← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وهذا أصلٌ ذكَرْناه فى البيعِ (٢). وله أيضًا قولٌ: إنَّه إذا ردَّه رجعَ بمهرِ المِثْلِ. وهذا الأصلُ ذُكِرَ فى الصَّداقِ (٣). وإن خالعَها على ثوبٍ مَوْصوفٍ فى الذِّمّةِ، واسْتَقْصَى صفاتِ السَّلَمِ، صحَّ، وعليها أن تُعْطِيَه إيَّاه سليمًا؛ لأنَّ إطْلاق ذلك يقْتضِى السَّلامةَ، كما فى البيعِ والصَّداقِ. فإن دفَعتْه إليه مَعِيبًا، أو ناقِصًا عن الصِّفاتِ المذكورةِ، فله الخِيارُ بين إمْساكِه، أو رَدِّه والمُطالبةِ بثَوْبٍ سليمٍ على تلك الصِّفةِ؛ لأنَّه إنَّما وجب فى الذِّمَّةِ سليمًا تامَّ الصِّفاتِ، فيَرْجِعُ بما وجبَ له؛ لأنَّها ما أعْطَتْه الذى وجبَ له عليها. وإن قال: إن أعْطَيْتنى ثوبًا صِفَتُه كذا وكذا. فأعْطَتْه ثوبًا على تلك الصِّفاتِ، طَلُقَتْ، وملَكَه. وإن أعطَتْه ناقصًا صِفَةً، لم يقَعِ الطَّلاقُ، ولم يَمْلِكْه؛ لأنَّه ما وُجِدَ الشَّرطُ. فإن كان على الصِّفةِ، لكنْ به عَيْبٌ، وقعَ الطَّلاقُ لوُجودِ شَرْطِه. قال القاضى: ويتَخيَّرُ بين إمْساكِه، وردِّه والرُّجوعَ بقيمتِه. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ له قولًا، أنَّه يَرجِعُ بمهرِ المِثْلِ، على ما ذكَرْنا، وعلى ما قُلْنا نحنُ فيما تقدَّمَ: إنه إذا قال: إذا أعْطيْتِنى ثوبًا، أو عبدًا، أو هذا الثَّوبَ، أو هذا العبدَ. فأعْطَتْه إيَّاه مَعِيبًا، طَلُقَتْ، وليس له شىء سِوَاهُ. وقد نَصَّ أحمدُ على مَنْ قال: إن أعْطَيْتنى هذا الألفَ، فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه إيَّاه، فوجَده مَعِيبًا، فليس له البَدَلُ. وقال أيضًا: إذا قال: إن أعْطَيْتنى عبدًا فأنتِ طالقٌ. فإذا أعْطَتْه عبدًا، فهى طالِقٌ، ويَمْلِكُه. وهذا يدُلُّ على أَنَّ كل موضعٍ قال: إن أعْطَيْتنى كذا. فأعْطَتْه إيَّاه، فليس له غيرُه؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ لا يلْزَمُه فى ذِمَّتِه شىءٌ إلَّا بإلْزامٍ، أو الْتِزامٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بإلْزامِها هذا، ولا هى الْتزَمتْه له، وإنما علَّق طلاقَها على شَرْطٍ، وهو عَطيَّتُها له ذلك، فلا لم يَلْزَمُها شىءٌ سِوَاهُ، ولأنَّها لم تدْخُلْ معه فى مُعاوَضَةٍ، وإنَّما حقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ (٤) فأنتِ طالقٌ. فدخَلتْ. أو ما لو قال: إن أعْطيتِ أباك عبدًا فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه إيَّاه.

стр. 5252

فصل: وإذا قال: إن أعْطَيْتنى ألفَ درهمٍ، فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه ألفًا أو أكثَر، طَلُقَتْ؛ لوُجودِ الصِّفةِ، وإن أعْطَتْه دُونَ ذلك، لم تطْلُقْ؛ لعدمِها. وإن أعْطَتْه ألفًا وَازنةً، تَنْقُصُ فى العَدَدِ، طَلُقَتْ، وإن أعْطَتْه ألفًا عدَدًا، تَنقُصُ فى الوَزْنِ، لم تطْلُقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الدَّراهمِ يَنْصرِفُ إلى الوازِنِ من دراهمِ الإِسْلامِ، وهى ما كلُّ عشرةٍ منها وزنُ سبعةِ مَثاقيلَ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ الدَّراهمَ متى كانت تَنْفُقُ برُءُوسِها من غيرِ وَزْنٍ (٥)، طَلُقَتْ؛ لأنَّها يقَعُ عليها اسمُ الدَّراهمِ، ويحصُلُ منها مَقْصودُها، ولا تطْلُقُ إذا أعْطَتْه وازنَةً تنْقُصُ فى العددِ؛ لذلك. وإن أعْطَتْه ألفًا رَدِيئةً، كنُحاسٍ فيها أو رَصاصٍ [أو نحوِه] (٦)، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ [إطلاقَ الألفِ] (٧) يتناول ألفًا من الفِضَّةِ، وليس فى هذه (٨) ألفٌ من الفِضَّةِ. وإن زادتْ على الألفِ بحيثُ يكونُ فيها ألفٌ فِضَّةً، طَلُقَتْ؛ لأنَّها قد أعْطَتْه ألفًا فِضَّةً. وإن أعْطَتْه سَبِيكةً تبْلغُ ألفًا، لم تطْلُقْ؛ لأنَّها لا تُسمَّى دراهمَ، فلم تُوجَدِ الصِّفةُ، بخلافِ المَغْشُوشةِ، فإنَّها تُسمَّى دراهمَ. وإن أعْطَتْه ألفًا رَدِىءَ الجِنْسِ، لخُشونةٍ، أو سَوادٍ، أو كانت وَحْشَةَ السَّكَّةِ، طَلُقَتْ؛ لأنَّ الصِّفةَ وُجِدتْ. قال القاضى: وله رَدُّها، وأخْذُ بدلِها. وهذا قد ذكَرْناه فى المسألةِ التى قبلَها. فصل: وإن (٩) قال: إن أعْطَيْتِنى ثوبًا مَرْوِيًّا فأنتِ طالقٌ. فأعطته هَرَوِيًّا، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الصِّفةَ التى علَّقَ الطَّلاقَ عليها لم تُوجَدْ، وإن أعْطَتْه مَرْوِيًّا طَلُقَتْ. وإن خالَعَها على مَرْوىٍّ، فأعْطه هَرَوِيًّا، فالخُلعُ واقعٌ، ويُطالِبُها بما خالَعَها عليه. وإن خالَعَها على ثوبٍ بعَيْنه، على أَنَّه مَرْوِىٌّ، فبانَ هَرَوِيًّا، فالخُلعُ صحيحٌ؛ لأنَّ جِنْسَهما واحدٌ، وإنَّما ذلك اخْتلافُ صِفَةٍ، فجرَى مَجْرَى العَيْبِ فى المُعَوَّضِ (١٠)، وهو مُخيَّرٌ بين إمْساكِه ولا

стр. 5253

شىءَ له غيرُه، وبين ردِّه وأخْذِ قيمَتِه لو كان مَرْوِيًّا؛ لأنَّ مُخالَفَتَه (١١) الصِّفةَ بمَنْزلةِ العَيْبِ فى جَوازِ الرَّدِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: وعنْدِى لا يَسْتَحِقُّ شيئًا سِوَاهُ؛ لأنَّ الخُلْعَ على عَيْنِه (١٢)، وقد أخذَه. وإن خالَعَها على ثَوْبٍ، على أنَّه قُطْنٌ، فبَان كتَّانًا، لَزِمَ ردُّه، ولم [يَكُنْ له] (١٣) إمْساكُه؛ لأنَّه جِنْسٌ آخَرُ، واخْتلافُ الأجْناسٍ كاخْتلافِ الأعْيانِ، بخلافِ ما لو خالَعَها على مَرْوِىٍّ فخرجَ هَرَوِيًّا، فإنَّ الجنسَ واحدٌ. فصل: وكلُّ مَوْضعٍ عَلَّقَ طلاقَها [على عَطيَّتِها إيَّاه، فمتى أعْطَتْه] (١٤) على صِفَةٍ يُمْكِنُه القَبْضُ، وقعَ الطَّلاقُ، وسَواءٌ (١٥) قبَضَه منها أو لم يقْبِضْه؛ لأنَّ العَطيَّةَ وُجِدَتْ، فإنَّه يُقالُ: أعْطَتْه فلم يَأخُذْ. ولأنه علَّقَ اليمينَ على فِعْلٍ مِن جِهَتِها، والذى مِن جهَتِها فى العَطِيَّةِ البَذْلُ على وَجْهٍ يُمْكنُه قَبْضُه، فإن هرَبَ الزَّوْجُ أو غابَ قبلَ عَطيَّتِها، أو قالت: يَضْمَنُه لك زيدٌ، أو اجعلْه قِصاصًا ممَّا لى عليك. أو أعْطَتْه به رَهْنًا، أو أحالَتْه به، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ العَطيَّةَ ما وُجِدَتْ، ولا يَقَعُ الطَّلاقُ بدونِ (١٦) شَرْطِه. كذلك كلُّ مَوْضعٍ تعَذَّرتِ (١٧) العطيَّةُ فيه، لا يَقعُ الطَّلاقُ، سواءٌ كان التَّعَذُّرُ مِن جِهَتِه، أو من جِهَتِها، أو من جِهَةِ غيرِهما؛ لانْتِفاءِ الشَّرْطِ. ولو قالت: طَلَّقْنى بألفٍ. فطلَّقَها، اسْتَحَقَّ الألفَ. وبانَتْ وَإن لم يَقْبِضْ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال أحمدُ: ولو قالت: لا أُعْطِيك شيئًا. يأخذُها بالألْفِ. يعنى ويَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذا ليس بتَعْلِيقٍ على شَرْطٍ، بخلافِ الأوَّلِ. فصل: وتَعْليقُ الطَّلاقِ على شَرْطِ العَطِيَّةِ، أو الضَّمانِ، أو التَّمْليكِ، لازمٌ من جِهَةِ

стр. 5254

الزَّوجِ لُزومًا لا سبيلَ إلى دَفْعِه (١٨)؛ فإنَّ المُغَلَّبَ (١٩) فيها حُكْمُ التَّعليقِ المَحْضِ؛ بدليلِ صِحَّةِ تَعْليقِه على الشَّرْطِ (٢٠). ويَقعُ الطَّلاقُ بوجودِ الشَّرطِ، سَواءً كانت العَطِيَّةُ على الفَوْرِ أو التَّرَاخِى. وقال الشَّافعىُّ: إن قال: متى أعْطَيْتِنى، أو متى ما أعْطَيْتِنى، أو أىَّ حينٍ أو أىَّ زمانٍ أعْطَيْتِنى ألفًا، فأنتِ طالقٌ. فذلك على التَّراخِى. وإن قال: إن أعْطَيْتِنى، أو إذا أعْطَيْتِنى ألفًا، فأنتِ طالقٌ. فذلك على الفَوْرِ. فإن أعْطَتْه جَوابًا لكلامِه، وقَعَ الطَّلاقُ، وإن تَأخَّرَ الإِعْطاءُ (٢١) لم يقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ قَبُولَ المُعاوَضاتِ على الفَوْرِ، فإذا لم يُوجَدْ منه تصْريحٌ بخلافِه، وَجَبَ حَمْلُ ذلك على المُعاوَضاتِ، بخلافِ متى وأىٍّ، فإنَّ فيهما تصريحًا بالتَّراخِى (٢٢)، ونصًّا فيه. وإن صارَا مُعاوَضَةً، فإنّ تَعْليقَه بالصِّفَةِ جائزٌ، أمَّا إنْ وإذا، فإنَّهما يَحْتمِلانِ (٢٣) الفَوْرَ والتَّراخِىَ، فإذا تعَلَّق بهما العِوَضُ، حُمِلَا على الفَوْرِ. ولَنا، أنَّه علَّقَ الطَّلاقَ بشَرْطِ الإِعْطاءِ، فكان على التَّراخِى، كسائرِ التَّعْليقِ. أو نقولُ: علَّقَ الطَّلاقَ بحَرْفٍ مُقْتَضاه التَّراخى، فكان على التَّراخِىَ، كما لو خَلا عن العِوَض، والدَّليلُ على أنَّ مُقْتضاه التَّراخى، أنَّه [يَقْتَضِى التَّراخِىَ] (٢٤) إذا خَلا عن العِوَضِ، ومُقْتضَياتُ الألْفاظِ لا تخْتلِفُ بالعِوَضِ وعَدَمِه، وهذه المُعاوَضَةُ مَعْدُولٌ بها عن سائر المُعاوَضاتِ؛ بدليلِ جَوازِ تعْلِيقِها على الشُّروطِ، ويكونُ على التَّراخِى فيما إذا علَّقَها بمتى أو بأىٍّ، فكذلك فى مسألتِنا، ولا يَصِحُّ قياسُ ما نحن فيه على غيرِه من المُعاوَضاتِ؛ لما ذكَرْنا من الفَرْقِ، ثم يبْطلُ قياسُهم بقول السَّيِّد لعبدِه: إن أعْطَيْتَنِى ألفًا فأنتَ حرٌّ. فإنَّه كمسْألتِنا، وهو على التَّراخِى،

стр. 5255

على أنَّنا (٢٥) قد ذكَرْنا أَنَّ حُكْمَ هذا اللفظِ حُكْمُ الشَّرْطِ المُطْلَقِ. فصل: وإذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ بألفٍ إن شِئْتِ. لم تطْلُقْ حتى تشاءَ، فإذا شاءتْ وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا، ويَسْتَحِقُّ (٢٦) الأَلْفَ، سَواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ فقالت: طَلِّقْنى بألفٍ. فأجابَها، أو قال ذلك لها ابتداءً؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَها (٢٧) على شَرْطٍ، فلم يُوجَدْ قبلَ وُجودِه. وتُعْتَبرُ مَشِيئتُها بالقولِ، فإنَّها وإن كان محلُّها القلبَ، فلا يُعرَفُ ما فى القلبِ إلَّا بالنُّطْقِ، فيُعَلَّقُ (٢٨) الحُكْمُ به، ويكونُ ذلك على التَّراخِى، فمتى شاءتْ طَلُقَتْ. نَصَّ عليه أحمدُ. ومذهبُ الشَّافعىِّ كذلك، إلَّا فى أنَّه على الفَوْرِ عندَه. ولو أنَّه قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك إن ضَمِنْتِ لى ألفًا. فقياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه على التَّراخِى؛ [لأنَّه نَصَّ على أَنَّ أمْرَك بيدِك، على التَّراخِى] (٢٩)، ونصَّ على أنَّه إذا قال لها: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. أَنَّ لها المَشِيئةَ بعدَ مَجْلسِها. ومذهبُ الشَّافعىِّ أنَّه على الفَوْرِ؛ لما تقدَّمَ. ولَنا، أنَّه لو قال لعبدِهِ: إن ضَمِنْتَ لى ألفًا فأنتَ حرٌّ. كان على التَّراخِى. ولو قال له: أنتَ حرٌّ على ألفٍ إن شئتَ. كان على التَّراخِى. والطَّلاقُ نَظِيرُ العِتْقِ. فعلى هذا، متى ضَمِنتْ له ألفًا، كان أمرُها بيَدها، وله الرُّجوعُ فيما جَعَلَ إليها؛ لأنَّ أمْرَك بيدِك توكيلٌ منه لها، فله الرُّجوعُ فيه، كما يَرْجِعُ فى الوكالةِ. وكذلك لو قال لزوجتِه: طَلِّقِى نفسَك إن ضَمِنْتِ لى ألفًا. فمتى ضَمِنتْ له ألفًا، وطلَّقَتْ نفسَها، وقَعَ، ما لم يَرْجِعْ. وإن ضَمِنَتِ الألفَ ولم تُطَلِّقْ، أو طَلَّقَتْ ولم تَضْمَنْ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ. ١٢٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا خالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَخرَجَ حُرًّا، أَوِ اسْتُحِقَّ، فَلَهُ عَلَيْهَا قِيْمَتُهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرَّجلَ إذا خالعَ امرأتَه على عِوَضٍ يَظنُّه مالًا، فبانَ غيرَ مالٍ، مثل أن

