعَلا وَقْتًا معلومًا، قلَّ أو كَثُرَ. وبهذا قال الشَّافعىُّ؛ لأنَّ هذا ممَّا تَصحُّ المُعاوَضَةُ عليه فى غير الخُلْعِ، ففى الخُلْعِ أوْلَى. فإن خالعَتْه على رَضاعِ ولدِه مُطْلقًا، ولم يَذكُرا مُدَّتَه، صحَّ أيضًا، ويَنْصرفُ إلى ما بَقِىَ من الحَوْلَيْنِ. نَصَّ عليه أحمدُ، قيل له: ويَستقيمُ هذا الشَّرطُ رَضاعُ ولدِها، ولا يقولُ: ترضِعُه سنتَينِ؟ قال: نعم. وقال أصحابُ الشَّافعىِّ لا يصحُّ حتى يَذْكُرَا مدَّةَ الرَّضاعِ، كما لا تصِحُّ الإجارة حتى يذْكُرا المدَّةَ. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى قيَّدَهُ بالحَوْليْنِ، فقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ

стр. 5246

كَامِلَيْنِ﴾ (١٥). وقال سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾ (١٦). وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٧). ولم يُبَيِّنْ مُدَّةَ الحَمْلِ ههُنا والفِصالِ، فحُمِلَ على ما فسَّرَتْه الآيةُ الأُخْرَى وجُعِلَ الفصالُ عامَيْن، والحمْلُ ستَّةَ أشْهُرٍ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ" (١٨). يعنى بعدَ العامَيْنِ، فيُحْمَلُ المُطلَقُ مِن كلامِ الآدَمِىِّ على ذلك أيضًا، ولا يَحتاجُ إلى وَصْفِ الرَّضاعَ؛ لأنَّ جِنْسَه كافٍ، كما لو ذكَرَ جنْسَ الخِياطَةِ فى الإِجارةِ، فإن ماتتِ المُرْضِعَةُ، أو جَفَّ لبنُها، فعليها أجرُ المِثْلِ لما بَقِىَ مِنَ المُدَّةِ. وإن ماتَ الصَّبِىُّ فكذلك. وقال الشَّافعىُّ، فى أحَدِ قَوْليه: لا يَنْفَسِخُ، وأْتيها بصَبِىٍّ تُرْضعُه مكانَه؛ لأنَّ الصَّبِىَّ مُسْتَوْفًى به، لا مَعْقُودٌ (١٩) عليه، فأشْبَهَ ما لو اسْتأْجَرَ دابَّةً ليركبَها فماتَ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على فِعْلٍ فى عَيْنٍ، فينْفسِخُ بتَلَفِها، كما لو ماتتِ الدَّابَّةُ المُسْتأجَرةُ، ولأنَّ ما يَسْتوفِيه مِنَ اللبنِ إنَّما يَتقدَّرُ بحاجةِ الصَّبِىِّ، وحاجاتُ الصِّبْيانِ تَختلفُ ولا تَنضبطُ، فلم يَجُزْ أن يقومَ غيرُه مَقامَه، كما لو أرادَ إبْدالَه فى حياتِه، ولأنَّه لا يَجوزُ إبدالُه فى حياتِه، فلم يَجُزْ بعدَ مَوْتِه، كالمُرْضِعةِ، بخلافِ راكبِ الدَّابَّةِ. وإن وُجِدَ أحدُ هذه الأمورِ قبلَ مُضِىِّ شىءٍ من المدَّةِ، فعليها أجرُ رَضاعِ مثلِه. وعن مالكٍ كقولِنا، وعنه: لا يرجعُ بشىءٍ. وعن الشَّافعىِّ كقَوْلنا، وعنه: يرجعُ بالمهرِ. ولَنا، أنَّه عِوَضٌ مُعيَّنٌ تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فوجبتْ (٢٠) قيمتُه أو مِثْلُه (٢١)، كما لو خالعَها على قَفِيزٍ، فهلكَ قبلَ قَبْضِه. فصل: وإن خالعَها على كَفالةِ ولدِه عشرَ سنينَ، صحَّ، وإن لم يذكُرْ مُدَّةَ الرَّضاعِ

