← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وصَدَّقَه مَوْلاها، فالْقَوْلُ قَوْلُهَا. نَصَّ عليه أحمدُ، وبذلك قال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وهو أَحَقُّ بها؛ لأَنَّ إقْرارَ مَوْلاها مَقْبُولٌ فى نِكاحِها، [فَقُبِلَ قَوْلُه فى رَجْعَتِها، كالحُرَّةِ إِذا أَقَرَّتْ. ولَنا، أَنَّ قَوْلَها فى انْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ] (٣٤)، فقُبِلَ فى إِنْكارِها لِلرَّجْعَةِ كالْحُرَّةِ، ولأنَّهُ اخْتِلافٌ منهما فيما يَثْبُتُ به النِّكاحُ، فيكونُ المُنَازِعُ هى دُونَ سَيِّدِها، كما لو اخْتَلَفَا فى الإِصابَةِ، وإنَّما قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ فى النِّكاحِ؛ لأنَّهُ يَمْلِكُ إِنْشاءَه، فمَلَكَ الإِقْرَارَ به، بخِلافِ الرَّجْعَةِ. وإِنْ صَدَّقَتْهُ هى وكَذَّبَهُ مَوْلاها، لم يُقْبَلْ إقْرارُها؛ لأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ تعَلَّقَ (٣٥) بها، وحَلَّتْ له بِاْنقِضاءِ عِدَّتِها، فلم يُقْبَلْ قَوْلُها فى إِبْطالِ حَقِّهِ، كما لو تَزَوَّجَتْ ثم أَقَرَّتْ أَنَّ مُطْلِّقَها كان راجَعَها، ولا (٣٦) يَلْزَمُ مِنْ قَبْولِ إِنْكارِها قَبُولُ تَصْدِيقِها، كالتى تَزَوَّجَتْ، فإِنَّهُ يُقْبَلُ إِنْكارُها، ولا يُقْبَلُ تَصْدِيقُها. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ مَوْلاها إذا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ فى رَجْعَتِها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها، ولا تَزْوِيجُها. وإِنْ عَلِمَتْ هى صِدْقَ الزَّوْجِ فى رَجْعَتِها، فهى حَرامٌ على سَيِّدِها، ولا يَحِلُّ لها تَمْكِينُه مِنْ وَطْئِها إِلَّا مُكْرَهَةً، كما قبلَ طلاقِها. فصل: ولو قالت: انْقَضَتْ عِدَّتِى. ثم قالتْ: ما انْقَضَتْ بَعْدُ. فله رَجْعَتُها (٣٧)؛ لأنَّها أَقَرَّتْ بِكَذِبِها فيما يَثْبُتُ به حَقٌّ عليها، فقُبِلَ إِقْرارُها. ولو قال: أخْبَرَتْنِى بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثم رَاجَعْتُها. ثم أَقَرَّتْ بِكَذِبهِا فى انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو أَنْكَرَتْ (٣٨) ما ذَكَرَ عنها، وأَقْرَّتْ أَنَّ (٣٩) عِدَّتَهَا، لم تَنْقَضِ، فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّهُ لم يُقِرَّ بانْقِضَاءِ عِدَّتِها، وإِنَّما أَخْبَرَ بِخَبَرِها عن ذلك، وقد رَجَعَتْ عن خَبَرِها، فقُبِلَ رُجُوعُها؛ لما ذَكَرْنَاهُ.

стр. 5532

١٢٩٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَها وَاحِدَةً، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَها ثَانِيَةً، بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنَ العِدَّةِ) وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، وهو قَولُ الشَّافِعِىِّ، وله قَوْلٌ ثانٍ، أنَّها تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ؛ لأنَّها طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ فى حَقِّ مَدْخُولٍ بها، فاقْتَضَتْ عِدَّةً كَامِلَةً، كالأُولَى. ولَنا، أنَّهما طَلاقانِ (١) لم يَتَخَلَّلْهُمَا إِصابَةٌ، ولا خَلْوَةٌ، فلم يَجِبْ بهما أكْثَرُ مِنْ عِدَّةٍ، كما لو وَالَى بينهما، أو كما لو انْقَضَتْ عِدَّتُها ثم نَكَحَها وطَلَّقَها قَبْلَ دُخُولِه بها. وهكذا الحُكْمُ لو طَلَّقَهَا، ثم فُسِخَ نِكاحُها لِعَيْبٍ فى أَحَدِهما، أو لِعِتْقِها تحْتَ عبْدٍ أو غيرِه، أو انْفَسَخَ نِكاحُها لِرَضَاعٍ أو اخْتِلافِ دِينٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الفَسْخَ فى مَعنَى الطَّلاقِ. فصل: وإِنْ طَلَّقَهَا، ثم رَاجَعَهَا، ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِه بها، ففيه (٢) رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهما، تَبْنِى على ما مَضَى مِن الْعِدَّةِ. نَقَلَها الْمَيْمُونِىُّ. وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وقَوْلُ عَطاءٍ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعىِّ؛ لِأَنَّهما طَلاقانِ لم يَتَخَلَّلْهما دُخُولٌ بها، فكانت العِدَّةُ مِن الأوَّلِ منهما، كما لو لم يَرْتَجِعْها، ولأنَّ الرَّجْعَةَ لم يتَّصِلْ بها دُخُولٌ، فلم يَجِبْ بِالطَّلاقِ منها عِدَّةٌ، كما لو نَكَحَها ثم طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ. والثَّانِيَةُ، تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ. وَهى أَصَحُّ. وهذا قَوْلُ طَاوُسٍ، وأبى قِلابَة، وَعمرِو بنِ دِينَارٍ، وجابِرٍ، وسعيدِ ابنِ عبدِ العزيزِ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ: أجمَعَ الفُقَهَاءُ على هذا. وحَكَى أَبو الخَطَّابِ، عن مالِكٍ، إنْ قَصَدَ الإِضْرَارَ بها بَنَتْ، وإِلَّا اسْتَأْنَفَ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالى إِنَّما جَعَلَ الرَّجْعَةَ لمنْ (٣) أرادَ الإِصْلاحَ بِقَوْلِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤)

стр. 5533

والَّذى قَصَدَ الإِضْرارَ لم يَقْصِدِ الإِصْلاحَ. ولَنا، أَنَّهُ طَلاقٌ فى نِكاحٍ مَدْخُولٍ بها فيه، فأَوْجَبَ عِدَّةً كَامِلَةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْهُ طَلاقٌ؛ وهذا لأنَّ الطَّلْقَةَ الأُولَى شَعَّثَتِ النِّكاحَ، والرَّجْعَةَ لَمَّتْ شَعَثَهُ، وقَطَعَتْ عَملَ الطَّلاقِ، فصارَ الطَّلاقُ الثَّانِى فى نِكاحٍ غيرِ مُشَعَّثٍ مَدْخُولٍ بها فيه، فأَوْجَبَ عِدَّةً كالأَوَّلِ، وكما لو ارْتَدَّتْ ثم أَسْلَمَتْ ثم طَلَّقَهَا، فَإنَّها تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً، كذا ههُنا. ويُفارِقُ الطَّلاقَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. فإنَّهُ جاءَ بَعْدَ طَلاقٍ مُفْضٍ إلى بَيْنُونَةٍ. فإنْ راجَعَها ثم دخَلَ بها، ثم طَلَّقَها، فإنَّها تَسْتَأْنِفُ عِدَّةٌ بِغيرِ اخْتِلافٍ بينَ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ صار كالنَّاكِحِ ابْتِداءً إذا وَطِئَ. فصل: وإِنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ، أو فُسِخَ النِّكَاحُ ثم نَكَحَها فِى عِدَّتِها، ثم طَلَّقَها؛ فإنْ كان دَخَلَ بها، فعليها الْعِدَّةُ، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ فى نِكاحٍ مَدْخُولٍ بها فيه، لم يَتَقَدَّمْهُ طَلاقٌ سِوَاهُ. وإِنْ لم يكنْ دَخَلَ بها، بَنَتْ على العِدَّةِ الْأُولَى، فى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وعنه، أنَّها تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِن الرَّجْعَةِ، ولو طَلَّقَها بعدَ الرَّجْعَةِ، اسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ، فههُنا أَوْلَى. ولَنا، أَنَّهُ طَلاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لم يُصِبْها فيه، فلم تَجِبْ به عِدَّةٌ، كما لو نَكَحَها بعدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِها. وفارَقَ الرَّجْعَةَ؛ لأنَّها رَدَّتِ الْمَرْأَةَ إلى النِّكاحِ الأَوَّلِ، فكان الطَّلاقُ الثَّانِى فى نِكاحٍ اتَّصَلَ به الدُّخُولُ، وهذا النِّكاحُ جَدِيدٌ بعدَ البَيْنُوَنَةِ مِن الأوَّلِ (٥)، ولم يُوجَدْ فيه دُخُولٌ، فأشْبَهَ التَّزْوِيجَ بعدَ قَضاءِ العِّدَّةِ. وأمَّا بِناؤُها على العِدَّةِ الأُولَى، فلِأنَّها إنَّما قُطِعَ فى (٦) حُكْمِها النِّكاحُ، وقد زالَ، فيَعُودُ إليها. ولو أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ثم أسْلَمَ فى عِدَّتِها، أو أسْلَمَ هو ثم أَسْلَمَتْ هى فى عِدَّتِها، وطَلَّقَها قبلَ وَطْئِه أو بَعْدَهُ، أو ارْتَدَّتْ ثم أَسْلَمَتْ ثم طَلَّقَهَا، فعليها عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ فِى نِكاحٍ وَطِئَ فيه، أشْبَهَ الطَّلاقَ فى النِّكَاحِ الأَوَّلِ. فصل: ومتى وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، وقَلْنا: إِنَّ الوَطْءَ لا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، فعليها أَنْ

стр. 5534

تَسْتَأْنِفَ العِدَّةَ مِن الْوَطْءِ، ويَدْخُلُ فيها بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلاقِ؛ لِأَنَّهما عِدَّتانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فتَدَاخَلَتا (٧)، كما لو طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فلم تَنْقَض عِدَّتُهَا حتى طَلَّقَهَا، وله ارْتِجَاعُها فى بَقِيَّةِ العِدَّةِ الأُولَى؛ لأَنَّها عِدَّةٌ مِن الطَّلاقِ، فَإِذَا مَضَت البَقِيَّةُ، لم يَكُنْ له ارْتِجَاعُها فى بَقِيَّةِ عِدَّةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها عِدَّةٌ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فإِنْ حَبِلَتْ مِن الوَطْءِ، صَارَتْ فى عِدَّةِ الوَطْءِ، وتَدْخُلُ فيها البَقِيَّةُ الأُولَى؛ لِأَنَّهُما (٨) عِدَّتانِ لِوَاحِدٍ، فأشْبَهَ ما لو كانا بالأقْرَاءِ، وتَنْقَضِى العِدَّتانِ جَمِيعًا بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ لأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ، وله مُراجَعَتُها قبلَ وَضْعِه؛ لأنَّها فى عِدَّةٍ مِن الطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَتَدَاخَلَا؛ لأَنَّهما مِن جِنْسَيْنِ. فعلى هذا تَصِيرُ مُعْتَدَّةً مِن الوَطْءِ خاصَّةً. وهلْ له رَجْعَتُها فى مُدَّةِ الحَمْلِ؟ على وَجْهَيْنِ، مَضَى تَوْجِيهُهُما فيما إِذا حَمَلَتَ مِنْ وَطْءِ زَوْجٍ ثَانٍ (٩)، فإذا وَضَعَتْ أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلاقِ، وله ارْتِجَاعُها فى هذه البَقِيَّةِ؛ لأنَّها مِنْ عِدَّةِ الطَّلاقِ. ولو طَلَّقَها حامِلًا، ثم وَطِئَها، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الحَمْلِ منهما جَمِيعًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَسْتَأْنِفَ عِدَّةً لِلوَطْء (١٠) بعدَ وَضْعِ الحَمْلِ؛ لمَا ذَكَرْنَا. ولا رَجْعَةَ له بعدَ وَضْعِ الحَمْلِ فى هذه الصُّورَةِ بِكُلِّ حالٍ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا الْفَصْلِ كُلِّه على مَا ذَكَرْنا سواءً. ١٢٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَهَا، ثُمَّ أَشْهَدْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَلَا يُصِيُبَها حَتَّى تَنْقَضِى عِدَّتُهَا فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخرَى هِىَ زَوْجَةُ الثَّانِى) وجُمْلَةُ ذلك، أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذا رَاجَعَها، وهى لا تَعْلَمُ، صَحَّتِ الْمُرَاجَعَةُ (١)؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى رِضَاها، فلم تَفْتَقِرْ إلى عِلْمِها كَطَلَاقِها. فإِذا رَاجَعَها ولم تَعْلَمْ،