стр. 5256

يُخالِعَها على عبدٍ لم تُعَيِّنُه فيَبِينُ حُرًّا، أو مَغْصوبًا، أو على خَلٍّ فَيَبِينُ خمرًا، فإنَّ الخُلْعَ صحيحٌ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الخُلْعَ مُعاوَضَةٌ بالبُضْعِ، فلا يَفسُدُ بفَسادِ العِوَض، كالنِّكاحِ، ولكنَّه يَرْجِعُ عليها بقِيمَتِه لو كان عبدًا. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وصاحبا أبى حنيفةَ. وإن خالعَها على هذا الدَّنِّ الخَلِّ، فبانَ خمرًا، رَجَعَ عليها بمِثْلِه خَلًّا؛ لأنَّ الخَلَّ (١) من ذواتِ الأمثالِ، وقد دخلَ على أَنَّ هذا المُعَيَّنَ خَلٌّ، فكان له مثلُه، كما لو كان خَلًّا فتَلِفَ قبلَ قَبضِه. وقد قيلَ: يَرْجِعُ بقِيمَةِ مثلِه خَلًّا؛ لأنَّ الخمرَ ليس من ذواتِ الأمثالِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه إنَّما وجبَ عليها مثلُه لو كان خَلًّا، كما تُوجَبُ قيمةُ الحُرِّ بتَقْديرِ كَونه عَبْدًا، فإنَّ الحُرَّ لا قِيمَةَ له. وقال أبو حنيفةَ فى المسألةِ كلها: يَرْجِعُ بالمُسمَّى. وقال الشَّافعىُّ: يَرْجِعُ بمهرِ المِثلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على البُضْعِ بعِوَضٍ فاسدٍ، فأشْبَهَ النِّكاح بخَمْرٍ. واحتجَّ أبو حنيفةَ بأنَّ خُروجَ البُضْعِ لا قِيمَةَ له، فإذا [غُرَّ به] (٢)، رجعَ عليها بما أخَذتْ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يجبُ تسْليمُها مع سَلامتِها، وبَقاءِ سببِ الاسْتحقاقِ، فوجبَ بَدَلُها مُقدَّرًا بقيمَتِها أو مثلِها، كالمَغْصوب والمُسْتَعارِ. وإذا خالعَها على عبدٍ، فخرجَ مَغْصوبًا، أو أُمَّ ولَد، فإنَّ أبا حنيفةَ يُسَلِّمُه، ويوافقُنا فيه. فصل: وإن خالَعَها على مُحرَّمٍ يعْلمان تَحْريمَه، كالحُرِّ، والخمرِ، والخِنْزيرِ، والْمَيْتةِ، فهو كالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ سواءٌ، لا يَستحقُّ شيئًا. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعى: له عليها مهرُ المثلِ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ بالبُضْعِ، فإذا كان العِوَضُ مُحرَّمًا وجبَ مهرُ المثلِ، كالنِّكاحِ. ولَنا، أَنَّ خروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ (٣) الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، على ما أسْلَفْنا، فإذا رَضِىَ بغيرِ عِوَضٍ، لم يكُنْ له شىءٌ، كما لو طلَّقَها أو علَّقَ طلاقَها على فِعْلِ شىءٍ، ففَعلَتْه، وفَارقَ النِّكاحَ؛ فإنَّ دُخولَ البُضْعِ فى مِلْكِ الزَّوجِ

стр. 5257

مُتَقَوَّمٌ، ولا يَلزمُ إذا خالعَها على عبدٍ فبانَ حرًّا؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ مُتَقَوَّمٍ، فيَرْجِعُ بحُكْمِ الغُرورِ، وههُنا رَضِىَ بِما لا قيمةَ له. إذا تقرَّرَ هذا، فإنْ كان الخُلْعُ بلفظِ الطَّلاقِ، فهو طلاقٌ (٤) رَجْعىٌّ؛ لأنَّه خلا عن عِوَضٍ، وإن كان بلفظِ الخُلْعِ وكِنَاياتِ الخُلْعِ، وَنوَى به الطَّلاقَ، فكذلك؛ لأنَّ الكِنايةَ (٥) مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، وإن كان بلَفْظِ الخُلْعِ، ولم يَنْوِ الطَّلاقَ، انْبَنَى على أصْلٍ. وهو أنَّه هل يَصِحُّ الخُلْع (٤) بغيرِ عِوَضٍ؟ وفيه رِوَايتانِ؛ فإن قُلْنا: يَصِحُّ. صح ههُنا. وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ. لم يَصِحَّ، ولم يقَعْ شيئًا (٦). وإن قال: إن أعْطَيْتِنى خمرًا أو مَيْتةً، فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه ذلك، طَلُقَتْ، ولا شىءَ عليها. وعندَ الشَّافعىِّ، عليها مهرُ المثلِ، كقولِه فى التى قبلَها. فصل: فإن قال: إن أعْطَيْتِنى عَبْدًا فأنتِ طالقٌ. فأعْطَتْه مُدَبَّرًا أو مُعْتَقًا نصفُه، وقعَ الطَّلاقُ بهما؛ لأنَّهما كالقِنِّ فى التَّمْليكِ، وإن أعطته حُرًّا، أو مغصوبًا، أو مرهونًا، لم تطْلُقْ؛ لأنَّ العَطِيَّةَ إنَّما تَتناولُ ما يصِحُّ تَمْليكُه، وما لا يصح تَمْليكُه لا تكونُ مُعْطِيةً له. وإن قال: إن أعْطَيْتِنى هذا العبدَ، فأنت طالقٌ. فأعْطَتْه إيَّاه، فإذا هو حُرٌّ أو مغصوبٌ، لم تطْلُقْ أيضًا؛ لما ذَكَرَه أبو بكرٍ، وأوْمَأ إليه أحمدُ. وذكَر القاضِى وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يقَعُ الطَّلاقُ؛ قال (٤): وأوْمَأَ إليه أحمدُ فى موضعٍ آخَرَ؛ لأنَّه إذا عَيَّنه فقد قطعَ اجْتهادَها فيه، فإذا أعْطَتْه إيَّاه، وُجِدَتِ الصِّفةُ، فوقعَ الطَّلاقُ، بخلافِ غيرِ المُعَيَّنِ. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ أيضًا وَجْهانِ كذلك. وعلى قولِهم: يقعُ الطَّلاقُ، هل يَرجعُ بقيمَتِه أو بمهرِ المثلِ؟ على وَجْهينِ. ولَنا، أنَّ العَطِيَّةَ إنَّما مَعْناها المُتبادِرُ إلى الفَهْمِ منها عندَ إطْلاقِها التَّمْكينُ (٧) من تَمَلُّكِه، بدليلِ غيرِ المُعَيَّنِ؛ ولأنَّ الْعَطِيَّةَ ههنا التَّمليكُ، بدِليلِ حُصولِ المِلْكِ بها فيما إذا كان العبدُ مملوكًا لها، وانْتفاءِ الطَّلاقِ فيما إذا كان غيرَ مُعَيَّنٍ.

стр. 5258

١٢٤١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِى ثلاثًا بأَلْفٍ. فَطَلَّقَهَا وَاحِدةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَىءٌ، وَلَزِمَتْهَا (١) التَّطْلِيقَةُ (٢)) أمَّا وُقوعُ الطَّلاقِ بها، فلا خِلافَ فيه، وأمَّا الألفُ، فلا يَسْتحِقُّ منه شيئًا. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ: له ثُلُثُ الألفِ؛ لأنَّها اسْتَدْعتْ منه فِعْلًا بعِوَضٍ، فإذا فعل بعضَه اسْتَحَقَّ بقِسْطِه من العِوَضِ، كما لو قال: مَن ردَّ عَبِيدى فله ألفٌ. فرَدَّ ثُلُثَهم، استَحَقَّ ثُلُثَ الألفِ، وكذلك فى بناءِ الحائطِ، وخِيَاطةِ الثَّوْبِ. ولَنا، أنَّها بَذَلَتِ العِوَضَ فى مُقابلَةِ شىءٍ لم يُجِبْها إليه، فلم يَسْتحِقَّ شيئًا، كما لو قال فى المُسابَقةِ: مَن سَبَقَ إلى خمسِ إصاباتٍ فله ألفٌ. فسَبَق إلى بَعْضِها. أو قالت: بعْنِى عَبْدَيْك بألفٍ. فقال: بِعْتُكِ أحدَهما بخمسمائةٍ. وكما لو قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا على ألفٍ. فطلَّقَها واحدة، فإنَّ أبا حنيفةَ وافقَنا فى هذه الصُّورةِ على أنَّه لا يَسْتحِقُّ شيئًا. فإن قيل: الفَرْقُ بينهما أن الباءَ للعِوَض دُونَ الشَّرْطِ، وعلى للشَّرْطِ، فكأنَّها شَرطتْ فى اسْتِحقاقِه الألفَ أن يُطَلِّقَها ثلاثًا. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أَنَّ على للشَّرْطِ، فإنَّها ليستْ مذكورةً فى حُروفِه، وإنَّما معناها ومعنى الباءِ واحدٌ، وقد سُوِّىَ بينهما فيما إذا قالتْ: طَلِّقْنى وضَرَّتِى بألفٍ، أو على ألفٍ. ومُقْتضَى اللَّفظِ لا يَخْتلفُ بكَوْن المُطَلَّقةِ واحدةً أو اثْنتَيْنِ. فصل: فإن قالت: طلِّقْنى ثلاثًا ولك ألفٌ. فهى كالتى قبلَها، إن طلَّقَها أقلَّ من ثلاثٍ، وقعَ الطَّلاقُ، ولا شىءَ له، وإن طلَّقَها ثلاثًا، اسْتَحق الألفَ. ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ فيها كمذهبِهم فى التى قبلَها. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتحِقُّ شيئًا، وإن طلقَها ثلاثًا؛ لأنَّه لم يُعلِّقِ الطَّلاقَ بالعِوَض. وَلنا (٣)، أنَّها اسْتدْعَتْ منه الطَّلاقَ بالعِوَضِ، فأشْبَهَ ما لو قال: رُدَّ عبدِى ولك ألفٌ. فردَّه. وقوله: لم يُعلِّقِ

стр. 5259

الطَّلاقَ بالعِوَضِ. غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ معنى الكلامِ، ولك ألفٌ عوضًا عن طلاقى. فإنَّ قَرِينةَ الحالِ دالَّةٌ عليه. وإن قالت: طلِّقْنِى وضَرَّتِى بألفٍ، أو على ألفٍ علينا. فطلَّقَها وحدَها، طَلُقَتْ، وعليها قِسْطُها من الألفِ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحدِ مع الاثْنَيْنِ بمَنْزلةِ العَقْدَيْنِ، وخُلْعَه للمرأتَيْنِ بعِوَضٍ عليهما (٤) خُلْعانِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ أحَدُهما صحيحًا مُوجِبًا للعِوَض دُونَ الآخر. وإن كان العِوَضُ منها وحدَها، فلا شىءَ له، فى قياسِ المذهبِ؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَتعدَّدُ بتَعدُّدِ العِوَضِ، وكذلك (٥) لو اشْتَرى منه عَبْدَيْن بثمنٍ واحدٍ، كان عَقْدًا واحدًا، بخلافِ ما إذا كان العاقِدُ من أحدِ الطَّرَفَيْنِ اثنينِ، فإنَّه يكونُ عَقْدينِ. فصل: وإن قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ. ولم يَبْقَ من طلاقِها إلَّا واحدةٌ، فطلَّقَها واحدةً أو ثلاثًا، بانَتْ بثلاثٍ. قال أصحابُنا: ويستحقُّ الألفَ، علمتْ أو لم تَعْلَمْ. وهو مَنْصوصُ الشَّافعىِّ. وقال المُزَنِىُّ: لا يَسْتحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الألْفِ؛ لأنَّه (٦) إنَّما طلَّقَها ثُلُثَ ما طلبَتْ منه، فلا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الألفِ، كما لو كان طَلاقُها ثلاثًا. وقال ابنُ سُرَيْجٍ: إن علمت أنَّه لم يَبْقَ (٧) من طَلاقِها إلَّا طلقةٌ، اسْتَحَقَّ الألفَ، وإن لم تعلمْ، كقَوْل المُزَنِىِّ؛ لأنَّها إن كانت عالمةً، كان معنى كلامِها كَمِّلْ لى الثَّلاثَ، وقد فعلَ ذلك. ووَجْهُ قولِ أصحابِنا، أَنَّ هذه الواحدةَ كَمَّلَتِ الثَّلاثَ، وحَصَّلَتْ ما يحْصُلُ بالثَّلاثِ من البَيْنُونةِ، وتَحْريمِ العَقْدِ، فوجَبَ بها العِوَضُ، كما لو طلَّقَها ثلاثًا. فصل: فإن لم يَبْقَ من طلاقِها إلَّا واحدةٌ، فقالت: طَلِّقْنِى ثَلاثًا (٦) بألفٍ، واحدةً أبِينُ بها، واثْنتَيْن فى نِكاحٍ آخَرَ. فقال أبو بكرٍ: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه إذا طلَّقَها

стр. 5260

واحدةً، اسْتَحَقَّ العِوَضَ، فإن تَزوَّجَ بها بعدَ ذلك، ولم يُطلِّقْها، رَجَعَتْ عليه بالعِوَض؛ لأنَّها بذَلتِ العِوَضَ فى مُقابلةِ ثَلَاثٍ، فإذا لم يُوقِعِ الثَّلاثَ، لم يَستَحِقَّ العِوَضَ، كما لو كانت ذاتَ طَلقاتٍ (٨) ثلاثٍ، فقالت: طلِّقْنى ثلاثًا. فلم يُطَلِّقْها إِلَّا واحدةً، ومُقْتضَى هذا، أنَّه إذا لم (٩) يَنْكِحْها نِكاحًا آخرَ، أنَّها تَرجِعُ عليه بالعِوَضِ، وإنَّما يَفُوتُ نكاحُه إيَّاها بمَوْتِ أحدِهما. وإن نَكَحَها نِكاحًا آخَرَ وطلَّقَها اثْنتَيْن، لم تَرجِعْ عليه بشىءٍ، وإن لم يُطَلِّقْها إلَّا واحدةً، رَجَعتْ عليه بالعِوَض كلِّه. قال القاضى: الصحيحُ فى المذهب أن هذا لا يصِحُّ فى الطلْقتَيْن الأَخِرَتَيْنِ؛ لأنَّه سَلَفٌ فى طلاقٍ، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ فى الطَّلاقِ، ولأنَّه (١٠) مُعَاوَضةٌ على الطَّلاقِ قبلَ النِّكاحِ، والطَّلاقُ قبلَ النِّكاحِ لا يصحُّ، فالمُعَاوضةُ عليه أوْلَى، فإذا بطَلَ فيهما، انْبَنَى ذلك على تَفْريقِ الصَّفْقةِ، فإن قُلْنا: تُفرَّقُ. فله ثُلُثُ الألفِ، وإن قُلْنا: لا تُفرَّق. فسَدَ العِوَضُ فى الجميعِ، ويَرْجِعُ بالمُسمَّى فى عَقْدِ النِّكاحِ. فصل: وإن قالت: طَلِّقْنِى واحدةً بألفٍ. فطلَّقَها ثلاثًا. اسْتحَقَّ الألْفَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: قياسُ قولِ أبى حنيفةَ أنَّه لا يَسْتحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ الثَّلاثَ مُخالِفةٌ للواحدةِ؛ لأنَّ تَحْريمَها لا يَرْتفِعُ إلَّا بزَوْجٍ وإصابةٍ، وقد لا تُريدُ ذلك، ولا تَبْذُلُ العِوَضَ فيه، فلم يَكُنْ ذلك إيقاعًا لما اسْتَدْعَتْه، بل هو إيقاعٌ مُبتَدأٌ، فلم يَستَحِقَّ به عِوَضًا. ولَنا، أنَّه أوقعَ ما اسْتَدْعتْه وزيادةً؛ لأنَّ الثَّلاثَ واحدةٌ واثْنَتانِ. وكذلك لو قال: طَلِّقِى نفسَك ثلاثًا. فطلَّقَتْ نفسَها واحدةً، وقع، فيَسْتَحِقُّ العِوَضَ بالواحدةِ، وما حَصَلَ من الزِّيادةِ التى لم تَبذُلِ العِوَضَ فيها لا يَستحِقُّ بها شيئًا. فإن قال لها: أنتِ طالقٌ بألفٍ، وطالقٌ، وطالقٌ. وقعتِ الأُولى بائنةً، ولم تقَعِ الثانيةُ، ولا الثالثةُ؛ لأنَّهما جاءا بعدَ بَيْنُونَتِها. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وإن قال لها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ بألفٍ. وقعَ