стр. 5247

منها، ولا قَدْرَ الطَّعامِ والأُدْمِ (٢٢)، ويُرْجَعُ عندَ الإِطْلاقِ إلى نفَقةِ مثْلِه. وقال الشَّافعىُّ لا يصحُّ حتى يَذكُرَ مُدّةَ الرَّضاعِ، وقَدْرَ الطَّعامِ وجِنْسَه، وقَدْرَ الأُدْمِ وجنسَه، ويكونَ المبلغُ معلومًا مضْبوطًا بالصِّفةِ كالمُسْلَمِ فيه، وما يَحِلُّ منه كلَّ يومٍ. ومَبْنَى الخلافِ على اشْتراطِ الطَّعامِ للأجيرِ مُطْلقًا، وقد ذكَرْناه فى الإِجارةِ ودَلَلْنا عليه بقصَّةِ موسَى ﵇، وقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ أخِى مُوسَى، آجَرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِه" (٢٣). ولأنَّ نفَقةَ الزَّوجةِ مُسْتَحَقَّةٌ بطريقِ المُعاوَضَةِ، وهى غيرُ مُقدَّرةٍ، كذا ههُنا. وللوالدِ أن يَأخُذَ منها ما يَسْتَحِقُّه مِن مُؤْنَةِ الصَّبِىِّ، وما يَحتاجُ إليه؛ لأنَّه بَدَلٌ ثبَتَ له فى ذِمَّتِها، فله أن يسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وبغيرِه، فإن أحبَّ أنْفقَه بعَيْنِه، وإن أحبَّ أخذَه لنفسِه، وأنْفقَ عليه غيرَه. وإن أذِنَ لها فى إنْفاقِه على الصَّبِىِّ، جازَ. فإن مات الصَّبِىُّ بعدَ انقضاءِ مُدَّةِ الرَّضاعِ، فلأبِيه أن يأْخُذَ ما بَقِىَ من المُؤْنَةِ. وهل يستحقُّه دَفْعَةً أو يومًا بيَوْمٍ؟ فيه وجهانِ؛ أحدُهما، يسْتحِقُّه دَفْعَةً واحدةً. ذكرَه القاضى، فى "الجامعِ"، واحتجَّ بقولِ أحمدَ: إذا خالَعَها على رَضاعِ ولدِه، فمات فى أثناءِ الحَوْليْنِ. فال: يَرْجِعُ عليها ببقيَّةِ ذلك. ولم يَعْتَبِرِ الأجلَ. ولأنَّه إنَّما فُرِّقَ لحاجةِ الولدِ إليه متفرِّقًا، فإذا زالتِ الحاجةُ إلى التَّفْريقِ استُحِقَّ جُمْلةً واحدةً. والثَّانى، لا يسْتحقُّه إلَّا يومًا بيَوْمٍ. ذكره القاضى، فى "المُجرَّدِ"، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه ثبتَ مُنَجَّمًا، فلا يسْتحِقُّه مُعَجَّلًا، كما لو أسْلَمَ إليه فى خُبْزٍ يأخذُه منه كلَّ يومٍ أرْطالًا معلومةً، فمات المُسْتَحِقُّ له، ولأنَّ (٢٤) الحقَّ لا يَحِلُّ بمَوْتِ المُسْتَوْفِى، كما لو مات وكيلُ صاحبِ الحقِّ، وإن وقعَ الخلافُ فى اسْتِحْقاقِه بموتِ مَن هو عليه. ولأصحابِ الشَّافعىِّ فى هذا وَجْهانِ، كهذينِ. وإن ماتتِ المرأةُ خُرِّجَ فى اسْتحقاقِه فى الحالِ وَجْهانِ، كهذيْنِ، بِناءً على أَنَّ الدَّيْنَ هل يَحِلُّ بموتِ مَنْ هو عليه أم لا؟

