← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

كأُمِّى. فكذلك. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، وهو أَحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ. والقولُ الثَّانى، إذا نَوَى الطَّلاقَ فهو طلاقٌ. وهو قولُ أبى يوسفَ ومحمدٍ، إلَّا أَنَّ أبا يوسفَ قال: لا أقْبَلُ قولَه فى نفْىِ الظِّهارِ. ووَجْهُ قولِهِم، أَنَّ قولَه: أنتِ علىَّ حرامٌ. إذا نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وزيادةُ قولِه: كظهرِ أمِّى. بعدَ ذلك لا يَنْفِى الطَّلاقَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ كَظَهْرِ أمِّى. ولَنا، أنَّه أَتَى بصَريحِ الظِّهارِ، فلم يكُنْ طَلاقًا، كالتى قَبْلَها. وقولُهم: إنَّ التَّحريمَ مع نيَّةِ الطَّلاقِ طلاقٌ. لا نُسَلِّمُه. وإِنْ سلَّمْناه لكنَّه فَسَّرَ لفْظَه ههُنا بصَرِيحِ الظِّهارِ بقولِه، فكان العملُ بصَرِيحِ القولِ أوْلَى من العملِ بالنِّيَّةِ. فصل: وإِنْ قال: أنتِ طالقٌ كظهرِ أُمِّى. طَلُقَتْ، وسقط قولُه (٢٤): كظهرِ أُمِّى. لأنَّه أتَى بصَرِيحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قولَه: كظهرِ أُمِّى. صفةً له. فإنْ نَوَى بقولِه: كظهرِ أمِّى. تأكيدَ الطَّلاقِ، لم يكُنْ ظِهارًا، كما لو أَطْلَقَ، وإِنْ نَوَى به الظِّهارَ، وكان الطَّلاقُ بائِنًا، فهو كالظِّهارِ من الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّه أَتَى به بعدَ بَيْنُونَتِها بالطَّلاقِ. وإن كان رَجْعيًّا، كان ظهارًا صحيحًا. ذكره القاضى. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أَتَى بلفظِ الظِّهارِ فى مَن هى زَوْجَةٌ. وإِنْ نَوَى بقولِه: أنتِ طالقٌ. الظهارَ، لم يكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه نَوَى الظِّهارَ بصَرِيحِ الطَّلاقِ. وإِنْ قال: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى طالقٌ. وقع الظِّهارُ والطَّلاقُ معًا، سَواءٌ كان الطَّلاق بائِنًا، أو رَجْعِيًّا؛ لأنَّ الظِّهارَ سَبَقَ الطَّلاقَ. فصل: فإنْ قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. ونَوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا، كان ظهارًا، ولم يكُنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللَّفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أوْلَى بهذا اللَّفْظِ، فيَنْصَرِفُ إليه. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافِعىِّ: يقالُ له (٢٥): اخْترْ أيَّهما شِئْتَ. وقال بَعْضُهم: إنْ قال: أردْتُ الطَّلاقَ والظِّهارَ. كان طلاقًا؛ لأنَّه بَدَأ به. وإِنْ قال: أردْتُ

стр. 5602

الظِّهارَ والطَّلاقَ، كان ظهارًا؛ لأنَّه بَدَأَ به، فيكونُ ذلك اختيارًا له، ويَلْزَمُه ما بَدَأَ به. ولنا، أنَّه أَتَى بلَفْظَةِ الحرامِ يَنْوِى بها الظِّهارَ, فكانت ظهارًا، كما لو انْفَردَ الظِّهارُ بِنِيَّتِه، ولا يكونُ طلاقًا؛ لأنَّه زاحَمَتْ نِيَّتُه نِيَّةَ الظِّهارِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ (٢٦)، والظِّهارُ أَوْلَى بهذه اللَّفْظةِ؛ لأنَّ معناهما واحِدٌ، وهو التَّحْرِيمُ، فيجبُ أن يُغَلَّبَ ما هو الأَوْلَى، أمَّا الطَّلاقُ فإنَّ معناه الإِطْلاقُ، وهو حَلُّ قيدِ النِّكاحِ، وإنَّما التَّحْريمُ حُكْمٌ له فى بعضِ أحْوالِه، وقد يَنْفَكُّ عنه؛ فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقةٌ مُباحةٌ. وأمَّا التَّخْيِيرُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه اللَّفْظةَ قد ثَبَتَ حكمُها حين لَفَظَ بها؛ لكَوْنِه أهلًا والمحلِّ قابلًا، ولهذا لو حَكَمْنا بأنَّه طلاقٌ، لَكانتْ عِدَّتُها من حين أوْقَعَ الطَّلاقَ، وليس إليه (٢٧) رَفْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ فى المحلِّ باخْتيارِه (٢٨)، وإبْدالُه بإرادتِه، والقولُ الآخَرُ مَبْنِىٌّ على أَنَّ له الاختيارَ. وهو فاسِدٌ على ما ذكرْنا. ثمَّ إنَّ الاعتبارَ بجميعِ لفظِه، لا بما بَدَأ به، ولذلك لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه. لم يَلْزَمْ طلاقُ الأُولَى. الفصل الرابع: أنَّه إذا شَبَّه عُضْوًا من امرأتِه بظَهْرِ أُمِّه أو عُضْوٍ (٢٩) من أعضائِها، فهو مظاهرٌ، فلو قال: فرجُكِ، أو ظهرُكِ، أو رأسُكِ، أو جلدُكِ علىَّ كظهرِ أمِّى، أو بدنِها، أو رأسِها، أو يدِها. فهو مظاهرٌ. وبهذا قال مالِكٌ. وهو نَصُّ (٣٠) الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه ليس بمُظاهِرٍ حتَّى يُشَبِّهَ جُمْلةَ امْرأتِه؛ لأنَّه لو حَلَفَ باللَّهِ لا يَمَسُّ عضوًا منها، لم يَسْرِ إلى غيرِه، فكذلك المُظاهَرَةُ، ولأنَّ هذا ليس بِمَنْصوصٍ عليه، ولا هو فى معنى المنْصُوصِ؛ لأنَّ تَشْبِيهَ جُمْلَتِها تشْبيهٌ لمَحِلِّ (٣١) الاسْتِمْتاعِ بما يَتَأكَّدُ تَحْرِيمُه، وفيه تحريمٌ لجُمْلتِها، فيكونُ آكَدَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ شبَّهَها بما يَحْرُمُ

стр. 5603

النَّظَرُ إليه من الأُمِّ، كالفَرْجِ، والفَخِذِ، ونَحْوِهما، فهو مُظاهِرٌ، وإِنْ لم يَحْرُمِ النَّظَرُ إليه، كالرَّأْسِ، والوَجْهِ، لم يكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيه، فلم يكُنْ مظاهِرًا، كما لو شبَّهَها بعُضْوِ زوجةٍ له (٣٢) أُخْرَى. ولَنا، أنَّه شبَّهها بعُضْوٍ مِن أُمِّه، فكانَ مُظاهِرًا كما لو شَبَّهَها بِظَهْرِها، وفارَقَ الزَّوْجَةَ؛ فإنَّه لو شَبَّهَها بِظَهْرِها لم يَكُنْ مظاهرًا، والنَّظَرُ إنْ لم يَحْرُمْ، فإنَّ التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وهو المُسْتَفاد بِعَقْدِ النِّكاحِ. فصل: وإِنْ قالَ: كَشَعْرِ أمِّى، أو سنِّها، أو ظُفُرِها. أو شَبَّهَ شيئًا مِنْ ذلك مِن امرأتِه بأُمِّه، أو بِعُضْوٍ مِن أعْضائِها (٣٣)، لم يكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّها ليستْ مِن أَعْضاءِ الأُمِّ الثَّابِتَةِ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلك الظِّهارُ (٣٤). وكذلك لو قال: كزَوْجِ أمِّى. فإنَّ الزَّوْجَ لا يُوصَفُ بالتَّحْرِيمِ، ولا هو مَحِلٌّ للاسْتِمْتاعِ. وكذلك الرِّيقُ، والعَرَقُ، والدَّمْعُ. وإِنْ قال: وَجْهِى مِنْ وَجْهِكِ حرامٌ. فلَيس بظِهارٍ، نصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شىءٌ يقولُه النَّاسُ، ليس بشيءٍ. وذلك لأنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا فى غير الظِّهارِ، ولا يُؤَدِّى معْنى الظِّهارِ، فلم يكُنْ ظهارًا، كما لو قال: لا أُكَلِّمُك. فصل: فإن قال: أنا مُظاهِرٌ، أو عَلَىَّ الظِّهارُ، أو علىَّ الحرامُ، أو الحرامُ لى لازِمٌ. ولا نِيَّةَ له، لم يَلْزَمْه شىءٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ فى الظِّهارِ، ولا نَوَى به الظِّهارَ. وإِنْ نَوَى به (٣٢) الظِّهارَ، أو اقْتَرَنَتْ به قرينةٌ (٣٥) تدلُّ على إرادتِه الظِّهارَ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، فيقولَ: علىَّ الحرامُ إنْ كلَّمْتُكِ. احْتَمَلَ أَنْ يكونَ ظِهارًا؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ تحْريمِ الزَّوْجةِ، فَصَحَّ بالكِنايةِ مع النِّيَّة، كالطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَثْبُتَ به الظِّهارُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ به بصَرِيحِ لَفْظِه، وهذا ليس بصرِيحٍ فيه، ولأنَّه يمينٌ مُوجِبَةٌ