стр. 5261

الثَّلاثُ. وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولم يقل: بألفٍ. قيل له: أَيَّتُهُنَّ أوْقَعْتَ بالألفِ (١١)؟ فإن قال: الأُولى. بانَتْ بها، ولم يقَعْ ما بعدَها. وإن قال: الثانية. بانَت بها، وَوَقَعَتْ بها طَلْقتانِ، ولم تقَع الثالثةُ. وإِن قال: الثَّالثةُ. وقعَ الكلُّ. وإن قال: نَويْتُ أَنَّ الألفَ فى مُقابلَةِ الكُلِّ. بانَتْ بالأُولى وحدَها. ولم يقَعْ بها ما بعدَها؛ لأنَّ الأُولَى حصَلَ فى مُقابلَتِها عِوَضٌ، وهو قِسْطُها من الألْفِ، فبانَتْ بها، وله ثُلُثُ الألْفِ؛ لأنَّه رَضِىَ بأن يُوقِعَها بذلك، مثل أن تقولَ: طَلِّقْنى بألفٍ. فيقولَ: أنتِ طالقٌ بخَمْسمِائةٍ. هكذا ذكرَه القاضى. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتحِقَّ الألفَ؛ لأنَّه أتَى بما بَذَلتِ العِوَضَ فيه بِنيّةِ العِوَضِ، فلم يَسْقُطْ بعضُه بنيَّتِه، كما لو قالتْ: رُدَّ عبدِى بألفٍ. فردَّه يَنْوِى خَمْسَمِائةً. وإن لم يَنْوِ شيئًا، اسْتحَقَّ الألفَ بالأُولَى، ولم يقعْ بها (١١) ما بعدَها. ويَحْتَمِلُ أن تقعَ الثَّلاثُ؛ لأنَّ الواوَ للجمعِ، ولا تَقْتضِى ترتيبًا، فهو كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بألفٍ. وكذلك [إذا قال ذلك] (١٢) لغيرِ مَدْخولٍ بها، أو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ بألفٍ. طَلُقَتْ ثلاثًا. فصل: وإذا قالت: طَلِّقْنِى بألفٍ، أو على أَنَّ لك ألفًا، أو إن طَلَّقْتَنِى فلك علىَّ ألفٌ. فقال: أنتِ طالقٌ. اسْتَحَقَّ الألفَ، وإن لم يذْكُرْه؛ لأنَّ قولَه جوابٌ لما اسْتدعَتْهُ منه، والسُّؤالُ كالمُعادِ (١٣) فى الجوابِ، فأشْبَهَ ما لو قالتْ: بِعْنِى عبدَك بألفٍ. فقال: بِعْتُكِه. وإِن قالت: اخْلَعْنِى بألفٍ. فقال: أنتِ طالقٌ. فإن قُلْنا: الخُلْعُ طَلْقةٌ بائِنةٌ. وَقَعَ، واسْتحَقَّ العِوَضَ؛ لأنَّه أجابَها إلى ما بَذَلَتِ العِوَضَ فيه. وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ. احْتَمَلَ أن يَسْتحِقَّ العِوَضَ أيضًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يتَضمَّنُ ما طلبَتْه (١٤)، وهو بَيْنُونَتُها، وفيه زيادةُ نُقْصانِ العَدَدِ، فأشْبَهَ ما لو قالتْ: طَلِّقْنِى واحدةً بألفٍ. فطلَّقَها

стр. 5262

ثلاثًا. واحْتَمَلَ (١٥) أن لا يَسْتحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها اسْتَدْعَتْ منه فَسْخًا، فلم يُجبْها إليه، وأوْقعَ طَلاقًا ما طلبَتْه، ولا بذَلَتْ فيه عِوَضًا. فعلى هذا، يَحْتَمِلُ أن يقَعَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا؛ لأنَّه أوْقَعَه مُبْتدِئًا به، غيرَ مَبْذُولٍ فيه عِوَضٌ، فأشْبَهَ ما لو طلَّقَها ابْتداءً، ويَحْتمِلُ أن لا يقَعَ؛ لأنَّه أوْقعَه بعِوَضٍ، فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ لم يقَعْ؛ لأنَّه كالشَّرطِ فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: إن أعْطيتنى ألفًا فأنتِ طالقٌ. وإن قالتْ: طَلِّقْنِى بألفٍ. فقال: خَلَعْتُك. فإن قُلْنا: هو طَلاقٌ. اسْتحَقَّ الألفَ؛ لأنَّه طلَّقَها، وإن نَوَى به الطَّلاقَ، فكذلك؛ لأنَّه كِنايةٌ فيه، وإن لم يَنْوِ الطَّلاقَ، وقُلْنا: ليس بطلاقٍ. لم يَسْتحِقَّ عِوَضًا؛ لأنَّه ما أجابَها إلى ما بذَلتِ العِوَضَ فيه، ولا يتضَمَّنُه؛ لأنَّها سألتْه طلاقًا يَنْقُصُ به عَدَدُ طَلاقِه، فلم يُجبْها إليه، وإذا لم يَجِبِ العِوَضُ لم يَصِحَّ الخُلْعُ؛ لأنَّه إنَّما خالَعَها مُعْتَقِدًا لحُصولِ العِوَضِ، فإذا لم يَحْصُلْ، لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ، فيه (١٦) مِنَ الخلافِ ما فيه. فصل: ولو قالتْ له: طلِّقْنِى عشرًا بألفٍ. فطلَّقَها واحدةً أو اثْنَتَينِ، فلا شىءَ له؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألَتْ، فلم يَسْتَحِقَّ عليها ما بَذَلَتْ. وإن طلَّقَها ثلاثًا، اسْتحَقَّ الألفَ، على قياس قولِ أصْحابِنا فيما إذا قالتْ: طلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ. ولم يَبْقَ من طَلاقِها إلا واحدةٌ، فطلَّقَها واحدةً، اسْتحَقَّ الألفَ؛ لأنَّه قد حصَلَ بذلك جميعُ المقْصودِ. فصل: ولو لم يَبْقَ من طلاقِها إلَّا واحدةٌ؛ فقالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألفٍ. فقال: أنتِ طالقٌ طَلْقتَيْنِ، الأولى بألفٍ، والثانيةُ بغيرِ شىء. وقَعتِ الأولَى، واسْتحَقَّ الألفَ، ولم تقعِ الثَّانيةُ. وان قال: الأولَى بغيرِ شىءٍ. وقَعتْ وحدَها، ولم يَسْتحِقَّ شيئًا؛ لأنَّه لم يَجْعلْ لها عِوَضًا، كمَلَتِ الثَّلاثُ. وإن قال: إحْداهما بألفٍ. لَزمَها الألفُ؛ لأنَّها طلبتْ منه طَلْقةً بألفٍ، فأجابَها إليها، وزادَها أُخْرَى. فصل: وإن قالت: طَلِّقْنِى بألفٍ إلى شهرٍ. أو أعْطَتْه ألفًا على أن يُطلِّقَها إلى شهرٍ،

стр. 5263

فقال: إذا جاء رأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالقٌ. صحَّ ذلك، واسْتحَقَّ العِوَضَ، ووقَعَ الطَّلاقُ عندَ رأس الشَّهرِ بائِنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ. وإن طَلَّقَها قبلَ مَجىءِ الشَّهرِ، طَلُقَتْ ولا شىءَ له. ذكَرَه أبو بكرٍ، وقال: رَوَى ذلك عن أحمدَ علىُّ بن سعيدٍ. وذلك لأنَّه إذا طلَّقَها قبلَ رأس الشَّهرِ، فقد اخْتارَ إيقاعَ الطَّلاقِ من غيرِ عِوَضٍ. وقال الشَّافعىُّ: إذا أخَذ مِنها ألفًا على أن يُطَلِّقَها إلى شهرٍ، فطلَّقَها بألفٍ، بانَت، وعليها مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّ هذا سَلَفٌ فى طَلاقٍ، فلم يَصِحَّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يثبُتُ فى الذِّمَّةِ، ولأنه عَقْدٌ تعلَّقَ بِعَيْنٍ، فلا يجوزُ شَرْطُ تأخْيرِ التَّسْليمِ فيه. ولَنا، أنها جعلتْ له عِوَضًا صحيحًا على طلاقِها، فإذا طلَّقَها اسْتَحَقَّه، كما لو لم يَقُلْ: إلى شهرٍ، ولأنَّها جعَلتْ له عِوَضًا صحيحًا على طَلاقِها، فلم يَسْتحِقَّ أكثرَ منه، كالأصلِ. وإن قالتْ: لك ألفٌ على أن تُطَلِّقَنى أىَّ وقتٍ شئتَ، من الآن إلى شهرٍ. صَحَّ فى قياسِ المسألةِ التى (١٧) قبلَها. وقال القاضى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ زمنَ الطَّلاقِ مجهولٌ، فإذا طلَّقها فله مهرُ المثلِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه طلَّقَها على عِوَضٍ لم يَصِحَّ، لفَسادِه. ولَنا، ما تقدَّمَ فى التى قبلَها، ولا تَضُرُّ الجَهَالةُ فى وقتِ الطَّلاقِ؛ لأنَّه ممَّا يَصِحُّ تَعْليقُه على الشَّرْطِ، فصَحَّ بَذْلُ العِوَضِ فيه مجهولَ الوقتِ كالجُعالةِ، ولأنَّه لو قال: متى أعْطَيْتِنى ألفًا فأنتِ طالقٌ. صَحَّ، وزمنُه مجهولٌ أكثرُ من الجَهَالةِ ههُنا، فإنَّ الجَهَالةَ ههُنا فى شهرٍ واحدٍ، وثَمَّ فى العُمْرِ كلِّه. وقولُ القاضى: له مَهْرُ المِثْلِ. مُخالِفٌ لقياس المذهبِ؛ فإنَّه ذكَرَ فى المواضِعِ التى يفسُدُ فيها (١٨) العِوَضُ، أَنَّ له المُسَمَّى. فكذلك يَجبُ أن يكونَ ههُنا إنْ حَكَمْنَا بفَسادِه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: إذا قال لها (١٩): أنت طالقٌ وعليكِ ألفٌ. وقَعت طَلْقةً رَجْعِيَّةً؛ ولا شىءَ عليها؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ له العِوَضَ فى مُقابلَتِها، ولا شَرْطًا فيها، وإنَّما عطفَ ذلك على طَلاقِها، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ، وعليكِ الحَجُّ. فإن أعْطَتْه المرأةُ عن ذلك عِوَضًا، لم يكُنْ له (١٩) عِوَضًا؛ لأنَّه لم يُقابلْه شىءٌ، وكان ذلك هِبَةً مُبْتَدَأةً، يُعتبَرُ فيه

стр. 5264

شَرائطُ الهِبَةِ. وإن قالت المرأةُ: ضَمِنْتُ لك ألفًا. لم يَصحَّ؛ لأنَّ الضَّمَانَ إنَّما يكونُ عن غيرِ الضَّامنِ لحقٍّ (٢٠) واجِبٍ، أو مَا له إلى الوُجوبِ، وليس ههُنا شىءٌ من ذلك. وذكَر القاضى أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ ضَمانَ ما لم يَجِبْ يَصحُّ. ولم أعْرِفْ لذلك وَجْهًا، إلَّا أن يكونَ أرادَ أنَّها إذا قالتْ له قبلَ طلاقِها: ضَمِنْتُ لك ألفًا، على أن تُطَلِّقَنِى. فقال: أنتِ طالقٌ، وعليك ألفٌ. فإنَّه يَسْتحِقُّ الألفَ. وكذلك إذا قالتْ: طَلِّقْنِى طَلْقةً بألفٍ. فقال: أنتِ طالقٌ، وعليك ألفٌ. وقَعَ الطَّلاقُ، وعليها ألفٌ؛ لأنَّ قولَه: أنت طالقٌ. يكْفى فى صِحَّةِ الخُلْعِ، واسْتِحْقاقِ العِوَض، وما وُصِلَ به تأكيدٌ. فإن اخْتَلفَ فقال: أنتِ اسْتَدْعَيْتِ منِّى الطَّلاقَ بألفٍ. فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، فإذا حَلَفتْ (٢١) بَرِئَتْ مِنَ العِوَضِ وبانَتْ؛ لأنَّ قولَه مَقْبولٌ فى بَيْنُونَتِها لأنَّها حقُّه، غيرُ مقبولٍ فى العِوَض لأنَّه عليها. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى حنيفةَ. وإن قال: ما اسْتَدْعَيْتِ منِّى الطَّلاقَ، وإنَّما أنا (٢٢) ابتدأتُ به (٢٣)، فلى عليك الرَّجعةُ. وادَّعَتْ أنَّ ذلك كان جوابًا لاسْتِدْعائِها، فالقولُ قولُ الزَّوجِ؛ لأنَّ الأصلَ معه، ولا يَلْزَمُها الألفُ؛ لأنَّه لا يَدَّعيه. وإن قال: أنتِ طالقٌ على الألفِ (٢٤). فالمنصوصُ عن أحمدَ أَنَّ الطَّلاقَ يقَعُ رجعيًّا كقوله: أنت طالقٌ، وعليك ألفٌ. فإنَّه قال فى رواية مُهَنًّا، فى الرجلِ يقولُ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ على ألفِ درهمٍ، فلم تقُلْ هى شيئًا: فهى طالقٌ يَمْلِكُ الرَّجعةَ ثانيًا (٢٥). وقال القاضى، فى "المُجرَّد": ذلك للشَّرطِ، تقْديرُه إنْ ضَمِنْتِ لى ألفًا فأنتِ طالقٌ. فإن ضَمِنَتْ له ألْفًا، وقعَ الطَّلاقُ بائنًا، وإلَّا لم يَقَعْ. وكذلك الحُكمُ إذا قال: أنتِ طالقٌ [على أَنَّ عليكِ ألْفًا. فقياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ] (٢٦) الطَّلاقَ يقعُ

