← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

صَرِيحًا، كلَفْظِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكَوْنُه حَقِيقَةً فى غيرِ الجِماعِ يَبْطُلُ بلَفْظَةِ الوَطْءِ والجِماعِ، وكذلك قَوْلُه: فارَقْتُكِ، وسَرَّحْتُكِ. فى ألْفاظِ الطَّلاقِ، فإنَّهم قالُوا: هى صَرِيحةٌ فى الطَّلاقِ، مع كَوْنِها حَقِيقَةً فى غيرِه، وأمَّا قولُه: باضَعْتُكِ. فهو مُشْتَقٌّ مِن البُضْعِ، ولا يُسْتَعْمَلُ هذا اللَّفْظُ فى غيرِ الوَطْءِ، فهو أوْلَى أَنْ يكونَ صَرِيحًا مِنْ سائِرِ الأَلْفاظِ؛ لأَنَّها تُسْتَعْمَلُ فى غيرِه. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ. القِسْمُ الثَّالِثُ، ما لا يكونُ إِيلاءً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وهو ما عَدَا هذه الأَلْفاظَ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الجماعَ، كقوْلِه: واللَّهِ لا يَجْمَعُ رَأْسِى ورَأْسَكِ شىءٌ. لا سَاقَفَ رأسى رأسَك. لأَسُوأنَّكِ. لأَغِيظَنَّك. لَتَطُولَنّ غَيْبَتى عنك. لا مَسَّ جِلْدى جلدَك. لا قَرُبْتُ فِراشَك. لا آوَيْتُ معك. لا نِمْتُ عندَك. فهذه إنْ أراد بها الجِماعَ، واعْترفَ بذلك، كان مُولِيًا، وإلَّا فلا؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ليست ظاهرةً فى الجِماعِ، كظُهُورِ التى قبلَها، ولم يَرِد النَّصُّ باسْتعمالِها فيه، إلَّا أَنَّ هذه الألفاظَ (٩١) مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَفْتَقِرُ فيه إلى نِيَّة الجِماعِ والمُدَّةِ معًا، وهى قولُه: لأسُوأنَّك، ولأغِيظَنَّك، ولَتَطُولَنَّ غَيْبتِى عنك. فلا يكونُ مُولِيًا حتى يَنْوِىَ تَرْكَ الجماعِ فى مُدَّةٍ تَزِيدُ على أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنَّ غَيْظَها يكونُ بتركِ الجماعِ فيما دونَ ذلك (٩٢)، وفى سائرِ هذه الألْفاظِ يَكونُ مُولِيًا بِنِيَّة الجِماعِ فقط. وإِنْ قال: واللَّهِ لَيَطُولَنّ تَرْكِى لجِماعكِ، أو لِوَطْئَتِكِ، أو لإِصابَتِكِ. فهذا صريحٌ فى تَرْكِ الجماعِ، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ المُدَّةِ دونَ نِيَّةِ الوَطْءِ؛ لأَنَّه صريحٌ فيه. وإِنْ قال: وَاللَّهِ لا جامَعْتُك إلَّا جِماعًا ضَعِيفًا. لم يكُنْ مُولِيًا، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ جِماعًا لا يَبْلُغُ التقاءَ الخِتانَينِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أدخَلْتُ جميعَ

стр. 5567

ذَكَرِى فى فَرْجِك. لم يكُنْ مُولِيًا؛ لأَنَّ الوَطْءَ الذى يَحْصُل به الفَيئةُ، يَحْصُل بدُونِ إِيلاجِ جَميعِ الذَّكَرِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أَوْلَجْتُ حَشَفَتِى فى فَرْجِكِ. كان مُولِيًا؛ لأنّ الفَيْئةَ لا تَحْصُلُ بدونِ ذلك. فصل: وإذا (٩٣) قال لإِحدَى زَوْجَتَيه: واللَّهِ لا وَطِئتُكِ. ثم قال لِلأُخْرَى: أشْرَكْتُكِ معها. لم يَصِرْ مُولِيًا من الثانيةِ؛ لأنّ اليمينَ باللَّهِ لا يَصِحُّ إلَّا بِلَفظٍ صريحٍ من اسْمٍ أو صِفةٍ، والتَّشْرِيكُ بينهما كِنايةٌ، فلم تَصِحَّ به اليمينُ. وقال القاضى: يكونُ مُولِيًا (٩٤) منهما. وإِنْ قال: إنْ وَطِئْتُكِ، فأنتِ طالِقٌ. ثم قال لِلأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ معها. وَنَوَى (٩٤)، فقد صارَ طَلاقُ الثَّانِيةِ مُعَلَّقًا على وَطْئِها أيضًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يصِحُّ بالكِنايةِ، فإنْ قُلْنا: إنَّ ذلك إِيلاءٌ فى الأُولَى. صارَ إيلاءً فى الثَّانِيةِ؛ لأنَّها صارتْ فى مَعْناها، وإلَّا فليس بإيلاءٍ فى واحِدَةٍ منهما. وكذلك لو آلى رجلٌ من زوجَتِه، فقال آخَرُ لِامرَأَتِهِ: أنتِ مِثْلُ فلانة. لم يكُنْ مُولِيًا. وقال أَصحابُ الرَّأْىِ: هو مُولٍ. ولَنا، أنَّه ليس بصَرِيحٍ فى القَسَمِ، فلا يكونُ مُولِيًا به، كما لو لم (٩٥) يُشَبِّهْها بها. فصل: ويصِحُّ الإِيلاءُ بكلِّ لُغَةٍ من العَجَمِيَّةِ وغيرِها، مِمَّنْ يُحْسِنُ العربيَّةَ، ومِمَّن لا يُحْسِنُها؛ لأنَّ اليمينَ تَنْعَقِدُ بغيرِ العربيَّةِ، وتَجِبُ بها الكَفَّارةُ. والمُولِى هو الحالِفُ باللَّهِ على تَرْكِ وطءِ زَوْجَتِه، المُمْتَنِعُ من ذلك بِيَمِينِه. فإنْ آلَى بالعَجَمِيَّة مَنْ لا يُحْسِنُها، وهو لا يَدْرِى مَعْناها، لم يكُنْ مُولِيًا، وإِنْ نَوَى مُوجِبَها عندَ أهْلِها. وكذلك الحُكْمُ إذا آلَى بالعربيَّة مَنْ لا يُحْسِنُها؛ لِأنَّه لا يصِحُّ مِنه قَصْدُ الإِيلاء بلفظٍ لا يَدْرِى مَعْناه. فإِن اختَلَفَ الزَّوْجانِ فى مَعْرِفَتِه بذلك، قالقَوْلُ قولُه إذا كان مُتَكَلِّمًا بغيرِ لِسانِه؛ لِأَنّ الأصلَ عَدَمُ مَعْرِفَتِه بها. فأمَّا إنْ آلى العَرَبِىُّ بالعربيّة، ثم قال: جَرى على لِسانِى من غيرِ

стр. 5568

قَصْدٍ. أو قال ذلك العَجَمِىُّ فى إيلائِه بالعَجَمِيَّةِ، لم يُقْبَلْ فى الحُكمِ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ. فصل: ومُدَّةُ الإِيلاءِ فى حقِّ الأَحْرارِ والعَبِيدِ والمُسلمين وأهلِ الذِّمَّةِ سواءٌ، ولا فَرْقَ بين الحُرَّةِ والأَمةِ، والمُسْلِمَةِ والذِّمِّيَّةِ، والصَّغيرَةِ والكَبيرةِ، فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ مُدَّةَ إيلاءِ العَبِيدِ شَهْرانِ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وقَوْلُ عَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، ومَالِكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّهم على النِّصْفِ فى الطَّلاقِ، وعَدَدِ المَنْكوحاتِ، فكذلك فى مُدَّةِ الإِيلاءِ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ: إيلاؤُه من الأَمَةِ شَهْرانِ، ومن الحُرَّةِ أرْبَعَةٌ. وقال الشَّعْبِىُّ: إيلاءُ الأَمَةِ نِصْفُ إيلاءِ الحُرَّةِ. وهذا قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ ذلك تَتَعلَّقُ به البَيْنُونَةُ عندَه، فاخْتَلَفَ (٩٦) بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ كالطَّلاقِ، ولِأنَّها مدةٌ يَثْبُتُ ابتِداؤُها بقولِ الزَّوجِ، فوَجَبَ أَنْ يَخْتلفَ بِرِقِّ المرأةِ وحُرِّيَّتِها، كمُدَّةِ العِدَّةِ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ، ولأنَّها مدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ، فاستَوَى فيها الرِّقُّ والحُرِّيَّةُ، كمُدَّة العُنَّةِ، ولا نُسَلِّمُ أنّ البَيْنُونَةَ تَتَعَلَّقُ بها، ثم يَبْطُل ذلك بمُدَّة العُنَّةِ، ويُخالِفُ مُدَّة العِدَّةِ؛ لِأنَّ العدَّة مَبْنِيَّةٌ على الكَمالِ، بدليلِ أَنَّ الاسْتِبْراءَ يَحْصُلُ بِقُرْءٍ واحِدٍ، وأمَّا مدَّةُ الإِيلاءِ فإنَّ الِاسْتِمْتاعَ بالحُرَّةِ أكثرُ، وكان يَنْبَغى أَنْ تَتَقَدَّمَ مُطالَبَتُها مُطالَبَةَ الأَمَةِ، والحقُّ على الحُرِّ فى الاسْتِمْتاعِ أكْثَرُ منه على العَبْدِ، فلا تَجُوزُ الزِّيادةُ فى مُطالَبَةِ العَبْدِ عليهِ. ١٢٩٩ - مسألة؛ قال: (فإِذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وَرَافَعَتْه، أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ (١)، والْفَيْئَةُ الْجِماعُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُولِىَ يتربَّصُ أربعةَ أشهرٍ، كما أمَرَ اللَّهُ تعالى، ولا يُطالَبُ بالوَطْءِ (٢)

стр. 5569

فيهنَّ، فإذا مَضَتْ أربعةُ أشْهُرٍ، ورَافَعَتْه امرأتُه إلى الحاكِمِ، وَقَفَه، وَأَمَرَه بالفَيْئَةِ، فإن أبَى أَمَرَه بالطَّلاقِ، ولا تَطْلُقُ زوجتُه بنَفْسِ مُضِىِّ المُدَّةِ. قال أحمدُ فى الإِيلاءِ: يُوقَفُ، عن الأكابرِ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ عن عمرَ شىءٌ يدلُّ على ذلك، وعن عُثْمانَ، وعلىٍّ، وجَعَلَ يُثْبِتُ حديثَ علىٍّ. وبه قال ابنُ عمرَ، وعائشةُ. ورُوِىَ ذلك عن أبى الدَّرْداءِ. وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: كان تِسْعَةَ عَشَرَ رجلًا من أصحابِ محمَّدٍ ﷺ يُوقِفونَ فى الإِيلاءِ (٣). وقال سُهَيْلُ بن أبى صالحٍ: سَأَلْتُ اثْنَىْ عَشَرَ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، فكلُّهم يقولُ: ليس عليه شىءٌ، حتَّى يَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، فيُوقَفُ، فإنْ فاءَ، وإلَّا طَلَّقَ (٤). وبهذا قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ، وقُبَيْصَةٌ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأصْحابُ الرَّأْىِ: إذا مَضَتْ أربعةُ أشهرٍ، فهى تطليقةٌ بائِنةٌ. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، ورُوِىَ عن أبى بَكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، ومَكْحولٍ، والزُّهْرِىِّ، تَطْليقةٌ رَجْعِيَّةٌ. ويُحْكَى عنِ ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يَقْرأُ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فِيهِنَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). ولِأنَّ هذه مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لاسْتِدْعاءِ الفِعْلِ منه، فكان ذلك فى المُدَّة كمُدَّة العُنَّةِ. ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وظاهِرُ

стр. 5570

ذلك أن الفَيْئَةَ بَعْدَ أربعةِ أشْهُرٍ؛ لِذِكْرِه الفَيْئَةَ بعدَها بالفاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦). ولو وَقَعَ بِمُضِىِّ المدَّةِ، لم يَحْتَجْ إلى عَزْمٍ عليه، وقولُه: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَقْتَضِى أَنَّ الطَّلاقَ مَسْمُوعٌ، ولا يكونُ المَسموعُ إلَّا كَلامًا، ولأنَّها مُدَّةٌ ضُرِبَتْ له تَأْجيلًا، فلم يَسْتَحِقَّ المُطالبَةَ فيها، كسائِرِ الآجالِ، ولأنَّ هذه مدَّةٌ لم يَتَقَدَّمْها إيقاعٌ، فلا يَتَقَدَّمُها وُقوعٌ، كمُدَّة العُنَّةِ. ومُدَّةُ العُنَّةِ حجَّةٌ لنا؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلَّا (٧) بمُضِيِّها، ولِأَنَّ مدَّةَ العُنَّةِ ضُرِبَتْ له ليُخْتَبَرَ فيها، ويُعْرَفَ عَجْزُه عن الوَطْءِ بتَرْكِهِ فى مدَّتِها، وهذه ضُرِبَتْ تأخيرًا له وتأجيلًا، ولا يَسْتَحِقُّ المُطالَبَةَ إلَّا بعدَ مُضِىِّ الأَجَلِ، كالدَّيْنِ. فصل: وابتداءُ المُدَّةِ من حينِ اليمينِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى ضَرْبِ مدَّةٍ؛ لِأنَّها ثَبَتَتْ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى ضَرْبٍ (٨)، كمُدَّة العُنَّةِ. ولا يُطالَبُ بالوَطْءِ فيها؛ لما ذَكَرْنا، فإنْ وَطِئَها (٩) فيها فَقَدْ عَجَّل (١٠) حَقَّها قبلَ مَحِلِّه، وخَرَجَ من الإِيلاءِ، كمَن عليه دَيْنٌ (١١) دَفَعَه قبل الأَجَلِ. وهكذا إنْ وَطِئَ بعدَ المدَّةِ، قبلَ المُطالَبَةِ أو بَعدَها، خرَج من الإِيلاءِ. وسواءٌ وَطِئَها، وهى عاقِلةٌ أو مجنونةٌ، أو يَقْظانةٌ أو نائِمةٌ؛ لِأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه، فإنْ وَطِئَها وهو مَجْنُونٌ، لم يَحْنَثْ. ذَكَرَه ابنُ حامدٍ. وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ، وعليه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه فعَل ما حَلَفَ عليه. والأوَّل أصحُّ؛ لِأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، والقَلَمُ عنه مَرْفوعٌ، ويخْرُجُ بِوَطْئِه عن الإِيلاءِ؛ لِأنَّه قد وَفَّاها حقَّها، وحَصَلَ منه فى حقِّها ما يَحْصُلُ من العاقِلِ، وإنَّما تَسْقُطُ الكفَّارَةُ عنه لِرَفْعِ القَلَمِ عنه. ذَكَرَ هذا ابنُ حامِدٍ. وهو أَحَدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشَّافِعىِّ. وذَكَرَ القاضى ما