стр. 5535

فانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتَزَوَّجَتْ (٢)، ثم جاءَ وادَّعَى أنَّه كان راجَعَها قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وأقامَ (٣) البَيِّنَةَ على ذلك، ثَبَتَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنَّ نِكاحَ الثَّانِى فاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غيرِه، وتُرَدُّ إِلى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بها الثَّانِى أو لم يَدْخُلْ بها. هذا هو الصَّحِيحُ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وعن أبى عبدِ اللَّهِ، ﵀. رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إِنْ دَخَلَ بها الثَّانِى فهى امْرَأَتُهُ، ويَبْطُلُ نِكاحُ الْأَوَّلِ (٤). رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قَوْلُ مالِكٍ. ورُوِىَ مَعْناهُ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، ونَافِعٍ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما عَقَدَ عليها، وهى مِمَّنْ يجوزُ له العَقْدُ عليها فى الظَّاهِرِ، ومع الثَّانى مَزِيَّةُ الدُّخُولِ، فقُدِّمَ بها. ولنا، أَنَّ الرَّجْعَةَ قد صَحَّتْ، وتَزَوَّجَتْ وهى زَوْجَةُ الأَوَّلِ، فلم يَصِحَّ نِكَاحُها، كما لو لم يُطَلِّقْها. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنْ كان الثَّانِى ما دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينهما، ورُدَّتْ إلى الْأَوَّلِ، ولا شىءَ على الثَّانِى. وإِنْ كان دَخَلَ بها، فلها عليهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لأنَّ هذا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَتَعْتَدُّ، ولا تَحِلُّ للأوَّلِ حتى تَنْقَضِىَ (٥) عِدَّتُها منه. وإِنْ أقَامَ البَيِّنةَ قبْلَ دُخُولِ الثَّانِى بها، رُدَّتْ إلى الأَوَّلِ، بِغيرِ خِلافٍ فى المَذْهَبِ. وهو إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مالِكٍ. وأمَّا إِنْ تَزَوَّجَها مع عِلْمِها بِالرَّجْعَةِ، أو عِلْمِ أَحَدِهما، فالنِّكاحُ باطِلٌ بغَيرِ خِلافٍ، والوَطْءُ مُحَرَّمٌ على مَنْ عَلِمَ منهما (٦)، وحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِى فى الحَدِّ وغيرِه؛ لأَنَّهُ وَطِئَ امْرِأَةَ غيرِه مع عِلْمِهِ. فأمَّا إِنْ لم يَكُنْ لِمُدَّعِى الرَّجْعَةِ بَيِّنَةٌ، فأنْكَرَهُ أَحَدُهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، ولكنْ إنْ أنْكَرَاهُ (٧) جَمِيعًا، فالنِّكاحُ صحيحٌ فى حَقِّهِما (٨)، وإن اعْتَرَفا له بِالرَّجْعَةِ، ثَبَتَتْ،

стр. 5536

والحُكْمُ فيه كما لو قامَتْ به البَيِّنَةُ سَوَاءً. وإِنْ أَقَرَّ له الزَّوْجُ وَحْدَه، فقد اعْتَرَفَ بِفَسادِ نِكاحِهِ، فتَبِينُ منه، وعليه مَهْرُها إنْ كان بعدَ الدُّخُولِ، أو نِصْفُه إِنْ كان قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لا يُصَدَّقُ على المَرْأَةِ فى إِسْقاطِ حَقِّها عنه، ولا تُسَلَّمُ المَرْأَةُ إلى المُدَّعِى؛ لأنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ الثَّانِى عليها، وإِنَّما يَلْزَمُهُ فى حَقِّهِ، ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهَا. وهل هو مع يَمِينِها أو لا؟ على وَجْهَيْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّها لا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّها لو أَقَرَّتْ، لم يُقْبَلْ إِقْرَارُها، فإِذَا أَنْكَرَتْ، لم تَجِبِ الْيَمِينُ بإنْكارِها. وإنِ اعْتَرَفَت الْمَرْأَةُ وأَنْكَرَ الزَّوْجُ، لم يُقْبَلِ اعْتَرَافُهَا على الزَّوْجِ فى فَسْخِ نِكاحِه (٩)؛ لِأَنَّ قَوْلَها إِنَّما يُقْبَلُ على نَفْسِها فى حَقِّها. وهل يُسْتَحْلَفُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهما، لا يُسْتَحْلَفُ. اخْتارَهُ القاضى؛ لأَنَّهُ دَعْوَى فى النِّكاحِ، فلم يُسْتَحْلَفْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فأنْكَرَتْهُ. والثَّانى، يُسْتَحْلَفُ. قال القاضى: وهو قَوْلُ الخِرَقِىِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "وَلكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٠). ولأَنَّهُ دَعْوَى فى حَقِّ آدَمِىٍ، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالمَالِ. فإنْ حَلَفَ فيَمِينُه على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّهُ على نَفْىِ فِعْلِ الغَيْرِ. فإنْ زالَ نِكَاحُهُ بِطَلاقٍ، أَو فَسْخٍ، أو مَوْتٍ، رُدَّتْ إلى الأَوَّلِ مِنْ غيرِ عَقْدٍ؛ لأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَدِّهَا إِنَّما كان لِحَقِّ الثَّانى، فَإِذا زَالَ، زالَ (١١) المانِعُ (١٢)، وَحُكِمَ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الأَوَّلِ، كما لو شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عبدٍ ثم اشْتَرَاهُ، عَتَقَ عليه. ولا يَلْزَمُها لِلْأَوَّلِ مَهْرٌ بِحَالٍ. وذَكَرَ القاضى، أَنَّ عليها له مَهْرًا. وهو قَوْلُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها أَقَرّتْ أنَّها حَالَتْ بينه وبين بَعْضِهَا (١٣) بِغيرِ حَقٍّ، فَأشْبَهَ شُهُودَ الطَّلاقِ إِذا رَجَعُوا. ولَنا، أَنَّ مِلْكَها اسْتَقَرَّ على المَهْرِ، فلم يَرْجِعْ به عليها، كما لو ارْتَدَّتْ، أو أسْلَمَتْ، أو قَتَلَتْ نَفْسَها، فإنْ ماتَ الأوَّلُ وهى فى نِكاحِ الثَّانِى، فيَنْبَغِى

стр. 5537

أَنْ تَرِثَهُ؛ لإِقْرَارِهِ بِزَوْجِيَّتِهَا، أو إقْرَارِها بذلك. وإِنْ ماتَتْ، لم يَرِثْها؛ لأنَّها لا تُصَدَّقُ فى إبْطالِ مِيراثِ الزَّوْجِ الثَّانِى، كما لو تُصَدَّقْ فى إبْطالِ نِكاحِه، ويَرِثُها الزَّوْجُ الثَّانى؛ لذلك. وإِنْ ماتَ الزَّوْجُ الثَّانِى، لم تَرِثْهُ؛ لأَنَّها تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكاحِه فتُنْكِرُ مِيرَاثَهُ. ١٢٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (١)، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَتَتْهُ فَذَكَرَتْ أَنَّها نَكَحَتْ مَنْ أصَابَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُمكِنًا، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا إِذَا كَانَ يَعْرِف مِنْهَا الصِّدْقَ وَالصَّلَاحَ، وإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدهُ فى هَذِهِ الحَالِ، لَمْ ينْكِحْهَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدهُ قَوْلُها) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ المُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ، إذا مَضَى زَمَنٌ بعدَ طَلَاقِها، يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتَيْنِ بينهما نِكاحٌ ووَطْءٌ، فأخْبَرَتْهُ بذلك، وغَلَبَ على ظَنِّهِ صِدْقُها؛ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِ بأَمانَتِها، أو بِخَبَرِ غيرِها مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا، فله أَنْ يَتَزَوَّجَها، فى قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ الْعِلْمِ؛ منهم الْحسنُ، وقتادةُ (٢)، والأَوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ وذلك لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُؤْتَمَنَةٌ على نَفْسِها، وعلى مَا أَخْبَرَتْ به عنها، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ هذه الْحالِ على الْحَقِيقَةِ إِلَّا مِنْ جِهَتِها، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إِلى قَوْلِهَا، كما لو أَخْبَرَتْ بانْقِضاءِ عِدَّتِها. فأمَّا إِنْ لَمْ يَعْرِفْ ما يَغْلِبُ على ظَنِّهِ صِدْقُها، لم يَحِلَّ له نِكاحُها. وقال الشَّافِعِىُّ: له نِكاحُها؛ لما ذَكَرْنا أَوَّلًا، والْوَرَعُ أَنْ لا يَنْكِحَها. ولَنا، أَنَّ الأصْلَ التَّحْرِيمُ، ولم يُوجَدْ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَنْقُلُ عنه، فوَجَبَ البَقَاءُ عليه، كما لو أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ عنها. فصل: وإذا أخْبَرَتْ أَنَّ الزَّوْجَ أصابَها، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُهَا فى حِلِّها لِلْأوَّلِ، والْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فى المَهْرِ، ولا يَلْزَمُهُ إِلَّا نِصْفُهُ إذا لم يُقِرَّ بالْخَلْوَةِ بها. فإِنْ قال الزَّوْجُ

стр. 5538

الْأَوَّلُ: أنا أعْلَمُ أَنَّهُ ما أَصَابها. لم يَحِلَّ له نِكَاحُهَا؛ لأَنَّهُ يُقِرُّ على نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِها. فإِنْ عادَ فأكْذَبَ نَفْسَه وقال: قد عَلِمْتُ صِدْقَهَا. دِينَ فيما بينه وبين اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ الْحِلَّ والحُرْمَةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تعالى. فإِذا عُلِمَ حِلُّها (٣) له، لم تَحْرُمْ بكَذِبِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ولأَنَّهُ قد يَعْلَمُ ما لم يَكُنْ عَلِمَهُ. ولو قال: ما أَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَها. لم تَحْرُمْ عليه بهذا؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ فى حِلِّهَا له خَبَرٌ يَغْلِبُ على ظَنِّهِ صِدْقُها (٤)، لا حَقِيقَةُ العِلْمِ. فصل: وإذا طَلَّقَهَا طَلاقًا رَجْعِيًّا، وغابَ، وقَضَتْ عِدَّتَهَا، وأَرَادَتْ التَّزَوُّجَ، فقال وَكِيلُهُ: تَوَقَّفِى كَيْلَا يكونَ رَاجَعَكِ. لم يَجِبْ عليها التَّوَقُّفُ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، وَحِلُّ النِّكَاحِ، فلا يَجِبُ الزَّوَالُ عنه بأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه، ولأنَّهُ (٥) لو وَجَبَ عليها التَّوَقُّفُ فى هذه الْحَالِ، لَوَجَبَ عليها التَّوَقُّفُ قَبْلَ قَوْلِهِ؛ لأنَّ احْتِمَالَ الرَّجْعَةِ مَوْجُودٌ، سَوَاءٌ قال أو لم يَقُلْ، فَيُفْضِى إلى تَحْرِيمِ النِّكاحِ على كلِّ رَجْعِيَّةٍ غابَ عنها (٦) زَوْجُها أَبَدًا. فصل: فإذا قالتْ: قد تَزَوَّجْتُ مَنْ أصَابَنِى. ثم رَجَعَتْ عن ذلك قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عليها، لم يَجُزِ الْعَقْدُ؛ لأنَّ الخَبرَ المُبِيحَ لِلْعَقْدِ قد زالَ، فزَالَتِ الإِباحَةُ. وإِنْ كان بعدَ ما عَقَدَ عليها، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ ذلك إبْطالٌ لِلْعَقْدِ الذى لَزِمَها بِقَوْلِها، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، فأَقَرَّتْ له بذلك، ثم رَجَعَتْ عن الإِقْرَارِ.

стр. 5539

المغنى لمُوَفَّق الدين أبى محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسىّ الجماعيلى الدِّمَشْقىّ الصَّالحِىّ الحَنْبَلِىّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركى الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الحادى عشر دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 5540

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5541

المغنى

стр. 5542

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 5543

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الإِيلاءِ الإِيلاءُ فى اللُّغَةِ: الحَلِفُ. يقالُ: آلَى يُولِى إيلاءً وألِيَّةً. وجَمْعُ الأَلِيَّةِ أَلايَا، قال الشَّاعِرُ (١): قَلِيلُ الأَلَايَا حافِظٌ لِيَمينِهِ ... إذا صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ ويُقالُ: تَأَلَّى يَتَأَلَّى. وفى الخَبَرِ: "مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ". فأمَّا الإِيلاءُ فى الشَّرْعِ، فهو الحَلِفُ على تَرْكِ وَطْءِ المَرْأَةِ. والأصْلُ فِيهِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٢). وكان أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ وابنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ: "يُقْسِمُونَ" (٣). ١٢٩٨ - مسألة؛ قال: (وَالْمُولِى الَّذِى يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنْ لَا يَطَأَ زوْجَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) وجُملتُهُ أَنَّ شُرُوطَ الإِيلاءِ أَرْبَعَةٌ؛ أحدُها، أَنْ يَحْلِفَ باللَّهِ تعالى أو بِصِفَةٍ مِنْ صِفاتِه. ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ فى أَنَّ الحَلِفَ بذلك إِيلاءٌ. فأمَّا إنْ حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ بغيرِ هذا، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ بِطَلاقٍ، أو عَتاقٍ، أو صَدَقةِ المَالِ، أو الْحَجِّ، أو الظِّهَارِ، ففيه رِوَايَتانِ؛ إِحْدَاهما، لا يكونُ مُولِيًا. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ القَدِيمِ. والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، هو مُولٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قال: كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعَها، فهى إِيلاءٌ (١).