стр. 5248

فصل: والعِوَضُ فى الخُلْعِ، كالعِوَضِ فى الصَّداقِ والبيعِ، إن كان مَكِيلًا أو موزونًا، لم يَدخلْ فى ضَمانِ الزَّوجِ، ولم يَمْلِكِ التَّصرُّفَ فيه إلَّا بِقَبْضِه، وإن كان غيرَهما، دخلَ فى ضَمانِه بمُجرَّدِ الخُلْعِ، وصحَّ تصرُّفُه فيه. قال أحمدُ، فى امرأةٍ قالتْ لزوجِها: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى، ولك هذا العبدُ. ففعلَ، ثم خُيِّرتْ فاختارتْ نفسَها بعدَما ماتَ العبدُ: جائزٌ، وليس عليها شىءٌ. قال: ولو أعْتَقَتِ العبدَ، ثم اخْتارَتْ نفسَها، لم يصِحَّ عِتْقُها له. فلم يُصَحِّحْ (٢٥) عِتْقَها له؛ لأنَّ مِلْكَها زالَ عنه بجَعْلِها له عِوَضًا فى الخُلْعِ، ولم يُضَمِّنْها إيَّاه إذا تَلِفَ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُعيَّنٌ غيرُ مَكيلٍ ولا مَوْزونٍ، فدخَلَ فى ضَمانِ الزَّوجِ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. ويُخَرَّجُ فيه وَجْه، أنَّه لا يدْخُلُ فى ضَمانِه، ولا يصحُّ تصرُّفُه فيه، حتى يَقْبِضَه، كما ذكَرْنا فى عِوَضِ البَيْعِ، وفى الصَّداقِ. وأمَّا المَكِيلُ والمَوْزونُ، فلا يصِحُّ تصرُّفُه فيه، ولا يَدْخُلُ فى ضَمانِه حتى يَقْبِضَه. فإن تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فالواجبُ مثلُه؛ لأنَّه مِن ذواتِ الأمْثالِ. وقد ذكرَ القاضى فى الصَّداقِ، أنَّه يجوزُ التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وإن كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا؛ لأنَّه لا (٢٦) يَنْفَسِخُ سَببُه بِتَلَفِه، فههُنا مثلُه. ١٢٣٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ خالَعَهَا عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ، كَانَ خلْعًا، وَلَا شَىْءَ لَهُ) اخْتَلفتِ الرِّوايةُ [عن أحمدَ] (١) فى هذه المسألةِ، فرَوى عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ، قال: قلتُ لأبى: رجلٌ عَلِقَتْ به امرأتُه تقول: اخْلَعْنِى. قال: قد خَلَعْتُكِ. قال: يَتزوَّجُ بها، ويُجدِّدُ نكاحًا جديدًا، وتكون عندَه على ثِنْتَيْنِ. فظاهرُ هذا صِحَّةُ الخُلْعِ بِغيرِ عِوَضٍ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَطْعٌ للنِّكاحِ، فصحَّ مِن غيرِ عِوَضٍ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الأصلَ فى

стр. 5249

مَشْروعيَّةِ الخُلْعِ أن تُوجدَ مِن المرأةِ رَغْبةٌ عن زَوْجِها، وحاجةٌ إلى فِرَاتِه، فتَسْألَه فراقَها، فإذا أجابَها، حصلَ المقْصودُ مِنَ الخُلْعِ، فصحَّ، كما لو كان بعِوَضٍ. قال أبو بكرٍ: لا (٢) خلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أَنَّ الخُلْعَ ما كان مِن قِبَلِ النِّساءِ، فإذا كان مِن قِبَلِ الرِّجالِ، فلا نِزاعَ فى أنَّه طلاقٌ تُمْلَكُ به الرَّجْعةُ، ولا يكونُ فَسْخًا. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يكونُ خُلْعٌ إلَّا بِعِوَضٍ. رَوَى عنه مُهَنَا، إذا قال لها: اخْلَعِى نفسَك. فقالت: خلَعْتُ نفسِى. لم يكُنْ خُلعًا إلَّا على شىءٍ، إلَّا أن يكونَ نَوى الطَّلاقَ، فيكونُ ما نَوَى. فعلَى هذه الرِّوايةِ، لا يصحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ، فإنْ تَلفَّظَ به بغيرِ عِوَضٍ، ونَوَى الطَّلاقَ، كان طلاقًا رَجْعِيًّا؛ لأنَّه (٣) يَصلُحُ كنايةً عَنِ الطَّلاقِ. وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يكُنْ (٤) شيئًا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ الخُلْعَ إن كان فسخًا، فلا يَمْلِكُ الزَّوجُ فَسْخَ النِّكاحِ إلا لِعَيْبِها (٥). وكذلك لو قال: فَسَخْتُ النِّكاحٍ. ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شىءٌ، بخلافِ ما إذا دخلَه العِوَضُ، فإنَّه يَصيرُ مُعاوَضَةً، فلا يجْتمِعُ له العِوَضُ والمُعَوَّضُ. وإن قُلْنا: الخُلْعُ طلاقٌ. فليس بصريحٍ فيه اتِّفاقًا، وإنما هو كنايةٌ، والكنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ إلَّا بِنِيَّةٍ، أو بَذْلِ العِوَضِ (٦)، فيقومُ مَقامَ النِّيَّةِ، وما وُجِدَ واحدٌ منهما. ثم إنْ وقَعَ الطَّلاقُ، فإذا لم يكُنْ بِعِوَضٍ، لم يَقْتَضِ البَيْنُونةَ إلَّا أن تَكْمُلَ الثَّلاثُ. فصل: إذا قالت: بِعْنِى عبدَك هذا طلِّقْنِى بألفٍ. ففعلَ، صَحَّ، وكان بيعًا وخُلعًا بعِوَضٍ واحدٍ؛ لأَنَّهما عَقْدَانِ، يصحُّ إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما بعِوَضٍ، فصحَّ جَمْعُهما، كبَيْعِ ثَوْبينِ. وقد نَصَّ أحمدُ على الجَمْعِ بين بَيْع وصَرْفٍ، أنَّه يَصحُّ، وهو نظيرٌ لهذا. وذكرَ أصحابُنا فيه وَجْهًا آخرَ، أنَّه لا يصِحُّ؛ لأنَّ أحْكامَ العَقْدَينِ تخْتلِفُ. والأوّلُ أصحُّ؛ لما ذكَرْنا. وللشَّافعىِّ فيه قَوْلانِ أيضًا. فعلى قَوْلِنا يتَقَسَّطُ

