← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

طالقٌ. اسمُ فاعلٍ، واسمُ الفاعلِ يَقْتَضِى المصدرَ، كما يَقْتضيه الفِعْلُ، والمصدرُ يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، وفارَقَ قولَه: أنتِ حائضٌ وطاهِرٌ؛ لأنَّ الحَيْضَ والطُّهْرَ لا يُمْكِنُ تَعَدُّدُه فى حقِّها، والطَّلاقُ يُمكِنُ تَعدُّدُه. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقًا. ونَوَى ثلاثًا، وقعَ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالمصْدرِ، والمصدرُ يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ، وإن أطلقَ فهى واحدةٌ؛ لأنَّه اليقينُ. وإن قال: أنتِ طالِقٌ الطَّلاقَ. وقعَ ما نَواهُ، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فحكى فيها (٦) القاضى روايتَيْنِ؛ إحْداهما: يَقَعُ الثَّلاثَ. نَصَّ عليها أحمدُ، فى روايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ الألفَ واللّامَ للاسْتِغْراقِ، فيقْتَضِى اسْتغراقَ الكُلِّ، وهو ثلاثٌ. والثّانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن تعودَ الألفُ واللَّامُ إلى مَعْهودٍ، يُريدُ الطَّلاقَ الذى أوْقَعْتُه. ولأنَّ اللَّامَ فى أسْماءِ الأجْناسِ تُسْتعمَلُ لغيرِ الاسْتِغْراقِ كثيرًا، كقوله: ومن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ. وإذا عَقَلَ الصَّبىُّ الطَّلاقَ (٧). واغْتَسَلْتُ بالماءِ. وتَيَمَّمْتُ بالتُّرَابِ. وقرأتُ العلمَ والحديثَ والفِقْهَ. وأشْباهِ (٨) هذا ممَّا يُرادُ به ذلك الجنسُ، ولا يُفْهَمُ منه الاسْتِغْراقُ، فعند ذلك لا يُحْمَلُ على التَّعْميمِ، إلَّا بِنِيَّةٍ صارفةٍ إليه. وهكذا لو قال لامرأتِه: أنتِ الطَّلاقُ. فإنَّ أحمدَ قال: إن أرادَ ثلاثًا، فهى ثلاثٌ، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فكلامُ أحمدَ يَقْتضِى أن تكون ثلاثًا؛ لأنَّه إذا (٩) قال: أنتِ الطّلاقُ. فهذا قد بَيَّنَ. أىُّ شىءٍ بَقِىَ. هى ثلاثٌ. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ. ويُخَرَّجُ فيها أنَّها واحدةٌ، بناءً على المسألةِ قبلَها. ووَجْهُ القولَيْنِ ما تَقَدّمَ، وممَّا يُبَيِّنُ أنَّه يُرادُ بها الواحدُ قولُ الشّاعرِ:

стр. 5462

فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطّلاقُ ... وأنتِ الطَّلاقُ ثلاثًا تَمَامَا (١٠) فجعَلَ المُكَرَّرَ ثلاثًا ثلاثًا (١١)، ولو كان (١٢) للاسْتِغْراقِ لَكان ذلك تِسْعًا. فصل: ولو قال: الطَّلاقُ يَلزمُنِى. أو: الطَّلاقُ لى لازمٌ. فهو صريحٌ؛ فإنَّه يُقالُ لمن وقَعَ طلاقُه: لَزِمَه الطَّلاقُ. وقالوا: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطّلاقَ، فطَلَّقَ، لَزِمَه. ولعلهم أرادوا: لَزِمَه حُكْمُه. فحذفُوا المضافَ، وأقاموا المُضافَ إليه مُقامَه، ثم اشْتَهَرَ ذلك، حتى صارَ من الأسماءِ العُرْفيَّةِ، وانغَمَرَتِ الحقيقةُ فيه. ويَقَعُ به ما نَواهُ مِن واحدةٍ، أو اثنتَيْنِ، أو ثلاثٍ. وإن أَطْلَقَ ففيه روَايتانِ، وَجْهُهما ما تقدَّمَ. وإن قال: علىَّ الطَّلاقُ. فهو بِمَثَابَةِ قوله: الطَّلاقُ يَلْزمُنِى؛ لأنَّ مَن لَزِمَه شىءٌ فهو عليه كالدَّيْنِ، وقد اشْتَهَرَ اسْتِعْمالُ هذا فى إيقاعِ الطَّلاقِ. ويُخَرَّجُ (١٣) فيه فى حالةِ الإِطْلاقِ الرِّوايتانِ؛ هل هو ثلاثٌ أو واحدةٌ؟ والأشْبَهُ فى هذا جميعِه أنّ يكونَ واحدةً؛ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعتَقِدُونَه ثلاثًا، ولا يَعْلمونَ أَنَّ الألفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أن يكونَ طلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعْتقِدُ أنَّه طلَّقَ إلَّا واحدةً، فَمُقْتَضَى اللّفظِ فى ظنِّهِم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يَعْتقِدُونَه مُقْتَضًى لِلَفْظِهِم (١٤)، فيَصِيرُ كأنَّهم نَوَوْا الواحدةَ. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. طَلُقَتْ واحدةً فى وقتِ السُّنَّةِ. وذهب أبو حنيفةَ إلى أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا، فى ثلاثةِ قُرُوءٍ، بِناءً منه على أَنَّ هذا هو السُّنّةُ. وقد بَيَّنَّا أَنَّ طلاقَ السُّنَّةِ طلقةٌ واحدةٌ، فى طُهْرٍ لم يُصِبْهَا فيه. وإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقَ السُّنّةِ. وقعَتْ بها واحدةٌ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه أيضًا، إلَّا أن يَنْوِىَ الثَّلاثَ، فتكونَ ثلاثًا؛ لأنَّه ذكَرَ المصدرَ، والمصدرُ يَقَعُ على الكثيرِ والقليلِ، بخلافِ التى قبلَها.

стр. 5463

فصل: وإن قال العَجَمِىُّ: بهشتم بسيار (١٥). طَلُقَتْ امرأتُه ثلاثًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّ معناه: أنتِ طالقٌ كثيرًا. وإن قال: بهشيم. فحَسْبُ (١٦)، طَلُقَتْ واحدةً، إلَّا أن يَنْوِىَ ثلاثًا، فتكونَ ثلاثًا. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ ابن منصورٍ. وقال القاضى: يَتَخَرَّجُ (١٧) فيه روايتانِ؛ بناءً على قوله: أنت طالقٌ. لأنَّ هذا صريحٌ، وذاك صريحٌ، فهما سواءٌ. والصّحيحُ أنَّه يَقَعُ ما نَواه؛ لأنَّ معناها خَلَّيْتُكِ، وخَلّيتُكِ يَقعُ بها ما نَواه، وكذا ههُنا، وإنَّما صارتْ صريحةً لشُهرةِ استعمالِهَا فى الطَّلاقِ، وتَعَيُّنِهَا له، وذلك لا يَنْفِى معناها، ولا يمْنَعُ العملَ به إذا أرادَه. وإِنْ قال: فارقتُكِ. أو: سرَّحتُكِ. ونَوَى واحدةً، أو أطْلَقَ، فهى واحدةٌ. وإن نَوَى ثلاثًا، فهى ثلاثٌ؛ لأنَّه فِعْلٌ يُمْكِنُ أن يُعَبرَّ به عن القليلِ والكثيرِ، وكذلك لو قال: طَلَّقتُكِ. فصل: ولا يقعُ الطَّلاقُ بغيرِ لفظ الطَّلاقِ، إلَّا فى مَوْضِعَيْنِ؛ أحدُهما، مَن لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَس إذا (١٨) طلَّقَ بالإِشارةِ، طَلُقَت زوجتُه. وبهذا قال مالكٌ، والشّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّه لا طريقَ له إلى الطَّلاقِ إلَّا بالإِشارةِ، فقامت إشارتُه مَقامَ الكلامِ مِن غَيْرِه (١٩) فيه (٢٠)، كالنِّكاحِ، فأمَّا القادِرُ (٢١)، فلا يَصِحُّ طلاتُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِحُّ نكاحُه بها، فإن أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثّلاثِ إلى الطَّلاقِ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ إشارتَه جَرَتْ مَجْرَى نُطْقِ غيرِه. ولو قال النَّاطقُ: أنتِ طالِقٌ. وأشارَ بأصابعِه الثَّلاثِ. لم يَقَعْ إِلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ إشارتَه لا تَكْفِى. وإن قال: أنتِ طالقٌ هكذا. وَأشارَ بأصابِعِه الثَّلاثِ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ قولَه

стр. 5464

هكذا، تصْريحٌ (٢٢) بالتَّشْبيهِ بالأصابعِ فى العَدَدِ، وذلك يَصْلُحُ بيانًا، كما قال النَّبِىُّ ﷺ : "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وأشار بيَدَيْه (٢٣) مرّةً ثلاثينَ، ومرّةً تسعًا وعشرينَ (٢٤). وإن قال: أردتُ الإِشارةَ بالأُصْبُعَيْنِ المقْبوضَتَيْنِ. قُبِلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يَدَّعِيه. الموضعُ الثّانى، إذا كتبَ الطَّلاقَ، فإن نَوَاهُ طَلُقَتْ زوجتُه. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ. وهو المنصوصُ عن الشَّافعىِّ. وذكرَ بعضُ أصحابِه، أَنَّ له قولًا آخرَ، أنَّه لا يَقَعُ به طلاقٌ (٢٥)، وإن نَواهُ؛ لأنَّه فِعْلٌ مِن قادرٍ على النُّطْقِ (٢٦)، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كالإِشارةِ. ولَنا، أَنَّ الكتابةَ حروفٌ، يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، فإذا أتى فيها بالطَّلاقِ، وفُهِمَ منها، ونَواهُ، وقعَ كاللَّفْظِ، ولأنَّ الكتابةَ تَقومُ مَقامَ قولِ الكاتبِ، بدلَالةِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان مأْمورًا بتَبْليغِ رسالَتِه، فَحَصَلَ ذلك فى حقِّ البعض بالقولِ، وفى حَقِّ (٢٧) آخَرِينَ بالكتابةِ إلى مُلُوكِ الأطْرافِ، ولأنَّ كتابَ القاضى يَقومُ مَقامَ لَفْظِه فى إثْباتِ الدُّيونِ والحقوقِ؛ فأمّا إن كان (٢٨) كتبَ ذلك من غيرِ نِيَّةٍ، فقال أبو الخطَّابِ: قد خَرَّجَها القاضى الشَّرِيفُ فى

стр. 5465

"الإِرشاد" على روايتَيْنِ؛ إحْداهما، يَقَعُ. وهو قولُ الشَّعْبىِّ، والنّخَعىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ؛ لما ذكَرْنا. والثّانيةُ، لا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، ومَنْصوصُ الشّافعىِّ؛ لأنَّ الكتابةَ مُحْتَمِلَةٌ، فإنَّه يُقصَدُ بها تَجْرِبةُ القَلَمِ، وتجْويدُ الخَطِّ، وغَمُّ الأهلِ، فلم يَقَعْ [مِن غيرِ] (٢٩) نِيَّةٍ، ككناياتِ الطَّلاقِ. فإن نَوَى بذلك تَجْويدَ خَطِّه، أو تَجْرِبَةَ قَلَمِه، لم يَقَعْ؛ لأنَّه لو نَوَى باللَّفْظِ غيرَ الإِيقاعِ، لم يَقَعْ، فالكتابةُ أوْلَى. وإذا ادَّعى ذلك، دِينَ فيما بينَه وبين اللَّهِ تعالى، ويُقبَلُ أيضًا فى الحُكمِ فى أصَحِّ الوجهَيْنِ؛ لأنَّه يُقْبَلُ ذلك فى اللَّفظِ الصَّريحِ، فى أحدِ الوجهَيْنِ؛ فههُنا مع أنَّه ليس بلفظٍ أوْلَى. وإن قال: نَوَيتُ غمَّ أهلى. فقد قال، فى روايةِ أبى طالبٍ، فى مَن كتبَ طلاقَ زوجتِه، ونَوَى الطَّلاقَ: وقَعَ، وإن أرادَ أَنْ يَغُمَّ أهلَه، فقد عَمِلَ فى ذلك أيضًا. يعنى أنَّه يُؤاخَذُ به؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ اللَّه عَفَا لِأُمَّتِى عَما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ" (٣٠). فظاهِرُ هذا أنَّه أوْقَعَ الطّلاقَ؛ لأنّ غَمَّ أهلِه يَحْصُلُ بالطّلاقِ، فيَجتَمِعُ غمُّ أهلِه ووُقُوعُ (٣١) طلاقِه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ. يريدُ به غَمَّها. ويَحْتَمِلُ أن لا يقعَ؛ لأنَّه أرادَ غمَّ أهلِه بِتَوَهُّمِ الطَّلاقِ، دُونَ حقيقتِه، فلا يَكونُ ناويًا للطَّلاقِ، والخبرُ إنَّما يَدُلُّ على مؤاخذتِه بما نَواهُ عندَ العملِ به، أو الكلامِ، وهذا لم يَنْوِ طَلاقًا، فلا يُؤاخَذُ به. فصل: وإن كتَبَه بشىءٍ لا يَبِينُ، مثل أَنْ كتَبَ (٣٢) بأُصْبُعِه على وِسادَةٍ، أو فى (٣٣) الهواءِ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَقعُ. وقال أبو حفصٍ العُكْبَرِىُّ: يَقَعُ (٣٤). ورَوَاه الأثْرَمُ عن الشَّعْبىِّ؛ لأنَّه كَتَبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كتَبَه بشىءٍ يَبِينُ. والأوَّلُ