стр. 5544

وبذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأَهْلُ الْحِجَازِ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وأهْلُ الْعِراقِ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّهَا يَمِينٌ مَنَعَتْ جِمَاعَها فكانتْ إِيلاءً، كالحَلِفِ بِاللَّهِ تعالى، ولأنَّ تَعْلِيقَ الطَّلاقِ والعَتاقِ على وَطْئِها حَلِفٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو قال: متى حَلَفْتُ بطلاقِكِ، فأنْتِ طَالِقٌ. ثم قال: إنْ وَطِئْتُكِ، فأنْتِ طالِقٌ. طَلُقَتْ فى الحالِ. وقال أبو بكرٍ: كُلُّ يَمِينٍ مِنْ حَرَام أو غيرِها، يَجِبُ بها كَفَّارَةٌ، يكونُ الحَالِفُ بها مُولِيًا. وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فليس الحَلِفُ به إيلاءً؛ لأنَّهُ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ آدَمِىٍّ، وما أَوْجَبَ كَفَّارةً تَعَلَّقَ بها حَقُّ اللَّه تعالى. والرِّوَايَةُ الأُولَى هى المَشْهُورَةُ؛ لأَنَّ الإِيلاءَ المُطْلَقَ إِنَّما هو القَسَمُ، ولهذا قَرأَ أُبَىٌّ وابنُ عَبَّاسٍ: "يُقْسِمُونَ". مكانَ: ﴿يُؤْلُونَ﴾. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ فى تَفْسِيرِ ﴿يُؤْلُونَ﴾. قال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ. هكذا ذَكَرَهُ الإِمامُ أحمدُ. وَالتَّعْلِيقُ بشَرْطٍ ليس بقَسَمٍ، ولهذا لَا يُؤْتَى فيه بحَرْفِ القَسَمِ، ولا يُجَابُ بِجَوَابِه، ولا يَذْكُرُهُ أهلُ العَرَبِيَّةِ فى بابِ القَسَمِ، فلا يكونُ إِيلاءً، وإِنَّما يُسَمَّى حَلِفًا تَجَوُّزًا، لِمُشارَكَتِه القَسَمَ فى الْمَعْنى الْمَشْهُورِ فى الْقَسَمِ، وهو الْحَثُّ على الفِعْلِ أَو الْمَنْعُ منه، أو تَوْكِيدُ الخَبَرِ، والْكلامُ عند إِطْلاقِه لِحَقِيقَتِهِ؛ وَيَدُلُّ على هذا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وإِنَّمَا يَدْخُلُ الْغُفْرانُ فى اليَمِينِ بِاللَّهِ. وأيْضًا قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ" (٣). وقولُه: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ غَيْرَ

стр. 5545

القَسَمِ حَلِفٌ، لكنِ الْحَلِفُ بإِطْلاقِهِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلى القَسَمِ، وإِنَّمَا يُصْرَفُ إِلى غيرِ القَسَمِ بدَلِيلٍ، ولا خِلافَ فى أَنَّ القَسَمَ بِغيرِ اللَّهِ تعالى وصِفَاتِهِ لا يكونُ إيلاءً؛ لأنَّه لا يُوجِبُ كَفَّارَةً ولا شَيْئًا يَمْنَعُ مِنَ (٥) الْوَطْءِ، فلا يكونُ إِيلاءً، كالخَبَرِ بغيرِ قَسَمٍ (٦). وإذا قُلْنا بِالرِّوَايَةِ الثَّانيةِ فلا يكونُ مُولِيًا (٧) إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ بما يَلْزَمُه بالحِنْثِ فيه (٨) حَقٌّ، كقولِه: إنْ وَطِئْتُكِ فعَبْدِى حُرٌ. أو: فأنْتِ طالِقٌ. أو: فَأنْتِ علىَّ (٩) كظَهْرِ أمِّى. أو: فأنْتِ علىَّ حَرامٌ. أو: فلِلَّهِ علىَّ صَوْمُ سَنَةٍ أو الحَجُّ أو صَدَقَةٌ. فهذا يكونُ إِيلاءً؛ لأنَّهُ يَلْزَمُهُ بِوَطْئِها حَقٌّ يَمْنَعُهُ مِنْ وَطْئِهَا خَوْفُهُ مِن وُجُوبِه. وإِنْ قال: إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّهُ لا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ، ولا يَصِيرُ قَاذفًا بالْوَطْءِ؛ لأنَّ القَذْفَ لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ، ولا يجوزُ أَنْ تَصِيرَ زَانِيَةً بِوَطْئِهِ لها، كما لا تَصِيرُ زَانِيَةً بِطُلُوعِ الشمسِ. وإِنْ قال: إِنْ وَطِئتُكِ، فلِلَّهِ علىَّ صَوْمُ هذا الشَّهْرِ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّهُ لو وَطِئَهَا بعدَ مُضِيِّه، لم يَلْزَمْهُ حَقٌّ، فَإِنَ صَوْمَ هذا الشَّهْرِ لا يُتَصَوَّرُ بعدَ مُضِيِّهِ، فلا يُلْزَمُ بالنَّذْرِ، كما لو قال: إِنْ وَطِئْتُكِ، فلِلَّهِ علىَّ صَوْمُ أَمْسِ. وإِنْ قال: إِنْ وَطِئْتُكِ، فَلِلَّهِ علىَّ أَنْ أُصَلِّىَ عشرين رَكْعَةً. كان مُولِيًا. وقال أبو حَنِيفةَ: لا يكونُ مُولِيًا؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا يَتَعَلّقُ بِها مَالٌ، ولا تَتَعَلَّقُ بِمَالٍ، فلَا يكونُ الحَالِفُ بها مُولِيًا، كما لو قال: إِنْ وَطِئْتُكِ، فَلِلَّهِ علَىَّ أَنْ أَمْشِىَ فى السُّوقِ. ولَنا، أَنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ بالنَّذْرِ، فكانَ الحَالِفُ بِهَا مُولِيًا، كالصَّوْمِ والحَجِّ، وما ذَكَرَهُ (١٠) لَا يَصِحُّ؛ فإنَّ الصَّلاةَ تَحْتاجُ إلى المَاءِ والسُّتْرَةِ. وأمَّا الْمَشْىُ فى السُّوقِ، فقياسُ المَذهبِ عَلى هذه الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ يكونُ مُولِيًا؛

стр. 5546

لأَنَّهُ يَلْزَمُه بالحِنْثِ فى هذا النَّذْرِ أحدُ شَيْئَيْن؛ إمَّا الكَفَّارَةُ، وإمَّا المَشْىُ، فقد صارَ الحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عليه، فعلى هذا يَكونُ مُولِيًا بِنَذْرِ فِعْلِ المُباحاتِ والمَعاصِى أيضًا، فإِنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ مُوجِبٌ لِلكفَّارَةِ فى ظاهِرِ المذهبِ، وإِنْ سَلَّمْنَا، فالْفَرْقُ بينهما أَنَّ المَشْىَ لا يَجبُ بِالنَّذْرِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإذا اسْتَثْنَى فى يَمِينِهِ، لم يكنْ مُولِيًا فى قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالحِنْثِ، فلم يكنِ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عليه. وهذا إذا كانتِ اليَمِينُ بِاللَّهِ تعالى، أو كانتْ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، فأمَّا الطَّلاقُ والعَتَاقُ، فمَنْ جَعَلَ الاسْتِثْناءَ فيهما غيرَ مُؤَثِّرٍ، فوُجُودُهُ كعَدَمِهِ، ويكونُ مُولِيًا بهما، سَوَاءٌ اسْتَثْنَى أو لم يَسْتَثْنِ. فصل: الشَّرْطُ الثَّانِى، أَنْ يَحْلِفَ على تَرْكِ الْوَطْءِ أكْثَرَ مِنْ أربعةِ أشْهُرٍ. وهذا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وطاوُسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ (١١). وقال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: إِذَا حَلَفَ على أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فما زادَ، كانَ مُولِيًا. وحَكَى ذلك القاضى وأبو الحسينِ رِوَايَةً عن أحمدَ؛ لأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن الْوَطْءِ بِاليَمِينِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فكانَ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ على ما زادَ. وقال النَّخَعِىُّ، وقَتَادَةُ، وحَمَّادٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، وإِسحاقُ: مَنْ حَلَفَ على تَرْكِ الْوَطْءِ فى قَلِيلٍ مِن الأوْقاتِ أو كَثِيرٍ، وتَركَهَا (١٢) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فهو مُولٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١٣). وهذا مُولٍ؛ فَإنَّ الإِيلاءَ الحَلِفُ، وهذا حَالِفٌ. ولَنا، أَنَّهُ لم يَمْنَعْ نَفْسَهُ مِنَ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَكْثَرَ مِنْ أَربَعَةِ أشْهُرٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ على تَرْكِ قُبْلَتِها. والآيَةُ حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه جَعَلَ له تَرَبُّصَ أَربَعَةِ أشْهُرٍ، فإذا حَلَفَ على أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أو ما دُونَها، فلا مَعْنَى لِلتَّرَبُّصِ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإِيلاءِ تَنْقَضِى قبلَ ذلك أو مع (١٤) انْقِضائِه. وتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَقْتَضِى كَوْنَه فى مُدَّةٍ تَناوَلَها

стр. 5547

الإِيلاءُ، ولأنَّ المُطالَبَةَ إنَّما تكونُ بعدَ [أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ] (١٥)، فَإِذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بِأَرْبَعَةٍ فما دُونَ، لم تَصِحَّ المُطالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إِيلاءٍ، وأبو حَنِيفَةَ ومَن وَافَقَه بَنَوْا ذلك على قَوْلِهم فى الفَيْئَةِ أنَّها تكونُ فى مُدَّةِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (١٦)، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ (١٧). فَعَقَّبَ (١٨) الفَيْئَةَ (١٩) عَقِيبَ التَّرَبُّصِ بفاءِ التَّعْقِيبِ، فيَدُلُّ على تَأَخُّرِها عنه. إذا ثَبَتَ هذا، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ المُولِىَ مَنْ يَحْلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ أَبَدًا أو مُطْلَقًا (٢٠)؛ لأنَّه إذا حَلَفَ على ما دُونَ ذلك (٢١)، أمْكَنَه التَّخَلُّصُ بغيرِ حِنْثٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ لا وَطِئَها فى مدينةٍ بعَيْنِها. ولَنا، أَنَّه لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ بعدَ التَّرَبُّصِ مِن يَمِينِه بغيرِ حِنْثٍ، فأشْبَهَ المُطَلَّقَةَ، بخِلافِ اليَمِينِ على مدينةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإِنَّه يُمْكِنُه (٢٢) التَّخَلُّصُ بغيرِ الحِنْثِ (٢٣)، ولأنَّ الأَرْبَعَةَ الأشْهُرَ مُدَّةٌ تَتَضَرَّرُ المَرْأَةُ بتَأْخِيرِ الوَطْءِ عنها، فإِذا حَلَفَ على أكْثَرَ منها كان مُولِيًا كالأبَدِ. ودَلِيلُ الوَصْفِ مَا رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يطُوفُ لَيْلَةً فى المَدِينَةِ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تقولُ (٢٤): تَطَاوَلَ هَذا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جانِبُه ... وَلَيْسَ إِلَى جنْبِى خَلِيلٌ أُلاعِبُهْ فَوَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ لا شَىْءَ غَيْرُه ... لَزُعْزِعَ مِنْ هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ

стр. 5548

مَخافَةُ رَبِّى والحَياءُ يَكُفُّنِى ... وأُكْرِمُ بَعْلى أَنْ تُنالَ مَراكِبُهْ فسألَ عمرُ نِساءً: كم تَصْبِرُ المَرْأَةُ عن الزَّوْجِ؟ فَقُلْنَ: شَهْرَيْنِ، وفى الثَّالثِ يَقِلُّ الصَّبْرُ، وفى الرَّابِع ينْفَدُ الصَّبْرُ. فكتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أَنْ لا تَحْبِسُوا رَجُلًا عن امْرَأَتِه أَكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فصل: وإذا عَلَّقَ الإِيلاءَ بِشَرْطٍ مُسْتَحيلٍ، كقولِه: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَصْعَدِى السَّماءَ، أو تَقْلِبى الحَجَرَ ذَهَبًا، أو يَشِيبَ الغُرابُ. فهو مُولٍ؛ لأنَّ معنى ذلك تَرْكُ وَطْئِها؛ فإنَّ ما يُرادُ إِحالَةُ وُجُودِه يُعَلَّقُ على المُسْتَحِيلاتِ. قال اللَّهُ تعالى فى الكُفَّارِ: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢٥). ومَعْناه لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا. وقال بعضهم (٢٦): إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أَهْلى ... وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ حتى تَحْبَلِى. فهو مُولٍ؛ لِأَنَّ حَبَلَها بغيرِ وَطْءٍ مُسْتَحِيلٌ عادَةً، فهو كصُعُودِ السَّماءِ. وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشَّافِعِىِّ: ليس بِمُولٍ إِلَّا أَنْ تكونَ صَغِيرَةً يَغْلُبُ على الظَّنِّ أنَّها لا تَحْمِلُ فى أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أو آيِسَةً، فأمَّا إنْ كانتْ مِنْ ذواتِ الأقْراءِ، فلا يكونُ مُولِيًا؛ لأنَّه يُمْكِنُ حَمْلُها. قال القاضى: وإذا كانَتِ الصَّغِيرَةُ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ (٢٧)، لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّ حَمْلَها مُمْكِنٌ. ولَنا، أَنَّ الحَمْلَ بِدُونِ الوَطْءِ مُسْتَحِيلٌ عادَةً، فكانَ تَعْلِيقُ اليَمِينِ عليه إِيلاءً، كصُعُودِ السَّماءِ. ودليلُ اسْتِحالَتِه قَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢٨). وقولُهم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ

стр. 5549

بَغِيًّا﴾ (٢٩). ولولا اسْتِحالَتُه لَمَا نَسَبُوها إلى البِغاءِ بوُجُودِ (٣٠) الوَلَدِ، وأيضا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى وقد أَحْصَنَ، إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ (٣١). ولأنَّ العادَةَ أَنَّ الحَبَلَ لا يُوجَدُ مِن غيرِ وَطْءٍ. فإنْ قالوا: يُمْكِنُ حَبَلُها مِنْ وَطْءِ غيرِه (٣٢)، أو باسْتِدْخالِ مَنِيِّه. قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ فإنَّه لو صَرَّحَ به فقالَ: لا وَطِئْتُكِ حتى تَحْبَلِى مِن غيرِى. أو: ما دُمْتِ فى نِكاحِى. أو: حتى تَزْنِى. كان مُولِيًا، ولو (٣٣) صَحَّ ما ذَكَرُوه لم يكنْ مُولِيًا. وأمَّا الثَّانى فهو مِن المُسْتَحِيلاتِ عادَةً، إِنْ وُجِدَ كان مِنْ خَوارِقِ العاداتِ، بدَلِيلِ ما ذَكَرْناه. وقد قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ المَنِىَّ إِذا بَرَدَ لم يُخَلَّقْ منه وَلَدٌ. وصَحَّحَ قَوْلَهم قِيامُ الأَدِلَّةِ الَّتى ذَكَرْنا بَعْضَها، وجَرَيانُ العادَةِ على وَفْقِ ما قالُوه. وإذا كان تَعْلِيقُه على مَوْتِه أو مَوْتِها أو مَوْتِ زَيْدٍ إِيلاءً، فَتَعْلِيقُه على حَبَلِها بغيرِ وَطْءٍ أوْلَى. وإِنْ قال: أرَدْتُ بِقَوْلِى: حَتَّى تَحْبَلِى. السَّبَبِيَّةَ، ولم أُرِدِ الغَايَةَ. ومعناه لا أَطَأُكِ لِتَحْبَلِى. قُبِلَ منه، ولم يكنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّه ليس بِحَالِفٍ على تَرْكِ الوَطْءِ، وإِنَّما هو حالِفٌ على قَصْدِ تَرْكِ الحَبَلِ بِهِ، فإِنَّ حتى تُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ. فصل: وإِنْ عَلَّقَهُ على غيرِ مُسْتَحِيلٍ، فذلك على خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ أحَدُها، ما