стр. 5250

الألفُ على الصَّداقِ المُسَمَّى وقيمةِ العبدِ، فيكونُ عِوَضُ الخُلْعِ ما يَخُصُّ المُسَمَّى، وعِوَضُ العبدِ ما يخُصُّ قيمتَه، حتى لو رَدَّتْه بعَيْبٍ رجَعتْ بذلك، وإن وجَدتْه حُرًّا أو مغْصوبًا، رجعتْ به؛ لأنَّه عِوَضُه. فإن كان مَكانَ العبدِ شِقْصٌ مشْفوعٌ، ففيه الشُّفْعةُ، ويأخذُهُ (٧) الشَّفيعُ بحِصَّةِ قيمتِه من الألْفِ؛ لأنَّها عِوَضُه. فصل: وإن خالَعَها على نصفِ دارٍ (٨)، صحَّ، ولا شُفْعةَ فيه؛ لأنَّه عِوَضٌ عمَّا لا قِيمةَ له، ويتَخرَّجُ أَنَّ فيه شُفْعةً؛ لأنَّ له عِوَضًا. وهل يأخذُه الشَّفيعُ بقيمتِه أو بمثلِ المَهْرِ، على وَجْهيْنِ. فأمَّا إن خالَعَها، ودفعَ إليها ألفًا بنِصْفِ دارِها، صحَّ، ولا شُفْعةَ أيضًا. وقال أبو يوسفَ، ومحمّدٌ: تجبُ الشُّفْعةُ فيما قابَلَ الألْفَ؛ لأنَّه عوضُ مالٍ. ولَنا، أَنَّ إيجابَ الشُّفْعةِ تَقْوِيمٌ للبُضْعِ فى حقِّ غيرِ الزَّوجِ، والبُضْعُ لا يُتقوَّمُ فى حقِّ غيرِه، ولأنَّ الزَّوجَ ملَكَ الشِّقْصَ صَفْقةً واحدةً، من شخصٍ واحدٍ، فلا يجوزُ للشَّفيعِ أخذُ بعضِه، كما لو اشْتراهُ بثَمنٍ واحدٍ. ١٢٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ، فَخرَجَ مَعِيبًا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْعَيْبِ، أَوْ قِيْمَةَ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ الخُلْعَ يَسْتَحِقُّ فيه رَدّ عِوَضِه بالعَيْبِ، أو أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّه عِوَضٌ فى مُعاوَضَةٍ، فيُسْتحَقُّ فيه ذلك، كالبيعِ والصَّداقِ. ولا يخْلُو إمَّا أن يكونَ على مُعَيَّنٍ، مثل أن تقولَ: اخْلَعْنِى على هذا الثَّوبِ. فيقولَ: خَلَعْتُك. ثم يَجد به عَيْبًا لم يكُنْ عَلِمَ به، فهو مُخيَّرٌ بين رَدِّه وأخْذِ قيمتِه، وبين أخْذِ أرْشِه. وإن قال: إن أعْطَيْتنِى هذا الثَّوبَ فأنتِ طالقٌ. فأعطْته إيَّاه، طَلُقَتْ، ومَلَكَه. قال أصحابُنا: والحُكمُ فيه كما لو خالعَها عليه. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، إلَّا أنَّه لم (١) يَجعلْ له المُطالبةَ بالأرْشِ مع إمْكانِ ردِّه.