стр. 5265

رَجْعِيًّا، ولا شىءَ له. وعلى قولِ القاضى، إن قَبِلَتْ ذلك لَزِمَها الألفُ، وكان خُلْعًا، وإلَّا لم يقَعِ الطَّلاقُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وهو أيضًا ظاهرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ عَلَى بمعنى الشَّرْطِ فى مَواضِعَ من (٢٧) كتابه، منها قولُه: وإذا أنْكَحَها على أن لا يَتَزَوَّجَ عليها، فلها فِراقُه إن تَزَوَّجَ عليها. وذلك أَنَّ عَلَى تُسْتَعْملُ بمعنى الشَّرطِ؛ بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى فى قصَّةِ شُعَيبٍ: ﴿قَالَ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٢٨). وقال: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٢٩). وقال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٣٠). ولو قال فى النِّكاحِ: زَوَّجْتُك ابْنتِى على صَداقِ كذا. صَحَّ، فإذا (٣١) أوْقعَه بعِوَضٍ. لم يَقَعْ بدونِه، وجرى مَجْرَى قوله: أنتِ طالقٌ إن أعْطَيْتِنِى ألفًا، أو ضَمِنْتِ لى ألفًا. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، وجعلَ عليها عِوَضًا لم تَبذُلْه، فوقَعَ رَجْعِيًّا من غيرِ عِوَضٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، وعليك ألفٌ. ولأنَّ عَلَى ليست للشَّرْطِ، ولا للمُعاوَضَةِ، ولذلك لا يَصِحُّ أن يقولَ: بِعْتُك ثَوْبِى عَلَى دينارٍ. فصل: وإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بألفٍ. فقالتْ: قد (٣٢) قَبِلتُ واحدةً منها بألفٍ. وقَعَ الثَّلاثُ، واسْتحَقَّ الألفَ؛ لأنَّ إيقاعَ الطَّلاقِ إليه، وإنَّما علَّقَه بعِوَضٍ يَجْرِى مَجْرَى الشَّرْطِ مِن جهتِها، وقد وُجدَ الشَّرْطُ، فيقَعُ الطَّلاقُ. وإن قالتْ: قبِلْتُ بألْفَيْنِ. وقعَ، ولم يَلْزَمْها الألْفُ الزَّائدةُ (٣٣)؛ لأنَّ القَبولَ لما أوْجبَه دُونَ ما لم

стр. 5266

يُوجِبْه. وإن قالتْ: قَبِلتُ بخَمْسِمائةٍ. لم يقَعْ؛ لأنَّ الشَّرْطَ لم يُوجَدْ. وإن قالتْ: قبلتُ واحدةً من الثَّلاثِ بثُلُثِ الألفِ. لم يَقَعْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بانْقِطَاعِ رَجْعتِه عنها إلَّا بألفٍ. وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقتيْنِ، إحْداهما بألفٍ. وقَعتْ بها واحدةٌ؛ لأنَّها بغيرِ عِوَضٍ، ووَقعتِ الأُخْرَى على قَبُولِها؛ لأنَّها بعِوَضٍ. ١٢٤٢ - مسألة؛ قال: (وإِذَا خالَعَتْهُ الأَمَةُ بغيْرِ إِذْنِ سيِّدهَا عَلَى شَىءٍ مَعْلُومٌ، كَانَ الْخلْعُ وَاقِعًا، ويتْبَعُهَا إِذَا عَتَقَتْ بِمِثلِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَإِلَّا فقيمَتُهُ (١)) فى هذه المسألةِ ثلاثةُ فصولٍ: أحدُها: أنَّ الخُلْعَ مع الأَمَةِ صحيحٌ، سواءٌ كان بإذْنِ سَيِّدها، أو بغيرِ إذنِه؛ لأنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ مع الأجْنَبِىِّ فمع الزَّوجةِ أوْلَى، ويكونُ طلاقُها على عِوَضٍ بائنًا، والخُلْعُ معها كالخُلْعِ مع الحُرَّةِ سَواءً. الفصلُ الثَّانى: أنَّ الخُلْعَ إذا كان بغيرِ إذْنِ سَيِّدها على شىءٍ فى ذِمَّتِها، فإنَّه يتبعها إذا عَتَقَتْ؛ لأنَّه رَضِىَ بذِمَّتِها، ولو (٢) كان على عَيْنٍ، فالذى ذكرَ الْخِرَقِىُّ، أنَّه يَثْبُتُ فى ذِمَّتِها مِثْلُه أو قيمتُه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، وما فى يَدِها (٣) من شىءٍ فهو لسَيِّدها، فيَلْزمُها بدَلُه، كما لو خَالَعَها على عبدٍ فخرجَ حُرًّا أو مُستَحَقًّا. وقياسُ المذهبِ أنَّه لا شىءَ له؛ لأنَّه إذا خالعَها على عَيْنٍ، وهو يَعْلمُ أنَّها أَمَةٌ، فقد علمَ أنَّها لا تمْلِكُ العَيْنَ، فيكونُ راضيًا بغيرِ عِوَضٍ، فلا يكونُ له شىءٌ، كما لو قال: خالَعْتُك على هذا المَغْصوبِ، أو هذا الحُرِّ. وكذلك ذكرَ القاضى، فى "المُجَرَّدِ"، قال: هو كالخُلْعِ على المغْصوبِ؛ [لأنَّه لا يَمْلِكُه] (٤). وهذا قولُ مالكٍ. وقال الشَّافعىُّ: يَرجعُ عليها

стр. 5267

بمَهْرِ المِثْلِ، كقولِه فى الخُلْعِ على الحُرِّ والمغْصوبِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ الخِرَقِىِّ على أنها ذكرتْ لزَوْجِها أَنَّ سَيِّدَها أذِنَ لها فى هذا (٥) الخُلْعِ بهذه العَيْنِ، ولم تكُنْ صادقةً، أو جَهِلَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، أو يكونُ اختارَه (٦) فيما إذا خالعَها على مَغْصوبٍ أنَّه يَرْجعُ عليها بقِيمَتِه، ويكونُ الرُّجوعُ عليها فى حالِ عِتْقِها؛ لأنَّه الوقتُ الذى تَمْلِكُ فيه، فهى كالمُعْسِرِ، يُرْجَعُ عليه فى حالِ يَسارِه، ويُرْجَعُ بقِيمَتِه أو مِثْلِه؛ لأنَّه مُستَحَقٌّ تَعَذَّرَ تسْليمُه مع بقاءِ سَببِ الاسْتِحْقاقِ، فوجبَ الرُّجوعُ بمثْلِه أو قِيمَتِه، كالمَغْصُوبِ. ال فصلُ الثالث: إذا كان الخُلْعُ بإذْنِ السيدِ، تَعلَّقَ العِوَضُ بذِمَّتِه. هذا قياسُ المذهبِ، كما لو أذِنَ لعبدِه فى الاسْتِدَانةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَتعلَّقَ برقبةِ الأَمَةِ. وإن خالعَتْ على مُعَيَّنٍ بإذنِ السَّيِّدِ فيه، مَلَكَه. وإن أذِنَ فى قَدْرِ المالِ، فخالَعتْ بأكثرَ منه، فالزِّيادةُ فى ذِمَّتِها. وإن أطْلقَ الإِذنَ، اقْتَضى الخُلْعَ بالمُسمَّى لها، فإن خالَعتْ به أو بما دونَه، لَزِمَ السَّيِّدَ، وإن كان بأكثرَ منه تعلَّقتِ الزِّيادةُ بذِمَّتِها، كما لو عيَّنَ لها قدرًا فخالعَتْ بأكثرَ منه. وإن كانت مأذونًا لها فى التِّجارةِ، سَلَّمَتِ العِوَضَ مِمَّا فى يدِها. فصل: والحُكْمُ فى المُكاتَبَةِ، كالحُكْمِ فى الأَمَةِ القِن سَواءً، لأَنَّها لا تَمْلِكُ التَّصرُّفَ فيما فى يدِها بتَبَرُّعٍ، وما لا حَظَّ فيه، وبَذْلُ المالِ فى الخُلْعِ لا فائدةَ فيه من حيثُ تحْصيلُ المالِ، بل فيه ضَرَرٌ بسُقوطِ نَفَقَتِها، وبعض مَهْرِها إن كانتْ غيرَ مَدْخولٍ بها. وإذا كان الخُلْعُ بغيرِ إذنِ السَّيِّدِ، فالعِوَضُ فى ذِمَّتِها، يَتبعُها به بعدَ العِتْقِ، وإن كان بإذْنِ السَّيِّدِ، سَلَّمَتْه (٧) مِمَّا فى يَدها، وإن لم يكُنْ فى يَدها شىءٌ، فهو على سَيِّدِها. فصل: ويَصحُّ خُلْعُ المَحْجورِ عليها لفَلَسٍ، وبَذْلُها للعِوَضِ صحيحٌ؛ لأنَّ لها ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُها فيها، ويَرْجِعُ عليها بالعِوَض إذا أيْسرَتْ وفُكَّ الحَجْرُ عنها، وليس له

стр. 5268

مُطالَبتُها فى حالِ حَجْرِها، كما لو اسْتدانَتْ منه، أو باعَها شيئًا فى ذِمَّتِها. فصل: فأمَّا المَحْجورُ عليها لسَفَهٍ، أو صِغَرٍ، أو جُنُونٍ، فلا يَصحُّ بَذْلُ العِوَضِ منها فى الخُلْعِ؛ لأنَّه تَصَرُّف فى المالِ، وليس هى من أهلِه، وسواءٌ أذنَ فيه الوَلِىُّ أو لم يأذنْ؛ لأنَّه ليس له الإذْنُ فى التَّبرُّعاتِ، وهذا كالتَّبرُّعِ. وفَارقَ الأمَةَ، فإنَّها أهلٌ للتَّصَرُّفِ (٨)، ولهذا تَصِحُّ منها الهِبَةُ وغيرُها من التَّصرُّفاتِ بإذْنِه، ويُفارِقُ المُفْلِسةَ؛ لأنَّها من أهلِ التَّصرُّفِ. فإن خالَعَ المحجورَ عليها بلفظٍ يكونُ طلاقًا (٩)، فهو طلاقٌ رَجْعِىٌّ، ولا يَسْتحِقُّ عِوَضًا، وإن لم يَكُنِ اللَّفظُ مِمَّا يقعُ به الطَّلاقُ، كان كالخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ. ويَحْتَمِلُ أن لا يقعَ الخُلْعُ ههُنا؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ به بعِوَضٍ، ولم يحصُلْ له، ولا أمْكنَ الرُّجوعُ ببَدَلِه. قال أصحابُنا: وليس لِوَلِىِّ هؤلاءِ المُخالَعَةُ بشىءٍ من مالِهِنَّ؛ لأنَّه إنَّما يَمْلكُ التَّصرُّفَ بمالَها فيه الحَظُّ، وهذا لا حَظَّ فيه، بل فيه إسْقاطُ نَفَقتِها ومَسْكنِها وبَذلُ مالِهَا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ ذلك، إذا رأى الحظَّ فيه، ويُمْكِنُ أن يكونَ الحَظُّ لها فيه بتَخْليصِها ممَّن يُتْلِفُ مالَهَا، وتَخافُ منه على نَفْسِها وعقلِها، ولذلك لم يُعَدَّ بَذْلُ المالِ فى الخُلعِ [مِن الرشِيدةِ] (١٠) تبذيرًا ولا سَفَهًا، فيجوزُ له بَذْلُ مالِها لتَحْصيلِ حَظِّها، وحِفْظِ نفسِها ومالِهَا، كما يجوزُ بَذْلُه فى مُدَاواتِها، وفَكِّها مِنَ الأسْرِ. وهذا مذهبُ مالكٍ. والأبُ وغيرُه مِن أوليائِها فى هذا سَواءٌ. وإن خالَعَها بشىءٍ من مالِه، جازَ؛ لأنَّه يَجوزُ مِنَ الأجْنَبِىِّ، فمِنَ الوَلِىِّ أوْلَى. فصل: إذا قال الأبُ: طَلِّقِ ابْنَتِى، وأنتَ بَرِىءٌ من صَداقِها. فطلَّقَها، وقعَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولم يَبْرأ مِن شىءٍ، ولم يَرْجعْ على الأبِ، ولم يَضمنْ له؛ لأنَّه أبْرأه ممَّا ليس له الإِبْراءُ منه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. قال القاضى: وقد قال أحمدُ: إنَّه يَرْجعُ على الأبِ. قال: وهذا محمولٌ على أَنَّ الزَّوجَ كان جاهلًا بأنَّ إبْراءَ الأبِ لا يَصحُّ، فكان له

стр. 5269

الرُّجوعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه، فرجعَ عليه، كما لو غرَّه فزوَّجه مَعِيبَةً، وإن علمَ أَنَّ إبْراءَ الأبِ لا يَصح، لم يَرجِعْ بشىءٍ، ويَقعُ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا؛ لأنَّه خَلا عن العِوَضِ. وفى الموضعِ الذى يَرجعُ عليه، يَقعُ الطَّلاقُ بائنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ. فإن قال الزَّوجُ: هى طالقٌ إن أبْرَأْتَنِى مِن صَداقِها. فقال: قد أبْرَأْتُك. لم يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الطَّلاقَ واقعٌ. فيَحْتمِلُ أنَّه أوْقعَه إذا قَصَد الزَّوجُ تَعْليقَ الطَّلاقِ على مُجرَّدِ التَّلفُّظِ بالإِبْراءِ، دونَ حقيقةِ البراءةِ. وإن قال الزَّوجُ: هى طالقٌ إن بَرئْتُ من صَداقِها. لم يَقَعْ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرْطِ لم (١١) يُوجدْ. وإن قال الأبُ: طلِّقْها على ألفٍ مِن مالِها، وعَلىَّ الدَّرَكُ. فطلَّقَها، طَلُقَتْ بائنًا؛ لأنَّه بعِوَضٍ، وهو ما لَزِمَ الأبَ مِن ضَمانِ الدَّرَكِ، ولا يَمْلِكُ الألفَ؛ لأنَّه ليس له بَذْلُها. فصل: وإن قال لامرأتَيْه: أنتُما طالقتانِ بألفٍ إن شئتُما. [فقالَتا: قد شِئْنا] (١٢). وقعَ الطَّلاقُ بهما بائنًا، ولزِمَهما العِوَضُ بينهما على قَدْرِ مَهْرَيْهِما. وإن شاءتْ إحْداهما دُون الأُخْرَى، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما؛ لأنَّه جعلَ مَشِيئَتَهما (١٣) صفةً فى طَلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما. ويُخالِفُ هذا ما لو قال: أنتُما طالقتانِ بألفٍ. فقَبِلَتْ إحداهما دُونَ الأُخْرَى، لَزِمَها (١٤) الطَّلاقُ بعِوَضِه؛ لأنَّه لم يَجعلْ لطلاقِها (١٥) شَرْطًا، وههُنا علَّقَ طلاقَ كلِّ واحدةٍ منهما بمَشيئتِهما جميعًا، فيَتعلَّقُ الحُكمُ بقولِهما: قد شئنا. لفظًا؛ لأنَّ (١٦) ما فى القلبِ لا سبيلَ إلى مَعْرفتِه، فلو قال الزَّوجُ: ما شِئْتُما وإنَّما قُلْتُما ذلك بألْسِنتِكما. أو قالتا: ما شِئْنا بقُلوبِنا. لم يُقْبَلْ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ العِوَضَ يَتَقَسَّطُ عليهما على قَدْرِ