стр. 5571

يدلُّ على أنَّه يَبْقَى مُولِيًا؛ فإنَّه قال: إذا وَطِئَ بعدَ إفاقَتِه، تَجِبُ عليه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ وَطْأَه الأَوَّلَ ما حَنِثَ به، وإذا بَقِيَتْ يَمِينُه، بَقِىَ الإِيلاءُ، كما لو لم يَطَأْ. وهذا قولُ المُزَنِىِّ. ويَنْبَغِى أن يُسْتأْنَفَ له مُدَّةُ الإِيلاءِ من حينَ وَطِئَ؛ لِأَنَّه لا يَنْبَغِى أَنْ يُطالَبَ بالفَيْئَةِ مع وجُودِها منه، ولا يُطَلَّقُ عليه؛ لانتِفائِها وهى موجودةٌ، ولكنْ تُضْرَبُ له مدَّةٌ لِبقاءِ حُكْمِ يمينِه. وقيلَ: تُضْرَبُ له المدَّةُ إذا عَقَلَ؛ لِأنَّه حينئذٍ يُمْنَعُ من الوَطْءِ بِحُكْمِ يَمينِه. ومن قال بالأَوَّلِ قال: قد وفَّاها حَقَّها، فلم يَبْقَ الإِيلاءُ، كما لو حَنِثَ، ولا يَمْتَنِعُ انتفاءُ الإِيلاءِ مع اليمينِ، كما لو حَلَفَ لا يَطَأُ أجنبيةً، ثم تَزَوَّجَها. فصل: وإن وَطِئَ العاقلُ ناسيًا لِيَمِينِه، فهل يحنَثُ؟ على روايتَيْنِ. فإنْ قُلنا: يَحْنَثُ. انْحَلَّ إيلاؤُه، وذَهَبَتْ يَمِينُه. وإِنْ قُلنا: لا يَحْنَثُ. فهل يَنْحَلُّ إيلاؤُه؟ على وَجْهينِ، قياسًا على المجنونِ. وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذا آلى مِن إحْدَى زَوْجتَيْه، ثم وجَدها على فِراشِه، فظنَّها الأُخْرَى، فَوَطِئَها؛ لأنَّه جاهلٌ بها، والجاهِلُ كالنَّاسى فى الحِنْثِ. وكذلك إنْ ظنَّها أجنبيةً فبانَتْ زَوْجَتَه. وإنِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَه وهو نائِمٌ، لم يَحْنَثْ؛ لِأنَّه لم يفْعَلْ ما خَلَفَ عليه، ولِأنَّ القَلَمَ مَرْفوعٌ عنه. وهل يَخْرُجُ من حُكْمِ الإِيلاءِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ؛ أحدُهما، يَخْرُجُ؛ لِأنَّ المرأَةَ وصَلت إلى حَقِّها، فأَشْبَه ما لو وَطِئَ. والثَّانى، لا يخْرُجُ من حُكْمِ الإِيلاءِ؛ لِأنَّه ما وفَّاها حقَّها، وهو باقٍ على الامْتِناعِ من الوَطْءِ بِحُكْمِ اليَمِينِ، فكان مُولِيًا، كما لو لم يُفْعَلْ به ذلك. والحُكْمُ فيما إذا وَطِئَ وهو نائمٌ كذلك؛ لأنَّه لا يَحْنَث به. فصل: وإِنْ وَطِئَها وَطْئًا مُحَرَّمًا، مِثْلَ أَنْ وَطِئَها حائضًا، أو نفساءَ، أو مُحْرِمَةً، أو صائِمَةً صَوْمَ فَرْضٍ، أو كان مُحْرِمًا، أو صائمًا، أو مُظاهِرًا، حَنِثَ، وخَرَجَ من الإِيلاءِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو بكرٍ: قياسُ المذهبِ أَنْ لا يَخْرُجَ من الإِيلاءِ؛ لِأنَّه وَطْءٌ لا يُؤْمَرُ به فى الفَيْئَةِ، فلم (١٢) يَخْرُجْ به من الإِيلاءِ، كالوَطْءِ فى

стр. 5572

الدُّبُرِ. ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ يَمِينَه انْحَلَّتْ، ولم يَبْقَ مُمْتَنِعًا من الوَطْءِ بحُكْمِ اليَمِينِ، فلم يَبْقَ الإِيلاءُ، كما لو كَفَّر عن (١٣) يَمِينِه، أو كما لو وَطِئَها مريضةً. وقد نصَّ أحمدُ، فى من حَلَفَ، ثم كفَّر يَمينَه، أنَّه لا يَبْقَى مُولِيًا، لِعَدَم حُكْمِ اليمينِ مع أنَّه ما وفَّاها حقَّها، فلأَنْ يزولَ بزَوالِ اليمينِ بِحِنْثِه فيها أَولَى. وقد ذكر القاضى فى المُحْرِمِ (١٤) والمُظاهِرِ، أنَّهما إذا وَطِئَا فقد وَفَّياها حَقَّها. وفارَقَ الوَطْءَ فى الدُّبُر؛ فإنَّه لا يَحْنَثُ به، وليس بِمَحل لِلْوَطْءِ، بخلافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: وإذا آلَى منها، وَثَمَّ عُذْرٌ يَمْنعُ الوطءَ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، كمَرَضِه، أو حَبْسِه، أو إحْرامِه، أو صِيامِه، حُسِبَتْ عليه المدَّةُ مِن حينِ إيلائِه؛ لأنَّ (١٥) المانِعَ من جِهَتِه، وقد وُجِدَ التَّمْكِينُ الذى عليها. ولذلك لو أمْكَنَتْه من نَفْسِها، وكان مُمْتَنِعًا لِعُذْرٍ، وَجَبَتْ لها النَّفَقَةُ. وإِنْ طَرَأ شىءٌ من هذه الأعْذارِ بعدَ الإِيلاءِ، أو جُنَّ، لم تنْقطِعِ المُدَّةُ؛ للمَعْنَى الَّذِى ذكرْناه. وإِنْ كان المانِعُ من جهتِها، نَظَرْنا؛ فإنْ كان حَيْضًا، لم يمنعْ ضَرْبَ المُدَّةِ؛ لِأَنَّه لو مَنَعَ لم يُمْكِنْ ضَرْبُ المدَّةِ؛ لأنَّ الحَيضَ فى الغالِبِ لا يَخْلُو منه شهرٌ، فيُؤَدِّى ذلك إلى إسْقاطِ حُكْمِ الإِيلاءِ، وإن طَرَأ الحَيْضُ، لم يَقْطَعِ المُدَّةَ؛ لما ذكرْناه (١٦). وفى النِّفاس وَجْهان؛ أحدُهما، هو كالحيْضِ؛ لِأنَّ أحكامَه أحكامُ الحيضِ. والثانى، هو كسائِرِ الأعْذارِ التى مِن جِهَتِها؛ لأنَّه نادِرٌ غيرُ مُعْتادٍ، فأشْبَهَ سَائِرَ الأعْذارِ. وأمَّا سائرُ الأعْذارِ التى مِن جِهَتِها؛ كَصِغَرِها، ومرضِها، وحَبْسِها، وإحْرامِها، وصِيَامِها واعْتِكافِها المفْرُوضَيْنِ، ونُشُوزِها، وغَيْبَتِها، فمتى وُجِدَ منها شىءٌ حالَ الإِيلاءِ، لم تُضْرَبْ له المدَّةُ حتى يَزُولَ؛ لأنَّ المُدَّةَ تُضْرَبُ لامْتناعِه

стр. 5573

من وَطْئِها، والمنعُ ههُنا من قِبَلِها. وإِنْ وُجِدَ (١٧) شىءٌ مِن هذه الأسْبابِ، اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ، ولم يَبْنِ على ما مَضَى؛ لِأنَّ قولَه سُبْحانَه: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ يَقْتضِى مُتَوالِيةً. فإذا قَطَعَتْها، وَجَبَ استِئْنافُها، كمُدّة الشَهْرَيْن (١٨) فى صَوْمِ الكفَّارةِ. وإِنْ حَنِثَ (١٩) وهَرَبَتْ من يَدِه، انْقَطَعَتِ المُدَّةُ. وإِنْ بَقِيَتْ فى يدِه وأمْكَنَه وَطْؤُها، احتُسِبَ عليه بها (٢٠). فإن قيل: فهذه الأسْبابُ منها ما لا صُنْعَ لها فيه، فلا يَنْبَغِى أن تُقطَعَ المُدَّة، كالحَيْضِ. قُلْنا: إذا كان المَنْعُ لمعنًى فيها، فلا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِه بفِعْلِها، أو بغيرِ فِعْلِها. كما أَنَّ البائِعَ إذا تعذَّرَ عليه تَسْليمُ المَعْقودِ عليه، لم يَتَوَجَّهْ له المُطالبةُ بِعِوَضِه، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ. وإن آلَى فى الرِّدَّةِ، لم تُضْرَبْ له المُدَّةُ إلَّا من حين رُجوعِ المُرْتَدِّ منهما إلى الإِسْلامِ. وإِنْ طَرَأت الرِّدَّةُ فى أثناءِ المُدَّةِ، انْقَطَعْت؛ لِأنَّ النِّكاحَ قد تَشَعَّثَ وحَرُمَ الوَطْءُ، فإذا عاد إلى الإِسْلامِ، استُؤْنِفَت المدَّةُ، سواءٌ كانت الرِّدَّةُ منهما أو مِن أحدِهما. وكذلك إنْ أسلمَ أحَدُ الزوجَيْن الكافِرَيْنِ، أو خالعَها، ثم تَزَوَّجَها. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإذا انْقَضتِ المُدَّةُ، فلها المُطالبةُ بالفَيْئَةِ إن لم يكُنْ عُذْرٌ. فإنْ طالبتْه، فطَلَبَ الإِمْهالَ، فإنْ لم يكُنْ له عُذْرٌ، لم يُمْهَلْ؛ لِأنَّه حقٌّ تَوَجَّهَ عليه، لا عُذْرَ له فيه، فلم يُمْهَلْ به، كالدَّيْنِ الحالِّ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَ المُدَّة أربعةَ أشهرٍ، فلا تجوزُ الزِّيادَةُ عليها بغيرِ عذرٍ، وإِنَّما يُؤَخَّرُ قَدْرَ ما يَتَمَكَّنُ مِنَ (٢١) الجِماعِ فى حُكْمِ العادَةِ؛ فإنه لا يَلْزَمُه الوَطْءُ فى مَجْلِسِه، وليس ذلك بإمْهالٍ. فإنْ قال: أمْهِلونِى حتَّى آكُلَ فإنِّى جائِعٌ، أو حتى (٢٢) يَنْهَضِمَ الطَّعامُ فإنِّى كَظِيظٌ (٢٣). أو أصَلِّىَ الفَرْضَ، أو أُفْطِرَ من

стр. 5574

صَوْمِى. أمْهِلَ بقَدْرِ ذلك؛ فإنَّه يُعْتَبَرُ أَنْ يَصِيرَ إلى حالٍ يُجامِعُ فى مِثْلِها فى العادَةِ. وكذلك يُمْهَلُ حتَّى يَرْجِعَ إلى بَيْتِه؛ [لأنَّ العادةَ فِعْلُ ذلك فى بَيْتِه] (٢٤). وإِنْ كان لها عُذْرٌ يَمْنَعُ من وَطْئِها، لم يكُنْ لها المُطالبةُ بالفَيْئَةِ؛ لأنَّ الوطءَ مُمْتَنِعٌ من جِهَتِها، فلم يكُنْ لها مُطالبتُه بما يَمْنَعُه منه، ولأنَّ المُطالبةَ فَرْعُ (٢٥) الاسْتِحْقاقِ، وهى لا تسْتَحِقُّ الوَطْءَ فى هذه الأحْوالِ، وليس لها المُطالبةُ بالطَّلاقِ؛ لأنَّه إنَّما يُسْتَحَقُّ عندَ امْتناعِه من الفَيْئَة الواجِبَةِ، ولم يَجِبْ عليه شىءٌ، ولكنْ تتأخَّرُ المُطالَبةُ إلى حالِ زوالِ العُذْرِ، إن لم يكُنِ العُذْرُ قاطعًا للمُدَّةِ كالحَيْضِ، أو كان العُذْرُ حَدَثَ بعدَ انْقضاءِ المدَّةِ. فصل: فإنْ عفتْ عن المُطالَبَةِ بعدَ وُجوبِها، فقال بعضُ أصْحابِنا: يَسْقُطُ حقُّها، وليس لها المُطالَبةُ بعدَه. وقال القاضى: هذا قياسُ المذهَبِ؛ لِأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حقِّها من الفَسْخِ لِعَدَمِ الوطءِ، فَسَقَطَ حقُّها منه، كامرأةِ العِنِّينِ إذا رَضِيَتْ بِعُنَّتِه. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَسْقُطَ حقُّها، ولها المُطالَبةُ متى شاءَتْ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها تَثْبُتُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ بتَرْكِ ما يَتَجَدَّدُ مع الأحْوالِ، فكان لها الرُّجُوعُ، كما لو أَعْسَرَ بالنَّفَقَةِ، فعَفَّتْ عن المُطالَبةِ بالفَسْخِ، ثم طالَبَتْ، وفارَقَ الفَسْخَ للعُنَّةِ؛ فإنَّه فَسْخٌ لعَيْبِه، فمتى رَضِيَتْ بالعَيْبِ، سَقَطَ حَقُّها، كما لو عَفا المُشْتَرِى عن عَيْبِ المَبِيعِ، وإِنْ سَكَتَتْ عن المُطالَبةِ، ثمَّ طالَبَتْ بعدُ، فلها ذلك؛ لأنَّ حقَّها يَثْبُتُ على التَّراخِى، فلم يَسْقُطْ بتأْخِيرِ المُطالَبةِ، كاسْتِحْقاقِ النَّفَقَةِ. فصل: والأمَةُ كالحُرَّةِ فى اسْتِحْقاقِ المطالَبةِ، سَواءٌ عَفا السَّيِّدُ عن ذلك أو لم يَعْفُ؛ لِأنَّ الحَقَّ لها، حيثُ كان الاسْتِمْتاعُ يَحْصُل لها. فإنْ تَرَكَتِ المُطالَبةَ، لم يكنْ لِمَوْلاها الطَّلَبُ؛ لأنَّه لا حَقَّ له. فإنْ قيل: حَقُّه فى الولد، ولهذا لم يَجُزِ العَزْلُ عنها [إلَّا بإِذْنِه] (٢٦). قُلْنا: لا يسْتَحِقُّ على الزَّوْجِ اسْتيلادَ المرأةِ؛ ولذلك (٢٧) لو حَلَفَ لَيَعْزِلَنَّ

