← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

دِرْهَمٌ" (٧). ولأنَّه يَصِحُّ عِتْقُه، ولا يَنْكِحُ إلا اثنَتيْنِ، ولا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَسَرَّى إلَّا بإذنِ سيِّده. وهذه أحكامُ العَبِيدِ، فيَكونُ طلاقُه كطلاقِ سائرِ العبيدِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، فى "سُنَنِه"، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، أنّ نُفَيْعًا مُكاتَبَ أمِّ سَلَمَةَ (٨)، طَلَّقَ امرأةً حُرَّةً تطْليقتَيْنِ، فسألَ عثمانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ عن ذلك، فقالا: حَرُمَتْ عليك (٩). والْمُدَبَّرُ كالعَبْدِ القِنِّ فى نكاحِه وطلاقِه، وكذلك المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ لأنَّه عبدٌ، فَتَثْبُتُ فيه أحكامُ العبيدِ (١٠). فصل: قال أحمدُ، فى روايِةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: العبدُ إذا كان نِصْفُه حُرًّا، ونِصْفُه عبدًا، يَتَزَوَّجُ ثلاثًا، ويُطَلِّقُ ثلاثَ تَطْلِيقاتٍ. وكذلك كلُّ ما تَجَزَّأ بالحسابِ، إنَّما جعَل له نكاحَ ثلاثٍ؛ لأنَّ (١١) عددَ المنْكُوحاتِ يَتَبَعَّضُ، فوَجَبَ أَنْ يَتَبَعَّضَ فى حقِّه كالحَدِّ، فلذلك كان له أَنْ يَنْكِحَ نِصْفَ ما يَنْكِحُ الحُرُّ ونِصْفَ ما يَنْكِحُ العبدُ (١٢)، وذلك ثلاثٌ. وأمَّا الطَّلاقُ فلا يُمْكِنُ قِسْمَتُه فى حقِّه؛ لأنَّ مُقْتَضَى حالِه أَنْ يَكُونَ له ثلاثةُ أرْباعِ الطَّلاقِ، وليس له ثلاثةُ أرْباعٍ، [فكَمَلَ فى حقِّه، ولأنَّ الأصْلَ إثْباتُ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ فى حقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ] (١٣)، وإنَّما خُولِفَ فى مَن كَمَلَ الرِّقّ فى حقِّه، ففى من عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ. فصل: إذا اطَلَّقَ العَبْدُ زوجتَه اثنتَيْنِ، ثم عَتَقَ، لم تَحِلَّ له زوجتُه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه؛ لأنَّها حُرِّمَتْ عليه بالطَلاقِ تَحْريمًا لا يَحِلُّ (١٤) إلَّا بزَوْجٍ وإصابةٍ، ولم يُوجَدْ

стр. 5497

ذلك، فلا يَزولُ التَّحريمُ. وهذا ظاهرُ المذهبِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له أَنْ يَتَزَوَّجَها، وتَبْقَى عندَه على واحدةٍ. وذَكَرَ حديثَ ابن عبّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى الْمَمْلُوكَيْنِ: "إذَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا" (١٥). وقال: لا أرى شيئًا يَدْفَعُه، وغيرُ واحدٍ يَقولُ به؛ أبو سَلَمَةَ، وجابرٌ، وسعيدُ بن المُسَيِّبِ. وروَاه الإِمامُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (١٦). وأكثرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ الأوَّلُ. وقال: حديثُ عثمانَ وزيدٍ فى تَحْريمِها عليه جَيِّدٌ، وحديثُ ابن عبَّاسٍ يَرْوِيه عمرو بنُ مُغيث (١٧)، ولا أعرِفُه. وقد قال ابنُ المُبَارَك: مَن أبو حَسَن هذا؟ لقد حَمَلَ صَخْرَةً عظيمةً. مُنْكِرًا لهذا الحديثِ. قال أحمدُ: أمّا أبو حسنٍ فهو عندى معروفٌ، ولَكِنْ لا أعْرِفُ عمرَو بن مُغِيثٍ. قال أبو بكرٍ: إنْ صحّ الحديثُ فالعَمَلُ عليه، وإن لم يَصِحَّ، فالعَمَلُ على حديثِ عثمانَ وزيدٍ، وبه أقولُ. قال أحمدُ: ولو طَلَّقَ عبدٌ زوجتَه الأمَةَ تَطْليقتَيْنِ، ثم عَتَقَ واشْتراها، لم تَحِلَّ له. ولو تَزَوَّجَ وهو عبدٌ، فلم يُطَلِّقْها، أو طَلَّقها واحدةً، ثم عَتَقَ، فله عليها ثلاثُ تطْليقاتٍ، أو طلْقتانِ إنْ كان طلَّقَها واحدةً؛ لأنَّه فى حالِ الطَّلاقِ حُرٌّ، فاعتُبِرَ حالُه حينَئِذٍ، كما يُغتَبَرُ حالُ المرأةِ فى العِدَّةِ حينَ وُجودِهَا. ولَو تَزَوَّجَها وهو حُرٌّ كافرْ، فسُبِىَ واسْتُرِقَّ، ثم أسْلَما جميعًا، لم يَمْلِك إلَّا طلاقَ العَبِيدِ، اعتبارًا بحالِه حينَ الطَّلاقِ. ولو طلَّقَها (١٨) فى كُفْرِه واحدةً وراجَعَها، ثم سُبِىَ واسْتُرِقَّ، لم يَمْلِك إلَّا طلقةً واحدةً. ولو طلَّقَها فى كُفْرِه طلقتَيْنِ، ثم اسْتُرِقَّ، وأراد التَّزَوُّجَ (١٩) بها، جاز، وله (٢٠)

стр. 5498

طلقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الطَّلْقَتَيْنِ وقَعتا غيرَ مُحَرِّمَتَيْنِ، فلا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُما بما يَطْرَأُ بعدَهما، كما أَنَّ الطَّلقَتَيْنِ مِنَ العَبْدِ لَمَّا (٢١) وقَعتا مُحَرِّمَتَيْنِ، لم يُعْتَبَرْ ذلك بالعِتْقِ بعدَهما. ١٢٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ. طَلُقَتْ بِثَلَاثٍ) نصَّ أحمدُ على هذا، فى رواية مُهَنَّا. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: تَقَعُ طَلْقتانِ؛ لأنَّ معناه ثَلاثةُ أنْصافٍ مِن طلقتَيْنِ، وذلك طَلْقةٌ ونِصْفٌ، ثم تَكْمُلُ فتَصيرُ طَلْقتَيْنِ. وقيل: بل ثلاثٌ (١)؛ لأنَّ النِّصْفَ الثّالِثَ من طلقتَيْن (٢) مُحالٌ. ولأصْحابِ الشّافعىِّ وَجْهانِ كهذَيْن. وَلنا، أَنَّ نِصْفَ الطَّلقتَيْنِ طلقةٌ، وقد أوْقَعَه ثلاثًا، فَيَقَعُ ثلاثٌ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثَ طَلقاتٍ. وقولُهم: مَعْناه ثلاثةُ أنصافٍ مِن طلقَتَيْنِ. تأويلٌ يُخَالِفُه ظاهرُ اللَّفْظِ، فإنَّه على ما ذكروه (٣) يَكونُ ثلاثةَ أنْصافٍ طَلْقَةٍ، ويَنبغى أَنْ يَكُونَ ثلاثةُ أنْصافِ طلقتَيْنِ مُخَالِفَةً لثلاثةِ أنْصافِ طلقةٍ. وقولُهم: إنَّه مُحالٌ. قُلْنا: وقوعُ نصفِ الطَّلقتَيْنِ عليها ثلاثَ مرَّاتٍ ليس بِمُحالٍ، فيجبُ أَنْ يَقَعَ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ مِلءَ الدُّنيا. وَنوَى الثَّلاثَ، وقعَ الثّلاثُ. وإِنْ لم يَنْوِ شيئًا، أو نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ. قال أحمدُ، فى مَن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ ملءَ البيتِ: فإنْ أرادَ الغِلْظَةَ عليها -يعنى يُرِيدُ أَنْ تَبِينَ منه- فهى ثلاثٌ. فاعْتَبَرَ نِيَّتَه، فدلَّ على أنَّه إذا لم يَنْوِ يَقَعُ واحدةً؛ وذلك لأنَّ الوصفَ لا يَقْتضِى عددًا. وهذا لا نَعلمُ فيه خلافًا، إلَّا أَنَّ الواحدةَ إذا وَقَعَتْ كانت رَجْعِيَّةً. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: تكونُ بائنًا؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلاقَ بصِفَةٍ زائدةٍ تَقْتضى الزِّيادةَ عليها، وذلك

стр. 5499

هو الْبَيْنُونَةُ. ولَنا، أنَّه طلاقٌ صادَفَ مدخولًا بها، مِن غيرِ استيفاءِ عَدَدٍ ولا عِوَضٍ، فكان رَجْعِيًّا، كقوله: أنتِ طالقٌ. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطّلاقَ حُكْمٌ، فإذا ثَبَتَ ثَبَتَ فى الدُّنيا كُلِّها، فلا يَقْتضِى ذلك زيادةً. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أشدَّ الطَّلاقِ، أو أغْلَظَه (٤)، أو أطْوَلَ الطّلاقِ، أو أعْرَضَه، أو أقْصَرَه، أو مِثْلَ الْجَبَلِ، أو مِثْلَ عِظَمِ الجبِل. ولا نِيَّةَ له، وقَعتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، فى جميعِها: يَقَعُ بائنًا. وقال صاحباه: إنْ قال: مثلَ الجَبَلِ. كانت رَجْعِيَّةً. وإِنْ قال: مثلَ عِظَمِ الجبلِ. كانت بائنًا. ووَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تَقَدَّم، ولأنَّه لا يَمْلِكُ إيقاعَ البَيْنُونَةِ، فإنَّها حُكْمٌ، وليس ذلك إليه، وإنَّما نُثْبِتُ البينونةَ بأسبابٍ مُعَيَّنَة كالخُلْعِ، والطَّلاقِ الثّلاثِ، والطَّلاق قَبْلَ الدُّخولِ، فيَمْلِكُ مُباشَرَةَ سَبَبِها فَيَثْبُتُ. وإِنْ أراد إثْباتَها بدونِ ذلك لم يَثْبُتْ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ أشدَّ الطّلاقِ عليه أو عليها، وأغْلَظَ، لتَعَجُّلِها (٥)، أو لحُبِّ أحَدِهَما صاحِبَه ومَشَقَّةِ فراقِه عليه، فلم يَقَعْ أمرٌ زائدٌ بالشَّكِّ. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أقْصَى الطَّلاقِ، أو أكْبَرَه (٦). فكذلك فى قياسِ المذهبِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أقْصَى الطَّلاقِ ثلاثًا؛ لأنَّ أقْصاه آخِرُه، وآخِرُ الطَّلاقِ الثَّالثةُ، ومِن ضَرُورةِ كَوْنِها ثالثةً وُقوعُ اثنتَيْنِ. وإِنْ قال: أتمَّ الطَّلاقِ، أو أكْمَلَه. فواحدةٌ إلَّا أنَّها تَكونُ سُنِّيَّةً؛ لأنَّها أكمَلُ الطَّلاقِ وأتَمُّه. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ أكْثَرَ الطَّلاقِ، أو كُلَّه، أو جميعَه، أو مُنْتهاه، أو مِثْلَ عَدَدِ الحَصَى، أو الرَّمْلِ، أو القَطر. طَلُقَتْ ثَلاثًا؛ لأنَّ هذا يَقْتضِى عددًا، ولأنَّ للطَّلاقِ (٧) أقلَّ وأكثرَ، فأقلُّه واحدةٌ، وأكثرُه ثلاثٌ. وإِنْ قال: كعددِ التُّرابِ، أو الماءِ. وقَعَ ثلاثٌ. وقال أبو حنيفةَ: يقَعُ واحدةٌ بائِنٌ (٨)؛ لأنَّ الماءَ والتَّرابَ من أسماءِ

стр. 5500

الأجْناسِ، لا عَدَدَ له. ولَنا، أَنَّ الماءَ تَتَعَدَّد أنْواعُه وقَطَرَاته، والتُّرابُ تَتَعَدَّدُ أنواعُه وأجْزاؤُه، فأشْبَهَ الحَصَا. وإن قال: يا مائةَ طالقٍ. أو: أنتِ مائةُ طالقٍ. طَلُقَتْ ثلاثًا. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ كمائةٍ أو ألفٍ. فهى ثلاثٌ. قال أحمدُ، فى مَن قال: أنت طالقٌ كألفِ تَطْليقةٍ: فهى ثلاثٌ. وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ، وبعضُ أصْحابِ الشّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إنْ لم تَكُنْ له نِيَّة، وَقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُصَرِّح بالعَدَدِ، وإنَّما شَبَّهَها بالألْفِ (٩)، وليس المُوقَعُ المُشَبَّهَ (١٠) به. ولَنا، أَنَّ قولَه: كألفٍ. تشبيهٌ بالعَدَدِ خاصَّةً؛ لأنَّه لم يَذْكُر إلَّا ذلك، فوَقَعَ العددُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ، كعددِ ألفٍ. وفى هذا انفصالٌ عَمَّا قالَ. وإِنْ قالَ: أردتُ أنَّها طَلْقةٌ كألفٍ فى صُعُوبَتِها. دِينَ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ مِن واحدةٍ إلى ثلاثٍ. وَقَعَ طَلْقتانِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما بعدَ الغايةِ لا يَدْخُل فيها، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١١). وإنَّما يَدْخُل إذا كانت بمعنى مع، وذلك خلافُ مَوْضوعِها. وقال زُفَر: يقعُ طَلْقةً؛ لأنَّ ابْتِداءَ الغايةِ ليس منها، كقولِه: بِعْتُك مِن هذا الحائطِ إلى هذا الحائطِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَقَعُ الثَّلاثُ؛ لأنَّه نَطَقَ بها، فلم يَجُزْ إلْغاؤُها. ولَنا، أَنَّ ابْتِداءَ الغايةِ يَدْخُل، كما لو قال: خَرَجْتُ مِن البَصْرَة. فإنَّه يَدُلُّ على أنَّه كان فيها، وأمَّا انتهاءُ الغايةِ فلا يَدخلُ بمُقْتضَى اللَّفْظ، ولو احْتَمَل دخولَه وعَدَمَ دُخولِه، لم نُجزِ الطَّلاقَ بالشَّكِّ. وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ ما بينَ واحدةٍ وثلاثٍ. وَقَعَتْ واحدةٌ؛ لأَنَّها التى بينَهما. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً فى اثنتَيْنِ. أو: واحدةً فى اثنتين. وَنوَى به

