← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ للمُؤَذِّنِينَ". أخرجهُ أبو داود، والنَّسَائِىُّ (٣٨) والأَمَانَةُ أعلى من الضَّمَانِ، والمغْفِرةُ أعلى من الإِرْشادِ، ولم يتولَّهُ النَّبِىُّ ﷺ ، ولا خُلَفَاؤُهُ؛ لضِيقِ وقتِهم عنه، ولهذا قال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: "لَوْلَا الخِلَافةُ لَأذَّنْتُ". وهذا اختيارُ القاضِى، وابن أبي موسى، وجماعَةٍ من أصْحابِنا (٣٩). واللهُ أعلمُ. فصل: والأصْلُ في الأذانِ، ما رَوَى محمدُ بن إسحاق، قال (٤٠): حَدَّثَنِى محمد بن إبْراهيمَ بن الحارثِ التَّيْمِىِّ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ زيد بنِ عبدِ رَبِّه، قال: حدثنِى أبِى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ به لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصلاةِ، طَافَ بى وأنا نائمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا في يدهِ، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتبيعُ الناقوسَ؟ فقال: وما تَصْنَعُ به؟ قلتُ: نَدْعُو بهِ إلى الصَّلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَيْرٌ من ذلك؟ فقلتُ له (٤١): بلى، فقال: تقولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الفَلَاحِ، حَىَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. قال: ثم استَأخَرَ عَنِّى غيرَ بَعيدٍ، ثم قال: تقولُ إذا أقَمْتَ الصلَاة: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، حَىَّ على الصلاةِ، حَىَّ على الفلاحِ، قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. فلمَّا أصْبَحْتُ أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأخبرته بما رأيتُ، فقال: "إنَّها رُؤْيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ،

стр. 562

فإنَّه أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ"، فقُمْتُ مع بلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عليه، ويُؤَذِّنُ به، فسَمِعَ ذلك عمر بنُ الخطابِ وهو في بَيْتِه، فخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءهُ، فقال يا رسولَ اللهِ، والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لقد رأَيْتُ مثلَ الذي رأى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ". روَاهُ الأثْرمُ، وأبو داود (٤٢)، وذَكَرَ التِّرْمِذِىُّ آخِرَهُ بهذا الإِسناد (٤٣)، وقال: هو حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أن الأذانَ مَشْرُوعٌ للصّلواتِ الخَمْسِ. ١٢١ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ويَذْهَبُ أبُو عَبْدِ اللهِ، ﵀، إلَى أذَانِ بِلَالٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، [حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ] (١)، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ.) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ اختيارَ أحمدَ، ﵀، من الأذانِ أذَانُ بِلَالٍ، رضى اللهُ عنهُ، وهو كمال وَصَفَ الْخِرَقِىُّ. وجاء في خبرِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وهو خَمْسَ عشرةَ كِلمَةً، لا تَرْجِيعَ فيه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وإسحاقُ. وقَال مالك، والشَّافِعِىُّ، ومَنْ تَبِعَهُمَا من أهلِ الحِجَازِ: الأذانُ المسْنُونُ أذانُ أبي مَحْذُورَةَ، وهو مِثْلُ ما وَصَفْنَا، إلَّا أنَّه يُسَنُّ التَّرْجِيعُ، وهو أنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، يَخْفِضُ بِذلك صَوْتَهُ، ثم يُعِيدُهُمَا رافِعًا بهما صَوْتَهُ، إلا أنَّ مالكًا قال: التَّكْبِيرُ في أوَّلِهِ مَرَّتَانِ حَسْبُ. فيكونُ الأذانُ عندَهَ سَبْعَ عشرةَ كلمةً، وعند الشَّافِعِىِّ تِسْعَ عشرةَ كلمةً. واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو مَحْذُورَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَقَّنَهُ الأذانَ، وألقَاهُ عليه، فقال له تقولُ: "أَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ

стр. 563

أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ (٢)، ثمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ. أَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" (٣). ثم ذَكَرَ سَائِرَ الأذَانِ. [أخْرجَه مسلم] (٤)، واحْتَجَّ مالك بأنَّ ابن مُحَيْرِيزٍ (٥)، قال: كان الأذانُ الذي يُؤَذِّنُ به أبو مَحْذُورَة، اللهُ أَكبرُ اللهُ أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ. [أخْرجَه مسلم] (٦). ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، والأخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لأنَّ بلالًا كان يُؤَذِّنُ بهِ مع رسولِ اللهِ ﷺ دائِمًا، سَفَرًا وحَضَرًا، وأقَرَّهُ النَّبِىُّ ﷺ على أذانِهِ بعدَ أذانِ أبي مَحْذُورَةَ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ: إلى أىِّ الأذانِ يَذْهَبُ؟ قال: إلى أذانِ بِلَالٍ، رواهُ محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهِيم، عن محمد بنِ عبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ، ثم وَصَفَهُ. قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: ألَيْسَ حديثُ أبِى مَحْذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ؛ لأن حديثَ أبِى مَحْذُورَة بعدَ فَتْحِ مكة؟ فقال: أليس قد رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المدينة؛ فأَقَرَّ بِلَالًا على أذانِ عبدِ اللهِ بْن زيدٍ؟ وهذا من الاخْتِلَافِ المُبَاح، فإن رجَّع فلا بأْسَ. نَصَّ عليه أحمد. وكذلِك قال إسحاقُ؛ فإنَّ الأمْرَيْن كلاهما قد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أَمَرَ أبا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ

стр. 564

الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا، ليَحْصُلَ لهُ الإِخْلَاصُ بهما، فإن الإِخلاصَ في الإِسْرَارِ بهما أبْلَغُ من قولِه (٧) إعْلَانًا للإعلامِ، وخَصَّ أُبا مَحْذُورَةَ بذلكَ، لأنَّه لم يَكُنْ مُقِرًّا بهما حينئذٍ، فإنَّ في الخَبَرِ أنه كان مُسْتَهْزِئا يَحْكِى أذانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَدَعاهُ، فأمَرَهُ بالأذَانِ، قال: ولا شىءَ عندى أبْغَضُ من النَّبِيِّ ﷺ ، ولا ممَّا يَأْمُرُنِى بهِ. فقَصَدَ النَّبِىُّ ﷺ نُطْقَه بِالشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيُسْلِمَ بذلك، ولا يُوجَدُ هذا في غيره، ودليلُ هذا الاحْتِمال كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ لم يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، ولا غيرَه مِمَّنْ كانَ مُسْلِمًا ثَابِتَ الإِسلامِ. واللهُ أعلمُ. ١٢٢ - مسألة؛ قال: (والإِقَامَةُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ) وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: الإِقامةُ مثل الأذانِ، ويَزِيدُ الإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّ الذِى عَلَّمَهُ الأذانَ أمْهَلَ هُنَيْهَةً (١)، ثم قامَ فقال مِثْلَها. رَوَاهُ أبو داود (٢). ورَوَى ابن مُحَيْرِيزٍ، عن أبِى مَحْذُورَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ علَّمَهُ الإِقامةَ سَبْعَ عَشرةَ كَلِمَةً (٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقال مالكٌ: الإِقامةُ عَشْرُ كَلِمَاتٍ، تقولُ: قد قامتِ الصلاةُ مَرَّةً واحدةً؛ لِما رَوَى أنَسٌ، قال: أُمِرَ بِلَالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإِقامةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ أنَّه قال، إنَّما كان الأذانُ على عهدِ

стр. 565

رسولِ اللهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإِقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، إلَّا أنه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ. أخرجه [أبو داود] (٥)، والنَّسَائِىُّ (٦). وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه وَصَفَ الإِقامةَ كما ذَكَرْنَا، رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، عن يعقوبَ بنِ إبراهِيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ، عن محمدِ بنِ إسحاق، بالإِسنادِ الذي ذَكَرْنَاهُ. وما احْتَجُّوا به من قولِهِ: فقامَ فقال مِثْلَها. فقد قال التِّرْمِذِىُّ: الصحِيحُ مثلُ ما رَوَيْنَاه (٧). وقال ابن خُزَيْمَة (٨): الصحِيحُ ما رواهُ محمد بن عبدِ اللهِ بن زيدٍ عن أبيه: "ثم اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وجَعَلَها وِتْرًا، إلَّا [أنه قال] (٩): قد قامتِ الصلاةُ قد قامتِ الصلَاةُ". وهذه زِيَادَةُ بَيَانٍ يَجِبُ الأَخْذُ بها، وتَقْدِيمُ العَمَلِ بهذه الرِّوَايَةِ المَشْرُوحة. وأما خَبَرُ أبي مَحْذُورَةَ في تَثْنِيَةِ الإِقَامَةِ، فإنْ ثَبَتَ كان الأخذُ بخَبَرِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ أَوْلَى؛ لأنَّه أذانُ بِلَالٍ، وقد بَيَّنَّا وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ في الأذانِ، فكذا (١٠) في الإِقَامَةِ، وخَبَرُ أبي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ

стр. 566

بالإِجْمَاعِ في التَّرْجِيعِ في الإِقامةِ، ولذلك عَمِلْنا نحن وأبو حَنِيفة بخَبَرِه في الأذانِ، وأخَذَ بأذانِهِ مالكٌ والشَّافِعِىُّ، وهما يَرَيان إفْرَادَ الإِقَامَة. ١٢٣ - مسألة؛ قال: (ويَتَرَسَّلُ في الأَذَانِ ويَحْدُرُ الإِقَامَةَ) التَّرَسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأَنِّى. من قولِهِمْ: جاء فُلَانٌ على رِسْلِهِ. والحَدْرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإِسْرَاعُ، وقَطْعُ التَّطْوِيلِ. وهذا من آدابِ الأذانِ ومُسْتَحَبَّاتِهِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إذَا أَذَّنْتَ فَتَرسَّلْ، وإذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ". رَوَاهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: هو حديثٌ غريبٌ. ورَوَى أبو عُبَيْد (٢)، بإسْنَادِهِ، عن عمرَ، رضى اللهُ عنه، أنه قال لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ المَقْدِسِ: إذا أذَّنْتَ فتَرَسَّلْ، وإذا أقَمْتَ فاحْذِمْ. قال الأصْمَعِىُّ: وأصْلُ الحَذْمِ (٣) في المَشْى إنَّما هو الإِسراعُ، وأن يكونَ مع هذا كأنَّه يَهْوِى بِيَدَيْهِ إلَى خَلْفِه. ولأنَّ هذا مَعْنًى يَحْصُلُ به الفَرْقُ بين الأذانِ والإِقامةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإِفْرَادِ، ولِأنَّ الأذانَ إعْلَامُ الغَائِبِينَ، والتَّثْبِيتُ فيه أبْلَغُ في الإِعْلَامِ، والإِقامةُ إعْلَامُ الحاضِرِين (٤)، فلا حاجةَ إلى التَّثَبُّتِ فيها. فصل: ذَكَرَ أبو عبدِ اللهِ ابن بَطَّةَ، أنه حَالَ تَرَسُّلهِ ودَرْجِه، لا يَصِلُ الكلام بَعْضَه ببَعْضٍ مُعْرَبًا، بل جَزْمًا. وحكاهُ عن ابْنِ الأنْبَارِى، عن أهْلِ اللُّغةِ. قال: وَرُوِىَ عن (٥) إبراهِيمَ النَّخَعِىِّ قال: شيئانِ مَجْزُومَانِ كانوا لا يُعْرِبُونَهُمَا؛ الأذانُ، والإِقامَةُ. قال: وهذه إشارةٌ إلى جَماعَتِهم.