стр. 5604

للكفَّارةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بغيرِ الصَّريحِ، كاليمينِ باللَّهِ تعالَى. فصل: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّىَ الرَّجُلُ امرأتَه بِمَنْ تَحْرُمُ عليه، كأُمِّه، أو أُخْتِه، أو بِنْتِه؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (٣٦)، بإسْنادِه عن أبى تَمِيمَةَ الهُجَيْمِىِّ، أَنَّ رَجُلًا قال لامرأتِه: يا أُخَيَّةُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُخْتُكَ هِىَ! ". فَكَرِهَ ذلك، ونَهَى عنه. ولأنَّه لَفْظٌ يُشْبِهُ لَفْظَ الظِّهارِ. ولا تَحْرُمُ بهذا، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهارِ؛ فإنَّ النَّبىِّ ﷺ لم يقُلْ له: حَرُمَتْ عليك. ولأنَّ هذا اللَّفْظَ ليس بصَرِيحٍ فى الظِّهار ولا نَوَاه به (٣٧)، فلا يَثْبُتُ التَّحْريمُ. وفى الحديثِ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ إبراهيمَ ﵇ أَرْسَلَ إليه جَبَّارٌ، فَسَأَلَه عنها -يَعْنِى عنْ سَارَةَ- فَقَالَ: إنَّها أُخْتِى (٣٨). وَلَمْ يَعُدَّ ذلك ظِهارًا. الفصلُ الخامِسُ: أَنَّ المُظاهِرَ يَحْرُمُ عليه وَطْءُ امرأتِه قبلَ أَنْ يُكَفِّرَ. وليس فى ذلك اختلافٌ إذا كانت الكفَّارةُ عِتْقًا أو صَوْمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣٩). وقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣٩) وأكثرُ أهلِ العلمِ على أَنَّ التَّكْفِيرَ بالإِطْعامِ مِثْلُ ذلك، وأنَّه يَحْرُمُ وَطْؤُها قبل التَّكْفِيرِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وذَهَبَ أبو ثورٍ إلى إباحةِ الجِماعِ قبل التَّكْفِيرِ بالإِطعامِ. وعن أحمدَ ما يَقْتَضِى ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يمْنَعِ المَسِيسَ قَبْلَه، كما فى العِتْقِ والصِّيامِ. ولَنا، ما رَوَى عِكْرِمَةُ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى تَظاهَرْتُ من امرأتِى، فَوَقَعْتُ عليها قبلَ أَنْ أُكَفِّرَ. فقال: "ما حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ " قال: رأيتُ خُلْخَالَهَا فى ضَوْءِ القَمَرِ. قال: "فَلَا تَقْرَبْها حتَّى تَفْعَلَ مَا أمَرَكَ (٤٠) اللَّهُ". رَواه أبو داوُدَ،

стр. 5605

والتِّرْمِذِىُّ (٤١)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ولأنَّه مُظاهِرٌ لم يُكَفِّرْ، فَحَرُمَ عليه جِماعُها، كما لو كانت كفَّارَتُه العِتْقَ أو الصِّيامَ، وتَرْكُ النَّصِّ عليها لا يَمْنَعُ قِياسَها على المَنْصُوصِ الذى فى مَعْناها. فصل: فأمَّا التَّلَذُّذَ بما دونَ الجِماعِ (٤٢)، مِنَ القُبْلَةِ، واللَّمْسِ، والمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، يَحْرُمُ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. وهو قَوْلُ الزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ، وهو أَحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ما حَرَّمَ الوَطءَ من القولِ حَرَّمَ دَواعِيَه، كالطَّلاقِ والإِحْرامِ والثَّانِيَةُ، لا يَحْرُمُ. قال أحمدُ: أرْجُو أَنْ لا يكونَ به بَأْسٌ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى حَنِيفَةَ. وحُكِىَ عن مالِكٍ. وهو القولُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بتَحْريمِه مالٌ، فلم يَتَجاوَزْه التَّحْريمُ، كوَطْءِ الحائِضِ. فصل: ولا يصحُّ الظِّهارُ من أَمَتِه، ولا أُمِّ وَلَدِه. رُوِىَ ذلك عنِ ابنِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومُجَاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حَنِيفَةَ وأصحابِه. ورُوِىَ عنِ الحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وعَمرِو ابنِ دِينارٍ، وسُلَيْمانَ بن يَسَارٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، ومَالِكٍ، فى الظِّهارِ مِنَ الأَمَةِ كفَّارَةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّها مُباحةٌ له، فَصَحَّ الظِّهارُ منها كالزَّوْجَةِ. وعنِ الحَسَنِ، والأوْزَاعِىِّ، إنْ كان يَطَأُها فهو ظِهارٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه إذا لم يَطأْها (٤٣) فهو كتَحْرِيمِ مالِه. وقال عطاءٌ: عليه نِصْفُ كفَّارَةِ حُرَّةٍ؛ لأنَّ الأمَةَ على النِّصْفِ من الحُرَّةِ

стр. 5606

فى كثيرٍ من أحكامِها، وهذا من أحْكامِها، فتكونُ على النّصْفِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٤٤) فَخصَّهُنَّ به؛ ولأنَّه (٤٥) لفظٌ يَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ الزَّوْجةِ، فلا تَحْرُمُ به الأمَةُ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الظِّهارَ كان طلاقًا فى الجاهليَّةِ، فنُقِلَ حُكْمُه وبَقِىَ مَحِلُّه. قال أحمدُ: قال أبو قِلَابةَ، وقَتادةُ: إنَّ الظِّهارَ كان طَلاقًا فى الجاهليَّةِ. ورُوِىَ عنْ أحمدَ، أَنَّ على المُظاهِرِ مِنْ أمَتِه كفَّارةَ ظِهارٍ. وقال أبو بكرٍ: لا يَتَوَجَّهُ هذا على مَذْهَبِه؛ لأنَّه لو كانتْ (٤٦) عليه كفَّارةُ ظِهارٍ كان ظهارًا، ولكنْ عليه كفَّارةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه تَحْرِيمٌ لمُباحٍ من مالِه، فكانتْ فيه كفَّارةُ يَمِينٍ، كتَحْرِيمِ سائِرِ مالِه. قال نافعٌ: حَرَّمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جارِيَتَه، فَأَمَرَه اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَه (٤٧). ويَحْتَمِلُ أَنْ لا (٤٨) يَلْزَمَه شىءٌ، بِناءً عَلَى قَوْلِه فى المرأةِ إذا قالتْ لزوجها: أنْتَ علىَّ كظَهْرِ أبى. لا يَلْزَمُها شىءٌ. وإِنْ قال لِأمَتِه: أنتِ علىَّ حرامٌ. فعليه كفَّارةُ يَمِينٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. إلى قولِه تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤٩) نزلتْ فى تحْريمِ النَّبِىِّ ﷺ لِجارِيَتِه فى قَوْلِ بَعْضِهم. ويُخَرَّجُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى أَنْ تَلْزَمَه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّ التَّحريمَ ظِهارٌ. والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: ويصِح الظِّهارُ مُؤَقَّتًا، مِثْلَ أَنْ يقولَ: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى شهرًا، أو حتَّى يَنسَلِخَ شَهْرُ رمضانَ. فإذا مَضَى الوقتُ زالَ الظِّهارُ، وحلَّتِ المرأةُ (٥٠) بلا كفَّارةٍ، ولا يكونُ عائدًا إلَّا (٤٨) بالوطءِ فى المُدَّةِ. وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، وقَتادةَ، والثَّوْرِىِّ، وإِسْحَاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأَحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقولُه الآخَرُ: لا يكونُ