стр. 5251

وهذا أصلٌ ذكَرْناه فى البيعِ (٢). وله أيضًا قولٌ: إنَّه إذا ردَّه رجعَ بمهرِ المِثْلِ. وهذا الأصلُ ذُكِرَ فى الصَّداقِ (٣). وإن خالعَها على ثوبٍ مَوْصوفٍ فى الذِّمّةِ، واسْتَقْصَى صفاتِ السَّلَمِ، صحَّ، وعليها أن تُعْطِيَه إيَّاه سليمًا؛ لأنَّ إطْلاق ذلك يقْتضِى السَّلامةَ، كما فى البيعِ والصَّداقِ. فإن دفَعتْه إليه مَعِيبًا، أو ناقِصًا عن الصِّفاتِ المذكورةِ، فله الخِيارُ بين إمْساكِه، أو رَدِّه والمُطالبةِ بثَوْبٍ سليمٍ على تلك الصِّفةِ؛ لأنَّه إنَّما وجب فى الذِّمَّةِ سليمًا تامَّ الصِّفاتِ، فيَرْجِعُ بما وجبَ له؛ لأنَّها ما أعْطَتْه الذى وجبَ له عليها. وإن قال: إن أعْطَيْتنى ثوبًا صِفَتُه كذا وكذا. فأعْطَتْه ثوبًا على تلك الصِّفاتِ، طَلُقَتْ، وملَكَه. وإن أعطَتْه ناقصًا صِفَةً، لم يقَعِ الطَّلاقُ، ولم يَمْلِكْه؛ لأنَّه ما وُجِدَ الشَّرطُ. فإن كان على الصِّفةِ، لكنْ به عَيْبٌ، وقعَ الطَّلاقُ لوُجودِ شَرْطِه. قال القاضى: ويتَخيَّرُ بين إمْساكِه، وردِّه والرُّجوعَ بقيمتِه. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ له قولًا، أنَّه يَرجِعُ بمهرِ المِثْلِ، على ما ذكَرْنا، وعلى ما قُلْنا نحنُ فيما تقدَّمَ: إنه إذا قال: إذا أعْطيْتِنى ثوبًا، أو عبدًا، أو هذا الثَّوبَ، أو هذا العبدَ. فأعْطَتْه إيَّاه مَعِيبًا، طَلُقَتْ، وليس له شىء سِوَاهُ. وقد نَصَّ أحمدُ على مَنْ قال: إن أعْطَيْتنى هذا الألفَ، فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه إيَّاه، فوجَده مَعِيبًا، فليس له البَدَلُ. وقال أيضًا: إذا قال: إن أعْطَيْتنى عبدًا فأنتِ طالقٌ. فإذا أعْطَتْه عبدًا، فهى طالِقٌ، ويَمْلِكُه. وهذا يدُلُّ على أَنَّ كل موضعٍ قال: إن أعْطَيْتنى كذا. فأعْطَتْه إيَّاه، فليس له غيرُه؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ لا يلْزَمُه فى ذِمَّتِه شىءٌ إلَّا بإلْزامٍ، أو الْتِزامٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بإلْزامِها هذا، ولا هى الْتزَمتْه له، وإنما علَّق طلاقَها على شَرْطٍ، وهو عَطيَّتُها له ذلك، فلا لم يَلْزَمُها شىءٌ سِوَاهُ، ولأنَّها لم تدْخُلْ معه فى مُعاوَضَةٍ، وإنَّما حقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ (٤) فأنتِ طالقٌ. فدخَلتْ. أو ما لو قال: إن أعْطيتِ أباك عبدًا فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه إيَّاه.