стр. 567

١٢٤ - مسألة؛ قال: (ويَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. مَرَّتَيْنِ) وجُمْلَتُهُ أنَّه يُسَنُّ أنْ يَقُولَ في أذانِ الصبح: الصلاةُ خَيْرٌ من النوم. مَرَّتَيْنِ، بعد قولِهِ: حَىَّ على الفلاحِ. ويُسَمَّى التَّثْوِيبُ. وبذلك قال ابن عمرَ، والحسنُ البَصْرِىّ، وابن سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّورِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، والشافِعِىُّ فِي الصحيحِ عنهُ. وقال أبو حنيفة: التَّثْوِيبُ بين الأذانِ والإِقامةِ في الفجر، أن يقولَ: حَىَّ على الصلاةِ، مَرَّتَيْنِ. حَىَّ على الفلاح. مَرَّتَيْنِ. ولَنا، ما رَوَى النَّسَائِىُّ (١)، بإسْنَادِهِ، عن أبِى مَحْذُورَة، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِى سُنَّةَ الأذانِ، فَذَكَرَهُ، إلى أنْ قال بَعْدَ قَوْلِهِ حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ: "فإنْ كانَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، [الصَّلَاةُ خَيْر مِنَ النَّوْمِ] (٢)، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ". وما ذَكَرُوهُ، فقَالَ إسحاقُ (٣): هذا شيءٌ أحدثَهُ الناسُ. وقال أبو عيسى (٣): هذا التَّثْوِيبُ الذي كَرِهَهُ أهْلُ العِلْمِ. وهو الذي خرجَ منه ابن عمرَ من المسجِدِ لَمَّا سَمِعَه. فصل: ويُكْرَهُ التَّثْوِيبُ في غيرِ الفجر، سواءٌ ثَوَّبَ في الأذان أو بعدَه؛ لِمَا رُوِىَ عن بِلَالٍ، أنَّه قال: أَمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أُثَوِّبَ في الفجرِ، ونَهَانِى أن أثوِّبَ في العِشَاءِ. رواهُ ابن ماجَه (٤). ودَخَلَ ابنُ عمرَ مسجِدًا يُصَلِّى فيه، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظهرِ، فَخَرَجَ، فَقِيلَ له: أين؟ فقال: أخْرَجَتْنِى البِدْعَةُ (٥). ولِأنَّ صلاةَ الفجرِ وَقْتٌ ينامُ فيه عامَّةُ النَّاسِ، ويقومُون إلى الصلاةِ عن نَوْمٍ، فاخْتُصَّتْ بالتَّثْوِيبِ، لاختِصَاصِها بالحاجَةِ إليه.

стр. 568

فصل: ولا يَجُوزُ الخُرُوجُ من المسجدِ بعدَ الأذانِ إلَّا لِعُذْرٍ. قال التِّرْمِذِىُّ (٦): وعلى هذا العَمَلُ من أصحابِ النَّبىِّ ﷺ ومَنْ بَعْدَهُمْ، أن لا يَخْرُجَ أحدٌ من المسجدِ بعد الأذانِ إلا من عُذْرٍ. قال أبو الشَّعْثَاء: كُنَّا قُعُودًا مع أبي هريرة في المسجِدِ، فأذَّنَ المُؤَذِّنُ، فقامَ رَجُلٌ من المَسْجِدِ يَمْشِى، فأتْبَعهُ أبو هريرة بَصَرَهُ حتَّى خَرَجَ من المسجدِ، فقال أبو هُرَيْرَةَ: أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسِمِ ﷺ . رَوَاهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٧)، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وعن عثمانَ بن عفان، رضىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَهُ الأَذَانُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ". رواهُ ابن ماجَه (٨). فأما الخُرُوجُ لِعُذْرٍ فَمُبَاحٌ؛ بِدَلِيلِ أن ابن عمرَ خَرَجَ من أجْلِ التَّثْوِيبِ في غيرِ حِينِه. وكذللث مَنْ نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لحديثِ عثمانَ، رضى اللهُ عنه. ١٢٥ - مسألة؛ قال: (وإِنْ (١) أَذَّنَ لِغيْرِ الفَجْرِ قَبْلَ دُخولِ الوَقْتِ، أَعَادَ إذَا دَخَلَ الوَقْتُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَيْنِ: أحدُهما، في أن الأذانَ قبلَ الوقتِ في غيرِ الفجرِ لا يُجْزِىءُ. وهذا لا نَعْلَمُ فيه خلَافًا، قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أن من السُّنَّةِ أنْ يُؤَذَّنَ للصَّلَوَاتِ بعدَ دخولِ وقتِها، إلَّا الفجرَ. ولِأنَّ الأذانَ شُرِعَ للإِعْلامِ بِالوقتِ، فلا يُشْرَع قبل الوقتِ، لِئَلَّا يَذْهَبَ مَقْصُودُهُ. الفصلُ الثانِى، أنَّهُ يُشْرَعُ الأذانُ لِلفجرِ قبلَ وقتِها. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ،

стр. 569

والشافِعِىِّ، وإسحاقَ. ومَنَعَه (٢) الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ بِلَالًا أذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فأمَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِى: "ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ، ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ". وعن بِلَالٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لهُ: "لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الفَجْرُ هَكَذَا" ومَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا. رَوَاهُما أبو داودُ (٣). وقال طَائِفَةٌ من أهلِ الحديثِ: إذا كان له مُؤَذِّنان (٤)، يُؤَذِّنُ أحدُهُمَا قبلَ طُلُوعِ الفجرِ، والآخَرُ بعدَهُ، فلا بأْسَ؛ لأنَّ الأذانَ قبل الفجرِ يُفَوِّتُ المَقْصُودَ من الإِعْلَامِ بالوقتِ، فلم يَجُزْ، كَبَقِيَّةِ الصلواتِ، إلَّا أن يكُونَ لهُ مُؤَذِّنَانِ يَحْصُل إعْلَامُ الوَقتِ بأحدِهِمَا، كما كانَ للنَّبِىِّ (٥) ﷺ . ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وهذا يَدُلُّ على دَوَامِ ذلك منه، والنَّبِىُّ ﷺ أقَرَّهُ عليه، ولم يَنْهَه عنه، فثَبَتَ جَوَازُه، ورَوَى زِيَادُ بنُ الحَارِثِ الصُّدَائِىُّ، قال: لمَّا كانَ أوَّلُ أذانِ الصبحِ أمَرَنِى النَّبِىُّ ﷺ فأذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أقُولُ: أُقِيمُ يا رسولَ اللهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى نَاحِيَةِ [المَشْرقِ، فيقولُ] (٧): "لا". حتَّى إذا طَلَعَ الفجرُ نَزَلَ، فبَرَزَ، ثم

стр. 570

انْصَرَفَ إليَّ وقد تَلَاحَقَ أصحابُه، فتوَضَّأ، فأراد بلَالٌ أنْ يُقِيمَ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ أَخَا صُدَاءَ (٨) قَدْ أَذَّنَ، ومَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" قالَ: فأَقَمْتُ. رَوَاهُ أبو داود والتِّرْمِذِىُّ. (٩) وهذا قد أَمَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ بالأذانِ قبلَ طلوعِ الفجرِ، وهو حُجَّةٌ على من قال: إنَّما يَجَوُزُ إذا كانَ له مُؤَذِّنَانِ، فإنَّ زِيَادًا أَذَّنَ وَحْدَهُ. وحديثُ ابْنِ عمرَ الذي احْتَجُّوا به، قال أبو داود (١٠): لم يَرْوِهِ إلَّا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، ورَوَاهُ حمادُ بنُ زيدٍ، والدَّرَاوَرْدِىُّ (١١)، فخَالَفَاهُ، وقالا: مُؤَذِّنٌ لِعمرَ. وهذا أصَحُّ (١٢). وقال علىُّ ابنُ الْمَدِينِىّ: أخطأ فيه، يَعْنِى حمادًا (١٣). وقال التِّرْمِذِىُّ: هو غيرُ مَحْفُوظٍ (١٤). وحديثُهُم الآخَرُ، قال ابْنُ عبدِ البَرِّ (١٥): لا يَقُومُ به ولا بِمِثْلِه حُجَّةٌ؛ لضَعْفِه وانْقِطَاعِه. وإنَّما اخْتُصَّتِ (١٦) الفجرُ بذلك؛ لأنه وقتُ النومِ، لِيَنْتَبِهَ الناسُ، ويتأَهَّبُوا للخُرُوجِ إلى الصلاةِ، وليسَ ذلك في غيرها، وقد رَوَيْنَا في حديثٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ؛ لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم، ويَرْجِعَ قَائِمُكُم". رواهُ أبو داوُد (١٧). ولَا يَنْبَغِى أَنْ يتَقَدَّمَ ذلك على

стр. 571

الوقتِ كَثِيرًا، إذا كانَ المَعْنَى فيه ما ذَكَرْنَاهُ، فيَفُوتُ المَقْصُودُ منهُ. وقد رُوىَ أنَّ بلَالًا كانَ بين أذَانِهِ وأذانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يَنْزِلَ هذا ويَصْعَدَ هذا (١٨). ويُسْتَحَبُّ أيضًا أنْ لا يُؤَذَّنَ قبلَ الفجرِ، إلَّا أنْ يكونَ معهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يُؤَذِّنُ إذا أصْبَحَ. كفِعْلِ بلَالٍ وابْنِ أم مَكْتُومٍ؛ اقتِدَاءً برسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّه إذا لم يكن كذلك لم يَحْصُل الإِعلامُ بالوقتِ المقصُودِ بالأذانِ، فإذا كانَا مُؤَذِّنَيْنِ حَصَل الإِعْلَامُ بالوقت بِالثَّانِى، وبِقُرْبِهِ بِالمُؤَذِّنِ الأوَّلِ. فصل: وينْبَغِى لِمَنْ يُؤَذِّن قبلَ الوقتِ أنْ يَجْعَلَ أذانَهُ في وقتٍ واحدٍ في الليالى كُلِّها؛ ليَعْلَمَ الناسُ ذلك من عادَتِه، فيَعْرِفُوا الوقتَ بأذانِه، ولا يُؤَذِّنُ في الوقتِ تارةً وقَبْلَهُ أُخْرَى، فَيَلْتَبِس على الناسِ ويَغْتَرُّوا بأذَانِهِ، فَرُبَّمَا صلَّى بَعْضُ مَنْ سَمِعَه الصبحَ بِنَاءً على أذانِهِ قبلَ وقتِها، وربَّمَا امْتَنَعَ المُتَسَحِّرُ من سَحُورِه، والمُتَنَفِّلُ من صَلَاتِهِ، بِنَاءً على أذانِهِ [قبلَ وقْتِها] (١٩)، ومَنْ عَلِمَ حالَهُ لا يَسْتَفِيدُ بأذَانِهِ فائدةً؛ لتَرَدُّدِهِ بين الاحِتماليْنِ. ولا يُقَدِّمُ الأذان كثيرًا تارةً ويُؤَخِّرُه أُخْرَى، فلا يُعْلَمُ الوقتُ بأذانِه، فَتَقِلُّ فائدتُه. فصل: قال بعضُ أصحابِنَا: ويجوزُ الأذانُ للفجْرِ بعدَ نصفِ الليلِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ بذلك يَخْرُجُ وقتُ العِشَاءِ المُخْتَار، ويَدْخُلُ وقتُ الدَّفْعِ من مُزْدَلِفَةَ؛ ووقتُ رَمْىِ الجَمْرَةِ، وطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وقد رَوَى الأثْرَمُ، عن جابِرٍ، قال: كان مُؤَذِّنُ مسجدِ دمشْقَ يُؤَذِّنُ لصلاةِ الصبحِ في السَّحَرِ بِقدْرِ ما يسيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أمْيَالٍ، فلا يُنْكِرُ ذلك مَكْحُولٌ، ولا يقُولُ فيه شيئًا. فصل: ويُكْرَهُ الأذانُ قبلَ الفجرِ في شهرِ رمضانَ. نَصَّ عليهِ أحمدُ، في رِوايةِ الجماعةِ، لئلَّا يَغْتَرَّ الناسُ بهِ فيتْرُكُوا سَحُورَهم. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُكْرَهَ في حقِّ مَنْ