стр. 5550

يُعْلَمُ أَنَّه لا يُوجَدُ قبلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كقِيامِ السَّاعَةِ، فإنَّ لَها عَلاماتٍ تَسْبِقُها، فلا يُوجَدُ ذلك فى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. وكذلك إِنْ قال: حتى تَأْتِىَ الهِنْدَ. أو نَحْوَه. فهذا مُولٍ؛ لأنَّ يَمِينَه على أَكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. الثَّانِى، ما الغالِبُ أنَّه لا يُوجَدُ فى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كخُرُوجِ الدَّجَّالِ، والدَّابَّةِ، وغيرِهما مِن أشْراطِ السَّاعَةِ، أو يقول: حتى أمُوتَ. أو: تَمُوتِى. أو: يَمُوتَ وَلَدُكِ. أو: زَيْدٌ. أو: حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِن مَكَّةَ. وَالعَادَةُ أَنَّه لا يَقْدَمُ فى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فيكونُ (٣٤) مُولِيًا؛ لأَنَّ الغالِبَ أَنَّ ذلك لا يُوجَدُ فى أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ فى نِكَاحِى هذا. وكذلك لو عَلَّقَ الطَّلاقَ على مَرَضِها، أو مَرَضِ إِنْسانٍ بِعَيْنِه. الثَّالِثُ، أَنْ يُعَلِّقَه على أمْرٍ يَحْتَمِلُ الوُجُودَ فى أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يُوجَدَ، احْتِمَالًا مُتَساوِيًا، كقُدُومِ زَيْدٍ مِن سَفَرٍ قَرِيبٍ، أو مِنْ سَفَرٍ لا يُعْلَمُ قَدْرُه، فهذا ليس بإِيلاءٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ حَلِفُه على أَكْثَرَ مِن أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ولا يُظَنُّ ذلك. الرَّابِعُ، أَنْ يُعَلِّقَه على ما يُعْلَمُ أنَّه يُوجَدُ فى أَقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أو يُظَنُّ ذلك، كذُبُولِ بَقْلٍ، وجَفافِ ثَوْبٍ، وَمَجِىءِ المَطرِ فى أوانِه، وقُدُومِ الحَاجِّ فى زَمانِه. فهذا لا يكونُ مُولِيًا؛ لِمَا ذَكَرْناه، ولأنَّه لم يَقْصِدِ الْإِضْرارَ بِتَرْكِ وَطْئِها أَكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ شَهْرًا. الخامسُ، أَنْ يُعَلِّقَه على فِعْلٍ منها، هى قادِرَةٌ عليه، أو فِعْلٍ مِنْ غيرِها. وذلك يَنْقَسِمُ أقْسامًا ثلاثةً؛ أحدُها، أَنْ يُعَلِّقَه على فِعْلٍ مُبَاحٍ لا مَشَقَّةَ فيه، كقوْلِه: واللَّهِ لا أطَأُكِ حتى تَدْخُلِى الدَّارَ. أو: تَلْبَسِى هذا الثَّوْبَ. أو: حتى أتَنَفَّلَ بِصَوْمِ يَوْمٍ. أو: حتى أكْسُوَكِ. فهذا ليس بإيلاءٍ؛ لأنَّه مُمْكِنُ الوُجُودِ بغيرِ ضَرَرٍ عليها فيه، فأشْبَهَ الذى قَبْلَه. والثَّانِى، أَنْ يُعَلِّقَه على مُحَرَّمٍ، كقولِه: واللَّهِ لا أَطَأُكِ حتى تَشْرَبِى الخَمْرَ. أو: تَزْنِى. أو: تُسْقِطِى وَلَدَكِ. أو: تَتْرُكِى صَلاةَ الفَرْضِ. أو: حتى أقْتُل زَيْدًا. أو نحوه. فهذا إِيلاءٌ؛ لأنَّه عَلَّقَه بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا، فأشْبَهَ المُمْتَنِعَ حِسًّا. الثَّالِثُ، أَنْ يُعَلِّقَه على ما على فاعِلِه فيه مَضَرَّةٌ، مثل أَنْ يقولَ: واللَّهِ لا أطَأُكِ حتى تُسْقِطى صَداقَكِ عنِّى. أو:

стр. 5551

حتى تَكْفُلِى وَلَدِى. أو: تَهبِينِى دَارَكِ. أو: حتى يَبِيعَنِى أبوكِ دَارَه. أو: نحو (٣٥) ذلك. فهذا إِيلاءٌ؛ لأَنَّ أخْذَه لِمَالِها أو مالِ غيرِها مِن غيرِ رِضىَ صاحِبِه مُحَرَّمٌ، فجَرَى مَجْرَى شُرْبِ الخَمْرِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أَطَأُكِ حتى أُعْطِيَكِ مالًا. أو: أفْعَلَ فى حَقِّكِ جَمِيلًا. لم يكنْ إيلاءً؛ لأنَّ فِعْلَه لذلك ليس بِمُحَرَّمٍ ولا مُمْتَنِعٍ، فجرَى مَجْرَى قَوْلِه: حتى أصومَ يَوْمًا. فصل: وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إلَّا برِضاكِ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّهُ يُمْكِنُه وَطْأُها بغيرِ حِنْثٍ، ولأَنَّهُ مُحْسِنٌ فى كَوْنِه ألْزَمَ نَفْسَه اجْتنابَ سَخَطِها. وعلى قِياسِ ذلك كُلُّ حالٍ يُمْكِنُه الوَطْءُ فيها بغيرِ حِنْثٍ، كقوْلِه: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ مُكْرَهَةً، أَوْ مَحْزُونَةً. ونحو ذلك، فإنَّه لا يكونُ مُولِيًا. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ مَرِيضَةً. لم يكنْ مُولِيًا لذلك، إلَّا أَنْ يكونَ بها مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أو لا يَزُولُ فى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فيَنْبَغِى أَنْ يكونَ مُولِيًا؛ لأنَّه حالِفٌ على تَرْكِ وَطْئِها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. فإِنْ قال ذلك لها وهى صَحِيحَةٌ، فمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُه قبلَ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لم يَصِرْ مُولِيًا، وإِنْ لم يُرْجَ بُرْؤُه فيها، صارَ مُولِيًا. وكذلك إنْ كان الغالِبُ أنَّه لا يَزُولُ فى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صارَ مُولِيًا؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ ما لا يُرْجَى زَوَالُه. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ حائِضًا. ولا نُفَساءَ، ولا مُحْرِمَةً، ولا صائِمَةً. ونحو هذا، لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ منه شَرْعًا، فقد أكَّدَ مَنْعَ نَفْسِه منه بيَمِينِه. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ طاهِرًا. أو: لا وَطِئْتُكِ وَطْئًا مُباحًا. صارَ مُولِيًا؛ لأنَّه حالِفٌ على تَرْكِ الوَطْءِ الَّذِى يُطالَبُ به فى الفَيْئَةِ، فكان مُولِيًا، كما لو قال: واللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فى قُبُلِكِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ لَيْلًا. أو: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ نَهارًا. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الوَطْءَ يُمْكِنُ بدُونِ الحِنْثِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ فى هذه البَلْدَةِ. أو: فى هذا البَيْتِ. أو نحو ذلك مِن الْأَمكِنَةِ المُعَيَّنَةِ، لم يكنْ مُولِيًا. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعىِّ، والنُّعْمَانِ، وصاحِبَيْهِ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى، وإسْحاقُ: هو

стр. 5552

مُولٍ؛ لأنَّه حالِفٌ على تَرْكِ وَطْئِها. وَلَنا، أنَّه يُمْكِنُ وَطْؤُها بغيْرِ حِنْثٍ، فلم يَكُنْ مُولِيًا، كما لو اسْتَثْنَى فى يَمِينِه. فصل: وإِنْ حَلَفَ على تَرْكِ وَطْئِها عَامًا، ثم كَفَّرَ عن يَمِينِه، انْحَلَّ الإِيلاءُ. قال الأثْرَمُ: قيل لأِبى عبدِ اللَّهِ: المُولِى يُكَفِّرُ عن (٣٦) يَمِينِه قبلَ مُضِىِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؟ قال: يَذْهَبُ عنه الإِيلاءُ، ولا يُوقَفُ بعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ (٣٦)، وذَهَبَ الإِيلاءُ حينَ ذَهَبَتِ اليَمِينُ. وذلك لأنَّه لم يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنَ الوَطْءِ بِيَمِينِه، فأشْبَهَ مَن حَلَفَ واسْتَثْنَى. فإنْ كان تَكْفِيرُه قبلَ مُضِىِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، انْحَلَّ الإِيلاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ، وصارَ كالْحالِفِ على تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. وإِنْ كَفَّرَ (٣٧) بعدَ الأرْبَعَةِ وقبل الوَقْفِ (٣٨)، صارَ كالْحَالِفِ على أكْثَرَ منها، إذا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِه قبلَ وَقْفِه. فصل: فإنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إنْ شاءَ فُلانٌ. لم يَصِرْ مُولِيًا حتى يَشاءَ، فإذا شاء صار مُولِيًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِن الوَطْءِ حتى يشاءَ، فلا يكونُ مُولِيًا حتى يشاءَ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إنْ شِئْتِ. فكذلك. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: إن شاءَتْ على الفَوْرِ جَوَابًا لِكَلامِه صارَ مُولِيًا، وإِنْ أَخَّرَتِ المَشِيئَةَ، انْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّ ذلك تَخْيِيرٌ لها، فكان على الفَوْرِ، كقوْلِه: اخْتارِى فى الطَّلاقِ. ولَنا، أنَّه عَلَّقَ اليَمِينَ على المَشِيئَة بِحَرْفِ إنْ، فكان على التَّراخِى، كمَشِيئَةِ غيرِها. فإنْ قيل: فهَلَّا قُلْتُم: لا يكونُ مُولِيًا؛ فإِنَّه عَلَّقَ ذلك بإرادَتِها، فَأشْبَهَ ما لو قال: لا وَطِئْتُكِ إِلَّا بِرِضاكِ. قُلْنا: الفَرْقُ بينهما، أَنَّها إذا شاءت، انْعَقَدَتْ يَمِينُه مانِعَةً مِنْ وَطْئِها، بحيثُ لا يُمْكِنُه بعد ذلك الوَطْءُ بغَيرِ حِنْثٍ. وإذا قال: واللَّهِ (٣٩) لا وَطِئْتُكِ إِلَّا برِضاكِ. فما حَلَفَ إلَّا على تَرْكِ وَطْئِها فى بعضِ

стр. 5553

الأحْوالِ، وهو حالُ سَخَطِها، فيُمْكِنُه الوَطْءُ فى الحالِ الأُخْرَى بغيرِ حِنْثٍ. وإذا طالَبَتْهُ بِالفَيْئَةِ، فهو بِرِضاها. ولو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ حتى تَشائِى. فهو كقولِه: إِلَّا بِرِضاكِ. ولا يكونُ مُولِيًا بذلك. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ أبوكِ. أو: فُلانٌ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّه عَلَّقَه بفِعْلٍ منه يُمْكِنُ وُجُودُه فى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (٤٠) إمْكانًا غيرَ بَعِيدٍ، وليس بمُحَرَّمٍ، ولا فيه مَضَرَّةٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إلَّا أَنْ تَدْخُلِى الدَّارَ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ إلَّا أَنْ تَشائِى. لم يكنْ مُولِيًا، وكان بمَنْزِلَةِ قوْلهِ: إِلَّا برِضاكِ. أو: حتى تَشائِى. وقال أبو الخَطَّابِ: إنْ شاءتْ فى المَجْلِسِ، لم يَصِرْ (٤١) مُولِيًا، [وإلَّا صارَ مُولِيًا] (٤٢). وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: إنْ شاءتْ على الفَوْرِ عَقِيبَ كَلامِه، لم يَصِرْ مُولِيًا، وإِلَّا صارَ مُولِيًا؛ لأنَّ المَشِيئَةَ عندَهم على الفَوْرِ، وقد فاتتْ بِتَرَاخِيها. وقال القاضى: تَنْعَقِدُ يَمِينُه، فإنْ شاءتِ انْحَلَّتْ، وإِلَّا فهى مُنْعَقِدَةٌ. ولَنا، أنَّه مَنَعَ نَفْسَه بيَمِينِه مِن وَطْئِها إِلَّا عندَ إِرادَتِها، [فأشْبَهَ ما لو قال: إِلَّا بِرِضاكِ. أو: حتى تَشائِى. ولأنَّه عَلَّقَه على وُجُودِ المَشِيئَةِ] (٤٣)، أشْبَهَ ما لو عَلَّقَه على مَشِيئَةِ غيرِها. فأمَّا قولُ القاضى: فإنْ أَرادَ وُجُودَ المَشِيئَةِ على الفَوْرِ. فهو كقَوْلِهِمْ. وإِنْ أرادَ وُجودَ الْمَشِيئَةِ على التَّرَاخِى، تَنْحَلُّ به الْيَمِينُ، لم يكنْ ذلك إِيلاءً؛ لأَنَّ تَعْلِيقَ الْيَمِينِ على فِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُه فى مُدَّةِ [الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ] (٤٤)، إِمْكانًا غيرَ بَعِيدٍ، ليس بإيلاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ. فصل: فإنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ. فهو إِيلاءٌ؛ لأنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِى التَّأْبِيدَ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ مُدَّةً. أو: لَيَطُولَنَّ تَرْكِى لِجِمَاعِكِ. ونَوَى مُدَّةً تَزِيدُ على أَكْثَرَ مِن أَرْبَعَةِ