стр. 5252

فصل: وإذا قال: إن أعْطَيْتنى ألفَ درهمٍ، فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه ألفًا أو أكثَر، طَلُقَتْ؛ لوُجودِ الصِّفةِ، وإن أعْطَتْه دُونَ ذلك، لم تطْلُقْ؛ لعدمِها. وإن أعْطَتْه ألفًا وَازنةً، تَنْقُصُ فى العَدَدِ، طَلُقَتْ، وإن أعْطَتْه ألفًا عدَدًا، تَنقُصُ فى الوَزْنِ، لم تطْلُقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الدَّراهمِ يَنْصرِفُ إلى الوازِنِ من دراهمِ الإِسْلامِ، وهى ما كلُّ عشرةٍ منها وزنُ سبعةِ مَثاقيلَ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ الدَّراهمَ متى كانت تَنْفُقُ برُءُوسِها من غيرِ وَزْنٍ (٥)، طَلُقَتْ؛ لأنَّها يقَعُ عليها اسمُ الدَّراهمِ، ويحصُلُ منها مَقْصودُها، ولا تطْلُقُ إذا أعْطَتْه وازنَةً تنْقُصُ فى العددِ؛ لذلك. وإن أعْطَتْه ألفًا رَدِيئةً، كنُحاسٍ فيها أو رَصاصٍ [أو نحوِه] (٦)، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ [إطلاقَ الألفِ] (٧) يتناول ألفًا من الفِضَّةِ، وليس فى هذه (٨) ألفٌ من الفِضَّةِ. وإن زادتْ على الألفِ بحيثُ يكونُ فيها ألفٌ فِضَّةً، طَلُقَتْ؛ لأنَّها قد أعْطَتْه ألفًا فِضَّةً. وإن أعْطَتْه سَبِيكةً تبْلغُ ألفًا، لم تطْلُقْ؛ لأنَّها لا تُسمَّى دراهمَ، فلم تُوجَدِ الصِّفةُ، بخلافِ المَغْشُوشةِ، فإنَّها تُسمَّى دراهمَ. وإن أعْطَتْه ألفًا رَدِىءَ الجِنْسِ، لخُشونةٍ، أو سَوادٍ، أو كانت وَحْشَةَ السَّكَّةِ، طَلُقَتْ؛ لأنَّ الصِّفةَ وُجِدتْ. قال القاضى: وله رَدُّها، وأخْذُ بدلِها. وهذا قد ذكَرْناه فى المسألةِ التى قبلَها. فصل: وإن (٩) قال: إن أعْطَيْتِنى ثوبًا مَرْوِيًّا فأنتِ طالقٌ. فأعطته هَرَوِيًّا، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الصِّفةَ التى علَّقَ الطَّلاقَ عليها لم تُوجَدْ، وإن أعْطَتْه مَرْوِيًّا طَلُقَتْ. وإن خالَعَها على مَرْوىٍّ، فأعْطه هَرَوِيًّا، فالخُلعُ واقعٌ، ويُطالِبُها بما خالَعَها عليه. وإن خالَعَها على ثوبٍ بعَيْنه، على أَنَّه مَرْوِىٌّ، فبانَ هَرَوِيًّا، فالخُلعُ صحيحٌ؛ لأنَّ جِنْسَهما واحدٌ، وإنَّما ذلك اخْتلافُ صِفَةٍ، فجرَى مَجْرَى العَيْبِ فى المُعَوَّضِ (١٠)، وهو مُخيَّرٌ بين إمْساكِه ولا