стр. 5607

ظهارًا. وبه قال ابنُ أبى لَيْلَى، واللَّيْثُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بلفظِ الظِّهارِ مُطْلَقًا، وهذا لم يُطْلِقْ، فأشْبَهَ ما لو شَبَّهَها بِمَنْ تَحْرُمُ عليه فى وَقْتٍ دُونَ وقتٍ. وقال طاوُسٌ: إذا ظاهَرَ فى وَقْتٍ، فعليه الكفَّارةُ، وإِنْ بَرَّ. وقال مالِكٌ: يَسْقُطُ التَّأْقِيتُ، ويكونُ ظهارًا (٥١) مُطْلقًا؛ لأنَّ هذا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فإذا وَقَّتَه لم يَتَوَقَّتْ كالطَّلاقِ. ولَنا، حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ، وقوله: ظاهَرْتُ (٥٢) مِن (٥٣) امْرَأَتِى حتَّى يَنْسَلِخَ شهرُ رَمضانَ. وأخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ أنَّه أصابَها فى الشَّهْرِ، فأمَرَه بالكفَّارةِ. ولم يَعْتَبِرْ عليه تَقْيِيدَه، ولأنَّه مَنَعَ نَفْسَه منها بيَمينٍ لها كفَّارةٌ، فَصَحَّ مُؤَقَّتًا كالإِيلاءِ، وفارَق الطَّلاقَ؛ فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، وهو (٥٤) يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُه التَّكْفِيرُ، فجازَ تَأْقِيتُه. ولا يصِحُّ قَوْلُ مَنْ أوجَبَ الكفَّارةَ وإِنْ بَرَّ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالى إنَّما أوْجَبَ الكفَّارةَ على الذين يَعُودُونَ لِمَا قالُوا، ومَنْ بَرَّ وتَرَكَ العَوْدَ فى الوَقْتِ الذى ظاهَرَ فلم يَعُدْ لِمَا قالَ، فلا تَجِبُ عليه كفَّارةٌ. وفارَقَ التَّشْبِيهَ بِمَنْ لا تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّ تَحْرِيمَها غيرُ كاملٍ، وهذه حَرَّمَها (٥٥) فى هذه المُدَّةِ تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بتَحْرِيمِ ظَهْرِ أُمِّه. على أنَّنا نَمْنَعُ الحُكْمَ فيها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يكونُ عائِدًا إلَّا بالوَطْءِ فى المُدَّةِ. وهذا هو المنْصُوصُ عن الشَّافِعِىِّ. وقال بعضُ أصحابِه: إنْ لم يُطَلِّقْها عَقِيبَ الظِّهارِ، فهو عائدٌ عليه الكفَّارةُ (٥٦). وقال أبو عُبَيْدٍ: إذا أجْمَعَ على غِشْيانِها فى الوقتِ، لَزِمَتْهُ الكفَّارةُ. وإلَّا فلا؛ لأنَّ العَوْدَ العَزْمُ على الوَطْءِ. ولَنا، حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ، وأنَّه لم يُوجبْ عليه الكفَّارةَ إلَّا بالوَطْءِ، ولأنَّها يَمِينٌ لم يَحْنَثْ فيها، فلا يَلْزَمُه كفَّارَتُها، كاليَمِينِ باللَّهِ تعالى، ولأنَّ المُظاهِرَ فى وَقْتٍ، عازمٌ على إمْساكِ زَوْجَتِه فى ذلك الوقتِ، فمَنْ أوْجَبَ عليه الكفَّارةَ بذلك، كان قَوْلُه كقولِ

стр. 5608

طاوُسٍ، فلا مَعْنًى لِقَوْلِه: يَصِحُّ الظِّهارُ مُؤَقَّتًا؛ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ التَّأْقيتِ (٥٧). فصل: ويصحُّ تَعْلِيقُ الظِّهارِ بالشُّرُوطِ، نحو أَنْ يقولَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فأنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى، [وإِنْ شاءَ زَيْدٌ، فأنتِ علىَّ كظهرِ أمِّى] (٥٨). فَمَتَى شاءَ زيدٌ أو دَخَلَتِ الدَّارَ، صارَ مُظَاهِرًا، وإلَّا فلا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يَمِينٌ، فجازَ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ كالإِيلاءِ، ولأنَّ أصْلَ الظِّهارِ أنَّه كان طَلاقًا، والطَّلاقُ يصحُّ تعليقُه بالشَّرْطِ (٥٩)، فكذلك الظِّهارُ، ولأنَّه قَوْلٌ تَحْرُمُ به الزَّوجةُ، فَصَحَّ تعليقُه على شَرْطٍ كالطَّلاقِ. ولو قال لامرأتِه: إن تظاهَرْتُ مِن امرأتِى الأُخْرَى، فأنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. ثمَّ تَظاهَرَ مِن الأُخْرَى، صارَ مُظاهِرًا منهما جميعًا. وإِنْ قال: إنْ تَظاهَرْتُ مِن فلانة الأجْنبِيَّةِ، فأنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. ثمَّ قال للأجْنبيَّةِ: أنتِ علىَّ كظهرِ أمِّى. صارَ مُظاهرًا من امرأتِه، عندَ مَنْ يَرَى الظِّهارَ مِن الأجْنَبيَّةِ، ومَنْ لا فَلا. وسَنَذْكُرُ ذلك [فى مَوْضِعِه] (٦٠)، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: فإنْ قال: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى، إنْ شاءَ اللَّهُ. لم يَنْعَقِدْ ظِهارُه. نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا قال لامرأتِه: عليه كظَهْرِ أُمِّه إنْ شاءَ اللَّهُ، فليس عليه شىءٌ، هى (٦١) يَمِينٌ. وإذا قال: ما أحَلَّ اللَّهُ علىَّ حرامٌ، إنْ شاء اللَّهُ. وله أهلٌ، هى يمينٌ، ليس عليه شىءٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّها يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فصحَّ الاستثناءُ فيها، كاليَمِينِ باللَّهِ تعالى، أو كَتَحْرِيمِ مالِه. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فلا حِنْثَ عليه". رواه التِّرْمِذِىُّ (٦٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وفى لفظٍ: "مَنْ

стр. 5609

حَلَفَ فاسْتَثْنَى، فإنْ شاءَ فَعَلَ، وإن شاءَ رَجَعَ غَيْرَ حِنْثٍ". رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسائِىُّ (٦٣). وإن قال: أنتِ علىَّ حرامٌ، وَوَاللَّهِ لا أُكَلِّمُكِ إنْ شاءَ اللَّهُ. عادَ الاستِثْناءُ إليْهِما، فى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا، عادَ إلى جَمِيعِها، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ الاستثناءَ فى بَعْضِها، فيعودَ إليه وحدَه. وإِنْ قال: أنتِ علىَّ حرامٌ إذا شاءَ اللَّهُ، أو إلَّا ما شاءَ اللَّهُ، أو إلى أَنْ يشاءَ اللَّهُ، أو ما شاءَ اللَّهُ. فكُلُّه استثناءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهارِ. وإن قال: إن شاءَ اللَّهَ فأنتِ حرامٌ. فهو استثناءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهارِ؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا تَقَدَّمَ يُجَابُ بالفاءِ. وإن قال: إن شاءَ اللَّهُ أنتِ حرامٌ. فهو استثناءٌ؛ لأنَّ الفاءَ مُقَدَّرَةٌ. وإن قال: إن شاء اللَّهُ فأنتِ حرامٌ. صحَّ أيضًا، والفاءُ زائِدَةٌ. وإن قال: أنتِ حرامٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وشاءَ زَيْدٌ. فشاءَ زَيدٌ، لم يَصِرْ مُظاهِرًا (٦٤)؛ لأنَّه عَلَّقَه على مَشِيئَتَيْنِ، فلا يَحْصُلُ بإحْداهما (٦٥). ١٣١٠ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ مَاتَ، أَوْ مَاتَتْ، أَوْ طَلَّقَهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ الكَفَّارَةُ. فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَها، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأنَّ الحِنْثَ بِالعَوْدِ، وَهُوَ الوَطْءُ؛ لأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ الكَفَّارَةَ عَلَى المُظَاهِرِ قَبْلَ الحِنْثِ) الكلامُ فى هذه المسائلِ (١) فى ثلاثةِ فُصولٍ: أحدُها: أَنَّ الكفارةَ لا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهارِ، فلو مات أحدُهما أو فارَقَها قَبْلَ