стр. 5575

عنها، أو لا يَسْتَوْلِدُها، لم يكُنْ مُولِيًا، ولو أَنَّ المُولِىَ وَطِئَ بحيثُ يُوجَدُ الِتقاءُ الخِتانَيْنِ، حَصَلَتِ الفَيْئَةُ، وزالتْ عنه المطالَبةُ، وإن لم يُنْزِلْ، وإنَّما استُؤْذِنَ السَّيِّدُ فى العَزْلِ؛ لِأنَّه يَضُرُّ بالأمَةِ، فرُبَّما نَقَصَ قِيمَتَها. فصل: فإنْ كانت المرأَةُ صغيرةً، أو مَجْنونةً، فليس لهما المُطالَبةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهما غيرُ مُعْتَبَرٍ، وليس لِوَلِيِّهما المُطالَبةُ لهما؛ لأنّ هذا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ، فلا يَقُومُ غيرُهما مَقامَهما فيه (٢٨). فإنْ كانتا مِمَّنْ لا يُمْكِنُ وَطْأُهما، لم يُحْتَسَبْ عليه بالمُدَّةِ؛ لأنَّ المَنْعَ من جِهَتِهِما. وإِنْ كان وَطْأُهُما مُمْكِنًا. فإنْ أفاقَتِ المجنونةُ، أو بَلَغَتِ الصغيرةُ، قَبْلَ انقضاءِ المدَّةِ، تُمِّمَتِ المُدَّةُ، ثم لها (٢٩) المُطالبةُ، وإِنْ كان ذلك بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فلهما المُطالَبةُ يَومَئِذٍ؛ لِأنَّ الحقَّ لهما ثابِتٌ، وإنَّما تَأَخَّر لعدم إمكانِ المُطالَبةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تُضْرَبُ المدَّةُ فى الصغيرةِ حتَّى تَبْلُغَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تُضْرَبُ المدَّةُ، سواءٌ أَمْكَنَ الوطْءُ أو لم يُمْكِنِ الوطءُ، فإنْ لم يُمْكِنْ فاءَ بِلِسانِه، وإلَّا بانتْ بانْقِضاءِ المُدَّةِ. وكذلك الحكمُ عندَه (٣٠) فى النَّاشِزِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْناءِ، والَّتِى غابَتْ فى المُدَّةِ؛ لأنَّ هذا إيلاءٌ صحِيحٌ، فوجبَ أن تَتَعَقَّبَه المدَّةُ، كالتى يُمْكِنُه جماعُها. ولَنا، أَنَّ حقَّها من الوَطْءِ يسقُطُ بتَعَذُّرِ جماعِها، فوجَبَ أَنْ تَسْقُطَ المُدَّةُ المَضْرُوبةُ له، كما يسْقُطُ أَجَلُ الدَّيْنِ بسُقوطِه. وأمَّا الّتى أمْكَنَه جاعُها، فتُضْرَبُ له المُدَّةُ فى حقِّها؛ لأنَّه إيلاءٌ صحِيحٌ مِمَّنْ يُمْكِنُه جماعُها، فتُضْرَبُ له المُدَّة كالبالِغةِ، ومَتَى (٣١) قَصَدَ الإِضرارَ بهما (٣٢) بتَرْكِ الوطءِ أَثِمَ، ويُستحبُّ أن يُقالَ له: اتَّقِ اللَّهَ فإمَّا أن تَفِئَ، وإمَّا أَنْ تُطَلَّقَ، فإنّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣٣). وقال تعالى:

стр. 5576

﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣٤). وليس الإِضْرَارُ مِن المُعاشَرَةِ بِالمَعْرُوفِ. ١٣٠٠ - مسألة؛ قال: (وَالفَيْئَةُ: الجِماعُ) ليس فى هذا اختلافٌ بحمدِ اللَّهِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أَنَّ الفَىْءَ الجماعُ. كذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ. ورُوِىَ ذلكَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال مَسْرُوقٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدَةَ، وأصحابُ الرَّأْىِ، إذا لم يكُنْ عُذْرٌ. وأصلُ الفَىْءِ الرُّجُوعُ، ولذلك يُسَمَّى الظِّلُّ بعدَ الزَّوالِ فَيْئًا؛ لأنَّه رَجَعَ مِنَ المَغْرِب إلى المشْرِق، فسُمِّىَ الجِماعُ من المُولِى فَيْئَةً؛ لأنَّه رُجُوعٌ (١) إلى فِعْلِ ما تَرَكَه. وَأَدْنَى الوَطْءِ الَّذِى تَحْصُل به الفيئةُ، أَنْ تَغِيبَ الحَشَفَةُ فى الفَرْجِ؛ فإنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به. ولو وَطِئَ دونَ الفَرْجِ، أو فِى الدُّبُرِ، لم يكُنْ فيئةً؛ لِأنَّه ليس بمَحْلوفٍ على تَرْكِه، ولا يزُولُ الضَّرَرُ بفِعْلِه. فصل: وإذا فاءَ، لَزِمَتْه الكفَّارةُ، فى قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن زيدٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ مَذْهبِ الشَّافِعِىِّ. وله قولٌ آخَرُ: لا كفَّارَةَ عليه. وهو قولُ الحسنِ. وقال النَّخَعِىُّ: كانوا يقُولون ذلك؛ لِأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قال قَتادَةُ: هذا خالَفَ النَّاسَ. يعنى قولَ الحسنِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآيةَ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا

стр. 5577

حَلَفْتُمْ﴾ (٣). وقال سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْها، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولِأنَّه حالِفٌ حانِثٌ فى يَمِينِه، فَلَزِمَتْهُ الكفَّارةُ كما لو حَلَفَ على تَرْكِ فريضةٍ ثم فَعَلَها، والمغْفِرَةُ لا تُنافِى الكفَّارةَ، فإنَّ اللَّهَ تَعالَى قد غَفَرَ لرسولِه ﷺ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه وما تَأَخَّرَ، وقد كان يقول: "إِنِّى وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وتَحَلَّلْتُهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٦). فصل: وإن كان الإِيلاءُ بتَعْليقِ عِتْقٍ أو طَلاقٍ، وَقَعَ بِنَفْسِ الوَطْءِ؛ لِأنَّه مُعَلَّقٌ بصِفَةٍ، وقد وُجِدَتْ. وإن كان على نَذْرٍ، أو عِتْقٍ، أو صَوْمٍ، أو صلاةٍ، أو صَدَقَةٍ، أو حَجٍّ، أو غيرِ ذلك من الطاعاتِ أو المباحاتِ، فهو مُخَيَّرٌ بين الوفاءِ به وبينَ كفَّارةِ

стр. 5578

يمينٍ؛ لِأنَّه نَذْرُ لَجاجٍ وغَضَبٍ، فهذا حُكْمُه. وإن عَلَّقَ طلاقَها الثَّلاثَ بِوَطْئِها، لم يُؤْمَرْ بالفَيْئَةِ، وأُمِرَ بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الوطءَ غيرُ مُمْكِنٍ؛ لِكَوْنها تَبِينُ منه بإيلَاجِ الحَشَفَةِ، فيصيرُ مُسْتَمْتِعًا بأجْنَبِيَّةٍ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وأكثرُهم قالوا: تجوزُ الفَيْئَةُ؛ لأنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ للوطءِ، وتَرْكُ الوَطْءِ ليس بوَطْءٍ. وقد ذَكَرَ القاضى أَنَّ كلامَ أحمدَ يقْتَضِى روايَتَيْنِ، كهذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. واللائِقُ بمذهبِ أحمدَ تَحْرِيمُه؛ لوجوهٍ ثَلاثةٍ، أحدُها أنّ آخِرَ الوَطْءِ حَصَلَ فى أجنبيةٍ كما ذكرْنا؛ فإنَّ النَّزْعَ يُلْتَذُّ به كما يُلْتَذُّ بالإِيلاجِ، فيكونُ فى حُكْمِ الوَطْءِ، ولذلك قُلْنا فى مَن طَلَعَ عليه الفجرُ وهو مُجامِعٌ، فنزَع: أنَّه يُفْطِرُ. والتَّحْريمُ ههُنا أوْلَى؛ لأنّ الفِطْرَ بالوَطْءِ. ويُمْكِنُ مَنْعُ كَونِ النَّزعِ وَطْئًا، والمُحْرَّمُ ههُنا الاسْتِمْتاعُ، والنَّزْعُ اسْتِمْتاعٌ، فكان مُحرَّمًا، ولِأَنَّ لَمْسَها على وَجْهِ التَّلَذُّذِ بها مُحَرَّمٌ، فلَمْسُ الفَرْجِ بالفَرْجِ أوْلَى بالتَّحْريمِ. فإنْ قيل: فهذا إنَّما يَحْصُلُ ضرورةَ تَرْكِ الوطءِ المحرَّمِ. قُلْنا: فإذا لم يُمْكِنِ الوَطْءُ إلَّا بفِعْلِ مُحَرَّمٍ حُرِّمَ ضرورةَ تَرْكِ الحرامِ. كما لو اختلطَ لَحْمُ الخِنزيرِ بلحمٍ مُباحٍ, لا يُمْكِنُه أَكْلُه إلَّا بأَكْلِ لحمِ الخنزيرِ، حُرِّمَ، ولو اشتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، أو امرأتُه بأجْنبيَّةٍ، حُرِّمَ الكُلُّ. الوَجْهُ الثانى, أنَّه بالوَطْءِ يَحْصُلُ الطَّلاقُ بعدَ الإِصابةِ، وهو طلاقُ بِدْعَةٍ، وكما يَحْرُمُ إيقاعُه بلسانِه، يَحْرمُ تحقيقُ سَبَبِه. الثالث، أنَّه (٧) يَقَعُ به طلاقُ البِدْعةِ مِن وَجْهٍ آخَرَ، وهو جَمْعُ (٨) الثَّلاثِ، فإنْ وَطِىءَ، فعليه أَنْ يَنْزِعَ حين (٩) يُولِجُ الحَشَفَةَ، ولا يزيدَ على ذلك، ولا يَلْبَثَ ولا يتحرَّكَ عند النَّزْعِ؛ لِأنَّها أجْنبيَّةٌ، فإذا فعلَ ذلك، فلا حَدَّ ولا مَهْرَ؛ لِأنَّه تاركٌ للوطءِ، وإِنْ لَبِثَ أو تَمَّمَ الإِيلاجَ، فلا حَدَّ عليه، لتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ منه، لكَوْنِه وَطْئًا بَعْضُه فى زَوْجتِه، وفى المهرِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يلزمُه؛ لأنَّه حَصَلَ منه وطءٌ مُحَرَّمٌ فى مَحلٍّ غيرِ مَمْلوكٍ، فأوجبَ المهرَ، كما لو أوْلَجَ بعدَ النَّزعِ. والثانى،

стр. 5579

لا يَجِبُ؛ لأنَّه تابَعَ الإِيلاجَ فى مَحَلٍّ مَمْلوكٍ، فكان تابِعًا له فى سُقُوطِ المَهْرِ. وإِنْ نَزَعَ، ثم أوْلَجَ، وكانا جاهِلَيْنِ بالتَّحْريمِ، فلا حَدَّ عليهما، وعليه المهرُ لها، ويَلْحَقُه النَّسَبُ. وإِنْ (١٠) كانا عالِمَيْنِ بالتَّحْريمِ، فعليهما الحدُّ؛ لأنَّه إيلاجٌ فى أجْنَبِيَّةٍ بغيرِ شُبْهَةٍ، فأَشْبَهَ ما لو طَلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ وطِئَها، ولا مهرَ لها؛ لِأنَّها مُطاوِعَةٌ على الزِّنَى، ولا يلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه من زِنى لا شُبْهَةَ فيه. وذكرَ القاضى وجهًا، أنَّه لا حَدَّ عليهما؛ لأنَّ هذا مِمَّا يَخْفَى على كثيرٍ من الناس، وهو وَجْهٌ لِأصحابِ الشَّافِعِىِّ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الكلامَ فى العالِمَيْنِ، وليس هو فى مَظِنَّةِ الخَفاءِ؛ فإنَّ أكثَرَ المسلمينَ يعلَمونَ أَنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ مُحَرِّمٌ للمرأةِ. وإِنْ كان أحدُهما عالمًا، والآخَرُ جاهلًا، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان هو العالِمَ، فعليه الحَدُّ، ولها المهرُ، ولا يلحَقُه النَّسَبُ؛ لِأنَّه زَانٍ محدودٌ. وإِنْ كانت هى العالِمَةَ دُونَه، فعليها الحَدُّ وحْدَها، ولا مهرَ لها، والنَّسَبُ لاحِقٌ بالزَّوْجِ، لِأنَّ وَطْأَهُ وَطْءُ شُبْهةٍ. فصل: فإن قال: إن وَطِئْتُكِ، فأنتِ عَلَىَّ كظَهْرِ أمِّى. فقال أحمدُ: لا يَقْرَبُها حتَّى يُكَفِّرَ. وهذا نَصٌّ فى تحْريمِها قبلَ التَّكْفيرِ، وهو دليلٌ على تَحْريمِ الوَطْءِ فى المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها بطَرِيقِ التَّنْبيهِ؛ لِأنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا أعْظَمُ تحْريمًا من المُظاهَرِ منها. وإذا وَطِئَ ههُنا، فقد صار مُظاهِرًا من زَوْجتِه، وزال حُكْمُ الإِيلاءِ. ويَحْتَمِلُ أنّ أحمدَ إنَّما أرادَ، إذا وَطِئَها مرَّةً، فلا يطأُها حتَّى يُكَفِّرَ؛ لكَوْنِه صار بالوَطْءِ مُظاهِرًا، إذْ لا يَصِحُّ تَقْديمُ الكفَّارةِ على الظِّهارِ؛ لِأنَّه سببُها، ولا يجوزُ تَقْديمُ الحُكْمِ على سَببِه. ولو كَفَّر قبلَ الظِّهارِ لم يُجْزِئْهُ. وقد رَوَى إسْحاقُ، قال: قلتُ لأحمدَ، فى من قال لزوجتِه: أنتِ عَلَىَّ كظَهْرِ أُمِّى إن قَرُبْتُكِ إلى سَنَةٍ. قال: إنْ جاءتْ تَطْلُبُ، فليس له أن يَعْضُلَها بعدَ مُضِىِّ الأربعةِ الأشْهُرِ، يُقالُ له: إمَّا أَنْ تَفِىءَ، وإمَّا أن تُطَلِّقَ. فإنْ وَطِئَها، فقد وجَب عليه كفَّارةٌ، وإِنْ أبَى، وأرادتْ مُفارَقَتَه، طلَّقها الحاكِمُ عليه. فيَنْبَغِى أَنْ تُحْمَلَ الرِّوايةُ

стр. 5580

لأُولَى على المَنْعِ من الوَطءِ بعدَ الوَطءِ الَّذى صار به مُظاهِرًا؛ لما ذكَرْناه، فتكونُ الرِّوايتان مُتَّفِقَتَيْنِ. واللَّهُ تعالى أعلمُ. ١٣٠١ - مسألة؛ قال: (أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ إحْرَامٍ، أَوْ شَىْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِماعُ، فيقولُ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا. فَيَكُونُ ذلِكَ مِنْ قَوْلِه فَيْئَةً لِلْعُذْرِ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا مَضَتِ المُدَّةُ، وبالمُولِى عُذْرٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ من مَرَضٍ، أو حَبْسٍ بغير حقٍّ، أو غيرِه، لَزِمَه أَنْ يَفِىءَ بلسانِه، فيقولَ: متى قَدَرْتُ جامعتُها. أو نحوَ (١) هذا. ومِمَّن قال: يَفِئُ بلسانِه إذا كان ذا عُذْرٍ. ابنُ مسعودٍ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزاعِىُّ، وعِكرِمَةُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لا يكون الفَىءُ إلَّا بالجِماع (٢)، فى حال العُذْرِ وغيرِه. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا لم يَقْدِرْ، لم يُوقَفْ حتى يَصِحَّ، أو يَصِلَ إنْ كان غائِبًا، ولا تَلْزمُه الفَيْئةُ بلسانِه؛ لِأنَّ الضَّرَرَ بِتَرْكِ الوَطْءِ لا يزُولُ بالقَوْلِ. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يحتاجُ أن يقولَ: قد نَدِمْتُ على ما فَعَلْتُ، وإن قَدَرْتُ وَطِئْتُ. ولَنا، أَنَّ القَصْدَ بالفَيْئةِ تَرْكُ ما قَصَدَه مِنَ الإِضرارِ، وقد تَرَكَ قَصْدَ الإِضْرارِ بما أتَى به من الاعْتِذارِ، والقولُ مع العُذْرِ يَقُومُ مَقامَ فِعْلِ القادرِ، بدليلِ أَنَّ (٣) إشْهادَ الشَّفِيعِ على الطَّلَبِ بالشُّفْعَةِ عندَ العَجْزِ عن طَلَبِها، يقومُ مَقَامَ طَلَبِها فى الحُضُورِ فى إثْباتِها. ولا يَحْتاجُ أن يقولَ: نَدِمْتُ؛ لِأنَّ الغرَضَ أن يُظْهِرَ رُجوعَه عن المُقامِ على اليَمِينِ، وقد حَصَلَ بظُهُورِ عَزْمِه عليه. وحكى أبو الخطَّابِ عن القاضى، أَنَّ فَيْئةَ المَعْذورِ أن يقولَ: فِئْتُ إليكِ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. والذى ذكَره القاضى فى "المُجَرَّدِ" مِثلُ ما ذكَر