стр. 5501

ثلاثًا، فهى ثلاثٌ؛ لأنَّه يُعَبَّرُ بفى عن "مع"، كقوله: ﴿فَادْخُلِى فِى عِبَادِي﴾ (١٢). فتقديرُ الكلامِ، أنتِ طالقٌ طلقةً مع طلقتَيْنِ. فإذا أقرَّ بذلك على نفسِه، قُبِلَ منه. وإن قال: أردتُ واحدةً. قُبِلَ أيضًا، حاسبًا كان أو غَيْرَ حاسبٍ. وقال القاضى: إذا كان عارفًا بالحسابِ.، لم يُقْبَل منه، ووقَعَ طَلْقتانِ؛ لأنَّه خلافُ ما اقْتضاه اللَّفْظُ. ولَنا، أنَّه فَسَّر كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فإنَّه لا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بكلامِه ما يريدُه العامِّىُّ. وإِنْ لم تَكُن له نِيَّةٌ، وكان عارفًا بالحسابِ، وَقَعَ طَلْقَتانِ. وقال الشَّافِعِىُّ (١٣): إنْ أطْلَقَ، لم يَقَع إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ لفْظَ الإِيقاعِ إنمَّا هو لَفْظُ (١٤) الواحدةِ، وما زادَ عليها لم يَحْصُل فيه لفظُ الإِيقاعِ، وإنَّما يَقَعُ الزَّائِدُ بالقَصْد، فإذا خَلا عن القَصْدِ، لم يَقَعْ إلَّا ما أوْقَعَه. وقال بعضُ أصْحابِه كَقَوْلِنا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ، سواءٌ قَصَدَ به الحِسابَ أَوْ لَم يَقْصِدْ، اذا لم يَقْصِدْ به واحدةً مع اثْنَتَيْنِ؛ لَأَنَّ الضَّرْب إنَّما يَصِحُّ فيما لَهُ مِسَاحةٌ، فَأَمَّا ما لا مِسَاحَةَ له فلا حَقِيقَةَ فيه للحِسَابِ، وإنَّما حَصَلَ منه الإِيقاعُ فى وَاحِدَةٍ، فوَقَعَتْ دُونَ (١٥) غيرِها. ولَنا، أَنَّ هذا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ فى اصْطِلاحِهِمْ لِاثْنَتَيْنِ، فَإذَا لَفَظَ به وأَطْلَقَ، وَقَعَ، كما لو قال: أنْتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ. وبهذا يَحْصُلُ الانْفِصَالُ عمَّا قالَه الشَّافِعِىُّ، فإنَّ اللفظَ الموضوعَ لا يُحْتَاجُ مَعَه إلى نِيَّةٍ. فأمَّا ما قالَه أبو حنيفة، فإنَّما ذلك فى وَضْعِ الحِسَابِ فِى الأصْلِ، ثُمَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِى كُلِّ مَالَه عَدَدٌ، فَصَارَ حَقِيقَةً فيه، فأمَّا الجاهِلُ بِمُقْتَضَى ذلك فى الحِسابِ إذا أطْلَقَ، وَقَدَت طَلْقَة وَاحِدَةٌ؛ لِأن لَفْظَ الإِيقاعِ إنَّما هو [لَفْظَة واحِدَة] (١٦)، وإنَّما صَارَ مَصْرُوفًا إلى الاثْنَتَيْنِ بِوَضْعِ أَهْلِ الحِسابِ. واصْطِلَاحِهِمْ، فَمَنْ لا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَهم لا يَلْزَمُه مُقْتَضَاه، كَالْعَرَبِىِّ

стр. 5502

يَنْطِقُ بالطَّلَاق بالعَجَمِيَّةِ وهو لا يَعْرِفُ مَعْناها. ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا فى ذلك، بين أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بذلك مِمَّن لهم عُرْفٌ فى هذا اللَّفْظ أولا، والظّاهِرُ أنَّه إن كان المُتَكَلِّمُ بذلك مِمَّنْ عُرْفُهم أَنَّ "فى" ههُنا بِمَعْنَى "مع"، وَقَعَ به ثَلاثٌ؛ لِأَنَّ كَلامَه يُحْمَلُ على عُرْفِهم، والظّاهرُ مِنْه إِرادَتُه، وهو المُتَبَادِرُ إلى الفَهْمِ مِن كلامِه. فإنْ نَوَى مُوجَبَه عِنْدَ أهْلِ الحساب، فقال القاضى: لا يَلْزَمُه مُقْتَضَاهُ، كالعَرَبِىِّ يَنْطِقُ بالطَّلاقِ بالعَجَمِيَّةِ ولا يَعْرِفُ معناها. وهذا قولُ أَكثرِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لِأَنَّه إذا لم يكُنْ يَعْرِفُ مُوجَبَه، فلم يَقْصِدْ إيقَاعَه، ولا يَصِحُّ منه قَصْدُ ما لا يَعْرِفُه. فصل: فإن قال: أَنتِ طالقٌ طَلْقَةً، بل طَلْقَتَيْنِ. وَقَعَ طَلْقتانِ، نَصَّ (١٧) عليه أحمدُ. وقال أصْحَابُ الشَّافِعِىِّ: يَقَعُ ثلاثًا، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ قَوْلَه: أَنْتِ طَالِقٌ. إيقَاعٌ، فلا يَجُوزُ إيقَاعُ الوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ، فيَدُلُّ عَلَى أنَّه أوْقَعَهَا، ثُمَّ أَرَادَ رَفْعَها، وَأَوْقَعَ اثْنَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ، فَتَقَع الثَّلاثُ. ولَنا، أَنَّ (١٨) ما لَفَظَ به قَبْلَ الإِضْرَابِ بَعْضُ ما لَفَظَ به بَعْدَه، فلم يَلْزَمْه أَكْثَرُ مِمَّا بَعْدَه، كقَوْلِه: له (١٩) علىَّ دِرْهم بل دِرْهمانِ. وَقَوْلُهُمْ: لا يجُوزُ إيقاعُ مَا أوْقَعَه. قُلْنا: يجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِوُقُوعِه، مع وُقُوع غَيْرِه، فلا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ. قَالَ أحمدُ: فِإنْ قال: أَنْتِ طَالِقٌ لا بل أَنْتِ طَالِقٌ: هى واحِدَةٌ. وهَذَا اخْتِيَارُ أَبِى بَكْرٍ. واخْتارَ القاضى أَنَّه يَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّه أرَادَ رَفْعَ الأُولَى وإِيقَاعَ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ تَرْتَفِعِ الأُولَى، وَوَقَعَتِ الثَّانِيَةُ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أَنَّه لو قال: له عَلَىّ دِرْهَم، بل دِرْهَمٌ. لَزِمَه دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. كَذَا ههُنا. فعلى هذا الْقَوْلِ، إنْ نَوَى بِقَوْلِه: بل أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أُخْرَى. وَقَعَ اثْنَتَانِ؛ لِأَنَّه قَصَدَ إِيقاعَ طَلْقَتَيْنِ بِلَفظَيْنِ، فَوَقَعَ، كما لو قالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، [أَنْتِ طَالِقٌ] (٢٠). وذكرَ القَاضِى احْتِمَالًا آخَرَ؛ أَنَّه لَا يَقَعُ إِلَّا

стр. 5503

طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِوَاحِدَةٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِىَ به اثْنَتَيْنِ. قالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرأَتَانِ، فَقَالَ لإِحْدَاهُما: أَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتَا جَمِيعًا. ووَجْهُه أَنَّه أَوْقَعَ طَلَاقَ الْأُولَى، ثم أَضْرَبَ عنه، وأَوْقَعَ طَلَاقَ الْأُخْرَى، فَوَقَعَ بِها، وَلَمْ يَرْتَفِعْ عن الْأُولَى. وفارَقَ مَا إذا قال ذلك لِوَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ (٢١) يجوزُ أَنْ تَكُونَ هى الثَّانِيَةَ، كَرَّرَ الإِخْبَارَ بها، ولا يجوزُ فى الْمَرْأتَيْنِ أَنْ يكونَ طلاقُ إِحْداهما هو طَلاقَ الأُخْرَى. وَنَظِيرُهُ فى الإِقْرَارِ ما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، بل دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ. ولو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ بل دِينَارٌ. لَزِمَاهُ جَمِيعًا. ولو قالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بل هذه ثَلاثًا. طَلُقَتِ الأُولَى وَاحِدَةً، والثَّانيَةُ ثَلَاثًا. ولو قال لِامْرَأَةٍ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ واحدَةً، بل ثَلَاثًا. طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لأنَّها بانَتْ بالأُولَى، فلمْ يقعْ بِهَا مَا بَعْدَها. وِإنْ قال: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بل ثَلَاثًا، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. ونَوَى تَعْلِيقَ الجَميعِ بِدُخولِ الدَّارِ، تَعَلَّقَ. وَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الثَّلَاثِ حَسْبُ، وَقَعَتِ الْوَاحِدَةُ فى الْحَالِ. وإِنْ أَطْلَقَ، ففيه وَجْهانِ؛ أَحَدُهما، يَتَعَلَّقُ الْجَمِيعُ بِالشَّرْطِ؛ لأَنَّهُ بَعْدَهما، فيَعُودُ إليهما. والثَّانِى، تَقَعُ الْوَاحِدَةُ فِى الحَالِ، وَتَبْقَى الثَّلاثُ مُعَلَّقَةً بدُخُولِ الدَّارِ؛ لأَنَّه إِنَّما ذَكَرَ الشَّرْطَ عَقِيبَها، فتَخْتَصُّ به. وإِنْ قال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، بل هذه. فَدَخَلَتِ الْأُولَى، طَلُقَتَا. وِإنْ دَخَلَتِ الثَّانِيَةُ، لم تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ منهما. فإنْ قال: أرَدْتُ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَطْلُقُ إنْ دَخَلَتِ الدَّارَ. قُبِلَ منه؛ لأنَّهُ مُحْتَمِلٌ لما قَالَه. وَإِنْ قال: أَرَدْتُ أَنَّكِ تَطْلُقِينَ إذَا دَخَلَتِ الثَّانِيَةُ الدَّارَ. قُبِلَ منه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ لما قالَهُ، وكان طَلَاقُ الأُولَى وَحْدَها مُعَلَّقًا على دُخُولِ كُلِّ وَاحِدَةٍ منهما. فصل: إذا قال: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْكِ. أَو: طَالِقٌ [لا. أو: طالِقٌ] (٢٢) طَلْقَةً لا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ طَلَاقِكِ. أَوْ: طَالِقٌ لا شَىْءَ. أَوْ: ليسَ بِشَىْءٍ. طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لأنَّ ذلك رَفْعٌ لَجِميعِ ما أَوْقَعَه، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ. وإِنْ قال

стр. 5504

ذلك خَبَرًا فهو كَذِبٌ؛ لأنَّ الْوَاحِدَةَ إذا أوْقَعَهَا وَقَعَتْ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وَإِنْ قال: أَنْتِ طَالِقٌ أو لا؟ لَمْ يَقَعْ؛ لأنَّ هذا اسْتِفْهامٌ، فإِذا اتَّصَلَ به خَرَجَ مِن أَنْ يكونَ لَفْظًا لإِيقاعٍ، وَيُخَالِفُ ما قَبْلَ ذلك؛ فإنَّه إِيقَاعٌ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ؛ لأنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الإِيقاعِ لا لَفْظُ الاسْتِفْهامِ، لِكَوْنِ الاسْتِفْهامِ يكونُ بِالْهَمْزَةِ أو نَحْوِها، فيَقَعُ ما أَوْقَعَهُ، ولا يَرْتَفِعُ بِما ذَكَرَهُ بَعْدَهُ كالَّتى قَبْلَها. وإِنْ قال: أَنْتِ طالِقٌ وَاحِدَةً أو لا؟ فكذلك. وبه قال أبُو حنيفةَ، وأبو يوسفَ. وهو قِياسُ قَوْلِ الشَّافِعِىِّ. وقال محمدٌ: يقعُ وَاحِدَةً؛ لأنَّ قَوْلَه: أو لا. يَرْجِعُ إلى ما يَلِيهِ مِن اللَّفْظِ، وهو وَاحِدَةٌ، دُونَ لَفْظِ الإِيقاعِ. وليس بِصَحِيح؛ لِأَنَّ الْوَاحَدةَ صفَةٌ لِلطَّلْقَةِ الْواقِعَةِ، فما اتَّصَلَ بها يَرْجِع إِليها، فصارَ كقَوْلِهِ: أَنْتِ طالِقٌ أو لا شىء. فصل: فإنْ قال: أنْتِ طالِقٌ (٢٣) بعدَ مَوْتِى أو مَوْتِكِ، أو مع مَوْتِى أو مَوْتِكِ. لم تَطْلُقْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فِيه مُخَالِفًا؟ لِأنَّها تَبِينُ بِمَوْتِ أَحَدِهما، فلا يُصادِفُ الطَلَاقُ نِكَاحًا يُزِيلُهُ. وإِنْ تَزَوَّجِ أَمَةَ أبِيهِ، ثُمَّ قال: إذا ماتَ أبى فأنْتِ طالِقٌ. فماتَ أَبوهُ، لم يَقَعِ الطَّلاق. اخْتارَهُ الْقاضِى؛ لأنَّهُ بِالْمَوْتِ يَمْلِكُهَا، فيَنْفَسِخُ نِكاحُها بِالْمِلْكِ، وهو زَمَنُ الطَّلَاقِ، فَلم يَقَعْ، كما لو قالَ: أَنْتِ طالِقٌ مع مَوْتِى. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أَنَّهُ يَقَعُ؛ لأنَّ المَوْتَ سَبَبُ مِلْكِها وطلاقِها، وفَسْخُ النِّكاحِ يَتَرَتَّبُ على الْمِلْكِ، فيُوجَدُ الطَّلاقُ فى زَمَنِ الْمِلْكِ السَّابِقِ على الْفَسْخِ، فيَثْبُتُ حُكْمُهُ. وإِنْ قال: إِنِ اشْتَرَيْتُكِ فأنْتِ طالِقٌ. ثُم اشْتَرَاها، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَينِ. وِإنْ قال الأبُ: إِذا مِتُّ فأنْتِ حُرَّةٌ. وقال الابْنُ: إذا ماتَ أبى فأنْتِ طالِقٌ. وكانتْ تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، ثم ماتَ الأبُ، وَقَعَ العِتْقُ والطَّلاقُ مَعًا. وإِنْ لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، فإنَّ بَعْضَها يَنْتَقِلُ إلى الْوَرَثَةِ، فيَمْلِكُ الابْنُ جُزْءًا منها يَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، فيكونُ كمِلْكِ جَمِيعِها فى فَسْخِ النِّكاحِ ومَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ. فإنْ أجازَ الْوَرَثَةُ عِتْقَها، فذَكَرَ