стр. 5610

العَوْدِ، فلا كفَّارَة عليه. وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والحسنِ، والثَّوْرِىِّ، ومَالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وقال طاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ: عليه الكفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ الظِّهارِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكفَّارَةِ (٢)، وقد وُجِدَ، ولأنَّ الكفَّارةَ وَجَبَتْ لِقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وهذا يَحْصُلُ بمُجرَّدِ الظِّهارِ. وقال الشَّافِعِىُّ: متى أمْسَكَها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه، فلم يُطَلِّقْها، فعليه الكفَّارَةُ. لأنَّ ذلك هو العَوْدُ عندَه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣). فَأَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بِأَمْرَيْنِ، ظِهارٍ وعَوْدٍ، فلا تَثْبُتُ بأحدِهما، ولأنَّ الكفَّارَةَ فى الظِّهارِ كفَّارَةُ يَمِينٍ، فلا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الحِنْثِ، كسائِرِ الأيْمانِ، والحِنْثُ فِيها هو العَوْدُ، وذلك فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِهِ، وهو الجماعُ، وتَرْكُ طلاقِها ليس بِحِنْثٍ فيها، ولا فِعْل لما حَلَفَ على تَرْكِه، فلا تَجِبُ به الكفَّارةُ، ولأنَّه لو كان الإِمْساكُ عَوْدًا، لوَجَبَتِ الكَفَّارةُ على المُظاهِرِ المُوقِّتِ (٤) وإِنْ بَرَّ. وقد نصَّ الشَّافِعِىُّ على أنَّها لا تَجِبُ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا كفَّارةَ عليه إذا ماتَ أحدُهما قبلَ وَطْئِها. وكذلك إنْ فارَقَها، سواءٌ كان ذلك مُتَرَاخِيًا عنْ يَمِينِهِ، أو عَقِيبَه. وأيُّهما مَاتَ وَرِثَه صَاحِبُه، فى قولِ الجُمْهُورِ. وقال قَتَادَةُ: إنْ مَاتَتْ، لم يَرِثْها حتى يُكَفِّرَ. ولنا، أَنَّ مَنْ وَرِثَها إذا كفَّرَ وَرِثَها وإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ، كالمُولِى منها. الفصل الثَّانِى: أنَّه إذا طَلَّقَ مَنْ ظاهَرَ منها، ثم تَزَوَّجَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتَّى يُكَفِّرَ. سواءٌ كان الطَّلاقُ ثلاثًا، أو أقلَّ منه. وسواءٌ رَجَعَتْ إليه (٥) بعدَ زَوْجٍ آخَرَ، أو قَبْلَه. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ عطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، ومالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال قَتَادَةُ: إذا بانَتْ، سَقَطَ الظِّهارُ، فإذا عادَ فَنكَحَها (٦)، فلا كفَّارَةَ

стр. 5611

عليه. وللشَّافِعِىَّ قولانِ كالمذهبَيْنِ، وقولٌ ثالِثٌ، إنْ كانتِ البَيْنُونَةُ بالثَّلاثِ، لم يَعُدِ الظِّهارُ، وإلَّا عادَ. وبَناه على الأقَاوِيلِ فى عَوْدِ صِفَةِ الطَّلاقِ فى النِّكاحِ الثَّانِى. ولنا، عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وهذا قد ظاهَرَ منِ امرأتِه، فلا يَحِلُّ أَنْ يتماسَّا حتَّى يُكَفَّرَ، ولأنَّه (٧) ظاهَرَ مِن امرأتِه، فلا يَحِلُّ له مَسُّها قَبلَ التَّكْفِيرِ، كالتى لم يُطَلَّقْها، ولأنَّ الظَّهارَ يمينٌ مُكَفَّرَةٌ، فلم يَبْطُلْ حُكْمُها بالطَّلاقِ، كالإِيلاءِ. الفصل الثَّالثُ: أَنَّ العَوْدَ هو الوَطْءُ، فمتى وَطِئَ لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، ولا تَجِبُ قَبلَ ذلك، إلَّا أنَّها شَرْطٌ لحِلٌ الوَطْءِ، فيُؤْمَرُ بها مَنْ أرادَه لِيَسْتَحِلَّه بها، كما يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكاحِ مَنْ أراد حِلَّ المَرْأَةِ. وحُكِىَ نَحوُ ذلك عنِ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ. إلَّا أنَّه لا يُوجِبُ الكفَّارَةَ على مَنْ وَطِئَ، وهى عندَه فى حقِّ مَنْ وَطِئَ كَمَنْ لا يَطَأُ. وقال القاضى وأَصحابُه: العَوْدُ العَزْمُ على الوَطْءِ. إلَّا أنَّهم لم يُوجِبُوا الكَفَّارةَ على العازِمِ على الوَطْءِ، إذا مات أحَدُهما أو طَلَّقَ قبلَ الوَطْءِ، إلَّا أبا الخطَّابِ، فإنَّه قال: إذا ماتَ بَعْدَ العَزْمِ، أو طَلَّقَ، فعليه الكفَّارةُ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. وقد أنْكَرَ أحمدُ هذا، فقال: مالِكٌ يقولُ: إذا أجْمَعَ لَزِمَتْه الكفَّارةُ. فكيف يكونُ هذا! إذا (٨) طَلَّقَها بَعْدَ ما يُجْمِعُ كان عليه كفَّارةٌ! إلَّا أَنْ يكونَ يَذْهَبُ إلى قَوْلِ طاوُسٍ: إذا تَكَلَّمَ بالظَّهارِ لَزِمَه مِثْلُ الطَّلاق. ولم يُعْجِبْ أحمدَ قَوْلُ طاوُسٍ. وقال أحمدُ، فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قال: العَوْدُ (٩) الغِشْيانُ، إذا أرادَ أَنْ يَغْشَى كَفَّرَ. واحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا بقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. فأوْجَبَ الكفَّارةَ بعدَ العَوْدِ قبلَ التَّماسَّ، وما يَحْرُمُ (١٠) قبلَ الكفَّارةِ، لا يجوزُ كونُه مُتَقَدِّمًا عليها، ولأنَّه قَصَدَ بالظَّهارِ تحريمَها، فالعَزْمُ على وَطْئِها عَوْدٌ فيما قَصَدَه (١١)،

стр. 5612

ولأنَّ الظِّهارَ تَحْرِيمٌ، فإذا أرادَ اسْتِباحَتَها، فقد رَجَعَ فى ذلك التَّحْرِيِمِ، فكان عائِدًا. وقال الشَّافِعِىُّ: العَوْدُ إمساكُها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمْكِنُه طَلاقُهَا فيه؛ لأنَّ ظِهارَه منها يَقْتَضِى إبانَتَها، فإمْساكُها عَوْدٌ فيما قال. وقال دَاوُدُ: العَوْدُ، تَكْرارُ الظِّهارِ مرَّةً ثانِيةً؛ لأنَّ العَوْدَ فى الشَّىءِ إعادتُه. ولَنا، أن العَوْدَ فِعْلٌ ضِدُّ قَوْلِه، ومنه العائِدُ فى هِبَتِه، هو الرَّاجِعُ فى المَوْهُوبِ، والعائِدُ فى عِدَتِهِ، التَّارِكُ للوَفاءِ بما وَعَدَ، والعائِدُ فيما نُهِى عنه فاعِلٌ المَنْهِىَّ عنه. قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. فالمُظاهِرُ مُحَرِّمٌ للوَطْءِ على نَفْسِهِ، ومانِعٌ لها منه، فالعَوْدُ فِعْلُه. وقولُهم: إنَّ العَوْدَ يَتَقَدَّمُ التَّكْفِيرَ، والوَطْءَ يَتَأَخَّرُ عنه. قلنا: المُرادُ بقولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾. أى يُريدُونَ العَوْدَ، كقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١٢). أىْ، أردْتُمْ ذلك. وقولُه تعالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (١٣). فإنْ قيل: فهذا تأْويلٌ، ثم هو رُجُوعٌ إلى إيجابِ الكفَّارَةِ بالعَزْمِ المُجَرَّدِ. قُلْنا: دليلُ التَّأوِيلِ، ما ذَكرْنا. والآمِرُ (١٤) بالكفَّارةِ عِنْدَ العَزْمِ فإنَّما أَمَرَ بها شَرْطًا للحِلِّ، كالأمْرِ بالطَّهارَةِ لمَنْ أرادَ صَلاةَ النَّافِلَةِ، والأمْرِ بالنَّيَّةِ لِمَنْ أرادَ الصَّيامَ. فأمَّا الإِمساكُ فليس بِعَوْدٍ؛ لأنَّه ليس بِعَوْدٍ فى الظِّهارِ المُؤَقَّتِ، فكذلك فى المُطْلَقِ، ولأنَّ العَوْدَ فِعْلُ ضِدَّ ما قالَه، والإِمساكُ ليس بِضِدٍّ له، وقولُهم: إنَّ الظِّهارَ يَقْتَضِى إبانَتَها. لا يَصِحُّ، وإنَّما يَقْتَضِى تَحْرِيمَها واجْتِنابَها، ولذلك صَحَّ تَوْقِيتُه، ولأنَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. وثم للتَّراخِى، والإِمساكُ غيرُ مُتَراخٍ. وأمَّا قَوْلُ دَاوُدَ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ أوْسًا وسلَمَةَ بنَ صَخْرٍ بالكفَّارةِ مِن غيرِ إعادةِ اللَّفْظِ، ولأنَّ العَوْدَ إنما هو فى مَقُولِه دَونَ قَوْلِه، كالعَوْدِ فى الهِبَةِ والعِدَةِ، والعَوْدِ لِمَا نُهِى عنه، ويدلُّ على إبطالِ هذه الأَقْوالِ كُلِّها أَنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ مُكَفَّرةٌ، فلا تَجِبُ الكفَّارةُ إلَّا بالحِنْثِ فيها، وهو فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِهِ كسائِرِ