стр. 5466

أوْلَى؛ لأنَّ الكِتابةَ (٣٥) التى لا تَبِينُ، كالهَمْسِ بالْفَمِ، بما لا يَتَبَيَّنُ (٣٦)، وثَمَّ لا يَقَعُ، فههُنا أوْلَى. فصل: إذا كتَبَ [إلى زَوْجتِه] (٣٧): أنتِ طالقٌ. ثم اسْتَمَدَّ، فكتَبَ: إذا أتاكِ كتابى (٣٨). أو علَّقَه بشَرْطٍ، أو اسْتِثْناء، وكان فى حالِ كتابَتِه للطّلاقِ (٣٩) مُرِيدًا للشَّرْطِ، يَقَعْ طلاقُه فى الحالِ؛ لأنَّه لم يَنْوِ الطَّلاقَ فى الحالِ، بل نَوَاهُ فى وقتٍ آخَرَ. وإِنْ كان نَوَى الطَّلاقَ فى الحالِ، غيرَ مُعَلَّقٍ بشرطٍ، طَلُقَتْ للحالِ (٤٠). وإِنْ لم يَنْوِ شيئًا، وقُلْنا: إنَّ المُطْلَقَ يَقَعُ به الطّلاقُ. نَظَرْنا، فإن كان اسْتِمْدَادُه (٤١) لحاجةٍ، أو عادَةٍ، لم يَقَعْ طلاقٌ قبلَ وُجودِ الشَّرْطِ؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ. ثم أدْركَه النَّفَسُ، أو شىءٌ يُسْكِتُه (٤٢)، فسَكَتَ لذلك، ثم أتَى بشَرْطٍ تَعلَّقَ به، فالكتابةُ أوْلَى. وإن اسْتمَدَّ لغيرِ حاجةٍ ولا عادةٍ، وقَعَ الطَّلاقُ، كما لو سكَتَ بعدَ قولِه: أنتِ طالقٌ. لغيرِ حاجةٍ، ثم ذكَرَ شَرْطًا. وإِنْ قال: إننى كتبْتُه مُرِيدًا للشَّرْطِ. فقياسُ قولِ أصحابِنا، أنَّها لا تَطْلُقُ قبلَ الشَّرْط، إلَّا أنَّه يَدِينُ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكمِ؟ على وَجْهينِ، بِناءً على قولِهم فى مَن قال: أنتِ طالقٌ. ثم قال: أردتُ تعليقَه على شرطٍ. وإن كَتَبَ إلى امرأتِه: أمَّا بعدُ، فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ فى الحالِ، سواءٌ وصلَ إليها الكتابُ، أو لم يَصِلْ. وعِدَّتُها مِن حِينَ كتَبَه. وإِنْ كتبَ إليها: إذا وَصَلَكِ كتابى فأنتِ طالقٌ. فأتاها الكتابُ، طَلُقَتْ عندَ وُصولِه إليها، وإِنْ ضاعَ ولم يَصِلْها، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُصولُه. وإن

стр. 5467

ذهبَتْ كتابَتُه (٤٣) بمَحْوٍ، أو غيرِه، ووصلَ الكاغَدُ (٤٤)، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه ليس بكتابٍ. وكذلك إن انْطَمَسَ ما فيه لعَرَقٍ، أو غيرِه؛ لأنَّ الكتابَ عبارةٌ عمَّا فيه الكِتابَةُ. وإن ذَهَبَتْ حَواشِيه، أو تَخَرَّقَ منه شىءٌ، لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه كتابًا، ووصلَ بَاقِيه، طَلُقَتْ؛ لأنَّ الباقِىَ كتابٌ. وإن تَخَرَّقَ بعضُ ما فيه الكتابة، سِوَى ما فيه ذِكْرُ الطَّلاقِ، فوصَلَ، طَلُقَتْ؛ لأنَّ المقْصودَ (٤٥) باقٍ، فَيَنْصَرِفُ الاسمُ إليه. وإن تَخَرّقَ ما فيه ذِكْرُ الطَّلاقِ، فذَهَبَ، ووصلَ بَاقِيه، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ المقصودَ ذاهبٌ. فإنْ قال لها: إذا أتاكِ طَلاقِى، فأنتِ طالقٌ. ثم كتَبَ إليها: إذا أتاكِ كتابِى، فأنتِ طالقٌ. فأتاها الكتابُ، طَلُقَتْ طَلْقتَيْنِ؛ لوُجودِ الصِّفتَيْنِ فى مَجِىءِ الكتابِ. فإن قال: أردتُ إذا أتاكِ كتابى، فأنتِ طالقٌ بذلك الطّلاقِ الذى عَلَّقْتُه. دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: ولا يَثبُتُ الكتابُ بالطَّلاقِ إلَّا بشاهدَيْنِ عَدْلَيْنِ، أنَّ هذا كِتابُه. قال أحمدُ، فى روايةِ حَرْبٍ؛ فى امرأةٍ أتاها كتابُ زوجِها بخطِّه وخاتَمِه بالطَّلاقِ: لا تَتَزَوَّجُ حتى يَشْهَدَ عندَها شهودٌ عَدُولٌ. قيل له: فإنْ شَهِدَ حاملُ الكتابِ؟ قال: لَا، إلَّا شاهدانِ. فلم يَقْبَلْ قولَ حاملِ الكِتابِ وحْدَه، حتى يشهدَ معه غيرُه؛ لأنَّ الكُتُبَ المُثْبِتَةَ للحقوقِ لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهدَيْنِ، ككتابِ المَاضى. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أَنَّ الكتابَ يثْبُتُ عندَها بشهادَتِهِما بين يَدَيْها، وإِنْ لم يشْهدَا به عندَ الحاكمِ؛ لأنَّ أثرَه فى حقِّها فى العِدَّةِ، وجوازِ التَّزْويج بعدَ انْقضائِها، وهذا معنًى يَخْتصُّ بها (٤٦) لا يَثبُتُ به حقٌّ (٤٧) على الغَيْرِ، فاكْتُفِىَ فيه بسَماعِها للشَّهادةِ. ولو شَهِدَ شاهدانِ، أَنَّ هذا خَطُّ

стр. 5468

فلانٍ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ الخطَّ يُشَبَّهُ (٤٨) به ويُزَوَّرُ، ولهذا لم يَقْبَلْه الحاكمُ، ولو اكتُفِىَ بمعرفةِ الخطِّ، لاكتُفِىَ بمعرفتِها له مِن غيرِ شهادةٍ. وذكرَ القاضى أنَّه لا يَصِحُّ شهادةُ الشاهدَيْنِ، حتى يُشاهِداه يكْتُبُه، ثم لا يَغِيبُ عنهما حتى يُؤدِّيا الشَّهادةَ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. والصّحيحُ، أَنَّ هذا ليس بشَرْطٍ، فإنَّ كتابَ القاضى لا يُشتَرَطُ فيه ذلك، فهذا أوْلَى. وتد يكونُ صاحبُ الكتابِ لا يَعرفُ الكتابةَ، وإنَّما يَسْتَنِيبُ فيها، وقد يَسْتنيبُ فيها (٤٩) من يَعْرِفُها، بل متى أتاهما (٥٠) بكتابٍ، وقرأَه عليهما، وقال: هذا كتابى. كان لهما أَنْ يَشْهَدا به.

стр. 5469

بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب ١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ: أحدُهما ، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ. فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب (١) أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ (٢) بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما

стр. 5470

يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ. ال فصلُ الثّانى: إذا طلَّقَها نِصفَ تطْليقةٍ، أو جُزْءًا منها وإِنْ قلَّ، فإنَّه يقعُ بها طلقةٌ كاملةٌ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا داودَ، قال: لا تَطْلُقُ بذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفظُ عنه من أهلِ العلمِ، على (٣) أنَّها تَطْلُقُ بذلك؛ منهم الشَّعْبىُّ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والزهْرِىُّ، وقَتادةُ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيدٍ. قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ مالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والثَّوْرىِّ، وأهلِ العراقِ، وذلك لأنَّ ذِكْرَ بعض ما لا يَتَبَعَّضُ [فى الطَّلاقِ] (٤) ذكرٌ لجميعِه، كما لو قال: نِصْفُك طالقٌ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَىْ طَلْقةٍ. وقعَتْ طلقةٌ (٥)؛ لأنَّ نِصْفَىِ الشىءِ كُلُّه. وإن قال: ثلاثةَ أنْصافِ طَلْقةٍ. طَلُقَتْ طَلْقتَيْنِ؛ لأنَّ ثلاثةَ أنْصافٍ طلقةٌ ونصفٌ، فكُمِّلَ النِّصْفُ (٦)، فصارا طَلْقتينِ. وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشّافعىِّ. ولهم وَجْهٌ آخرُ، أنَّها لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه جعلَ الأنْصافَ من طلقةٍ واحدةٍ، فَيَسْقُطُ ما ليس منها، وتقَعُ طَلْقةٌ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ إسْقاطَ الطَّلاقِ المُوقَعِ مِن الأهلِ فى المحلِّ لا سبيلَ إليه، وإنَّما الإِضافةُ إلى الطلقةِ الواحدةِ غيرُ صَحيحَةٍ (٧)، فلَغَتِ الإضافةُ. وإن قال: أنتِ طالقٌ نصفَ طَلْقَتينِ. طَلُقَتْ واحدةً؛ لأنَّ نِصفَ الطَّلقتَيْنِ طلقةٌ. وذكرَ أصحابُ الشَّافعىِّ وَجْهًا آخرَ، أنَّه يَقعُ طَلْقتانِ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقْتضِى النِّصفَ مِن كلِّ واحدةٍ منهما، ثم يُكَمَّلُ (٨). وما ذكَرْناه أوْلَى؛ لأنَّ التَّنْصِيفَ يَتَحقّقُ به، وفيه عَمَلٌ باليقينِ، وإِلْغاءُ الشَّكِّ، وإيقاعُ ما أوْقَعَه مِن غيرِ زيادةٍ، فكان أوْلَى. وإن قال: أنتِ

стр. 5471

طالقٌ نِصْفَىْ طَلْقتينِ. وقعَتْ طَلْقتانِ؛ لأنَّ نِصْفَىِ الشىءِ جميعُه، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقتينِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ نصفَ ثلاثِ طَلقاتٍ. طَلُقَتْ طَلْقتينِ؛ لأنَّ نِصْفَها طلقةٌ ونصفٌ، ثم يُكَمَّلُ النِّصفُ، فَتَصِيرُ طَلْقتينِ. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ نِصفَ وثُلُثَ وسُدْسَ طلقةٍ. وقعَتْ طلقةٌ؛ لأنَّها أجْزاءُ الطَّلْقةِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ نِصفَ طلقةٍ وثُلُثَ طلقةٍ وسُدْسَ طَلْقةٍ. فقال أصحابُنا: يقعُ ثلاثٌ؛ لأنَّه عطفَ جُزْءًا من طَلْقةٍ على جُزْءٍ من طَلْقةٍ، فظاهِرُه (٩) أنَّها طَلَقاتٌ مُتَغايِرَةٌ، ولأنَّها لو كانت الثّانيةُ هى الأُولَى، لجاءَ بها بلامِ التَّعْريفِ فقال: ثُلُثَ الطَّلقةِ وسُدْسَ الطَّلقةِ. فإنّ أهلَ العربيَّةِ قالوا: إذا ذُكِرَ لفطٌ، ثم أُعِيدَ مُنَكَّرًا، فالثَّانى غيرُ الأوَّلِ، وإن أُعيدَ مُعَرَّفًا بالألفِ واللَّامِ، فالثّانى هو الأوّلُ، كقولِه تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١٠). فالعُسرُ الثَّانى هو الأوَّلُ؛ لإِعادَتِه مُعَرّفًا، واليُسْرُ الثَّانى غيرُ الأوَّلِ؛ لإعادتِه مُنَكَّرًا، ولهذا قيلَ: لَن يَغلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ. وقيلِ: لو أرادَ بالثَّانيةِ الأُولَى، لَذكَرَها بالضَّميرِ؛ لأنَّه الأَولَى. وإن قال: أنتِ طالقٌ نصفَ طلْقةٍ، ثُلُثَ طَلْقةٍ، سُدْسَ طَلْقةٍ. طَلُقَتْ طَلْقةً؛ لأنَّه لم يَعْطِفْ بواوِ العطفِ، فيَدُلُّ على أنَّ هذه الأجْزاءَ من طَلْقةٍ غيرِ مُتَغايِرَةٍ، ولأنَّه (١١) يكونُ الثَّانى ههُنا بدَلًا من الأوَّلِ، والثَّالثُ من الثَّانى، والبَدَلُ هو المُبْدَلُ أو بعضُه، فلم يَقْتَضِ المُغايرةَ. وعلى هذا التَّعْليلِ لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقةً، نِصفَ طَلْقةٍ، أو طَلْقةً طلقةً. لم تَطْلُقْ إلَّا طَلْقةً. فإن قال: أنتِ طالقٌ نِصْفًا، وثُلُثًا، وسُدْسًا. لم يَقَعْ إلَّا طَلْقةٌ؛ لأنَّ هذه أجْزاءُ الطَّلقةِ، إلَّا أن يُرِيدَ مِن كلِّ طَلْقةٍ جُزْءًا، فتَطْلُقُ ثلاثًا. ولو قال: أنتِ طالقٌ نصفًا، وثُلُثًا، ورُبعًا. طَلُقَتْ طَلْقتينِ؛ لأنَّه يَزِيدُ على الطَّلقةِ نصفَ سُدْسٍ، ثم يُكَمَّلُ، وإِنْ أراد مِن كلِّ طَلْقةٍ جُزْءًا، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن قال: أنتِ طَلْقةٌ. أو: أنتِ نصفُ طَلْقةٍ. أو أنتِ نصفُ طلقةٍ

стр. 5472

ثُلُثُ طلقةٍ سُدسُ طلقةٍ، أو أنتِ نصفُ طالقٍ. وقعَ بها طَلْقةٌ؛ بِناءً على قولِنا فى: أنتِ الطَّلاقُ. أنَّه صريحٌ فى الطّلاقِ، وههُنا مثلُه. فصل: فإن قال لأربعِ نِسْوةٍ له: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ طَلْقةً. طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقةً. كذلك قال الحسنُ، والشَّافعىُّ، وابنُ القاسمِ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ اللَّفْظَ اقْتضَى قَسْمَها بينهنَّ، لكلِّ واحدةٍ رُبْعُها، ثم تُكمَّلُ (١٢). وإن قال: بيْنكُنَّ طَلْقةٌ. فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَعْناه أوْقَعْتُ بينَكُنَّ طلقةً. وإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ طَلْقتينِ. وقعَ بكلِّ واحدةٍ طَلْقةٌ. ذكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشّافعىِّ. وقال أبو بكرٍ، والقاضى: تَطْلُقُ كلُّ واحدةٍ طَلْقتينِ. ورُوِىَ (١٣) عن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه رُوىَ عنه، فى رجلٍ قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ ثلاثَ تطْليقاتٍ: ما أرَى إلَّا قد بِنَّ منه؛ لأنَّنا إذا قَسَمْنَا كلَّ طَلْقةٍ بيهنَّ، حَصَلَ لكلِّ واحدةٍ جُزْءانِ من طَلْقتينِ، ثم تُكَمَّلُ (١٤). والأوّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ نِصفَ طَلْقتين. طَلُقَتْ واحدةً، ويُكَمَّلُ نَصِيبُها من الطَّلاقِ فى واحدةٍ، فيكونُ لكلِّ واحدةٍ نصفٌ، ثم يُكَمَّلُ طلقةً واحدةً، وإنَّما يُقْسَمُ بالأجْزاءِ مع الاخْتلافِ، كالدُّورِ ونحوِها من المُخْتَلِفاتِ، أما الجُمَلُ المُتَساوِيةُ (١٥) من جنسٍ كالنُّقُودِ، فإنَّما تُقْسَمُ بِرُءُوسِها (١٦). ويُكَمَّلُ نصيبُ كلِّ واحدٍ من واحدٍ، كأربعةٍ لهم دِرْهَمانِ صحيحانِ، فإنه يُجعَلُ لكلِّ واحدٍ نصفٌ مِن درهمٍ (١٧) واحدٍ، والطَّلقاتُ لا اختلافَ فيها؛ ولأنَّ فيما ذكرناه أخْذًا باليَقينِ، فكان أوْلَى من إيقاعِ طَلْقةٍ زائدةٍ بالشَّكِّ. فإن أرادَ قِسْمَةَ كلِّ طَلْقةٍ بينهنَّ، فهو على ما قال أبو بكرٍ. وإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ ثلاثَ طلقاتٍ، أو أربعَ طلقاتٍ. فعلى قَوْلِنا: تَطْلُقُ