стр. 5505

بعضُ أهْلِ العِلْمِ أَنَّ هذا يَنْبَنِى على الإِجازَةِ، هل هى تَنْفِيذٌ. أو عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ؟ فإن قُلْنَا: هى عَطِيَّة مُبْتَدَأةٌ. فقد انْفَسَخَ النِّكاحُ قَبْلَها فلم يَقَعِ الطَّلَاقُ. وإِنْ قُلْنا: هى تَنْفِيذٌ لمِا فَعَلَ السَّيِّدُ. وَقَعَ الطَّلاقُ. وَهَكَذَا إنْ أجازَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ عِتْقَ أَبِيهِ، فإنْ كان على الْأَبِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ تَركَتَهُ، لم تَعْتِقْ. والصَّحِيحُ أَنَّ ذلك لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلى الْوَرَثَةِ، فهو كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ فى فَسْخِ النِّكاحِ، وإن كان الدَّيْنُ لا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، وكانتْ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ بعدَ أداءِ الدَّيْنِ، عَتَقَتْ وطَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُج مِن الثُّلُثِ (٢٤) لَمْ تَعْتِقْ كُلُّهَا فيكونُ حُكْمُها فى فَسْخِ النِّكَاحِ ومَنْعِ الطَّلاقِ، كما لو اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَةَ، وإِنْ أسْقَطَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ بعدَ الْمَوْتِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ قَبْلَ إِسْقَاطِهِ. فصل: فى مَسائِلَ تَنْبَنِى عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ وتَأْوِيلِهِ؛ إذا قال: إنْ لم تُخْبِرِينِى بِعَدَدِ حَبِّ هذه الرُّمَّانَةِ، فأنْتِ طالِقٌ. [أو أَكَلَ تَمْرًا فقال: إِنْ لم تُخْبِرِينِى بِعَدَدِ ما أكَلْتُ، فأنْتِ طالِقٌ] (٢٥). وَلَمْ تَعْلَمْ ذلك، فإِنَّها تَعُدُّ له عَدَدًا يَعْلَمُ أَنَّه قد أَتَى على عَدَدِ ذلك، مثلَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ (٢٦) عَددَ ذلك ما بَيْنَ مِائَةٍ إِلى ألفٍ، فَتَعُدُّ ذلك كلَّهُ، ولا يَحْنَثُ إِذَا كَانَتْ نِيَّتُه ذلك. وإِنْ نَوَى الإِخْبارَ بكَمِّيَّتِه مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ ولا زِيَادَةٍ، لم يَبْرَأْ إلَّا بذلك. وإِنْ أطْلَقَ، فقِياسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لا يَبْرَأُ إِلَّا بذلك أيضًا؛ لأنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْحَالِف إرادَتُهُ، فتَنْصَرِفُ يَمينُهُ إليه، كالأَسْماءِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِى تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عليها (٢٧) إلى مُسَمَّاها عُرْفًا، دون مُسمَّاها حَقِيقَةً. ولو أكَلا (٢٨) تَمْرًا، فقال: إِنْ لَمْ تُمَيِّزِى نَوَى ما أكَلْتُ مِن نَوَى ما أكَلْتِ، فأنْتِ طالِقٌ. فأَفْرَدَتْ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَها، فَالْقَوْلُ فيها كالتى قَبْلَها. وإِنْ وَقَفَتْ فى ماءٍ جَارٍ، فَحَلَفَ عليها: إنْ خَرَجْتِ منه، أو أقَمْتِ (٢٩) فيه

стр. 5506

فأنْتِ طالِقٌ. فقال القاضى: قِياسُ الْمَذْهَبِ، أنَّه يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ عَيْنَ الْمَاءِ الذى هى فيه؛ لأَنَّ إطْلاقَ يَمِينِهِ يَقْتَضِى خُرُوجَها مِن النَّهرِ أَو إِقامَتَها فيه. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَحْلُوفَ عليه جَرَى عنها، وصارَتْ فى غَيْرِهِ، فلم يَحْنَثْ، سَوَاءٌ أقَامَتْ أو خَرَجَتْ؛ لأنَّها إِنَّما تَقِفُ فى غَيْرِه أو تَخْرُجُ منه. كذلك قال القاضى، فى "المُجرَّد". وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الْأَيْمانَ عندهم تَنْبَنِى على اللَّفْظِ، لا على القَصْدِ، وكذلك قالوا: لا يَحْنَثُ فى هذه الأَيْمانِ السَّابقَةِ كُلِّهَا. ولو قال: إِنْ كانتْ امْرَأَتِى فى السُّوقِ، فعَبْدِى حُرٌّ، وإن كانَ عَبْدِى فى السُّوق، فامْرَأتِى طالِقٌ. فكانا جَمِيعًا فى السُّوقِ، فقِيلَ: يَعْتِقُ الْعَبْدُ، ولا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّه لَمَّا حَنِثَ فى اليَمِينِ الأُولَى، عَتَقَ الْعَبْدُ، فلم يَبْقَ له فِى السُّوقِ عَبْدٌ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ بِنَاءً على قَوْلِنَا فى مَن حَلَفَ على مُعَيَّنٍ تَعَلَّقَتِ الْيَمِينُ بِعَيْنِهِ دُونَ صِفَتِهِ، كمَنْ قال: إِنْ كَلَّمْتِ عَبْدِى سَعْدًا، فأنْتِ طالِقٌ. ثمَّ أعْتَقَهُ، وَكَلَّمَتْهُ، طَلُقَتْ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ يَمِينَه تَعَلَّقَتْ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ. وإِنْ لَمْ يُرِدْ عَبْدًا بعَيْنِه، لم تَطْلُقِ الْمَرْأَةُ؛ لِأنَّهُ لم يَبْقَ له عَبْدٌ فى السُّوقِ. ولو كان فى فِيهَا تَمْرَةٌ، فقال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَكَلْتِهَا، أو أَلْقَيْتِهَا، أَو أَمْسَكْتِهَا. فأَكَلَتْ بَعْضَها، وأَلْقَتْ بَعْضَها، لم يَحْنَثْ إِلَّا على قَوْلِ مَن قال: إِنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِ بعض الْمَحْلُوفِ عليه. وإِنْ نَوَى الْجَمِيعَ، لم (٣٠) يَحْنَثْ بِحَالٍ. ولو كانتْ عِنْدَهُ وَدِيعَة لإِنْسانٍ، فأحْلَفَهُ ظَالِمٌ أَنْ ليس لِفُلانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ، فإنَّهُ يَحْلِفُ: ما لِفُلَانٍ عِنْدِى وَدِيعَةٌ. وَيَنْوِى بما "الَّذى"، وَيَبَرُّ فى يَمِينِهِ. وكذلك لو سَرَقَتِ امْرَأَتُهُ منه شَيْئًا، فحَلَفَ عليها بِالطَّلاقِ: لَتَصْدُقِنِّى (٣١) أَسَرَقْتِ مِنِّى أم لا؟ وَخَافَتْ أَنْ تَصْدُقَهُ، فإنَّهَا تقولُ: سَرَقْتُ منكَ ما سَرَقْتُ منكَ. وتَعْنِى الَّذِى سَرَقْتُ مِنْكَ (٣٢): ولو اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: هَلْ رَأَيْتَ فُلَانًا أو لا؟ فإنَّه يَعْنِى بِرَأَيْت، أى ضَرَبْتُ رِئَتَهُ. وذَكَرْتُه، أى قَطَعْتُ ذِكْرَهُ. وما طَلَبْتُ منه حَاجَةً. أى الشَّجَرَةَ الَّتى حَبَسَهَا الْحَاجُّ. ولا أَخَذْتُ مِنْهُ فرُّوجًا. يَعْنِى

стр. 5507

القَباء. ولا حَصِيرًا، وهو الْحَبْسُ. وَأَشْبَاهَ هذا. فمتى لم يَكُنْ ظَالِمًا، فَحَلَفَ، وعَنَى به هذا، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بما عَناهُ. ولوكانتْ له امْرَأَةٌ على دَرَجَةٍ، فحَلَفَ عليها أَنْ لا تَنْزِلَ عنها، ولا تَصْعَدَ منها، ولا تَقِفَ عليها، فإِنَّها تَنْتَقِلُ عنها إلى سُلَّمٍ آخَرَ، وَتَنْزِلُ إِنْ شاءَتْ، أو تَصْعَدُ، أَوْ تَقِفُ عليه؛ لِأَنَّ نُزُولَها إنَّمَا حَصَلَ مِنْ غَيرِها إن (٣٣) كان (٣٤) فى يَمِينِه، ولا انْتَقَلَتْ عنها، فإنَّها تُحْمَلُ مُكْرَهةً. ولو كانَ فى سُلَّمٍ، وله امْرَأَتانِ، إحْدَاهُما فى الْغُرْفَةِ، والْأُخْرَى فى الْبَيْتِ السُّفْلَانِى، فحَلَفَ: لَا صَعِدْتُ إلى هذه، ولا نَزَلْتُ إلى الْأُخْرَى. فإنَّ السُّفْلَى تَصْعَدُ، وَتَنْزِلُ العُلْيَا، ثُم ينْزِلُ إِنْ شاءَ أو يَصْعَدُ. فصل: قال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ: سَأَلْتُ أَبى عن رَجُلٍ قال لِامْرَأَتِهِ: أنْتِ طالِقٌ، إِنْ لم أُجَامِعْكِ اليومَ، وأَنْتِ طالِقٌ إنِ اغْتَسَلْتُ منكِ اليومَ، [وأنتِ طالقٌ إن فاتَتْنِى منه صلاةٌ] (٣٥). قال: يُصَلِّى الْعَصْرَ، ثمَّ يُجَامِعُها، فإذا غَابتِ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ، إِنْ لم يكنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: اغْتَسَلْتُ. الْمُجَامَعَة. وقال فى رجلٍ قال لامْرَأَتِه: أنْتِ طالِقٌ إِنْ لم أطَأْكِ فِى رمضانَ. فسافرَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أيَّامٍ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، ثمَّ وَطِئَهَا. قال: لا يُعْجِبُنِى، لأَنَّها حِيلَةٌ، ولا تُعْجِبُنِى الْحِيلَةُ فى هذا ولا فى غَيْرِهِ. قال القاضى: إنَّما كَرِهَ أحمدُ هذا، لِأَنَّ السَّفَرَ الَّذى يُبِيحُ الفِطْرَ أَنْ يكونَ سَفَرًا مَقْصُودًا مُباحًا، وهذا لا يَقْصِدُ به غيرَ حِلِّ الْيَمِينِ. والصَّحِيحُ أَنَّ هذا تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ، ويُبَاحُ له الْفِطْرُ فيه؛ لأنَّهُ سَفَرٌ بَعِيدٌ مُبَاحٌ لِقَصْدٍ صَحِيحٍ، وإِرَادَةُ حَلِّ يَمِينِه مِن الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وقد أبَحْنَا لمَنْ له طَرِيقانِ، قَصِيرةٌ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلَاةُ (٣٦)، وَبَعِيدَةٌ، أَنْ يَسْلُكَ البَعيدةَ لِيَقْصُرَ فيها الصَّلاةَ ويُفْطِرَ، مع أَنَّه لا قَصْدَ له سِوَى التَّرْخِيصِ (٣٧)، فههُنا أَوْلَى.

стр. 5508

كتابُ الرَّجْعَةِ وهى ثَابِتَةٌ بِالكتابِ والسُّنَّةِ والْإِجْماعِ؛ أَمَّا الْكتابُ فقولُ اللَّهِ : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (١). والمُرادُ بِهِ الرَّجْعَةُ عندَ جَماعَةِ العُلماءِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). أَى بِالرَّجْعَةِ، ومَعْناه إذا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ، أى انْقِضاءَ عِدَّتِهِنَّ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: طَلَّقْتُ امْرَأتِى وهى حَائِضٌ، فسَألَ عمرُ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٤)، عن عمرَ، قال: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ، ثمَّ رَاجَعَهَا. وأجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّق الْحُرَّةَ دُونَ الثَّلَاثِ، أو الْعَبْدَ إِذا طَلَّقَ دُونَ الاثْنَتَيْنِ، أَنَّ لهما الرَّجْعَةَ فى العِدَّةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ. ١٢٨٩ - مسألة؛ قال: (وَالزَّوْجَةُ إِذَا لَمْ يُدْخَلْ بِها، تُبِينُهَا تَطْلِيقَةٌ، وَتُحَرِّمُهَا الثَّلَاثُ مِنَ الْحُرِّ، وَالِاثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ) أجْمَعَ أهلُ الْعِلْمِ على أَنَّ غيرَ الْمَدْخولِ بِها تَبِينُ بطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلا يَسْتَحِقُّ

стр. 5509

مُطَلِّقُهَا رَجْعَتَهَا؛ وذلك لأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّما تكونُ فى الْعِدَّةِ، ولا عِدَّةَ قبلَ الدُّخُولِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١). فبَيَّنَ اللَّهُ سبحانَهُ أَنَّهُ لا عِدَّةَ عليها، فتَبِينُ بِمُجَرَّدِ طَلاقِهَا، وتَصِيرُ كَالْمَدْخُولِ بها بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، لا رَجْعَةَ عليها، ولا نَفقَةَ لها. وإِنْ رَغِبَ مُطَلِّقُهَا فيها فهو خاطِبٌ مِن الْخُطَّابِ، يِتَزَوَّجُها بِرِضَاها [بِنِكاحٍ جَدِيدٍ] (٢)، وتَرْجِعُ إليه بطَلْقَتَيْنِ. وإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ تَزَوَّجَها، رَجَعَتْ إليه بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، بِغيرِ خِلافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَإِنْ طَلقَها ثَلاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ (٣)، حَرُمَتْ عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، فى قَوْلِ أَكْثَرِ أهلِ الْعِلْمِ. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى. وَلا خِلافَ بينهم فِى أَنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا بعدَ الدُّخُولِ، لا تَحِلُّ له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ سبحانَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤). ورَوَتْ عائشةُ: أَنَّ رِفاعَةَ الْقُرَظِىَّ طَلَّقَ امْرأَتَهُ، فبَتَّ طَلاقَها، فتَزَوَّجَتْ بعدَهُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزُّبَيْرِ، فجاءَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقالتْ: إنَّها كانَتْ عندَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فتَزَوَّجَتْ بعدَهُ بِعبدِ الرحمنِ بنِ الزُّبَيْرِ، وإنَّهُ واللَّهُ ما معه إِلَّا مِثْلُ هذه الْهُدْبَةِ. وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبابِها. قالتْ: فتَبَسَّمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ضاحِكًا، وقال: "لَعَلَّكِ تُرِيِدينَ أَنْ تَرْجِعِى إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفى إِجْماعِ أهلِ العِلْمِ على هذا غُنْيَةٌ عن الإِطالَةِ فيه. وجُمْهُورُ أهلِ العِلْمِ على أَنَّها لا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حتَّى يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِى وَطْئًا يُوجَدُ فيه الْتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ، إِلَّا أَنَّ سعيدَ بْنَ المُسَيَّبِ مِن بَينهمْ قال: إِذا