стр. 5270

مهرِ كلِّ واحدةٍ منهما، فى الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ أهلِ الرَّأْىِ، وأحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ. وقال فى الآخَرِ: يَلْزمُ كلَّ واحدةٍ منهما مهرُ مِثْلِها. وعلى قولِ أبى بكرٍ من أصحابِنا، يكونُ ذلك عليهما نِصْفَيْنِ. وأصلُ هذا فى النِّكاحِ إذا تَزَوَّجَ اثنتَيْنِ بصداقٍ واحدٍ. وقد ذكرناه فى موضعِه (١٧). فإن كانتْ إحْداهما رَشِيدةً، والأُخْرَى مَحْجورًا عليها لسَفَهٍ، فقالَتا: قد شِئْنا. وقَعَ الطَّلاقُ عليهما، ووَجَبَ على الرشِيدةِ قِسْطُها مِن العِوَضِ، ووقعٍ طَلاقُها بائنًا، ولا شىءَ على المَحْجُورِ عليها، ويكونُ طَلاقها رَجْعِيًّا؛ لأنَّ لها مشيئةً، ولكنَّ الحَجْرَ مَنَع (١٨) صِحَّةَ تَصرُّفِها ونُفوذَه، ولهذا يَرْجِعُ إلى مَشِيئةِ المَحْجُورِ عليه فى النِّكاحِ، وفيما تأكلُه. وكذلك إن كانتْ غيرَ بالغةٍ، إلَّا أنَّها مُمَيِّزَةٌ، فإن لها مَشِيئةً صحيحةً، ولهذا يُخَيَّرُ الغلامُ بينَ أبَويْه إذا بلغَ سبعًا. وإِنْ كانت إحْداهما مَجْنونةً أو صغيرةً غيرَ مُمَيِّزةٍ، لم تَصِحَّ المَشِيئةُ منهما، ولم يَقَعِ الطَّلاقُ. وفى كلِّ موضعٍ حَكَمْنَا بوُقوعِ الطَّلاقِ، فإنَّ الرَّشيدةَ يلزمُها قِسْطُها مِنَ العِوَض، [وهو قِسْطُ مَهْرِها مِنَ العِوَضِ] (١٩)، فى أحَدِ الوجهَيْنِ، وفى الآخَرِ نِصْفُه. وإن قالتْ له امْرأتاه: طلِّقْنا بألفٍ بينَنا نصْفَيْنِ. فطلَّقَهما، فعلى كلِّ واحدةٍ منهما نصفُه، وجهًا واحدًا. وإن طلَّقَ إحْداهما وحدَها، فعليها نصفُ الألْفِ. وإن قالتا: طلِّقْنا بألفٍ. فطلَّقَهما، فالألْفُ عليهما على قَدْرِ صَداقَيْهِما، فى أصحِّ الوَجْهَيْنِ. وإن طلَّقَ إحْداهما، فعلها حِصَّتُها منه. وإن كانتْ إحْداهما غيرَ رَشِيدةٍ، فَطَلَّقَهما، فعلى الرشيدةِ حِصتها مِن الألفِ، ويَقعُ طلاقُها بائنًا، وتَطْلُقُ الأخْرَى طلاقًا رَجْعِيًّا، ولا شىءَ عليها. فصل: ويَصحُّ الخُلْعُ مع الأجْنَبِىِّ، بغيرِ إذنِ المرأةِ، مثل أن يقولَ الأجْنَبِىُّ للزَّوجِ: طلِّق امرأتك بألفٍ علىَّ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه سَفهٌ،

стр. 5271

فإنه يَبذُلُ عِوَضًا فى مُقَابلةِ ما لا منفعةَ له فيه، فإنَّ المِلْكَ لا يَحصُلُ له، فأشبهَ ما لو قال: بعْ عبدَك لزيدٍ بألْفٍ علىَّ. ولَنا، أنَّه بَذْلُ مالٍ فى مُقابلَةِ إسْقاطِ حَقٍّ عن غيرِه، فصَحَّ، كما لو قال: أعْتِقْ عبدَك، وعلىَّ ثمنُه. ولأنَّه لو قال: ألقِ مَتاعَك فى البحرِ وعلىَّ ثمنُه. صَحَّ، ولَزِمَه ذلك، مع أنَّه لا يُسْقِطُ حقًّا عن أحدٍ، فههُنا أوْلَى؛ ولأنَّه حقٌّ على المرأةِ، يَجوزُ أن يُسْقِطَه (٢٠) عنها بعِوَضٍ، فجازَ لغيرِها، كالدَّيْنِ. وفارقَ البيعَ، فإنَّه تَمْليكٌ، فلا يَجوزُ بغيرِ رِضَى مَن ثبَت (٢١) له المِلْكُ. وإن قال: طَلِّقِ امرأتَك بمهرِها، وأنا ضامِنٌ له. صَحَّ. ويَرجعُ عليه بمهرِها. فصل: وإِنْ قالتْ له امرأتُه: طَلِّقْنِى وضَرَّتى بألفٍ. فطلقَهما، وقعَ الطَّلاقُ بهما بائِنًا، واسْتحَقَّ الألفَ على باذِلَتِه؛ لأنَّ الخُلْعَ مع الأجْنَبِى جائزٌ. وإن طلَّق إحْداهما، فقال القاضى: تَطْلُقُ طلاقًا بائنًا، ولزمَ الباذلةَ بحِصَّتِها مِنَ الألفِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ بعضَهم قال: (٢٢) يلزمُها مهرُ مِثْلِ المُطلَّقَةِ. وقياسُ قولِ أصحابِنا، فيما إذا قالت: طلِّقْنى ثلاثًا بألفٍ. فطلَّقَها واحدةً، لم يَلْزمْها شىءٌ، ووقَعتْ بها التَّطْليقةُ، أن لا يَلْزمَ الباذلةَ ههُنا شىءٌ؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألتْ، فلم يَجِبْ عليها ما بَذَلتْ، ولأنَّه قد يكونُ غَرَضُها فى بَيْنونتِهما جميعًا منه، فإذا طلَّقَ إحْداهما، لم يحْصُلْ غَرضُها، فلا يَلزمُها عِوَضُها. فصل: وإن قالت؛ طلِّقْنى بألفٍ، على أن تُطَلِّقَ ضَرَّتى، أو على أَنْ لا تُطَلِّقَ ضَرَّتى. فالخُلعُ صحيحٌ، والشَّرطُ والبذلُ لازِمٌ. وقال الشَّافعىُّ: الشَّرطُ والعِوَضُ باطلانِ، ويَرْجِعُ إلى مهر المِثْلِ؛ لأنَّ الشَّرطَ سَلَفٌ فى الطَّلاقِ، والعِوَضُ بعضُه فى مُقابَلَةِ الشَّرْطِ الباطلِ، فيكونُ الباقى مجهولًا. وقال أبو حنيفةَ: الشَّرْطُ باطلٌ، والعِوَضُ

стр. 5272

صحيحٌ؛ لأنَّ العَقْدَ يَسْتقِلُّ بذلك العِوَضِ. ولَنا، أنَّها بذَلتْ عِوَضًا فى طَلاقِها وطَلاقِ ضَرَّتِها، فصَحَّ، كما لو قالتْ: طلِّقْنِى وضَرَّتِى بألفٍ. فإن لم يَفِ لها بشَرْطِها، فعليها الأقلُّ مِنَ المُسَمَّى، أو الألفِ الذى شرطَتْه (٢٣). ويَحْتمِلُ أن لا يَستحِقَّ شيئًا مِنَ العِوَض؛ لأنَّها إنَّما بذلَتْه بشَرْطٍ لم يُوجدْ، فلا يَسْتحِقُّه، كما لو طلَّقَها بغيرِ عِوَضٍ. ١٢٤٣ - مسألة؛ قال: (وَمَا خَالَعَ الْعَبْدُ بِهِ زَوْجَتَهُ مِنْ شَىءٍ، جَازَ. وَهُوَ لِسَيِّدهِ) وجملةُ ذلك أَنَّ كلَّ زَوْجٍ صَحَّ طلاقُه، صَحَّ خُلْعُه؛ لأنّه إذا مَلَكَ الطَّلاقَ، وهو مُجَرَّدُ إسْقاطٍ مِنْ غيرِ تَحْصيلِ شىءٍ، فَلأنْ يَمْلِكَه مُحَصِّلًا للعِوَض أوْلى، والعبدُ يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فيَمْلِك (١) الخُلْعَ، وكذلك المُكاتَبُ والسَّفِيهُ، وفى الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ وَجْهانِ، بناءً على صِحَّةِ طلاقِه. ومن لا يَصِحُّ طلاقُه، كالطِّفْلِ والمجنونِ، لا يَصحُّ خُلعُه؛ لأَنَّه ليس من أهلِ التَّصرُّفِ، فلا حُكمَ لكلامِه. ومتى خالعَ العبدُ، كان العِوَضُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه من اكْتِسَابِه، واكْتِسابُه لسَيِّدِه، وسائرُ مَن ذكرنا العِوَضُ لهم. ويَجبُ تسليمُ العِوَض إلى سَيِّد العبدِ، ووَلِىِّ المحجورِ عليه؛ لأنَّ العِوَضَ فى خُلْعِ العبدِ مِلْكٌ لسيِّدِه، فلم يَجُزْ تسْليمُه إلى غيرِه إلَّا بإذْنِه، ووَلِىُّ المحْجَورِ عليه هو الذى يَقبضُ حقوقَه وأمْوالَه، وهذا مِن حُقوقِه. وأمَّا المُكاتَبُ، فيُدْفَعُ العِوَضُ إليه؛ لأنَّه هو الذى يَتصرَّفُ لنفسه. وقال القاضى: يَصِحُّ قَبْضُ العبدِ والمحْجورِ عليه العِوَضَ؛ لأنَّ مَن صَحَّ خُلْعُه، صَح قَبضُه للعِوَضِ، كالمَحْجورِ عليه لفَلَسٍ. واحتجَّ بقولِ أحمدَ: ما ملَكَه العبدُ مِن خُلْعٍ فهو لسَيِّده، وإن اسْتهلَكَه لم يَرجعْ على الواهبِ والمُخْتَلعةِ بشىءٍ، والمَحْجورُ عليه فى معنى العبدِ. والأوْلَى أن لا يَجوزَ؛ لأنَّ العِوَضَ فى الخُلْعِ لِسَيِّد العبدِ، فلا يَجوزُ دفعُه إلى غيرِ مَنْ هو له بغيرِ إذْنِ مالكِه، والعِوَضُ فى خُلعِ المَحْجورِ عليه مِلكٌ له، إلا أنَّه لا يَجوزُ تسليمُه إليه؛ لأنَّ الحَجْرَ أفاد مَنْعَه من التَّصرُّفِ، وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على ما إذا أتْلفَه العبدُ قبلَ تسْليمِه إليه، وعلى أنَّ (٢) عَدَمَ الرُّجوعِ عليها

стр. 5273

لا يَلْزمُ منه جَوازُ الدَّفْع إليه، فإنَّه لو رجَعَ عليها لَرجعتْ على العبدِ، وتعلَّقَ حقُّها برقبتِه، وهى مِلْكٌ للسَّيِّدِ، فلا فائدةَ فى الرُّجوعِ عليها بما تَرجِعُ به على مالِه. وإن سلَّمتِ (٣) العِوَضَ إلى المحْجورِ عليه، لم تَبْرَأ، فإنْ أخذَه الوَلِىُّ منه، بَرئَتْ، وإن أتْلَفَه، أو تَلِفَ، كان لوَلِيِّه الرُّجوعُ عليها به. فصل: وقد تَوَقَّفَ أحمدُ فى طلاقِ الأبِ زَوجةَ ابنِه الصَّغيرِ، وخُلْعِه إيَّاها، وسألَه أبو الصَّقْرِ عن (٤) ذلك، فقال: قد اختُلِفَ فيه. وكأنَّه رآه. قال أبو بكرٍ: لم يَبلُغْنِى فى هذه المسألةِ إلا ما روَاه أبو الصَّقْرِ، فيُخرَّجُ على قَوْلين؛ أحدهما، يَملكُ ذلك. وهو قولُ عَطاءٍ، وقَتادةَ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ طلَّقَ على ابنٍ له مَعْتُوهٍ. روَاه الإمامُ أحمد (٥). وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، أَنَّ المَعْتُوهَ إذا عَبَثَ بأهلِه، طلَّقَ عليه وَلِيُّه. قال عمرو بنُ شُعَيْبٍ: وجدنا ذلك فى كتابِ عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو (٦). ولأنه يَصحُّ أن يُزَوِّجَه، فصَحَّ أن يُطَلِّقَ عليه، إذا لم يكنْ مُتَّهَمًا، كالحاكمِ يَفْسخَ للإعسارِ، ويُزَوِّجُ الصَّغيرَ. والقولُ الآخرُ، لا يَمْلِكُ ذلك. وهو قول أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ". رواه ابنُ مَاجه (٧). وعن عمرَ، أنَّه قال: إنَّما الطَّلاقُ بيدِ الذى يَحِلُّ له الفَرْجُ (٨). ولأنَّه إسْقاط لحقِّه. فلم يَمْلِكْه، كالإِبْراءِ مِنَ الدَّينِ، وإسْقاطِ القِصَاصِ، ولأنَّ طريقَه الشَّهْوةُ، فلم يَدخُلْ فى الولَايَةِ. والقولُ فى زوجةِ عبدِه الصَّغيرِ، كالقولِ فى زَوجةِ أبيه الصَّغيرِ؛ لأنَّه فى مَعْناه.

стр. 5274

١٢٤٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا خالَعَتِ الْمَرأَةُ فِى مَرَضِ مَوْتِهَا بأَكْثَرَ مِنْ مِيْرَاثِهِ مِنْهَا، فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ، ولِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوْا عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ) وجملةُ الأمرِ أنَّ المُخالَعَةَ فى المَرَض صحيحةٌ، سواءٌ كان المريضُ الزَّوجَ أو الزَّوجةَ، أو هما جميعًا؛ لأنَّه مُعَاوَضَةٌ، فصَحَّ فى المرضِ، كالبيعِ. ولا نَعلمُ فى هذا خلافًا. ثم إذا خالَعَتْه المريضةُ بميراثِه منها فما دونَه، صَحَّ، ولا رجوعَ، وإن خالعَتْه بزيادةٍ، بَطَلَتِ الزِّيادةُ. وهذا قولُ الثَّورِىِّ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ: له العِوَضُ كلُّه، فإن حابَتْه فمِن الثُّلْثِ؛ لأنَّه ليس بِوَارِثٍ لها، فصَحَّتْ مُحَاباتُها له من الثُّلْثِ، كالأجْنَبِىِّ. وعن مالكٍ كالمذهبَيْنِ. وعنه: يُعتبرُ بِخُلْعِ مثلِها. وقال الشَّافعىُّ: إن خالَعتْ بمهرِ مثلِها، جازَ، وإن زادَ، فالزِّيادةُ مِنَ الثُّلْثِ. وَلنا، على أنَّه لا يُعْتبَرُ مهرُ المثلِ، أنَّ خُروجَ البُضْعِ عن (١) مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَمٍ بما قدَّمْنا، واعتبارُ مهرِ المِثْلِ تقويمٌ له. وعلى إبطالِ الزِّيادةِ، فلها مُتَّهمة فى أنَّها قصَدتِ الخُلعَ لتُوَصِّلَ إليه شيئًا مِن مالِها بغيرِ عِوَضٍ، على وَجْهٍ لم تكُنْ قادرةً عليه وهو وارثٌ لها، فبطَلَ، كما لو أوْصَتْ له، أو أقرَّتْ له، وأمَّا قَدْرُ الميراثِ، فلا تُهْمَةَ فيه، فإنَّها لو لم تُخالِعْهُ لوَرِثَ (٢) مِيراثَه. وإِنْ صَحَّتْ من مَرضِها ذلك، صَحَّ الخُلْعُ، وله جميعُ ما خالَعَها به؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه ليس بمرضِ الموتِ، والخُلْعُ فى غيرِ مرض الموتِ، كالخُلْعِ فِى الصِّحَّةِ. ١٢٤٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خَالَعَهَا فِى مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثرَ مِمَّا كَانَتْ تَرِثُ، فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُعْطُوهَا أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا) أمَّا خُلْعُه لزوجتِه، فلا إشْكالَ فى صِحَّتِه، سواءٌ كان بمهرِ مِثْلِها، أو أكثرَ، أو أقلَّ، ولا يُعتبرُ مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّه لو طَلَّقَ بغيرِ عِوَضٍ لَصَحَّ، فلأنْ يَصِحَّ بعِوَضٍ أوْلَى، ولأنَّ الوَرَثةَ لا يَفُوتُهم بخُلْعِه شىءٌ، فإنَّه لو ماتَ وله امرأةٌ، لَبانت بموتِه، ولم تَنْتقِلْ إلى ورثتِه.