стр. 5554

أَشْهُرٍ، فهو إِيلاءٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُه، فانْصَرَفَ إليه بِنِيَّتِهِ. وإِنْ نَوَى مُدَّةً قَصِيرَةً، لم يكنْ إِيلاءً لِذلك. وإِنْ لم يَنْوِ شَيْئًا، لم يكنْ ايلاءً؛ لأنَّه يَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، فلا يَتَعَيَّنُ لِلْكَثِيرِ. فإنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فإذا مَضَتْ، فوَاللَّهِ لا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. أو: فإذا مَضَتْ، فوَاللَّهِ لا وَطِئْتُكِ شَهْرَيْنِ. أو: لا وَطِئْتُكِ شَهْرَيْنِ، فإذا مَضَتْ، فَوَاللَّهِ لا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. ففِيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما: ليس بِمُولٍ؛ لأنَّه حالِفٌ بِكُلِّ يَمِينٍ على مُدَّةٍ ناقِصَةٍ عن مُدَّةِ الإِيلاءِ، فلم يَكنْ مُولِيًا، كما لو لم يَنْوِ (٤٥) إلَّا مُدَّتَها، [ولِأَنَّهُ يُمْكِنُه الوَطْءُ بالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ يَمِينٍ عَقِيبَ مُدَّتِها] (٤٦) مِن غيرِ حِنْثٍ فيها، فأشْبَهَ ما لوِ اقْتَصَرَ عليها. والثَّانِى، يَصِيرُ مُولِيًا؛ لأَنَّه مَنَع نَفْسَه مِن الوَطْءِ بِيَمِينِه أكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ، فكانَ مُولِيًا، كما لو مَنَعَها بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، ولأنَّه لا يُمْكِنُه الْوَطْءُ بعدَ المُدَّةِ إلَّا بحِنْثٍ فى يَمِينِه، فأشْبَهَ ما لو حَلَفَ على ذلك بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، ولو لم يكنْ هذا إِيلاءً، أفْضَى إلى أَنْ يَمْتَنِعَ (٤٧) مِنَ الْوَطْءِ طُولَ دَهْرِه بالْيَمِينِ، فلا يكونُ مُولِيًا. وَهَكَذا الْحُكْمُ فِى كُلِّ مُدَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يَزِيدُ مَجْمُوعُهما عَلَى أرْبَعَةٍ، كثلاثةِ أَشْهُرٍ وثلاثةٍ، أو ثلاثةٍ وَشَهْرَيْنِ، لما ذَكَرْنا مِنَ التَّعْلِيلَيْنِ. وَاللَّهُ أعْلَمُ. فصل: فإنْ قال: إنْ وَطِئْتُكِ، فواللَّهِ لا وَطِئْتُكِ. لم يكنْ مُولِيًا فى الحَالِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بالوَطْءِ حَقٌّ، لكنْ إِنْ وَطِئَها صارَ مُولِيًا؛ لأنَّها تَبْقَى يَمِينًا تَمْنَعُ الوَطْءَ على التَّأْبِيدِ. وهذا الصَّحِيحُ عن الشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عنه قَوْلٌ قَدِيمٌ، أنَّه يكونُ مُولِيًا [مِن الأَوَّلِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ إِلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُولِيًا] (٤٦)، فيَلْحَقُه بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ. وكذلك على هذا القَوْلِ، إنْ قال: وَطِئْتُكِ فواللَّهِ لا دَخَلْتُ الدَّارَ. يكونُ (٤٨) مُولِيًا مِن الأَوَّلِ، فإِنْ وَطِئَها انْحَلَّ الإِيلاءُ؛ لأَنَّه لم يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطئِها بِيَمِينٍ ولا غيرِها، وإنَّما

стр. 5555

بَقِىَ مُمْتَنِعًا بِالْيَمِينِ مِن دُخُولِ الدَّارِ. ولَنا، أَنَّ يَمِينَه مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ، ففيما قَبْلَه ليس بِحالِفٍ، فلا يكونُ مُولِيًا، ولأنَّه يُمْكِنُه الْوَطْءُ مِنْ غيرِ حِنْثٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو لم يَقُلْ شَيْئًا. وكَوْنُه يَصِيرُ مُولِيًا، لا يَلْزَمُه به شَىْءٌ، وإنَّما يَلْزَمُه بِالحِنْثِ. ولو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ فى السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً. لم يَصِرْ مُولِيًا فى الحَالِ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الوَطْءُ متى شاءَ بغيرِ حِنْثٍ، فلم يَكُنْ مَمْنُوعًا مِن الوَطْءِ بِحُكْم يَمِينِه، فإذا وَطِئَها وقد بَقِىَ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صارَ مُولِيًا. وهذا قَوْلُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. وفى (٤٩) قَوْلِه القَدِيمِ، يَكونُ مُولِيًا فى الِابْتِداءِ؛ لما ذَكَرْنا فى التى قَبْلَها. وقد أَجَبْنا عنه. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ سَنَةً إِلَّا يَوْمًا. فكذلك. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ؛ لأنَّ اليَوْمَ مُنَكَّرٌ، فلم يَخْتَصَّ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، ولذلك لو قال: صُمْتُ (٥٠) رمضانَ إلَّا يَوْمًا. لم يَخْتَصَّ اليَوْمَ الآخِرَ. ولو قال: لا أُكَلِّمُكَ فى السَّنَةِ إِلَّا يَوْمًا. لم يَخْتَصَّ يَوْمًا منها. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا فى الحالِ. وهو قَوْلُ زُفَرَ؛ لأنَّ اليَوْمَ المُسْتَثْنَى يكونُ مِنْ آخِرِ المُدَّةِ، كالتَّأْجِيلِ ومُدَّةِ الخِيَارِ، بِخِلافِ قَوْلِه: لا وَطِئْتُكِ فى السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، فإِنَّ المَرَّةَ لا تَخْتَصُّ وَقْتًا بِعَيْنِه. ومَنْ نَصَرَ الأَوَّلَ فَرَّقَ بينَ هذا وبينَ التَّأْجِيلِ ومُدَّةِ الخِيارِ، مِنْ حيثُ إِنَّ التَّأْجِيلَ ومُدَّةَ الخِيارِ، تَجِبُ المُوَالاةُ فِيهِما، وَلا يجوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُما يَوْمٌ لا أَجَلَ فيه ولا خِيارَ؛ لأنَّه لو جازَتْ له المُطالَبَةُ فى أَثْناءِ الأَجلِ، لَزِمَ قَضاءُ الدَّيْنِ، فيَسْقُطُ التَّأْجِيلُ بالكُلِّيَّةِ، ولو لَزِمَ العَقْدُ فى أثْناءِ مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَعُدْ إلى الجَوازِ، فتَعَيَّنَ جَعْلُ اليومِ المُسْتَثْنَى مِنْ آخِرِ المُدَّةِ، بخِلافِ ما نحن فيه، فإنَّ جَوازَ الوَطْءِ فى يومٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ أو أوْسَطِها، لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ اليَمِينِ فيما بَقِىَ مِن المُدَّةِ، فصارَ ذلك كقولِه: لا وَطِئْتُكِ فى السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. واللَّهُ أعلمُ. فصل: فإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. ثم قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. فهو إيلاءٌ

стр. 5556

واحِدٌ، حَلَفَ عليه بِيَمِينَيْنِ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ عامًا آخَرَ سِوَاهُ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. ثم قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ نِصْفَ عامٍ. أو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ نِصْفَ عامٍ. ثم قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. دَخَلَتِ المُدَّةُ القَصِيرَةُ فِى الطَّوِيلَةِ؛ لِأَنَّها بعضُها، ولم يَجْعَلْ إحْداهُما بعدَ الْأُخْرَى، فأشْبَهَ ما لو أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، ثم أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، أو أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، ثم أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، فيكونُ إِيلاءً واحِدًا، لهما وَقْتٌ واحِدٌ، وكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وإِنْ نَوَى بإِحْدَى المُدَّتَيْنِ غيرَ الْأُخْرَى فى هذه أو فى التى قَبْلَها، أو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. ثم: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا آخَرَ. أو: نِصْفَ عامٍ آخَرَ. أو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا، فإذا مَضَى فواللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. فهما إيلاءانِ فى زَمانَيْنِ، لا يَدْخُلُ حُكْمُ أحَدِهما فى الآخَرِ، أَحَدُهما مُنَجَّزٌ، والآخَرُ مُتَأَخِّرٌ، فإِذا مَضَى حُكْمُ أَحَدِهِما، بَقِىَ حُكْمُ الآخَرِ؛ لأنَّه أَفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ منهما بزَمَنٍ غيرِ زَمَنِ صاحِبِه، فيكونُ له حُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ. فإنْ قال فى الْمُحَرَّمِ: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ هذا الْعامَ. ثم قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا [مِنْ رَجَبٍ إلى تَمامِ اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا. أَو قال فى المُحَرَّمِ: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا. ثم قال فى رَجَبٍ: وَاللَّهِ لا وَطِئْتُكِ عامًا] (٥١). فهما إِيلاءانِ فى مُدَّتَيْنِ، بعضُ إِحْداهُما داخِلٌ فى الأُخْرَى. فإنْ فاءَ فى رَجَبٍ، أو فيما بعدَه مِن بَقِيَّةِ العامِ الأَوَّلِ، حَنِثَ فى اليَمِينَيْنِ، وتُجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، ويَنْقَطِعُ حُكْمُ الإِيلاءَيْنِ. وإِنْ فاءَ قبلَ رَجَبٍ، أو بعدَ العامِ الأَوَّلِ، حَنِثَ فى إِحْدى اليَمِينَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى. وإِنْ فاءَ فى المَوْضِعَيْنِ، حَنِثَ فى اليَمِينَيْنِ، وعليه كَفَّارَتانِ. فصل: فإنْ قال لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: واللَّهِ لا أَقْرَبُكُنَّ. انْبَنَى ذلك على أصْلٍ، وهو الحِنْثُ بِفِعْلِ بَعْضِ المَحْلُوفِ عليه أولا، فإنْ قُلْنا: يَحْنَثُ. فهو مُولٍ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فى الحَالِ؛ لأَنَّه لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ واحِدَةٍ بغيرِ حِنْثٍ، فصارَ مانِعًا لِنَفْسِه مِنْ وَطْءِ كُلِّ واحِدَةٍ منهنَّ فى الحالِ، فإِنْ (٥٢) وَطِئَ واحِدَةً منهنَّ، حَنِثَ، وانْحَلَّتْ يَمِينُه، وزالَ الإِيلاءُ مِن البَواقِى. وإِنْ طَلَّقَ بَعْضَهُنَّ، أو مات، لم يَنْحَلَّ الإِيلاءُ فى الْبَواقِى. وَإِنْ قُلْنا: لا

стр. 5557

يَحْنَثُ بِفِعْلِ البَعْضِ. لم يكنْ مُولِيًا منهنَّ فى الحالِ؛ لأنَّه يُمْكِنُه وَطْءُ كُلِّ واحِدَةٍ منهُنَّ مِن غيرِ حِنْثٍ، فلم يَمْنَعْ نَفْسَه بِيَمِينِه مِنْ وَطْئِها، فلم يكنْ مُولِيًا منها. فإِنْ وَطِئَ ثَلاثًا، صارَ مُولِيًا مِن الرَّابِعَةِ؛ لأنَّهُ لا يُمْكِنُه وَطْأُها مِن غيرِ حِنْثٍ فى يَمِينِه. وإِنْ ماتَ بَعْضُهُنَّ، أو طَلَّقَها، انْحَلَّتْ يَمِينُه، وزالَ الإِيلاءُ؛ لأنَّه لا يَحْنَثُ بِوَطْئِهِنَّ، وإِنَّما يَحْنَثُ بِوَطْءِ الأَرْبَعِ. فإِنْ راجَعَ المُطَلَّقَةَ، أو تَزَوَّجَها بعدَ بَيْنُونَتِها، عادَ حُكْمُ يَمِينِه. وَذَكَرَ القاضى، أنَّا إذا قُلْنا: يَحْنَثُ بفِعْلِ البعضِ. فَوَطِئَ واحِدَةً، حَنِثَ، ولم يَنْحَلَّ الإِيلاءُ فى الْبَواقِى؛ لأنَّ الإِيلاءَ مِن امْرأَةٍ لا يَنْحَلُّ بِوَطْءِ غَيْرِها. ولَنا، أَنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ حَنِثَ فيها، فَوَجَبَ أَنْ تَنْحَلَّ، كسائِرِ الأيْمَانِ، ولأنَّه إذا وَطِئَ واحِدَةً حَنِثَ، وَلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، فلا يَلْزَمُه بِوَطْءِ الْباقِياتِ شَىْءٌ، فلم يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِن وَطْئِهِنَّ بِحُكْمِ يَمِينِه، فانْحَلَّ الإِيلاءُ، كما لو كَفَّرَها. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشَّافِعِىِّ، فقال بعضُهم: لا يَكُونُ مُولِيًا منهنَّ حتى يَطَأَ ثَلاثًا، فيَصِيرَ مُولِيًا مِن الرَّابِعَةِ. وحَكَى الْمُزَنِىُّ، عن الشَّافِعِىِّ، أنَّه يكونُ مُولِيًا منهنَّ كُلِّهِنَّ، يُوقَفُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فإِذا أَصابَ بَعْضَهُنَّ، خَرَجَتْ مِن حُكْمِ الإِيلاءِ، ويُوقَفُ لِمَنْ بَقِىَ حتى يَفِىءَ أَو يُطَلِّقَ، ولا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ الأَرْبَعَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يكونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ، فإِنْ تَرَكَهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بِنَّ منه جَمِيعًا بِالإِيلاءِ، وإِنْ وَطِئَ بَعْضَهُنَّ (٥٣)، سَقَطَ الإِيلاءُ فى حَقِّها، ولا يَحْنَثُ إِلَّا بوَطْئِهِنَّ جَمِيعًا. ولَنا، أَنَّ مَنْ لا يَحْنَثُ بِوَطْئِها، لا يكونُ مُولِيًا منها، كالتى لم (٥٤) يَحْلِفْ عليها. فصل: فإنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُ واحِدَةً مِنْكُنَّ. ونَوَى واحِدَةً بعِينِها، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه بِها وحدَها، وصارَ مُولِيًا منها دُونَ غيرِها. وإِنْ نَوَى واحِدَةً مُبْهَمَةً مِنْهُنَّ (٥٥)، لم يَصِرْ مُولِيًا منهنَّ فى الحالِ، فَإذا وَطِئَ ثَلاثًا، كان مُولِيًا مِن (٥٦) الرَّابِعَةِ، ويَحْتَمِلُ أَنْ تَخْرُجَ