стр. 5581

الخِرَقِىُّ، وهو أحْسَنُ؛ لِأنَّ وَعْدَه بالفِعْلِ عندَ القُدْرَةِ عليه، دليلٌ على تَرْكِ (٤) قَصْدِ الإِضرارِ، وفيه نوعٌ مِن الاعْتِذارِ، وإخبارٌ بإزالَتِه للضَّرَرِ (٥) عندَ إمْكانِه، ولا يَحْصُلُ بقولِه: فِئْتُ إليكِ. شىءٌ من هذا. فأمَّا العاجِزُ لجَبٍّ (٦) أو شَلَلٍ، فَفيْئَتُه أَنْ يقولَ: لو قَدَرْتُ لجامعتُها. لأنَّ ذلك يُزِيلُ ما حَصَلَ بإيلائِه. فصل: والإِحْرامُ كالمَرَضِ، فى ظاهر قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وكذلك على قِياسِه الاعتكافُ المَنْذورُ والظِّهارُ. وذكر أصحابُنا أَنَّ المُظاهِرَ لا يُمْهَلُ، ويُؤْمَرُ بالطَّلاقِ. فيُخَرَّجُ من هذا أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِنْ فعلِه يَمْنَعُه الوَطْءَ لا يُمْهَلُ مِن أجْلِه. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لِأنَّ الامْتناعَ بِسَبَبٍ منه، فلا يُسْقِطُ حكْمًا واجبًا عليه. فعلى هذا لا يُؤْمَرُ بالوَطءِ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ عليه، ولكن يُؤْمَرُ بالطَّلاقِ. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّه عاجزٌ عن الوَطْءِ بأمرٍ لا يُمْكِنُه الخروجُ منه، فأَشْبَهَ المريضَ. فأمَّا المُظاهرُ، فيقال له: إمَّا أن تُكفِّرَ وتَفِىءَ، وإمَّا أَنْ تُطَلِّقَ. فإنْ قال: أمْهِلُونِى حتَّى أطْلُبَ رَقَبَةً، أو أُطْعِمَ. فإنْ عُلِمَ أنَّه قادِرٌ على التَّكْفيرِ فى الحالِ، وإنَّما يَقْصِدُ المُدافعةَ والتَّأخيرَ، لم يُمْهَلْ؛ لِأنَّ الحقَّ حالٌّ عليه. وإنَّما يُمْهَلُ للحاجةِ، ولا حاجةَ. وإِنْ لم يُعْلَمْ ذلك، أُمْهِلَ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ لأنَّها قريبةٌ، ولا يزادُ على ذلك. وإِنْ كان فَرْضُه الصِّيامَ، فطَلَبَ الإِمْهالَ ليصومَ شهرَيْنِ متتابعَيْنِ، لم يُمْهَلْ؛ لِأنَّه كثيرٌ. ويَتَخَرَّجُ أن يَفِىءَ بلسانِه فَيْئَةَ المَعْذورِ، ويُمْهَلَ حتَّى يصومَ، كقَوْلِنا فى المُحْرِمِ. فإنْ وَطِئَها فقد عَصَى، وانْحَلَّ إيلاؤُه. ولها مَنْعُه منه؛ لأنَّ هذا الوَطْءَ مُحَرَّمٌ عليهما. وقال القاضى: يَلْزَمُها التَّمْكينُ، وإن امْتَنَعَتْ سَقَطَ حقُّها؛ لِأنَّ حقَّها فى الوَطْءِ، وقد بذَلَه لها، ومتى وَطِئَها فقد وفَّاها حقَّها، والتَّحْريمُ عليه دُونَها. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ حرامٌ، فلا يَلْزَمُ التَّمْكينُ منه، كالوَطْءِ فى الحَيْضِ والنِّفاسِ. وهذا يَنْقُضُ دليلَهم. ولا نُسَلِّمُ كَوْنَ التَّحريمِ عليه دُونَها؛ فإنَّ الوَطْءَ متى حَرُمَ على أحدِهما حَرُمَ على

стр. 5582

الآخَرِ؛ لكَوْنِه فعلًا واحدَا، ولو جاز اخْتِصاصُ أحدِهما بالتَّحْريمِ، لَاخْتَصَّتِ المرأةُ بتَحْريمِ الوَطْءِ فى الحَيْضِ والنِّفاسِ وإحرامِها وصيامِها؛ لاخْتصاصِها (٧) بِسَبَبِه. فصل: وإن انقَضَتِ المُدَّةُ وهو محبوسٌ بحقٍّ يُمْكِنُه (٨) أداؤُه، طُولِبَ بالفَيْئَةِ؛ لأنَّه قادرٌ عليها بأداءِ ما عليه. فإنْ لم يَفعَلْ، أُمِرَ بالطَّلاقِ. وإِنْ كان عاجِزًا عن أدائِه، أو حُبِسَ ظُلْمًا، أُمِرَ بِفَيْئَةِ المعذورِ. وإنِ انْقَضَتْ وهو غائِبٌ، والطَّريقُ آمِنٌ، فلها أن تُوَكِّلَ مَنْ يُطالِبُه بالمَسِيرِ إليها، أو حَمْلِها إليه، فإنْ لم يفْعَلْ، أُخِذَ بالطَّلاقِ. وإِنْ كان الطريقُ مَخُوفًا، أو له عُذْرٌ يمنعُه، فاءَ فَيئةَ المعْذورِ. فصل: فإنْ كان مَغْلوبًا على عَقْلِه بِجُنونٍ أو إغماءٍ، لم يُطالَبْ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ للخِطابِ، ولا يَصِحُّ منه الجوابُ، وتتأخَّرُ المُطالبةُ إلى حالِ القُدْرَةِ، وزَوالِ العُذْرِ، ثمّ يُطالَبُ حينئذٍ. وإِنْ كان مَجْبُوبًا، وقُلْنا: يَصِحُّ إيلاؤُه. فاءَ فيئةَ المَعْذورِ، فيقولُ: لو قَدَرْتُ جامعتُها. فصل: وإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، فادَّعى أنَّه عاجِزٌ عن الوَطْءِ، فإِذا (٩) كان قد وَطِئَها مرَّةً، لم تُسْمَعْ دَعْواهُ العُنَّةَ، كما لا تُسْمَعُ دَعْواها عليه، ويُؤْخَذُ بالفَيْئةِ، أو بالطلاقِ، كغَيْرِه، وإن لم يكُنْ وَطِئَها، ولم تكُنْ حالُه معروفةً، فقال القاضى: تُسْمَعُ دَعْواهُ، ويُقْبَلُ قَوْلُه؛ لِأنَّ التَّعْنِينَ من العُيوبِ التى لا يَقِفُ عليها غَيْرُه. وهذا ظاهر نَصِّ الشَّافِعِىِّ. ولها أن تسْألَ الحاكِمَ، فيَضْرِبَ له مُدَّةَ العُنَّةِ بعدَ أن يَفِئَ فَيئةَ أهْلِ الأعْذارِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا [يُقْبَلُ قولُه] (١٠)؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ فى دَعْوَى ما يُسْقِطُ عنه حَقًّا تَوَجَّهَ عليه الطَّلَبُ به (١١)، والأصْلُ سلامتُه منه. وإن ادَّعَتْ أنَّه قد أصابَها مرَّةً،

стр. 5583

وأنْكَرَ ذلك، لم يكُنْ لها المُطالبةُ بضرْبِ مُدَّةِ العُنَّةِ، لاعْترافِها بِعَدَمِ عُنَّتِه، والقولُ قولُه فى عَدَمِ الإِصابةِ. ١٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فَمَتَى قَدَرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلَاقِ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا وُقِفَ، وطولِبَ بالْفَيْئةِ وهو قادرٌ عليها، فلم يفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ كلِّ مَنْ يقولُ: يُوقَفُ المُولِى؛ لِأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). فإذا امتنع مِن أداءِ الواجبِ عليه، فقد امتنعَ مِن الإِمْساكِ بالمعروفِ، فَيُؤْمَرُ بالتَّسْريحِ بالإِحْسانِ. وإِنْ كان مَعْذورًا، ففاءَ بلسانِه، ثم قَدَرَ على الوَطْءِ، أُمِرَ به، فإنْ فعلَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ: إذا فاءَ بلسانِه، لم يُطالَبْ بالفيئةِ مرَّةً أُخْرَى، وخَرَجَ من الإِيلاءِ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والأوْزاعِىِّ؛ لِأنَّه فاءَ مَرَّةً، فخَرَجَ من الإِيلاءِ، ولم تَلْزَمْه فَيْئةٌ ثانيةٌ، كما لو فاءَ بالوَطْءِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تُسْتَأنَفُ له مدَّةُ الإِيلاءِ؛ لِأنَّه وَفَّاها حقَّها بما أَمْكَنَه من الفَيْئَةِ، فلا يُطالَبُ إلَّا بعدَ اسْتِئْنافِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، كما لو طَلَّقَها. ولَنا، أنَّه أَخَّرَ حقَّها لِعجزِه عنه، فإذا قدَرَ عليه، لَزِمَه أن يوفِّيَها إيَّاهُ، كالدَّيْنِ على المُعْسِرِ إذا قَدَرَ عليه. وما ذكروه فليس بحقِّها، ولا يزُولُ الضَّرَرُ عنها به، وإنَّما وَعَدَها بالوفاءِ، ولَزِمَها الصَّبْرُ عليه وإنْظارُه (٢) كالغريمِ المُعْسرِ. فصل: وليس على مَنْ فاءَ بلسانِه كفَّارةٌ، ولا حِنْثٌ؛ لِأنَّه لم يفعل المَحْلوفَ عليه، وإنَّما وَعَدَ بفعلِه، فهو كَمَنْ عليه دَيْنٌ حَلَفَ أن لا يُوَفِّيَه، ثمَّ أَعْسَرَ به، فقال: متى قَدَرْتُ وَفَّيْتُه.

стр. 5584

١٣٠٣ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا امْتنَعَ مِن الفَيْئَةِ بعدَ التَّرَبُّصِ، أو امْتنَعَ المعذورُ من الفَيْئَةِ بلسانِه، أو امْتنَعَ من الوَطْءِ بعدَ زَوالِ عُذْرِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ. فإِنْ طَلَّقَ (١)، وَقَعَ طلاقُه الَّذى أوقَعَه، واحدةً كانت أو أَكْثَرَ. وليس للحاكِمِ إجْبارُه على أكثرَ مِن طَلْقَةٍ؛ لِأنَّه يَحْصُلُ الوفاءُ بِحقِّها بها؛ فإنَّها (٢) تُفْضِى إلى البَيْنُونةِ، والتَّخَلُّصِ مِن ضَررِه. وإن امْتنَعَ من الطَّلاقِ، طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبهذا قال مالِكٌ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، ليس للحاكم الطَّلاقُ عليه؛ لأنَّ ما خُيِّرَ الزَّوْجُ فيه بين أمرَيْنِ، لم يَقُمِ الحاكمُ مَقامَه فيه، كالاختيارِ لبعضِ الزَّوْجاتِ فى حقِّ مَنْ أَسْلَمَ وتَحْتَه أكثرُ مِن أربعِ نسوةٍ، أو أُخْتانِ. فعلى هذا يَحْبِسُه، ويُضَيِّقُ عليه، حتى يَفِىءَ، أو يُطَلِّقَ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتَيْنِ. ولَنا، أَنَّ ما دخَلتْه النِّيابةُ، وتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّه، وامْتَنعَ مَنْ هو عليه، قامَ الحاكمُ مَقامَه فيه، كقَضاءِ الدَّيْنِ، وفارَقَ الاختيارَ، فإنَّه ما تَعَيَّنَ مُسْتحِقُّه. وهذا أصَحُّ فى المذهبِ. ليس للحاكمِ أن يأمُرَ بالطَّلاقِ ولا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لِأنَّه حقٌّ لها. وإنَّما الحاكمُ يَسْتَوْفِى لها الحقَّ، فلا يكونُ إلَّا عندَ طَلَبِها. فصل: والطَّلاقُ الواجبُ على المُولِى رَجْعِىٌّ، سواءٌ أوْقَعَه بنفسهِ، أو طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وكذا قال الشَّافِعِىُّ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ فى المُولِى: فإنْ طَلَّقَها. قال: تكونُ واحِدَةً، وهو أحقُّ بها. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ فُرْقَةَ الحاكمِ تكونُ بائنًا. ذكر أبو بكر الرِّوايَتَيْنِ جميعًا. وقال القاضى: المنصوصُ عن أحمدَ، فى فُرقةِ الحاكمِ, أنَّها تكونُ بائنًا؛ فإنَّ فى رواية الأثْرَمِ: وقد سئل إذا طَلَّقَ عليه السلطانُ، أتكونُ واحدةً؟ فقال: إذا طَلَّقَ فهى واحدةٌ، وهو أحقٌّ بها، فأمَّا تَفْرِيقُ السلطانِ، فليس فيه رَجْعَةٌ. وقال أبو ثَوْرٍ: طلاقُ المُولِى بائِنٌ، سواءٌ طَلَّقَ هو، أو طَلَّقَ عليه الحاكمُ؛

стр. 5585

لِأنَّها فُرْقَةٌ لرَفْعِ الضَّرَرِ، فكان بائنًا، كفُرقةِ العُنَّةِ، ولِأنَّها لو كانتْ رَجْعِيَّةً، لم ينْدَفعِ الضَّرَرُ؛ لِأنَّه يرْتجعُها، فيَبْقَى الضَّرَرُ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يقع الطَّلاقُ بانْقضاءِ العِدَّةِ بائنًا. ووَجْهُ الأوَّلِ؛ أنَّه طلاقٌ صادَفَ مَدْخولًا بها مِن غيرِ عِوَضٍ، ولا اسْتيفاءِ عَدَدٍ، فكانَ رَجْعِيًا، كالطَّلاقِ فى غيرِ الإِيلاءِ. ويُفارِقُ فُرْقة العُنَّةِ؛ لِأنَّها فَسْخٌ لعَيْبٍ، وهذه طَلْقَةٌ، ولِأنَّه لو أُبِيحَ له ارْتجاعُها، لم ينْدَفِعْ عنها الضَّرَرُ، وهذه يَنْدَفِعُ عنها الضَّرَرُ؛ فإنَّه إذا ارْتجعَها، ضُرِبَتْ له مُدَّةٌ أُخْرَى، ولِأنَّ العِنِّينَ قد يُئِسَ من وَطْئِه، فلا فائدةَ فى رَجْعَتِه، وهذا غيرُ عاجزٍ، ورَجْعَتُه دليلٌ على رَغْبتِه وإقلاعِه عن الإِضْرارِ بها، فافْتَرَقا. واللَّهُ تعالى أعلمُ. ١٣٠٤ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَهِىَ ثَلَاثٌ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا امْتنَعَ مِن الفَيْئَةِ والطَّلاقِ معًا (١)، وقامَ الحاكِمُ مَقامَه، فإنَّه يَمْلِكُ من الطَّلاقِ ما يَملِكُه المُولِى، وإليه الخِيَرَةُ فِيهِ، إنْ شاءَ طلَّقَ واحِدةً، وإِنْ شاءَ اثنتَيْنِ، وإن شاءَ ثَلاثًا، وإِنْ شاءَ فَسَخَ. قال القاضى: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس له إلَّا واحدةٌ؛ لِأنَّ إيفاءَ الحقِّ يَحْصُلُ بها، فلم يَملكْ زيادةً عليها, كما لم يَمْلِكِ الزيادةَ على وَفاءِ الدَّيْنِ فى حقِّ المُمْتنِعِ. ولَنا، أَنَّ الحاكمَ قائمٌ مَقامَه، فملَكَ من الطَّلاقِ ما يَمْلِكُه، كما لو وَكَّلَه فى ذلك. وليس ذلك زيادةً على حقِّها؛ فإنَّ حقَّها الفُرقَةُ، غيرَ أنَّها تَتَنَوَّعُ، وقد يَرَى الحاكمُ المصْلحةَ فى تَحْريمِها عليه، ومَنْعِه رَجْعَتَها؛ لِعِلْمِه بِسُوءِ قَصْدِه، وحُصولِ المصْلَحَةِ بِبُعْدِه (٢). قال أبو عبدِ اللَّهِ: إذا قال: فرَّقْتُ بينَكما (٣). فإنَّما هو فَسْخٌ. وإذا قال: طَلَّقْتُ واحِدَةً. فهى واحدةٌ. وإذا قال: ثلاثًا. فهى ثلاثٌ.