стр. 5613

الأيْمانِ، وتَجِبُ الكفَّارةُ بِذلك كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّها يَمِينٌ تَقْتَضِى تَرْكَ الوَطْءِ، فلا تَجِبُ كفَّارتُها إلَّا به، كالإِيلاءِ. ١٣١١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أمِّى. لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِىَ بالكَفَّارَةِ) وجُملتُه، أَنَّ الظِّهارَ مِن الأجْنَبِيَّةِ يَصِحُّ، سواءٌ قال ذلك لامرأةٍ بِعَيْنِها، أو قال: كلُّ النِّساءِ علىَّ كَظَهْرِ أُمِّى. وسواءٌ أوْقَعَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه على التَّزْوِيِج، فقال: كلُّ امرأةٍ أتَزَوَّجُها، فهى علىَّ كظَهْرِ أُمِّى. ومتى تَزَوَّجَ التى ظاهَرَ منها، لَمْ يَطَأْها حَتَّى يُكَفِّرَ. يُرْوَى (١) نحوُ هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والحسنُ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَثْبُتَ حُكْمُ الظِّهارِ قبلَ التَّزْويجِ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢). والأجْنَبِيَّةُ ليستْ مِن نسائِه، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بحُكْمِها مُقَيَّدًا بِنِسائِه، فلم يَثْبُتْ حُكْمُها فى الأجْنبيَّةِ، كالإِيلاءِ؛ فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. كما قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣). ولأنَّها ليستْ بِزَوْجةٍ (٤)، فلم يَصِحَّ الظِّهارُ منها، كأَمَتِه، ولأنَّه حَرَّمَ مُحَرَّمَةً، فَلَمْ يَلْزَمْه شىءٌ، كما لو قال: أنتِ حرامٌ. ولأنَّه نَوْعُ تَحْرِيمٍ، فلم يَتَقَدَّمِ النِّكاحَ، كالطَّلاقِ. ولنا، ما رَوَى الإمامُ أحمدُ بإسنادِه عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، أنَّه قال فى رجلٍ قال: إنْ تَزَوَّجْتُ فلانة، فهى علىَّ كَظَهْرِ أُمِّى. فَتَزَوَّجَها. قال: عليه كَفَّارَةُ الظِّهارِ (٥). ولأنَّها يَمِينٌ مُكَفَّرةٌ، فصَحَّ

стр. 5614

انْعِقادُها قبلَ النِّكاحِ، كاليمينِ باللَّهِ تعالى. أمَّا الآيةُ، فإنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ فإنَّ الغَالِبَ أَنَّ الإِنسانَ إنَّما يُظاهِرُ مِن نِسائِه، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بهنَّ، كما أَنَّ تَخْصِيصَ الرَّبِيبَةِ التى فى حِجْرِه بالذَّكْرِ، لم يُوجِبِ اخْتِصاصَها بالتَّحْرِيمِ، وأمَّا الإِيلاءُ، فإنَّما اخْتَصَّ حُكمُه بنِسائِه؛ لكَوْنِه يَقصِدُ الإِضْرارَ بِهِنَّ دون غيرِهنَّ، والكفَّارةُ وَجَبتْ ههُنا لِقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، ولا يَخْتَصُّ (٦) ذلك بنِسائِه، ويفارِقُ الظِّهارُ الطَّلاقَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أَنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيْدِ النكاح، ولا يُمْكِنُ حَلُّه قَبْلَ عَقْدِه، والظَّهارُ تَحْرِيمٌ للوَطْءِ، فيجوزُ تَقْدِيمُه على العَقْدِ كالحَيْضِ. الثانى، أَنَّ الطَّلاقَ يَرْفَعُ العَقْدَ، فلم يَجُزْ أَنْ يَسْبِقَه، وهذا لا يَرْفعُه، وإنَّما تَتَعَلَّقُ (٧) الإِباحةُ على شَرْطٍ، فَجِازَ تَقَدُّمُه. وأمَّا الظِّهارُ من الأَمَةِ، فقدِ انْعَقَدَ يَمِينًا وَجَبَتْ به الكفَّارةُ، ولم تَجِبْ به (٨) كفَّارةُ الظِّهارِ؛ لأنَّها ليستِ امْرَأَةً له حالَ التَّكْفِيرِ، بخلافِ مَسْألتِنا. فصل: وإذا قال: كُلُّ امرأةٍ أَتَزَوَّجُها، فهى علىَّ كظَهْرِ أُمِّى. ثمَّ تَزَوَّجَ نِساءً، وأرادَ العَوْدَ، فعليه كفَّارةٌ واحدَةٌ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فى عَقْدٍ واحدٍ (٨) أو فى عُقُودٍ مُتَفرِّقَةٍ. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها يَمِينٌ واحدٌ، فكفَّارَتُها واحدةٌ. كما لو ظاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نساءٍ بكَلمةٍ واحدةٍ. وعنه، أَنَّ لِكُلِّ عَقْدٍ كفَّارةً؛ فلو تَزَوَّجَ اثْنَتيْنِ فى عَقْدٍ، وأرَادَ العَوْدَ فعليه [كَفَّارةٌ واحدةٌ، ثمَّ إِذا تَزَوَّجَ أُخْرَى، وأرادَ العَوْدَ، فعليه] (٩) كفَّارةٌ أُخْرَى. ورُوِىَ ذلك عن إسْحاقَ؛ لأنَّ المرأةَ الثَّالِثةَ وُجِدَ العَقْدُ عيها الذى يَثْبُتُ به الظِّهارُ، وأرادَ العَوْدَ إليها بعدَ التَّكْفِيرِ عن الأُولَيَيْنِ، فكانَتْ عليه لها كفَّارةٌ، كما لو ظاهَرَ منها ابتداءً. ولو قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى. وقال: أردْتُ أنَّها مِثْلُها فى التَّحْرِيمِ فى الحالِ. دِينَ فى ذلك. وهل يُقْبَلُ فى الحُكْم؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما،

стр. 5615

لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه صَرِيحٌ للظِّهارِ، فلا يُقْبَلُ صَرْفُه إلَى غَيْرِه. والثانى: يُقْبَلُ؛ لأنها حَرامٌ عليه، كما أَنَّ أُمَّه حرامٌ عليه. ١٣١٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ. وأَرَادَ فِى تِلْكَ الحالِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَىْءٌ وإِنْ تَزَوَّجَها؛ لأَنَّه صَادِقٌ. وإِنْ أَرَادَ فِى كُلِّ حَالٍ، لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِىَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ) أمَّا إذا أرادَ بِقَولِه لها: أنتِ علىَّ حَرَامٌ. الإِخْبارَ عَنْ حُرْمَتِها فى الحالِ، فلا شَىْءَ عليه؛ لأنَّه صادِقٌ؛ لكَونِه وَصَفَها بِصِفَتِها، ولم يَقُلْ مُنْكَرًا ولا زُورًا. وكذلك لو أطْلَقَ هذا القَوْلَ، ولم يكُنْ له نِيَّةٌ، فلا شىءَ عليه لِذلك. وإِنْ أرادَ تَحْرِيمَها فى كلِّ حالٍ، فهو ظِهارٌ؛ لأنَّ لَفْظَةَ الحرامِ، إذا أُرِيدَ بها الظِّهارُ، ظِهارٌ فى الزَّوجةِ (١)، فكذلك فى الأجْنَبِيَّةِ، فَصَارَ كَقَوْلِه: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى. ١٣١٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِه، وَهِىَ أَمَةٌ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى مَلَكَهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) وجملتُه أَنَّ الظِّهارَ يَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجةٍ، أمَةً كانَتْ أو حُرَّة. فإذا ظاهَرَ مِنْ زَوْجَتِه الأَمَةِ، ثم مَلَكَها، انْقَسَخَ النِّكاحُ. واخْتَلفَ أصحابُنا فى بَقاءِ حُكْمِ الظِّهارِ؛ فذكَر الْخِرَقِىُّ ههُنا أنَّه باقٍ، ولا يَحِلُّ له الوَطْءُ حتَّى يُكَفِّرَ. وبه يقولُ مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ونصَّ عليه الشَّافِعِىُّ. وقال القاضى: المذهبُ ما ذكَر الْخِرَقِىُّ. وهو قَوْلُ أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامِدٍ؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). وهذا قد (٢) ظاهَرَ مِن امْرَأتِه، فَلَمْ يَحِلَّ له