стр. 572

عَرَفَ عادَتَهُ بالأذانِ في الليلِ؛ لأنَّ بلَالًا كان يفعلُ ذلك، بدلِيلِ قولِه ﷺ : "إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (٢٠) ". وقال ﵇: "لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذانُ بِلَالٍ، فإنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ ويُرْجِعَ قَائِمَكُمْ" (٢١). فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ في أوَّلِ الوقتِ، ليَعْلَمَ الناسُ، فيأخُذُوا أُهْبَتَهم للصلاةِ. ورَوَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ قال: كان بلَالٌ لا يُؤَخِّرُ (٢٢) الأذانَ عن الوقتِ، وربما أخَّرَ الإِقامة شيئًا. رواهُ ابنُ ماجَه (٢٣). وفي رِوَايةٍ قال: كان بلَالٌ يُؤَذِّنُ إذا مالَتِ الشمس، لا يَحْذِم (٢٤)، ثم لا يُقِيمُ حتَّى يَخْرُجَ النَّبِىُّ ﷺ ، فإذا خرج أقام حين يَرَاهُ. رَوَاهُ أحمد، في "المُسْنَدِ" (٢٥). ويُسْتَحَبُّ أنْ يَفْصِلَ بين الأذانِ والإِقامةِ، بِقَدْرِ الوضوءِ وصلاةِ ركْعَتَيْنِ، يتَهَيَّأُون فيها، وفى المغرِبِ يَفْصِلَ بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، أنَّه لا يُسَنُّ في المغرِبِ. ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللَّه بن] (٢٦) الإِمامِ أحمدَ، في "المُسْنَد" (٢٧)، عن أُبَىِّ بنِ كَعْبِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 573

"يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وإقَامَتِكَ نَفَسًا، يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ في مَهَلٍ، ويَقْضِى حَاجَتَهُ في مَهَلٍ". وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لبلَالٍ: "اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، والمُعْتَصِرُ (٢٨) إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ". [رواهُ التِّرْمِذِىُّ] (٢٩). ورَوَى تَمَّامٌ (٣٠)، فِي "فوائدِه"، بإسْنَادِه عن أبي هُرَيْرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "جُلُوسُ المُؤَذِّنِ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ في المَغْرِبِ سُنَّةٌ". قال إسحاقُ بنُ منصورٍ: رأيتُ أحمد خرج عندَ المغرِبِ، فحين انْتَهَى إلى موضعِ الصَّفِّ أخذ المُؤَذِّنُ في الإِقامةِ، فجلس. وَرَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن عبدِ الرحمنِ بن أبِى ليلى، أن النَّبِىَّ ﷺ جاءَ وبلالٌ في الإقامةِ، فَقَعَد. وقال أحمدُ: يقْعُدُ الرَّجُلُ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ إذا أذَّنَ المغرِب. قِيلَ: مِنْ أين؟ قال: مِنْ حديثِ أَنَسٍ وغيرِه: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ إذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوَارِىَ وصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ (٣١). ولأنَّ الأذانَ شُرِعَ (٣٢) للإِعْلامِ، فيُسَنُّ الانْتِظَارُ لِيُدْرِكَ الناسُ الصلاةَ ويَتَهَيَّأُوا لها، دليلُه سائرُ الصَّلواتِ. ١٢٦ - مسألة؛ قال: (ولَا يَسْتَحِبُّ أبُو عَبْدِ اللهِ أنْ يُؤَذِّنَ إلَّا طَاهِرًا، فَإِنْ أذَّنَ جُنُبًا أعَادَ) المُسْتَحَبُّ للمؤذِّنِ أنْ يكونَ مُتَطَهِّرًا من الحَدَثِ الأصْغَرِ والجنابةِ جمِيعًا؛

стр. 574

لِمَا رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّىءٌ". رواهُ التِّرْمِذِىُّ (١). وَرُوِىَ مَوْقُوفًا، على أبِى هُرَيْرةَ، وهو أصحُّ من المَرْفُوعَ. فإنْ أذَّنَ مُحْدِثًا جازَ، لأنَّه لَا يَزِيدُ على قِرَاءَةِ القُرْآنِ، والطهارة غيرُ مُشْتَرَطةٍ (٢) له. وإنْ أذَّنَ جُنُبًا، فعلى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، لا يُعْتَدُّ به. وهو قولُ إسحاقَ. والأخْرَى، يُعْتَدُّ به. قال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: هو المنصُوصُ عن أحمدَ، وقولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه أحدُ الحدثَيْنِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّتَه كالآخَرِ. ووَجْهُ الأُولَى مَا رُوِىَ عن وَائِل بنِ حُجْرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "حَقٌّ وَسُنَّةٌ أنْ لَا يُؤَذِّنَ أحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ" (٣)، ولأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ للصلاةِ، فأشْبَهَ القرآنَ والخُطْبَةَ. فصل: ولا يَصِحُّ الأذانُ إلَّا من مُسْلِمٍ عاقلٍ ذَكَرٍ، فأما الكافرُ والمجنونُ، فلا يصِحُّ منهما؛ لأنَّهما لَيْسَا من أهْلِ العبادَاتِ. ولا يُعْتَدُّ بأذانِ المرأةِ؛ لأنَّها ليستْ ممَّنْ يُشْرَعُ له الأذانُ، فأَشْبَهَتِ المَجْنُونَ، ولا الخُنْثَى؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رَجُلًا. وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا. وهل يُشْتَرَطُ العَدَالةُ والبُلُوغُ للاعْتِدَادِ به؟ على رِوَايَتَيْنِ في الصبىِّ، ووَجْهَيْنِ في الفاسِقِ: إحداهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، ولَا يُعْتَدُّ بأذانِ صبىٍّ ولا فَاسِقٍ؛ لأنَّه مَشْرُوعٌ للإِعْلَام، ولا يَحْصُلُ الإِعْلَامُ بقولِهِما، لأنهما ممَّنْ لا يُقْبَلُ خَبَرُه ولا رِوَايَتُه. ولأنَّه قد رُوِىَ: "لِيُؤَذِّنَ لَكُمْ خِيَارُكُمْ" (٤). والثَّانِيةُ، يُعْتَدُّ بأذانِه. وهو قولُ عطاءٍ، والشعْبِىِّ، وابْنِ أبِى ليلى، والشافِعِىِّ. ورَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، بإسنادِهِ عن عبدِ اللهِ بنِ أبِى بكرِ بن (٥) أَنَسٍ قال، كان عُمُومَتِى يأْمُرُونَنِى أنْ أُؤَذِّنَ لهم وأنا غلامٌ، ولم أحْتَلِمْ، وأنسُ بنُ مالكٍ شاهِدٌ لم يُنْكِرْ ذلك. وهذا ممَّا يَظْهَرُ ولا يَخْفَى، ولم

стр. 575

يُنْكَرْ، فيكونُ إجماعًا، ولأنه ذَكَرٌ تَصِحُّ صلاتهُ، فاعْتُدَّ بأذانِه، كالعَدْلِ البَالِغِ. ولا خِلَافَ في الاعْتِدَادِ بأذانِ مَنْ هو مَسْتُورُ الحالِ، وإنَّمَا الخِلَافُ فيمَنْ هو ظاهِرُ الفِسْقِ. ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ عَدْلًا أمينًا بالغًا، لأنه مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤْمَنُ أنْ يَغُرَّهم بأذانِه إذا لم يكنْ كذلك، ولأنَّه يُؤَذِّنُ على موْضِعٍ عالٍ، فلا يؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْرَاتِ. وفى الأذانِ المُلَحَّنِ وَجْهان: أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ المقصُودَ يَحْصُلُ منه، فهو كغيرِ المُلَحَّنِ. والآخَرُ، لا يَصِحُّ؛ لِما رَوَى الدَّارقُطْنِىُّ (٦)، بإسنادِهِ عنِ ابْنِ عبَّاس قال، كان للنَّبِىِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ (٧)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فإنْ كانَ أذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا، وإِلَّا فَلا تُؤَذِّنْ". فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ المُؤَذِّنُ بَصِيرًا؛ لأنَّ الأعمى لا يَعْرِفُ الوقتَ، فربمَّا غلِطَ، فإنْ أذَّن الأعمَى صَحَّ أذانهُ، فإنَّ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ يُؤَذِّنُ للنَّبِىِّ ﷺ ، قال ابن عمرٍو (٨): كان رَجُلًا أعمى لا يُنَادِى حتَّى يُقالَ لَهُ "أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ" رَوَاهُ البخاريُّ (٩). ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ معه بَصِيرٌ يُعَرِّفُه الوقتَ، أوْ يُؤَذِّنَ بعدَ مُؤَذِّنٍ بَصِيرٍ، كما كان ابن أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بعد أذانِ بلَالٍ. ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ عَالِمًا بالأوقاتِ؛ لِيَتَحَرَّاهَا، فيُؤَذِّنَ في أولها، وإذا لم يكنْ عالِمًا فَرُبَّما غَلِطَ وأَخْطَأ. فإنْ أذَّنَ الجاهِلُ صَحَّ أذانُهُ، فإنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعمى فالجاهِلُ

стр. 576

أوْلَى. ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ صَيِّتًا، لِيُسْمِعَ (١٠) الناسَ، واختَارَ النَّبِىُّ ﷺ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ لكَوْنِه صَيِّتًا (١١)، وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال له: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فإنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ" (١٢). ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ حسنَ الصَّوْتِ؛ لِأنَّه أَرَقُّ لسامِعِه. فصل: ولا يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ على الأذانِ، في ظاهِرِ المذهَبِ، وكَرِهَه القاسمُ بنُ عبدِ الرَحمنِ (١٣)، والأوْزاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِر؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لعثمانَ بن أبي العاص: "وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أجْرًا". رواهُ أبو داودُ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِىُّ (١٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنه قُرْبَةٌ لفَاعِلِهِ، لا يَصِحُّ إلَّا من مسلِمٍ، فلم يُستأْجَرْ (١٥) عليه كالإِمامةِ. وحُكِىَ عن أحمد روايَةٌ أُخْرَى: أنه يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. ورَخَّصَ فيه مالكٌ، وبعضُ الشافِعيَّة؛ لأنَّه عَمَلٌ مَعْلُومٌ، يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه، فجاز أخْذُ الأُجْرَةِ عليه، كسائِرِ الأعمالِ، ولا نعْلَمُ خِلَافًا في جوازِ أخذِ الرِّزْقِ عليه. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، والشافعِىِّ؛ لأنَّ بالمُسْلِمِينَ حاجَةً إليه، وقد لا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ به، وإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّلَ، ويَرْزُقُه الإِمامُ من الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فهو كأرْزاق القُضَاةِ والغُزَاةِ، وإنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ به لمْ يُرْزَقْ غَيْرُه؛ لعَدَمِ الحاجةِ إليه.