стр. 5558

المُولَى منْها بالقُرْعَةِ، كالطَّلاقِ إذا أوْقَعَه فى مُبْهَمةٍ مِنْ نِسائِه. وإِنْ أطْلَقَ (٥٧)، صارَ مُولِيًا منهنَّ كُلِّهِنَّ فى الحالِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه وَطْءُ واحِدَةٍ منهنَّ إِلَّا بالحِنْثِ، فإنْ طَلَّقَ واحِدَةً منهنَّ، أو ماتَتْ، كان مُولِيًا مِن البَواقِى. وإِنْ وَطِئَ واحِدَةً منهنَّ، حَنِثَ وانْحَلَّتْ يَمِينُه. وسَقَطَ حُكْمُ الإِيلاءِ فى الباقِياتِ؛ لأنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فإِذا حَنِثَ فيها مَرَّةً، لم يَحْنَثْ مَرَّةً ثانِيَةً. ولا يَبْقَى حُكْمُ اليَمِينِ بعدَ حِنْثِه فيها، بخِلافِ ما إذا طَلَّقَ واحِدَةً أَو ماتَتْ، فإِنَّه لم يَحْنَثْ ثَمَّ، فبَقِىَ حُكْمُ يَمِينِه فى مَن بَقِىَ منهنَّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وذَكَرَ القاضى، أنَّه إذا أطْلَقَ، كان الإِيلاءُ فى واحِدَةٍ غيرِ مُعَيَّنَةٍ. وهو اخْتِيارُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ لَفْظَه تَناوَلَ واحِدَةً مُنَكَّرَةً، فلا يَقْتَضِى العُمُومَ. ولَنا، أَنَّ النَّكِرَةَ فى سِياقِ النَّفْىِ تَعُمُّ، كقَوْلِه: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ (٥٨). وقولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥٩). وقولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٦٠). ولو قال إنْسانٌ: واللَّهِ لا شَرِبْتُ مَاءً مِنْ إداوَةٍ. حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِن أىِّ إِداوَةٍ كانتْ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عندَ الإِطْلاقِ عَلَى مُقْتَضاه فى العُمُومِ. وإِنْ قال: نَوَيْتُ واحِدَةً مُعَيَّنَةً، أو واحِدَةً مُبْهَمَةً. قُبِلَ مِنْه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتَمالًا غيرَ بَعِيدٍ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، إِلَّا أنَّه إذا أَبْهَمَ المَحْلُوفَ عليها، فله أَنْ يُعَيِّنَها بقَوْلِه. وأصْلُ هذا مَذْكُورٌ فى الطَّلاقِ. فصل: فإنْ قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْكُنَّ. صارَ مُولِيًا منهنَّ كُلِّهِنَّ فى الحالِ، ولا يُقبَلُ قَوْلُه: نَوَيْتُ واحِدَةً منهنَّ مُعَيَّنَةً، ولا مُبْهَمَةً؛ لأنَّ لَفْظَةَ كُلِّ أزالَتِ احْتِمالَ الخُصوصِ، ومتى حَنِثَ فى البَعْضِ، انْحَلَّ الإِيلاءُ فى الجَمِيعِ، كالتى قَبْلَها.

стр. 5559

وقال القاضى، وبعضُ أَصْحابِ الشَّافِعِىِّ: لا تَنْحَلُّ فى الباقِياتِ. ولَنا، أنَّها يَمِينٌ (٦١) واحِدَةٌ حَنِثَ فِيها، فسَقَطَ حُكْمُها، كما لو حَلَفَ على واحِدَةٍ، ولِأنَّ اليَمِينَ الواحِدَةَ إِذا حَنِثَ فِيها مَرَّةً، لم يُمْكِنِ الحِنْثُ فيها مَرَّةً أُخْرَى، فلم يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْءِ الباقِياتِ بِحُكْمِ اليَمِينِ، فلم يَبْقَ الإِيلاءُ كسائِرِ الأَيْمانِ التى حَنِثَ فيها، وفى هذه المَواضِعِ التى قُلْنَا بِكَوْنِه (٦٢) مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهنَّ إِذا طالَبْنَ كُلُّهُنَّ بالفَيْئَةِ، وُقِفَ لهنَّ كُلِّهِنَّ، وإِنْ طالَبْنَ فى أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يُوقَفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطالَبَةِ أُولاهُنَّ. قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. والثَّانِيَةُ، يُوقَفُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ عندَ مُطالَبَتِها. اخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، فإذا وُقِفَ لِلْأُولَى (٦٣)، وُقِفَ لِلثَّانِيَةِ، فإِنْ طَلَّقَها، وقِفَ للثَّالِثَةِ، فإِنْ طَلَّقَها، وُقِفَ لِلرَّابعَةِ. وكذلك مَن مات مِنْهُنَّ، لم يَمْنَعْ مِنْ وَقْفِه لِلْأُخْرَى؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَنْحَلَّ، وإيلاؤُه باقٍ؛ لِعَدَمِ حِنْثِه فيهنَّ. وإِنْ وَطِئَ إِحْداهُنَّ حِينَ وُقِفَ لها، أو قَبْلَه، انْحَلَّتْ يَمِينُه، وسَقَطَ حُكْمُ الإِيلاءِ فى الباقِياتِ، على ما قُلْناه. وعلى قَوْلِ القاضى، ومَنْ وَافَقَه: يُوقَفُ لِلباقِياتِ، كما لو طَلَّقَ التى وُقِفَ لها. فصل: فإنْ قال: كُلَّما وَطِئْتُ واحِدَةً مِنْكُنَّ فضَرائِرُها طَوالِقُ. فإنْ قُلْنا: ليس هذا بإيلاءٍ. فلا كلام. وَإِنْ قُلْنا: هو إِيلاءٌ. فهو مُولٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه وَطْءُ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا بِطَلاقِ ضَرائِرِها، فيُوقَفُ لَهُنَّ، فإِنْ فاءَ إلى وَاحِدَةٍ، طَلَّقَ ضَرائِرَها، فإنْ كان الطَّلاقُ بائِنًا، انْحَلَّ الإِيلاءُ (٦٤)؛ لأنَّه لم يَبْقَ مَمْنُوعًا مِن وَطْئِها بحُكْمِ يَمِينِه. وإِنْ كانْ رَجْعِيًّا، فراجَعَهُنَّ، بَقِىَ حُكْمُ الإِيلاءِ فى حَقِّهِنَّ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُه وَطْءُ واحِدَةٍ

стр. 5560

إِلَّا بِطَلاقِ ضَرائِرِها. وكذلك إِنْ راجَعَ بَعْضَهُنَّ لذلك، إِلَّا أَنَّ المُدَّةَ تُسْتَأْنَفُ مِنْ حِينِ الرَّجْعَةِ. ولو كان الطَّلاقُ بائِنًا، فعادَ فتَزَوَّجَهُنَّ، أو تَزَوَّجَ بَعْضَهُنَّ، عادَ حُكْمُ الإِيلاءِ، واسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ مِنْ حِينِ النِّكاحِ. وسَواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فى الْعِدَّةِ، أو بَعْدَهَا، أو بعدَ زَوْجٍ آخَرَ وإصابَة؛ لما سَنَذْكُرُه فيما بعدُ. وإِنْ قال: نَوَيْتُ وَاحِدَةً بِعَيْنِها. قُبِلَ منه، وتَعَلَّقَتْ يَمِينُه بها، فإذا وَطِئَها طَلَّقَ ضَرائِرَها، وإِنْ وَطِئَ غَيْرَها، لم يَطْلُقْ مِنْهُنَّ شَىْءٌ، ويكونُ مُولِيًا مِنَ (٦٥) المُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِها؛ لأَنَّها التى يَلْزَمُه بوَطْئِها الطَّلاقُ دُونَ غَيْرِها. فصل: الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يَحْلِفَ على تَرْكِ الوَطْءِ فى الفَرْجِ. ولو قال: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ فى الدُّبُرِ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّه لم يَتْرُكِ الوَطْءَ الواجِبَ عليه، ولا تَتَضَرَّرُ المَرْأَةُ بِتَرْكِه، وإِنَّما هو وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وقد أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِه منه بِيَمِينِه. وإِنْ قال: واللَّهِ (٦٦) لا وَطِئْتُكِ دُونَ الفَرْجِ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ على الوَطْءِ الذى يُطالَبُ به فى الفَيْئَةِ، ولا ضَرَرَ على الْمَرْأَةِ فى تَرْكِه. وإِنْ قال: واللَّهِ لا جامَعْتُكِ إِلَّا جِماعَ سَوْءٍ. سُئِلَ عمَّا أرادَ، فإنْ قال: أَرَدْتُ الجِماعَ فى الدُّبُرِ. فهو مُولٍ؛ لأَنَّه حَلَفَ على تَرْكِ الوَطْءِ فى الفَرْجِ. وكذلك إنْ قال: أَرَدْتُ أَنْ لا أَطَأَها إِلَّا دُونَ الفَرْجِ. وإِنْ قال: أَرَدْتُ جِماعًا ضَعِيفًا، لا يَزِيدُ على الْتِقاءِ الخِتانَيْنِ. لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّه يُمْكِنُه الوَطْءُ الواجِبُ عليه فى الفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ. وإِنْ قال: أَرَدْتُ وَطْئًا لا يَبْلُغُ الْتِقاءَ الخِتانَيْنِ. فهو مُولٍ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُه الوَطْءُ الواجِبُ عليه فى الفَيْئَةِ بغيرِ حِنْثٍ. وإِنْ لم تَكنْ له نِيَّةٌ، فليس بِمُولٍ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، فلا يَتَعَيَّنُ ما يكونُ به مُولِيًا. وإِنْ قال: واللَّهِ لا جامَعْتُكِ جِماعَ سَوْءٍ. لم يكنْ مُولِيًا بِحالٍ؛ لأَنَّه لم يَحْلِفْ على تَرْكِ الْوَطْءِ، إنَّما حَلَفَ على تَرْكِ صِفَتِه المَكْرُوهَةِ. فصل: الشَّرْطُ الرَّابِعُ، أَنْ يكونَ المَحْلُوفُ عليها امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى:

стр. 5561

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٦٧). ولأنَّ غيرَ الزَّوْجَةِ لا حَقَّ لها فى وَطْئِه، فلا يكونُ مُولِيًا منها، كالأَجْنَبِيَّةِ. فإِنْ حَلَفَ على تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِه، لم يكنْ مُولِيًا؛ لِمَا ذَكَرْنا. وإِنْ حَلَفَ على تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ، ثم نَكَحَها، لم يكنْ مُولِيًا؛ لذلك. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: يَصِيرُ مُولِيًا إذا بَقِىَ مِن مُدَّةِ يَمِينِه أَكْثَرُ مِن أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لأنَّه مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِه بِحُكْمِ يَمِينِه مُدَّةَ الإِيلاءِ، فكانَ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ فى الزَّوْجِيَّةِ. وحُكِىَ عن أصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّه إِنْ مَرَّتْ به امْرَأَةٌ، فحَلَفَ أَنْ لا يَقْرَبَها، ثم تَزَوَّجَها، لم يكنْ مُولِيًا. وإِنْ قال: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ، فوَاللَّهِ لا قَرَبْتُها. صارَ مُولِيًا؛ لأنَّه أضافَ اليَمينَ إلى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، فأشْبَهَ ما لو حَلَفَ بعدَ تَزَوُّجِها (٦٨). ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. وهذه ليستْ مِنْ نِسائِه، ولأنَّ الإِيلاءَ حُكْمٌ مِن أحْكامِ النِّكاحِ، فلم يَتَقَدَّمْهُ كالطَّلاقِ والقَسَمِ، ولأنَّ المُدَّةَ تُضْرَبُ له لِقَصْدِه الإِضْرارَ بها بِيَمِينِه، وإِذا كانتِ اليَمِينُ قبلَ النِّكاحِ، لم يكنْ قاصِدًا. للْإِضْرارِ، فأشْبَهَ المُمْتَنِعَ بغيرِ يَمِينٍ. قال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: وقد قال أحمدُ: يَصِحُّ الظِّهارُ قبلَ النِّكاحِ؛ لأنَّه يَمِينٌ. فعلى هذا التَّعْلِيلِ يَصِحُّ الإِيلاءُ قبلَ النِّكاحِ. والمَنْصُوصُ أنَّه لا يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْناه. فصل: فإِنْ آلى مِن الرَّجْعِيَّةِ، صَحَّ إِيلاؤُهُ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ؛ والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وذَكَرَ ابنُ حامِدٍ، أَنَّ فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ إيلاؤُه؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَقْطَعُ مُدَّةَ الإِيلاءِ إذا طَرأَ، فَلأنْ يَمْنَعَ صِحَّتَه ابْتِداءً أوْلَى. ولَنا، أنَّها زَوْجَةٌ (٦٩) يَلْحَقُها طَلاقُه، فصَحَّ إِيلاؤُه منها، كغيرِ المُطَلَّقَةِ. وإِذا آلَى منها احْتَسَبَ المُدَّةَ (٧٠)