стр. 5616

مَسُّها حَتَّى يُكَفِّرَ، ولأنَّ الظِّهارَ قَدْ صَحَّ فِيها، وحُكْمُه لا يَسْقُطُ بالطَّلاقِ المُزِيلِ للمِلْكِ والحِلِّ، فَبمِلْكِ اليَمِينِ أوْلَى، ولأنَّها يَمِينٌ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لكفَّارةٍ، فَوَجَبَتْ دون غَيرِها، كسائِرِ الأيْمانِ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَسقُطُ الظِّهارُ بمِلْكِه لها، وإِنْ وَطِئَها حَنِثَ، وعليه كفَّارةُ يَمِينٍ، كما لو تَظاهَرَ منها، وهى أمَتُه؛ [لأنَّها خَرَجتْ عن الزَّوْجاتِ، وصارَ وَطْؤُة لها بِمِلْكِ اليَمِينِ، فلم يكُنْ مُوجِبًا لكفَّارةِ الظِّهارِ، كما لو تظاهَرَ منها وهى أمَتُه] (٣). ويَقْتَضِى قولُ أبى بَكْرٍ هذا أَنْ تُباحَ قبلَ التَّكْفِيرِ؛ لأنَّه أسْقَطَ الظِّهارَ، وجَعَلَه يمينًا، كتَحْرِيمِ أمَتِه. فإنْ أعْتَقَها عن كفَّارتِه، صَحَّ على القَوْلَيْنِ. فإنْ تَزَوَّجَها بعدَ ذلك، حَلَّتْ له بغيرِ كفَّارةٍ؛ لأنَّه كَفَّرَ عن ظِهارِة بإعْتاقِهِا، ولا يَمْتَنِعُ إجْزَاؤُها عن الكفَّارةِ التى وَجَبَتْ بِسَبَبِها، كما لو قال: إنْ مَلَكْتُ أمَةً، فللَّهِ علىَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ. فَمَلَكَ أمَةً، فأعْتَقَها. وإِنْ أعْتَقَها عن غيرِ الكفَّارةِ، ثم تَزَوَّجَها، عادَ حُكْمُ الظِّهارِ، ولم تَحِلَّ له حتَّى يُكَفِّرَ. ١٣١٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَائِه بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكَثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ (١)) وجملتُه أنَّه إذا ظاهَرَ (٢) مِن نِسائِه الأرْبَعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فقال: أنْتُنَّ عَلَى كَظَهْرِ أُمِّى. فليس عليه أكْثَرُ من كفَّارةٍ. بغيرِ خِلافٍ فى المذهبِ. وهو قَوْلُ علىٍّ، وعُمَرَ، وعُرْوَةَ، وطَاوُسٍ، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، والشَّافِعِىِّ فى القَدِيمِ. وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ويحيى الأنْصارِىُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىُّ فى الجديدِ: عليه لِكُلِّ امرأةٍ كفَّارَةٌ؛

стр. 5617

لأنَّه وُجِدَ (٣) الظِّهارُ والعَوْدُ فى حَقِّ (٤) كُلِّ امرأةٍ منهنَّ، فوَجَبَ عليه عن كُلِّ واحدَةٍ (٥) كفَّارةٌ، كما لو أفْرَدَها به. ولَنا، عُمُومُ (٦) قَوْلِ عمرَ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنْهُما، رَواه عنهما الأثْرَمُ (٧)، ولا نَعْرِفُ لهما فى الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجماعًا، ولأنَّ الظِّهارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بمخالفتِها الكفَّارةُ، فإذا وُجدَتْ فى جماعةٍ أوْجَبَتْ كفَّارةً واحدةً، كاليَمينِ باللَّهِ تعالى. وفارَقَ ما إذا ظاهَرَ (٨) بكلماتٍ؛ فإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِى كفَّارةً تَرْفَعُها، وتُكَفِّرُ إثْمَها. وههُنا الكَلِمَةُ واحدةٌ، فالكفَّارةُ الواحدةُ تَرْفَعُ حُكْمَها، وتَمْحُو إِثْمَها، فلا يَبْقَى لها حُكْمٌ. فصل: ومَفْهُومُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه إذا ظاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِماتٍ، فقال لِكُلِّ واحدةٍ: أنتِ علىَّ كَظَهْرِ أُمِّى. فإنَّ لِكُلِّ يمينٍ كفَّارةً. وهذا قَوْلُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ. قال أبو عَبْدِ اللَّهِ ابنُ حامِدٍ: المذهبُ روايةٌ واحدةٌ فى هذا. قال. القاضى: المَذْهَب عندى ما ذَكَرَ الشيخُ أبو عبدِ اللَّهِ. وقال (٩) أبو بَكرٍ: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه كَفَّارةٌ واحِدَةٌ. واخْتار ذلك، وقال: هذا الذى قُلْناهْ اتِّباعًا لِعمرَ بنِ الخطَّابِ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وإبراهيمَ، ورَبيعَةَ، وقَبِيصَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ كفَّارةَ الظِّهارِ حقٌّ للَّه تعالى، فلم تَتَكَرَّرْ بتَكَرُّرِ سَبَبِها، كالحَدِّ، وعليه يُخَرَّجُ الطَّلاقُ. ولنا، أنَّها أيْمانَ مُتَكَرِّرةٌ على أعْيانٍ مُتَفَرِّقةٍ، فكانَ لِكُلِّ واحدةٍ كفَّارةٌ، كما لو كفَّر ثم ظاهَرَ، ولأنَّها أيْمانٌ لا يَحْنَثُ فى

стр. 5618

إحْداها بالحِنْثِ فى الأُخْرَى، فلا تُكَفِّرُها كفَّارةٌ واحدةٌ، كالأصْل، ولأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكفَّارَةَ، فَتَتَعَدَّدُ الكفَّارةُ بِتَعَدُّدِه فى الْمَحالِّ الختلفةِ، كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحدَّ، فإنَّه عُقُوبةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. فأمَّا إنْ ظاهَرَ من زَوْجَتِه مِرَارًا ولم يُكَفَّرْ، فكفَّارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ الحِنْثَ واحدٌ، فَوَجَبَتْ (١٠) كفَّارَةٌ واحدةٌ، كما لو كانتِ اليَمِينُ واحدةً. فصل: إذا ظاهَرَ مِن امرأةٍ، ثم قال لأُخْرَى (١١): أشْرَكْتُكِ مَعَها، أو أنتِ شَرِيكَتُها، أو كَهِىَ. ونَوَى المُظاهَرَةَ من الثَّانيةِ، صارَ مُظاهِرًا منها. بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه. وبه يقولُ مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وإِنْ أطْلَقَ، صارَ مُظاهِرًا أيضًا، إذا كان عَقِيبَ مُظاهَرَتِه مِن الأولَى. ذكرَه أبو بكرٍ. وبه قالَ مالِكٌ. قال أبو الخطَّابِ: ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يكونَ مُظاهِرًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه ليس بِصَريح فى الظِّهَارِ، ولا نَوَى به الظِّهَارَ، فلم يَكُنْ ظِهارًا، كما لو قال ذلك قبل أَنْ يُظاهِرَ مِن الأُولَى، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّها شَرِيكَتُها فى دينِها، أو فى الخُصُومَةِ، أو فى النِّكاحِ، أو سُوءِ الخُلُقِ، فلم تُخصَّصْ (١٢) بالظِّهارِ إلَّا بالنِّيَّةِ، كسائِرِ الكِناياتِ. ولَنا، أن الشِرْكَةَ والتَّشْبِيهَ لابُدَّ أَنْ يَكونَ فى شىءٍ، فوَجَبَ تَعْلِيقُه بالمذْكُورِ معه، كجَوابِ السُّؤَالِ فيما إذا قيلَ له (١٣): ألكَ امرأةٌ؟ فقال: قد طَلَّقْتُها. وكالعَطف مع المَعْطُوفِ عليه، والصِّفَةِ مع المَوْصُوفِ. وقَوْلُهم: إنَّه كِنايةٌ لم يَنْوِ بها الظِّهارَ. قُلْنا: قد وُجِدَ دليلُ النِّيَّةِ، فيكْتَفَى بها. وقولُهم: إنَّه يَحْتَمِلُ. قُلْنا: ما ذَكَرْنا من القَرِينَةِ يُزِيلُ الاحْتِمالَ. وإن بَقِىَ احتمالٌ مّا، كان مَرْجُوحًا، فلا يُلْتَفَتُ إليه، كالاحتمالِ فى اللَّفْظِ الصَّرِيحِ. ١٣١٥ - مسألة؛ قال: (وَالكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنَ العُيُوبِ المُضِرَّةِ بِالعَمَلِ)