стр. 577

فصل: ويَنْبَغِى أنْ يَتَوَلَّى الإِقامةَ مَنْ تَوَلَّى الأذانَ، وبهذا قال الشافعيُّ، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا فرقَ بينه وبين غَيْرِه؛ لِما رَوَى أبو داود (١٦)، في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه رَأَى الأذانَ في المنامِ، فأتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فأخْبَرَهُ، فقال: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ". فأَلْقَاهُ عليهِ، فأَذَّنَ بلالٌ، فقالَ عبد اللهِ: أنا رأيتهُ، وأنا كنتُ أُرِيدُه. قال: "أَقِمْ أَنْتَ". ولأنَّهُ يَحْصُلُ المَقْصُودُ منه. فأشْبَهَ ما لو تولَّاهما معًا. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ ، في حديثِ زيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدَائِىّ: "إنَّ أخَا صُدَاءَ أَذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (١٧). ولِأنَّهما فِعْلَانِ مِن الذِّكْرِ، يَتَقَدَّمَانِ الصلاةَ، فيُسَنُّ أنْ يَتَوَلَّاهُمَا واحدٌ، كالخُطْبَتَيْن، وما ذَكَرُوه يَدُلُّ على الجَوازِ، وهذا على الاسْتِحْبَابِ، فإنْ سَبَقَ المُؤَذِّنُ بالأذانِ، فأرادَ المُؤَذِّنُ أنْ يُقِيمَ، فقال أحمد: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَعَ أبو مَحْذُورَةَ، كما رَوَى عبدُ العزيز بنُ رُفَيْعٍ (١٨)، قال: رأيْتُ رَجُلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحْذُورَةَ قالَ؛ فجاءَ أبو مَحْذُورَةَ، فأذَّنَ، ثم أقام. أخرجهُ الأَثْرَمُ. فإنْ أقامَ مِنْ غيرِ إعادَةٍ فلا بأْسَ، وبذلكَ قال مالكٌ، والشافعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لِمَا ذَكَرُوا (١٩) مِنْ حديث عبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُقِيمَ في موضِعِ أَذَانِهِ. قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أنْ يُقيمَ في مكانِه، ولم يَبْلُغْنِى فيه شيءٌ إلَّا حديثُ بلالٍ: "لَا تَسْبِقْنِى بآمِينَ" (٢٠). يَعْنِى لو كان يُقِيمُ في موضِعِ صلاته، لما خافَ أنْ يسبِقَهُ بِالتَّأْمِينِ؛ لأن النَّبِىَّ ﷺ إنَّمَا كان يُكَبِّرُ بعدَ فَرَاغِهِ من الإِقامةِ، ولأنَّ الإِقامةَ شُرِعَتْ للإِعْلَامِ، فَشُرِعَتْ في

стр. 578

موضِعِه، لِيكونَ أَبْلَغَ في الإِعْلَامِ، وقد دلَّ على هذا حديثُ عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال (٢١): كنا إذا سَمِعْنَا الإِقامةَ توَضَّأنَا ثم خرجْنَا إلى الصلاةِ (٢٢). إلَّا أنْ يُؤَذِّنَ في المنارةِ أو مَكَانٍ بعيدٍ من المسجدِ، فيُقيمَ في غيرِ موضِعِه، لئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصلاةِ. فصل: ولا يُقيمُ حتَّى يأْذَنَ له الإِمامُ، فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ ، وفي حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدَائِىِّ، أنَّه قال: فَجَعَلْتُ أقولُ لِلنَّبىِّ ﷺ : أقِيمُ أُقِيمُ؟ (٢٣). ورَوَى أبو حَفْصٍ (٢٤)، بإسنادِهِ عن عَليٍّ، قال: المُؤَذِّنُ أمْلَكُ بالأذَانِ، والإِمامُ أمْلَكُ بالإِقَامَةِ. (٢٥) ١٢٧ - مسألة؛ قال: (ومَنْ صَلَّى بِلَا أذَانٍ ولَا إقَامَةٍ، كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ، ولَا يُعِيدُ) يُكْرَهُ تَرْكُ الأذانِ للصَّلواتِ الخمْسِ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانت صلاتُه (١) بأذانٍ وإقَامَةٍ، والأَئمَّةُ بعده، وأمَر بهِ، قال مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ أنا ورَجُلٌ نُوَدِّعُهُ، فقال: "إذَا حَضَرَتِ الصلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤُّمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وظاهرُ كلام الْخِرَقِىِّ: أنَّ الأذانَ سُنَّةٌ مؤكَّدَةٌ،

стр. 579

وليس بواجِبٍ؛ لأنه جعلَ تَرْكَهُ مَكْرُوهًا. وهذا قولُ أبي حَنِيفة والشافعىِّ؛ لأنَّهُ دُعَاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قولَه: الصلاةَ جامِعَةً. وقالَ أبو بكر (٣) عبد العزيز: هو من فُرُوضِ الكِفَايَاتِ. وهذا قولُ أكثرِ أصحابِنَا، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ. وقالَ عطاءٌ، ومُجَاهِدٌ، والأوْزَاعِىُّ: هو فَرْضٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرَ بهِ مالكًا وصاحبَه، وداوَمَ عليهِ هو وخُلَفَاؤُهُ وأصحابُه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبُ، ومُدَاوَمَتُهُ على فِعْلِهِ دليلٌ على وُجُوبِهِ، ولأنه من شَعَائِرِ الإِسْلَامِ الظاهرةِ، فكانَ فرضًا كالجهادِ. فعلى قولِ أصحابِنَا؛ إذا قامَ بهِ مَنْ تَحْصُلُ بهِ الكفَايَةُ سَقَطَ عن البَاقِينَ؛ لأنَّ بلالًا كان يُؤَذِّنُ للنَّبِيِّ ﷺ فيَكْتَفِى بهِ. وإنْ صلَّى مُصَلٍّ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، فالصلاةُ صحيحةٌ على القَوْلَيْن؛ لِمَا رُوِىَ عن عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، أنَّهما (٤) قالا: دخَلْنَا على عبدِ اللهِ، فصلَّ ى بنا (٥)، بلا أذانِ والا إقامةٍ. رَوَاهُ الأثرَمُ. ولا أعْلَمُ أحدًا خالَفَ في ذلك إلا عَطاء، قال: مَنْ (٦) نَسِىَ الإِقامةَ يُعِيدُ. والأوزاعِىُّ قال مَرَّةً: يُعِيدُ ما دامَ في الوقتِ، فإنْ مَضَى الوقتُ فلا إعادةَ عليه. وهذا شُذُوذٌ، والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاه (٧)، ولِأنّ الإِقامةَ أحدُ الأذانَيْنِ، فلَم تَفْسُد الصلاةُ بِتَرْكِها، كالآخَرِ. فصل: ومَنْ أوْجَبَ الأذانَ مِنْ أصحابِنَا فإنَّما أوْجَبهُ على أهْلِ المِصْرِ. كذلكَ قال القاضِى: لا يجِبُ على أهْلِ غيرِ المِصْرِ مِنَ المسافِرِين. وقال مالكٌ: إنَّما

стр. 580

يَجِبُ النِّداءُ في مساجِدِ الجماعةِ التي يُجْمَعُ فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنما شُرِعَ في الأصْلِ للإِعْلامِ بالوقتِ، ليَجْتَمِعَ الناسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجماعةَ، ويَكْفِى في المِصْرِ أذَانٌ واحدٌ، إذا كان بِحَيْثُ يُسْمِعُهُم. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَكْفِى أَذَانٌ وَاحِدٌ في المَحَلَّةِ، ويَجْتَزِىءُ بَقِيَّتُهُم بالإِقَامَة. وقال أحمدُ، في الذي يُصَلِّى في بَيْتِهِ: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ. وهو قولُ الأسْوَدِ، وأبِى مِجْلَزٍ، ومُجَاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعِكْرِمَة، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مَيْمونُ بنُ مِهْرَان (٨)، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ: تَكْفِيهِ الإِقامةُ. وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إنْ شاءَ أقامَ. ووَجْهُ ذلك أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال للذى علَّمه الصلاةَ: "إذَا أرَدْتَ الصَّلَاةَ فأَحْسنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ (٩) "، ولم يأْمُرْهُ بالأَذانِ، وفي لَفظٍ رَوَاهُ النَّسَائِىُّ: "فأَقِمْ، ثُمَّ كَبِّرْ (٩) ". وحديثُ ابن مسعودٍ (١٠). والأفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ أنْ يُؤَذِّنَ ويُقِيمَ، إلا أنَّهُ إنْ كانَ يُصَلِّى قضاءً أوْ في (١١) غيرِ وقتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به. وإنْ كَانَ في الوقتِ، في بادِيَةٍ أوْ نحوِهَا، اسْتُحِبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدٍ: "إذَا كُنْتَ في غنمك أوْ بَادِيَتِكَ فأَذَّنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فإنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولَا إنْسٌ ولَا شَيءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ

стр. 581

القِيَامَةِ". قالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُه (١٢) منْ رسولِ اللهِ ﷺ (١٣). وعن أنَسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُغِيرُ إذا طَلَعَ الفجرُ، وكان إذا سَمِعَ أذانًا أَمسَكَ، وإلا أغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى الفِطْرَةِ". فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ "خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ"، فَنَظَرُوا فإذا صاحبُ مَعَزٍ. أخرجَه مُسْلِمٌ (١٤). فصل: ومَنْ فَاتَتْهُ صَلَواتٌ اسْتُحِبَّ له أنْ يؤذِّنَ لِلْأُولَى، ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صلاةٍ إقامةً، وإنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فلا بأسَ. قال الأَثْرَمُ؛ سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن رَجُلٍ يَقْضِى صَلَواتٍ (١٥)، كيف يَصْنَعُ في الأذانِ؟ فذَكَرَ حديثَ هُشَيْم، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن نافِعِ بنِ جُبَيْر، عن أبِى عُبَيْدَةَ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبِيهِ، أنَّ المُشْرِكِينَ شغلُوا النَّبِىَّ ﷺ عنَ أَرْبَعِ صلواتٍ يومَ الخندَقِ، حتَّى ذَهَبَ مِنَ الليلِ ما شاءَ اللهُ، قال: فأَمَرَ بلالًا فأذنَ وأقامَ، وصلَّى الظُّهْرَ، ثم أمَرَهُ فأقامَ، فصلَّى العَصْرَ، ثم أمَرَهُ فأقامَ، فصلَّى المَغْرِبَ، ثم أمَرَه فأقامَ، فصلَّى العِشَاءَ (١٦). قال أبو