стр. 5473

كلُّ واحدةٍ طلقةً، وعلى قولِهِما يَطْلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا. وإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ خمسَ طَلقاتٍ (١٨). وقعَ بكلِّ واحدةٍ طَلْقتانِ. كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ، والشَّافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ نصيبَ كلِّ واحدةٍ طَلْقة ورُبعٌ، ثم تُكَمَّلُ. وكذلك إنْ قال: ستًّا، أو سبعًا، أو ثمانيًا. وإن قال: أوْقَعْتُ بينكُنَّ تسعًا. طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا. فصل: فإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ طَلْقةً وطَلْقةً (١٩) وطلقةً. وقعَ بكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ ثلاثٌ؛ لأنَّه لمَّا عطَفَ، وَجَبَ قَسْمُ كلِّ طَلْقةٍ على حِدَتِها، ويَسْتوِى فى ذلك المدْخولُ بها وغيرُها فى قياسِ المذهبِ؛ لأنَّ الواوَ لا تَقْتضِى تَرْتيبًا. وإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ [نِصْفَ طَلْقةٍ وثُلُثَ طلقةٍ وسُدْسَ طلْقةٍ. فكذلك؛ لأنَّ هذا يَقْتضِى وُقوعَ ثلاثٍ، على ما قَدّمْنا. وإن قال: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ طلقةً فطلقةً فطلقةً، أو طلقةً ثم طلقةً ثم طلقةً، أو: أوقعتُ بينَكُنّ] (٢٠) طلقةً وأوْقَعْتُ بينَكُنَّ طلقةً وأوْقَعتُ بينكنَّ طلقةً. طَلُقْنَ ثلاثًا، إلَّا التى لم يَدْخُلْ بها، فإنَّها لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّها بانَتْ بالأُولَى، فلم يَلْحَقْها ما بعدَها. فصل: فإن قال لنسَائِه: أنْتُنَّ طَوالِقُ ثلاثًا. أو: طَلَّقْتُكُنَّ ثلاثًا. طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ قولَه طلَّقْتكُنَّ. يَقْتضِى تطْليقَ كلِّ واحدةٍ مِنهنَّ، وتَعْمِيمَهُنّ به، ثم وَصَفَ ما عَمَّمَهُنَّ (٢١) به من الطَّلاقِ بأنَّه ثلاثٌ، فصار لكلِّ واحدةٍ ثلاثٌ، بخلافِ قوله: أوْقَعْتُ بينَكُنَّ ثلاثًا. فإنَّه يَقْتضِى قِسْمَةَ الثّلاثِ عليهنَّ (٢٢)، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ جُزْءٌ منها، وجُزءُ الواحدةِ مِنَ الثَّلاثِ ثلاثةُ أرْباعِ تَطْليقةٍ.

стр. 5474

١٢٨٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ قَالَ لَهَا: شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُقْ) لأنَّ الشَّعْرَ والظُّفرَ يَزُولانِ، ويَخرُجُ غيرُهما، فليس هما كالأعْضاءِ الثَّابتةِ. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، والشّافعىُّ: تَطْلُقُ بذلك. ونحوُه عن الحَسَنِ؛ لأنَّه جزءٌ يُسْتَبَاحُ بنكاحِها، فتَطْلُقُ بطلاقِه (١)، كالأُصْبُعِ. ولَنا، أنّه جزءٌ يَنْ فَصِلُ عنها فى حالِ السَّلامةِ، فلم (٢) تَطْلُقْ بطَلاقِه، كالْحَمْلِ والرِّيقِ، فإنَّه لا خلافَ فيهما، وفارقَ الأُصْبُعَ، فإنَّها لا تَنْفَصِلُ فى حالِ السَّلامةِ (٣)، ولأنّ الشَّعْرَ لا رُوحَ فيه، ولا يَنْجُسُ بمَوْتِ الحيوانِ، ولا يَنْفُضُ الوُضُوءَ مَسُّه، فأشبَهَ العَرَقَ والرِّيقَ واللَّبَنَ، ولأنَّ الحَمْلَ مُتَّصِلٌ بها، وإنَّما لم تَطْلُقْ بطَلاقِه؛ لأنَّ مآله إلى الانْفِصالِ، وهذه كذلك، والسِّنُّ فى معناهما؛ لأنَّها (٤) تَزُولُ مِن الصَّغيرِ، ويخْلُفُ (٥) غيرُها، وتَنقَلِعُ مِن الكبيرِ. فصل: وإِنْ أضافَه إلى الرِّيق، والدَّمْعِ، والعَرَقِ، والحَمْلِ، لم تَطْلُقْ. لا نَعْلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّ هذه ليست مِن جِسمْمِها، وإنَّما الرِّيقُ والدَّمْعُ والعَرَقُ فَضَلاتٌ تَخرُجُ مِن جسْمِها، فهو كلَبَنِها، والحَمْلُ مُودَعٌ فيها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (٦). قيل: مُسْتَوْدَعٌ فى بطنِ الأُمِّ. وإن أضافَه إلى الزَّوجِ، فقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ فى الطَّلاقِ والْعَتَاقِ والظِّهارِ والحَرَامِ، أَنَّ هذه الأشياءَ لا تَقعُ إذا ذَكَرَ أربعةَ أشياءَ؛ الشَّعْرَ والسِّنَّ والظُّفْر والرُّوح. جرَّدَ القولَ عنه (٧) مُهَنَّا (٨) بنُ يحيى، والفَضْلُ بنُ زيادٍ القَطَّانُ، فبذلك أقولُ. ووَجْهُه أَنَّ الرُّوحَ ليستْ عُضوًا، ولا شيئًا يُسْتَمْتَعُ به.

стр. 5475

١٢٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَطَلَّقَ أَمْ لَا، فَلَا يَزُولُ يَقِينُ النِّكَاحِ بِشَكِّ الطَّلَاقِ) وجملةُ ذلك أَنَّ مَن شَكَّ فى طلاقِه، لم يَلْزَمْه حُكمُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الشّافعىِّ، وأصْحاب الرَّأْىِ؛ لأنَّ النِّكاحَ ثابتٌ بيَقِينٍ، فلا يَزُولُ بِشَكٍّ. والأصلُ فى هذا حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ زيدٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، [أنَّه سُئِلَ] (١) عن الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إليه أنّه يَجدُ الشَّىْءَ فى الصَّلاةِ، فقال: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ ريحًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). فأمَرَه بالبِناءِ على اليَقِينِ، واطِّرَاحِ الشَّكِّ. ولأنَّه شَكٌّ طَرَأَ عَلَى يقينٍ، فوَجَبَ اطِّرَاحُه، كما لو شَكَّ المُتَطهِّرُ فى الحَدَثِ أو المُحْدِثُ (٣) فى الطَّهارةِ، والوَرَعُ الْتزامُ الطّلاقِ، فإنْ كان (٤) المشْكوكُ فيه طلاقًا رَجْعيًّا، راجعَ امرأتَه إنْ كانت مَدْخولًا بها، أو جدَّدَ نِكاحَها إن كانتْ غيرَ مَدْخُولٍ بها، أو قد انْقَضَتْ عِدَّتُها. وإن شكَّ فى طلاق ثلاثٍ، طَلَّقَها واحدةً (٥)، وتركَها؛ لأنَّه إذا لم يُطَلِّقْها (٦) فيَقينُ نكاحِه باقٍ، فلا تَحِلُّ لغيرِه. وحُكِىَ عن شَرِيكٍ، أنَّه إذا شكَّ فى طلاقِه، طلَّقَها واحدةً، ثم راجعَهَا؛ لتكونَ الرَّجْعَةُ عن طَلْقةٍ، فتكونَ صحيحةً فى الحُكمِ. وليس بشىءٍ؛ لأنّ التَّلَفُّظَ بالرَّجْعةِ مُمْكِنٌ مع الشَّكِّ فى الطَّلاقِ، ولا يَفْتقِرُ إلى ما تَفْتقِرُ إليه العباداتُ مِن النَّيِّةِ، ولأنَّه لو شَكَّ فى طَلْقتينِ، فطلَّقَ واحدةً، لصارَ شاكًّا فى تَحْريمِها عليه، فلا تُفِيدُه الرَّجْعةُ. ١٢٨٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَ فَلَمْ يَدْرِ؛ أَوَاحِدةً طَلَّقَ، أمْ (١) ثَلَاثًا، اعْتَزَلَهَا وَعَلَيْه نَفَقَتُهَا مَا دَامَتْ فى الْعِدَّةِ، فَإِنْ رَاجَعَهَا فى الْعِدَّةِ، لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، وَلَمْ

стр. 5476

يَطَأْهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ كَمِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ (٢)، شَاكٌّ التَّحْلِيلِ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا طلَّقَ، وشك فى عَدَدِ الطَّلاقِ، فإنَّه يَبْنِى على اليَقينِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ ابنِ منصورٍ، فى رجل لَفَظَ (٣) بطَلاقِ امرأتِه، لا يَدْرِى واحدةً أم ثلاثًا؟ قال: أمَّا الواحدةُ فقد وَجَبَتْ عليه، وهى عندَه حتى يَسْتَيْقِنَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ؛ لأنَّ ما زادَ على القَدْرِ الذى تَيقَّنَه طلاقٌ مَشْكوكٌ فيه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شكَّ فى أصْلِ الطَّلاقِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه تَبْقَى أحْكامُ المُطلِّقِ دونَ الثَّلاثِ من إباحةِ الرَّجْعةِ. وإذا راجعَ (٤) وجَبَت النَّفقةُ وحقوقُ الزَّوجيّةِ. قال الخِرَقىُّ: ويَحْرُمُ وَطْؤُها. ونحوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه حُكِىَ عنه، أنَّه يَلزمُه الأكْثرُ من الطَّلاقِ المشْكوكِ فيه. وقولهما: تَيقَّنَ فى التَّحْريِم؛ لأنَّه تَيقَّنَ وجودَه بالطَّلاقِ، وشَكَّ فى رَفْعِه بالرَّجْعةِ، فلا يَرْتفِعُ بالشَّكِّ، كما لو أصابَ ثوبَه نجاسةٌ، وشَكَّ فى مَوْضعِها، فإنَّه لا يَزُولُ حُكمُ النَّجاسةِ بغَسْلِ موضعٍ [من الثَّوبِ] (٥)، ولا يَزُولُ إلَّا بغَسْلِ جميعِه. وفارقَ لُزُومَ النَّفقةِ، فإنَّها لا تَزولُ بالطَّلْقةِ الواحدةِ، فهى باقيةٌ؛ لأنَّها كانت باقيةً، ولم يَتَيقَّنْ زَوالَها. وظاهرُ قولِ غيرِ الخِرَقِى من أصْحابِنا، أنَّه إذا راجَعَها حَلَّتْ له. وهو قولُ (٦) أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى روايةِ ابن منصورٍ؛ لأنَّ التّحريمَ المُتَعلِّقَ بما يَنْفِيه، يَزولُ بالرَّجْعةِ يقينًا، فإنَّ التَّحْريمَ أنواعٌ؛ تَحريمٌ تُزِيلُه الرَّجْعةُ، وتحريمٌ يُزيلُه نكاحٌ جديدٌ، وتحريمٌ يُزِيلُه نكاحٌ بعدَ زَوْجٍ وإصابةٍ، ومَنْ تَيقَّنَ الأدْنَى، لا يَثْبُتُ فيه حُكْمُ الأَعْلَى، كَمَنْ تَيَقَّنَ الحدثَ الأصغرَ، لا يثَبُتُ فيه حكمُ الأَكبرِ، ويَزولُ تحريمُ الصَّلاةِ بالطَّهارةِ الصُّغْرَى. ويُخالِفُ الثّوبَ، فإنَّ غَسْلَ بعضِه لا يَرْفعُ ما تَيقَّنَه مِن

стр. 5477

النَّجاسةِ، فنَظِيرُ مسْألتِنا أَنْ يَتَيقَّنَ نجاسةَ كُمِّ الثَّوبِ، ويشُكَّ فى نجاسةِ سائرِه، فإنَّ حُكْمَ النَّجاسةِ فيه يَزولُ بغَسْلِ الكُمِّ وحدَها، كذا ههُنا (٧). ويُمْكِنُ مَنْعُ حصولِ التَّحْريمِ ههُنا، ومَنْعُ يَقِينِه، فإنَّ الرّجعةَ مُباحَةٌ لزوجِها، فى ظاهرِ المذهبِ، فما هو إذا مُتَيَقِّنٌ للتَّحْريمِ، بل شَاكُّ فيه، مُتَيَقِّنٌ للإِباحةِ. فصل: إذا رأى رَجُلانِ طائرًا، فحَلَفَ أحدُهما بالطَّلاقِ أنَّه غُرَابٌ، وحَلَفَ الآخَرُ بالطَّلاقِ أنَّه حَمَامٌ. فطارَ ولم يَعْلَما حالَه، لم يُحْكَمْ بِحِنْثِ واحدٍ منهما؛ لأنَّ يقينَ النِّكاحِ ثابِتٌ، ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشْكوكٌ فيه. فإنِ ادَّعَتِ امرأةُ أحدِهما حِنْثَه فيها، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه، واليَقِينَ فى جانِبِه. ولو كان الحالِفُ (٨) واحدًا، فقال: إن كانَ غُرابًا، فنساؤُه طَوالِقُ، وإن كان حَمامًا، فعبيدُه أحْرارٌ. أو قال: إنْ كان غُرابًا، فزينبُ طالِقٌ، وإن كان حمامًا، فهندُ طالقٌ. ولم يَعْلَمْ ما هو، لم يُحْكَمْ بِحِنْثِه فى شىءٍ؛ لأنَّه مُتَيقِّنٌ للنِّكاحِ، شاكٌّ فى الحِنْثِ، فلا يَزولُ عن يَقينِ النِّكاحِ والمِلْكِ بالشَّكِّ. فأمَّا إن قال أحدُ الرَّجُلينِ: إن كان غُرابًا فامرأتُه طالقٌ ثلاثًا. وقال الآخَرُ: إنْ لم يَكُنْ غرابًا فامرأتُه طالقٌ ثلاثًا. فطار، ولم يعْلَما حالَه، فقد حَنِثَ أحدُهما، لا بعَيْنِه، ولا يُحْكَمُ به فى حقِّ واحدٍ منهما بعَيْنِه، بل تَبْقَى فى حقِّه أحْكامُ النِّكاحِ، مِنَ النَّفقةِ والكُسْوَةِ والسُّكْنَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَقِينُ نكاحِه باقٍ، ووُقوع طلاقِه مَشْكوكٌ فيه، فأمّا الوَطْءُ، فذَكَرَ القاضى أنَّه يَحْرُمُ عليهما؛ لأنَّ أحدَهما حانِثٌ بيَقينٍ، وامرأتُه مُحَرَّمةٌ عليه، وقد أشْكَلَ فَحَرُمَ عليهما جميعًا، كما لو حَنِثَ فى إحْدَى امرأتَيْه لا بعَيْنِها. وقال أصحابُ الرّأْىِ، والشَّافعىُّ: لا يَحْرُمُ على (٩) واحدٍ منهما وَطْءُ امرأتِه؛ لأنَّه محَكْومٌ ببقاءِ نكاحِه، ولم يُحْكَمْ بوقوعِ الطَّلاقِ عليه، وفارقَ الحانِثَ فى إحْدَى