стр. 5275

فأمَّا إن أوْصَى لها بمثلِ مِيَراثِها، أو أقلَّ، صَحَّ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ فى أنَّه أبانَها ليُعطِيَها ذلك، فإنَّه لو لم يُبِنْها لأخذَتْه بميراثِها. وإِنْ أوْصَى لها بزيادةٍ عليه، فللورثَةِ مَنْعُها ذلك؛ لأنَّه اتُّهِمَ فى أنَّه قصدَ إيصالَ ذلك إليها؛ لأنَّه لم يكُنْ له سبيلٌ إلى إيصالِه إليها وهى فى حِبَالِه، فطَلَّقَها ليُوصِلَ ذلك إليها، فمُنِعَ منه (١)، كما لو أوْصَى لوارثٍ. فصل: وإذا خَالَعَ امرأتَه على نَفقةِ عِدَّتها، فحُكِىَ عن أحمد، وأبى حنيفةَ، أنَّه يَجوزُ ذلك. وهذا إنَّما يُخَرَّجُ على أصْلِ (٢) أحمدَ إذا كانت حاملًا، أمَّا غيرُ الحاملِ فلا نَفَقَةَ لها عليه، فلا تَصحُّ عِوَضًا. وقال الشَّافعىُّ: لا تَصحُّ النَّفقةُ عِوَضًا، فإن خالعَها به وَجَبَ مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّ النَّفقةَ لم تَجبْ، فلا يَصحُّ الخُلْعُ عليها (٣)، كما لو خالَعَها على عِوَضٍ ما يُتْلفُه عليها. ولَنا، أنَّها إحْدَى النَّفقتَيْنِ، فصَحَّتِ المُخالعةُ عليها، كنَفَقَةِ الصَّبِىِّ فيما إذا خالعَتْه على كَفَالةِ ولدِه وقتًا معلومًا. وقولُهم: إنَّها لم تَجبْ. ممنوعٌ؛ فإنَّه قد قِيلَ: إنَّ النَّفقةَ تَجبُ بالعَقْدِ، ثم إنَّها إن لم تَجبْ، فقد وُجِدَ سببُ وُجوبِها، كنَفَقَةِ الصَّبِىِّ، بخلافِ عِوَضِ ما يُتْلِفُه. ١٢٤٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خَالَعَتْهُ بِمُحَرَّمٍ، وَهُمَا كَافِرَانِ، فَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ (١) يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَىْءٍ) وجملةُ ذلك أنَّ الخُلْعَ مِنَ الكُفَّارِ جائزٌ، سواءٌ كانوا أهلَ الذِّمَّةِ أو أهلَ حربٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن مَلَكَ الطَّلاقَ، مَلَكَ المُعاوَضَةَ عليه، كالمُسْلمِ، فإن تخالَعا (٢) بعِوَضٍ صحيحٍ، ثم أسْلَما أو تَرافعا (٣) إلى الحاكمِ، أمْضَى ذلك بينهما (٤) كالمُسْلِمَيْنِ، وإن

стр. 5276

كان بمُحَرَّمٍ كخمرٍ وخِنْزِيرٍ فقَبَضَه، ثم أسْلَما، أو تَرافعا (٥) إلينا، أو أسْلمَ أحدُهما [مَضَى ذلك] (٦) عليهما، ولم يُعَوَّضْ له، ولم يَرُدَّه، ولا يَبْقَى له عليها شىءٌ، كما لو أصدقَها خمرًا ثم أسْلَما، أو تبايَعا خمرًا وتقابَضا (٧) ثم أسْلما. وإن كان إسْلامُهما أو ترافعُهما قبلَ القَبْضِ، لم يُمْضِه الحاكمُ، ولم يأمُرْ بإقْباضِه؛ لأنَّ الخمرَ والخنزيرَ لا يَجوزُ أن يكون عِوَضًا لمُسْلمٍ أو من مسلمٍ، فلا يَأمرُ الحاكمُ بإقْباضِه. قال القاضى، فى "الجامعِ": ولا شىءَ له؛ لأنَّه رَضِىَ منها بما ليس بمالٍ، كالمسلمَيْنِ إذا تخالَعا بخمرٍ. وقال، فى "المُجَرَّدِ": يَجبُ مهرُ المِثْلِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ العِوَضَ فاسدٌ، فيَرجِعُ إلى قيمةِ المُتْلَفِ، وهو مهرُ المثلِ. وكلامُ الخِرَقِىِّ يَدُلُّ بمفهومِه على أنَّه يَجبُ له (٨) شىءٌ؛ لأنَّ تخْصيصَه حالةَ القَبْضِ بِنَفْى الرُّجوعِ، يَدُلُّ على الرُّجوعِ مع عَدَمِ القَبْضِ، والفرقُ بينه وبينَ المُسْلمِ، أَنَّ المسلمَ لَا يَعْتقِدُ الخمرَ والخنزيرَ مالًا، فإذا رَضِىَ به عِوَضًا، فقد رَضِىَ بالخُلعِ بغيرِ مالٍ، فلم يكُنْ له شىءٌ، والمُشْرِكُ يَعْتقدُه مالًا، فلم يَرْضَ بالخُلْعِ (٩) بغيرِ عِوَضٍ، فيكونُ العوضُ واجبًا له (١٠)، كما لو خالعَها على حُرٍّ يَظُنُّه عبدًا، أو خَمْرٍ (١١) يَظُنُّه خَلًا. إذا ثَبَتَ أنَّه يَجبُ له عِوَضٌ (١٢)، فذكَرَ القاضى أنَّه مهرُ المِثْلِ، كما لو تَزوَّجَها على خمرٍ ثم أسْلما. وعلى ما عَلَّلْنا به يَقْتضِى وُجوبَ قيمةِ ما سَمَّى لها، على تَقديرِ كَوْنِه مالًا، فإنَّه رَضِىَ بِمَالِيَّةِ ذلك، فيكوِنُ له قَدْرُه من المالِ، كما لو خالَعَها على خمرٍ يَظُنُّه خَلًّا. وإن حصَلَ القَبْضُ فى بعضِه دون بعضٍ، سقطَ ما قَبَضَ، وفيما لم يَقْبِضْ الوجوهُ الثلاثةُ. والأصلُ فيه قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣).

стр. 5277

فصل: ويَصحُّ التَّوكيلُ فى الخُلْعِ، مِن كلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجيْنِ، ومِن أحدِهما مُنْفرِدًا. وكلُّ مَنْ صَحَّ أن يَتَصَرَّفَ بالخُلعِ لنفسِه، جازَ توكيلُه ووكالتُه؛ حُرًّا كان أو عبدًا، ذكرًا أو أُنثى، مسلمًا أو كافرًا، محجورًا عليه أو رَشِيدًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَجوزُ أن يُوجبَ الخُلعَ، فصَحَّ أن يكونَ وكيلًا ومُوكلًا فيه، كالحُرِّ الرَّشيدِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرأى، ولا أعلمُ فيه خلافًا. ويكونُ تَوْكيلُ المرأةِ فى ثلاثةِ أشياءَ، اسْتِدْعاءُ الخُلْعِ أو الطَّلاقِ، وتقديرُ العِوَضِ، وتسليمُه. وتوكيلُ الرَّجُلِ فى ثلاثةِ أشياءَ؛ شرطُ العِوَضِ، وقَبْضُه، وإيقاعُ الطَّلاقِ أو الخُلْعِ. ويَجوزُ التَّوكيلُ مَعَ تقديرِ العِوَضِ، ومِن غيرِ تقْديرٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فصَحَّ كذلك، كالبيعِ والنِّكاحِ. والمُستَحَبُّ التَّقديرُ؛ لأنَّه أسْلَمُ من الغَرَرِ، وأسْهلُ على الوكيلِ؛ لاسْتِغْنائِه عن الاجتهادِ. فإن وَكَّلَ الزَّوجُ، لم يَخْلُ مِن حاليْنِ، أحدُهما، أن يُقَدِّرَ له العِوَضَ، فخالعَ به أو بما زادَ، صَحَّ، ولَزِمَ المُسَمَّى؛ لأنَّه فعلَ ما أُمِرَ به، وإن خالعَ بأقل منه، ففيه وَجْهانِ، أحدُهما، لا يَصحُّ الخُلعُ. وهذا اختيارُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، كما لو وكَّلَه فى خُلعِ امرأةٍ فخالعَ أُخْرَى، ولأنه لم يَأْذَنْ (١٤) له فى الخُلْعِ بهذا العِوَضِ، فلم يَصحَّ منه، كالأجْنَبِىِّ. والثانى، يَصحُّ، ويَرْجعُ على الوكيلِ بالنَّقصِ (١٥). وهذا قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ المُخالفةَ فى قَدْرِ العِوَضِ لا تُبطِلُ الخُلْعَ، كحالةِ الإِطلاقِ، والأوَّلُ أوْلَى. وأمَّا إن خالفَ فى الجنس، مثل أن يأمَره بالخُلْعِ على دراهمَ، فخالعَ على عبدٍ، أو بالعكسِ، أو يأمُرَه بالخُلْعِ حالًّا، فخالعَ بعِوَضٍ نَسِيئةً، فالقياسُ أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لموكلِه فى جنسِ العوض، فلم يَصِح تصرُّفه، كالوكيلِ فى البيعِ، ولأنَّ ما خالَعَ به لا يَمْلِكُه الموكِّلُ، لكَوْنِه لم يَأْذَنْ فيه، ولا الوكيلُ؛ لأنَّه لم يُوجَد السَّبَبَ بالنِّسْبةِ إليه. وفَارَقَ المُخالفةَ فى القَدْرِ؛ لأنَّه أمْكنَ جَبْرُه بالرُّجوعِ بالنَّقصِ على الوكيلِ. وقال القاضى: القياسُ أن يَلْزَمَ الوكيلَ القَدْرُ الذى أُذِنَ فيه، ويكونَ له ما خالعَ

стр. 5278

به (١٦)، قياسًا على المُخالفةِ فى القَدْرِ، وهذا يَبْطُلُ بالوكيلِ فى البيعِ، ولأنَّ هذا خُلعٌ لم يأذَنْ فيه الزَّوجُ، فلم يَصِحَّ، كما لو لم يُوَكِّلْه فى شىءٍ، ولأنَّه يُفْضِى إلى أن يَمْلِكَ عِوَضًا ما ملُّكَته إيَّاه المرأةُ، ولا قَصَدَ هو تَمَلُّكَه، وتَنْخلِعُ المرأةُ مِن زوجها بغيرِ عِوَضٍ لَزِمَها له بغيرِ إذْنِه. وأمَّا المُخالفةُ فى القدْرِ، فلا يَلْزَمُ فيها ذلك، مع أنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يَصِحُّ الخُلْعُ فيها أيضًا، لما قدَّمناه. الحالُ الثَّانى، إذا أطْلَقَ الوكالةَ، فإنَّه يَقْتضِى الخُلْعَ بمَهْرِها المُسمَّى حالًّا مِن جِنْس نَقْدِ البلدِ، فإن خالعَ بذلك فما زادَ، صَحَّ؛ لأنَّه زادَه خيرًا، وإن خالعَ بدُونِه، ففيه الوَجْهانِ المذكورانِ فيما إذا قَدَّرَ له العِوَضَ فخالَعَ بدُونِه. وذكر القاضى احْتمالَيْنِ آخرَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَسْقُطَ المُسمى، ويَجبَ مهرُ المِثْلِ؛ لأنَّه خالَعَ بما لم يُؤْذَنْ له فيه. والثَّانى، أن يتَخيَّرَ الزَّوجُ بين قبولِ العِوَض ناقصًا ولا رَجْعةَ له، وبينَ رَدِّه وله الرَّجعةُ. وإن خالعَ بغيرِ نَقْدِ البلدِ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو عَيَّنَ له عِوَضًا فخالعَ بغيرِ جنسِه. وإن خالعَ الوكيلُ بما ليس بمالٍ، كالخمرِ والخِنْزيرِ، لم يَصِحَّ الخُلعُ، ولم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه غيرُ مأْذونٍ له فيه، إنَّما أُذِنَ له فى الخُلْعِ، وهو إبانةُ المرأةِ بعِوَضٍ، وما أَتَى به، وإنَّما أتَى بطلاقٍ غيرِ مَأذونٍ له فيه. ذكَرَه القاضى، فى "المُجرَّدِ". وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. وسواءٌ عَيَّنَ له العِوَضَ أو أطلقَ، وذكَرَ، فى "الجامعِ" أنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ، ويَرجعُ على الوَكيلِ بالمُسمَّى، ولا شىءَ على المرأةِ. هذا إذا قُلْنا: الخُلعُ بلا عِوَضٍ لم يَصحُّ. وإِنْ قُلْنا: لا يَصحُّ. لم يَصِحَّ إلَّا أن يكونَ بلفظِ الطَّلاقِ، فيَقَعُ طَلْقةً رجعِيَّةً. واحتجَّ بأنَّ وكيلَ الزَّوجةِ (١٧) لو خالَعَ بذلك صَحَّ، فكذلك كيلُ الزَّوجِ. وهذا القياسُ غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ كيلَ الزَّوجِ يُوقِعُ الطَّلاقَ، فلا يَصِحُّ أن يُوقِعَه على غيرِ ما أُذِنَ له فيه، ووكيلُ الزَّوجةِ لا يُوقِعُ، وإنَّما يَقْبَلُ، ولأنَّ وكيلَ الزَّوجِ إذا خالَعَ على مُحَرَّمٍ، فَوَّت على مُوَكِّلِه العِوَضَ، ووكيلُ الزوجةِ يُخَلِّصُها منه، فلا يَلْزمُ مِنَ الصِّحَّةِ فى موضعٍ يُخَلِّصُ مُوكِّلَه مِن وجوبِ العِوَض عليه، الصِّحَّةُ فى موضعٍ يُفوِّتُه عليه، ألَا تَرَى أَنَّ