стр. 582

عبد اللهِ: وهشامٌ الدَّسْتُوَائِّىُّ (١٧) لم يَقُلْ كما قالَ هُشَيْم، جَعَلَها إقَامَةً إِقامَةً (١٨). قُلْتُ فكأنَّكَ تخْتَارُ حديثَ هُشَيْم؟ قال: نعَمْ هو زيادةٌ، أىَّ شيءٍ يَضُرُّهُ؟ وهذا في الجماعةِ. فإنْ كان يَقْضِى وحدَهُ كان استحْبَابُ ذلك أدْنى في حَقِّهِ، لأنَّ الأَذَانَ والإِقامَةَ للإِعْلَامِ، ولا حاجةَ إلى الإِعْلَامِ ههنَا، وقد رُوِىَ عن أحمدَ في رَجُلٍ فاتَتْهُ صلواتٌ فقضاهَا: ليُؤَذِّنْ، ويُقِمْ (١٩) مَرَّةً واحدةً، يُصَلِّيها كُلَّها. فَسَهَّلَ في ذلك، ورَآهُ حسنًا. وقال الشافعي نحوَ ذلك، ولى قولَانِ آخرانِ: أحدُهما، أنَّه يُقِيمُ ولا يُؤَذِّنُ. وهذا قولُ مالكٍ؛ لِمَا رَوَى أبو سعيدٍ قال؛ حُبِسْنَا يَومَ الخَنْدَقِ عن الصلاةِ، حتى كان بَعْدَ المغرِبِ بِهَوِيٍّ (٢٠) مِنَ اللَّيْلِ، قال: فدعا رسولُ اللهِ ﷺ بلالًا، فأمَرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ، فصلَّاها، ثم أمَرَهُ، فأقامَ العصرَ، فصلَّاها (٢١). ولأنَّ الأذانَ للإِعْلَامَ بالوقتِ، وقد فاتَ. والقولُ الثالثُ (٢٢): إنْ رُجىَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ أذَّنَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الأذانَ مَشْرُوعٌ للإِعْلَامِ، فلَا يُشْرَعُ إلَّا مع الحاجةِ. وقال أبو حنيفَة: يُؤَذِّنُ لكُلِّ صلاةٍ ويُقِيمُ؛ لأنَّ ما سُنَّ للصلاةِ في أدائِها سُنَّ في قضائِها، كسَائِرِ المَسْنُونَاتِ. ولَنا، حديثُ ابنِ مسعُودٍ (٢٣)، رَوَاهُ الأثْرَمُ، والنَّسَائِىُّ، وغيرُهما، وهو

стр. 583

مُتَضَمِّنٌ للزِّيادةِ، والزِّيَادَةُ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وعن أبِى قَتادَةَ، أنَّهم كانُوا مع النَّبِيِّ ﷺ ، فنامُوا حتَّى طلعتِ الشَّمْسُ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بِلَالُ، قُمْ فَأذِّنِ النَّاسَ (٢٤) بِالصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٥)، ورواهُ عِمْرانُ بنُ حُصَيْن أيضًا. قال: فأمَرَ بِلَالًا فأذَّنَ، فصَلَّ يْنَا ركْعَتَيْنِ، ثم أَمَرَهُ فأقام فصلَّيْنَا. مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). ولَنا، على أبي حَنِيفة حديثُ ابنِ مسعودٍ وأبي سعيدٍ (٢٧)، ولِأنَّ الثَّانِيَةَ من الفَوَائِتِ صلاةٌ قد (٢٨) أُذِّنَ لِما قَبْلَها، فأَشْبَهَت الثَّانِيَةَ من المَجْمُوعَتَيْن، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بهذا. فصل: فإنْ جَمَعَ بين صلَاتَيْنِ في وقتِ أُولاهما، استُحِبَّ أنْ يُؤذِّنَ لِلْأُولَى ويُقِيمَ، ثم يُقِيمَ لِلثَّانِيَةِ وإنْ جَمَعَ بيْنَهُما في وقتِ الثَّانِيَةِ فهما كالفائِتَتَيْنِ، لا يتأَكَّدُ الأذانُ لهما؛ لأنَّ الأُولَى منهُما تُصَلَّى في غيرِ وقتِها، والثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ قبلَها. وإنْ جَمَعَ بينهُما بإقامةٍ واحِدَةٍ فلا بأْسَ. وقال أبو حنيفَة في المَجْمُوعَتَيْنِ: لا يُقِيمُ للثَّانِيَةِ؛ لأنَّ ابن عمرَ رَوَى أنَّهُ صَلَّى مع رسولِ اللهِ ﷺ المغرِبَ والعِشَاءَ بمُزْدَلِفَةَ بِإِقامةٍ وَاحِدَةٍ (٢٩). صَحِيحٌ. وقال مالكٌ: يُؤَذِّنُ للأُولَى والثَّانِيةِ ويُقِيمُ؛ لأنَّ الثَّانِيَةَ منهما صلاةٌ يُشْرَعُ لها الأذانُ، وهى مَفْعُولَةٌ في

стр. 584

وقتِها، فيُؤَذِّنُ لها كالأُولَى. ولَنا، على الجَمْعِ في وقت الأُولَى، ما رَوَى جابر، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرَفةَ، وبين المغرِبِ والعِشَاءِ بمُزْدَلِفَةَ، بأذانٍ وإقَامَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٠). ولأنَّ الأُولَى منهما في وقتِها، فيُشْرَعُ لها الأذانُ كما لو لم يَجْمَعْهُما. وأمَّا إذا كان الجَمْعُ في وقتِ الثَّانِيَةِ، فقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ بين المَغرِبِ والعِشَاءِ بجَمْعٍ (٣١)، كُلُّ واحدةٍ منهما بِإِقَامَةٍ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣٢). وإنْ جَمَعَ بينهما بإقامةٍ، فلا بأسَ؛ لحدِيثٍ آخَرَ (٣٣)، ولأنَّ الأُولَى مَفْعُولَةٌ في غيرِ وقتها، فأَشْبَهَتِ الفَائِتَةَ، والثَّانِيَةَ منهما مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ، فلا يُشْرَعُ لها الأذَانُ، كَالثَّانِيَةِ من الفَوَائِتِ، وما ذَهَبَ إليه مالكٌ يُخَالِفُ الخَبَرَ الصَّحِيحَ، وقد رَوَاهُ في "مُوَطَّئِه" (٣٤)، وذَهَبَ إلى ما سِوَاهُ. فصل: ويُشْرَعُ الأذانُ في السَّفَرِ للرَّاعِى وأشباهِه، في قولِ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، وكان ابن عمرَ يُقِيمُ لكُلِّ صلاةٍ إقَامَةً، إلَّا الصُّبْحَ، فإنَّهُ يُؤَذِّنُ لها ويُقِيمُ، وكان يقولُ: إنَّمَا الأذانُ على الأميرِ والإِمامِ (٣٥) الَّذى يَجْمَعُ الناسَ، وعنهُ، أنَّهُ كان

стр. 585

لا يُقِيمُ الصلاةَ (٣٦) في أرض تُقَامُ فيها الصلَاةُ. وعن عليِّ أنه قالَ: إنْ شَاءَ أذَّنَ وأقَامَ، وإنْ شاءَ أقامَ. وبه قال عُرْوَة، والثَّوْرِىُّ. وقال الحسنُ، وابن سِيرِينَ: تُجْزِئُهُ الإِقامةُ. وقال إبراهيمُ، في المُسَافِرِينَ: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإذا كان وَحْدَهُ أقام الصلاةَ (٣٧) ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُؤَذَّنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وقد ذَكَرْنَا ذلك في حديثِ أبِى قَتَادَةَ، وعِمْران، وزيادِ بنِ الحارثِ، وأمَرَ بهِ مالكَ بنَ الحُوَيْرِثِ وصاحبَهُ، وما نُقِلَ عن السَّلَفِ في هذا فالظَّاهِرُ أنهم أرادُوا الواحدَ وَحْدَهُ، وقد بَيَّنَهُ إبراهيمُ النَّخَعِىُّ في كلامِهِ، والأذانُ مع ذلكَ أفضلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا منْ حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنَسٍ، ورَوَى عُقْبَةُ بن عامرٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِى غَنَمٍ في رَأْسِ الشَّظِيَّةِ (٣٨) لِلْجَبلِ، يُؤَذِّنُ للصَّلاةِ (٣٩)، ويُصَلِّى، فَيَقُولُ اللهُ : انْظُرُوا إلَى عَبْدِى هَذَا يُؤَذِّنُ ويُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّى، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى، وأَدْخَلْتُه الجَنَّةَ". رواهُ النَّسَائِىُّ (٤٠). وقال سَلْمَانُ الفَارسىُّ: إذا كانَ الرَّجُلُ بأرْضِ قِيٍّ (٤١)، فأقام الصلاةَ، صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ، فإنْ أذَّنَ وأقام صَلَّى خلفهُ من الملائِكَةِ ما لَا يُرَى قُطْراهُ (٤٢)، يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ، ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، ويُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ. وكذلك قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، إلَّا أنَّه قالَ: صَلَّى خَلْفَهُ [من المَلائِكةِ] (٤٣) أمْثالُ الجبالِ. فصل: ومَنْ دَخَلَ مسجِدًا قد صُلِّىَ فِيهِ، فإنْ شَاءَ أذَّنَ وأقام. نَصَّ عليه