стр. 5586

١٣٠٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، وَرَاجَعَ، وَقَدْ بَقِىَ مِنْ مُدَّةِ الإِيلَاءِ أكْثَرُ (١) مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَانَ الحُكْمُ كَمَا حَكَمْنَا فِى الأَوَّلِ) وجملةُ الأمرِ أنَّه إذا طَلَّقَ المُولِى، أو طلَّقَ الحاكمُ عليه أقلَّ من ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها. وعن أبى عبدِ اللَّهِ، ﵀، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ تَفْرِيقَ الحاكِمِ ليس فيه رَجْعَةٌ؛ فإنَّه قال: وأمَّا تَفْرِيقُ السُّلطانِ، فليس فيه رَجْعَةٌ فى العِدَّةِ، ولا بَعْدَها. فعلى هذه الرِّوايةِ، يكونُ طلاقُ الحاكِمِ بائنًا، ليس فيه رَجْعَةٌ. وقال أبو بكرٍ: فى كلِّ فُرقةٍ فَرَّقَها الحاكمُ رِوَايتانِ، لعانًا كانَتْ أو غيرَه؛ إحداهما، تَحْرُمُ على التَّأبيدِ. واخْتارَها. والثَّانيةُ، له المُراجَعَةُ فيها بعَقْدٍ جديدٍ. وهذا الصَّحِيحُ. وليس فى كلامِ أحمدَ ما يقْتضِى تحْريمَها عليه. وقوله: ليس فيه رَجْعَةٌ فى العِدَّةِ ولا بَعْدَها. يُمْكِنُ حَمْلُه على أنَّه ليس له رَجْعَتُها بغيرِ نكاحٍ جديدٍ؛ لأنَّه قد صَرَّحَ فى سائِرِ الرواياتِ به، ولأنَّه لم يُوجَدْ سَبَبٌ يقْتضِى تَحْريمَها عليه، وتَفْريقُ الحاكمِ لا يقْتضِى سِوَى التَّفْرِيقِ بينهما فى هذا النِّكاحِ، ولذلك لو فَرَّقَ بينَهما لأجْلِ العُنَّةِ، لم تَحْرُمْ عليه. وأمَّا فُرْقَةُ اللِّعانِ، فإنَّها تَحْصُلُ بدُونِ تَفْريقِ الحاكمِ. ولو حَصَلَتْ بتَفْريقِ الحاكمِ غيْرَ أَنَّ المُقْتَضِى للتَّفريقِ والتَّحريمِ اللِّعانُ، بدليلِ أنَّه لا يجوزُ إقرارُهما على النِّكاحَ وإِنْ تَراضَوْا به، بخلافِ مَسْألتِنا. وأمَّا على قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، فإنَّ الطَّلاقَ إذا كان دونَ الثَّلاثِ، فهو رَجْعِىٌ، سواءٌ كان من المُولِى، أو (٢) الحاكمِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ [لأنَّ الحاكمَ نائبُه، فلا يَقَعُ طلاقُه مُفِيدًا، كما لم يُفِدْه طَلاقُ المُولِى كالوَكيلِ. فإنْ لم يراجِعْ حتَّى انقَضَتْ عِدَّتُها، بانَتْ، ولم يَلحَقْها طلاقٌ ثانٍ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ] (٣)، ورُوِىَ عن عَلِىٍّ: إِذا سَبَقَ حَدُّ الإِيلاءِ حَدَّ الطَّلاقِ، فهما تَطْليقتانِ، وإن سَبق حدُّ الطَّلاقِ حَدَّ الإِيلاءِ، فهى واحِدَةٌ. ويَقْتضيهِ

стр. 5587

مذهبُ الزُّهْرِىِّ. وهذا مَبْنِىٌّ على أَنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ بانقضاءِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، [مِنْ غَيْرِ إيقاعٍ] (٤). وقد سَبَقَ ذِكْرُ ذلك. فأمَّا إن فَسَخَ الحاكمُ النِّكاحَ، فليس للمُولِى الرُّجُوعُ عليها إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، سواءٌ كان فى العِدَّةِ أو بعدَها. ولا يَنْقُصُ به عَدَدُ طلاقِه؛ لأنَّه ليس بطلاقٍ، فأشْبَهَ فَسْخَ النِّكاحِ لعَيْبِه أو عُنَّتِه. وإِنْ طَلَّقَ المُولِى أو الحاكمُ ثلاثًا، لم تَحِلَّ له إلَّا بعدَ زوجٍ ثانٍ وإصابةٍ ونِكاحٍ جديدٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا طَلَّقَ دُونَ الثَّلاثِ، فراجعَها فى عِدَّتِها، فإنَّ مُدَّةَ الإِيلاءِ تَنْقَطِعُ بالطَّلاقِ، ولا يُحْتَسَبُ عليه بما قَبْلَ الرَّجْعَةِ من المُدَّةِ؛ لأنَّها صارتْ مَمْنوعَةً منه (٥) بغيرِ اليَمِينِ، فانْقطَعتِ المُدَّةُ كما لو كانَ الطَّلاقُ بائنًا، فإنْ راجَعَ، استُؤْنِفَتِ المدَّةُ من حِينِ رَجْعَتِه، فإنْ كان الباقى منها أقلَّ مِن أربعةِ أشهرٍ، سَقَطَ الإِيلاءُ، وإِنْ كان أكثرَ منها تَرَبَّصْنا به أربعةَ أشهرٍ، ثم وَقَفناه لِيَفِىءَ أو يُطَلِّقَ، ثم يكونُ الحُكْمُ ههُنا كالحُكْمِ فى وقْفِه الأوَّلِ، فإنْ طَلَّقَ، أو طلَّقَ الحاكمُ عليه واحِدَةً، ثم راجَعَ، وقد بَقِىَ مِنْ مُدَّةِ الإِيلاء أكثرُ مِن أربعةِ أشهرٍ، انْتَظَرْناه أربعةَ أشهرٍ (٦)، ثم طُولِبَ بالفَيْئةِ أو الطَّلاقِ، فإنْ طلَّقَ، فقد كَمَلَتِ الثَّلاثُ، وحَرُمَتْ عليه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ويقْتضِى مذهبُ أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامِدٍ، أنَّه إذا طَلَّقَ اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ (٧) الأُخْرَى مِن حينَ طَلَّقَ، فلو تَمَّتْ أربعةُ أشهرٍ قبلَ انقضاءِ عِدَّةِ الطَّلاقِ، وُقِفَ ثانيًا، فإن فاءَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. ونحوُ هذا مذهبُ مالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. وإنِ انْقَضَتِ العِدَّةُ قبلَ مُدَّةِ الإِيلاءِ، بانَتْ، وانْقَطعَ الإِيلاءُ، فإنْ راجَعَ فى العِدَّةِ قَبْلَ مدَّةِ الإِيلاءِ، تَرَبَّصَ به تمامَ أربعةِ أَشهرٍ مِن حينَ طَلَّقَ. وعن ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وَقَتَادَةَ، وَالأَوْزاعِىِّ، أَنَّ الطَّلاقَ يَهْدِمُ الإِيلاءَ. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه أنَّه يَقْطَعُ مُدَّتَه، فلا يُحْتَسَبُ بمُدَّتِه قبلَ الرَّجْعَةِ؛ فيكونُ قولُ

стр. 5588

الْخرَقِىِّ مِثْلَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه يُزِيلُ حُكْمَه بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه قد وَفَّاها حقَّها بالطَّلاقِ، فسَقَطَ حُكْمُ الإِيلاءِ، كما لو وَطِئَها. والجوابُ عن هذا، أَنَّ حُكْمَ اليَمِينِ باقٍ فى المَنْعِ من الوَطْءِ، فيَبْقَى الإِيلاءُ، كما لو لم يُطَلِّقْ، بخلافِ الفَيْئَةِ، فإنَّها تَرْفَعُ اليَمينَ، لحُصُولِ الحِنْثِ فيها. ١٣٠٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ وَقَفْنَاهُ بَعْدَ الْأَربَعَةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتُهَا. فَإِنْ كانَتْ ثَيِّبًا، كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ) وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، والمرأةُ تَدَّعِى ما يَلْزَمُه به رَفْعُه، وهو يَدَّعِى ما يُوافِقُ الأصْلَ، ويُبْقِيه، فكانَ القولُ قولَه. كما لو ادَّعَى الوَطْءَ فى العُنَّةِ، ولأنَّ هذا أمرٌ خفِىٌّ ولا يُعْلَمْ إلَّا مِن جهتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كقولِ المرأةِ فى حَيْضِها. وتَلْزَمُه اليَمينُ؛ لأنَّ ما تَدَّعِيهِ المرأةُ مُحْتَمِلٌ، فَوَجَبَ نَفْيُه باليَمينِ. ونَصَّ أحمدُ، فى روايةِ الأثْرَمِ، على أنَّه لا يَلْزَمُه يَمِينٌ؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ. فأمَّا إنْ كانت بِكْرًا، واختَلَفا (١) فى الإِصابةِ، أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقاتِ، فإنْ شَهِدْنَ بثُيُوبَتِها، فالقولُ قولُه، وإِنْ شهدنَ ببَكَارَتِها، فالقولُ قولُها؛ لأنَّه لو وطئَها زالَتْ بَكارتُها. وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ أنَّه لا يَمِينَ ههُنا؛ لقولِه فى باب العِّنِينِ: فإنْ شَهِدْنَ بما قالتْ، أُجِّلَ سنةً. ولم يَذْكُرْ يَمِينَه. وهذا قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تَشْهَدُ لها، فلا تَجِبُ اليَمينُ معها. فصل: ولو كانتْ هذه المرأةُ غيرَ مَدْخُولٍ بها، فادَّعى أنَّه أصابَها، وكذَّبَتْه، ثم طَلَّقَها، وأرادَ رَجْعَتَها، كان القولُ قولَها، فنَقْبَلُ قولَه فى الإِصابةِ فى الإِيلاءِ، ولا نَقْبَلُه فى إثباتِ الرَّجْعَةِ له (٢)، وقد سَبَقَ تعليلُ ذلك فى كتابِ (٣) الرَّجْعَةِ.

стр. 5589

١٣٠٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ آلَى مِنْهَا, فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَها, وانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ؛ ثُمَّ نَكَحَهَا, وَقَدْ بَقِىَ مِنْ مُدَّةِ الإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ, وُقِفَ لَهَا، كَمَا وَصَفْتُ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا أبانَ زوجتَه، انْقَطعتْ مُدَّةُ الإِيلاءِ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه سَواءٌ بانَتْ بفَسْخٍ، أو طَلاقِ ثلاثٍ، أو بخُلْعٍ، أو بانْقِضاءِ عِدَّتِها مِن (١) الطَّلاقِ الرَّجْعِىِّ؛ لأنَّها صارتْ أجْنبيَّةً منه، ولم يَبْقَ شىءٌ من أحْكامِ نكاحِها. فإنْ عادَ فتزوَّجَها، عادَ حكمُ الإِيلاءِ من حينَ تزوَّجَها، واستُؤْنِفَتِ المدَّةُ حينئِذٍ، فإنْ كانَ الباقِى مِن مدَّةِ يَمِينِه (٢) أربعةَ أشهرٍ فما دُونَ، لم يَثْبُتْ حُكْمُ الإِيلاءِ؛ لأنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أربعةُ أشهرٍ، وإن كان أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ، تَرَبَّصَ أربعةَ أشهرٍ، ثم وُقِفَ لها، فإمَّا أَنْ يَفِىءَ، أو يُطَلِّقَ، وإِنْ لم يُطَلِّقْ، طلَّقَ الحاكمُ عليه. وهذا قولُ مالِكٍ. وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ كان الطَّلاقُ أقلَّ مِن ثلاثٍ، ثم تَرَكَها حتى انْقَضَتْ عدَّتُها، ثم نَكَحَها، عاد الإِيلاءُ، وإنِ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلاقِ، لم يَعُدِ الإِيلاءُ؛ لأنَّ حُكْمَ النِّكاحِ الأوَّلِ زالَ بالكُلِّيَّةِ، ولهذا تَرْجِعُ إليه على طلاقِ ثلاثٍ، فصارَ إيلاؤه فى النِّكاحِ الأوَّلِ كإيلائِه مِن أجْنبيَّةٍ. وقالَ أصحابُ الشَّافِعِىِّ: يتَحَصَّلُ مِن أقوالِه ثلاثةُ أقاويلَ؛ قولانِ كالمذهبَيْنِ، وقولٌ ثالِثٌ: لا يعودُ حُكْمُ الإِيلاءِ بحالٍ. وهو قولُ ابْنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صارَتْ بِحالٍ لو آلَى منها لم يَصِحَّ إيلاؤُه، فبَطَلَ حكمُ الإِيلاءِ منها، كالمُطلَّقة ثلاثًا. ولَنا، أنَّه مُمْتَنِعٌ مِن وَطْءِ امرأتِه بِيَمينٍ فى حالِ نِكاحِها، فثَبَتَ له حُكْمُ الإِيلاءِ، كما لو لم يُطلِّقْ، وفارَقَ الإِيلاءَ من الأجْنبيَّةِ؛ فإنَّه لا يَقْصِدُ باليَمِينِ عليها الإِضرارَ بها، بخلافِ مسألتِنا. فصل: ولو آلَى من امرأتِه الأَمَةِ، ثم اشتَرَاها، ثمَّ أعْتَقَهَا، وتَزَوَّجَها، عادَ