стр. 5510

تَزَوُّجَهَا تَزْوِيجًا (٦) صَحِيحًا، لا يُرِيدُ بِهِ إِحْلالًا، فلا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَها الْأَوَّلُ. قال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهلِ العِلْمِ قال بِقَوْلِ سعيد بنِ المُسَيَّبِ هذا، إلَّا الخَوارِجَ أخَذُوا بِظاهرِ قولِهِ سبحانَه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. ومع تَصْرِيحِ النَّبِىِّ ﷺ ببَيانِ المُرَادِ مِنْ كتابِ اللَّهِ تعالى، وأنَّها لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حتَّى يَذُوقَ الثَّانِى عُسَيْلَتَهَا وتَذُوْقَ عُسَيْلَتَهُ، لا يُعَرَّجُ على شيْءٍ سِوَاهُ، ولا يَسُوغُ لأحَدٍ الْمَصِيرُ إلى غيرِه، مع ما عليه جُمْلَةُ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم علىُّ بن أبى طالِبٍ، وابْنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وجابِرٌ، وعائشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وَمِمَّنْ بعدَهم مَسْرُوقٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأَهْلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، وَأصْحابُ الرَّأْىِ، والأَوْزاعِىُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدَةَ، وغيرُهم. فصل: ويُشْتَرَطُ لِحِلِّها لِلْأَوَّلِ ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه، فلو كانتْ أُمَةً، فَوَطِئَها سَيِّدُها، لم يُحِلَّها؛ لِقَولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذا ليس بزَوْجٍ. ولو وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، لم تُبَحْ؛ لما ذَكَرْنا. ولو كانَتْ أَمَةً، فَاسْتَبْرَأَهَا مُطَلِّقُها (٧)، لَمْ يَحِلَّ له وَطْؤُها، فى قَوْلِ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: تَحِلُّ له؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجيَّةَ فَأَثَّرَ فى التَّحْرِيمِ بها، وقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. صَرِيحٌ فى تَحْرِيمِهَا، فلا يُعَوَّلُ على ما خَالفَهُ، ولِأَنَّ الفَرْجَ لا يجوزُ أَنْ يكونَ مُحَرَّمًا مُبَاحًا، فَسَقَطَ هذا. الشَّرْطُ الثَّانِى، أَنْ يكونَ النِّكاحُ صَحِيحًا، فإنْ كان فاسِدًا لَمْ يُحِلَّها (٨) الوَطْءُ فيه، وبهذا قال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، وحَمَّاد، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزاعِىُّ، وإِسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىُّ فِى الجَدِيدِ. وَقالَ فى القَدِيمِ يُحِلُّها ذلك. وهو قَوْلُ الْحَكَمِ. وخَرَّجَهُ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا فى المَذْهَبِ، لِأَنَّهُ زَوْجٌ، فيَدْخُلُ فى عُمُومِ النَّصِّ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَعَنَ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ له (٩). فَسَمَّاهُ مُحَلِّلًا، مع فَسَادِ

стр. 5511

نِكاحِه. ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وَإِطْلاقُ النِّكاحِ يَقْتَضِى الصَّحِيحَ، ولذلك لو حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ، فتَزَوَّح تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ. ولو حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ، لم يَبَرَّ بِالتَّزَوُّجِ الفَّاسِدِ. ولِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الزَّوْج غَيْرُ ثابِتَةٍ فيه، مِن الإِحْصانِ، واللِّعَانِ، والظِّهارِ، والْإِيلاءِ، والنَّفَقَةِ، وأَشْباه ذلك. وأَمَّا تَسْمِيَتُهُ مُحَلِّلًا، فَلِقَصْدِهِ (١٠) التَّحْلِيلَ فيما لا يَحِلُّ، ولو أَحَلَّ حَقِيقَةً لَمَا (١١) لُعِنَ، ولا لُعِنَ الْمُحَلَّلُ له، وإنَّمَا هذا كقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ" (١٢). وقال اللَّهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (١٣). ولأنَّهُ وَطْءٌ فى غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الشُّبْهَةِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ؛ أَنْ يَطَأَها فى الْفَرْجِ، فلو وَطِئَهَا (١٤) دُونَهُ، أَو فى الدُّبُرِ، لم يُحِلَّهَا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّقَ الْحِلَّ على ذَوْقِ (١٥) العُسَيْلَةِ منهما، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالوَطْءِ فى الفَرْجِ، وَأَدْناهُ تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ فى الفَرْجِ؛ لأَنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، ولو أَوْلَجَ الحَشَفَةَ مِن غيرِ انْتِشَارٍ، لم تَحِل له؛ لأنَّ الحُكْمَ يتَعَلَّقُ بِذَواقِ (١٦) العُسَيْلَةِ، ولَا تَحْصُلُ مِنْ غيرِ انْتِشارٍ. وإِنْ كان الذَّكَرُ مَقْطُوعًا، فإنْ بَقِىَ منه قَدْرُ الحَشَفَةِ، فأوْلَجَهُ، أَحَلَّها، وإِلَّا فلا. فان كان خَصِيًّا، أو مَسْلُولًا، أو مَوْجُوءًا، حَلَّتْ بِوَطْئِه؛ لأنَّهُ يَطَأُ كالْفَحْلِ، ولم يَفْقِدْ إِلَّا الإِنْزَالَ، وهو غيرُ مُعْتَبَرٍ فى الإِحْلالِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. قال أبو بُكَيْر: وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى الخَصِىِّ، [أَنَّهُ لا يُحِلُّها؛ فإِنَّ أبا طالِبٍ سألَه فِى الْمَرْأَةِ تَتَزَوَّجُ الخَصِىَّ] (١٧)، تُسْتَحَلُّ بهِ؟ قال: لا خَصِىَّ يَذُوقُ العُسَيْلَةَ. قَال أبو بكرٍ: والْعَمَلُ على ما رَوَاهُ مُهَنَّا، أنَّهَا تَحِلُّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ أَنَّ الخَصِىَّ

стр. 5512

لا يَحْصُلُ منه الإِنْزَالُ، فلا يَنَالُ لَذَّةَ الْوَطْءِ، فلا يَذُوقُ العُسَيْلَةَ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ أحمدَ قال ذلك؛ لأنَّ الخَصِىَّ فى الغَالِبِ لا يَحْصُلُ منه الْوَطْءُ، أو ليس بِمَظِنَّةِ الإِنْزَالِ (١٨)، فلا يَحْصُلُ الإِحْلالُ بوَطْئِهِ، كالوَطْءِ مِنْ غيرِ انْتِشارٍ. فصل: واشْتَرَطَ أصْحابُنا أَنْ يكونَ الْوَطْءُ حَلالًا، فَإِنْ وَطِئَهَا فى حَيْضٍ، أو نِفَاسٍ، أو إِحْرَام مِن أَحَدِهما، أو منهما، أو وأحَدُهما صَائِمٌ فَرْضًا، لم تَحِلَّ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ تعالى فلم يَحْصُلْ بِه الإِحْلالُ، كوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ (١٩). وظَاهِرُ النَّصِّ جِلُّها وهو قَوْلُهُ تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذه قَد نَكَحَتْ زَوْجًا غيرَه، وأيضًا قوُله ﵇: "حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". وهذا قد وُجِدَ، ولأنَّهُ وَطْءٌ فى نِكاحٍ صَحِيحٍ فى محلِّ الوَطْءِ على سَبِيلِ التَّمَامِ، فأحَلَّها، كالْوَطْءِ الحَلالِ، وكما لو وَطِئَها وقد ضَاقَ وَقْتُ الصَّلاةِ، أو وَطِئَهَا مَرِيضَةً يَضُرُّهَا الوَطْءُ. وهذا أَصَحَّ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. وأَمَّا وَطْءُ المُرْتَدَّةِ، فلا يُحِلُّهَا، سَوَاءٌ وَطِئَهَا فى حَالِ رِدَّتِهما، أو رِدَّتِها، أَو وَطِئَ المُرْتَدُّ المُسْلِمَةَ؛ لأَنَّهُ إِنْ لم يَعُدِ المُرْتَدُّ منهما إلى الإِسْلامِ، تَبَيَّنَ أَنَّ الوَطْءَ فى غيرِ نِكَاحٍ، وإِنْ عادَ إِلى الإِسْلامِ فى العِدَّةِ، فقد كان الوَطْءُ فى نِكاحٍ غيرِ تَامٍّ، لِأَنَّ سَبَبَ البَيْنُوَنَةِ حَاصِلٌ فيه. وهكذا لو أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فوَطِئَهَا الزَّوْجُ قبلَ إِسْلامِ الآخَرِ، لم يُحِلَّهَا لذلك. فصل: فإِنْ تَزَوَّجَها مَمْلُوكٌ، ووَطِئَها، أَحَلَّهَا. وبذلك قال عَطاءٌ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخَالِفًا، ولأنَّه (٢٠) دَخَلَ فِى عُمُومِ النَّصِّ، ووَطْوهُ كَوَطْءِ الحُرِّ. وإِنْ تَزَوَّجَهَا مُرَاهِقٌ، فوَطِئَهَا، أَحَلَّها فى قولِهم، إِلَّا مالِكًا، وأبا عُبَيْدٍ، فإنَّهُما قالا: لا يُحِلُّها. ويُرْوَى ذلك عن الْحسنِ؛ لأنَّهُ وَطْءٌ مِنْ غيرِ بَالِغٍ،

стр. 5513

فأَشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ظَاهِرُ النَّصِّ، وَأَنَّهُ وَطْءٌ مِن زَوْج فى نِكاحٍ صَحِيحٍ، فأشْبَهَ البالِغَ، وَيُخَالِفُ الصَّغِيرَ؛ فإنَّهُ لا يُمْكِنُ الوَطْءُ منه، ولا تُذَاقُ عُسَيْلَتُهُ. قال القاضى: ويُشْتَرَطُ أَنْ يَكونَ له اثْنتَا عَشرةَ سَنَةً؛ لِأنَّ مَنْ دُونَ ذلك لا يُمْكِنُه المُجَامَعَةُ. ولا مَعْنَى لهذا؛ فإنَّ الخِلافَ فى الْمُجَامِعِ، ومتى أَمْكَنَهُ الجِماعُ، فقد وُجِدَ منه الْمَقْصُودُ فلا مَعْنَى لِاعْتِبارِ سِنٍّ ما وَرَدَ الشَّرْعُ باعْتِبَارِها، وَتَقْدِيرِه بمُجَرَّدِ الرَّأْى والتَّحَكُّمِ. وإِنْ كانَتْ ذِمِّيَّةً، فَوَطِئَهَا زَوْجُها الذِّمِّىُّ، أُحَلَّهَا لمُطلِّقِهَا الْمُسْلِمِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وقال: هو زَوْجٌ، وبِه تَجبُ المُلَاعَنَةُ والْقَسَمُ. وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وَأصْحَابُ الرَّأْىِ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال رَبِيعَةُ، ومَالِكٌ: لَا يُحِلُّهَا. ولَنا، ظَاهِرُ الآيَةِ، ولِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فى نِكاحٍ صَحِيحٍ تَامٍّ، أَشْبَهَ وَطْءَ المُسْلِمِ. وَإِنْ كَانا مَجْنُونَيْنِ، أو أحَدُهما، فوَطِئَها، أحَلَّهَا. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابِنُ حامِدٍ: لَا يحِلُّهَا؛ لأَنَّهُ لا يَذُوقُ العُسَيْلَةَ. ولَنا، ظَاهِرُ الآيَةِ، ولأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ فِى نِكاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ العَاقِلَ. وقَوْلُهُ: لا يَذُوقُ العُسَيْلَةَ. لا يَصِحُّ، فإنَّ الجُنُونَ إنَّما هو تَغْطِيَةُ العَقْلِ. وليس العَقْلُ شَرْطًا فى الشَّهْوَةِ وحُصُولِ اللَّذَّةِ، بِدَلِيلِ البَهَائِمِ، لكن إنْ كاِنَ المَجْنُونُ ذَاهِبَ الحِسِّ، كالمَصْرُوعِ، والمُغْمَى عليه، لم يَحْصُلِ الْحِلُّ بِوَطْئِه، ولا بِوَطْءِ مَجْنُونَةٍ فى هذه الحَالِ؛ لأنَّه لا يَذُوقُ العُسَيْلَةَ ولا تَحْصُل لَهُ لَذَّةٌ (٢١). وَلَعلَّ ابنَ جامِدٍ إِنَّما أَرَادَ المَجْنُونَ الذى هذه حالُهُ، فلا جكلنُ ههُنا اخْتِلافٌ. ولو وَطِئَ مُغْمًى عليها، أو نَائِمَةً لا تُحِسُّ بِوَطْئِهِ، فَيَنْبَغِى أَنْ لا تَحِلَّ بهذا؛ لِمَا ذَكَرْنَاه. وحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَيَحْتمِلُ حُصُولُ الحِلِّ فى ذلك كُلِّهِ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإن (٢٢) وَجَدَ على فِرَاشِهِ امْرَأةً، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً، أو ظَنَّهَا جَارِيَتَهُ، فوَطِئَهَا، فاذا هى امْرَأَتُه، أَحَلَّها، لأَنَّهُ صَادَفَ نِكَاحًا صَحِيحًا. ولو وَطِئَهَا

стр. 5514

فأفْضَاها، أو وَطِئَهَا وهى مَرِيضَةٌ تَتَضَرَّرُ بِوَطْئِهِ، أحَلَّهَا؛ لأنَّ التَّحْريمَ ههُنا لِحَقِّها. وإِنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وهو نَائِمٌ، أو مُغْمًى عليه، لم تَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ [لم يَذُقْ] (٢٣) عُسَيْلَتَها. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَحِلَّ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ. واللَّهُ أعلمُ. ١٢٩٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَ الحُرُّ زَوْجَتَه أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِى العِدَّةِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أَنَّ الحُرَّ إذا (١) طَلَّقَ الحُرَّةَ بعدَ دُخُولِهِ بِها أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، بغيرِ عِوَضٍ، ولا أَمْرٍ يَقْتَضِى بَيْنُونَتَها، فله عليها الرَّجْعَةُ ما كانَتْ فى عِدَّتِهَا، وعلى أَنَّهُ لا رَجْعَةَ له (٢) عليها بَعْدَ قَضاءِ (٣) عِدَّتِهَا؛ لمَا ذَكَرْنَا فِى أوَّلِ البابِ. وإِنْ طَلَّقَ الحُرُّ أمْرَأَتَه (٤) الأمَةَ، فهو كطَلاقِ الحُرَّةِ، إلَّا أنَّ فيه خِلافًا ذَكَرْناهُ فِيمَا مَضَى، وَذَكَرْنَا أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجالِ، فيَكونُ له رَجْعَتُهَا ما لم يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا كالْحُرَّةِ (٥). فصل: ولا يُعْتَبَرُ فى الرَّجْعَةِ رِضَى الْمَرْأَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٦). فجَعَلَ الحَقَّ لهم. وقال سبحانَه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٧). فخَاطَبَ الأَزْواجَ بِالْأَمْرِ، ولم يَجْعَلْ لَهُنَّ اخْتِيَارًا. ولأنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكمِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم يُعْتَبَرْ رِضاها فى ذلك، كالتى فى صُلْبِ نِكَاحِهِ. وأجْمَعَ أهْلُ الْعِلْمِ على هذا.