стр. 5619

فى هذه المسألةِ ثلاثُ مَسائِلَ: الأولى: أَنَّ كفَّارةَ المُظاهِرِ القادِرِ على الإِعْتاقِ، عِتْقُ رَقَبَةٍ، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه (١) بينَ أهْلِ العِلْمِ. والأصلُ فى ذلك قَوْلُ اللَّهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ لأوْس بنِ الصَّامِتِ، حينَ ظاهَرَ مِنِ امرأتِه: "يَعْتِقُ رَقَبَةً". قُلْتُ: لا يَجِدُ. قال: "فَيَصُومُ" (٣). وقَوْلهُ لِسَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ مِثْل ذلك (٣). فَمَنْ وَجَدَ رَقَبَةً يَسْتَغْنِى عَنْها، أو وَجَدَ ثَمَنَها فاضِلًا عن حاجَتِه، ووَجَدَها به، لَمْ يُجْزِئْه إلَّا الإِعْتاقُ؛ لأنَّ وُجُودَ المُبْدَلِ إذا مَنَعَ الانْتِقالَ إلى البدَلِ، كانَتِ القُدْرَةُ (٤) على ثَمَنِه تَمْنَعُ الانْتِقالَ، كالماءِ وثَمَنِه، يمنَعُ الانتقالَ إلى التَّيَمُّمِ. المسألة الثانية: أنَّه لا يُجْزِئُه إلَّا عِتْقُ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ فى كفَّارةِ الظِّهارِ، وسائِرِ الكفَّاراتِ. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ الحسنِ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ، روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُجْزِىُّ فيما عَدَا كَفَّارَةَ القَتْلِ، مِنَ الظِّهارِ وغيرِه، عِتْقُ رَقَبَةٍ ذِمِّيَّةٍ. وهو قَوْلُ عَطَاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أطْلَقَ الرَقَبةَ فى هذه الكفَّارةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ ما تَنَاوَلَه الإِطْلاقُ. ولَنا، ما رَوَى معاويةُ بنُ الحَكَمِ، قال: كانتْ لى جارِيَةٌ، فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فقلتُ: علىَّ رَقَبَةٌ أفأعْتِقُها؟ فقال لها رسول اللَّهِ ﷺ : "أينَ اللَّهُ؟ " قالتْ: فى السَّماءِ. قال: "مَنْ أنَا؟ ". قالت: أنتَ رسولُ اللَّهِ. فقال

стр. 5620

رسولُ اللَّه ﷺ : "أعْتِقْهَا؛ فَإنَّها مُؤْمِنةٌ". أخْرَجَه مُسْلِمٌ، والنَّسائِىُّ (٥). فَعَلَّلَ جَوازَ إعتاقِها عن الرَّقَبَةِ التى عليه بِأنَّها مُؤْمِنَةٌ، فدلَّ على أنَّه لا يُجْزِئُ عنِ الرَّقَبَةِ التى عليه إلَّا مُؤْمِنَةٌ، ولأنَّه تَكْفِيرٌ بعِتْقٍ، فلم يَجُزْ إلَّا مُؤْمِنَةً، ككفَّارةِ القَتْلِ. والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ مِنْ جهَةِ القِيَاس إذا وُجِدَ المَعْنَى فِيه، ولابُدَّ مِن تَقْييدِه، فإنَّا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ العُيُوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا، فالتَّقْييدُ بالسَّلامَةِ مِن الكُفْرِ أوْلَى. المسألة الثالثة: أنَّه لا يُجْزِئُه إلَّا رَقَبَةُ سالِمَةٌ من العُيوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ ضررًا بَيِّنًا؛ لأنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَمْكِينُهُ (٦) من التَّصَرُّفِ لنفسِهِ، ولا يَحْصُل هذا مع ما يَضُرُّ بالعَملِ ضررًا بَمنا، فلا يُجْزِئُ الأَعْمَى؛ لأنَّه لا يُمَكِنُه العَمَلُ فى أكْثَرِ الصَّنائِع، ولا المُقْعَدُ، ولا المَقْطُوعُ اليَدَيْنِ أو الرِّجْلَيْنِ؛ لأنَّ اليَدَيْنِ آلةُ البَطْشِ، فلا يُمْكِنُه العَمَلُ مع فَقْدِهِما، والرَّجْلانِ آلةُ المَشْىِ، فلا يَتَهَيَّاُّ له كثيرٌ من العملِ مع تَلَفِهما. والشَّلَلُ كالقَطْع فى هذا. ولا يُجْزِئُ المجنونُ جُنُونًا مُطْبقًا؛ لأنَّه وُجِدَ فيه المَعْنَيانِ، ذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وحصولُ الضَّرَرِ بالعملِ. وبهذا كلِّه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن دَاوُدَ، أنَّه جَوَّزَ عِتْقَ (٧) كُلِّ رَقَبةٍ يَقَعُ عليها الاسْمُ، أخْذًا بإطْلاقِ اللَّفْظِ. ولَنا، أَنَّ هذا نَوْعُ كفَّارةٍ، فلم يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ كالإِطْعامِ، فإنَّه لا يُجْزِئُ أن يُطْعِمَ مُسَوَّسًا ولا عَفِنًا، وإِنْ كان يُسَمَّى طَعامًا. والآيةُ مُقَيَّدَةٌ بما ذكَرْناه. فصل: ولا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ اليَدِ، أو الرِّجْلِ، ولا أشَلُّها، ولا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدِ، أو

стр. 5621

سَبَّابَتِها (٨)، أو الوُسْطَى؛ لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يَذْهَبُ بذَهابِ هؤلاء، ولا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الخِنْصَرِ والبِنْصَرِ من يَدٍ واحدَةٍ؛ لأنَّ نَفْعَ اليَدِ منهما (٩) يَزُولُ أكثرُهَ بذلك. وإِنْ قُطِعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ (١٠) منْ يَدٍ جازَ؛ لأنَّ نَفْعَ الكَفَّيْنِ باقٍ، وقَطْعُ أُنْمُلةِ الإِبْهامِ كقَطْع جَمِيعِها؛ فإنَّ نَفْعَها يَذْهَبُ بذلك؛ لكَوْنِها أُنْمُلَتَيْنِ، وإِنْ كان مِن غيرِ الإبهامِ لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها لا تَذْهَبُ؛ فإنَّها تَصِيرُ كالأصابعِ القِصارِ، حتى لو كانت أصابِعُه كلُّها غَيْرُ الإِبْهامِ قد قُطِعَتْ مِنْ كُلِّ واحِدَةٍ منها أُنْمُلَةٌ، لم يَمْنَعْ. وإِنْ قُطِعَ من الإصْبَعِ أُنْمُلَتانِ، فهو كقَطْعِها؛ لأنَّه يَذْهَبُ بِمَنْفَعَتِها. وهذا جميعُه مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ مقطوعُ إحدَى اليَدَيْنِ أو إحدَى الرِّجْلَيْنِ، ولو قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه جميعًا مِنْ خِلافٍ أجْزَأتْ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ باقِيَةٌ، فَأَجْزَأَتْ فى الكفَّارَةِ، كالأَعْوَرِ، فأمَّا إنْ قُطِعَتا مِنْ وفاقٍ، أىْ من جانبٍ واحدٍ، لم يُجْزِئْ؛ لانَّ مَنْفَعَةَ الشىءِ تَذْهَبُ. ولَنا، أَنَّ هذا يُؤَثِّرُ فى العَمَلِ، ويَضُرُّ ضررًا بَيِّنًا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ إجْزاءَها، كما لو قُطِعَتا مِن وِفاقٍ. ويُخالِفُ العَوَرَ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ ضَررًا بَيِّنًا. والاعْتبارُ بالضَّرَرِ أوْلَى مِن الاعْتِبارِ بِمَنْفَعةِ الجِنْس؛ فإنَّه لو ذَهَبَ شَمُّه، أو قُطِعَتْ أُذُناه معًا، أجْزَأ مَعَ ذَهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، ولا يُجْزِئُ الأعْرَجُ إذا كان عَرَجًا كثيرًا فاحشًا؛ لأنَّه يَضُرُّ بالعملِ، فهو كقَطْعِ الرِّجْلِ. وإِنْ كان عَرَجًا يَسِيرًا (١١)، لم (١٢) يَمْنَعِ الإِجْزَاءَ (١٣)؛ لأنَّه قَلِيلُ الضَّرَرِ. فصل: ويُجْزِئُ الأَعْوَرُ فى قَوْلِهِم جميعًا. وقال أبو بكرٍ: فيه قولٌ آخَرُ، لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ والإِجْزاءَ فى الهَدْىِ، فأشْبَهَ العَمَى. والصَّحِيحُ