стр. 5279

وكيلَ الزَّوجةِ لو صالحَ بدونِ العِوَض الذى قَدَّرَتْه له، صَحَّ ولزِمَها، ولو خالعَ وكيلُ الزَّوجِ بدون العِوَض الذى قَدَّره له، لم يَلزمْه، وأمَّا وكيلُ الزَّوجةِ فله حالانِ، أحدُهما، أن تُقَدِّرَ له العِوَضَ، فمتى خالعَ به فما دونَ، صَحَّ، ولَزِمَها ذلك؛ لأنَّه زادَها خيرًا، وإن خالعَ بأكثرَ منه، صَحَّ ولم تلْزَمْها الزِّيادةُ، لأنها لم تَأْذَنْ فيها، ولَزِمَ الوكيلَ؛ لأنَّه الْتَزَمه للزَّوجِ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالمُضَارِبِ إِذا اشْتَرى مَن يَعْتِقُ على ربِّ المالِ. وقال القاضى، فى "المُجرَّدِ": عليها مَهْرُ مِثْلِها، ولا شىءَ على وكيلِها؛ لأنَّه لا يَقْبَلُ العَقْدَ لنفسِه، إنَّما يَقْبلُه لغيرِه. ولعلَّ هذا مذهبُ الشَّافعىِّ، والأوْلَى أَنَّه لا يَلزمُها أكثرُ ممَّا بَذَلَتْه؛ لأنَّها ما الْتَزَمَتْ أكثْرَ منه، ولا وُجِدَ منها تَغْرِير للزَّوجِ، ولا يَنْبَغِى [أن يَجِبَ] (١٨) للزَّوجِ أيضًا أكثرُ مما بذَلَ له الوكيلُ؛ لأنَّه رَضِىَ بذلك عِوَضًا، وهو عوضٌ صحيحٌ معلومٌ، فلم يكُنْ له أكثرُ منه، كما لو بذَلَتْه المرأةُ. الثَّانى، أن يُطْلِقَ الوكالةَ، فيَقتضِى خُلْعَها بمهرِها من جنسِ نَقْدِ البلدِ، فإن خالَعَها بذلك فما دونَ، صَحَّ، ولَزِمَها، وإن خالعَها بأكثرَ منه، فهو كما لو خالعَها بأكثرَ مِمَّا قَدَّرَت له، على ما مضَى مِنَ القَوْلِ فيه. فصل: إذا اخْتلَفا فى الخُلْعِ، فادَّعاه الزَّوجُ، وأنْكرَتْه المرأةُ، بانَتْ بإقْرارِه، ولم يَستحِقَّ عليها عِوَضًا؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ، وعليها اليمينُ، وإن ادَّعَتْه المرأةُ، وأنْكرَه الزَّوجُ، فالقولُ قولُه لذلك، ولا يَسْتحِقُّ عليها (١٩) عِوَضًا؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، فإن اتَّفقا على الخُلْعِ، واختلَفا فى قَدْرِ العِوَض، أو جنْسِه، أو حُلولِه، أو تأجيله، أو صِفَتِه، فالقولُ قولُ المرأةِ. حَكاه أبو بكرٍ نصًّا عن أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفة. وذكَرَ القاضى روايةً أُخرى عن أحمدَ، أن القولَ قولُ الزَّوجِ؛ لأنَّ البُضْعَ يَخْرجُ مِن مِلكِه، فكان القولُ قولَه فى عِوَضِه، كالسَّيِّد مع مُكاتبَتِه (٢٠). وقال الشَّافعىُّ: يتحالَفانِ لأنَّه اختلافٌ فى عِوَض العَقْدِ، فيتحالفانِ فيه، كالمُتبايعَيْنِ إذا اخْتلَفا فى الثَّمَنِ. ولَنا، أنَّه

стр. 5280

أحدُ نَوْعَى الخُلعِ، فكان القولُ قولَ المرأةِ، كالطَّلاقِ على مالٍ إذا اخْتَلفا فى قَدْرِه، ولأنَّ المرأةَ مُنكِرَةٌ للزَّائدِ (٢١) فى القَدْرِ أو الصِّفةِ، فكان القولُ قولَها؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢٢)، وأمَّا التَّحالُفُ فى البيعِ، فيُحتاجُ إليه لفَسْخِ العَقْدِ، والخُلْعُ فى نفسه فَسْخٌ، فلا يُفْسَخُ. وإن قال: خالَعْتُكِ بألفٍ. فقالتْ: إنَّما خالَعَك (٢٣) غيرِى بألفٍ فى ذِمَّتِه. بانَتْ، والقولُ قولُها فى نَفْى العِوَضِ عنها؛ لأنَّها مُنكِرَةٌ له. وإن قالتْ: نعم، ولكن ضَمِنَها لك أبى أو غيرُه. لزمَها الألفُ، لإِقْرارِها به، والضَّمانُ لا يُبْرِىءُ ذِمَّتَها. وكذلك إن قالتْ: خالعتُكَ على ألفٍ يَزِنُهُ لك أبى. لأنَّها اعترفَتْ بالألفِ، وادَّعت على أبيها دَعْوَى، فقُبِلَ قولُها على نفسِها دونَ غيرِها. وإن قال: سأَلتِنِى طَلْقةً بألفٍ. فقالتْ: بل سألتُك ثلاثًا بألفٍ، فطلَّقْتَنِى واحدةً. بانَتْ بإقْرارِه، والقولُ قولُها فى سُقوطِ العِوَضِ. وعندَ أكثرِ الفقهاءِ، يَلْزَمُها ثُلْثُ الألْفِ، بِناءً على أصْلِهم فيما إذا قالت: طلِّقْنِى ثلاثًا بألف. فطلَّقَها واحدةً، أنَّه يَلْزَمُها ثلثُ الألفِ. وإن خالعَها على ألفٍ، فادَّعَى أنها دنانيرُ، وقالت: بل هى دَرَاهمُ. فالقولُ قولُها؛ لما ذكَرْنا فى أوَّلِ الفصلِ. ولو قال أحدُهما: كانتْ دراهمَ رَاضِيَّةً (٢٤). وقال الآخرُ: مُطْلَقَةً. فالقولُ قولُها، إلَّا على الرِّوايةِ التى حكاها القاضى، فإنَّ القولَ قولُ الزَّوجِ فى هاتيْنِ المسألتيْنِ. وإن اتَّفقا على الإطْلاقِ لَزِمَها (٢٥) الألفُ مِن غالبِ نَقْدِ البلدِ. وإن اتَّفقا على أنَّهما أرادا دراهمَ رَاضِيَّةً (٢٦)، لزمَها ما اتَّفقتْ إرادتُهما عليه. وإن

стр. 5281

اخْتلَفا فى الإِرادةِ، كان حُكْمُها حُكْمَ المُطْلَقَةِ، يَرجعُ إلى غالبِ نَقْدِ البلدِ. وقال القاضى: إذا اخْتلَفا فى الإِرادةِ، وجَبَ المهرُ المُسَمَّى فى العَقْدِ؛ لأَنَّ اخْتلافَهما يَجْعلُ البَدَلَ مجهولًا، فيَجبُ المُسَمَّى فى النِّكاحِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّهما لو أطْلَقا، لصَحَّتِ التَّسْميةُ، ووجبَ ألْفٌ مِن غالبِ نَقْدِ البلدِ، ولم يكُنْ إطْلاقُهما جَهَالةً تَمنعُ صِحَّةَ العِوَضِ، فكذلك إذا اخْتلَفا، ولأَنَّه يُجِيزُ العِوَضَ المجهوَل إذا لم تكُنْ جهالتُه (٢٧) تَزيدُ على جهالةِ مهرِ المِثْلِ، كعبدٍ مُطْلَقٍ وبعيرٍ وفَرَسٍ، والجَهالةُ ههُنا أقلُّ، فالصِّحَّةُ أوْلى. فصل: إذا علَّقَ طلاقَ امرأتِه بصِفَةٍ، ثم أبانَها بخُلْعٍ أو طلاقٍ، ثم عادَ فتَزوَّجَها، ووُجِدَتِ الصِّفةُ، طَلُقَتْ. ومثالُه إذا قال: إن كلَّمْتِ أباك فأنتِ طالقٌ. ثم أبانَها بخُلْعٍ (٢٨)، ثم تَزوَّجَها، فكلَّمتْ أباها، فإنَّها تَطْلُقُ. نصَّ عليه أحمدُ. فأمَّا إن وُجِدَتِ الصِّفةُ فى حالِ البَيْنُونةِ، ثم تَزوَّجَها، ثم وُجِدَتْ مرَّةً أخرى، فظاهرُ المذهبِ أنَّها تَطْلُقُ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنها لا تَطْلُقُ. نصَّ عليه فى العِتْقِ، فى رَجُلٍ قال لعبدِه: أنتَ حُرٌّ إن دخلتَ الدَّارَ. فباعَه، ثم رجعَ، يعنى فاشْتراه، فإن رجعَ وقد دخلَ الدَّارَ لم يَعْتِقْ. وإن لم يكُنْ دخلَ فلا يدْخلُ إذا رجعَ إليه، فإن دخَل عَتَقَ. فإذا نصَّ فى العِتْقِ على أَنَّ الصِّفةَ لا تَعودُ، وجبَ أن يكونَ فى الطَّلاق مثلُه، بل أوْلَى؛ لأنَّ العِتْقَ يَتَشَوَّفُ الشَّرعُ إليه، ولذلك قال الخِرَقِىُّ: وإذا قال إن تَزوَّجْتُ فلانةَ فهى طالقٌ. لم تَطْلُقْ إن تَزوَّجَها. ولوقال: إن مَلَكْتُ فُلانًا فهو حُرٌّ. فملكَه صار حُرًّا. وهذا اختيارُ أبى الحسنِ التَّمِيمِىِّ. وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَونَ أَنَّ الصفةَ لا تَعودُ إذا أبانَها بطلاقٍ ثلاثٍ، وإن لم تُوجد الصِّفةُ فى حالِ البَيْنُونةِ. هذا مذهبُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأحدُ أقوالِ الشَّافعىِّ. قال ابنُ المُنذِرِ: أجمعَ كُلُّ مَن نَحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أن الرَّجلَ إذا قال لزوجتِه: أنت طالقٌ ثلاثًا إن دخلتِ الدَّارَ. فطلَّقَها ثلاثًا، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثم نكحَها الحالفُ، ثم دخلتِ الدَّارَ، أنَّه لا يَقعُ عليها الطَّلاقُ. وهذا على مذهبِ مالكٍ والشَّافعىِّ

стр. 5282

وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ إطلاقَ الملك يَقتضِى ذلك فإنْ أبانَها دونَ الثَّلاثِ فوُجدَتِ الصِّفةُ، ثم تَزوَّجَها، انحلَّتْ يمينُه فى قولِهم، وإن لم تُوجَد الصِّفةُ فى البَيْنُونةِ، ثم نكحَها، لم تَنْحلَّ فى قولِ مالكٍ، وأصْحابِ الرأى، وأحدِ أقوالِ الشَّافعىِّ. وله قولٌ آخر: لا تَعودُ الصِّفةُ بحالٍ. وهو اخْتيارُ المُزَنِىِّ، وأبى إسحاقَ؛ لأنَّ الإيقاعَ وُجِدَ قبلَ النِّكاحِ فلم يَقَعْ، كما لو علَّقَه بالصِّفةِ قبلَ أن يَتزوَّجَ بها، فإنَّه لا خلافَ فى أنَّه لو قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ طالقٌ إذا دخلْتِ الدَّارَ. ثم تَزوَّجَها، ودخلَتِ الدَّارَ، لم تَطْلُقْ. وهذا فى معناه. فأمَّا إذا وُجدَتِ الصِّفةُ فى حالِ البَيْنُونةِ، انْحلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فى وقتٍ لا يُمْكِنُ وقوعُ الطَّلاقِ فيه، فسَقطَتِ اليمينُ، وإذا انحلَّتْ مرَّةً، لم يُمْكِنْ عَوْدُها إلَّا بعَقْدٍ جديدٍ. ولَنا، أَنَّ عقدَ الصِّفَةِ ووُقوعَها وُجِدَا فى النِّكاحِ، فيَقَعُ، كما لو لم يَتَخَلَّلْه بينونةٌ، أو كما لو بانَتْ بما دُونَ الثَّلاثِ عند مالكٍ، وأبى حنيفةَ، ولم تَفْعلِ الصِّفةَ. وقولُهم: إنَّ هذا طلاقٌ قبلَ نِكاحٍ. قُلْنا: يَبطُلُ بما إذا لم يُكْملِ الثَّلاثَ. وقولُهم: تَنْحلُّ الصِّفةُ بفِعْلِها. قُلْنا: إنَّما تَنْحلُّ بفعلِها على وجهٍ يَحْنَثُ به؛ وذلك لأنَّ اليَمِينَ حُلَّ وعُقِدَ، ثم ثَبَتَ أنَّ عَقْدَها يَفتقرُ إلى المِلْكِ، فكذلك حَلُّها، والحِنثُ لا يَحصُلُ بفعلِ الصِّفةِ حالَ بَيْنُونتِها، فلا تَنحلُّ اليمينُ (٢٩). وأما العِتْقُ ففيه رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّ العِتْقَ كالنِّكاحِ فى أنَّ الصِّفةَ لا تَنحلُّ بوجودِها بعد بيعهِ، فيكونُ كمَسْألتِنا. والثَّانيةُ، تَنحلُّ؛ لأنَّ المِلْكَ الثَّانى لا يُبْنَى على الأوَّلِ فى شىءٍ من أحكامِه. وفَارقَ النِّكاحَ، فإنَّه يُبْنَى على الأوَّلِ فى بعض أحكامِه، وهو عَدَدُ الطَّلاقِ، فجازَ أن يُبْنَى عليه فى عَوْدِ الصِّفَةِ، ولأنَّ هذا يفعلُ حِيلَةً على إبطالِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ، والحِيَلُ خِدَاعٌ لا تُحِلُّ ما حرَّمَ اللَّهُ، فإنَّ ابنَ مَاجَه (٣٠) وابنَ بَطَّةَ روَيا بإسنادِهما، عن أبى موسى قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 5283

"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُوْنَ بِحُدُوْدِ اللَّهِ، وَيَسْتَهْزِئُوْنَ بِآيَاتِهِ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، قَدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ". وفى لفظٍ رَواه ابنُ بَطَّةَ: "خَلَعْتُكِ، وَرَاجَعْتُكِ، طَلَّقْتُك، رَاجَعْتُكِ". ورَوَى بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَرْتَكِبُوا (٣١) مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُوْدُ، فَتَسْتَحِلُّوا (٣٢) مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (٣٣). فصل: فإن كانتِ الصِّفةُ لا تَعُودُ بعدَ النِّكاحِ الثَّانى، مثل إنْ قال: إنْ أكلتِ هذا الرَّغِيفَ فأنتِ طالق ثلاثًا. ثم أبانَها، فأكلَتْه، ثم نَكَحَها، لم يَحْنَثْ (٣٤)؛ لأنَّ حِنْثَه بوُجودِ الصِّفةِ فى النِّكاحِ الثَّانى، وما وُجِدَتْ، ولا يُمكنُ إيقاعُ الطَّلاقِ بأكْلِها له حالَ البَيْنُونةِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَلحقُ البائنَ. واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 5284