стр. 5515

فصل: والرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُها طَلاقُهُ، وظِهَارُه، وإِيلاؤُهُ، ولِعَانُهُ، ويَرِثُ أَحَدُهُما صَاحِبَه، بِالإِجْمَاعِ. وإِنْ خَالَعَها صَحَّ خُلْعُهُ. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: لا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ للتَّحْرِيمِ، وهى مُحَرَّمَةٌ. ولَنا، أَنَّهَا زَوْجَةٌ صَحَّ طَلَاقُها، فصَحَّ خُلْعُها، كما قَبْلَ الطَّلاقِ، وليس مَقْصُودُ (٨) الخُلْعِ التَّحْرِيمَ، بل الخَلاصَ مِنْ مَضَرَّةِ الزَّوْجِ ونِكاحِه الذى هو سَبَبُها، والنِّكاحُ بَاقى، ولا نَأْمَنُ رَجْعَتَهُ، وعلى أَنَّنَا نَمْنَعُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً. فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: "وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أواحِدةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا؟ فهو مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ، شَاكٌّ فى التَّحْلِيلِ". وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَالِكٍ. وقال القاضى: ظاهِرُ المَذْهَبِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ. قال أحمدُ، فِى رِوَايَةِ أَبِى طالبٍ: لا تَحْتَجِبُ عنه. وفى رِوَايَةِ أبِى الحَارِثِ: تَتَشَرَّفُ له ما كانَتْ فِى العِدَّةِ. فظاهِرُ هذا أنَّها مُبَاحَةٌ، وله (٩) أَن يُسافِرَ بِها، ويَخْلُوَ بها، ويطَأَها. وهذا مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأَنَّها فى حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، فَأُبِيحَتْ له كما قَبْلَ الطَّلَاقِ. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّها طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ، فَأَثْبَتَتِ التَّحْرِيمَ، كالتى بِعِوَضٍ. ولا خِلافَ فى أَنَّهُ لا حَدَّ عليه بِالْوَطْءِ. ولا يَنْبَغِى أَنْ يَلْزَمَهُ مَهْرٌ، سَوَاءٌ رَاجَعَ أو لم يُرَاجِعْ؛ لأَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَتَهُ التى يَلْحَقُهَا طَلَاقُه، فلم يكنْ عليه مَهْرٌ، كسائِرِ الزَّوْجَاتِ. ويُفارِقُ ما لو وَطِئَ الزَّوْجُ بعدَ إسْلامِ أحَدِهما فى العِدَّةِ؛ حيثُ يجِبُ المَهْرُ إذا لم يُسْلِمِ الآخَرُ فى العِدَّةِ؛ لأنَّهُ إذا لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِنْ حِينِ إِسْلَامِ المُسْلِمِ الأَوَّلِ (١٠) منهما، وهى فُرْقَةُ فَسْخٍ تَبِينُ به مِنْ نِكَاحِهِ، فأشْبَهَتِ الَّتى أَرْضَعَتْ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكاحُها بِرَضاعِه، وفِى مَسْأَلَتِنا لا تَبِينُ إِلَّا بانْقِضاءِ العِدَّةِ، فَافْتَرَقَا. وقال

стр. 5516

أبو الخَطَّابِ: إذا أكْرَهَها (١١) على الوَطْءِ، وَجَبَ عليه المَهْرُ عندَ مَنْ حَرَّمَها. وهو المَنْصُوصُ عن الشَّافعىِّ؛ لِأنَّهُ وَطْءٌ حَرَّمَهُ الطَّلاقُ، فوَجَبَ بِه المَهْرُ، كَوَطْءِ البائِنِ. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ فإِنَّ البائِنَ ليست زَوْجَةً له وهذه زَوْجَتُهُ، وقياسُ الزَّوْجَةِ على الأَجْنَبِيَّةِ فى الوَطْءِ وأَحْكَامِهِ بَعِيدٌ. ١٢٩١ - مسألة؛ قَالَ: (وَلِلْعَبْدِ بَعْد الْواحِدَةِ، مَا لِلْحُرِّ قَبْلَ الثَّلاثِ) أجَمْعَ العُلَمَاءُ على أَنَّ لِلْعَبْدِ رَجْعَةَ امْرأتِهِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الوَاحِدَةِ، إذا وُجِدَتْ شُرُوطُها. فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً، فلا رَجْعَةَ له. سَوَاءٌ (١) كانتِ امْرَأَتُهُ حُرَّةً، أو أَمَةً؛ لِأَنَّ طَلاقَ العَبْدِ اثْنَتَانِ، [وفى هَذَا] (٢) خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى (٣). ١٢٩٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا، فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا، مَا لَمْ تَضَعِ الثَّانِىَ) هذا قَوْلُ عَامَّةِ العُلَمَاء، إِلَّا أنَّه حُكِىَ عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِى بِوَضْعِ الأَوَّلِ. وما عليه سَائِرُ أهْلِ العِلْمِ أَصَحُّ؛ فإِنَّ العِدَّةَ لا تَنْقَضِى إِلَّا بِوَضْعِ الحَمْلِ كُلِّه؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وَاسْمُ الحَمْلِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ ما فى البَطنِ، فتَبْقَى الْعِدَّةُ مُسْتَمِرَّةً إلى حِينِ وَضْعِ باقِى الحَمْلِ، فتَبْقَى الرَّجْعَةُ بِبقَائِها. ولو انْقَضَتِ العِدَّةُ بِوَضْع بَعْض الحَمْلِ، لَحَلَّ لها التَّزْوِيجُ (٢) وهى حامِلٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، ولا قَائِلَ به. وأظُنُّ أَنَّ قَتَادَةَ ناظَرَ عِكْرِمَةَ فى هذا فقال عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِى

стр. 5517

عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِ الوَلَدَيْنِ. ففالَ له قَتادَةُ: أيَحِلُّ لَهَا بأنْ تَتَزَوَّجَ؟ . قال: لا. قَالَ: خُصِمَ (٣) العَبْدُ. ولو خَرَجَ بعضُ الوَلَدِ، فارْتَجَعَها قَبْلَ أَنْ تَضَعَ باقِيَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّها لم تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِها، فصَارَتْ كمَنْ وَلَدَتْ أَحَدَ الوَلَدَيْنِ. فصل: إِذا انْقَطَعَ حَيْضُ المَرْأَةِ فى المَرَّةِ الثَّالِثَةِ، ولمَّا تَغْتَسِلْ، فهلْ تَنْقَضِى عِدَّتُها بِطهْرِها؛ فيه رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهما ابنُ حامِدٍ؛ إِحْداهُما، لا تَنْقَضِى عِدَّتُها حتَّى تَغْتَسِلَ، وَلِزَوْجِهِا رَجْعَتُها فى ذلك. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، فإنَّهُ قالَ فِى العِدَدِ (٤): فإذا اغْتَسَلَتْ مِن الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، أُبِيحَتْ للْأَزْوَاجِ (٥). وهذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أصْحَابِنَا، ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وسعيد بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. ورُوِىَ نَحْوُه عن أبى بُكَرٍ الصِّدِّيقِ، وأبى موسى، وعُبادَةَ، وأَبى الدَّرْداءِ. ورُوِىَ عن شَرِيكٍ: لَه الرَّجْعَةُ وإِنْ فَرَّطَتْ فِى الغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً. ووَجْهُ هذا قَوْلُ مَنْ سَمَّيَنَا عن الصَّحَابَةِ، ولم يُعرَفْ لهم مُخَالِفٌ فى عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا، ولِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكامِ الحَيْضِ لا تَزُولُ إِلَّا بِالغُسْلِ، وكذلك هذا. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِى بمُجَرَّدِ الطُّهْرِ قبلَ الغُسْلِ. وهو قَوْلُ طَاوُسٍ، وسعيد بنِ جُبَيْرٍ، والأَوْزاعِىِّ. وَاخْتارَهُ أَبو الخَطَّابِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦). والقُرْءُ: الحَيْضُ. وقد زَالَتْ، فيَزُولُ التَّرَبُّصُ. وفيما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ" (٧). وقال: "دَعِى الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" (٨). يَعْنِى أَيَّامَ حَيْضِكِ. ولأنَّ انْقِضاءَ العِدَّةِ تَتَعَلقُ به بَيْنُونَتُها مِن الزَّوْجِ، وحِلُّها لِغَيْرِه، فلم يتَعَلَّقْ بِفِعْل اخْتِيَارِىٍّ مِنْ جِهَةِ المَرْأَةِ بِغيْرِ تَعْلِيقِ الزَّوْجِ، كالطَّلاقِ وسائِرِ العِدَدِ، ولأَنَّها لو تَركَتِ الغُسْلَ

стр. 5518

اخْتِيَارًا أو لِجُنُونٍ أو نَحْوِه، لم تَحِلَّ؛ أَمَّا أَنْ يُقال بِقَوْلِ شَرِيكٍ، أَنَّها تَبْقَى مُعْتَدَّةً ولو بَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَةً. وذلك خِلافُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فَإِنَّهَا (٩) تَصِيرُ عِدَّتُها أكْثَرَ مِنْ مِائَتَىْ قُرْءٍ. أو يُقَالُ: تَنْقَضِى العِدَّةُ قَبْلَ الغُسْلِ، فيَكُونُ رُجُوعًا عن قَوْلِهم ويُحْمَلُ (١٠) قَوْلُ الصَّحَابَةِ فى قَوْلِهم: حَتَّى تَغْتَسِلَ. أَىْ: يَلْزَمُهَا الغُسْلُ. فصل: إذا تَزَوَّجَت الرَّجْعِيَّةُ فى عِدَّتِها، وحَمَلَت مِن الزَّوْجِ الثَّانِى، [انْقَطَعَتْ عِدَّتُها مِن الأَوَّلِ بِوَطْءِ الثَّانِى] (١١). وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَها فى مُدَّةِ (١٢) الحَمْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أوَّلُهما (١٣)، أَنَّهُ له رَجْعَتُهَا؛ لِأنَّهَا لم [تَقْضِ عِدَّتَه] (١٤)، فحُكْمُ نِكاحِهِ بِاقٍ، يَلْحَقُهَا طَلاقُهُ وظِهَارُهُ، وإنَّمَا انْقَطَعَتْ (١٥) عِدَّتُهُ لِعَارِضٍ، فهو كما لو وُطِئَتْ فى صُلْبِ نِكاحِه، فإنَّهَا تَحْرُمُ عليه وتَبْقَى سَائِرُ أحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، ولأنَّه (١٦) يَمْلِكُ ارْتجَاعَها إذَا عادَتْ إلى عِدَّتِه، فَملكَه قبلَ ذلك، كما لو ارْتَفْعَ حَيْضُهَا فى أثْناءِ عِدَّتِها. والوَجْهُ الثَّانِى، ليس له رَجْعَتُها؛ لأَنَّهَا ليست فى عِدَّتِه، فإذا وَضَعَتِ الحَمْلَ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِى، وبَنَتْ على ما مَضَى مِنْ عِدَّةِ الأَوَّلِ، وله ارْتِجَاعُها حِينَئِذٍ، وَجْهًا وَاحِدًا، ولو كانَتْ فى نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا بعدَ الوَضْعِ تَعُودُ إلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، وإِنْ لَمْ تَحْتَسبْ به، فكانَ له الرَّجْعَةُ فيه، كما لو طَلَّق حائِضًا، فإنَّ له رَجْعَتَهَا فى حَيْضِها، وإِنْ كانتْ لا تَعْتَدُّ بها. وإِنْ حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أَنْ يكونَ منهما، فعلى الوَجْهِ الذى لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها فى حَمْلِهَا مِن الثَّانِى، إِذَا رَاجَعَها فى هذا الحَمْلِ، ثمَّ بَانَ

стр. 5519

أَنَّه مِن الثَّانِى، [لم يَصِحَّ] (١٧)؛ وإِنْ بَانَ مِن الأَوَّلِ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لأنَّه رَاجَعَها فى عِدَّتِها منه، واحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لأَنَّه رَاجَعَها مع الشَّكِّ فى إبَاحَةِ الرَّجْعَةِ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ ليست بِعِبَادَةٍ يُبْطِلُها الشَّكُّ فى صِحّتِها، وعلى أنَّ العِبادَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فيما إذا نَسِىَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فصلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فإنَّ كلَّ صَلَاةٍ [يَشُكُّ فِى] (١٨) أَنَّهَا هَلْ هى المَنْسِيَّةُ أو غَيْرُها؛ ولو شَكَّ فى الحَدَثِ، فَتَطَهَّرَ يَنْوِى رَفْعَ الحَدَثِ، صَحَّتْ (١٩) طَهَارَتُه، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، ههُنا (٢٠) أَوْلَى. فإِنْ رَاجَعَها بعدَ الوَضْعِ، وَبَانَ أَنَّ الحَمْلَ مِن الثَّانِى، صَحَّتْ رَجْعَتُه، وَإِنْ بانَ مِن الأَوَّلِ، لم تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لأَنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِه. ١٢٩٣ - مسألة؛ قال: (والْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: اشْهَدَا أنّى قَدْ رَاجَعْتُ امْرَأَتِى. بِلَا وَلىٍّ يَحْضُرُهُ، وَلَا صَداقٍ يَزِيدُهُ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ تَجُوزُ الرَّجْعَةُ بِلَا شَهَادَةٍ) وَجُمْلَتُه أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلى وَلِىٍّ، ولا صَدَاقٍ، ولا رِضَى المَرْأَةِ، ولا عِلْمِها. بِإجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لما ذَكَرنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فى أَحْكامِ الزَّوْجَاتِ، والرَّجْعَةُ (١) إِمْساكٌ لهَا، واسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِها، ولهذا سَمَّى اللَّه الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَتَرْكَهَا فِرَاقًا وسَرَاحًا، فقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). وفى آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣).

стр. 5520

وإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ، وانْعَقَدَ بها سَبَبُ زَوَالِه، فالرَّجْعَةُ تُزيلُ شَعَثَهُ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّه، إلى البَيْنُوَنَةِ، فلم يَحْتَجْ لذلك (٤) إلى ما يَحْتَاجُ إليه ابْتِدَاءُ النِّكاحِ. فَأَمَّا الشَّهَادَةُ ففيها (٥) رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، تَجِبُ. وهذا أَحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وَظَاهِرُ الأَمْرِ الوُجُوبُ، ولأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فوَجَبَتِ الشَّهَادَةُ فيه، كالنِّكاحِ، وعَكْسُهُ البَيْعُ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ الشَّهَادَةُ. وهى اخْتَيِارُ أَبى بكرٍ، وقَوْلُ مَالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، فلم تَفْتَقِرْ إِلَى شَهَادَةٍ، كسَائِرِ حُقُوقِ الزَوْجِ، ولأنَّ ما لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الوَلِىُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِشْهَادُ، كالْبَيْعِ. وعِنْدَ ذلك يُحْمَلُ الأَمْرُ على الاسْتِحْبَابِ. ولا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، فى أَنَّ السُّنَّةَ الإِشْهَادُ. فَإِنْ قُلْنَا: هى شَرْطٌ. فإنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُها حالَ الرَّجْعَةِ، فَإِن ارْتَجَعَ بِغيرِ شَهادَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأنَّ المُعُتَبَرَ وُجُودُها فى الرَّجْعَةِ، دُونَ الإِقْرَارِ بِها، إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ بذلك الإِقْرَارِ الارْتِجَاعُ، فيَصِحَّ. فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لا تَحْصُلُ إلَّا بالقَوْلِ؛ لقولِه (٦): المُرَاجَعَةُ أَنْ يَقولَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها اسْتِباحَةُ بُضْع مَقْصُودٍ، أُمِرَ بِالإِشْهادِ فِيهِ، فلم يَحْصُلْ مِن القادِرِ بِغيرِ قَوْلٍ، كالنِّكاحِ، ولأَنَّ غيرَ القَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قادِرٍ على القَوْلِ، فلم تَحْصُلْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كالإشارَةِ مِنَ النَّاطِقِ (٧)، وهذه إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحْصُلُ الرجْعَةُ بِالوَطْءِ، سَواءٌ نَوَى به الرَّجْعَةَ، أو لم يَنْوِ. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، والقاضى. وهو قَوْلُ سعيد بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِى، والأَوْزاعِىِّ، وابْنِ أَبِى لَيْلَى،