стр. 5590

الإِيلاءُ. ولو كانَ المُولِى (٣) عبدًا، فاشْتَرتْه امرأتُه، ثم أعَتَقَتْه، وتزوَّجَتْه، عاد الإِيلاءُ. ولو بانَتِ الزَّوجَةُ برِدَّةٍ، أو إسلامٍ مِن أحدِهما أو غيرِه، ثمَّ تزوَّجها تزْويجًا جديدًا، عادَ الإِيلاءُ، وتُسْتَأْنَفُ المدَّةُ فى جَمِيعِ ذلك. وسواءٌ عادَتْ إليه بعدَ زَوْجٍ ثانٍ أو قبلَه؛ لأنَّ اليَمِينَ كانتْ منه فى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَيَبْقَى حُكْمُها ما وُجِدَتِ الزَّوْجِيَّةُ. وهكذا لو قالَ لزوجَتِه: إن دخَلْتِ الدارَ فواللَّهِ لا جامَعْتُكِ. ثم طلَّقها، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثمَّ تَزَوَّجَها الأوَّلُ، عادَ حكمُ الإِيلاءِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ المعْقودَةَ فى حالِ الزَّوْجِيَّةِ لا تَنْحَلُّ بِزَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، فإنْ دَخَلَتِ الدارَ فى حالِ البَيْنُونَةِ، ثمَّ عادَ فتزوَّجَها، لم يَثْبُتْ حكمُ الإِيلاءِ فى حقِّه؛ لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ فى حالِ كَوْنِها أجْنبيَّةً، ولا يَنْعَقِدُ الإِيلاءُ بالحَلِفِ على الأجْنبِيَّةِ بخلافِ ما إذا دَخَلَتْ وهى امرأتُه. ١٣٠٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ آلَى مِنْهَا، واخْتَلَفَا فِى مُضِىِّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ فِى أَنَّهَا لَمْ تَمْضِ مَعَ يَمينِهِ) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الاخْتلافَ فى مُضِىِّ المدَّةِ يَنْبَنِى على الخلافِ فى وَقْتِ يَمِينِه؛ فإنَّهما لو اتَّفَقَا على وَقْتِ (١) اليَمِينِ، حُسِبَ مِن ذلك الوَقْتِ، فعُلِمَ هل انْقَضتِ المدَّةُ أو (٢) لا. وزالَ الخلافُ. أمَّا إذا اخْتَلَفا فِى وَقْتِ اليَمِينِ، فقالَ: حَلَفْتُ فى غُرَّةِ رَمَضَانَ. وقالتْ: بل حَلَفْتَ فى غُرَّةِ شَعْبانَ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه صَدَرَ من جهتِه، وهو أعْلَمُ به. فكانَ القولُ قولَه، كما لو اختَلَفا فى أصْلِ الإِيلاءِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَلِفِ فى غُرَّةِ شَعْبانَ، فكانَ قولُه فى نَفْيِه مُوافِقًا للأصْلِ. قال الْخِرَقِىُّ: ويكونُ ذلك مع يَمينِه. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ. وذَهَبَ أبو بكرٍ، إلى أنَّه لا يَمِينَ عليه. قال القاضى: وهو أصحُّ؛ لأنَّه اختلافٌ فى أحكامِ النِّكَاحِ، فلم تُشْرَعْ فيه يَمِينٌ، كما لو ادَّعى زوجيَّةَ امرأةٍ

стр. 5591

فأنْكَرتْه. ووجهُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣). ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ يَجوزُ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالدُّيُونِ. فصل: فإنْ تَرَكَ الوَطْءَ بغيرِ يَمينٍ، لم يَكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الإِيلاءَ الحَلِفُ. ولكنْ إنْ تَرَكَ ذلكَ لِعُذْرٍ من مَرَضٍ، أو غَيبَةٍ، ونحوِه، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، وإِنْ تركَه مُضِرًّا بها، فهل تُضْرَبُ له مدَّةٌ؟ على روايَتَيْنِ؛ إحداهما، تُضْرَبُ له مدَّةُ أربعةِ أشهرٍ، فإنْ وَطِئَها، وإلَّا دُعِىَ بَعْدَها إلى الوَطْءِ، فإنِ امْتَنعَ منه، أُمِرَ بالطَّلاقِ، كما يُفْعَلُ (٤) فى الإِيلاءِ، سَواءٌ؛ لأنَّه أضَرَّ بها بِتَرْكِ الوَطْءِ فى مُدَّةِ الإِيلاءِ، فيَلْزَمُ حكمُه، كما لو حَلَفَ، ولأنَّ ما وَجَبَ أداؤُه إذا حَلَفَ على تَرْكِه، وَجَبَ أداؤُه إذا لم يَحْلِفْ، كالنَّفَقَةِ وسائِرِ الواجباتِ، يُحَقِّقُه أَنَّ اليَمِينَ لا تَجْعَلُ غيرَ الواجبِ واجبًا إذا أقْسَمَ على تَرْكِه، فوجوبُه مَعَها يدلُّ على وُجوبِه قَبْلَها، ولأنَّ وُجوبَه فى الإِيلاءِ إنَّما كان لِدَفْعِ (٥) حاجَةِ المرأةِ، وإزالةِ الضَّرَرِ عنها، وضَرَرُها لا يَخْتَلِفُ بالإِيلاءِ وعَدَمِه، فلا يخْتَلِفُ الوُجوبُ. فإنْ قيل: فلا يَبْقَى للإِيلاءِ أثَرٌ، فلِمَ أفْرَدْتُم (٦) له بابًا؟ قُلْنا: بل له أثرٌ؛ فإنَّه يدُلُّ على قَصْدِ الإِضْرارِ، فيَتَعلَّقُ الحُكْمُ به، وإن لم يَظْهَرْ منه قَصْدُ الإِضْرارِ، اكْتُفِىَ بدَلالَتِه، وإذا لم تُوجَدِ اليَمِينُ، احْتَجْنا إلى دليلٍ سِواهُ يدلُّ على المُضارَّةِ، فيُعْتَبَرُ الإِيلاءُ لدلالتِه على المُقتَضِى لا لِعَيْنِه. والثَّانِية، لا تُضْرَبُ له مدَّةٌ. وهو مذهبُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس بمُولٍ، فلم تُضْرَبْ له مدَّةٌ، كما لو لم يَقْصِدِ الإِضرارَ، ولأنَّ تَعْليقَ الحكمِ بالإِيلاءِ يدُلُّ على انْتِفائِه عِنْدَ عدَمِه، إذ لو ثَبَتَ هذا الحكمُ بدونِه، لم يَكُنْ له أَثَرٌ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5592

كتابُ الظِّهار الظِّهارُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وإنَّما خَصُّوا الظَّهْرَ بذلك مِن بين سائِر الأعضاءِ؛ لأنَّ كلَّ مركوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لحصولِ الرُّكُوبِ على ظهرِه فى الأغْلَبِ، فشَبَّهُوا الزَّوجةَ بذلك. وهو مُحَرَّمٌ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (١). ومعناه أَنَّ الزَّوجةَ ليست كالأُمِّ فى التَّحريمِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٢). والأَصْلُ فى الظِّهارِ الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (١). والآيَةُ الَّتى بَعْدَها. وأمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى أبو داوُدَ (٣)، بإسنادِه عن خُوَيْلَةَ بنتِ مَالِكٍ بنِ ثَعْلَبَةَ، قالت: ظاهَرَ (٤) منِّى أوسُ بنُ الصَّامِتِ، فجِئْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو (٥)، ورسولُ اللَّهِ ﷺ يُجادِلُنى فيه، ويقول: "اتَّقِى اللَّهَ؛ فإنَّه ابْنُ عَمِّكِ". فما بَرِحْتُ حتَّى نَزَلَ القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (٦). فقال: "يَعْتِقُ رَقَبَةً". فقُلْتُ (٧): لا يَجِدُ. قال: "فيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ". فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّه شيخٌ كبيرٌ، ما به مِنْ صيامٍ. قال: "فلْيُطْعِمْ ستِّينَ مِسكينًا". قلتُ: ما عندَه من شىءٍ يتصدَّقُ بهِ.

стр. 5593

قال: "فإنِّى (٨) سأُعِينُه بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ". فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، فإنِّى أُعينُه بعرقٍ آخَرَ. قال: "قَدْ أحْسَنْتِ، اذْهَبِى فَأطْعِمِى عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِى إلَى ابْنِ عَمِّكِ". قال الأصْمَعِىُّ: العَرَقُ، بفتح العَيْنِ والرَّاءِ: هو ما سُفَّ (٩) مِن خُوصٍ، كالزِّنْبِيلِ الكبيرِ. ورَوَى أيضًا (١٠)، بإسنادِه عن سليمانَ بن يَسارٍ، عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ الْبَياضِىِّ، قال: كنتُ أُصِيبُ من النِّساءِ ما لا يُصيبُ غيرى، فلمَّا دَخَلَ شهرُ رمضانَ، خِفْتُ أَنْ أُصيبَ من امرأتى شيئًا يتَتايَعُ (١١) حتى أُصْبِحَ، فظاهَرْتُ مِنها حتَّى يَنْسَلِخَ شهرُ رمضانَ، فبيْنا هى تَخدِمُنى ذاتَ لَيْلَةٍ، إذْ تَكَشَّفَ لى منها شىءٌ، فلم أَلْبَثْ أن نَزَوْتُ عليها، فلمَّا أصبحتُ خَرَجْتُ إلى قومى، فأخبرتُهم الخبرَ، وقلتُ: امْشُوا معى إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ . قالوا: لا واللَّهِ. فانْطَلقْتُ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فأخبرتُه الخَبَرَ, فقال: "أَنْتَ بِذَاكَ يا سَلَمَةُ؟ " (١٢). فقلتُ: أنا بذاكَ يا رسولَ اللَّهِ، وأنا صابِرٌ لحكمِ اللَّهِ، فاحْكُمْ فىَّ ما أراكَ اللَّهُ. قال: "حَرِّرْ رَقَبَةً". قلتُ: والَّذِى بَعَثَكَ بالحقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غيرَها. وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِى. قال: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". قلتُ: وهل أَصَبْتُ الَّذى أصَبْتُ إلَّا مِن الصِّيامِ؟ . قال: "فَأطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْن سِتِّينَ مِسْكِينًا". قلتُ: والذى بعَثك بالحقِّ، لقد بِتْنا وَحْشَيْنِ (١٣)، ما لنَا طَعامٌ. قال: "فَانْطَلِقْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِى زُرَيْقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ". قال: "فَأطْعِمْ

стр. 5594

سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وكُلْ أنْتَ وعِيالُكَ بَقِيَّتَهَا". فَرَجَعْتُ إلى قومى، فقلتُ: وَجَدْتُ عندَكمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْىِ، ووَجدتُ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأْىِ، وقد أَمَرَ لى بصَدَقتِكُم. فصل: وكلُّ زَوْجٍ صحَّ طلاقُه صحَّ ظِهارُه، وهو البالِغُ العاقِلُ، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا، حرًّا أو عبدًا. قال أبو بكرٍ: وظِهارُ السَّكْرانِ مَبْنِىٌّ على طلاقِه. قال القاضى: وكذلك ظِهارُ الصَّبِىِّ مَبْنِىٌّ على طَلاقِه. والصَّحيحُ أَنَّ ظِهارَ الصَّبِىِّ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّها يَمينٌ موجبةٌ للكفَّارةِ، فلم تَنْعَقِدْ منه، كاليمينِ باللَّهِ تعالى، ولأنَّ الكفَّارةَ وَجَبَتْ لما فيه من قَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وذلك مرفوعٌ عن الصَّبِىِّ؛ لكَوْنِ القلمِ مرفوعًا عنه. وقد قيل: لا يَصِحُّ ظِهارُ العَبْدِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١٤). والعبدُ لا يَمْلِكُ الرِّقابَ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ، ولأنَّه يَصِحُّ طلاقُه، فَصَحَّ ظِهارُه، كالحُرِّ. فأمَّا إيجابُ الرَّقبةِ، فإنَّما هو على مَنْ يَجِدُها، ولا يَبْقَى الظِّهارُ فى حقِّ مَنْ لا يَجِدُها، كالمُعْسِرِ، فَرْضُه الصِّيامُ. ويَصِحُّ ظِهارُ الذِّمِّىِّ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وقال مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ منه؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَصِحُّ منه، وهى الرَّافِعَةُ للتَّحْريمِ، فلا يصحُّ منه التَّحرِيمُ، ودليلُ أَنَّ الكفَّارَةَ لا تصحُّ منه، أنَّها عبادةٌ تفتقرُ إلى النِّيَّةِ، فلا تصِحُّ منه، كسائِرِ العباداتِ. ولَنا، أَنَّ مَنْ صحَّ طلاقُه صحَّ ظهارُه، كالمسلمِ. فأمَّا ما ذكَرُوه فيَبْطُلُ بكفَّارَةِ الصَّيْدِ إذا قَتَلَه فى الحَرَمِ، وكذلك الحَدُّ يُقامُ عليه. ولا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْفِيرَ لا يصِحُّ منه؛ فإنَّه يصحُّ منه العِتْقُ والإِطْعامُ، وإنَّما لا يصِحُّ منه الصَّوْمُ (١٥)، فلا تمتنعُ صحَّةُ الظِّهارِ بامتناعِ بعضِ أنواعِ الكفَّارةِ، كما فى حقِّ العَبْدِ. والنِّيَّةُ إنَّما تُعْتَبَرُ لتَعْيِين الفِعْلِ للكفَّارةِ، فلا يَمْتَنِعُ ذلك فى حقِّ الكافِرِ، كالنِّيَّةِ فى كِناياتِ الطَّلاقِ. ومَنْ يُخْنَقُ (١٦) فى الأحْيانِ، يصحُّ ظهارُه فى إفاقَتِه، كما يصحُّ طَلاقُه فيه.