كتابُ الطَّلاقِ الطَّلاقُ: حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ. وهو مشروعٌ، والأصلُ فى مَشرُوعيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). وأمّا السُّنَّةُ فما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّه طلَّقَ امْرأتَه وهى حائضٌ، فسألَ عمرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُم لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُم تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعدُ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلقَ لَها النِّسَاءُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فى آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذيْنِ كثيرٍ. وأجمعَ النَّاسُ على جوازِ الطَّلاقِ، والعِبْرَةُ دالَّة على جوازِه، فإنَّه رُبَّما فَسَدَتِ الحالُ بين الزَّوْجَيْنِ، فيَصيرُ بَقاءُ النِّكاحِ مَفْسدةً مَحْضَةً (٤)، وضررًا مجرَّدًا، بإلْزامِ الزَّوجِ النَّفقةَ والسُّكْنَى، وحَبْس المرأةِ، معَ سُوءِ العِشْرَةِ، والخُصُومةِ الدائمةِ مِن غيرِ فائدةٍ. فاقْتَضَى ذلك شَرْعُ ما يُزيلُ النِّكاحَ، لِتَزولَ المَفْسدةُ الحاصِلةُ منه. فصل: والطَّلاقُ على خمسةِ أضْرُبٍ؛ واجبٌ، وهو طلاقُ المُولِى بعدَ التَّرَبُّصِ إذا أَبَى الفَيْئَةَ، وطلاقُ الحَكَمَيْنِ فى الشِّقَاقِ، إذا رأيا ذلك. ومكروهٌ، وهو الطَّلاقُ مِن غيرِ حاجةٍ إليه. وقال القاضى: فيه رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّه مُحرَّمٌ؛ لأنَّه ضَرَرٌ بنفسِه وزَوْجتِه، وإعدامٌ للمَصلحةِ الحاصلةِ لهما من غيرِ حاجةٍ إليه، فكان حَرامًا،

стр. 5285

كإتلافِ المالِ، ولقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٥). والثَّانيةُ، أنَّه مُباحٌ، لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "أبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطلَاقُ". وفى لفظٍ: "مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ". روَاه أبو داودَ (٦). وإنَّما يكونُ مُبْغَضًا (٧) من غيرِ حاجةٍ إليه، وقد سمَّاه النَّبِىُّ ﷺ حَلالًا، ولأنَّه مُزِيلٌ للنِّكاحِ المُشْتَمِلِ على المصالحِ المَنْدُوبِ إليها، فيكونُ مكروهًا. والثالثُ، مباحٌ، وهو عندَ الحاجةِ إليه لسُوءِ خُلُقِ المرأةِ، وسُوءِ عِشْرَتِها، والتَّضَرُّرِ بها مِن غيرِ حصولِ الغَرَض بها. والرَّابعُ، مندوبٌ إليه، وهو عند تَفْريطِ المرأةِ فى حُقوقِ اللَّهِ الواجبةِ عليها، مثل الصَّلاةِ ونحوِها، ولا يُمْكِنُه إخبارُها عليها، أو تكونُ له امرأةٌ غيرُ عَفِيفةٍ. قال أحمدُ: لا يَنْبغِى له إمْساكُها، وذلك لأنَّ (٨) فيه نَقْصًا لدينهِ، ولا يَأْمَنُ إفْسادَها لفِرَاشِه، وإلْحاقَها به ولدًا ليس هو منه، ولا بأسَ بعَضْلِها فى هذه الحالِ، والتَّضييقِ عليها، لتَفتَدِىَ منه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٩). ويَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلاقَ فى هذينِ الموضعيْنِ واجبٌ. ومن المَنْدوبِ إليه الطَّلاقُ فى حالِ الشِّقاقِ، وفى الحالِ التى تُحْوِجُ (١٠) المرأةَ إلى المُخالَعَةِ لتُزيلَ عنها الضَّرَرَ. وأمَّا المَحْظورُ، فالطَّلاقُ فى الحَيْضِ، أو فى طُهْرٍ جامَعَها فيه، أجْمَعَ العلماءُ فى جميعِ الأمْصارِ وكلِّ الأعْصارِ على تَحْريمِه، ويُسمَّى طلاقَ البدعةِ؛ لأنَّ المُطَلِّقَ خالفَ السُّنَّةَ، وتركَ أمرَ اللَّهِ تعالى ورسولِه ﷺ ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١١). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنْ

стр. 5286

شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". وفى لَفْظٍ روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (١٢)، بإسْنادِاه عن ابنِ عمرَ، أنَّه طَلَّقَ امرأتَه تطليقةً وهى حائضٌ، ثم أرادَ أن يُتْبِعَها بتَطْليقتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عندَ القَرْأَيْنِ، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أن تَسْتَقْبِكَ الطُّهْرَ، فتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ". ولأنَّه إذا طلَّقَ فى الحَيْضِ طَوَّل العِدَّةَ عليها؛ فإنّ الحَيْضَةَ التى طلَّقَ فيها لا تُحْسَبُ مِن عِدَّتِها، ولا الطُّهْرَ الذى بعدَها عندَ مَنْ يَجْعلُ الأقْراءَ الحِيَضَ، وإِذا طلَّقَ فى طُهْرٍ أصابَها فيه، لم يَأمنْ أن تكونَ حاملًا، فيَنْدمَ، وتكونَ مرتابةً لا تَدْرِى أتعتَدُّ بالحَمْلِ أو الأقْراءِ؟ ١٢٤٧ - مسألة؛ قال: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَها طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدعَهَا حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتُهَا) معنى طَلاقِ السُّنَّةِ الطَّلاقُ الذى وافَقَ أمرَ اللَّهِ تعالى وأمْرَ رسولهِ ﷺ ، فى الآيةِ والخَبَريْنِ المذكورينِ، وهو الطَّلاقُ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم يَتركُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها. ولا خلافَ فى أنَّه إذا طلقَها فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم تركَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، أنَّه مُصيبٌ للسُّنَّةِ، مُطَلِّقٌ للعِدَّةِ التى أمرَ اللَّه تعالى بها. قالَه ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ مسعودٍ: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها مِن غيرِ جِمَاعٍ (١). وقال فى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). قال: طَاهِرًا من غيرِ جِمَاعٍ (١). ونحوُه عن ابنِ

стр. 5287

عبَّاسٍ (٣). وفى حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيناه: "لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (٤). فأمَّا قولُه: ثم يدعَها حتى تَنقضِىَ عِدَتُّها. فمَعْناه أنَّه لا يُتْبِعُها طَلاقًا آخرَ قبلَ قَضاءِ عِدَّتِها، ولو طلَّقَها ثلاثًا فى ثلاثةِ أطهارٍ، كان حُكْمُ ذلك حُكْمَ جَمْعِ الثَّلاثِ فى طُهْرٍ واحدٍ. قال أحمدُ: طلاقُ السُّنَّةِ واحدةٌ، ثم يَتركُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ. وكذلك قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حَنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: السُّنَّةُ (٥) أن يُطَلِّقَها ثلاثًا، فى كلِّ قَرْءٍ طَلْقةٌ. وهو قولُ سائرِ الكُوفِيِّيْنَ، واحتجُّوا بحديثِ ابنِ عمرَ، حين قال له النَّبِىُّ ﷺ : "رَاجِعْهَا، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ". قالوا: وإنَّما أمرَه بإمْساكِها فى هذا الطُّهْرِ؛ لأنَّه لم يَفْصِلْ بينه وبينَ الطَّلاقِ طُهْرٌ كاملٌ، فإذا مضَى ومَضَتِ الحَيْضَةُ التى بعدَه، أمرَه بطلاقِها، وقولُه (٦) فى حديثِه الآخَرِ: "وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فيطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ" (٧). ورَوَى النَّسائىُّ (٨) بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ، قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها تطليقةً، وهى طاهرٌ، فى غيرِ جِمَاعٍ، فإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ، طلَّقَها أُخرى، [فإذا حاضَت وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخْرَى] (٩)، ثم تَعْتدُّ بعدَ ذلك بِحَيْضَةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا يُطلِّقُ أحدٌ للسُّنَّةِ فيَنْدَمُ. رَوَاه الأثْرَمُ (١٠). وهذا

стр. 5288

إنَّما يَحصُلُ فى حقِّ مَن لم يُطَلِّقْ ثلاثًا. وقال ابنُ سِيرينَ: إن عليًّا، كرَّم اللَّهُ وَجْهَه، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّه مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتبعُ رجلٌ نفسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يَدَعُها ما بينها وبينَ أن تَحيضَ ثلاثةً، فمتى شاءَ راجعَها. رَواه النَّجَّادُ بإسْنادِه (١١). ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها وهى طاهرٌ، ثم يَدَعَها حتى تَنْقضِى عِدَتُّها، أو يُراجعَها إن شاءَ (١٢). فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ الأوَّلُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّه ليس فيه جمعُ الثَّلاثِ، وأمَّا حديثُه الآخِرُ، فيَحْتَمِلُ أن يَكونَ ذلك بعد ارْتجاعِها، ومتى ارْتَجعَ بعدَ الطَّلْقَةِ ثم طلَّقَها، كان للسُّنَّةِ على كلِّ حالٍ، حتى قد قال أبو حنيفةَ: لو أمْسَكَها بيَدِه لشهوةٍ، ثم والَى بينَ الثَّلاثِ، كان مُصِيبًا للسُّنَّةِ؛ لأنَّه يكون مُرْتجِعًا لها. والمعنى فيه أنَّه إذا ارْتجعَها، سقَطَ حُكْمُ الطَّلْقةِ الأُولَى، فصارتْ كأنَّها لم تُوجَدْ، ولا غِنَى به عن الطَّلْقَةِ الأُخْرَى إذا احْتاج إلى فِرَاقِ امرأتِه، بخلافِ ما إذا لم يَرْتجِعْها؛ فإنَّه مُسْتَغْنٍ عنها، لإفْضائِها إلى مَقْصودِه من إبانتِها، فافْتَرقا، ولأنَّ ما ذكرُوه إرْدافُ طلاقٍ من غيرِ ارْتجاعٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ فى طُهْرٍ واحدٍ، وتَحريمُ المرأةِ لا يَزولُ إلَّا بِزَوْجٍ وإصابةٍ من غيرِ حاجةٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ. فصل: فإن طَلَّقَ للبِدْعةِ، وهو أن يُطَلِّقَها حائضًا، أو فى طُهْرٍ أصابَها فيه، أثِمَ، ووقعَ طلاقُه. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المنذرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُخالِفْ فى ذلك إلَّا أهلُ البِدعِ والضَّلالِ. وحَكاه أبو نَصْر عن ابنِ عُلَيَّةَ، وهشامِ بنِ الحَكَمِ، والشِّيعة قالوا: لا يَقَعُ طلاقُه؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمرَ به فى قبلِ العِدَّةِ، فإذا طلَّقَ فى غيرِه لم يَقَعْ، كالوكيلِ إذا أوْقَعَه فى زمنٍ أمرَه موكِّلُه بإيقاعِه فى غيرِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ، أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهى حائضٌ، فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ أن يُراجِعَها. وفى روايةِ الدَّارَقُطْنِىِّ (١٣) قال:

стр. 5289

فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أفرأيتَ لو أنِّى طلَّقْتُها ثلاثًا، أكانَ يَحِلُّ لى أن أُراجعَها؟ قال: "لَا، كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً". وقال نافعٌ: وكان عبدُ اللَّه طلَّقَها تطليقةً، فحُسِبَتْ من طَلاقِه، وراجعَها كما أمرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ (١٤). ومن روايةِ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: أفتُعْتَدُّ عليه، أو تُحتسَبُ عليه؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتَحْمَقَ (١٥)! كلها أحاديثُ صحاحٌ. ولأنَّه طلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ فى مَحَلِّ الطَّلاقِ، فوقَعَ، كطلاقِ الحاملِ، ولأنَّه ليس بِقُرْبَةٍ، فيُعتَبَرُ لوقوعِه مُوافقةُ السُّنَّةِ، بل هو (١٦) إزالةُ عِصْمَةٍ، وقَطْعُ مِلْكٍ، فإيقاعُه فى زمنِ البدْعةِ أوْلَى، تغْليظًا عليه، وعُقوبةً له، أمَّا غيرُ الزَّوجِ، فلا يَمْلِكُ الطَّلاقَ، والزَّوجُ يَمْلِكُه بمِلْكِه مَحَلَّه. فصل: ويُسْتحَبُّ أن يُراجعَها، لأمرِ النَّبِىِّ ﷺ بمُراجعتِها، وأقلُّ أحوالِ الأمرِ الاسْتِحْبابُ، ولأنَّه بالرَّجْعَةِ يُزيلُ المعنى الذى حَرَّمَ الطَّلاقَ. ولا يَجبُ ذلك فى ظاهرِ المذهبِ. وهو قولُ الثَّورِى، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافعىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، روايةً أُخْرَى، أَنَّ الرَّجْعةَ تَجبُ. واختارَها. وهو قولُ مالكٍ، وداودَ؛ لظاهرِ الأمرِ فى الوجوبِ، ولأنَّ الرَّجْعةَ تَجرى مَجْرَى اسْتِبْقاءِ

стр. 5290

النِّكاحِ، واسْتِبْقاؤُه ههُنا واجِبٌ؛ بدليلِ تحْريمِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الرَّجعةَ إمْساكٌ للزَّوجةِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١٧). فوَجَبَ ذلك، كإمْساكِها قبلَ الطَّلاقِ. وقال مالكٌ، وداودُ: يُجْبَرُ على رَجْعتِها. قال أصحابُ مالكٍ: يُجْبَرُ على رَجْعتِها ما دامتْ فى العِدَّةِ. إلَّا أشْهَبَ، قال: ما لم تَطهُرْ، ثم تَحِيضُ، ثم تَطهُرُ؛ لأنَّه لا يَجبُ عليه إمْساكُها فى تلك الحالِ، فلا يَجبُ عليه رَجْعتُها فيه. ولَنا، أنَّه طلاقٌ لا يَرْتفعُ بالرَّجْعةِ، فلم تَجبْ عليه الرَّجعةُ فيه، كالطَّلاقِ فى طُهْرٍ مَسَّها فيه، فإنَّهم أجْمعُوا على أنَّ الرَّجعةَ لا تَجبُ. حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن جميعِ العلماءِ. وما ذكروه مِنَ المعنى ينْتقِضُ بهذه الصُّورةِ. وأما الأمرُ بالرَّجعةِ فمحمولٌ على الاستحبابِ؛ لما ذكَرْنا. فصل: فإن راجعَها، وجبَ إمْساكُها حتى تَطهُرَ، واستُحِبَّ إمْساكُها حتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثم تَطهُرَ، على ما أمرَ به النَّبِىُّ ﷺ فى حديث ابنِ (١٨) عمرَ الذى روَيْناه. قال ابنُ عبدِ البرِّ: ذلك مِن وُجوهٍ عندَ أهلِ العلمِ؛ منها، أن الرَّجعةَ لا تَكادُ تُعلَمُ صِحَّتُها إلا بالوَطْءِ؛ لأنَّه المُبْتَغَى (١٩) مِنَ النِّكاحِ، ولا يحصُلُ الوَطْءُ إلَّا فى الطُّهْرِ، فإذا وَطِئَها حَرُمَ طلاقُها فيه حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ، واعتبرْنا مَظِنَّةَ الوَطْءِ ومَحَلَّه لا حقيقَتَه، ومنها أنّ الطَّلاقَ كُرِهَ فى الحيض لتَطْويلِ العِدَّةِ، فلو طلَّقَها عَقِيبَ الرَّجعةِ مِنْ غيرِ وَطْءٍ، كانت فى معنى المُطلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ، وكانت تَبْنِى على عِدَّتِها، فأرادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَ حُكْمِ الطَّلاقِ بالوَطْءِ، واعتبرَ الطُّهْرَ الذى هو موضعُ الوَطْءِ، فإذا وَطئَ حَرُمَ طَلاقُها حتى تَحِيضَ ثم تَطهُرَ، وقد جاء فى حديثٍ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا". رَوَاه ابنُ عبدِ البَرِّ. ومنها، أنَّه عُوقِبَ على إيقَاعِه فى الوقتِ المُحَرَّمِ بِمَنْعِه منه فى الوقتِ الذى يُباحُ له. وذكَر غيرَ هذا. فإن طلَّقَها فى الطُّهْرِ
следующие страницы →