стр. 5562

مِنْ حِينَ آلَى (٧١)، وإِنْ كانتْ فى العِدَّةِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ. ويَجِىءُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ أَنْ لا يُحْتَسَبَ عليه بِالمُدَّةِ إِلَّا مِن حِينَ راجَعَها؛ لأنَّ ظاهِرَ كلامِه أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها مُعْتَدَّةٌ منه، فأَشْبَهَتِ البائِنَ، ولأنَّ الطَّلاقَ إِذا طَرَأ قَطَعَ المُدَّةَ، ثم لا يُحْتَسَبُ عليه بِشَىْءٍ مِن المُدَّةِ قبلَ رَجْعَتِها، فأَوْلَى أَنْ لا يَسْتَأْنِفَ المُدَّةَ فى العِدَّةِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أَنَّ مَن صَحَّ إيلاؤُه، احْتُسِبَ عليه بِالمُدَّةِ مِن حِينِ إِيلائِه، كما لو لم تَكُنْ مُطَلَّقَةً، [ولأنَّها مُبَاحةٌ، فاحْتُسِبَ عليه بالمُدَّةِ فيها، كما لو لم يُطَلِّقْها] (٧٢). وفارَقَ البائِنَ، فإِنَّها ليستْ زَوْجَةً، ولا يَصِحُّ الإِيلاءُ منْهَا (٧٣) بِحالٍ، فهى كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ. فصل: ويَصِحُّ الإِيلاءُ مِن كُلِّ زَوْجَةٍ، مُسْلِمَةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، حُرَّةً كانتْ أو أَمَةً؛ لِعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. ولأَنَّ كُلَّ واحِدَةٍ منهُنَّ زَوْجَةٌ، فصَحَّ الإِيلاءُ منها كالحُرَّةِ المُسْلِمَةِ. ويَصِحُّ الإِيلاءُ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ: إِنَّما يَصِحُّ (٧٤) الإِيلاءُ بعدَ الدُّخُولِ. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والْمَعْنَى، ولأنَّه (٧٥) مُمْتَنِعٌ مِن جِماعِ زَوْجَتِه بِيَمِينِه، فأشْبَهَ ما بعدَ الدُّخُولِ. ويَصِحُّ الإِيلاءُ مِن المَجْنُونَةِ والصَّغِيرَةِ، إِلَّا أنَّه لا يُطالَبُ بِالفَيْئَةِ فى الصِّغَرِ والجُنُونِ؛ لأنَّهُما لَيْسا مِنْ أهْلِ المُطالَبَةِ. فأَمَّا الرَّتْقاءُ والقَرْناءُ، فلا يَصِحُّ الإِيلاءُ منهما؛ لأنَّ الوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ دائِمًا، فلم تَنْعَقِدِ اليَمِينُ على تَرْكِه، كما لو حَلَفَ لا يَصْعَدُ السَّماءَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وتُضْرَبَ له المُدَّةُ؛ لأنَّ المَنْعَ بسَببٍ مِن جِهَتِها، فهى كالمَرِيضَةِ. فعلى هذا يَنْبَغِى أَنْ يَفِىءَ فَيْئَةَ

стр. 5563

المَعْذُورِ؛ لأنَّ الفَيْئَةَ بِالْوَطْءِ فى حَقِّها مُتَعَذِّرَةٌ، فلا تُمْكِنُ المُطالَبَةُ به، فأَشْبَهَ المَجْبُوبَ. فصل: ويَصِحُّ الإِيلاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قادِرٍ على الوَطْءِ. وأمَّا الصَّبِىُّ وَالمَجْنُونُ، فلا يَصِحُّ إيلاؤُهما؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنهما، ولأنَّه قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخالَفَتِه كَفَّارَةٌ أو حَقٌّ، فلم يَنْعَقِدْ منهما كالنَّذْرِ. وأمَّا العاجِزُ عن الوَطْءِ، فإنْ كان لِعارِضٍ (٧٦) مَرْجُوٍّ زَوالُه كالْمَرَضِ والحَبْسِ، صَحَّ إيلاؤُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الوَطْءِ، فَصَحَّ منه الامْتِناعُ منه (٧٧)، وإِنْ كان غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ كالجَبِّ والشَّلَلِ، لم يَصِحَّ إِيلاؤُه؛ لأنَّها يَمِينٌ على تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فلم تَنْعَقِدْ، كما لو حَلَفَ أَنْ لا يَقْلِبَ الحِجارَةَ ذَهَبًا، ولأنَّ الإِيلاءَ اليَمِينُ المَانِعَةُ مِن الوَطْءِ، وهذا لا يَمْنَعُه يَمِينُه، فإنَّه مُتَعَذِّرٌ منه، ولا تَضُرُّ المَرْأَةَ يَمِينُه. قال أبو الخَطَّابِ: ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الإِيلاءُ منه قياسًا على العاجِزِ بمَرَضٍ أو حَبْسٍ. ولِلشَّافِعِىِّ فى ذلك قَوْلانِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنا. فأمَّا الخَصِىُّ الذى سُلَّتْ بَيْضَتاه، أو رُضَّتْ، فيُمْكِنُ منه الوَطْءُ، ويُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا، فيَصِحُّ إيلاؤُه. وكذلك المَجْبُوبُ الذى بَقِىَ مِن ذَكَرِه ما يُمْكِنُ الجِماعُ به. فصل: ويَصِحُّ إيلاءُ الذِّمِّىِّ ويَلْزَمُه ما يَلْزَمُ المُسْلِمَ إِذا تَقَاضَوْا إلينا. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وإِنْ أسْلَمَ، لم يَنْقَطِعْ حُكْمُ إِيلائِه. وقال مالِكٌ: إنْ أَسْلَمَ، سَقَطَ حُكْمُ يَمِينِه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: إِنْ حَلَفَ باللَّهِ، لم يكنْ مُولِيًا؛ لأنَّه لا يَحْنَثُ إذا جامَعَ، لِكَوْنِه غيرَ مُكَلَّفٍ، وإِنْ كانَتْ يَمِينُه بطَلاقٍ أَوْ عَتاقٍ، فهو مُولٍ؛ لأَنَّه يَصِحُّ عِتْقُه وطَلاقُه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. ولأَنَّه مانِعٌ نَفْسَه بِاليَمِينِ مِن جِماعِها، فكان مُولِيًا كالْمُسْلِمِ،

стр. 5564

ولأنَّ (٧٨) مَنْ صَحَّ طَلاقُه، صَحَّ إِيلاؤُه، كالمُسْلِمِ، ومَنْ صَحَّتْ يَمِينُه عندَ الحاكِمِ، صَحَّ إِيلاؤُه كالْمُسْلِمِ. فصل: ولا يُشْتَرَطُ فى الإِيلاءِ الغَضَبُ، ولا قَصْدُ الإِضْرارِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأهْلُ العِراقِ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن علىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس فى إِصْلاحٍ إِيلاءٌ (٧٩). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: إنَّما الإِيلاءُ فى الغَضَبِ (٨٠). ونحوُ ذلك عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ. وقال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: مَنْ حَلَفَ لا يَطَأُ زَوْجَتَه حتى تَفْطِمَ وَلَدَه، لا يكونُ إِيلاءً، إِذا أرادَ الإِصْلاحَ لِوَلَدِه. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّه مانِعٌ [نَفْسَه عن] (٨١) جِماعِها بِيَمِينِه، فكان مُولِيًا، كحالِ الغَضَبِ، يُحَقِّقُه (٨٢) أَنَّ حُكْمَ الإِيلاءِ يَثْبُتُ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ، فيجبُ أَنْ يَثْبُتَ سَواءٌ قَصَدَ الإِضْرارَ أو لم يَقْصِدْ، كاسْتِيفاءِ دُيُونِها، وإتْلافِ مالِها، ولأنَّ الطَّلاقَ والظِّهارَ وسائِرَ الأيْمانِ سَواءٌ فى الغَضَبِ والرِّضَى، فكذلك الإِيلاءُ، ولأنَّ حُكْمَ اليَمِينِ فى الكَفَّارَةِ وغيرِها سَواءٌ فى الغَضَبِ والرِّضَى، فكذلك فى الإِيلاءِ. وأمَّا إذا حَلَفَ أَنْ لا يَطَأَها حتى تَفْطِمَ وَلَدَه، فإنْ أرادَ وَقْتَ الفِطامِ، وكانتْ مُدَّتُه تَزِيدُ على أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فهو مُولٍ، وإِنْ أَرادَ فِعْلَ الفِطامِ، لم يكنْ مُولِيًا؛ لأَنَّه مُمْكِنٌ قبلَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، وليس بِمُحَرَّمٍ، ولا فيه تَفْوِيتُ حَقٍّ لها، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ لا يَطَأُها حتى تَدْخُلَ الدَّارَ. فصل: فِى الألْفاظِ التى يكونُ بها مُولِيًا، وهى ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما هو صَرِيحٌ

стр. 5565

فى الحُكْمِ والباطِنِ جميعًا، وهى (٨٣) ثَلاثَةُ أَلْفاظٍ؛ قَوْلُه: واللَّهِ لا أنِيكُكِ (٨٤)، ولا أُدْخِلُ، ولا أُغَيِّبُ أو أُولجُ ذَكَرِى فى فَرْجِكِ. ولا افْتَضَضْتُكِ. لِلْبِكْرِ خَاصَّةً، فهذِه صَرِيحةٌ، ولا يَدِينُ فيها؛ لِأَنَّها لا تَحْتَمِلُ غيرَ الإِيلاءِ. القِسْمُ الثَّانِى، صَرِيحٌ (٨٥) فى الحُكْمِ، ويَدِينُ فيما بينه وبينَ اللَّهِ تعالى، وهى عشرةُ ألفاظٍ: لا وَطِئْتُكِ، ولا جامَعْتُكِ، ولا أَصَبْتُكِ، ولا باشَرْتُكِ، ولا مَسَسْتُكِ، وَلا قرُبْتُكِ، ولا أتَيْتُكِ، ولا باضَعْتُكِ، ولا بَاعَلْتُكِ، ولا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ. فهذه صَرِيحَةٌ فى الحُكْمِ؛ لأنَّها تُسْتَعْمَلُ فى العُرْفِ فى الوَطْءِ. وقد وَرَدَ القُرْآنُ ببَعْضِها فقال اللَّهُ سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٨٦). وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ﴾ (٨٧). وقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٨٨). وأَمَّا الجِماعُ والوَطْءُ، فهما أشْهَرُ الْأَلْفاظِ فى الاسْتِعْمالِ، فلو قال: أرَدْتُ بالوَطْءِ الوَطْءَ بِالقَدَمِ، وبالجِماعِ [اجْتِماعَ الأجْسامِ] (٨٩)، وبالإِصابَةِ الإِصابَةَ بِالْيَدِ. دِينَ فيما بَيْنَه وبينَ اللَّهِ تَعالَى، ولم يُقْبَلْ فى الحُكْمِ؛ لأَنَّه خِلافُ الظاهِرِ والعُرْفِ. وقد اخْتَلَفَ قولُ الشَّافِعِىِّ فيما عَدا الوَطْءَ والجِماعَ مِنْ هذه الألْفاظِ، فقال فِى مَوْضِعٍ: ليس بِصَرِيحٍ فى الحُكْمِ؛ لأَنَّه حَقِيقَةٌ فى غيرِ الجِماعِ. وقال فى: لا باضَعْتُكِ: ليسَ بِصَرِيحٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ مِن الْتِقاءِ البُضْعَتَيْنِ، البُضْعَةِ مِنَ البَدَنِ بالبُضْعَةِ منه؛ فَإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّى" (٩٠). ولَنا، أَنَّه مُسْتَعْمَلٌ فى الوَطْءِ عُرْفًا، وقد وَرَدَ به القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فكان