стр. 5595

فصل: ومَنْ لا يَصِحُّ طلاقُه لا يصحُّ ظهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائلِ العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغماءٍ، أو نَوْمٍ، أو غيرِه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا يصحُّ ظهارُ المُكْرَهِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: يصحُّ ظهارُه. والخلافُ فى ذلك مَبْنِىٌّ على الخلافِ فى صِحَّةِ طلاقِه. وقد مَضَى ذلك (١٧). فصل: ويصِحُّ الظِّهار من كُلِّ زوجةٍ، كبيرَةً كانتْ أو صغيرةً، مسلمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُها أو غيرَ مُمْكِنٍ. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصحُّ الظِّهارُ مِنَ الَّتِى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْكِنُ وَطْؤُها، والظِّهارُ لتَحْريمِ وَطْئِها. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زوجةٌ يصِحُّ طلاقُها (١٨)، فَصَحَّ الظِّهارُ منها، كغيرِها. ١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِه: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أو أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ. أو حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أعْضَائِهَا، فَلَا يَطَأُهَا حَتَّى يَأْتِىَ بِالْكَفَّارَةِ) فى هذه المسألةِ فصولٌ خَمْسَةٌ: أحدُها: أنّه متى شَبَّهَ امرأتَه بمَنْ تَحْرُمُ عليْه على التَّأْبيدِ، فقال: أنتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى، أو أُخْتِى، أَوْ غيرِهما. فهو مُظاهِرٌ. وهُنَّ (١) على ثلاثةِ أَضْرُبٍ؛ أحدُها، أَنْ يقولَ: أنتِ عَلَىَّ كظَهْرِ أُمِّى. فهذا ظِهارٌ إجماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ العلم على أَنَّ تَصْرِيحَ الظِّهارِ أن يقولَ: أنتِ عَلَىَّ كظهرِ أُمِّى. وفى حديثِ خُوَيْلَةَ امرأةِ أوسِ ابن الصَّامتِ، أنَّه قال لها: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. فذَكَر ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأمَرَه بالكفَّارةِ. الضَّرْبُ الثَّانِى، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عليه مِن ذَوِى رَحِمِه، كجَدَّتِه

стр. 5596

وعمَّتِه وخالَتِه وأُخْتِه. فهذا ظِهارٌ فى قولِ أكثرِ أهل العلمِ؛ منهم الحسنُ، وعَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والشَّعْبىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وهو جديدُ قَوْلَىِ (٢) الشَّافِعِىِّ. وقال فى القديم: لا يكون الظِّهارُ إلَّا بأُمٍّ أو جَدَّةٍ؛ لأنّها أُمٌّ أيضًا؛ لأنَّ اللَّفْظَ الَّذى وَرَدَ به القُرآنُ مُخْتَصٌّ بالأُمِّ، فإذا عَدَلَ عنه، لم يَتَعَلَّقْ به ما أوجَبَه اللَّهُ تعالى فيهِ. ولَنا، أنَّهنَّ مُحَرَّماتٌ بالقَرابةِ، فأشْبَهْنَ الأُمَّ. فأمَّا الآيةُ فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٣). وهذا موجودٌ فى مَسْألتِنا، فجَرَى مَجْراه. وتعليقُ الحكمِ بالأُمِّ لا يَمْنَعُ ثُبوت الحكمِ فى غيرِها إذا كانت مِثْلَها. الضَّرْبُ الثَّالِثُ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ من تَحْرُمُ عليه على التَّأْبيدِ سِوَى الأقاربِ، كالأُمَّهاتِ المُرْضِعاتِ، والأخَواتِ (٤) مِنَ الرَّضاعَةِ، وحلائِلِ الآباءِ والأبناءِ، وأُمَّهاتِ النِّساءِ، والرَّبائِبِ اللَّائِى دَخَلَ بأُمِّهنَّ، فهو ظِهارٌ أيضًا. والخِلافُ فيها كالَّتى قَبْلَها. ووجْهُ المذهبَيْنِ ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ [فى الأُمَّهاتِ] (٥) المُرضِعاتِ دُخُولُها فى عُمُومِ الأمَّهاتِ، فتكُونُ داخِلةً فى النَّصِّ، وسائِرُهُنَّ فى معناها، فيَثْبُتُ (٦) فيهنَّ حكمُها. الفصلُ الثَّانى: إذا شَبَّهَها بِظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه تحريمًا مُؤَقَّتًا؛ كأُخْتِ امرأَتِه، وعَمَّتِها، أو الأجْنَبِيَّةِ (٧). فَعَن أحمدَ فيه رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّه ظِهارٌ. وهو اخْتيارُ الخِرَقِيِّ وقَوْلُ أصحابِ مالِكٍ، والثَّانِيَةُ، ليس بِظهارٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها غيرُ مُحَرَّمَةٍ على التَّأْبيدِ، فَلا يكونُ التَّشْبِيهُ بها ظهارًا، كالحائِضِ، والمُحْرِمَةِ مِنْ نسائِه. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه شَبَّهها بِمُحَرَّمَةٍ، فأشْبَهَ ما لو شبَّهها بالأُمِّ، ولأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِه:

стр. 5597

أنتِ عَلَىَّ حرامٌ. ظهارٌ إذا نَوَى به الظهارَ، والتَّشْبِيهُ بالمُحَرَّمَةِ تحريمٌ، فكان ظهارًا، فأمَّا الحائِضُ فيباحُ الاسْتِمْتاعُ بها فى غيرِ الفَرْجِ، والمُحْرِمَةُ يَحِلُّ له النَّظَرُ إليها، ولَمْسُها بِغيرِ (٨) شهوةٍ، وليس فى وَطْءِ واحِدةٍ منهما (٩) حَدٌّ، بخلافِ مَسْألتِنا. واختارَ أبو بَكْرٍ أَنَّ الظِّهارَ لا يكونُ إلَّا مِن ذواتِ الْمَحارِمِ [من النِّساءِ، لا مِن الرِّجال] (١٠). قال: فبهذا أقولُ. فصل: وإن شَبَّهَها بظهرِ أبِيه، أو [بظَهْرِ غيرِه] (١١) منَ الرِّجالِ، أو قال: أنتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ البهيمةِ. أو: أنتِ عَلَىَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ. ففى ذلك كُلِّه روايتان؛ إحداهما، أنَّه ظهارٌ. قال المَيْمُونِىُّ: قلتُ لأحمدَ: إن ظاهَرَ مِن ظَهْرِ الرُّجُلِ؟ . قال: فظَهْرُ الرَّجُلِ حرامٌ، يكون ظهارًا. وكذا قال ابنُ القاسِمِ صاحبُ مالكٍ، فيما إذا قال: أنتِ علىَّ كظهرِ أبى. ورُوِىَ ذلك عن جابرِ بن زَيدٍ. والرِّوايةُ الثَّانِيةُ، ليس بظِهارٍ. وهو قولُ أكثرِ العلماءِ؛ لأنَّه تشبيهٌ بما ليس بِمَحَلٍّ للاسْتِمْتاعِ، أَشْبَهَ ما لو قال: أنتِ علىَّ كمالِ زيدٍ. وهل فيه كفَّارَةٌ؟ على روايتَيْن؛ إحداهُما، فيه كفَّارةٌ؛ لأنَّه نوعُ تَحْريمٍ، فأشْبَهَ ما لو حرم مالَه. والثَّانيةُ، ليس فيه شىءٌ. نقل ابنُ القاسِمِ عن أحمدَ، فى مَن شبَّهَ امرأتَه بِظَهْر الرَّجُلِ: لا يكونُ ظهارًا. ولم أرَهُ يُلْزِمُه فيه شيئًا (١٢)؛ وذلك لأنَّه تشبيهٌ لامرأتِه بما ليس بِمَحَلِّ للاسْتِمْتاعِ، أشْبَهَ التَّشبيهَ بِمال غيرِه. وقال أبو الخطَّاب [فى قوله] (١٣): أنتِ علىَّ كالميْتَةِ والدَّمِ: إن نَوَى به الطَّلاقَ كان طلاقًا، وإن نَوَى الظِّهارَ كان ظِهارًا، وإِنْ نوى اليَمينَ كان يمينًا، وإِنْ لم ينوِ شيئًا ففيه روايتان؛ إحداهما، هو ظِهارٌ. والأُخْرَى، هو يَمينٌ. ولم يتحقَّقْ عندى معنى إرادةِ (١٤) الظِّهارِ واليمينِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5598

فصل: فإنْ قال: أنتِ عندِى، أو منِّى، أو مَعِى، كظَهْرِ أمِّى. كان ظهارًا بمنزلة علىَّ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ فى معناه. وإن قال: جُمْلتُكِ، [أو بدنُكِ] (١٥) أو جسمُكِ، أو ذاتُكِ، أو كُلُّكِ علىَّ كظهرِ أمِّى. كان ظهارًا؛ لأنَّه أشارَ إليها. فهو كقوله: أنتِ. وإن قال: أنتِ كظَهْرِ أمِّى. كان ظهارًا؛ لأنَّه أتَى بما يقْتضىِ تحْريمَها عليه فانْصَرَفَ الحُكْمُ إليه، كما لو قال: أنتِ طالِقٌ. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: ليس بِظهارٍ؛ لأنَّه فيه ما يدلُّ على أَنَّ ذلك فى حقِّه. وليس بصحيحٍ، فإنَّها إذا كانت كظهرِ أُمِّه، [فظهرُ أمِّه] (١٥) مُحَرَّمٌ عليه. فصل: وإن قال: أنتِ علىَّ كأُمِّى. أو: مِثْلُ أُمِّى. ونَوَى به الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، فى قولِ عامَّةِ العلماءِ؛ منهم أبو حَنِيفَةَ، وصاحباه، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وإن نَوَى به الكَرامةَ والتَّوقيرَ، أو أنَّها مثلُها فى الكِبَرِ، أو الصِّفةِ، فليس بظهارٍ. والقَوْلُ قولُه فى نِيَّتِهِ. وإن أطلقَ، فقال أبو بكرٍ: هو صريحٌ فى الظِّهارِ. وهو قولُ مالكٍ، ومحمَّدِ ابنِ الحسنِ. وقال ابن أبى موسى: فيه روايتانِ، أظْهَرُهما أنَّه ليس بظهارٍ حتَّى يَنْوِيَه. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ هذا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فى الكَرامةِ أكثرَ مِمَّا يُستعملُ فى التَّحريمِ، فلم ينْصِرِفْ إليه بغير نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ. ووجهُ الأوَّلِ أنَّه شَبَّهَ امرأتُه بِجُمْلَةِ أمِّه، فكان مُشَبِّهًا لها بظهرِها، فيَثْبُتُ الظِّهارُ كما لو شَبَّهَها به مُنْفرِدًا. والذى يصحُّ عندى فى (١٦) قِياسِ المذهبِ، أنَّه إنْ وُجِدَتْ قَرِينةٌ تدلُّ على الظِّهارِ، مثلَ أَنْ يُخْرِجَه مَخْرَجَ الحَلِفِ، فيقولُ: إنْ فعلتِ كذا فأنتِ علىَّ مثلُ أمِّى. أو قال ذلك حالَ الخُصُومَةِ والغضَبِ، فهو ظهارٌ؛ لأنَّه إذا أخْرَجَه (١٧) مَخْرَجَ الحَلِفِ، فالحلفُ يرادُ للامْتناعِ من شىءٍ، أو الحَثِّ عليه، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بتَحْرِيمِها عليه، ولأنَّ كونَها مثلُ أُمِّه فى صفتِها

стр. 5599

أو كرامَتِها. لا يتعلَّقُ على شَرْطٍ، فيدلُّ (١٨) على أنَّه إنَّما أرادَ الظِّهارَ، ووُقُوعُ ذلك فى حالِ الخُصُومَةِ والغضبِ، دليلٌ على أنَّه أرادَ به ما يتعلَّقُ بأذاها، ويُوجِبُ اجْتنابَها، وهو الظِّهارُ. وإِنْ عُدِمَ هذا فليس بظِهارٍ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ لغيرِ الظِّهارِ احتمالًا كثيرًا، فلا يَتَعَيَّنُ الظِّهارُ فيه بغير دليلٍ. ونحوُ هذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وهكذا لو قال: أنتِ علىَّ كأُمِّى، أو: مثلُ أُمِّى. أو قال: أنتِ أُمِّى، أو: امرأتى أُمِّى. مع الدَّليلِ الصَّارِفِ له إلى الظِّهارِ، كان ظِهارًا؛ إمَّا بِنِيَّةٍ، أو ما يَقُومُ مَقامَها. وإن قال: أُمِّى امرأتِى. أو: مثلُ امرأتِى. لم يكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه تَشْبِيهٌ لأُمِّه، ووَصْفٌ لها، وليس بوَصْفٍ لامرأتِه. الفصل الثالث: أنَّه إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. فإنْ نَوَى به الظِّهارَ، فهو ظهارٌ، فى قول عامَّتِهم. وبه يقول أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ. وإِنْ نَوَى به الطَّلاقَ، فقد ذكرناه فى باب الطَّلاقِ (١٩)، وإن أطْلَقَ ففيه روايتان؛ إحْداهما، هو ظهارٌ. ذكره الْخِرَقِىُّ فى مَوْضِعٍ آخرَ. ونصَّ عليه أحمدُ، فى رواية جماعةٍ مِن أصحابِه. وذكرَه إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن عثمانَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبى قِلَابةَ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونَ بنِ مِهْرانَ، والْبَتِّىِّ، أنَّهم قالوا: الحرامُ ظهارٌ. وروى عن أحمدَ ما يدُلُّ على أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ. ورُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه قال: إنَّ التَّحرِيمَ يمينٌ فى كتابِ اللَّهِ ، قال اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢٠). وأكثرُ الفقهاءِ على أَنَّ التَّحريمَ إذا لم يَنْوِ به الظِّهارَ، ليس بظهارٍ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. ووَجْهُ ذلك الآيةُ المذكورةُ، وأنَّ التَّحريمَ يتنوَّعُ، منه ما هو بظهارٍ وبطلاقٍ وبحيضٍ وبإحْرامٍ (٢١) وصيامٍ، فلا يكونُ التَّحْريمُ صَرِيحًا فى واحدٍ منها، ولا

стр. 5600

ينْصَرِفُ إليه بغيرِ نِيَّةٍ (٢٢)، كما لا ينْصرِفُ إلى تَحْريمِ الطَّلاقِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه تحريمٌ أوْقَعَه فى امرأتِه، فكان بإطْلاقِه ظهارًا، كتَشْبِيهها بظهرِ أُمِّه. وقولُهم: إنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ. قُلْنا: إلَّا أَنَّ تلك الأنْواعَ مُنْتفِيَةٌ، ولا يَحْصُلُ بقولِه منها إلَّا الطَّلاقُ، وهذا أوْلَى منه؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَبِينُ به المرأةُ، وهذا يُحَرِّمُها مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فكان أدْنَى التَّحْريمَيْنِ، فكان أوْلَى فأمَّا إنْ قال ذلك لمُحَرَّمَةٍ عليه بحَيْضٍ أو نَحْوِه، وقَصَدَ الظِّهارَ، فهو ظهارٌ، وإِنْ قَصَدَ أنَّها مُحَرَّمةٌ عليه بذلك السَّبَبِ، فلا شَىءَ فيه. وإن أطلقَ، فليس بظهارٍ؛ لأنّه يَحْتَمِلُ الخبرَ عن حالِها، ويحْتَمِلُ إنشاءَ التَّحريمِ فيها بالظِّهارِ، فلا يَتَعَيَّنُ أحدُهما بغيرِ تَعْيِينٍ. فصل: فإنْ قال: الحِلُّ علىَّ حرامٌ. أو: ما أحَلَّ اللَّهُ علىَّ حرامٌ. أو: ما أنْقَلِبُ إليه حرامٌ. وله امرأةٌ، فهو مظاهِرٌ. نصَّ عليه أحمدُ فى الصُّوَرِ الثَّلاثِ؛ وذلك لأنَّ لَفْظَه يقْتضِى العُمُومَ، فيتناولُ المرأةَ بعُمُومِه. وإِنْ صَرَّحَ بتَحْريمِ المرأةِ، أو نَوَاها، فهو آكدُ. قال أحمدُ، فى مَن قال: ما أَحَلَّ اللَّهُ علىَّ حرامٌ؛ من أهلٍ، ومالٍ: عليه كفَّارة الظِّهارِ، هو يَمِينٌ. وتُجْزِئُه كفَّارةٌ واحِدَةٌ، فى ظاهرِ كلامِ أحمدَ هذا. واختار ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه يلزمُه كَفَّارتان للظِّهارِ ولتَحْريمِ المالِ؛ لأنَّ التَّحْريمَ تَناوَلَهما، وكلُّ واحدٍ منهما لو انْفَردَ أوْجَبَ كفَّارةً، فكذلك إذا اجْتَمَعا. ولَنا، أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ فلا تُوجِبُ كفارتَيْنِ، كما لو تَظاهَرَ من امرأتَيْنِ، أو حَرَّمَ مِن مالِه شيئَيْنِ. وما ذكرَه يَنْتَقِضُ بهذا. وفى قَوْلِ أحمدَ: هو يمينٌ. إشارةٌ إلى التَّعليلِ بما ذكَرْناه؛ لأنَّ اليمينَ الواحدةَ لا تُوجِبُ أكثرَ من كفَّارةٍ. وإنَّ نَوَى بقولِه: ما أحلَّ اللَّهُ علىَّ حرامٌ. وغيرِه من لَفَظاتِ العُمُومِ المالَ، لم يَلْزَمْه إلَّا كفَّارةُ يَمِينٍ؛ لأنَّ اللفظَ العامَّ يجوزُ استعمالُه فى الخاصِّ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى التى تقولُ: إنَّ الحرامَ بإطلاقِه ليس بظهارٍ. لا يكونُ هَهُنا مُظاهِرًا، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ الظِّهارَ. فصل: وإِنْ قال: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى حرامٌ. فهو صريحٌ فى الظِّهارِ، لا ينْصرِفُ إلى غيرِه، سواءٌ نَوَى الطَّلاقَ أو لم يَنْوِه. وليس فيه اختلافٌ بحمدِ اللَّهِ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالظِّهارِ، وبَيَّنَه بقولِه: حرامٌ. وإِنْ قال: أنتِ علىَّ حرامٌ (٢٣) كظهرِ أُمِّى. أو:

стр. 5601

كأُمِّى. فكذلك. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، وهو أَحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ. والقولُ الثَّانى، إذا نَوَى الطَّلاقَ فهو طلاقٌ. وهو قولُ أبى يوسفَ ومحمدٍ، إلَّا أَنَّ أبا يوسفَ قال: لا أقْبَلُ قولَه فى نفْىِ الظِّهارِ. ووَجْهُ قولِهِم، أَنَّ قولَه: أنتِ علىَّ حرامٌ. إذا نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وزيادةُ قولِه: كظهرِ أمِّى. بعدَ ذلك لا يَنْفِى الطَّلاقَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ كَظَهْرِ أمِّى. ولَنا، أنَّه أَتَى بصَريحِ الظِّهارِ، فلم يكُنْ طَلاقًا، كالتى قَبْلَها. وقولُهم: إنَّ التَّحريمَ مع نيَّةِ الطَّلاقِ طلاقٌ. لا نُسَلِّمُه. وإِنْ سلَّمْناه لكنَّه فَسَّرَ لفْظَه ههُنا بصَرِيحِ الظِّهارِ بقولِه، فكان العملُ بصَرِيحِ القولِ أوْلَى من العملِ بالنِّيَّةِ. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ كظهرِ أُمِّى. طَلُقَتْ، وسقط قولُه (٢٤): كظهرِ أُمِّى. لأنَّه أتَى بصَرِيحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قولَه: كظهرِ أُمِّى. صفةً له. فإنْ نَوَى بقولِه: كظهرِ أمِّى. تأكيدَ الطَّلاقِ، لم يكُنْ ظِهارًا، كما لو أَطْلَقَ، وإِنْ نَوَى به الظِّهارَ، وكان الطَّلاقُ بائِنًا، فهو كالظِّهارِ من الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّه أَتَى به بعدَ بَيْنُونَتِها بالطَّلاقِ. وإن كان رَجْعيًّا، كان ظهارًا صحيحًا. ذكره القاضى. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أَتَى بلفظِ الظِّهارِ فى مَن هى زَوْجَةٌ. وإِنْ نَوَى بقولِه: أنتِ طالقٌ. الظهارَ، لم يكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه نَوَى الظِّهارَ بصَرِيحِ الطَّلاقِ. وإِنْ قال: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى طالقٌ. وقع الظِّهارُ والطَّلاقُ معًا، سَواءٌ كان الطَّلاق بائِنًا، أو رَجْعِيًّا؛ لأنَّ الظِّهارَ سَبَقَ الطَّلاقَ. فصل: فإنْ قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. ونَوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا، كان ظهارًا، ولم يكُنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللَّفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أوْلَى بهذا اللَّفْظِ، فيَنْصَرِفُ إليه. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافِعىِّ: يقالُ له (٢٥): اخْترْ أيَّهما شِئْتَ. وقال بَعْضُهم: إنْ قال: أردْتُ الطَّلاقَ والظِّهارَ. كان طلاقًا؛ لأنَّه بَدَأ به. وإِنْ قال: أردْتُ

стр. 5602

الظِّهارَ والطَّلاقَ، كان ظهارًا؛ لأنَّه بَدَأَ به، فيكونُ ذلك اختيارًا له، ويَلْزَمُه ما بَدَأَ به. ولنا، أنَّه أَتَى بلَفْظَةِ الحرامِ يَنْوِى بها الظِّهارَ, فكانت ظهارًا، كما لو انْفَردَ الظِّهارُ بِنِيَّتِه، ولا يكونُ طلاقًا؛ لأنَّه زاحَمَتْ نِيَّتُه نِيَّةَ الظِّهارِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ (٢٦)، والظِّهارُ أَوْلَى بهذه اللَّفْظةِ؛ لأنَّ معناهما واحِدٌ، وهو التَّحْرِيمُ، فيجبُ أن يُغَلَّبَ ما هو الأَوْلَى، أمَّا الطَّلاقُ فإنَّ معناه الإِطْلاقُ، وهو حَلُّ قيدِ النِّكاحِ، وإنَّما التَّحْريمُ حُكْمٌ له فى بعضِ أحْوالِه، وقد يَنْفَكُّ عنه؛ فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقةٌ مُباحةٌ. وأمَّا التَّخْيِيرُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه اللَّفْظةَ قد ثَبَتَ حكمُها حين لَفَظَ بها؛ لكَوْنِه أهلًا والمحلِّ قابلًا، ولهذا لو حَكَمْنا بأنَّه طلاقٌ، لَكانتْ عِدَّتُها من حين أوْقَعَ الطَّلاقَ، وليس إليه (٢٧) رَفْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ فى المحلِّ باخْتيارِه (٢٨)، وإبْدالُه بإرادتِه، والقولُ الآخَرُ مَبْنِىٌّ على أَنَّ له الاختيارَ. وهو فاسِدٌ على ما ذكرْنا. ثمَّ إنَّ الاعتبارَ بجميعِ لفظِه، لا بما بَدَأ به، ولذلك لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه. لم يَلْزَمْ طلاقُ الأُولَى. الفصل الرابع: أنَّه إذا شَبَّه عُضْوًا من امرأتِه بظَهْرِ أُمِّه أو عُضْوٍ (٢٩) من أعضائِها، فهو مظاهرٌ، فلو قال: فرجُكِ، أو ظهرُكِ، أو رأسُكِ، أو جلدُكِ علىَّ كظهرِ أمِّى، أو بدنِها، أو رأسِها، أو يدِها. فهو مظاهرٌ. وبهذا قال مالِكٌ. وهو نَصُّ (٣٠) الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه ليس بمُظاهِرٍ حتَّى يُشَبِّهَ جُمْلةَ امْرأتِه؛ لأنَّه لو حَلَفَ باللَّهِ لا يَمَسُّ عضوًا منها، لم يَسْرِ إلى غيرِه، فكذلك المُظاهَرَةُ، ولأنَّ هذا ليس بِمَنْصوصٍ عليه، ولا هو فى معنى المنْصُوصِ؛ لأنَّ تَشْبِيهَ جُمْلَتِها تشْبيهٌ لمَحِلِّ (٣١) الاسْتِمْتاعِ بما يَتَأكَّدُ تَحْرِيمُه، وفيه تحريمٌ لجُمْلتِها، فيكونُ آكَدَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ شبَّهَها بما يَحْرُمُ

стр. 5603

النَّظَرُ إليه من الأُمِّ، كالفَرْجِ، والفَخِذِ، ونَحْوِهما، فهو مُظاهِرٌ، وإِنْ لم يَحْرُمِ النَّظَرُ إليه، كالرَّأْسِ، والوَجْهِ، لم يكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيه، فلم يكُنْ مظاهِرًا، كما لو شبَّهَها بعُضْوِ زوجةٍ له (٣٢) أُخْرَى. ولَنا، أنَّه شبَّهها بعُضْوٍ مِن أُمِّه، فكانَ مُظاهِرًا كما لو شَبَّهَها بِظَهْرِها، وفارَقَ الزَّوْجَةَ؛ فإنَّه لو شَبَّهَها بِظَهْرِها لم يَكُنْ مظاهرًا، والنَّظَرُ إنْ لم يَحْرُمْ، فإنَّ التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وهو المُسْتَفاد بِعَقْدِ النِّكاحِ. فصل: وإِنْ قالَ: كَشَعْرِ أمِّى، أو سنِّها، أو ظُفُرِها. أو شَبَّهَ شيئًا مِنْ ذلك مِن امرأتِه بأُمِّه، أو بِعُضْوٍ مِن أعْضائِها (٣٣)، لم يكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّها ليستْ مِن أَعْضاءِ الأُمِّ الثَّابِتَةِ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلك الظِّهارُ (٣٤). وكذلك لو قال: كزَوْجِ أمِّى. فإنَّ الزَّوْجَ لا يُوصَفُ بالتَّحْرِيمِ، ولا هو مَحِلٌّ للاسْتِمْتاعِ. وكذلك الرِّيقُ، والعَرَقُ، والدَّمْعُ. وإِنْ قال: وَجْهِى مِنْ وَجْهِكِ حرامٌ. فلَيس بظِهارٍ، نصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شىءٌ يقولُه النَّاسُ، ليس بشيءٍ. وذلك لأنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا فى غير الظِّهارِ، ولا يُؤَدِّى معْنى الظِّهارِ، فلم يكُنْ ظهارًا، كما لو قال: لا أُكَلِّمُك. فصل: فإن قال: أنا مُظاهِرٌ، أو عَلَىَّ الظِّهارُ، أو علىَّ الحرامُ، أو الحرامُ لى لازِمٌ. ولا نِيَّةَ له، لم يَلْزَمْه شىءٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ فى الظِّهارِ، ولا نَوَى به الظِّهارَ. وإِنْ نَوَى به (٣٢) الظِّهارَ، أو اقْتَرَنَتْ به قرينةٌ (٣٥) تدلُّ على إرادتِه الظِّهارَ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، فيقولَ: علىَّ الحرامُ إنْ كلَّمْتُكِ. احْتَمَلَ أَنْ يكونَ ظِهارًا؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ تحْريمِ الزَّوْجةِ، فَصَحَّ بالكِنايةِ مع النِّيَّة، كالطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَثْبُتَ به الظِّهارُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ به بصَرِيحِ لَفْظِه، وهذا ليس بصرِيحٍ فيه، ولأنَّه يمينٌ مُوجِبَةٌ

стр. 5604

للكفَّارةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بغيرِ الصَّريحِ، كاليمينِ باللَّهِ تعالَى. فصل: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّىَ الرَّجُلُ امرأتَه بِمَنْ تَحْرُمُ عليه، كأُمِّه، أو أُخْتِه، أو بِنْتِه؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (٣٦)، بإسْنادِه عن أبى تَمِيمَةَ الهُجَيْمِىِّ، أَنَّ رَجُلًا قال لامرأتِه: يا أُخَيَّةُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُخْتُكَ هِىَ! ". فَكَرِهَ ذلك، ونَهَى عنه. ولأنَّه لَفْظٌ يُشْبِهُ لَفْظَ الظِّهارِ. ولا تَحْرُمُ بهذا، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهارِ؛ فإنَّ النَّبىِّ ﷺ لم يقُلْ له: حَرُمَتْ عليك. ولأنَّ هذا اللَّفْظَ ليس بصَرِيحٍ فى الظِّهار ولا نَوَاه به (٣٧)، فلا يَثْبُتُ التَّحْريمُ. وفى الحديثِ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ إبراهيمَ ﵇ أَرْسَلَ إليه جَبَّارٌ، فَسَأَلَه عنها -يَعْنِى عنْ سَارَةَ- فَقَالَ: إنَّها أُخْتِى (٣٨). وَلَمْ يَعُدَّ ذلك ظِهارًا. الفصلُ الخامِسُ: أَنَّ المُظاهِرَ يَحْرُمُ عليه وَطْءُ امرأتِه قبلَ أَنْ يُكَفِّرَ. وليس فى ذلك اختلافٌ إذا كانت الكفَّارةُ عِتْقًا أو صَوْمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣٩). وقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣٩) وأكثرُ أهلِ العلمِ على أَنَّ التَّكْفِيرَ بالإِطْعامِ مِثْلُ ذلك، وأنَّه يَحْرُمُ وَطْؤُها قبل التَّكْفِيرِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وذَهَبَ أبو ثورٍ إلى إباحةِ الجِماعِ قبل التَّكْفِيرِ بالإِطعامِ. وعن أحمدَ ما يَقْتَضِى ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يمْنَعِ المَسِيسَ قَبْلَه، كما فى العِتْقِ والصِّيامِ. ولَنا، ما رَوَى عِكْرِمَةُ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى تَظاهَرْتُ من امرأتِى، فَوَقَعْتُ عليها قبلَ أَنْ أُكَفِّرَ. فقال: "ما حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ " قال: رأيتُ خُلْخَالَهَا فى ضَوْءِ القَمَرِ. قال: "فَلَا تَقْرَبْها حتَّى تَفْعَلَ مَا أمَرَكَ (٤٠) اللَّهُ". رَواه أبو داوُدَ،

стр. 5605

والتِّرْمِذِىُّ (٤١)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ولأنَّه مُظاهِرٌ لم يُكَفِّرْ، فَحَرُمَ عليه جِماعُها، كما لو كانت كفَّارَتُه العِتْقَ أو الصِّيامَ، وتَرْكُ النَّصِّ عليها لا يَمْنَعُ قِياسَها على المَنْصُوصِ الذى فى مَعْناها. فصل: فأمَّا التَّلَذُّذَ بما دونَ الجِماعِ (٤٢)، مِنَ القُبْلَةِ، واللَّمْسِ، والمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، يَحْرُمُ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وهو قَوْلُ الزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ، وهو أَحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ما حَرَّمَ الوَطءَ من القولِ حَرَّمَ دَواعِيَه، كالطَّلاقِ والإِحْرامِ والثَّانِيَةُ، لا يَحْرُمُ. قال أحمدُ: أرْجُو أَنْ لا يكونَ به بَأْسٌ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى حَنِيفَةَ. وحُكِىَ عن مالِكٍ. وهو القولُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بتَحْريمِه مالٌ، فلم يَتَجاوَزْه التَّحْريمُ، كوَطْءِ الحائِضِ. فصل: ولا يصحُّ الظِّهارُ من أَمَتِه، ولا أُمِّ وَلَدِه. رُوِىَ ذلك عنِ ابنِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومُجَاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حَنِيفَةَ وأصحابِه. ورُوِىَ عنِ الحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وعَمرِو ابنِ دِينارٍ، وسُلَيْمانَ بن يَسَارٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، ومَالِكٍ، فى الظِّهارِ مِنَ الأَمَةِ كفَّارَةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّها مُباحةٌ له، فَصَحَّ الظِّهارُ منها كالزَّوْجَةِ. وعنِ الحَسَنِ، والأوْزَاعِىِّ، إنْ كان يَطَأُها فهو ظِهارٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه إذا لم يَطأْها (٤٣) فهو كتَحْرِيمِ مالِه. وقال عطاءٌ: عليه نِصْفُ كفَّارَةِ حُرَّةٍ؛ لأنَّ الأمَةَ على النِّصْفِ من الحُرَّةِ
следующие страницы →