стр. 5478

امرأتَيْه؛ لأنَّه معلومٌ زوالُ نكاحِه عن إحْدَى زَوْجَتَيْه. قُلْنا: إنَّما تَحقَّقَ حِنْثُه فى واحدةٍ غيرِ مُعَيَّنَةٍ، وبالنَّظَر إلى كلِّ واحدةٍ مُفْرَدةٍ، فيَقينُ نكاحِها باقٍ، وطلاقُها مَشْكوكٌ فيه، لَكِنْ لمَّا تَحَقَّقْنا أنَّ إحْدَاهما حرامٌ، ولم يُمْكِنْ تَمْييزُها، حَرُمَتا عليه جميعًا. وكذلك ههُنا قد عَلِمْنَا أَنَّ أحدَ هذينِ الرَّجُلَيْنِ قد طَلُقَتِ امرأتُه، وحَرُمَتْ عليه، وتَعَذَّرَ التَّمْييزُ، فَيَحْرُمُ الوَطْءُ عليهما، ويَصيرُ كما لو تَنَجَّسَ أحدُ الإِناءَيْنِ لا بعَمْنِه، فإنَّه يَحْرُمُ اسْتعمالُ كلِّ واحدٍ منهما، سواءٌ كانا لِرَجُلَيْنِ أو لرجُلٍ واحدٍ. وقال مَكْحُولٌ: يُحْمَلُ الطَّلاقُ عليهما جميعًا. ومالَ إليه أبو عُبَيدٍ. فإن ادَّعَى كل واحدٍ منهما أنَّه عَلِمَ الحالَ، وأنَّه لم يَحْنَثْ، دِينَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. ونحوَ هذا قال عطاءٌ، والشَّعْبىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشّافعىُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاه. وإِنْ أقرَّ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه الحانثُ، طَلُقَتْ زَوْجتاهما بإقْرارِهما على أنفُسِهما. وإن أقرَّ أحدُهما، حَنِثَ وحْدَه. وإن ادَّعتِ امرأةُ أحدِهما عليه الحِنْثَ، فأنكرَ (١٠)، فالقولُ قولُه. وهل يَحلِفُ؟ يُخرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: فإن قال أحدُهما: إنْ كان هذا غُرابًا، فعبدى حُرٌّ. وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غرابًا، فعبدِى حُرٌّ. فطارَ ولم يعْلَما حالَه، لم نَحْكُمْ بِعِتْقِ واحدٍ من العبدَيْنِ. فإن اشْتَرى أحدُهما عبدَ صاحبِه، بعد أن أنْكَرَ حِنْثَ نفسِه، عَتَقَ الذى اشْتراه؛ لأنَّ إنْكارَه حِنْثَ نفسِه، اعْترافٌ منه بحِنْثِ صاحبِه، وإقرارٌ بِعِتْقِ الذى اشْتراهُ. وإذا اشْترَى مَنْ أقرَّ بحُريَّتِه، عَتَقَ عليه. وإن لم يَكُن منه إنكارٌ ولا اعترافٌ، فقد صارَ العَبْدانِ فى يَدِه، وأحدُهما حُرٌّ، ولم يُعْلَمْ بعَيْنِه، ويُرْجَعُ فى تَعْيينِه إلى القُرْعَةِ. وهذا قولُ أبى الخَطَّابِ. وذهب القاضى إلى أنَّه يَعْتِقُ الذى اشْتراهُ فى الموضِعَيْنِ؛ لأنَّ تَمَسُّكَه بعبدِه، اعترافٌ منه بِرِقِّه وحُريّةِ صاحبِه. وهذا مذهبُ الشّافعىِّ، ولَنا، أنَّه لم يَعْتَرِفْ لفظًا، ولا فعَلَ ما يَلْزَمُ منه الاعْترافُ، فإنَّ الشَّرْعَ يُسَوِّغُ (١١) له إمْساكَ عبدِه مع الجهْلِ، اسْتنادًا إلى الأصلِ،

стр. 5479

فكيفى يَكونُ مُعتَرِفًا، مع تَصْريحِه بأنَّنى لا أعْلمُ الحُرَّ منهما؟ وإنَّما اكْتَفيْنا فى إبْقاءِ رِقِّ عبدِه باحتمالِ الحِنْثِ فى حقِّ صاحبِه، فإذا صارَ العَبْدانِ له، وأحدُهما حُرٌّ، لا بعَيْنِه، صارَ كأنَّهُما كانا له، فَحَلَفَ بِعِتْقِ أحدِهما وحدَه، فيُقْرَعُ بينهما حينَئِذٍ. ولو كان الحالفُ واحدًا، فقال: إنْ كان غُرابًا، فعَبْدِى حُرٌّ، وإن لم يكن غُرابًا، فَأَمَتِى حُرَّةٌ. ولم يُعْلَمْ حالُه، فإنَّه يُقْرَعُ بينهما، فَيَعْتِقُ أحدُهما. فإن ادَّعَى أحدُهما أنَّه الذى عَتَقَ، أو ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما ذلك، فالقَوْلُ قولُ السَّيِّدِ مع يَمِينِه. فصل: وإن قال: إنْ كان غُرابًا، فهذه طالِقٌ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا، فهذه الأُخْرَى طالقٌ. فطارَ ولم يُعْلَمْ حالُه، فقد طَلُقَتْ إحْدَاهما، فيَحْرُمُ عليه قُرْبَانُهما، ويُؤْخَذُ بنَفَقَتِهِما حتى تَبِينَ المُطَلَّقَةُ منهما؛ لأنَّهما مَحْبُوسَتانِ عليه لحقِّه. وذهبَ أصْحابُنا إلى أنَّه يُقْرِعُ بينهما، فتَخرُجُ بالقُرعةِ المُطَلَّقةُ منهما، كقَوْلنا فى العَبِيدِ. والصَّحيحُ أَنَّ القُرْعةَ لا مَدْخَلَ لها ههنا؛ لما سنذْكُرُه فيما إذا طلَّقَ واحدةً وأُنْسِيَها. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. فعلى هذا، يَبْقَى التَّحْريمُ فيهما إلى أن يَعلَمَ المُطلَّقةَ منهما، ويُؤخَذُ بنفقتِهِما. فإن قال: هذه التى حَنِثْتُ فيها. حَرُمَتْ عليه، ويُقْبَلُ قولُه فى حِلِّ الأُخْرَى. فإن ادَّعَتِ التى لم يَعْترِفْ بطلاقِها أنَّها المُطَلَّقةُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وهل يَحْلِفُ؟ يُخرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: فإن قال: إن كان غُرابًا، فنساؤُه طوالِقُ، وإِنْ لم يكُن غُرابًا، فعَبِيدُه أحْرارٌ. وطارَ ولم يُعْلَمْ حالُه، مُنِعَ مِن التَّصرُّفِ فى المِلْكَينِ، حتى يَتَبيَّنَ، وعليه نَفَقَةُ الجميعِ (١٢). فإنْ قال: كان غُرابًا. طَلُقَ نساؤُه، ورَقَّ عبيدُه. فإن ادَّعَى العَبِيدُ (١٣) أنَّه لم يكُنْ غُرابًا ليَعْتِقُوا، فالقولُ قولُه. وهل يَحلِفُ؟ يُخرَّجُ على رِوايتَيْنِ. وإن قال: لم يكُنْ غرابًا. عَتَقَ عبيدُه، ولم تَطْلُقِ النِّساءُ (١٤)، فإن ادّعَيْنِ أنَّه كان غُرابًا لِيَطْلُقْنَ،

стр. 5480

فالقولُ قولُه. وفى تَحْليفِه وَجْهانِ. كلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ. فنَكَلَ عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه بنُكُولِه. وإن قال: لا أعلمُ ما الطّائرُ؟ فقياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينهما، فإن وقَعتِ القُرْعةُ على الغُرابِ، طَلُقَ النِّساءُ، ورقَّ العبيدُ، وإن وقعَتْ على العبيدِ، عَتَقُوا، ولم تَطْلُقِ النِّساءُ. وهذا قولُ أبى ثورٍ. وقال أصحابُ الشّافعىِّ: إن وقَعتِ القُرْعةُ على العبيدِ عَتَقُوا، وإن وقعتْ على النِّساءِ لم يَطْلُقْنَ، ولم يَعْتِقِ العَبِيدُ؛ لأنَّ القُرْعةَ لها مدخلٌ فى العِتْقِ، لكَوْنِ النَّبِىِّ ﷺ أقْرَعَ بين العَبِيدِ السِّتَّةِ (١٥)، ولا مَدْخَلَ لها فى الطّلاقِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ مثلُ ذلك فيه، ولا يُمْكِنُ قياسُه على العِتْقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ، والقُرْعةُ لا تَدْخُلُ فى النِّكاحِ، والعِتْقَ حَلُّ المِلْكِ، والقُرْعةُ تَدخُلُ فى تَمْييزِ الأمْلاكِ. قالوا: ولا يُقْرَعُ بينَهم إلَّا بعدَ مَوْتِه. ويُمْكِنُ أن يُقالَ على هذا: إنَّ ما لا يَصلُحُ للتَّعْيينِ فى حقِّ الموْروثِ، لا يَصلُحُ فى حقِّ الوارثِ، كما لو كانتِ اليَمِينُ فى زوجتَيْنِ؛ ولأنَّ الإِماءَ مُحرَّماتٌ على الموروثِ تحريمًا لا تُزِيلُه القُرْعةُ، فلم يُنْجَزْ للوارثِ بها، كما لو تَعَيَّنَ العِتْقُ فيهنَّ. ١٢٨٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَاتِهِ: إِحْداكُنَّ طَالِقٌ. وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدةً بِعَيْنِهَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَأُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُنَّ) وجملتُه أنَّه إذا طلّقَ امرأةً مِن نسائِه، لا بعَيْنِها، فإنَّها تُخْرَجُ بالقُرعَةِ. نَصَّ عليه فى روايةِ جَمَاعَةٍ. وبه قال الحسنُ، وأبو ثَورٍ. وقال قَتادةُ، ومالكٌ: يَطْلُقْنَ جميعًا. وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمان (١)، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ: له أَنْ يَخْتارَ أيَّتَهُنَّ شاءَ، فَيُوقِعَ عليها الطَّلاقَ؛ لأنَّه يَمْلِكُ إيقاعَه ابْتداءً وتَعْيينَه، فإذا أوْقَعَه ولم يُعَيِّنْه، مَلَكَ تَعْيِينَه؛ لأنَّه اسْتِيفَاءُ ما مَلَكَه. ولَنا، أَنَّ ما ذكرْناه مَروِىٌّ عن علىٍّ، وابنِ عبّاسٍ،

стр. 5481

رَضِىَ اللَّهُ عنهما، ولا مُخالِفَ لهما فى الصَّحَابَةِ؛ ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بُنِىَ على التَّغْلِيبِ والسِّراية، فتَدْخُلُه القُرْعةُ كالعِتْقِ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ؛ بكَوْنِ النَّبِىِّ ﷺ أقْرَعَ بين العَبيدِ السِّتَّةِ (٢)، ولأنَّ الحَقَّ لِوَاحِدٍ (٣) غيرِ مُعَيَّنٍ، فوجَبَ تَعيينُه بالقُرْعةِ، كالحُرِّيّةِ فى العَبِيدِ إذا أعْتَقَهم فى مَرَضِه، ولم يَخرُجْ جميعُهم مِن الثُّلْثِ، وكالسَّفَرِ بإحْدَى نسائِه، والبِدَايةِ بإحْدَاهُنَّ فى القَسْمِ، وكالشَّريكينِ إذا اقْتَسَمَا، ولأنَّه طلَّقَ واحدةً من نسائهِ، لا يُعْلمُ عَيْنُها، فلم يَمْلِكْ تَعْيينَها باخْتيارِه، كالمَنْسِيَّةِ. وأمَّا الدَّليلُ على أنَّهُنَّ (٤) لا يَطْلُقْنَ جميعًا؛ أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى واحدةٍ (٥)، فلم يَطْلُقِ الجميعُ، كما لو عَيَّنَهَا. قولُهم: إنَّه كان يَمْلِكُ الإِيقاعَ والتَّعْيينَ. قُلْنا: مِلْكُه للتَّعْيينِ بالإِيقاعِ لا يلْزمُ (٦) أَنْ يَمْلِكَه بعدَه، كما لو طلَّقَ واحدةً بصنِها، وأُنْسِيَها. وأمَّا إنْ (٧) نَوَى واحدةً بعينِها، طَلُقَتْ وحدَها؛ لأنَّه عَيَّنَهَا بِنيَّتِه، فأشْبَهَ ما لو عيَّنها بلَفْظِه. وإن قال: إنَّما أردتُ فُلَانة. قُبِلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه. وان ماتَ قَبْلَ القُرْعةِ والتَّعْيينِ، أقْرَعَ الوَرَثةُ بينَهُنَّ، فمَنْ وَقَعَتْ عليها قُرْعَةُ الطَّلاقِ، فَحُكْمُها فى الميراثِ حُكمُ ما لو عَيَّنَها بالتَّطْلِيقِ. فصل: وإذا قال لنسائِه: إحْداكُنَّ طالِقٌ غدًا. فجاء غَدٌ، طَلُقَتْ واحدةٌ مِنهُنَّ، وأُخْرِجَتْ بالقُرْعَةِ. فإن ماتَ قَبْلَ الغدِ، وَرِثْنَه كُلُّهُنَّ. وإِنْ ماتَتْ إحْدَاهُنَّ وَرِثَها؛ لأنَّها ماتَتْ قَبْلَ وُقوعِ الطَّلاقِ، فإذا جاء غَدٌ، أُقْرِعَ بينَ المَيِّتَةِ والأحْياءِ، فإن وقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتَةِ، لم يَطْلُقْ شىءٌ مِن الأحْياءِ، وصارَتْ كالمُعَيَّنَةِ بقوله: أنتِ طالقٌ غدًا. وقال القاضى: قياسُ المذهبِ أن يَتَعَيَّنَ الطَّلاقُ فى الأحْياءِ، فلو كانَتا اثنتَيْنِ، فماتتْ إحْدَاهما، طَلُقَتِ الأُخْرَى، كما لو قال لامْرأتِه وأجنَبِيَّةٍ: إحْداكما طَالِقٌ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والفَرْقُ بينهما ظاهرٌ، فإنَّ الأجْنَبِيَّةَ ليست مَحَلًّا لِلطَّلاقِ وقتَ قولِه، فلا يَنْصَرِفْ قولُه إليها، وهذه قد كانت مَحَلًّا للطَّلاقِ، وإرادَتُها بالطَّلاقِ مُمْكِنَةٌ،