стр. 5521

وأَصْحابِ الرَّأْىِ. قال بَعْضُهم: ويُشْهِدُ. وقال مالِكٌ، وإِسْحاقُ: تكونُ رَجْعَةً إذا أرادَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ هذه مُدَّةٌ تُفْضِى إلى بَيْنُونَةٍ، فَتَرْتَفِعُ بِالوَطْءِ، كمُدَّةِ الإِيلاءِ، ولأنَّ (٨) الطَّلاقَ سَبَبٌ لِزَوالِ المِلْكِ ومعه خِيَارٌ، فتَصَرُّفُ المَالِكِ بالوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَه، كَوَطْءِ البائِعِ الأَمَةَ المَبِيعَةَ فى مُدَّةِ الخِيارِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّنا إِذا قُلْنا: الوَطْءُ مُباحٌ. حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ به، كما يَنْقَطِعُ بِه التَّوْكِيلُ فى طَلَاقِها. وإِنْ قَلْنا: هو مُحَرَّمٌ. لمْ تَحْصُلِ الرَّجْعَةُ به؛ لأنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فلا يَكونُ سَبَبًا لِلْحِلِّ، كوَطْءِ المُحَلِّلِ. فصل: فأمَّا إِنْ قَبَّلَها، أَو لَمَسَها لِشَهْوَةٍ، أو كَشَفَ فَرْجَها ونَظَرَ إليه، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أَنَّهُ ليس بِرَجْعَةٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو رَجْعَةٌ. وهذَا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتاعٌ يُسْتَبَاحُ بالزَّوْجِيَّةِ (٩)، فَحَصَلَت الرَّجْعَةُ به كالوَطْءِ. وَالثَّانِى، أَنَّه (١٠) ليس بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّهُ أَمْرٌ لا يَتَعَلَّقُ به إيجابُ عِدَّةٍ ولا مَهْرٍ، فَلا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، كالنَّظَرِ. فأَمَّا الخَلْوَةُ بها، فليس بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّهُ ليس بِاسْتِمْتاعٍ. وهذا اخْتِيارُ أَبى الخَطَّابِ. وحُكِىَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحابِنا، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُلُ به؛ لأنَّهُ مَعْنًى يَحْرُمُ مِن الأَجْنَبِيَّةِ، ويَحِلُّ مِن الزَّوْجَةِ، فحَصَلَتْ به الرَّجْعَةُ، كالاسْتِمْتاعِ. والصَّحِيحُ أَنَّهُ لا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بها؛ لأنَّها لا تُبْطِلُ خيَارَ (١١) المُشْتَرِى لِلْأَمَةِ، فلم تَكُن رَجْعَةً، كاللَّمْس لِغَيْرِ (١٢) شَهْوَةٍ، فأمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، والنَّظَرُ لذلك ونَحْوُهُ، فليس بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّهُ يجوزُ فى غَيِرِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَأَشْبَهَ الحَدِيثَ معها. فصل: فأمَّا الْقَوْلُ فتَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، بِغَيْرِ خِلافٍ. وأَلفاظهُ: رَاجَعْتُكِ،

стр. 5522

وارْتَجَعْتُكِ، ورَدَدْتُكِ، وأَمْسَكْتُكِ. لأَنَّ هذه الألفاظَ وَرَدَ بها الكتابُ والسُّنَّةُ، فالرَّدُّ والإِمْساكُ وَرَدَ بهما الكِتابُ بقولِهِ سبحانه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ (١٣). وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِى: الرَّجْعَةَ. والرَّجْعَةُ وَرَدَتْ بها السُّنَّةُ بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مُرْهُ (١٤) فَلْيُرَاجِعْهَا" (١٥). وقد اشْتَهَرَ هذا الاسْمُ فيها (١٦) بَيْنَ أَهْلِ العُرْفِ، كاشْتِهَارِ اسْمِ الطَّلاقِ فيه، فَإنَّهم يُسَمُّونَها رَجْعَةً، والْمَرْأَةَ رَجْعِيَّةً. ويَتَخَرَّجُ أَنْ يكونَ لَفْظُهَا هو الصِّرِيحُ وَحْدَه، لاشْتِهَارِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كقَوْلِنا فى صَرِيحِ الطَّلاقِ، والاحْتِيَاطُ أَنْ يقولَ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِى إلى نِكَاحِى أو زَوْجَتِى. أَو رَاجَعْتُها (١٧) لما وَقَعَ عليها مِنْ طَلاقِى. فإنْ قال: نَكَحْتُهَا. أو: تَزَوَّجْتُها. فهذا ليس بِصَرِيحٍ فيها؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ ليستْ بِنِكاحٍ. وهل تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَحْصُل به الرَّجْعَةُ (١٨)؛ لأَنَّ هذا كِنايَةٌ، والرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، ولا تَحْصُلُ بِالكِنايَةِ، كالنِّكَاحِ. والثَّانِى، تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ. أَوْمأَ إليه أحمدُ. واخْتَارَه ابنُ حامِدٍ؛ لأَنَّهُ تُبَاحُ به الأَجْنَبِيَّةُ، فالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى. وعلى هذا، يَحْتاجُ أَنْ يَنْوِىَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ ما كان كِنَايَةً تُعْتَبَرُ له النِّيَّةُ، ككِناياتِ الطَّلاقِ. فصل: فإنْ قال: رَاجَعْتُكِ لِلْمَحَبَّةِ. أو قالَ: لِلْإِهانَةِ. وقالَ (١٩): أَرَدْتُ أنَّنِى رَاجَعْتُكِ لِمَحَبَّتِى إيَّاكِ، أو إِهانَةً لكِ. صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأَنَّهُ أَتَى بالرَّجْعَةِ، وبَيَّن

стр. 5523

سَبَبَها. وإِنْ قال: أرَدْتُ أنَّنِى كنتُ أهَنْتُكِ، أو أُحِبُّكِ، وقَدْ رَدَدْتُكِ بِفِرَاقِى إلى ذلك. فليس بِرَجْعَةٍ. وإِنْ أَطْلَقَ ولم يَنْوِ شَيْئًا، صَحَّتْ الرَّجْعَةُ. ذَكَرَهُ القاضى؛ لأنَّه أتَى بِصَرِيحِ الرَّجْعَةِ، وضَمَّ إليه ما يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ بَيَانًا لِسَبَبِها، ويَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فلا يَزُولُ (٢٠) اللَّفْظُ عن مُقْتَضاهُ بالشَّكِّ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. فصل: ولَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ على شَرْطٍ؛ لأنَّهُ اسْتِباحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فأَشْبَهَ النِّكاحَ، ولو قال: راجَعْتُكِ (٢١) إنْ شِئْتِ. لم يَصِحَّ كذلك. ولو قال: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فقد راجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ كذلك. ولأنَّهُ راجَعَها قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فأَشْبَهَ الطَّلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ. وإِنْ قال: إِنْ قَدِمَ أبوكِ، فقد رَاجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّهُ تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ. فصل: فإنْ رَاجَعَها فى الرِّدِّةِ مِنْ أحَدِهما، فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أَنَّهُ لا يَصِحُّ. وهو صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلم يَصِحَّ مع الرِّدَّةِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكاحِ (٢٢)، والرِّدَّةَ تُنافِى ذلك، فلم يَصِحَّ اجْتِماعُهما. وقال القاضى: إِنْ قُلْنا: تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ. لم تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لأَنَّهَا قد بانَتْ بها. وإِنْ قُلْنَا: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ. فالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إِنْ أَسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما فى العِدَّةِ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّه ارْتَجَعَها فى نِكَاحِه، ولِأَنَّهُ نَوْعُ إِمْسَاكٍ، فلم تَمْنَعْ منه الرِّدَّةُ، كما لو لم يُطَلَّقْ، وإِنْ لم يُسْلِمْ فى العِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وهذا قَوْلُ المُزَنِىِّ. واخْتِيارُ ابنِ (٢٣) حامِدٍ. وهكذا يَنْبَغِى أَنْ يكونَ فيما إِذا رَاجَعَها بَعْدَ إِسْلامِ أَحَدِهما.

стр. 5524

١٢٩٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ: قَدِ ارْتَجَعْتُكِ. فَقَالتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِى قَبْلَ رَجْعَتِكَ. فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَا (١) ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا) وَجُمْلَةُ ذلك أَنَّ المَرْأَةَ إذا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِها، فى مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُها فيها، قُبِلَ قَوْلُها؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٢). قِيلَ فى التَّفْسِيرِ: هو الحَيْضُ والحَمْلُ. فلولا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ، لم يُحْرَجْنَ بِكِتْمَانِهِ، ولِأَنَّهُ أَمْرٌ تَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ، فكان الْقَوْلُ قَوْلَهَا فيه (٣)، كَالنِّيَّةِ مِن الإِنْسانِ فيما تُعْتَبَرُ فيه النِّيَّةُ، أو أمْرٍ لا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِها، فقُبِلَ قَوْلُها فيه، كما يَجِبُ على التَّابِعِىِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِىِّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . فأَمَّا ما تَنْقَضِى به العِدَّةُ، فلا يَخْلُو مِنْ ثلاثةِ أقْسامٍ؛ القِسْمُ الأوَّلُ، أَنْ تَدَّعِىَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالقُرُوءِ، وأَقَلُّ ذلك يَنْبَنِى على الخِلافِ فى أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ، وعلى الخِلافِ فى القُرُوءِ، هلْ هى الحِيَضُ أو الأطْهارُ؟ فإِنْ قُلنا: هى الحِيَضُ، وأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأَقَلُّ ما تَنْقَضِى به العِدَّةُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلحظةٌ (٤)، وذلك أَنْ يُطَلِّقَهَا مع آخِرِ الطُّهْرِ، ثم تَحِيضَ بَعْدَه يَوْمًا ولَيْلَةً، ثم تَطْهُرَ [ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثم تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا وَليْلَةً، ثم تَطْهُرَ] (٥) لَحْظَةً، لِيُعْرَفَ بِها انْقِطاعُ الحَيْضِ، وإِنْ لم تَكُنْ هذه اللَّحْظَةُ مِنْ عِدَّتِها فلا بُدَّ منها، لمعْرِفَةِ انْقِطَاعِ حَيْضِها، ولو صَادَفَتْهَا (٦) رَجْعَتُهُ لم تَصِحَّ. ومَن اعْتَبَرَ الغُسْلَ فِى انْقِضَاءِ (٧) العِدَّةِ، فلا بُدَّ مِنْ وَقْتٍ يُمْكِنُ الغُسْلُ فيه بعدَ انْقِطاعِ

стр. 5525

الحَيْضِ. وَإِنْ قُلنَا: القُرْءُ [: الحَيْضُ، وَالطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فأقَلُّ ما تَنْقَضِى به العِدَّةُ ثَلاثَةٌ وثلاثونَ يَوْمًا ولَحْظَةٌ تَزِيدُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فى الطُّهْرَيْنِ] (٨). وإِنْ قُلْنا: القُرُوءُ الأطْهارُ. وأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فإِنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِى بِثَمَانِيَةٍ وعشْرِينَ يَوْمًا ولَحْظَتَيْنِ، وهو أَنْ يُطَلِّقَهَا فى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ طُهْرِها، فتَحْتَسِبُ بها (٩) قُرْءًا، ثُمَّ تَحْتَسِبُ قُرْءَيْنِ (١٠) آخَرَيْنِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وبينهما حَيْضَتَانِ (١١) يَوْمَيْنِ، فإِذا طَعَنَتْ فى الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَحْظَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وإن (١٢) قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. زِدْنَا على هذا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فى الطُّهْرَيْنِ، فيكونُ اثْنَيْنِ وَثَلاِثينَ يَوْمًا ولَحْظَتَيْنِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. فإنْ كانتْ أَمَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُها بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَةٍ على الْوَجْهِ الأَوَّلِ، وتِسْعَةَ عَشَرَ يَومًا ولَحْظَةٍ على الوَجْهِ الثَّانِى، وبِأرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَيْنِ على الوَجْهِ الثَّالِثِ، وبسِتَّةَ (١٣) عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَيْنِ على الوَجْهِ الرَّابعِ. فمتى ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِها بِالقُرُوءِ فى أَقَلَّ مِنْ هذا، لم يُقْبَلْ قَوْلُهَا عِنْدَ أَحَدٍ فيما أَعْلَمُ؛ لأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ صِدْقَهَا. وإن ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها فى أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ شُرَيْحًا قال: إذا ادَّعَتْ أنَّها حاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ فى شَهْرٍ، وجاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِن النِّساءِ العُدُولِ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا، مِمَّنْ يُرْضَى صِدْقُه وعَدْلُهُ، أنَّها رَأَتْ ما يُحَرِّمُ عليها الصَّلَاةَ مِنَ الطَّمْثِ، وتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وتُصَلِّى، فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإلَّا فهى كَاذِبَةٌ. فقالَ له علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: قَالُون. ومَعْناهُ بِالرُّومِيَّةِ: أَصَبْتَ أَوْ أَحْسَنْتَ (١٤). فَأَخَذَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ علىٍّ فى الشَّهْرِ: فإِنِ ادَّعَتْ ذلك فى أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ،

стр. 5526

صَدَّقَها، على حَدِيثِ: "إِنَّ المَرْأَةَ اؤْتُمِنَتْ عَلَى فَرْجِهَا" (١٥). ولأنَّ حَيْضَها فى الشَّهْرِ ثلاثُ حِيَضٍ يَنْدُرُ جِدًّا، فَرُجِّحَ بِبَيِّنَةٍ، ولا يَنْدُرُ فيما زَادَ على الشَّهْرِ كنُدْرَتِهِ فيه، فقُبِلَ قَوْلُها مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وقال الشَّافِعِىِّ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُها فى أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ وثلاثينَ يَوْمًا ولَحْظَتَيْنِ، ولا يُقْبَلُ فى أَقَلَّ مِنْ ذلك بحِالٍ؛ لأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ عِدَّةٌ (١٦) أَقَلُّ مِنْ ذلك. وقال النُّعْمانُ: لا تُصَدَّقُ فى أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا. وقال صَاحِباهُ: لا تُصَدَّقُ فى أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وثلاثينَ يَوْمًا؛ لأنَّ أَقَلَّ الحَيْضِ عِنْدَهم ثلاثةُ أيَّامٍ، فثَلاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ (١٧)، وطُهْرانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا. والخِلافُ فى هذا ينْبَنِى على الخِلافِ فى أَقَلِّ الحَيْضِ، وأَقَلِّ الطُّهْرِ، وفى القُرُوءِ ما هِىَ، وقد سَبَقَ. ومِمَّا يَدُلُّ عليه فى الجُمْلَةِ قَبُولُ علىٍّ وَشُرَيْحٍ بَيَّنَتَهَا على انْقِضَاءِ عِدَّتِها فى شَهْرٍ. ولولا تَصَوُّرُهُ لَمَا قُبِلَتْ عليه بَيِّنَةٌ، ولا سُمِعَتْ فيه دَعْوَى، ولا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بما قلْناهُ. فأمَّا إِن ادَّعَتِ انْقِضَاءَ العِدَّةِ فى أَقَلَّ مِنْ ذلك، لم تُسْمَعْ دَعْواها، ولا يُصْغَى إِلى بَيِّنَتِهَا؛ لأنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَها. فإِنْ بَقِيَتْ على دَعْوَاهَا حتى أتَى عليها ما يُمْكِنُ صِدْقُها فيه (١٨) نَظَرْنا؛ فإِنْ بَقِيَتْ على دَعْواها المَرْدُودَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُها؛ لأنَّهَا تَدَّعِى (١٩) مُحَالًا، وإنِ ادَّعَتْ أَنَّها انْقَضَتْ عِدَّتُها فى هذه المُدَّةِ كُلِّها، أو فيما يُمْكِنُ منها، قُبِلَ قَوْلُهَا؛ لأنَّهُ أَمْكَنَ صِدْقُها. ولا فَرْقَ فى ذلك بين الفاسِقَةِ والمَرْضِيَّةِ، والمُسْلِمَةِ وَالكَافِرَةِ؛ لأنَّ ما يُقْبَلُ فيه قَوْلُ الإِنْسانِ على نَفْسِه، لا يَخْتَلِفُ