стр. 5253

شىءَ له غيرُه، وبين ردِّه وأخْذِ قيمَتِه لو كان مَرْوِيًّا؛ لأنَّ مُخالَفَتَه (١١) الصِّفةَ بمَنْزلةِ العَيْبِ فى جَوازِ الرَّدِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: وعنْدِى لا يَسْتَحِقُّ شيئًا سِوَاهُ؛ لأنَّ الخُلْعَ على عَيْنِه (١٢)، وقد أخذَه. وإن خالَعَها على ثَوْبٍ، على أنَّه قُطْنٌ، فبَان كتَّانًا، لَزِمَ ردُّه، ولم [يَكُنْ له] (١٣) إمْساكُه؛ لأنَّه جِنْسٌ آخَرُ، واخْتلافُ الأجْناسٍ كاخْتلافِ الأعْيانِ، بخلافِ ما لو خالَعَها على مَرْوِىٍّ فخرجَ هَرَوِيًّا، فإنَّ الجنسَ واحدٌ. فصل: وكلُّ مَوْضعٍ عَلَّقَ طلاقَها [على عَطيَّتِها إيَّاه، فمتى أعْطَتْه] (١٤) على صِفَةٍ يُمْكِنُه القَبْضُ، وقعَ الطَّلاقُ، وسَواءٌ (١٥) قبَضَه منها أو لم يقْبِضْه؛ لأنَّ العَطيَّةَ وُجِدَتْ، فإنَّه يُقالُ: أعْطَتْه فلم يَأخُذْ. ولأنه علَّقَ اليمينَ على فِعْلٍ مِن جِهَتِها، والذى مِن جهَتِها فى العَطِيَّةِ البَذْلُ على وَجْهٍ يُمْكنُه قَبْضُه، فإن هرَبَ الزَّوْجُ أو غابَ قبلَ عَطيَّتِها، أو قالت: يَضْمَنُه لك زيدٌ، أو اجعلْه قِصاصًا ممَّا لى عليك. أو أعْطَتْه به رَهْنًا، أو أحالَتْه به، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ العَطيَّةَ ما وُجِدَتْ، ولا يَقَعُ الطَّلاقُ بدونِ (١٦) شَرْطِه. كذلك كلُّ مَوْضعٍ تعَذَّرتِ (١٧) العطيَّةُ فيه، لا يَقعُ الطَّلاقُ، سواءٌ كان التَّعَذُّرُ مِن جِهَتِه، أو من جِهَتِها، أو من جِهَةِ غيرِهما؛ لانْتِفاءِ الشَّرْطِ. ولو قالت: طَلَّقْنى بألفٍ. فطلَّقَها، اسْتَحَقَّ الألفَ. وبانَتْ وَإن لم يَقْبِضْ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال أحمدُ: ولو قالت: لا أُعْطِيك شيئًا. يأخذُها بالألْفِ. يعنى ويَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذا ليس بتَعْلِيقٍ على شَرْطٍ، بخلافِ الأوَّلِ. فصل: وتَعْليقُ الطَّلاقِ على شَرْطِ العَطِيَّةِ، أو الضَّمانِ، أو التَّمْليكِ، لازمٌ من جِهَةِ

стр. 5254

الزَّوجِ لُزومًا لا سبيلَ إلى دَفْعِه (١٨)؛ فإنَّ المُغَلَّبَ (١٩) فيها حُكْمُ التَّعليقِ المَحْضِ؛ بدليلِ صِحَّةِ تَعْليقِه على الشَّرْطِ (٢٠). ويَقعُ الطَّلاقُ بوجودِ الشَّرطِ، سَواءً كانت العَطِيَّةُ على الفَوْرِ أو التَّرَاخِى. وقال الشَّافعىُّ: إن قال: متى أعْطَيْتِنى، أو متى ما أعْطَيْتِنى، أو أىَّ حينٍ أو أىَّ زمانٍ أعْطَيْتِنى ألفًا، فأنتِ طالقٌ. فذلك على التَّراخِى. وإن قال: إن أعْطَيْتِنى، أو إذا أعْطَيْتِنى ألفًا، فأنتِ طالقٌ. فذلك على الفَوْرِ. فإن أعْطَتْه جَوابًا لكلامِه، وقَعَ الطَّلاقُ، وإن تَأخَّرَ الإِعْطاءُ (٢١) لم يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ قَبُولَ المُعاوَضاتِ على الفَوْرِ، فإذا لم يُوجَدْ منه تصْريحٌ بخلافِه، وَجَبَ حَمْلُ ذلك على المُعاوَضاتِ، بخلافِ متى وأىٍّ، فإنَّ فيهما تصريحًا بالتَّراخِى (٢٢)، ونصًّا فيه. وإن صارَا مُعاوَضَةً، فإنّ تَعْليقَه بالصِّفَةِ جائزٌ، أمَّا إنْ وإذا، فإنَّهما يَحْتمِلانِ (٢٣) الفَوْرَ والتَّراخِىَ، فإذا تعَلَّق بهما العِوَضُ، حُمِلَا على الفَوْرِ. ولَنا، أنَّه علَّقَ الطَّلاقَ بشَرْطِ الإِعْطاءِ، فكان على التَّراخِى، كسائرِ التَّعْليقِ. أو نقولُ: علَّقَ الطَّلاقَ بحَرْفٍ مُقْتَضاه التَّراخى، فكان على التَّراخِىَ، كما لو خَلا عن العِوَض، والدَّليلُ على أنَّ مُقْتضاه التَّراخى، أنَّه [يَقْتَضِى التَّراخِىَ] (٢٤) إذا خَلا عن العِوَضِ، ومُقْتضَياتُ الألْفاظِ لا تخْتلِفُ بالعِوَضِ وعَدَمِه، وهذه المُعاوَضَةُ مَعْدُولٌ بها عن سائر المُعاوَضاتِ؛ بدليلِ جَوازِ تعْلِيقِها على الشُّروطِ، ويكونُ على التَّراخِى فيما إذا علَّقَها بمتى أو بأىٍّ، فكذلك فى مسألتِنا، ولا يَصِحُّ قياسُ ما نحن فيه على غيرِه من المُعاوَضاتِ؛ لما ذكَرْنا من الفَرْقِ، ثم يبْطلُ قياسُهم بقول السَّيِّد لعبدِه: إن أعْطَيْتَنِى ألفًا فأنتَ حرٌّ. فإنَّه كمسْألتِنا، وهو على التَّراخِى،