стр. 5482

وإرادتُها بالطَّلاقِ كإرادةِ الأُخْرَى، وحُدُوثُ الموتِ بها لا يَقْتضِى فى حقِّ الأُخْرَى طَلاقًا، فَتَبْقَى على ما كانتْ عليه. والقولُ فى تَعْلِيقِ العِتْقِ. كالقَوْلِ فى تَعْليقِ الطَّلاقِ. فإذا (٨) جاء غَدٌ، وقد باعَ بعضَ العَبيد، أقْرَعَ بينَه وبينَ العَبِيدِ الأُخَرِ، فإن وقَعَتْ على المَبِيعِ، لم يَعْتِقْ منهم (٩) شىءٌ (١٠). وعلى قولِ القاضى، يَنْبغِى أن يَتَعَيَّنَ العِتقُ فى الباقِينَ، وكذلك يَنْبغِى أَنْ يَكُونَ مذهبُ أبى حنيفةَ، والشّافعىِّ؛ لأنَّ له تَعْيينَ العِتْقِ عندَهم بقولِه، فَبَيْعُ أحدِهم صَرْفٌ للعِتْقِ عنه، فَيَتَعَيَّنُ فى الباقِينَ. وإن باعَ نِصفَ العبدِ، أقرَعَ بينَه وبينَ الباقِينَ، فإن وقَعَتْ قُرْعةُ العِتقِ عليه، عَتَقَ نصفه، وسَرَى إلى باقِيه إنْ كان المُعتِقُ مُوسِرًا، وإن كان مُعسِرًا، لم يَعْتِقْ إلَّا نِصْفُه. فصل: وإذا قال: امرأتى طالِقٌ، وأمَتى حُرّةٌ. وله نِساءٌ وإماءٌ، ونَوَى (١١) بذلك مُعَيَّنةً، انْصَرفَ إليها، وإن نَوَى واحدةً مُبْهَمَةً، فهى بُهمة فيهِن، وإِنْ لم يَنْوِ شيئًا؛ فقال أبو الخطّابِ: يَطْلُقُ نساؤُه كُلُّهنّ، ويَعْتِقُ إماؤُه؛ لأنَّ الواحدَ المُضافَ يُرادُ به الكُلُّ، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١٢). و ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (١٣). ولأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عبّاسٍ. وقال الجماعَةُ: يَقَعُ على واحدةٍ مُبْهَمَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو قال: إحْداكُنّ طالِقٌ، وإحداكُنَّ حُرَّةٌ؛ لأنَّ لفظَ الواحدِ لا يُسْتعْمَلُ فى الجَمْعِ إلَّا مَجازًا، والكلامُ لحقيقتِه مالم يَصْرِفْه عنها دليلٌ، ولو تَساوَى الاحْمالانِ، لوَجَبَ قَصْرُه على الواحدةِ؛ لأنَّها اليَقينُ، فلا يَثْبُتُ الحُكمُ فيما زادَ عليها بأمرٍ مَشْكوكٍ فيه، وهذا أصَحُّ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5483

١٢٨٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدةً مِن نِسَائِه؛ وَأُنْسِيَهَا، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ) أكثرُ أصْحابِنا عَلَى أنَّه إذا طلَّقَ امرأةً مِن نسائِه، وأُنْسِيَهَا، أنَّها تَخْرُجُ بالقُرعةِ، فَيَثْبُتُ حُكمُ الطَّلاقِ فيها، ويَحِلُّ له الباقياتُ. وقد رَوَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على أَنَّ القُرْعةَ لا تُسْتعمَلُ ههُنا لمعرفةِ الحِلِّ، وإنَّما تُسْتعمَلُ لمعرفةِ الميراثِ، فإنَّه قال (١): سألتُ أحمدَ، عَن الرَّجُل، يُطَلِّقُ امْرأةً (٢) مِن نِسَائِه، ولا (٣) يَعْلَمُ أيَّتَهُنَّ طلَّقَ؟ قال: أكْرَهُ أن أقولَ فى الطَّلاق بالقُرْعة. قلتُ: أرأيتَ إنْ ماتَ هذا؟ قال: أقولُ بالقُرْعةِ. وذلك لأنَّه تَصِيرُ القُرعةُ على المالِ. وجَمَاعَةُ مَنْ رُوِىَ عنه القُرْعةُ فى المُطَلَّقَةِ الْمَنْسِيَّةِ إنَّما هو فى التَّوْريثِ، فأمَّا فى الحِلِّ فلا يَنْبغِى أَنْ يَثْبُتَ بالقُرْعةِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، فالكلامُ إذن فى المسألةِ فى شَيْئينِ؛ أحدُهما، فى اسْتِعْمالِ القُرْعةِ فى المَنْسِيَّةِ للتَّوْريثِ. والثَّانى، فى اسْتعمالِهَا فيها للحِلِّ. أمَّا الأوَّلُ فوَجْهُه ما رَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ حُمَيْدٍ، قال: سألتُ أبا جعفرٍ، عن رَجُلٍ قَدِمَ من خُرَاسَانَ، وله أرْبَعُ نِسْوةٍ، قَدِمَ البَصْرَةَ، فطَلّقَ إحْدَاهُنّ، ونَكَحَ، ثم ماتَ لا يَدْرِى الشُّهُودُ أيَّتَهُنَّ طَلَّقَ؟ فقال: قال علىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أُقْرِعُ بينَ الأرْبِعِ، وأُنْدِرُ (٤) مِنهُنَّ واحدةً، وأقْسِمُ بينَهُنَّ الميراثَ. ولأنّ الحقوقَ إذا تساوَتْ على وجهٍ لا يُمْكِنُ التَّمييزُ إلَّا بالقُرعةِ، صَحَّ اسْتِعْمالُها، كالشُّركاءِ فى القِسْمَةِ، والعَبِيدِ فى الحُرِّيَّةِ. وأمَّا القُرعةُ فى الحِلِّ فى المَنْسِيَّةِ، فلا يَصِحُّ استعمالُها؛ لأنَّه (٥) اشْتَبَهَتْ عليه زوجتُه، [فلم يَحِلَّ له إحْداهما بالقُرْعةِ، كما لو اشْتَبَهتْ] (٦) بأجْنَبِيَّةٍ لم يَكُنْ له عليها عَقْدٌ، ولأنَّ القُرْعَةَ لا تُزِيلُ التَّحْريمَ مِنَ

стр. 5484

المُطَلَّقَةِ، ولا تَرْفَعُ الطَّلاقَ عَمَّن وقَعَ عليه، [ولا احْتمالَ] (٧) كَوْنِ المُطَلَّقَةِ غيرَ مَنْ خَرَجَتْ عليها القُرْعَةُ، ولهذا لو ذَكَرَ (٨) أنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُها، حَرُمَتْ عليه، ولو ارْتفَعَ التَّحْريمُ، أو زالَ الطَّلاقُ، لَمَا عادَ بالذِّكْرِ، فيَجِبُ بَقاءُ التَّحْريمِ بعدَ القُرْعَةِ، كما كان قَبْلَها. وقد قال الخِرَقِىُّ، فى مَن طلَّقَ امرأتَه، فلم يَدْرِ، أواحدةً طلّقَ أم ثلاثًا؟ ومن حَلَفَ بالطّلاقِ، أَنْ لا يَأكُلَ تَمْرَةً، فوقَعَتْ فى تَمْرٍ، فأكَلَ منه واحدةً: لا (٩) تَحِلُّ له امرأتُه، حتى يَعْلمَ أنَّها ليستْ التى وَقَعَتْ عليها اليمينُ. فَحَرَّمَها مع أَنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ، ولم يُعارِضْه يَمينُ التَّحْريمِ، فههُنا أوْلَى. وهكذا الحُكْمُ فى كلِّ مَوْضعٍ وقعَ الطَّلاقُ على امرأةٍ بعَيْنِها، ثم اشْتَبَهَتْ بغيرِها؛ مثل أَنْ يَرَى امرأةً فى رَوْزَنَةٍ (١٠)، أو مُوَلِّيَةً، فيقولُ: أنتِ طالقٌ. ولا يَعْلَمُ عينَها مِنْ نسائِه، وكذلك إذا أوقعَ (١١) الطَّلاقَ على إحْدَى نسائِه فى مسألة الطائِرِ وشِبْهِهَا، فإنَّه يَحْرُمُ جميعُ نسائِه عليه، حتى تَتَبَيَّنَ المُطَلَّقَةُ، ويُؤخَذُ بنَفَقَةِ الجميعِ؛ لأنَّهُنّ مَحْبُوساتٌ عليه، وإن أقرَعَ بَيْنَهُنَّ، لِم تُفِدِ القُرْعةُ شيئًا، ولا يَحِلُّ لمَنْ وقعَتْ عليها القُرْعةُ التَّزَوُّجُ (١٢)؛ لأنَّه يَجُوزُ أَنْ تَكُون غيرَ المُطَلَّقَةِ، ولا يَحِل للزَّوْجِ غيرُها؛ لاحْتمالِ أَنْ تَكُونَ المُطَلَّقَةَ. وقال أصحابُنا: إذا أقْرَعَ بينَهُنَّ، فَخَرَجَتِ القُرْعةُ على إحْداهُنَّ، ثَبَتَ حُكمُ الطَّلاقِ فيها، فَحَلَّ لها النِّكاحُ بعدَ قضاءِ عِدَّتِها، وخَلَّ للزَّوجِ مَنْ سواها، كما لو كان الطَّلاقُ فى واحِدَةٍ (١٣) غيرِ مُعَيَّنَةٍ. واحتَجُّوا بما ذكَرْنا مِن حديثِ علىٍّ، ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ لم تُعْلَمْ بعَيْنِها (١٤)، فأشْبَهَ ما لو

стр. 5485

قال: إحْدَاكُنَّ طالِقٌ. ولأنَّه إزالَةُ أحدِ المِلْكَيْنِ المَبْنِيَّيْنِ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايَةِ، أشْبَهَ العِتْقَ. والصَّحيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ، أَنَّ القُرْعةَ لا تَدخلُ ههُنا، لما قدَّمْنَا، وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّ الحقَّ لم يَثْبُتْ لواحدٍ بعَيْنِه، فجعلَ الشَّرْعُ القُرْعةَ مُعَيِّنَةً، فإنَّها تَصْلُحُ للتَّعْيينِ، وفى مسْألتِنا؛ الطَّلاقُ واقعٌ فى مُعَيَّنَةٍ لا مَحَالَةَ، والقُرْعةُ لا تَرْفَعُه عنها، ولا تُوقِعُه على غيرِها، ولا يُؤْمَنُ (١٥) وقوعُ القُرْعةِ على غيرِها، واحْتمالُ وُقوعِ القُرْعةِ على غيرِها، كاحْتمالِ وُقوعِها عليها، بل هو أظْهرُ فى غيرِها؛ فإنَّهُنَّ إذا كُنَّ أرْبعًا، فاحْتمالُ وُقوعِه فى (١٦) واحدة مِنهنَّ بعَيْنِها، أنْدَرُ من احْتمالِ وُقوعِه فى واحدةٍ مِن ثلاثٍ، ولذلك لو اشْتَبَهَتْ أُختُه بأجْنَبِيَّةٍ، أو مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، أو زوجتُه بأجْنَبِيّةٍ، أو حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فوقَعَتْ فى تَمْرٍ، وأشْباهُ ذلك ممَّا يَطولُ ذِكْرُه، لا تَدْخُلُه قُرعةٌ، فكذا ههُنا. وأمَّا حديث عَلىٍّ، فهو فى الميراثِ، لا فى الحِلِّ، وما (١٧) نَعْلَمُ بالقولِ بها فى الحِلِّ مِن الصَّحابةِ قائلًا. فصل: فعلى قولِ أصْحابِنا، إذا ذَكَرَ أَنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُ التى وقَعَتْ عليها القُرْعةُ، فقد تَبَيَّنَ أنَّها كانت مُحَرمَة عليه، ويَكونُ وُقوعُ الطَّلاقِ مِن حِينَ طَلَّقَ، لا من حينَ ذَكَرَ. وقولُه فى هذا مقبولٌ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسِه، وتُرَدُّ إليه التى خَرَجَتْ عليها القُرْعةُ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها غيرُ مُطَلَّقَةٍ، والقُرْعةُ ليست بطلاقٍ، لا صَرِيحٍ ولا كِنَايةٍ، فإنْ لم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّت إليه، وقُبِلَ قولُه فى هذا؛ لأنَّه أمْرٌ مِن جِهَتِه، لا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قِبَلِه، إلَّا أَنْ تَكُونَ قد تَزَوّجَت، أو يَكُونَ بحُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّها إذا تَزَوّجَتْ تَعَلَّقَ بها حقُّ الزَّوجِ الثَّانى، فلا يُقْبَلُ قولُه فى فَسْخِ نكاجه، والقُرْعةُ من جِهَةِ الحاكمِ بالفُرْقَةِ لا يُمْكِنُ الزَّوجُ رَفْعَها، فتَقَعُ الفُرْقةُ بالزَّوْجَيْنِ. قال أحمدُ، فى روايةِ المَيْمُونِىِّ: إذا كانَ له أربعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدةً مِنهُنّ، ولم يَدْرِ أيَّتَهُنَّ طَلَّقَ، يُقرِعُ بينَهُنَّ، فإن أقْرَعَ بينَهُنَّ، فوَقَعَتِ القُرْعةُ على