стр. 5527

باخْتِلافِ حَالِهِ، كإِخْبارِه عن بَيِّنَةٍ فِيما تُعْتَبَرُ فِيهِ بَيِّنَةٌ. القِسْمُ الثَّانِى، أَنْ تَدَّعِىَ انْقِضاءَ عِدَّتِها بِوَضْعِ الحَمْلِ، فلا يَخْلُو؛ إِمَّا أَنْ تَدَّعِىَ وَضْعَ [الولدِ لِتَمامٍ] (٢٠)، أو أَنَّها أَسْقَطَتْهُ قبلَ كَمالِهِ، فإِنِ ادْعَتْ وَضْعَهُ لِتَمَامٍ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فى أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِن حِينِ إِمْكَانِ الوَطْءِ بَعْدَ العَقْدِ؛ لأنَّهُ لا يَكْمَلُ فى أَقَلَّ مِنْ ذلك، وإن ادَّعَتْ أنَّها أَسْقَطَتْهُ (٢١)، لم يُقْبَلْ قَوْلُها فى أَقَلَّ مِنْ ثمَانين يَوْمًا مِنْ حِينِ إِمْكانِ الوَطْءِ بعدَ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ (٢٢) أقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِىْ به العِدَّةُ ما أتَى عليه ثمَانُون يَوْمًا؛ لأنَّهُ يكونُ نُطْفَةً أربعين يَوْمًا، ثم يكونُ عَلَقَةً أربعينَ يَوْمًا، ثم يصِيرُ مُضْغَةً بعدَ الثَّمَانين، ولا تَنْقَضِى به العِدَّةُ قبلَ أَنْ يَصِيرَ مُضْغَةً بحالٍ. وهذا ظاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِىِّ. القِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ تَدَّعِىَ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالشُّهُورِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيه؛ لأنَّ الخِلافِ فى ذلك يَنْبَنِى على الاخْتِلافِ (٢٣) فى وَقْتِ الطَّلاقِ، والقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فيه، فيكونُ القَوْلُ قَوْلَه فيما يَنْبَنِى عليه، إلَّا أَنْ يَدَّعِىَ الزَّوْجُ انْقِضَاءَ عِدَّتِها؛ لِيُسْقِطَ عن نَفْسِه نَفَقَتَهَا، مِثْلَ أَنْ يقولَ: طَلَّقْتُكِ فى شَوَّالٍ. فتقُولَ هى: بَلْ فى ذِى الحِجَّةِ. فالْقَوْلُ قَوْلُها؛ لأنَّهُ يَدَّعِى ما يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، والأصْلُ وُجُوبُها، فلا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. ولو ادَّعَتْ ذلك، ولم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ، قُبِلَ قَوْلُها؛ لأنَّها تُقِرُّ على نَفْسِها بما هو أَغْلَظُ. ولو انْعَكَسَتِ الدَّعْوَى، فقال: طَلَّقْتُكِ فى ذِى الحِجَّةِ، فلى رَجْعَتُكِ. فقالتْ: بل طَلَّقْتَنِى فى شَوَّالٍ، فلا رَجْعَةَ لَكَ. فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقاءُ نِكاحِهِ، وَلأَنَّ القَوْلَ قَوْلُه، فى إِثْباتِ الطَّلاقِ ونَفْيِهِ فكذلك فى وَقْتِه. إذا ثَبَتَ هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: القَوْلُ قَوْلُهَا. فأنْكَرَها الزَّوْجُ، فقال الْخِرَقِىُّ: عليها اليَمِينُ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ ومحمدٍ. وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ، فِى رِوَايَةِ أبى طالبٍ. وقال القاضى: قِياسُ المَذْهَبِ أَنْ لا يَجِبَ عليها يَمِينٌ. وقد أوْمَأَ

стр. 5528

إليه أحمدُ، فقالَ: لا يَمِينَ فى نِكاحٍ ولا طَلَاقٍ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأَنَّ الرَّجْعَةَ لا يَصِحُّ بَذْلُهَا، فلا يُسْتَحْلَفُ فيها، كالحُدُودِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِقَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢٤). وَلِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِىٍّ يُمْكِنُ صِدْقُ مُدَّعِيهِ، فَيجِبُ اليَمِينُ فيه، كالأمْوالِ. فإِنْ نَكَلَتْ عنِ الْيَمِينِ، فقال القاضى: لا يُقْضَى بالنُّكُولِ؛ لأنَّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَذْلُه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ الزَّوْجُ، وله رَجْعَتُهَا، بِنَاءً على القَوْلِ بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِى؛ وذلك لأنَّهُ لَمَّا وُجِدَ النُّكُوُل منها، ظَهَرَ صِدْقُ الزَّوْجِ، وَقَوِىَ جَانِبُهُ، والْيَمِينُ تُشْرَعُ فى حَقِّ مَنْ قَوِىَ جَانِبُهُ، ولذلك شُرِعَتْ فى حَقِّ المُدَّعَى عليه لِقُوَّةِ جَانِبِه بِالْيَدِ فى العَيْنِ، وبالأَصْلِ فى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فى الدَّيْنِ. هذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. فصل: وإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ فى عِدَّتِها أَنَّهُ كان رَاجَعَهَا أَمْسِ، أو مُنْذُ شَهْرٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لأنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الرَّجْعَةَ، مَلَكَ الإِقْرَارَ بها، كالطَّلاقِ. وبهذا قال (٢٥) الشَّافِعِىُّ، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ، وغيرُهم. وإِنْ قال بعدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِها: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ فى عِدَّتِكِ. فأنْكَرَتْهُ، [فالقَوْلُ قَوْلُها بإِجْماعِهِم] (٢٦)؛ لأنَّهُ ادَّعاها فى زَمَنٍ لا يَمْلِكُهُا، والأصْلُ عَدَمُها وحُصُولُ البَيْنُونَةِ. فإنْ كان اخْتِلافُهُما فى زَمَنٍ يُمْكِنُ فيه انْقِضَاءُ عِدَّتِها، وبَقَاؤُها، فبَدَأَتْ فقالتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِى. فقال: قد كُنْتُ رَاجَعْتُكِ. فأنْكَرَتْهُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لأنَّ خَبَرَها بِانْقِضاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ؛ لإِمْكانِه، فصارَتْ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ بعدَ الحُكْمِ بانْقِضَاءِ عِدَّتِها، فلم تُقْبَلْ. فإنْ سَبَقَهَا بِالدَّعْوَى، فقال: قد كُنْتُ رَاجَعْتُكِ أَمْسِ. فقالتْ: قد انْقَضَتْ عِدَّتِى قبلَ دَعْوَاكَ. فالقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لأنَّ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ قبلَ الحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (٢٧) فى زَمَنٍ الظَّاهِرُ قَبُولُ قَوْلِهِ فيه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها بعدَ ذلك فى إبْطالِهِ. ولو سَبَقَ، فقال: قد رَاجَعْتُكِ. فقالتْ: قد انْقَضَتْ عِدَّتِى قبلَ رَجْعَتِكَ.

стр. 5529

فأنْكَرَها، فقال القاضى: القَوْلُ قَوْلُه؛ لما ذَكَرْنَا. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ، سَوَاءٌ سَبَقَها بِالدَّعْوَى، أو سَبَقَتْهُ. وهو وَجْهٌ ثَانٍ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ البَيْنُوَنَةُ، والأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فكان الظَّاهِرُ معها، ولأنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ سَابِقًا، قُبِلَ قَوْلُهُ مَسْبُوقًا، كسائِرِ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُه. ولهم وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لأنَّ المَرْأَةَ تَدَّعِى ما يَرْفَعُ النِّكاحَ وهو يُنْكِرُه، فكان القَوْلُ قَوْلَهُ، كما لو ادَّعَى المُولِى والْعِنِّينُ إصَابَةَ امْرَأَتِهِ، فأنْكَرَتْهُ. وهذا لَا يَصِحُّ، فإِنَّهُ قد انْعَقَدَ سَبَبُ البَيْنُونَةِ، وهو مُفْضٍ إِليها، ما لم يُوجَدْ ما يَرْفَعُهُ ويُزِيلُ حُكْمَهُ، والأصْلُ عَدَمُهُ، فكان القَوْلُ [قَوْلَ] مَنْ يُنْكِرُهُ، بِخِلافِ ما قَاسُوا عليه. وإِنْ وَقَعَ القَوْلُ منهما جَمِيعًا، فلا رَجْعَةَ؛ لأَنَّ خَبَرَها بانْقِضَاء عِدَّتِهَا يكونُ بعدَها، فيكونُ قَوْلُهُ بعدَ العِدَّةِ، فلا يُقْبَلُ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بينهما فيكونَ القَوْلُ قَوْلَ مَنْ تَقَعُ له القُرْعَةُ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ. فصل: وإنِ اخْتَلَفا فِى الإِصابَةِ فقال: قد أَصَبْتُكِ، فلى رَجْعَتُكِ. فأنْكَرَتْهُ، أو قَالَتْ: قد أَصابِنَى، فلى المَهْرُ كَامِلًا. فالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ منهما؛ لأنَّ الأَصْلَ معه، فلَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وليس له رَجْعَتُها فى المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّهُ أَنْكَرَ الإِصابَةَ، فهو يُقِرُّ على نَفْسِه بِبَيْنُونَتِهَا، وأَنَّهُ لا رَجْعَةَ له عليها. وإِنْ أنْكَرَتْها هى، فالقَوْلُ قَوْلُها، ولا تَسْتَحِقُّ إِلَّا نِصْفَ المَهْرِ فى المَوْضِعَيْنِ؛ [لأنَّها إِنْ أَنْكَرَتْها، فهى مُقِرَّةٌ أنَّها لا تَسْتَحِقُّ إِلَّا نِصْفَ المَهْرِ] (٢٨)، وإِنْ أنْكَرَها، فالقوْلُ قَوْلُه. هذا إِنْ كان غيرَ (٢٩) مَقْبُوضٍ، فإنْ كان اخْتِلَافُهما بعدَ قَبْضِها له، وادَّعَى إصابَتَها فأنْكَرَتْهُ، لم يَرْجِعْ عليها بشىءٍ؛ لأَنَّهُ يُقِرُّ لها به ولا يَدَّعِيهِ. وإِنْ كان هو المُنكِرَ، رَجَعَ عليها بِنِصْفِهِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فإنْ قِيلَ: فلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ المُولِى والعِنِّينِ فى الإِصَابَةِ، ولم

стр. 5530

تَقْبَلوهُ ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ المُولِىَ والعِنِّينَ يَدَعِيَانِ ما يُبْقِى النِّكَاحَ على الصِّحَّةِ، ويَمْنَعُ فَسخَهُ، والأصْلُ صحَّةُ العَقْدِ وسَلَامَتُه، فكان قَوْلُهما مُوافِقًا لِلْأَصْلِ، فقُبِلَ، وفى مَسْأَلَتِنَا قد وَقَعَ ما يَرْفَعُ النِّكاحَ ويُزِيلُهُ، وهو ما وَالَى بَيْنُونَةً، وقد اخْتَلَفَا فيما يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلاقِ ويُثْبتُ له الرَّجْعَةَ، والأصْلُ عَدَمُ ذلك، فكان قَوْلُه مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ، فلم يُقْبَلْ، ولِأَنَّ المُولِىَ والعِنِّينَ يَدَّعِيَانِ الإِصابَةَ فى مَوْضِعٍ تَحَقَّقَتْ فيه الخَلْوَةُ والتَّمْكِينُ مِنَ الْوَطْءِ؛ لأنَّهُ لو لم يُوجَدْ ذلك لَمَا اسْتَحَقَّتَا الفَسْخَ بعَدَمِ (٣٠) الوَطْءِ، فكان الاخْتِلافُ فيما يَخْتَصُّ به، وفى مَسْألَتِنا لَم تَتَحَقَّقْ خَلْوَةٌ ولا تَمْكِينٌ؛ لأنَّهُ لو تَحَقَّقَ ذلك لَوَجَبَ المَهْرُ كامِلًا، فكان الاخْتِلافُ فى أمْرٍ ظاهِرٍ لا يَخْتَصُّ به، فلم يُقْبَلْ فيه قَوْلُ مُدَّعِيه إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وهل يُشْرَعُ اليَمِينُ فى حَقِّ مَنِ القَوْلُ قَوْلُهُ ههُنا؟ على وَجْهَيْنِ. فصل: والخَلْوَةُ كالْإِصابةِ، فى إِثْباتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ على المَرْأَةِ التى خَلَا بها، فى ظاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ؛ لِقَوْلِه: حُكْمُهَا حُكْمُ الدُّخُولِ فى جَمِيعِ أُمُورِها. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، فى (٣١) القَديمِ. وقال أبو بكرٍ: لا رَجْعَةَ له عليها إِلَّا أَنْ يُصِيبَها وبه قال النُّعْمانُ، وصَاحِبَاهُ، والشَّافِعِىُّ فى الجَدِيدِ؛ لأنَّها غيرُ مُصَابَةٍ، فلا تَسْتَحِقُّ رَجْعَتَها، كغيرِ التى خَلَا بها. ولنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾. إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ (٣٢). ولأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ لا عِوَضَ فيه، ولم تَسْتَوْفِ عَدَدَهُ، فَثَبَتَتْ عليها الرَّجْعَةُ كالمُصَابَةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُها طَلَاقُهُ، فمَلَكَ رَجْعَتَها، كالَّتِى أصابَها. وفارَقَ التى لم يَخْلُ بها، فإنَّها بائِنٌ منه لا عِدَّةَ لها، ولا يَلْحَقُها طَلاقُه، وإنَّما تكونُ الرَّجْعَةُ لِلْمُعْتَدَّةِ التى يَلْحَقُها طَلاقُه. فصل: وإِنْ ادَّعَى زَوْجُ الأَمَةِ بعدَ عِدَّتِها أنَّه كان راجَعَها فى عِدَّتِها (٣٣)، فَكَذَّبَتْه