стр. 5566

صَرِيحًا، كلَفْظِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكَوْنُه حَقِيقَةً فى غيرِ الجِماعِ يَبْطُلُ بلَفْظَةِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكذلك قَوْلُه: فارَقْتُكِ، وسَرَّحْتُكِ. فى ألْفاظِ الطَّلاقِ، فإنَّهم قالُوا: هى صَرِيحةٌ فى الطَّلاقِ، مع كَوْنِها حَقِيقَةً فى غيرِه، وأمَّا قولُه: باضَعْتُكِ. فهو مُشْتَقٌّ مِن البُضْعِ، ولا يُسْتَعْمَلُ هذا اللَّفْظُ فى غيرِ الوَطْءِ، فهو أوْلَى أَنْ يكونَ صَرِيحًا مِنْ سائِرِ الأَلْفاظِ؛ لأَنَّها تُسْتَعْمَلُ فى غيرِه. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ. القِسْمُ الثَّالِثُ، ما لا يكونُ إِيلاءً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وهو ما عَدَا هذه الأَلْفاظَ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الجماعَ، كقوْلِه: واللَّهِ لا يَجْمَعُ رَأْسِى ورَأْسَكِ شىءٌ. لا سَاقَفَ رأسى رأسَك. لأَسُوأنَّكِ. لأَغِيظَنَّك. لَتَطُولَنّ غَيْبَتى عنك. لا مَسَّ جِلْدى جلدَك. لا قَرُبْتُ فِراشَك. لا آوَيْتُ معك. لا نِمْتُ عندَك. فهذه إنْ أراد بها الجِماعَ، واعْترفَ بذلك، كان مُولِيًا، وإلَّا فلا؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ليست ظاهرةً فى الجِماعِ، كظُهُورِ التى قبلَها، ولم يَرِد النَّصُّ باسْتعمالِها فيه، إلَّا أَنَّ هذه الألفاظَ (٩١) مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَفْتَقِرُ فيه إلى نِيَّة الجِماعِ والمُدَّةِ معًا، وهى قولُه: لأسُوأنَّك، ولأغِيظَنَّك، ولَتَطُولَنَّ غَيْبتِى عنك. فلا يكونُ مُولِيًا حتى يَنْوِىَ تَرْكَ الجماعِ فى مُدَّةٍ تَزِيدُ على أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنَّ غَيْظَها يكونُ بتركِ الجماعِ فيما دونَ ذلك (٩٢)، وفى سائرِ هذه الألْفاظِ يَكونُ مُولِيًا بِنِيَّة الجِماعِ فقط. وإِنْ قال: واللَّهِ لَيَطُولَنّ تَرْكِى لجِماعكِ، أو لِوَطْئَتِكِ، أو لإِصابَتِكِ. فهذا صريحٌ فى تَرْكِ الجماعِ، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ المُدَّةِ دونَ نِيَّةِ الوَطْءِ؛ لأَنَّه صريحٌ فيه. وإِنْ قال: وَاللَّهِ لا جامَعْتُك إلَّا جِماعًا ضَعِيفًا. لم يكُنْ مُولِيًا، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ جِماعًا لا يَبْلُغُ التقاءَ الخِتانَينِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أدخَلْتُ جميعَ

стр. 5567

ذَكَرِى فى فَرْجِك. لم يكُنْ مُولِيًا؛ لأَنَّ الوَطْءَ الذى يَحْصُل به الفَيئةُ، يَحْصُل بدُونِ إِيلاجِ جَميعِ الذَّكَرِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أَوْلَجْتُ حَشَفَتِى فى فَرْجِكِ. كان مُولِيًا؛ لأنّ الفَيْئةَ لا تَحْصُلُ بدونِ ذلك. فصل: وإذا (٩٣) قال لإِحدَى زَوْجَتَيه: واللَّهِ لا وَطِئتُكِ. ثم قال لِلأُخْرَى: أشْرَكْتُكِ معها. لم يَصِرْ مُولِيًا من الثانيةِ؛ لأنّ اليمينَ باللَّهِ لا يَصِحُّ إلَّا بِلَفظٍ صريحٍ من اسْمٍ أو صِفةٍ، والتَّشْرِيكُ بينهما كِنايةٌ، فلم تَصِحَّ به اليمينُ. وقال القاضى: يكونُ مُولِيًا (٩٤) منهما. وإِنْ قال: إنْ وَطِئْتُكِ، فأنتِ طالِقٌ. ثم قال لِلأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ معها. وَنَوَى (٩٤)، فقد صارَ طَلاقُ الثَّانِيةِ مُعَلَّقًا على وَطْئِها أيضًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يصِحُّ بالكِنايةِ، فإنْ قُلْنا: إنَّ ذلك إِيلاءٌ فى الأُولَى. صارَ إيلاءً فى الثَّانِيةِ؛ لأنَّها صارتْ فى مَعْناها، وإلَّا فليس بإيلاءٍ فى واحِدَةٍ منهما. وكذلك لو آلى رجلٌ من زوجَتِه، فقال آخَرُ لِامرَأَتِهِ: أنتِ مِثْلُ فلانة. لم يكُنْ مُولِيًا. وقال أَصحابُ الرَّأْىِ: هو مُولٍ. ولَنا، أنَّه ليس بصَرِيحٍ فى القَسَمِ، فلا يكونُ مُولِيًا به، كما لو لم (٩٥) يُشَبِّهْها بها. فصل: ويصِحُّ الإِيلاءُ بكلِّ لُغَةٍ من العَجَمِيَّةِ وغيرِها، مِمَّنْ يُحْسِنُ العربيَّةَ، ومِمَّن لا يُحْسِنُها؛ لأنَّ اليمينَ تَنْعَقِدُ بغيرِ العربيَّةِ، وتَجِبُ بها الكَفَّارةُ. والمُولِى هو الحالِفُ باللَّهِ على تَرْكِ وطءِ زَوْجَتِه، المُمْتَنِعُ من ذلك بِيَمِينِه. فإنْ آلَى بالعَجَمِيَّة مَنْ لا يُحْسِنُها، وهو لا يَدْرِى مَعْناها، لم يكُنْ مُولِيًا، وإِنْ نَوَى مُوجِبَها عندَ أهْلِها. وكذلك الحُكْمُ إذا آلَى بالعربيَّة مَنْ لا يُحْسِنُها؛ لِأنَّه لا يصِحُّ مِنه قَصْدُ الإِيلاء بلفظٍ لا يَدْرِى مَعْناه. فإِن اختَلَفَ الزَّوْجانِ فى مَعْرِفَتِه بذلك، قالقَوْلُ قولُه إذا كان مُتَكَلِّمًا بغيرِ لِسانِه؛ لِأَنّ الأصلَ عَدَمُ مَعْرِفَتِه بها. فأمَّا إنْ آلى العَرَبِىُّ بالعربيّة، ثم قال: جَرى على لِسانِى من غيرِ

стр. 5568

قَصْدٍ. أو قال ذلك العَجَمِىُّ فى إيلائِه بالعَجَمِيَّةِ، لم يُقْبَلْ فى الحُكمِ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ. فصل: ومُدَّةُ الإِيلاءِ فى حقِّ الأَحْرارِ والعَبِيدِ والمُسلمين وأهلِ الذِّمَّةِ سواءٌ، ولا فَرْقَ بين الحُرَّةِ والأَمةِ، والمُسْلِمَةِ والذِّمِّيَّةِ، والصَّغيرَةِ والكَبيرةِ، فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ مُدَّةَ إيلاءِ العَبِيدِ شَهْرانِ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وقَوْلُ عَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، ومَالِكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّهم على النِّصْفِ فى الطَّلاقِ، وعَدَدِ المَنْكوحاتِ، فكذلك فى مُدَّةِ الإِيلاءِ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ: إيلاؤُه من الأَمَةِ شَهْرانِ، ومن الحُرَّةِ أرْبَعَةٌ. وقال الشَّعْبِىُّ: إيلاءُ الأَمَةِ نِصْفُ إيلاءِ الحُرَّةِ. وهذا قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ ذلك تَتَعلَّقُ به البَيْنُونَةُ عندَه، فاخْتَلَفَ (٩٦) بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ كالطَّلاقِ، ولِأنَّها مدةٌ يَثْبُتُ ابتِداؤُها بقولِ الزَّوجِ، فوَجَبَ أَنْ يَخْتلفَ بِرِقِّ المرأةِ وحُرِّيَّتِها، كمُدَّةِ العِدَّةِ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ، ولأنَّها مدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ، فاستَوَى فيها الرِّقُّ والحُرِّيَّةُ، كمُدَّة العُنَّةِ، ولا نُسَلِّمُ أنّ البَيْنُونَةَ تَتَعَلَّقُ بها، ثم يَبْطُل ذلك بمُدَّة العُنَّةِ، ويُخالِفُ مُدَّة العِدَّةِ؛ لِأنَّ العدَّة مَبْنِيَّةٌ على الكَمالِ، بدليلِ أَنَّ الاسْتِبْراءَ يَحْصُلُ بِقُرْءٍ واحِدٍ، وأمَّا مدَّةُ الإِيلاءِ فإنَّ الِاسْتِمْتاعَ بالحُرَّةِ أكثرُ، وكان يَنْبَغى أَنْ تَتَقَدَّمَ مُطالَبَتُها مُطالَبَةَ الأَمَةِ، والحقُّ على الحُرِّ فى الاسْتِمْتاعِ أكْثَرُ منه على العَبْدِ، فلا تَجُوزُ الزِّيادةُ فى مُطالَبَةِ العَبْدِ عليهِ. ١٢٩٩ - مسألة؛ قال: (فإِذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وَرَافَعَتْه، أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ (١)، والْفَيْئَةُ الْجِماعُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُولِىَ يتربَّصُ أربعةَ أشهرٍ، كما أمَرَ اللَّهُ تعالى، ولا يُطالَبُ بالوَطْءِ (٢)

стр. 5569

فيهنَّ، فإذا مَضَتْ أربعةُ أشْهُرٍ، ورَافَعَتْه امرأتُه إلى الحاكِمِ، وَقَفَه، وَأَمَرَه بالفَيْئَةِ، فإن أبَى أَمَرَه بالطَّلاقِ، ولا تَطْلُقُ زوجتُه بنَفْسِ مُضِىِّ المُدَّةِ. قال أحمدُ فى الإِيلاءِ: يُوقَفُ، عن الأكابرِ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ عن عمرَ شىءٌ يدلُّ على ذلك، وعن عُثْمانَ، وعلىٍّ، وجَعَلَ يُثْبِتُ حديثَ علىٍّ. وبه قال ابنُ عمرَ، وعائشةُ. ورُوِىَ ذلك عن أبى الدَّرْداءِ. وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: كان تِسْعَةَ عَشَرَ رجلًا من أصحابِ محمَّدٍ ﷺ يُوقِفونَ فى الإِيلاءِ (٣). وقال سُهَيْلُ بن أبى صالحٍ: سَأَلْتُ اثْنَىْ عَشَرَ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، فكلُّهم يقولُ: ليس عليه شىءٌ، حتَّى يَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، فيُوقَفُ، فإنْ فاءَ، وإلَّا طَلَّقَ (٤). وبهذا قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ، وقُبَيْصَةٌ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأصْحابُ الرَّأْىِ: إذا مَضَتْ أربعةُ أشهرٍ، فهى تطليقةٌ بائِنةٌ. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، ورُوِىَ عن أبى بَكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، ومَكْحولٍ، والزُّهْرِىِّ، تَطْليقةٌ رَجْعِيَّةٌ. ويُحْكَى عنِ ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يَقْرأُ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فِيهِنَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). ولِأنَّ هذه مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لاسْتِدْعاءِ الفِعْلِ منه، فكان ذلك فى المُدَّة كمُدَّة العُنَّةِ. ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وظاهِرُ

стр. 5570

ذلك أن الفَيْئَةَ بَعْدَ أربعةِ أشْهُرٍ؛ لِذِكْرِه الفَيْئَةَ بعدَها بالفاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦). ولو وَقَعَ بِمُضِىِّ المدَّةِ، لم يَحْتَجْ إلى عَزْمٍ عليه، وقولُه: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَقْتَضِى أَنَّ الطَّلاقَ مَسْمُوعٌ، ولا يكونُ المَسموعُ إلَّا كَلامًا، ولأنَّها مُدَّةٌ ضُرِبَتْ له تَأْجيلًا، فلم يَسْتَحِقَّ المُطالبَةَ فيها، كسائِرِ الآجالِ، ولأنَّ هذه مدَّةٌ لم يَتَقَدَّمْها إيقاعٌ، فلا يَتَقَدَّمُها وُقوعٌ، كمُدَّة العُنَّةِ. ومُدَّةُ العُنَّةِ حجَّةٌ لنا؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلَّا (٧) بمُضِيِّها، ولِأَنَّ مدَّةَ العُنَّةِ ضُرِبَتْ له ليُخْتَبَرَ فيها، ويُعْرَفَ عَجْزُه عن الوَطْءِ بتَرْكِهِ فى مدَّتِها، وهذه ضُرِبَتْ تأخيرًا له وتأجيلًا، ولا يَسْتَحِقُّ المُطالَبَةَ إلَّا بعدَ مُضِىِّ الأَجَلِ، كالدَّيْنِ. فصل: وابتداءُ المُدَّةِ من حينِ اليمينِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى ضَرْبِ مدَّةٍ؛ لِأنَّها ثَبَتَتْ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى ضَرْبٍ (٨)، كمُدَّة العُنَّةِ. ولا يُطالَبُ بالوَطْءِ فيها؛ لما ذَكَرْنا، فإنْ وَطِئَها (٩) فيها فَقَدْ عَجَّل (١٠) حَقَّها قبلَ مَحِلِّه، وخَرَجَ من الإِيلاءِ، كمَن عليه دَيْنٌ (١١) دَفَعَه قبل الأَجَلِ. وهكذا إنْ وَطِئَ بعدَ المدَّةِ، قبلَ المُطالَبَةِ أو بَعدَها، خرَج من الإِيلاءِ. وسواءٌ وَطِئَها، وهى عاقِلةٌ أو مجنونةٌ، أو يَقْظانةٌ أو نائِمةٌ؛ لِأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه، فإنْ وَطِئَها وهو مَجْنُونٌ، لم يَحْنَثْ. ذَكَرَه ابنُ حامدٍ. وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ، وعليه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه فعَل ما حَلَفَ عليه. والأوَّل أصحُّ؛ لِأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، والقَلَمُ عنه مَرْفوعٌ، ويخْرُجُ بِوَطْئِه عن الإِيلاءِ؛ لِأنَّه قد وَفَّاها حقَّها، وحَصَلَ منه فى حقِّها ما يَحْصُلُ من العاقِلِ، وإنَّما تَسْقُطُ الكفَّارَةُ عنه لِرَفْعِ القَلَمِ عنه. ذَكَرَ هذا ابنُ حامِدٍ. وهو أَحَدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشَّافِعىِّ. وذَكَرَ القاضى ما
следующие страницы →