стр. 5486

واحدةٍ، ثم ذكَرَ التى طَلَّقَ، فقال: هذه. تَرْجِعُ إليه، والتى ذكَرَ أنَّه طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلاقُ عليها، فإن تَزَوَّجَتْ، فهذا شىءٌ قد مَرَّ، فإن كان الحاكمُ أقْرَعَ بينَهُنَّ، فلا أُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ الحاكِمَ فى ذلك أكْبَرُ منه. وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ: متى أقْرَعَ، ثم قال بعدَ ذلك: إنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُها. وقَعَ الطَّلاقُ بهما جميعًا، ولا تَرْجِعُ إليه واحدةٌ منهما؛ إلَّا (١٨) أَنَّ التى عَينَّهَا بالطَّلاقِ تَحْرُمُ بقولِه، وتَرِثُه إنْ ماتَ، ولَا يَرِثُها. ويَجىءُ على قِياس قولِهما، أن تَلْزَمَه نَفَقَتُها، ولا يَحِلَّ وَطْؤُها. فصل: فإن قال: هذه المُطَلَّقَةُ. قُبِلَ منه. وإن قال: هذه المُطلَّقةُ، بل هذه. طَلُقَتا؛ لأنَّه أقرَّ بطلاقِ الأُولَى، فقُبِلَ إقْرارُه، ثم قُبِل إقرارُه بطلاقِ الثّانيةِ، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُه عمَّا أقرَّ به مِن طلاقِ الأُولَى. وكذلك لو كُنَّ ثلاثًا، فقال: هذه، بل هذه، [بل هذه] (١٩). طَلُقْنَ كلُّهُنَّ، وإِنْ قال: هذه، أو هذه، بل هذه. طَلُقَتِ الثالثةُ (٢٠) وإحدى الأُولَيَيْنِ. وإن قال: طَلَّقْتُ هذه، بل هذه أو هذه. طَلُقَتِ الأُولَى، وإحْدى الآخِرَتَيْنِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ، وهذه أو هذه. فقال القاضى: هى كذلك. وذَكَرَ أنَّه قولُ الْكِسائِىِّ (٢١). وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ الثَّانيةُ، ويَبْقَى الشَّكُّ فى الأُولَى والثَّالثةِ. وَجْهُ الأوَّلَ أنَّه عطَفَ الثَّانيةَ على الأُولَى، بغيرِ شكٍّ، ثم فَصَلَ بينَ الثَّانيةِ والثَّالثةِ بِحَرْفِ الشَّكِّ، فيَكُونُ الشَّكُّ فيهما. ولو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه. طَلُقَتِ الثَّالثةُ، وكان الشَّكُّ فى الأُولَيَيْنِ. ويَحْتَمِلُ فى هاتَيْنِ المسألتَيْنِ أن يَكُونَ الشَّكُّ فى الجميعِ؛ لأنَّه فى الأُولَى أتَى بحَرْفِ الشَّكِّ بعدَهما، فيَعُودُ إليهما، وفى المسألةِ الثَّانيةِ عَطَفَ الثَّالثةَ على الشّكِّ. فعلى هذا إذا قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه أو هذه. طُولِبَ

стр. 5487

بالبيانِ. فإن قال: هى الثَّالثةُ. طَلُقَتْ (٢٢) وحدَها. وإِنْ قال: لم أُطَلِّقْها. طَلُقَتِ الأُوليَانِ. وإِنْ لم يُبَيِّنْ، أُقْرِعَ بين الأُولَيَيْنِ والثَّالثةِ. قال القاضى، فى "المُجَرَّدِ": وهذا أصحُّ. وإِنْ قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه. أُخِذَ بالبيانِ، فإن قال: هى الأُولَى. طَلُقَتْ وحْدَها (٢٣). وإن قال: ليست الأُولَى. طَلُقَتِ الأُخْرَيَانِ، كما لو قال: طَلَّقْتُ هذه، أو هاتَيْنِ. وليس له الوَطْءُ قَبْلَ التَّعْيينِ، فإنْ وَطِىءَ، لم يَكُنْ تَعْييْنًا. وإِنْ ماتتْ إحدَاهما، لم يَتَعَيَّنِ الطَّلاقُ فى الأُخْرَى، وقال أبو حنيفةَ: يَتَعَيَّنُ الطَّلاقُ فى الأُخْرَى؛ لأنَّها ماتت قَبْلَ ثُبُوتِ طلاقِها. ولَنا، أَنَّ مَوْتَ إحْداهما، أو وَطْأَها، لا يَنْفِى احْتمالَ كَوْنِها مُطَلَّقَةً، فلم يَكُنْ تَعْيينًا لغيرِها، كمَرَضِها. وإن قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه، أو هذه وهذه. فالظَّاهِرُ أنَّه طَلَّقَ اثنتَيْنِ لا يَدرى أهما الأُولَيانِ أم الآخِرَتانِ، كما لو قال: طَلَّقْت هاتَيْنِ أو هاتَيْنِ. فإن قال: هما الأُولَيانِ. تَعَيَّنَ الطَّلاقُ فيهما، وإن قال: لم أُطَلِّقِ الأُولَيَيْنِ تَعَيَّنَ الآخِرَتَانِ. وإن قال: إنَّما أشُكُّ فى طلاقِ الثَّانيةِ والآخِرَتَينِ. طَلُقَتِ الأُولَى، وبَقِىَ الشَّكُّ فى الثَّلاثِ. ومتى فَسَّرَ كَلامَه بشىءٍ مُحْتَمِلٍ، قُبِلَ منه. ١٢٨٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِك، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ (١)، وَكَانَ الْمِيْرَاثُ لِلْبَوَاقِى مِنْهُنَّ) نَصَّ أحمدُ على هذا. وقال أبو حنيفةَ: يُقْسَمُ المِيراثُ بينَهُنَّ كُلِّهنّ؛ لأنَّهُنَّ تَسَاوينَ فى احْتمالِ اسْتِحْقاقِه، ولا يَخرُجُ الحقُّ عَنهُنَّ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُوتَفُ الميراثُ المُخْتَصُّ بِهِنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ عليه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ المُسْتَحِقُّ مِنهُنَّ. ووَجْهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، قولُ علىٍّ (٢)، رَضِى اللَّه عنه، ولأنَّهُنَّ قد تَسَاوَينَ، ولا سَبِيلَ إلى التَّعيينِ، فوَجَبَ المصيرُ إلى القُرْعَةِ، كمن أعتَقَ عَبِيدًا فى مَرَضِه لا مالَ له سِوَاهم، وقد ثَبَتَ الحُكمُ فيهم

стр. 5488

بالنَّصِّ (٣). ولأنَّ توريثَ الجميعِ تَوْريثٌ لمِنْ لا يَسْتَحِقُ يقينًا، والوَقْفُ لا إلى غايةٍ حِرْمانٌ لمن يَسْتَحِقُّ يقينًا، والقُرْعةُ يَسْلَمُ بها من هذينِ المحْذُورَيْنِ، ولها نظيرٌ فى الشَّرعِ. فصل: فإن ماتَ بَعْضُهُنَّ، أو جميعُهُنَّ، قَرَعْنا بين الجميعِ، فمَنْ خَرَجَتِ القُرْعةُ لها، حَرَمْنَاه ميراثَها. وإن ماتَ بعضُهُنَّ قبلَه، وبعضُهُنَّ بعدَه، وخَرَجَتِ القُرْعةُ لمِيِّتَةٍ قَبْلَه، حَرَمْنَاه ميراثَها، وإن خَرَجَتْ لمِيتَةٍ بعدَه، حَرَمْناها ميراثَه، والباقياتُ يَرِثُهُنَّ ويَرِثْنَه. فإن قال الزَّوجُ بعدَ مَوْتِها: هذه التى طَلَّقْتُها. أو قال فى غيرِ المُعَيَّنَةِ: هذه التى أرَدْتُها. حُرِمَ ميراثَها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسِه، ويَرِثُ الباقياتِ، سَواءٌ صَدَّقَه وَرَثتهُنَّ، أو كَذَّبُوه؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك إنَّما يُعرَفُ مِن جِهَتِه، ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ بينهما، وهم يَدَّعُونَ طلاقَه لها، والأصلُ عَدَمُه. وهل يُسْتَحْلَفُ على ذلك؟ فيه رِوايَتانِ؛ فإنْ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ. فَنَكَلَ (٤)، حَرَمْناه مِيراثَها؛ لنُكُولِه، ولم يَرِثِ الأُخْرَى، لإِقْرارِه بطَلاقِها. فإنْ ماتَ فقال وَرَثَتُه لإِحْدَاهُنَّ: هذه المُطَلَّقَةُ. فأقَرَّتْ، أو أقَرَّ ورثَتُها بعدَ موتِها، حَرَمْناها ميراثَه، وإِنْ أنكَرَتْ، أو أنكَرَ وَرَثَتُها (٥)، فقِيَاسُ ما ذكَرْناه أَنَّ القولَ قولُها؛ لأنَّها تَدَّعِى بقاءَ نِكاحِها، وهم يَدَّعُونَ زوالَه، والأصلُ معها، فلا يُقبَلُ قولُهم عليها إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وإِنْ شَهِدَ اثنانِ مِن وَرَثَتِه، أنَّه طَلَّقَها، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، إذا لم يَكُونا مِمَّن يَتَوَفَّرُ عليهما ميراثُها، ولا على مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما له، كأُمِّهِمَا وجَدَّتِهما؛ لأنَّ مِيراثَ إحْدَى الزَّوجاتِ لا يَرْجِعُ إلى وَرَثَةِ الزَّوجِ، وإنَّما يَتَوَفَّرُ على ضَرائرِها. وإن ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوجاتِ أنَّه طَلَّقَها طلاقًا تَبِينُ به، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه، وإِنْ ماتَ لم تَرِثْه، لإِقْرارِها بأنَّها لا تَسْتَحِقُّ ميراثَه، فَقَبِلْنا قولَها فيما عليها، دُونَ مَالَهَا، وعليها العِدَّةُ؛ لأنَّنا لم نَقْبَلْ قولَهاْ فيما عليها، وهذا التَّفْريعُ فيما إذا كان الطَّلاقُ يُبِينُها، فأمَّا إنْ كان رَجْعِيًّا، وماتَ فى عِدَّتِها، أو ماتَتْ، وَرِثَ كلُّ وَاحدٍ منهما صاحِبَه.

стр. 5489

فصل: وإذا كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ إحْدَاهُنّ، ثم نَكَحَ أُخْرَى بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، ثم ماتَ، ولم يُعْلَمْ أيَّتُهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلَّتى تَزَوَّجَها رُبْعُ ميراثِ النِّسْوَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا خِلافَ فيه بين أهلِ العلمِ. ثم يُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ، فأيَّتهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها، خَرَجَتْ، ووَرِثَ الباقياتُ. نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا. وَذَهَبَ الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وعَطاءٌ الخُرَاسَانِىُّ (٦)، وأبو حنيفةَ إلى أَنَّ البَاقِىَ بينَ الأرْبَعِ. وزَعَمَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ جميعًا. وقال الشَّافعىُّ: يُوقَفُ البَاقى بينَهُنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ. ووَجْهُ الأقْوالِ ما تَقَدَّمَ. وقاله أحمدُ، فى روايةِ ابنِ منصورٍ، فى رَجُلٍ له أرْبعُ نِسْوةٍ، طلَّقَ واحدةً مِنهُنَّ ثلاثًا، وواحدةً [اثنتَينِ، وواحدةً] (٧) واحدةً، ومات على أثَرِ ذلك، ولا يُدْرَى أيَّتُهُنَّ طَلَّقَ ثلاثًا، وأيَّتُهُنَّ طَلَّقَ اثنتَيْنِ، وَأيَّتُهُنَّ واحدةً: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فالتى أبانَها تَخرُجُ، ولا ميراثَ لها، هذا فيما إذا ماتَ فى عِدَّتِهِنّ، وكان طلاقُه فى صِحَّتِه، فإنه لا يُحْرَمُ الميراثَ إلَّا المُطَلَّقةُ ثلاثًا، والباقيتانِ (٨) رَجْعِيَّتَانِ، يَرِثْنَه فى العدَّةِ، ويَرِثُهُنَّ، ومَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُنَّ، لم تَرِثْه، ولم يَزِلْها، ولو كان طلاقُه فى مَرَضِه الذى ماتَ فيه، لَوَرِثَه الجميعُ، فى العِدَّةِ، وفيما بعدَها قبلَ التَّزْوِيج رِوَايتانِ. فصل: إذا طلَّقَ واحدةً [من نِسائِه لا يُعَيِّنُها، أو يُعيِّنُها] (٧) فأُنْسِيَها، فانقضَتْ عِدَّةُ الجميعِ، فله نِكاحُ خامِسَةٍ قبلَ القُرْعةِ. وخَرَّجَ ابنُ حامدٍ وجهًا، فى أنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُ الخامسةِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ فى حُكْمِ نسائِه، بالنِّسْبَةِ إلى وُجوبِ الإِنْفاقِ عليها، وحُرْمَةِ النِّكاحِ فى حقِّها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّنا عَلِمْنا أَنَّ مِنهُن واحدةً بائنًا منه، ليستْ فى نِكاحِه، ولا فى عِدَّةٍ منْ نكاحِه، فكيف تَكونُ زوجتَه؟ وإنَّما الإِنفاقُ عليها لأجلِ

стр. 5490

حَبْسِها ومَنْعِها مِنَ التَّزَوُّجِ بغيرِه؛ لأجل اشْتباهِها، ومتى عَلِمْنَاها بعَيْنِها، إمَّا بِتَعْيِينِه، أو قُرْعةٍ، فعِدَّتُها مِن حِينَ طلَّقَها، لا مِن حينَ عَيَّنَها. وذَكَرَ أبو حنيفةَ، وبعضُ أصحابِ الشَّافعىِّ، أَنَّ عِدَّتَها من حينِ التَّعْيينِ. وهذا فاسدٌ؛ فإنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ حينَ إيقاعِه، وثَبَتَ حُكْمُه فى تَحْريمِ الوَطْءِ، وحِرْمانِ الميراثِ مِنَ الزَّوْجِ، وحِرْمانِه منها قَبْلَ التَّعْيينِ، فكذلك العِدَّةُ، وإنَّما التَعْييتُ تَبَيُّن لِمَا كان واقِعًا. وإِنْ ماتَ الزَّوجُ قبلَ البيانِ، فعلى الجميعِ عِدَّةُ الوفاةِ، فى قولِ الشّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاء الخُرَاسَانِىِّ. قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ أهلِ الحجازِ والعراقِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أنَّها باقيةٌ على النِّكاحِ، والأصلُ بَقاؤُه، فَتَلْزَمُها عِدّتُه. والصّحيحُ أنَّه يَلْزَمُ كُلَّ واحدةٍ أطولُ الأجَلَيْنِ، مِن عِدَّةِ الوفاةِ وعِدَّةِ الطَّلاقِ، لَكِن عِدَّةُ الطَّلاقِ مِن حينَ طَلَّقَ، وعِدّةُ الوفاةِ مِن حينِ مَوْتِه؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ منهنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عليها عِدَّةُ الوفاةِ، ويَحْتملُ أنَّها المُطلَّقةُ، فعليها عِدَّةُ الطَّلاقِ، فلا تَبْرَأُ يقينًا إلَّا بأطْولِهِما. وهذا فى الطَّلاقِ البائِنِ، فأمَّا الرَّجْعِىُّ؛ فعليها عِدّةُ الوفاةِ بِكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ. فصل: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أَنَّ زوجَها طلَّقَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ وعَدَمُ الطَّلاقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لها بما ادَّعَتْه بَيِّنَةٌ، ولا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلَانِ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أَتَجُوزُ شَهادةُ رَجُلٍ وامرأتينِ فى الطَّلاق؟ قال: لا واللَّهِ. إنَّما كانَ كذلك لأنَّ الطَّلاقَ ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ فى غالبِ الأحْوالِ، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا عَدْلانِ، كالحدودِ والقِصَاصِ. فإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فهل يُسْتَحْلَفُ؟ فيه روايتانِ؛ نَقَلَ [أبو طالبٍ] (٩) أنَّه يُسْتَحْلَفُ. وهو الصَّحيحُ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "وَلَكِنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٠). وقوله: "الْيَمِينُ عَلَى مَنْ