стр. 586

أحمدُ؛ لِمَا رَوَى الأثْرَمُ، وسعيدُ بنُ منصورٍ (٤٤)، أَنَّه دَخَلَ مسجِدًا قد صَلُّوا فيهِ، فأَمَرَ رَجُلًا فأَذَّنَ وأقامَ، وصَلَّى بهِمْ في جماعَةٍ. وإنْ شاءَ صَلَّى منْ غَيْرِ أذانٍ ولا إقامةٍ؛ فإنَّ عُرْوَةَ قال: إذَا انْتَهَيْتَ إلى مسجِدٍ قد صَلَّى فيهِ ناسٌ أذَّنُوا وأقَامُوا، فإنَّ أذانَهم وإقامتَهم تُجْزِىءُ عَمَّنْ جاء بَعْدَهم. وهذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّ الحسنَ، قال: كان أحَبَّ إليهم أنْ يُقِيمَ. وإذا أَذَّنَ فالمُسْتَحَبُّ أنْ يُخْفِىَ ذلك ولا يَجْهَرَ به؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بالأذانِ في غيرِ مَحَلِّه (٤٥). فصل: وليسَ على النِّسَاءِ أذانٌ ولا إقامةٌ، وكذلكَ قال ابن عمرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا أعلمُ فيه خلافًا. وهل يُسَنُّ لهُنَّ ذلكَ؟ فقد رُوِىَ عن أحمدَ، قال: إنْ فَعَلْنَ فلا بَأْسَ، وإنْ لم يَفْعَلْنَ فجائِزٌ. وقال القاضي: هل يُسْتَحَبُّ لها الإِقامةُ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وعن جَابِرٍ: أنَّها تُقِيمُ. وبه قال عطاءٌ، ومُجَاهدٌ، والأوْزَاعِىُّ. وقال الشافعيُّ: إنْ أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ. وعن عائشةَ، أنَّها كانتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ. وبه قال إسحاقُ. وقد رُوِىَ عن أُمِّ وَرَقَةَ, أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أذِنَ لها أنْ يُؤَذَّنَ لها ويُقَامَ، وتَؤُمَّ نِسَاءَ أهْلِ دَارِها (٤٦) وقِيلَ: إنَّ هذا الحديث يَرْوِيهِ الوليدُ ابنُ جُمَيْع (٤٧)، وهو ضعيفٌ. ورَوَى النَّجَّادُ، بإسنادِهِ، عن أسمَاءَ بنْت يَزيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ ولَا إِقَامَةٌ" (٤٨). ولأنَّ الأذانَ في الأصْلِ للإِعْلَامِ، ولا يُشْرَعُ لها ذلك، والأذانُ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها رَفْعُ الصوتِ، ومَنْ لا يُشْرَعُ في حَقِّهِ الأَذانُ لا يُشْرَعُ في حَقِّهِ الإِقامةُ، كغَيْرِ المُصَلِّى، وكمَنْ أَدْركَ بعضَ الجماعةِ.

стр. 587

١٢٨ - مسألة؛ قال: (ويَجْعَلُ أَصْابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، أَنَّه يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، وعليهِ العملُ عند أهلِ العِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَجْعَلَ المُؤَذِّنُ إصْبَعَيْه في أُذُنَيْهِ، كذلك (١) قال التِّرْمِذِىُّ؛ لما رَوَى أبو جُحَيْفَة (٢)، أَنَّ بلَالًا أَذَّنَ ووَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن سَعدْ (٤)، مُؤَذِّنِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بلالًا أنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، وقال: "إنَّهُ أَرفَعُ لِصَوْتِكَ (٥) ". ورَوَى أبو طالِبٍ (٦)، عن أحمدَ، أَنَّه قال: أحَبُّ إلَىَّ أنْ يَجْعَلَ يديهِ على أُذُنَيْهِ، على حديثِ أبي مَحْذُورَة (٧). وضَمَّ أصابِعَهُ الأرْبَعَ ووضعَها (٨) على أُذُنَيْهِ. وحَكَى أبو حَفْصٍ (٩)، عن ابن بَطَّةَ، قال: سأَلْتُ أبا القاسِمِ الْخِرَقِىِّ، عن صِفَةِ ذلك؟ فأرانِيهِ بيَدَيْهِ جَمِيعًا، فضَمَّ أصَابِعَه على راحَتَيْه، ووضَعَهما على أُذُنَيْهِ. واحْتَجَّ لذلك القاضِى بما رَوَى أبو حفْصٍ، بإسْنادِهِ عن ابنِ عمرَ، أنَّهُ كان إذا بَعَثَ مُؤَذِّنًا يقُولُ لَهُ: اضْمُمْ أصابِعَكَ

стр. 588

مع كَفَّيْكَ، وَاجْعَلْهَا مَضْمُومَةً على أُذُنَيْكَ. وبما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن أبي مَحْذُورَة، أنَّهُ كان يَضُمُّ أصابِعَهُ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه عندَ (١٠) أهْلِ العِلْمِ (١١)، وأيُّهما فَعَلَ فحَسَنٌ، وإنْ تَرَكَ الكُلَّ فلا بأْسَ. فصل: ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصوتِ بالأذانِ؛ ليكونَ أَبْلَغَ في إعْلَامِه، وأعْظَمَ لثَوَابِه، كما ذُكِرَ في خبرِ أبي سعيدٍ (١٢)، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه في رَفْعِ صوتِهِ زيَادَةً على طاقَتِهِ؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بنَفَسِه، ويَنْقَطِعَ صوتُه: فإنْ أذَّنَ لعَامَّةِ الناسِ جَهَرَ بجَمِيعِ الأذانِ، ولا يَجْهَرُ بِبَعْضٍ، ويُخَافِتُ بِبَعْضٍ؛ لئَلَّا يَفُوتَ مَقْصُودُ الأذانِ، وهو الإِعْلَامُ. وإنْ أذَّنَ لِنَفْسِهِ، أوْ لجماعةٍ خَاصَّةٍ حَاضِرِينَ، جازَ أنْ يُخافِتَ [وأنْ يَجْهرَ] (١٣)، وأنْ يُخَافِتَ بِبَعْضٍ ويجْهَرَ بِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يكونَ في غيرِ (١٤) وقْتِ الأذانِ. فلا يَجْهَرُ بِشىءٍ منه؛ لِئَلَّا يَغُرَّ الناسَ بأذانِه. فصل: وينْبَغِى أنْ يُؤَذِّنَ قائمًا (١٥)، قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلْمِ، أنَّ السُّنَّةَ أنْ يُؤَذِّنَ قائِمًا. وفي حديثِ أبي قَتَادةَ، الذي روَيْنَاه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لبلَالٍ: "قُمْ فَأَذِّنْ (١٦) ". وكان مُؤَذِّنُو رسولِ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُونَ قيَامًا. وإنْ كان له عُذْرٌ فلا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ قاعِدًا، قال الحسنُ العَبْدِىُّ: رأيتُ أبا زيدٍ صاحِبَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانت رِجْلُهُ أُصِيبَتْ في سبِيلِ اللهِ، يُؤَذِّنُ [وهو قاعدٌ] (١٧). رواهُ الأثْرَمُ (١٨). فإنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لغيرِ عُذْرٍ فقدْ كَرِهَهُ

стр. 589

أهْلُ العِلْمِ، ويَصِحُّ؛ فإنَّهُ ليس بآكَدَ مِن الخُطْبَةِ، وتَصِحُّ من القاعِدِ. قال الأثْرَمُ: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الأذانِ على الرَّاحِلَةِ؟ فَسَهَّلَ فيه، وقال: أمْرُ الأذانِ عندى سَهْلٌ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أَنَّهُ كان يُؤَذِّنُ على الرَّاحِلَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ (١٩). وإذا أُبِيحَ التَّنَفُّلُ على الرَّاحِلَة، فالأذانُ أوْلَى. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ على شيءٍ مُرْتَفعٍ؛ ليكُونَ أبْلغَ لتَأْدِيَةِ صوتِه، وقد رَوَى أبو داوُد (٢٠)، عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عن امرأةٍ من بنى النَّجَّارِ قالت: كانَ بَيْتِى مِن أطولِ بيتٍ حولَ المسجِدِ، وكان بلالٌ يُؤَذِّنُ عليه الفجرَ، فيَأْتِى بِسَحَرٍ، فيَجْلِسُ على البيتِ يَنْظُرُ إلى الفجرِ فإِذا رَآهُ تَمَطَّى، ثم قال: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَعِينُكَ وأسْتَعْدِيكَ على قُرَيْشٍ، أنْ يُقِيمُوا دِينَكَ. قالت: ثم يؤذِّنُ. وفى حديثِ بَدْءِ الأذانِ، فقال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يا رسولَ اللَّه، رأَيْتُ رَجُلًا، كأنَّ عليهِ ثَوْبَيْن أَخْضَرَيْنِ، فقَامَ على المسجدِ فأَذَّنَ، ثم قعَدَ قَعْدَةً، ثم قام فقالَ مِثْلَهَا، إلَّا أنَّهُ يَقُولُ: قد قامتِ الصَّلَاةُ. (٢١) فصل: ولا يُسْتَحَبُّ أنْ يَتَكَلَّمَ في أثْناءِ الأذانِ، وكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أهلِ العِلْمِ، قال الأوْزَاعِىُّ: لم نَعْلَمْ أحدًا يُقْتَدَى بهِ فعل ذلك. ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وعَطَاءٌ، وعُرْوةُ (٢٢)، وقَتَادَةُ، وسليمانُ بنُ صُرَد (٢٣). فَإِنْ تَكَلَّمَ بكَلَامٍ يَسِيرٍ جَازَ. وإنْ طالَ الكلامُ بَطَلَ الأذانُ؛ لأنَّه يَقْطَعُ المُوَالَاةَ المَشْرُوطَةَ في الأذانِ، فلا يُعْلَمُ أنَّه أذانٌ. وكذلكَ لو سَكَتَ سُكُوتًا طَويلًا، أو نام نَوْمًا طويلًا، أو أُغْمِىَ عليه، أَو أصَابَه جنونٌ يَقْطَعُ الموَالَاةَ، بَطَلَ أذانُه. وإنْ كان الكلامُ يَسِيرًا مُحَرَّمًا كالسَّبِّ

стр. 590

نحوهِ، فقال بَعْضُ أصحابنا: فيهِ وجهانِ، أحَدُهما، لا يَقْطَعُهُ؛ لأنهُ لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، فأشْبَهَ المُبَاحَ. والثانى، يَقْطَعُه؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ فيه. وأمَّا الإِقامةُ فلا يَنْبَغِى أنْ يَتَكَلَّمَ فيها؛ لأنَّه (٢٤) يُسْتَحَبُّ حَدْرُها، وأنْ لا يُفَرِّق بينها. قال أبو داود: قُلْتُ لأحمدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ في أذانه؟ فقال: نعم. فقُلْتُ (٢٥) له: يَتَكَلَّمُ في الإِقامةِ؟ فقال: لا. فصل: وليس للرَّجُلِ أنْ يَبْنِىَ على أذانِ غيره؛ لأنَّه عبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فلا يَصِحُّ مِن شَخْصيْنِ، كالصَّلاةِ. والرِّدَّةُ تُبْطِلُ الأذانَ إنْ وُجِدَتْ في أثْنَائِهِ، فإنْ وُجدَتْ بعدَهُ، فقال القَاضِى: قِيَاسُ قولِهِ في الطهارِة أنْ تَبْطُلَ أيضًا، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّها وُجِدَتْ بعدَ فرَاغِهِ، وانْقِضَاءِ حُكْمِهِ، بحَيْثُ لا يُبْطِلُهُ شيءٌ منْ مُبْطِلَاتِهِ، فأشْبَهَ سائرَ العباداتِ إذا وُجِدَتْ بعدَ فَرَاغِهِ مِنها، بخلافِ الطهارَةِ، فإنَّها تَبْطُلُ بمُبْطِلَاتِها، فالأذانُ أشْبَهُ بِالصلاةِ في هذا الحُكمْ منهُ (٢٦) بالطهارةِ، واللهُ تعالى أعْلَمُ. فصل: ولا يَصِحُّ الأذانُ إلَّا مُرَتَّبًا؛ لأنَّ الْمَقْصُودَ منه يَخْتَلُّ بعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وهو الإِعْلَامُ، فإنَّهُ إذا لم يَكُنْ مُرَتَّبًا، لم يُعْلَمْ أنَّه أذانٌ، ولأَنَّهُ شُرِعَ في الأَصْلِ مُرَتَّبًا، وعَلَّمَهُ النَّبِىُّ ﷺ أبا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا. ١٢٩ - مسألة؛ قال: (ويُدِيرُ وَجْهَهُ عَلَى يَمينِهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وعَلَى يَسَارِهِ إذَا قالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ. ولَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) المُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ فإنَّ مُؤَذِّنِى النَّبِيِّ ﷺ كانوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلى القِبْلَة. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُديرَ وجههُ على يمِينِه، إذا قال "حَيَّ على الصَّلَاةِ" وعلى يَسَارِهِ (١)، إذا قال "حَيَّ على الفَلَاحِ". ولا يُزِيلُ