стр. 5255

على أنَّنا (٢٥) قد ذكَرْنا أَنَّ حُكْمَ هذا اللفظِ حُكْمُ الشَّرْطِ المُطْلَقِ. فصل: وإذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ بألفٍ إن شِئْتِ. لم تطْلُقْ حتى تشاءَ، فإذا شاءتْ وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا، ويَسْتَحِقُّ (٢٦) الأَلْفَ، سَواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ فقالت: طَلِّقْنى بألفٍ. فأجابَها، أو قال ذلك لها ابتداءً؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَها (٢٧) على شَرْطٍ، فلم يُوجَدْ قبلَ وُجودِه. وتُعْتَبرُ مَشِيئتُها بالقولِ، فإنَّها وإن كان محلُّها القلبَ، فلا يُعرَفُ ما فى القلبِ إلَّا بالنُّطْقِ، فيُعَلَّقُ (٢٨) الحُكْمُ به، ويكونُ ذلك على التَّراخِى، فمتى شاءتْ طَلُقَتْ. نَصَّ عليه أحمدُ. ومذهبُ الشَّافعىِّ كذلك، إلَّا فى أنَّه على الفَوْرِ عندَه. ولو أنَّه قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك إن ضَمِنْتِ لى ألفًا. فقياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه على التَّراخِى؛ [لأنَّه نَصَّ على أَنَّ أمْرَك بيدِك، على التَّراخِى] (٢٩)، ونصَّ على أنَّه إذا قال لها: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. أَنَّ لها المَشِيئةَ بعدَ مَجْلسِها. ومذهبُ الشَّافعىِّ أنَّه على الفَوْرِ؛ لما تقدَّمَ. ولَنا، أنَّه لو قال لعبدِهِ: إن ضَمِنْتَ لى ألفًا فأنتَ حرٌّ. كان على التَّراخِى. ولو قال له: أنتَ حرٌّ على ألفٍ إن شئتَ. كان على التَّراخِى. والطَّلاقُ نَظِيرُ العِتْقِ. فعلى هذا، متى ضَمِنتْ له ألفًا، كان أمرُها بيَدها، وله الرُّجوعُ فيما جَعَلَ إليها؛ لأنَّ أمْرَك بيدِك توكيلٌ منه لها، فله الرُّجوعُ فيه، كما يَرْجِعُ فى الوكالةِ. وكذلك لو قال لزوجتِه: طَلِّقِى نفسَك إن ضَمِنْتِ لى ألفًا. فمتى ضَمِنتْ له ألفًا، وطلَّقَتْ نفسَها، وقَعَ، ما لم يَرْجِعْ. وإن ضَمِنَتِ الألفَ ولم تُطَلِّقْ، أو طَلَّقَتْ ولم تَضْمَنْ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ. ١٢٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا خالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَخرَجَ حُرًّا، أَوِ اسْتُحِقَّ، فَلَهُ عَلَيْهَا قِيْمَتُهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرَّجلَ إذا خالعَ امرأتَه على عِوَضٍ يَظنُّه مالًا، فبانَ غيرَ مالٍ، مثل أن
следующие страницы →