стр. 5491

أنْكَرَ" (١١). ولأنَّه يَصِحُّ مِن الزَّوْجِ بَذْلُه، فَيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمَهْرِ. ونَقَلَ [ابن منصور] (١٢) عنه: لا يُسْتَحْلَفُ فى الطَّلاقِ والنِّكاحِ؛ لأنَّه (١٣) لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالنِّكاحِ إذا ادَّعَى زَوْجِيَّتَها فأنْكَرَتْه. وإن اخْتلَفا فى عَدَدِ الطَّلاقِ، فالقولُ قولُه؛ لما ذَكَرْنَاه. فإذا طلَّقَ ثلاثًا، وسَمِعَتْ ذلك، وأنكَرَ، أو ثَبَتَ ذلك عِنْدَها بقولِ عَدْلَينِ، لم يَحِلَّ لها تَمْكِينُه مِن نَفْسِها، وعليها أَنْ تَفِرَّ منه ما استطاعَتْ، وتَمتنِعَ منه إذا أرادَها، وتَفْتدِىَ منه إن قَدَرَتْ. قال أحمدُ: لا يَسَعُها أَنْ تُقِيمَ معه. وقال أيضًا: تَفْتدِى منه بما تَقْدِرُ عليه، فإن أُجْبِرَتْ على ذلك فلا تَزَيَّنُ له، ولا تَقْرَبُهُ، وتَّهْرُبُ (١٤) إنْ قَدَرَتْ. وإِنْ شَهِدَ عندها عَدْلانِ، غيرُ مُتَّهَمَيْنِ، فلا تُقِيمُ معه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال جابرُ بن زيدٍ، وحمادُ بنُ أبى سليمانَ، وابن سِيرينَ: تَفِرُّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَفْتدِى منه بِكُل [ما يُمْكِنُ] (١٥). وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، وأبو عُبَيدٍ: تَفِرُّ منه. وقال مالكٌ: لا تَتَزَيَّنُ له، ولا تُبْدِى له شيئًا من شَعْرِها ولا عُرْيَتِهَا (١٦)، ولا يُصِيبُها إلَّا وهى مُكْرَهَةٌ. ورُوِىَ عن الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ: يُسْتَحْلَفُ، ثم يَكونُ الإِثْمُ عليه. والصَّحيحُ ما قالَه الأوَّلُونَ؛ لأنَّ هذه تَعْلمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه، مُحَرَّمَة عليه، فوَجَبَ عليها الامْتناعُ، والفِرارُ منه، كسَائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ. وهكذا لو ادَّعَى نِكاحَ امرأةٍ كَذِبًا، وأقامَ بذلك شاهِدَىْ زُورٍ، فحَكَمَ له الحاكمُ بالزَّوجِيَّةِ، أو لو (١٧) تَزَوَّجَها تَزْويجًا باطلًا، وسُلِّمَتْ إليه بذلك،

стр. 5492

فالحُكْمُ فى هذا كُلِّه كالحُكْمِ فى المُطَلَّقَة ثلاثًا. فصل: ولو طلَّقَها ثلاثًا، ثم جَحَدَ طَلاقَها، لم تَرِثْه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ: تَرِثُه؛ لأنَّها فى حُكْمِ الزَّوْجاتِ ظاهرًا. ولَنا، أنَّها تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ، فلم تَرِثْه، كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ. وقال أحمدُ، فى روايةِ أبى طالبٍ: تَهْرُبُ منه، ولا تَتَزَوَّجُ حتى يُظْهِرَ طلاقَها، وتَعْلَمَ ذلك، يَجِىءُ فَيَدَّعِيها، فتُرَدُّ عليه وتُعَاقَبُ. وإِنْ ماتَ ولم يُقِرَّ بِطَلاقِها، لا تَرِثُه، لا تَأْخُذُ ما ليس لها، تَفِرُّ منه، ولا تَخْرُجُ مِن البَلَدِ، ولكنْ تختفى فى بلدِها. قِيلَ له: فإنَّ بعضَ النَّاس قال: تَقْتُلُه، هى بمَنْزِلَةِ مَنْ يَدْفَعُ عن نفسِه. فلم يُعْجِبْه ذلك. فَمَنعَها من التَّزْويج قبلَ ثُبُوتِ طلاقِها؛ لأنَّها فى ظاهرِ الحُكمِ زوجةُ هذا المُطَلِّقِ، فإذا تَزَوَّجَتْ غيرَه، وَجَبَ عليها فى ظاهرِ الشَّرْعِ العقوبةُ، والرَّدُّ إلى الأوَّلِ، ويَجْتَمِعُ عليها زَوْجانِ، هذا بظاهرِ الأمْرِ، وذاك بباطنِه، ولم يأْذَنْ لها فى الخروجِ مِن البلدِ؛ لأنَّ ذلك يُقَوِّى التُّهْمَةَ فى نُشُوزِها، ولا (١٨) فى قَتْلِه قَصْدًا؛ لأنَّ الدَّفِعَ عن نفسِه لا يَقْتُلُ قَصْدًا، فأمَّا إنْ قَصَدَتِ الدّفْعَ عن نَفْسِها، فآلَ إلى نفسِه، فلا إثْمَ عليها، ولا ضَمانَ فى الباطِنِ، فأمَّا فى الظّاهِرِ، فإنَّها تُوخَذُ بِحُكْمِ القَتْلِ، ما لم يَثْبُتْ صِدْقُها. فصل: قال أحمدُ: إذا طلَّقَها ثلاثًا، فشَهِدَ عليه أربعة أنَّه وَطِئَها، أُقِيمَ عليه الْحَدُّ. إنما أوْجَبَه لأنَّها صارت بالطَّلاقِ أجْنَبِيَّةً، فهى كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ، بل هى أشَدُّ تحْريمًا؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ وَطْئًا ونِكاحًا. فإنْ جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، ثم قامَتِ البَيِّنَةُ بطَلاقِه، فلا حَدَّ عليه. وبهذا قالَ الشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، وأهلُ الحجازِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ورَبِيعةُ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ جَحْدَه لطلاقِه يُوهِمُنا أنَّه [نَسِيَه، وذلك] (١٩) شُبْهَةٌ فى دَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا سبيلَ لنا إلى عِلْمِ مَعْرِفَتِه بالطَّلاقِ

стр. 5493

حالةَ وَطْئِه إلَّا بإقرارِه بذلك. فإنْ قال: وَطِئْتُها عالمًا بأننى كُنتُ طلَّقتُها ثلاثًا. كانَ إقرارًا منه بالزِّنَى، فيُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبرُ فى الإِقْرارِ بالزِّنَى. ١٢٨٦ - مسألة؛ قال: (وإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَقَضَتِ الْعِدَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَصَابَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَقَضَتِ الْعِدَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ، فَهِىَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِىَ مِنَ الثَّلَاثِ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُطَلِّقَ إذا بانَتْ زَوْجتُه منه، ثم تَزَوَّجَها، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أَنْ تَنْكِحَ غيرَه، ويُصِيبَها، ثم يَتَزَوَّجَها الأوّلُ، فهذه تَرْجِعُ إليه على طَلاقٍ ثلاثٍ، بإجماعِ أهلِ العلمِ، قالَه ابنُ المُنْذِرِ. والثّانى، أَنْ يُطَلِّقَها دونَ الثّلاثِ، ثم تَعُودَ إليه برَجْعةٍ، أو نكاحٍ جديدٍ قبلَ زوجٍ ثانٍ، فهذه تَرْجِعُ إِليه على ما بَقِىَ مِن طلاقِها، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. والثّالثُ، طَلقَها دونَ الثَّلاثِ، فقَضَتْ عِدَّتَها، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثم تَزَوَّجَها الأوَّلُ، فعن أحمدَ فيها روايتانِ؛ إحْداهما، تَرْجِعُ إليه على ما بَقِىَ مِن طلاقِها. وهذا قولُ الأكابرِ مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ عمرَ، وعلىٍّ، وأُبىٍّ، ومُعَاذٍ (١)، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وأبى هُرَيْرَةَ. ورُوِىَ ذلك عن زيدٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو ابنِ العاص. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، وعَبِيدةُ، والحسنُ، ومالك، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى ليلى، والشَّافعِىُّ، وإسحاقُ، وَأبو عُبَيْدَةَ، وأبو ثَوْرٍ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الثّانيةُ، عن أحمدَ، أنَّها تَرْجِعُ إليه على طلاقِ ثلاثٍ. وهذا قولُ ابن عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، وشُرَيحٍ (٢)، وأبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ وَطْءَ الزَّوجِ الثَّانى مُثْبِث لِلْحِلِّ، فيثْبِتُ حِلَّا يَتَّسِعُ لثلاثِ طَلقاتٍ (٣)، كما بَعْدَ الثَّلاثِ، لأنَّ وَطْءَ (٤) الثَّانى يَهْدِمُ الطَّلقاتِ الثَّلاثَ، فأوْلَى أَنْ يَهْدِمَ ما دونَها. ولَنا، أَنَّ وَطْءَ الثَّانى

стр. 5494

لا يُحْتاجُ إليه فى الإِحْلالَ للزَّوْجِ (٥) الأوَّلِ، فلا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلاقِ، كوَطْءِ السَّيِّدِ، ولأنَّه تَزْويجٌ قَبْلَ اسْتيفاءِ الثَّلاثِ، فأشْبَهَ (٦) ما لو رَجَعَتْ إليه قَبْلَ وَطْءِ الثَّانى. وقولُهم: إنَّ وَطْءَ الثانى يُثْبِتُ الحِلَّ. لا يَصِحُّ؛ لوجهيْنِ؛ أحدُهما، مَنْعُ كونِه مُثْبِتًا للحِلِّ أصلًا، وإنَّما هو فى الطَّلاقِ الثَّلاثِ غايةُ التَّحْريم (٧)، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٨). وحَتَّى للغَايةِ، وإنَما سَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الزَّوجَ الذى قَصَدَ الحِيلَةَ مُحَلِّلًا تَجَوُّزًا، بدليلِ أنَّه لَعَنَه، ومن أثْبَتَ حَلالًا (٩) يَسْتَحِقُ لَعْنًا! والثانى (١٠)، أنَّ الحِلَّ إنَّما يَثْبُتُ فى مَحَلٍّ فيه تَحْريمٌ، وهى المُطَلَّقَةُ ثلاثًا، وههُنا هى حَلالٌ له، فلا يَثْبُتُ فيها حِلٍّ. وقولُهم: إنَّه يَهْدِمُ الطَّلاق. قُلْنا: بل هو غايةٌ لتَحْريمِه، وما دونَ الثَّلاثِ لا تَحْريمَ فيها، فلا يَكُونُ غايةً له. ١٢٨٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الْمُطَلِّقُ عَبْدًا، وَكَانَ طَلَاقُه اثْنَتَيْنِ، لَمْ تَحِل لَهُ زوْجُتُهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، حُرَّةً كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَوْ مَمْلُوْكَةً (١)؛ لأنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ) وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجالِ، فإنْ كان الزَّوجُ حُرًّا؛ فطلاقُه ثلاثٌ، حُرَّةً كانتِ الزَّوجةُ أو أَمَةً، وإِنْ كان عبدًا؛ فطلاقُه اثنتانِ حُرَّة كانت زوجتُه أو أمَةً. فإذا طلَّقَ اثنَتَيْنِ، حَرُمَتْ عليه، حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وزيدِ، وابنِ عبّاسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذرِ. وقال ابنُ عمر: أيُّهما رَقَّ نَقَصَ الطَّلاقُ بِرِقِّه، فطَلاقُ العبدِ اثْنَتانِ، وإن كان

стр. 5495

تحتَه حُرَّةٌ، وطلاقُ الأَمَةِ اثْنَتان، وإِنْ كان زوجُها حُرًّا. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابن مسعودٍ أَنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَر بالنِّساءِ، فطلاقُ الأَمَةِ اثْنَتانِ، حُرًّا كان الزَّوجُ أو عبدًا، وطلاقُ الحُرَّةِ ثلاثٌ، حُرًّا كان زوجُها أو عبدًا. وبه قال الحسنُ، وابن سِيرِينَ، وعِكْرِمَةُ، وعَبِيدةُ، ومَسْروق، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لما رَوَتْ عائشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عنها، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ". رَوَاه أبو داودَ، وابنُ ماجه (٢). ولأنَّ المرأةَ مَحَلٌّ للطَّلاقِ (٣)، فيُعْتَبَرُ بها كالعِدَّةِ. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى خاطَبَ الرِّجالَ بالطّلاقِ، فكان حُكْمُه مُعْتَبَرًا بهم. ولأنَّ الطَّلاقَ خالصُ حَقِّ الزَّوجِ، وهو ممَّا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان اخْتلافُه به كعَدَدِ المنْكوحاتِ. وحديثُ عائشةَ، قال أبو داود: رَاوِيه (٤) مُظاهِر بن أسْلَم، وهو مُنْكَرُ الحديثِ. وقد أخْرَجه الدَّارَقُطْنِىُّ، فى "سُنَنِه" (٥)، عن عائشةَ، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ، وتَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ". وهذا نَصٌّ. ولأنَّ الحُرَّ يَمْلِكُ أَنْ يَتزوَّجَ أربعًا، فمَلَكَ طلقاتٍ ثلاثًا، كما لو كان تحْتَه حُرَّةٌ، ولا خِلافَ فى أنّ الحُرَّ، الذى زَوْجتُه حُرَّة، طلاقُه ثلاثٌ، وأنَّ العبدَ، الذى تحتَه أمَةٌ، طلاقُه اثنتانِ، وإنَّما الخلافُ فيما إذا كان أحدُ الزَّوْجينِ حُرًّا والآخَرُ رَقيقًا. فصل: قال أحمدُ: المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ؛ وطلاقُه وأحكامُه كلُّها أحْكامُ العَبِيدِ (٦). وهذا صحيحٌ؛ فإنَّه جاء فى الحديثِ: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ

стр. 5496

دِرْهَمٌ" (٧). ولأنَّه يَصِحُّ عِتْقُه، ولا يَنْكِحُ إلا اثنَتيْنِ، ولا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَسَرَّى إلَّا بإذنِ سيِّده. وهذه أحكامُ العَبِيدِ، فيَكونُ طلاقُه كطلاقِ سائرِ العبيدِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، فى "سُنَنِه"، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، أنّ نُفَيْعًا مُكاتَبَ أمِّ سَلَمَةَ (٨)، طَلَّقَ امرأةً حُرَّةً تطْليقتَيْنِ، فسألَ عثمانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ عن ذلك، فقالا: حَرُمَتْ عليك (٩). والْمُدَبَّرُ كالعَبْدِ القِنِّ فى نكاحِه وطلاقِه، وكذلك المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ لأنَّه عبدٌ، فَتَثْبُتُ فيه أحكامُ العبيدِ (١٠). فصل: قال أحمدُ، فى روايِةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: العبدُ إذا كان نِصْفُه حُرًّا، ونِصْفُه عبدًا، يَتَزَوَّجُ ثلاثًا، ويُطَلِّقُ ثلاثَ تَطْلِيقاتٍ. وكذلك كلُّ ما تَجَزَّأ بالحسابِ، إنَّما جعَل له نكاحَ ثلاثٍ؛ لأنَّ (١١) عددَ المنْكُوحاتِ يَتَبَعَّضُ، فوَجَبَ أَنْ يَتَبَعَّضَ فى حقِّه كالحَدِّ، فلذلك كان له أَنْ يَنْكِحَ نِصْفَ ما يَنْكِحُ الحُرُّ ونِصْفَ ما يَنْكِحُ العبدُ (١٢)، وذلك ثلاثٌ. وأمَّا الطَّلاقُ فلا يُمْكِنُ قِسْمَتُه فى حقِّه؛ لأنَّ مُقْتَضَى حالِه أَنْ يَكُونَ له ثلاثةُ أرْباعِ الطَّلاقِ، وليس له ثلاثةُ أرْباعٍ، [فكَمَلَ فى حقِّه، ولأنَّ الأصْلَ إثْباتُ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ فى حقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ] (١٣)، وإنَّما خُولِفَ فى مَن كَمَلَ الرِّقّ فى حقِّه، ففى من عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ. فصل: إذا اطَلَّقَ العَبْدُ زوجتَه اثنتَيْنِ، ثم عَتَقَ، لم تَحِلَّ له زوجتُه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه؛ لأنَّها حُرِّمَتْ عليه بالطَلاقِ تَحْريمًا لا يَحِلُّ (١٤) إلَّا بزَوْجٍ وإصابةٍ، ولم يُوجَدْ

стр. 5497

ذلك، فلا يَزولُ التَّحريمُ. وهذا ظاهرُ المذهبِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له أَنْ يَتَزَوَّجَها، وتَبْقَى عندَه على واحدةٍ. وذَكَرَ حديثَ ابن عبّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى الْمَمْلُوكَيْنِ: "إذَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا" (١٥). وقال: لا أرى شيئًا يَدْفَعُه، وغيرُ واحدٍ يَقولُ به؛ أبو سَلَمَةَ، وجابرٌ، وسعيدُ بن المُسَيِّبِ. وروَاه الإِمامُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (١٦). وأكثرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ الأوَّلُ. وقال: حديثُ عثمانَ وزيدٍ فى تَحْريمِها عليه جَيِّدٌ، وحديثُ ابن عبَّاسٍ يَرْوِيه عمرو بنُ مُغيث (١٧)، ولا أعرِفُه. وقد قال ابنُ المُبَارَك: مَن أبو حَسَن هذا؟ لقد حَمَلَ صَخْرَةً عظيمةً. مُنْكِرًا لهذا الحديثِ. قال أحمدُ: أمّا أبو حسنٍ فهو عندى معروفٌ، ولَكِنْ لا أعْرِفُ عمرَو بن مُغِيثٍ. قال أبو بكرٍ: إنْ صحّ الحديثُ فالعَمَلُ عليه، وإن لم يَصِحَّ، فالعَمَلُ على حديثِ عثمانَ وزيدٍ، وبه أقولُ. قال أحمدُ: ولو طَلَّقَ عبدٌ زوجتَه الأمَةَ تَطْليقتَيْنِ، ثم عَتَقَ واشْتراها، لم تَحِلَّ له. ولو تَزَوَّجَ وهو عبدٌ، فلم يُطَلِّقْها، أو طَلَّقها واحدةً، ثم عَتَقَ، فله عليها ثلاثُ تطْليقاتٍ، أو طلْقتانِ إنْ كان طلَّقَها واحدةً؛ لأنَّه فى حالِ الطَّلاقِ حُرٌّ، فاعتُبِرَ حالُه حينَئِذٍ، كما يُغتَبَرُ حالُ المرأةِ فى العِدَّةِ حينَ وُجودِهَا. ولَو تَزَوَّجَها وهو حُرٌّ كافرْ، فسُبِىَ واسْتُرِقَّ، ثم أسْلَما جميعًا، لم يَمْلِك إلَّا طلاقَ العَبِيدِ، اعتبارًا بحالِه حينَ الطَّلاقِ. ولو طلَّقَها (١٨) فى كُفْرِه واحدةً وراجَعَها، ثم سُبِىَ واسْتُرِقَّ، لم يَمْلِك إلَّا طلقةً واحدةً. ولو طلَّقَها فى كُفْرِه طلقتَيْنِ، ثم اسْتُرِقَّ، وأراد التَّزَوُّجَ (١٩) بها، جاز، وله (٢٠)

стр. 5498

طلقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الطَّلْقَتَيْنِ وقَعتا غيرَ مُحَرِّمَتَيْنِ، فلا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُما بما يَطْرَأُ بعدَهما، كما أَنَّ الطَّلقَتَيْنِ مِنَ العَبْدِ لَمَّا (٢١) وقَعتا مُحَرِّمَتَيْنِ، لم يُعْتَبَرْ ذلك بالعِتْقِ بعدَهما. ١٢٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ. طَلُقَتْ بِثَلَاثٍ) نصَّ أحمدُ على هذا، فى رواية مُهَنَّا. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: تَقَعُ طَلْقتانِ؛ لأنَّ معناه ثَلاثةُ أنْصافٍ مِن طلقتَيْنِ، وذلك طَلْقةٌ ونِصْفٌ، ثم تَكْمُلُ فتَصيرُ طَلْقتَيْنِ. وقيل: بل ثلاثٌ (١)؛ لأنَّ النِّصْفَ الثّالِثَ من طلقتَيْن (٢) مُحالٌ. ولأصْحابِ الشّافعىِّ وَجْهانِ كهذَيْن. وَلنا، أَنَّ نِصْفَ الطَّلقتَيْنِ طلقةٌ، وقد أوْقَعَه ثلاثًا، فَيَقَعُ ثلاثٌ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثَ طَلقاتٍ. وقولُهم: مَعْناه ثلاثةُ أنصافٍ مِن طلقَتَيْنِ. تأويلٌ يُخَالِفُه ظاهرُ اللَّفْظِ، فإنَّه على ما ذكروه (٣) يَكونُ ثلاثةَ أنْصافٍ طَلْقَةٍ، ويَنبغى أَنْ يَكُونَ ثلاثةُ أنْصافِ طلقتَيْنِ مُخَالِفَةً لثلاثةِ أنْصافِ طلقةٍ. وقولُهم: إنَّه مُحالٌ. قُلْنا: وقوعُ نصفِ الطَّلقتَيْنِ عليها ثلاثَ مرَّاتٍ ليس بِمُحالٍ، فيجبُ أَنْ يَقَعَ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ مِلءَ الدُّنيا. وَنوَى الثَّلاثَ، وقعَ الثّلاثُ. وإِنْ لم يَنْوِ شيئًا، أو نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ. قال أحمدُ، فى مَن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ ملءَ البيتِ: فإنْ أرادَ الغِلْظَةَ عليها -يعنى يُرِيدُ أَنْ تَبِينَ منه- فهى ثلاثٌ. فاعْتَبَرَ نِيَّتَه، فدلَّ على أنَّه إذا لم يَنْوِ يَقَعُ واحدةً؛ وذلك لأنَّ الوصفَ لا يَقْتضِى عددًا. وهذا لا نَعلمُ فيه خلافًا، إلَّا أَنَّ الواحدةَ إذا وَقَعَتْ كانت رَجْعِيَّةً. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: تكونُ بائنًا؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلاقَ بصِفَةٍ زائدةٍ تَقْتضى الزِّيادةَ عليها، وذلك

стр. 5499

هو الْبَيْنُونَةُ. ولَنا، أنَّه طلاقٌ صادَفَ مدخولًا بها، مِن غيرِ استيفاءِ عَدَدٍ ولا عِوَضٍ، فكان رَجْعِيًّا، كقوله: أنتِ طالقٌ. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطّلاقَ حُكْمٌ، فإذا ثَبَتَ ثَبَتَ فى الدُّنيا كُلِّها، فلا يَقْتضِى ذلك زيادةً. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أشدَّ الطَّلاقِ، أو أغْلَظَه (٤)، أو أطْوَلَ الطّلاقِ، أو أعْرَضَه، أو أقْصَرَه، أو مِثْلَ الْجَبَلِ، أو مِثْلَ عِظَمِ الجبِل. ولا نِيَّةَ له، وقَعتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، فى جميعِها: يَقَعُ بائنًا. وقال صاحباه: إنْ قال: مثلَ الجَبَلِ. كانت رَجْعِيَّةً. وإِنْ قال: مثلَ عِظَمِ الجبلِ. كانت بائنًا. ووَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تَقَدَّم، ولأنَّه لا يَمْلِكُ إيقاعَ البَيْنُونَةِ، فإنَّها حُكْمٌ، وليس ذلك إليه، وإنَّما نُثْبِتُ البينونةَ بأسبابٍ مُعَيَّنَة كالخُلْعِ، والطَّلاقِ الثّلاثِ، والطَّلاق قَبْلَ الدُّخولِ، فيَمْلِكُ مُباشَرَةَ سَبَبِها فَيَثْبُتُ. وإِنْ أراد إثْباتَها بدونِ ذلك لم يَثْبُتْ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ أشدَّ الطّلاقِ عليه أو عليها، وأغْلَظَ، لتَعَجُّلِها (٥)، أو لحُبِّ أحَدِهَما صاحِبَه ومَشَقَّةِ فراقِه عليه، فلم يَقَعْ أمرٌ زائدٌ بالشَّكِّ. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أقْصَى الطَّلاقِ، أو أكْبَرَه (٦). فكذلك فى قياسِ المذهبِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أقْصَى الطَّلاقِ ثلاثًا؛ لأنَّ أقْصاه آخِرُه، وآخِرُ الطَّلاقِ الثَّالثةُ، ومِن ضَرُورةِ كَوْنِها ثالثةً وُقوعُ اثنتَيْنِ. وإِنْ قال: أتمَّ الطَّلاقِ، أو أكْمَلَه. فواحدةٌ إلَّا أنَّها تَكونُ سُنِّيَّةً؛ لأنَّها أكمَلُ الطَّلاقِ وأتَمُّه. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أكْثَرَ الطَّلاقِ، أو كُلَّه، أو جميعَه، أو مُنْتهاه، أو مِثْلَ عَدَدِ الحَصَى، أو الرَّمْلِ، أو القَطر. طَلُقَتْ ثَلاثًا؛ لأنَّ هذا يَقْتضِى عددًا، ولأنَّ للطَّلاقِ (٧) أقلَّ وأكثرَ، فأقلُّه واحدةٌ، وأكثرُه ثلاثٌ. وإِنْ قال: كعددِ التُّرابِ، أو الماءِ. وقَعَ ثلاثٌ. وقال أبو حنيفةَ: يقَعُ واحدةٌ بائِنٌ (٨)؛ لأنَّ الماءَ والتَّرابَ من أسماءِ

стр. 5500

الأجْناسِ، لا عَدَدَ له. ولَنا، أَنَّ الماءَ تَتَعَدَّد أنْواعُه وقَطَرَاته، والتُّرابُ تَتَعَدَّدُ أنواعُه وأجْزاؤُه، فأشْبَهَ الحَصَا. وإن قال: يا مائةَ طالقٍ. أو: أنتِ مائةُ طالقٍ. طَلُقَتْ ثلاثًا. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ كمائةٍ أو ألفٍ. فهى ثلاثٌ. قال أحمدُ، فى مَن قال: أنت طالقٌ كألفِ تَطْليقةٍ: فهى ثلاثٌ. وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ، وبعضُ أصْحابِ الشّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إنْ لم تَكُنْ له نِيَّة، وَقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُصَرِّح بالعَدَدِ، وإنَّما شَبَّهَها بالألْفِ (٩)، وليس المُوقَعُ المُشَبَّهَ (١٠) به. ولَنا، أَنَّ قولَه: كألفٍ. تشبيهٌ بالعَدَدِ خاصَّةً؛ لأنَّه لم يَذْكُر إلَّا ذلك، فوَقَعَ العددُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ، كعددِ ألفٍ. وفى هذا انفصالٌ عَمَّا قالَ. وإِنْ قالَ: أردتُ أنَّها طَلْقةٌ كألفٍ فى صُعُوبَتِها. دِينَ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ مِن واحدةٍ إلى ثلاثٍ. وَقَعَ طَلْقتانِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما بعدَ الغايةِ لا يَدْخُل فيها، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١١). وإنَّما يَدْخُل إذا كانت بمعنى مع، وذلك خلافُ مَوْضوعِها. وقال زُفَر: يقعُ طَلْقةً؛ لأنَّ ابْتِداءَ الغايةِ ليس منها، كقولِه: بِعْتُك مِن هذا الحائطِ إلى هذا الحائطِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَقَعُ الثَّلاثُ؛ لأنَّه نَطَقَ بها، فلم يَجُزْ إلْغاؤُها. ولَنا، أَنَّ ابْتِداءَ الغايةِ يَدْخُل، كما لو قال: خَرَجْتُ مِن البَصْرَة. فإنَّه يَدُلُّ على أنَّه كان فيها، وأمَّا انتهاءُ الغايةِ فلا يَدخلُ بمُقْتضَى اللَّفْظ، ولو احْتَمَل دخولَه وعَدَمَ دُخولِه، لم نُجزِ الطَّلاقَ بالشَّكِّ. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ ما بينَ واحدةٍ وثلاثٍ. وَقَعَتْ واحدةٌ؛ لأَنَّها التى بينَهما. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً فى اثنتَيْنِ. أو: واحدةً فى اثنتين. وَنوَى به
следующие страницы →