стр. 591

قَدَميْه عن القِبْلَةِ في الْتِفَاتِه؛ لِمَا رَوَى أبو جُحَيفةَ، قال: رَأَيْتُ بلالًا يُؤَذِّنُ، وأتَتَبَّعُ (٢) فاهُ ههُنَا وههُنَا (٣). مُتَّفَقٌ عليهِ. وفى لفظٍ قال: أَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ منْ أَدَمٍ، فخَرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمَّا بلغ حَىَّ على الصَّلَاةِ حَىَّ على الفَلَاحِ، الْتَفَتَ يمِينًا وشِمَالًا (٤)، ولم يَسْتَدِرْ. رواهُ أبو داود (٥). وظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَسْتَدِيرُ، سواءٌ كان على الأرْضِ أوْ فوقَ المَنَارَةِ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وذَكَرَ أصحابُنا، عن أحمدَ، فِيمَنْ أَذَّنَ في المنارَةِ روايَتَيْن: إحْدَاهما، لا يدورُ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّه يَسْتَدْبِرُ القِبْلَةَ، فَكُرِهَ، كما لو كان على وَجْهِ الأَرْضِ. والثَّانِيَة، يدُورُ في مَجَالِها، لأنَّه لا يَحْصُلُ الإِعْلَامُ بِدُونِهِ، وتَحْصِيلُ المَقْصُودِ بالإِخْلَالِ بأدَبٍ أَوْلَى من العَكْسِ، ولو أخَلَّ بِاسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ أو مَشَى في أذَانِه، لم يَبْطُلْ، فإن الخُطْبَةَ آكَدُ من الأذانِ، ولا تَبْطُلُ بهذا. وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وهو يَمْشِى؟ فقال: نعم، أَمْرُ الأذانِ عندى سَهْلٌ. وسُئِلَ عن المُؤَذِّنِ يمشِى وهو يُقِيمُ. قال: يُعْجِبُنِى أنْ يَفْرُغَ ثُمَّ يمشِى. وقال في رِوَايةِ حَرْبٍ: في المُسَافِرِ أحَبُّ إلىَّ أَنْ يُؤَذِّن ووَجْهُهُ إلى القِبْلَةِ، وأَرْجُو أنْ يُجْزِىءَ. ١٣٠ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ المُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ) لا أَعْلَمُ خِلَافًا بين أَهْل العِلْمِ في اسْتِحْبَابِ ذلك، والأصلُ فيهِ ما رَوَى أبو سعِيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "فإذَا سَمِعْتُم النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ورواهُ جَمَاعَةٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ منهم: أبو

стр. 592

هُرَيْرَة (٢)، [وعمرو بنُ العاصِ وابْنُه] (٣)، وأُمُّ حَبِيبَةَ (٤). وقال غيرُ الْخِرَقِىِّ من أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ أنْ يقولَ عند الحَيْعَلَةِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ. نَصَّ عليهِ أحمدُ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنَادِه عن أبي رَافِعٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ كان إذا سَمِعَ الأذَانَ، قالَ مِثْلَ ما يقولُ المُؤَذِّنُ، فإذا بَلَغَ حَيَّ على الصلاةِ، قال: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ (٥) ". ورَوَى حَفْصُ بنُ عاصمِ بن (٦) عمر بن الخَطَّابِ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فقَالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ. قالَ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ. ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَدًا رَسُولُ اللهِ. قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قالَ: لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، ثُمَّ قالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ. قالَ: لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ. ثم قالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. ثم قالَ: لَا إلهَ

стр. 593

إلَّا اللهُ. قالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ. خَالِصًا (٧) مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ". رواهُ مُسْلِمٌ وأبو داود (٨). قال أبو بكر الأَثْرَم: هذا مِن الأحادِيثِ الجِيَادِ - يَعْنى هذا الحديث - وهذا أخَصُّ مِنْ حديثِ أبي سعِيدٍ، فَيُقَدَّمُ عليه (٩)، أو يُجْمَعُ بينهما. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ في الإِقامةِ مِثْلَ ما يقولُ، ويقولُ عندَ كلمةِ الإِقَامةِ: أقامَهَا اللهُ وأدامَها؛ لِمَا رَوَى أبو داود (١٠)، بإسْنَادِهِ عن بعضِ أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ بلَالًا أخذ في الإِقامةِ، فلمَّا أنْ قال: قَد قامتِ الصَلاةُ. قال النَّبِىُّ ﷺ : "أقَامَها اللهُ وأدَامَها". وقال في سَائِرِ الإقامةِ كنحوِ حديثِ عمرَ في الأذانِ. فصل: رَوَى سعدُ بنُ أبي وَقَّاص، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ (١١): وأَنَا أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا [عَبْدُهُ ورَسُولُهُ] (١٢)، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا، وبالإِسْلَامِ دِينًا، وبمُحَمَّدٍ رَسُولًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ". رواهُ مُسْلِمٌ (١٣). وعن جَابِرٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَه. حلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى يَوْمَ القِيَامَةِ". رواهُ البُخَارِىُّ. (١٤) وعن أُمِّ

стр. 594

سَلَمَةَ قالت: عَلَّمَنِى النَّبِىُّ ﷺ أنْ أَقُولَ عند أذَانِ المَغْرِبِ: "اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وإدْبَارُ نَهَارِكَ، وأصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِى". رواهُ أبو داوُد (١٥). ورَوَى أنسٌ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ". رَوَاهُ أبو داود، [والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ، وقال: حديثُ حَسَنٌ] (١٦). فصل: إذا سَمِعَ الأذانَ، وهو في قرَاءَةٍ، قَطَعَها، ليَقُولَ مِثْلَ قَوْلِه (١٧)؛ لأنَّه يَفُوتُ، والقِرَاءَةُ لا تَفُوتُ. وإنْ سَمِعَهُ في الصلَاةِ، لَمْ يَقُلْ مِثْلَ قَوْلِهِ؛ لئَلَّا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ بما ليس منها، وقد رُوِىَ: "إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلًا (١٨) ". وإنْ قالَهُ ما عدا الحَيْعَلَة لم تَبْطُل الصلاةُ؛ لِأَنَّه ذِكْرٌ، وإنْ قال الدُّعَاءَ إلى الصلَاةِ فيها، بَطَلَتْ؛ لأنَّه خطابُ آدَمِىٍّ. فصل: ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهُ كان إذا أَذَّنَ، فقال كَلِمَةً مِنَ الأذانِ، قال مِثْلَها سِرًّا. فَظَاهِرُ هذا أنَّهُ رَأَى ذلك مُسْتَحَبًّا، ليكونَ ما يُظْهِرُهُ أذَانًا ودُعَاءً إلى الصَّلاةِ، وما يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلّهِ تعالى، فيَكونُ بِمَنْزِلَةِ من سَمِعَ الأذانَ.

стр. 595

فصل: قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ [عن الرَّجُلِ] (١٩) يَقُومُ حين يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ مُبَادِرًا يَرْكَعُ؟ فقال: يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ رُكوعُهُ بعدَ مَا يَفْرُغُ المُؤَذِّنُ، أو يَقْرُبُ مِنَ الفَرَاغِ؛ لأنَّه (٢٠) يقالُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ الأذَانَ، فلا يَنْبَغِى أنْ يُبَادِرَ بِالقِيَامِ. وإنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَسَمِعَ المُؤَذِّنَ اسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظَارُهُ ليَفْرُغَ، ويقُولُ مِثْلَ ما يَقُولُ جَمْعًا بين الفَضِيلَتَيْنِ. وإنْ لم يَقُلْ كقَوْلِهِ وافْتَتَحَ الصلاةَ، فلا بأْسَ. نَصَّ عليهِ أحمدُ. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ على مُؤَذِّنَيْنِ؛ لأنَّ الذي حُفِظَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كان مُؤَذِّنَانِ، بِلالٌ، وَابْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ. إلَّا أنْ تَدْعُو الحاجةُ إلى الزِّيَادَةِ عليهما فيَجُوزُ، فقد رُوِىَ عن عُثْمَانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّهُ كانَ له أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ. وإنْ دَعَتِ الحَاجَةُ إلى أَكْثَرَ منه، كان مَشْروعًا، وإذا كانُوا (٢١) أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وكان الواحِدُ يُسْمِعُ الناسَ، فَالمُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بعدَ واحِدٍ؛ لأَنَّ مُؤَذِّنِى النَّبِيِّ ﷺ كان أحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بعدَ الآخَرِ. وإنْ كان الإعْلَامُ لا يَحْصُلُ بِواحِدٍ، أَذَّنُوا على حَسَبِ ما يُحْتَاجُ إليه؛ إمَّا أنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ في مَنَارَةٍ أو نَاحِيَةٍ، أوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. قال أحمدُ: إنْ أذَّنَ عِدَّةٌ في مَنَارَةٍ فلا بأْسَ، وإنْ خَافُوا مِن تَأْذِينِ واحدٍ بعدَ الآخَر فوَاتَ أَوَّلِ الوَقْتِ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً. فصل: ولا يُؤَذَّنُ قبلَ المُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ، إلَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ أو يُخَافَ (٢٢) فواتُ وقتِ التَّأْذِينِ، فَيُؤَذِّنُ غيْرُه، كما رُوِىَ عن زيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدَائِىِّ، أنَّهُ أذَّنَ للنَّبِىِّ ﷺ حين غابَ بلَالٌ، وقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَه (٢٣). وأذَّنَ رَجُلٌ جن غابَ أبو