стр. 5531

وصَدَّقَه مَوْلاها، فالْقَوْلُ قَوْلُهَا. نَصَّ عليه أحمدُ، وبذلك قال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وهو أَحَقُّ بها؛ لأَنَّ إقْرارَ مَوْلاها مَقْبُولٌ فى نِكاحِها، [فَقُبِلَ قَوْلُه فى رَجْعَتِها، كالحُرَّةِ إِذا أَقَرَّتْ. ولَنا، أَنَّ قَوْلَها فى انْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ] (٣٤)، فقُبِلَ فى إِنْكارِها لِلرَّجْعَةِ كالْحُرَّةِ، ولأنَّهُ اخْتِلافٌ منهما فيما يَثْبُتُ به النِّكاحُ، فيكونُ المُنَازِعُ هى دُونَ سَيِّدِها، كما لو اخْتَلَفَا فى الإِصابَةِ، وإنَّما قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ فى النِّكاحِ؛ لأنَّهُ يَمْلِكُ إِنْشاءَه، فمَلَكَ الإِقْرَارَ به، بخِلافِ الرَّجْعَةِ. وإِنْ صَدَّقَتْهُ هى وكَذَّبَهُ مَوْلاها، لم يُقْبَلْ إقْرارُها؛ لأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ تعَلَّقَ (٣٥) بها، وحَلَّتْ له بِاْنقِضاءِ عِدَّتِها، فلم يُقْبَلْ قَوْلُها فى إِبْطالِ حَقِّهِ، كما لو تَزَوَّجَتْ ثم أَقَرَّتْ أَنَّ مُطْلِّقَها كان راجَعَها، ولا (٣٦) يَلْزَمُ مِنْ قَبْولِ إِنْكارِها قَبُولُ تَصْدِيقِها، كالتى تَزَوَّجَتْ، فإِنَّهُ يُقْبَلُ إِنْكارُها، ولا يُقْبَلُ تَصْدِيقُها. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ مَوْلاها إذا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ فى رَجْعَتِها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها، ولا تَزْوِيجُها. وإِنْ عَلِمَتْ هى صِدْقَ الزَّوْجِ فى رَجْعَتِها، فهى حَرامٌ على سَيِّدِها، ولا يَحِلُّ لها تَمْكِينُه مِنْ وَطْئِها إِلَّا مُكْرَهَةً، كما قبلَ طلاقِها. فصل: ولو قالت: انْقَضَتْ عِدَّتِى. ثم قالتْ: ما انْقَضَتْ بَعْدُ. فله رَجْعَتُها (٣٧)؛ لأنَّها أَقَرَّتْ بِكَذِبِها فيما يَثْبُتُ به حَقٌّ عليها، فقُبِلَ إِقْرارُها. ولو قال: أخْبَرَتْنِى بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثم رَاجَعْتُها. ثم أَقَرَّتْ بِكَذِبهِا فى انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو أَنْكَرَتْ (٣٨) ما ذَكَرَ عنها، وأَقْرَّتْ أَنَّ (٣٩) عِدَّتَهَا، لم تَنْقَضِ، فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّهُ لم يُقِرَّ بانْقِضَاءِ عِدَّتِها، وإِنَّما أَخْبَرَ بِخَبَرِها عن ذلك، وقد رَجَعَتْ عن خَبَرِها، فقُبِلَ رُجُوعُها؛ لما ذَكَرْنَاهُ.

стр. 5532

١٢٩٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَها وَاحِدَةً، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَها ثَانِيَةً، بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنَ العِدَّةِ) وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، وهو قَولُ الشَّافِعِىِّ، وله قَوْلٌ ثانٍ، أنَّها تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ؛ لأنَّها طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ فى حَقِّ مَدْخُولٍ بها، فاقْتَضَتْ عِدَّةً كَامِلَةً، كالأُولَى. ولَنا، أنَّهما طَلاقانِ (١) لم يَتَخَلَّلْهُمَا إِصابَةٌ، ولا خَلْوَةٌ، فلم يَجِبْ بهما أكْثَرُ مِنْ عِدَّةٍ، كما لو وَالَى بينهما، أو كما لو انْقَضَتْ عِدَّتُها ثم نَكَحَها وطَلَّقَها قَبْلَ دُخُولِه بها. وهكذا الحُكْمُ لو طَلَّقَهَا، ثم فُسِخَ نِكاحُها لِعَيْبٍ فى أَحَدِهما، أو لِعِتْقِها تحْتَ عبْدٍ أو غيرِه، أو انْفَسَخَ نِكاحُها لِرَضَاعٍ أو اخْتِلافِ دِينٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الفَسْخَ فى مَعنَى الطَّلاقِ. فصل: وإِنْ طَلَّقَهَا، ثم رَاجَعَهَا، ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِه بها، ففيه (٢) رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهما، تَبْنِى على ما مَضَى مِن الْعِدَّةِ. نَقَلَها الْمَيْمُونِىُّ. وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وقَوْلُ عَطاءٍ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعىِّ؛ لِأَنَّهما طَلاقانِ لم يَتَخَلَّلْهما دُخُولٌ بها، فكانت العِدَّةُ مِن الأوَّلِ منهما، كما لو لم يَرْتَجِعْها، ولأنَّ الرَّجْعَةَ لم يتَّصِلْ بها دُخُولٌ، فلم يَجِبْ بِالطَّلاقِ منها عِدَّةٌ، كما لو نَكَحَها ثم طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ. والثَّانِيَةُ، تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ. وَهى أَصَحُّ. وهذا قَوْلُ طَاوُسٍ، وأبى قِلابَة، وَعمرِو بنِ دِينَارٍ، وجابِرٍ، وسعيدِ ابنِ عبدِ العزيزِ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ: أجمَعَ الفُقَهَاءُ على هذا. وحَكَى أَبو الخَطَّابِ، عن مالِكٍ، إنْ قَصَدَ الإِضْرَارَ بها بَنَتْ، وإِلَّا اسْتَأْنَفَ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالى إِنَّما جَعَلَ الرَّجْعَةَ لمنْ (٣) أرادَ الإِصْلاحَ بِقَوْلِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤)

стр. 5533

والَّذى قَصَدَ الإِضْرارَ لم يَقْصِدِ الإِصْلاحَ. ولَنا، أَنَّهُ طَلاقٌ فى نِكاحٍ مَدْخُولٍ بها فيه، فأَوْجَبَ عِدَّةً كَامِلَةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْهُ طَلاقٌ؛ وهذا لأنَّ الطَّلْقَةَ الأُولَى شَعَّثَتِ النِّكاحَ، والرَّجْعَةَ لَمَّتْ شَعَثَهُ، وقَطَعَتْ عَملَ الطَّلاقِ، فصارَ الطَّلاقُ الثَّانِى فى نِكاحٍ غيرِ مُشَعَّثٍ مَدْخُولٍ بها فيه، فأَوْجَبَ عِدَّةً كالأَوَّلِ، وكما لو ارْتَدَّتْ ثم أَسْلَمَتْ ثم طَلَّقَهَا، فَإنَّها تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً، كذا ههُنا. ويُفارِقُ الطَّلاقَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. فإنَّهُ جاءَ بَعْدَ طَلاقٍ مُفْضٍ إلى بَيْنُونَةٍ. فإنْ راجَعَها ثم دخَلَ بها، ثم طَلَّقَها، فإنَّها تَسْتَأْنِفُ عِدَّةٌ بِغيرِ اخْتِلافٍ بينَ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ صار كالنَّاكِحِ ابْتِداءً إذا وَطِئَ. فصل: وإِنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ، أو فُسِخَ النِّكَاحُ ثم نَكَحَها فِى عِدَّتِها، ثم طَلَّقَها؛ فإنْ كان دَخَلَ بها، فعليها الْعِدَّةُ، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ فى نِكاحٍ مَدْخُولٍ بها فيه، لم يَتَقَدَّمْهُ طَلاقٌ سِوَاهُ. وإِنْ لم يكنْ دَخَلَ بها، بَنَتْ على العِدَّةِ الْأُولَى، فى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وعنه، أنَّها تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِن الرَّجْعَةِ، ولو طَلَّقَها بعدَ الرَّجْعَةِ، اسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ، فههُنا أَوْلَى. ولَنا، أَنَّهُ طَلاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لم يُصِبْها فيه، فلم تَجِبْ به عِدَّةٌ، كما لو نَكَحَها بعدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِها. وفارَقَ الرَّجْعَةَ؛ لأنَّها رَدَّتِ الْمَرْأَةَ إلى النِّكاحِ الأَوَّلِ، فكان الطَّلاقُ الثَّانِى فى نِكاحٍ اتَّصَلَ به الدُّخُولُ، وهذا النِّكاحُ جَدِيدٌ بعدَ البَيْنُوَنَةِ مِن الأوَّلِ (٥)، ولم يُوجَدْ فيه دُخُولٌ، فأشْبَهَ التَّزْوِيجَ بعدَ قَضاءِ العِّدَّةِ. وأمَّا بِناؤُها على العِدَّةِ الأُولَى، فلِأنَّها إنَّما قُطِعَ فى (٦) حُكْمِها النِّكاحُ، وقد زالَ، فيَعُودُ إليها. ولو أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ثم أسْلَمَ فى عِدَّتِها، أو أسْلَمَ هو ثم أَسْلَمَتْ هى فى عِدَّتِها، وطَلَّقَها قبلَ وَطْئِه أو بَعْدَهُ، أو ارْتَدَّتْ ثم أَسْلَمَتْ ثم طَلَّقَهَا، فعليها عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ فِى نِكاحٍ وَطِئَ فيه، أشْبَهَ الطَّلاقَ فى النِّكَاحِ الأَوَّلِ. فصل: ومتى وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، وقَلْنا: إِنَّ الوَطْءَ لا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، فعليها أَنْ

стр. 5534

تَسْتَأْنِفَ العِدَّةَ مِن الْوَطْءِ، ويَدْخُلُ فيها بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلاقِ؛ لِأَنَّهما عِدَّتانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فتَدَاخَلَتا (٧)، كما لو طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فلم تَنْقَض عِدَّتُهَا حتى طَلَّقَهَا، وله ارْتِجَاعُها فى بَقِيَّةِ العِدَّةِ الأُولَى؛ لأَنَّها عِدَّةٌ مِن الطَّلاقِ، فَإِذَا مَضَت البَقِيَّةُ، لم يَكُنْ له ارْتِجَاعُها فى بَقِيَّةِ عِدَّةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها عِدَّةٌ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فإِنْ حَبِلَتْ مِن الوَطْءِ، صَارَتْ فى عِدَّةِ الوَطْءِ، وتَدْخُلُ فيها البَقِيَّةُ الأُولَى؛ لِأَنَّهُما (٨) عِدَّتانِ لِوَاحِدٍ، فأشْبَهَ ما لو كانا بالأقْرَاءِ، وتَنْقَضِى العِدَّتانِ جَمِيعًا بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ لأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ، وله مُراجَعَتُها قبلَ وَضْعِه؛ لأنَّها فى عِدَّةٍ مِن الطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَتَدَاخَلَا؛ لأَنَّهما مِن جِنْسَيْنِ. فعلى هذا تَصِيرُ مُعْتَدَّةً مِن الوَطْءِ خاصَّةً. وهلْ له رَجْعَتُها فى مُدَّةِ الحَمْلِ؟ على وَجْهَيْنِ، مَضَى تَوْجِيهُهُما فيما إِذا حَمَلَتَ مِنْ وَطْءِ زَوْجٍ ثَانٍ (٩)، فإذا وَضَعَتْ أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلاقِ، وله ارْتِجَاعُها فى هذه البَقِيَّةِ؛ لأنَّها مِنْ عِدَّةِ الطَّلاقِ. ولو طَلَّقَها حامِلًا، ثم وَطِئَها، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الحَمْلِ منهما جَمِيعًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَسْتَأْنِفَ عِدَّةً لِلوَطْء (١٠) بعدَ وَضْعِ الحَمْلِ؛ لمَا ذَكَرْنَا. ولا رَجْعَةَ له بعدَ وَضْعِ الحَمْلِ فى هذه الصُّورَةِ بِكُلِّ حالٍ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا الْفَصْلِ كُلِّه على مَا ذَكَرْنا سواءً. ١٢٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَهَا، ثُمَّ أَشْهَدْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَلَا يُصِيُبَها حَتَّى تَنْقَضِى عِدَّتُهَا فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخرَى هِىَ زَوْجَةُ الثَّانِى) وجُمْلَةُ ذلك، أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذا رَاجَعَها، وهى لا تَعْلَمُ، صَحَّتِ الْمُرَاجَعَةُ (١)؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى رِضَاها، فلم تَفْتَقِرْ إلى عِلْمِها كَطَلَاقِها. فإِذا رَاجَعَها ولم تَعْلَمْ،

стр. 5535

فانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتَزَوَّجَتْ (٢)، ثم جاءَ وادَّعَى أنَّه كان راجَعَها قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وأقامَ (٣) البَيِّنَةَ على ذلك، ثَبَتَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنَّ نِكاحَ الثَّانِى فاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غيرِه، وتُرَدُّ إِلى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بها الثَّانِى أو لم يَدْخُلْ بها. هذا هو الصَّحِيحُ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وعن أبى عبدِ اللَّهِ، ﵀. رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إِنْ دَخَلَ بها الثَّانِى فهى امْرَأَتُهُ، ويَبْطُلُ نِكاحُ الْأَوَّلِ (٤). رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قَوْلُ مالِكٍ. ورُوِىَ مَعْناهُ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، ونَافِعٍ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما عَقَدَ عليها، وهى مِمَّنْ يجوزُ له العَقْدُ عليها فى الظَّاهِرِ، ومع الثَّانى مَزِيَّةُ الدُّخُولِ، فقُدِّمَ بها. ولنا، أَنَّ الرَّجْعَةَ قد صَحَّتْ، وتَزَوَّجَتْ وهى زَوْجَةُ الأَوَّلِ، فلم يَصِحَّ نِكَاحُها، كما لو لم يُطَلِّقْها. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنْ كان الثَّانِى ما دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينهما، ورُدَّتْ إلى الْأَوَّلِ، ولا شىءَ على الثَّانِى. وإِنْ كان دَخَلَ بها، فلها عليهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لأنَّ هذا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَتَعْتَدُّ، ولا تَحِلُّ للأوَّلِ حتى تَنْقَضِىَ (٥) عِدَّتُها منه. وإِنْ أقَامَ البَيِّنةَ قبْلَ دُخُولِ الثَّانِى بها، رُدَّتْ إلى الأَوَّلِ، بِغيرِ خِلافٍ فى المَذْهَبِ. وهو إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مالِكٍ. وأمَّا إِنْ تَزَوَّجَها مع عِلْمِها بِالرَّجْعَةِ، أو عِلْمِ أَحَدِهما، فالنِّكاحُ باطِلٌ بغَيرِ خِلافٍ، والوَطْءُ مُحَرَّمٌ على مَنْ عَلِمَ منهما (٦)، وحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِى فى الحَدِّ وغيرِه؛ لأَنَّهُ وَطِئَ امْرِأَةَ غيرِه مع عِلْمِهِ. فأمَّا إِنْ لم يَكُنْ لِمُدَّعِى الرَّجْعَةِ بَيِّنَةٌ، فأنْكَرَهُ أَحَدُهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، ولكنْ إنْ أنْكَرَاهُ (٧) جَمِيعًا، فالنِّكاحُ صحيحٌ فى حَقِّهِما (٨)، وإن اعْتَرَفا له بِالرَّجْعَةِ، ثَبَتَتْ،
следующие страницы →