стр. 596

مَحْذُورَة قَبْلَه. فأَمَّا مع حُضُورِهِ فلا يُسْبَقُ بالأذانِ، فإنَّ مُؤَذِّنِى النَّبِيِّ ﷺ لم يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بالأذانِ. فصل: وإذا تَشَاحَّ نَفْسَانِ في الأذَانِ قُدِّمَ أكمَلُهما (٢٤) في الخِصَالِ المُعْتَبَرَةِ في التَّأْذِينِ، فيُقَدَّمُ مَنْ كان أعْلَى صوتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فإنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ (٢٥) ". وقَدَّمَ أبا مَحْذُورَة لصَوْتِهِ (٢٦). وكذلك يُقَدَّمُ مَنْ كان أَبْلَغَ في مَعْرِفَةِ الوقتِ، وأَشَدَّ مُحَافَظَةً عليه، ومَنْ يَرْتَضِيهِ الجِيرَانُ؛ لأَنَّهُمْ أعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صوتُه ومَنْ هو أعَفُّ عن النَّظَرِ. فإنْ تَسَاوَيَا مِنْ جمِيعِ الجِهَاتِ أُقْرِعَ بينهما؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْه، لَاسْتَهَمُوا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧). ولمَّا تَشَاحَّ الناسُ فِي الأذانِ يومَ القادسِيَّةِ أقْرَعَ بينهم سعدٌ (٢٨). فصل: ويُكْرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ. فإنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ المَعْنَى. فإنَّ مَنْ قال: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولَ اللهِ، ونَصَبَ لام رسولٍ، أخْرَجَهُ عن كَوْنِهِ خَبَرًا. ولا يَمُدُّ لَفْظَةَ، "أَكْبَر" لأنَّهُ يَجْعَلُ فيها أَلِفًا، فيَصِير جَمْع كَبرَ، وهو الطَّبْلُ. ولَا تَسْقُطُ الهاءُ مِن اسمِ اللهِ تعالى وَاسْمِ الصلاةِ، ولا الحَاءُ مِن الفلاحِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الهاءَ" قُلْنَا: وكَيْفَ يَقُولُ؟ قالَ: "يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إِلَه إلَّا اللَّه (٢٩) أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه (٢٩) ". أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ. فأَمَّا إنْ كان ألْثَغَ لُثْغَةً لا تَتَفَاحَشُ، جازَ أَذانُهُ، فقد رُوِىَ أنَّ بلَالًا كان يقولُ "أسْهَدُ" يَجْعَلُ الشِّينَ

стр. 597

سِينًا. وإنْ سلمَ مِنْ ذلك كانَ أكملَ وأحْسَنَ. فصل: وإذا أذَّنَ في الوقتِ، كُرِهَ له أنْ يَخْرُجَ من المسجِدِ، إلَّا أن يكونَ لحَاجَةٍ ثم يَعُود؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى إقامةِ الصلاةِ فلا يُوجَدُ. وإنْ أذَّنَ قبلَ الوقتِ لِلفجرِ، فلا بَأْسَ بِذَهَابِه؛ لأنَّه لا يُحْتَاجُ إلى حُضُورِه. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ في اللَّيْلِ، وهو على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المنزلَ، ويَدَعُ المسجِدَ: أرْجُو أن يكونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّنَ وهو مُتَوَضِّىءٌ في وقتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أنْ يَخْرُجَ مِن المسجِدِ حتَّى يُصَلِّىَ، إِلَّا أنْ تكونَ له الحاجَةُ. فصل: وإنْ أذَّنَ المُؤَذِّنُ في بَيْتِهِ، وكانَ قريبًا مِنَ المسجِدِ، فلا بأْسَ، وإنْ كانَ بعيدًا فلَا؛ لأنَّ القَرِيبَ أذَانُهُ مِنْ عِنْد المَسْجِدِ، فيَأْتِيه السَّامِعُون لِلأذَانِ، والبَعِيدَ رُبَّما سَمِعَهُ مَنْ لا يَعْرِفُ المسجِدَ، فيَغْتَرُّ به ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجِد، وقَدْ رُوِىَ (٣٠) في الَّذِى يُؤَذِّنُ في بيتِه، وبَيْنَهُ وبين المسجِدِ طَرِيقٌ يُسْمِعُ الناسَ: أَرْجُو أنْ لا يَكوُنَ بهِ بأسٌ. وقال، في روايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، فِيمَنْ يُؤَذِّنُ في بَيْتِهِ على سَطْحٍ: معاذ اللَّه، ما سَمِعْنَا أنَّ أحدًا يَفْعَلُ هذا. فالأوَّلُ المُرَادُ بهِ القريبُ، ولهذا كان بلَالٌ يُؤَذِّن على سَطْحِ امْرَأةٍ مِنْ قُرَيْش، لَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ المسجِدِ عاليًا. والثَّانِى مَحْمُولٌ على البَعِيدِ؛ لما ذكرْناهُ. فصل: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ، وأقام، لم يُسْتَحَبُّ لسَائِرِ النَّاس أنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ إنْسانٍ مِنْهُمْ في نَفْسِه ويُقِيمَ، بعدَ فَرَاغِ المُؤَذِّنِ، ولكنْ يقولُ مِثْلَ ما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بهذا. واللهُ أعلمُ.

стр. 598

بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا في الحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيُّ، ﵀. والأصْلُ في ذلك قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣١). يَعْنِى نحوهُ، كما أَنْشَدُوا (٣٢): ألَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِى الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو (٣٣) أىْ نحوَ عَمْرٍو. وتقولُ العربُ: هؤلاء القومُ يُشَاطِرُونَنا. إذا كانتْ بُيُوتُهم تُقَابِلُ بُيُوتَهم. وقال عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ. وروى عن الْبَرَاءِ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ فصَلَّى نحوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنَّهُ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ فمَرَّ رَجُلٌ، وكان (٣٤) يُصَلِّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، على قومٍ، مِنَ الأَنْصَارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكَعْبَةِ. أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ (٣٥). ١٣١ - مسألة؛ قال أبو القاسِم: (وإذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى القِبْلَةِ، وصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِىءُ إيمَاءًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّهُ إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ،

стр. 599

أو احْتاجَ إلى المَشْىِ، أو عَجَزَ عن بَعْضِ أَرْكَانِ الصلاةِ؛ إمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِن عَدُوٍّ، أو سَيْلٍ، أوْ سَبُعٍ، أو حَرِيقٍ، أو نحوِ ذلك، مِمَّا لَا يُمْكِنُه التَّخَلُّص مِنْهُ إلَّا بالهَرَبِ، أو المُسَايَفَةِ، أو الْتِحامِ (١) الحَرْبِ، والحاجَةِ إلى الكَرِّ والفَرِّ والطَّعْنِ والضَّرْبِ والمُطَارَدَةِ، فلهُ أنْ يُصَلِّىَ على حَسَبِ حالِه، رَاجِلًا وراكِبًا إلى القِبْلَة، إنْ أَمْكَنَ، أو إلى غيرِها إنْ لم يُمْكِنْ. وإذا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أوْمَأ بهِما، ويَنْحَنِى إلى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنَ الرُّكُوعِ على قَدْرِ طاقَتِهِ، وإنْ عَجَزَ عن الإِيمَاءِ، سَقَطَ، وإنْ عَجَزَ عن القِيَامِ أوِ القُعُودِ أوْ غيْرِهِمَا، سَقَطَ، وإنِ احْتَاجَ إلى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ والكَرِّ وَالفرِّ، فَعَلَ ذلك. ولا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عن وقتِها؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢). ورَوَى مالكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: فإنْ كَانَ خَوْفًا هو أشَدُّ من ذلك صَلَّوا رِجَالًا، قيَامًا على أقْدَامِهِمْ، أو رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِى القبْلَةَ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا (٣). قال نَافِعٌ: لا أرَى ابنَ عمرَ حَدَّثَه إلَّا عن رسولِ اللهِ ﷺ . وإذا أمكن افْتِتَاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَجِبُ ذلك؟ قال أبو بكر: فِيهِ رِوايَتان: إحْدَاهما، لا يَجِبُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِنْ أجزاءِ الصلاةِ، فلم يَجِب الاسْتِقْبَالُ فيه، كبَقِيَّةِ أَجْزَائِها. قال: وبه أقُولُ. والثَّانِيَةُ، يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا كان في السَّفَرِ، فأرادَ أنْ يُصَلِّىَ عك رَاحِلَتِه، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثم كَبَّرَ، ثم صَلَّى حيثُ تَوَجَّهَتْ (٤) بِهِ. رواهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). ولأنَّه أمْكنَه ابْتِدَاءُ الصلاةِ مُسْتَقْبِلًا فلم يَجُزْ بِدُونِه، كما لو أمْكَنَهُ ذلك في ركعَةٍ كَامِلَةٍ. وتمامُ شرحِ هذه الصلاة نَذْكُرُهُ في باب صلاةِ الخَوْفِ، إن شاءَ اللهُ.

стр. 600

١٣٢ - مسألة؛ قال: (وسَوَاء كانَ مَطْلْوبًا أوْ طَالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ العَدُوِّ، وعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّهُ إذَا (١) كَانَ طَالِبًا، فَلَا يُجْزِئُه أنْ يُصَلِّىَ إلَّا صَلَاة آمِنٍ) اخْتَلَفَت الرِّوَايَة عن أبِى عبدِ اللَّه، ﵀، في طالِب العَدُوِّ الذي يَخافُ فَوَاتَه، فَرُوِىَ أنَّه يُصَلِّى على حَسَبِ حَالِه، كالمَطْلُوبِ سَوَاءً، رُوِىَ ذلك عن شُرَحْبِيلِ ابن حَسنَةَ (٢). وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ. وعن أحمدَ، أَنَّه لا يُصَلِّى إلَّا صلاةَ آمِنٍ. وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. فشَرَطَ الخَوْفَ، وهذا غيرُ خَائِفٍ. ولأنَّهُ آمِنٌ فَلَزِمَتْهُ صلاةُ الأمْنِ، كما لو لم يَخْشَ فَوْتَهم. وهذا الخِلَافُ فِيمَنْ يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه إنْ تشَاغَلَ بِالصلاةِ، ويَأْمَنُ على أصحابِه، فأمَّا الخَائِفُ مِنْ ذلك فحُكْمُهُ حُكْمُ المَطْلُوبِ. ولَنا، ما رَوَى أبو داود، في "سُنَنِهِ" (٣) بإسْنَادِهِ، عن عبد اللهِ بنِ أُنَيْس، قالَ: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ إلى خالد بن سفيان الهُذَلِىّ، وكان نحوَ عَرَفَةَ أو عَرَفَات، قال: "اذْهَبْ فاقْتُلْهُ". فرَأَيْتُه، وحَضَرَتْ صلاةُ العصر، فَقُلْتُ: إنِّي لأَخافُ أنْ يَكُونَ بَيْنِى وبينَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانْطَلَقْتُ أَمْشِى، وأنا أُصَلِّى أُومِىءُ إيمَاءً نحوَهُ، فلمَّا دَنَوْتُ منهُ، قالَ لي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رجلٌ مِن العربِ، بَلَغَنِى أنَّك تَجْمَعُ لهذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ لذلك، قال: إنِّي لَعَلَى ذلك. فَمَشَيْتُ معهُ ساعَةً، حتَّى إذا أَمْكَننِى عَلَوْتُهُ بِسَيْفِى حَتَّى بَرَدَ. وظَاهِرُ حَالِه أنَّهُ أَخْبَرَ بذلك النَّبِىَّ ﷺ ، أو كان قد عَلِمَ جَوَازَ ذلك مِنْ قَبْلِه، فإنَّه لَا يُظَنُّ بِهِ أنْ (٤) يَفْعَل مِثْلَ ذلك مُخْطِئًا، وهو رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم لا يُخْبِرَه به،
следующие страницы →