стр. 5622

ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ المَقْصُودَ تَكْمِيلُ الأحكامِ، وتَمْلِيكُ العَبْدِ المَنافِعَ، والعَوَرُ لا يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه لا يَضُرُّ بالعَمَلِ، فأشْبَه قَطْعَ إحْدَى الأُذُنَيْنِ. ويفارِقُ العَمَى؛ فإنَّه يَضُرُّ بالعملِ ضَرَرًا بَيِّنًا، ويَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ الصنَّائِعِ، ويَذْهَبُ بِمَنْفَعةِ الجِنْسِ. ويُفارِقُ قَطْعَ إحْدَى اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ؛ فإنَّه لا يَعْمَلُ بإحْداهما ما يَعْمَلُ بِهِما، والأعْوَرُ يُدْرِكُ بإحْدَى العَيْنَيْنِ ما يُدْرِكُ بهما. وأمَّا الأُضْحِيَةُ والهَدْىُ، فإنَّه لا يَمْنَعُ منهما مُجَرَّدُ العَوَرِ، وإنَّما يَمْنَعُ انْخِسافُ العَيْنِ، وذَهابُ العُضْوِ المُسْتَطابِ، ولأنَّ الأُضْحِيَةَ يَمْنَعُ فيها قَطْعُ الأُذُنِ والقَرْنِ، والعِتْقُ لا يَمْنَعُ فيه إلَّا ما يَضُرُّ بالعَمَلِ. ويُجْزِئُ المَقْطوعُ الأُذُنَيْنِ. وبذلك قال أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وزُفَرُ: لا يجْزِئُ لأنَّهما عُضْوَانِ فيهما الدِّيَةُ، أشْبَها اليَدَيْنِ. ولَنا، أنَّ قَطْعَهما لا يَضُرُّ بالعَمَلِ الضَّرَرَ البَيِّنَ، فلمْ يَمْنَعْ، كنَقْص السَّمْعِ، بخلافِ قَطْعِ اليَدَيْنِ. ويُجْزِئُ مَقْطُوعُ الأنْفِ كذلك (١٤). ويُجْزِئُ الأصَمُّ إذا فَهِمَ بالإِشارةِ. ويُجْزِئُ الأَخْرَسُ إذا فُهِمَتْ إشارَتُه وفَهِمَ بالإِشارَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ ذاهِبةٌ، فأشْبَهَ زَائِلَ العَقْلِ. وهذا المَنْصُوصُ عليه عن أحمدَ؛ لأنَّ الخَرَسَ نَقْصٌ كثيرٌ، يَمْنَعُ كثيرًا مِنَ الأحكامِ، مثلَ القَضاءِ، والشَّهادةِ، وأكْثرُ النَّاسِ لا يَفْهَمُ إشَارَتَه، فيتَضَرَّرُ فى تَرْكِ اسْتِعْمالِه. وإنِ اجْتَمَعَ الخَرَسُ والصَّمَمُ، فقال القاضى: لا يُجْزِئُ. وهو قولُ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ؛ لاجْتِماعِ النَّقْصَيْنِ فيه، وذَهابِ مَنْفَعَتَىِ الجِنْسِ. ووَجْهُ الإِجْزاءِ، أَنَّ الإِشارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الكلامِ فى الإِفْهامِ (١٥)، ويَثْبُتُ فى حَقِّه أكْثَرُ الأحْكامِ، فيُجْزِئُ فى العِتْيقِ، كالذى ذَهَبَ شَمُّه. فأمَّا الذى ذَهَبَ شَمُّه فَيُجْزِئُ؛ لأنَّه لا يَضُرُّ بالعَمَلِ ولا بغيرِه. فأمَّا المَرِيضُ، فإنْ كان مَرْجُوَّ البُرْءِ، كالحُمَّى، وما أشْبَهَها، أجْزَأَ فى الكفَّارَةِ. وإِنْ كان غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالسُّلِّ، ونحوِه، لم يُجْزِئُ؛ لأنَّ زَوَالَه

стр. 5623

يَنْدُرُ، ولا يَتَمَكَّنُ مِن العَمَلِ مع بَقائِه. وأمَّا نِضْوُ (١٦) الخَلْقِ، فإنْ كان يَتَمَكَّنُ معه مِن العملِ أجْرَأَ، وإلَّا فلا. ويُجْزِئُ الأَحْمَقُ، وهو الذى يُخْطِىُّ على بَصِيرةٍ (١٧)، ويَصْنَعُ الأشياءَ لغيرِ فائِدَةٍ، وَيرَى الخطَأَ صَوابًا، ومَن يُخْنَقُ فى الأحْيانِ، والخَصِىُّ، والمَجْبُوبُ، والرَّتْقاءُ، والكَبيرُ الذى يَقْدِرُ على العَمَلِ؛ لأنَّ ما لا يَضُرُّ بالعَملِ، لا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ العَبْدِ مَنافِعَه، وتكْمِيلَ أحْكامِه، فيَحْصُلُ الإجْزاءُ به كالسَّالِمِ مِن العُيُوبِ. فصل: ويُجْزِئُ عِتْقُ الجانِى والْمَرهُونِ، وعِتْقُ المُفْلِس عَبْدَه، إذا قُلْنا بصِحَّةِ عِتْقِهم، وعِتْقُ المُدَبَّرِ، والخَصِىِّ (١٨)، ووَلَدِ الزِّنَى؛ لكَمالِ العِتْقِ فيهم. فصل: ولا يُجْزِئُ عِتْقُ المَغْصُوبِ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَمْكِينِه مِن مَنافِعِه، ولا غائِبٍ غَيْبَةً مُنْقَطِعة لا يُعْلَمُ خَبَرُه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ حياتُه، فلا يُعْلَمُ صِحَّةُ عِتْقِه. وإِنْ لم يَنْقَطِعْ خَبَرُه، أجْزَأَ عِتْقُه؛ لأنَّه عِتْقٌ صَحِيحٌ. ولا يُجْزِئُ عِتْقُ الحَمْلِ؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ له أحكامُ الدُّنْيا، ولذلك لم تَجِبْ فِطْرَتُه، ولا يُتَيَفنُ أيضًا وُجُودُه، وحَياتُه، ولا عِتْقُ أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ غيرِ الكفَّارةِ، والمِلْكُ فيها غيرُ كامِلٍ، ولهذا لا يجوزُ بَيْعُها. وقال طَاوُسٌ، والبَتِّىُّ: يُجْزِئُ عِتْقُها؛ لأنَّه عِتْقٌ صَحِيحٌ. ولا يجزئُ عِتْقُ مُكاتَبٍ أدَّى مِن كِتابَتِه شَيْئًا. وسَنَذْكُرُ هذا فى الكفَّاراتِ، إنْ شاءَ اللَّه تعالى. ١٣١٦ - مسألة؛ قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرينِ مُتَتَابِعَيْنِ) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ، على أَنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجِدْ رَقَبَةً، أَنَّ فَرْضَه صِيامُ شَهْرينِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ وذلك لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). وحدِيثُ أَوْس بنِ الصَّامِتِ، وسَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ (٢). وأجْمَعُوا على

стр. 5624

أنَّ مَن وَجَدَ رَقَبَةً فاضِلَةً عَن حاجَتِه، فليس له الانْتِقَالُ إلى الصِّيامِ، وإِنْ كانتْ له رَقَبَةٌ يَحْتَاجُ إلى خِدْمَتِها لِزِمَنٍ (٣)، أو كِبَرٍ، أو مَرَضٍ، أو عِظَمِ خَلْقٍ، ونحوِه مِمَّا يُعْجِزُه عنْ خِدْمَةِ نَفْسِه، أو يكونُ مِمَّنْ لا يَخْدُمُ نَفْسَه فى العَادَةِ، ولا يَجِدُ رَقَبَةً فاضِلَةً عن خِدْمَتِه (٤)، فليس عليه الإِعْتاقُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ: متى وَجَدَ رَقَبَةً، لَزِمَه إعْتاقُها، ولم يَجُزْ له الاْنتِقالُ إلى الصِّيامِ، سواءٌ كان مُحْتاجًا إليها، أو لم يكنْ؛ لأنَّ اللَّه تعالى شَرَطَ فى الانْتِقالِ إلى الصَّيامِ أَنْ لا يَجِدَ رَقَبَةً، بقَوْلِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾. وهذا وَاجِدٌ. وإِنْ وَجَدَ ثَمَنَها، وهو مُحْتاجٌ إليه، لمْ يَلْزَمْه شِراؤُها. وبه قال أبو حَنِيفَةَ. وقال مالِكٌ: يَلْزَمُه شِرَاؤها (٥)؛ لأنَّ وِجْدانَ ثَمَنِها كوِجْدانِها. ولَنا، أَنَّ ما اسْتَغْرَقَتْه حاجةُ الإِنْسَانِ، فهو كالمَعْدُومِ، فى جَوازِ الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كَمَنْ وجدَ ماءً يَحْتاجُ إليه لِلعَطَش، يَجُوزُ له الانْتِقَالُ إلى التيَّمُّمِ. وإِنْ كان له خادِمٌ، وهو مِمَّنْ يَخْدِمُ نَفْسَه عادَةً، لَزِمَه إعْتاقُها؛ لأنَّه فاضِلٌ عن حاجَتِه. بخلافِ مَنْ لم تَجْرِ عادتُه بِخِدْمَةِ نَفْسِه، فإنَّ عليه مَشَقَّةً فى إعْتاقِ خادِمِه، وتَضْيِيعًا لِكَثِيرٍ مِن حوائِجه. وإِنْ كانَ له خادِمٌ يَخْدِمُ امرأتَه، وهى مِمَّن عليه إخْدامُها، أو كان له رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بِخَراجِهِم، أو دَارٌ يَسْكُنُها، أو عَقارٌ يَحْتاجُ إلى غَلَّتِه لمُؤْنَتِه، أو عَرْضٍ للتِّجارَةِ لا يَسْتَغْنِى عنْ ربْحِه فى مُؤْنَتِه، لم يَلْزَمْه العِتْقُ. وإِنْ اسْتَغْنَى عن شىءٍ مِن ذلك مِمَّا يُمْكِنُه أَنْ يَشْتَرِىَ به رَقَبَةً، لَزِمَه؛ لأنَّه واجِدٌ للرَّقَبَةِ. وإِنْ كانتْ له رَقَبَةٌ تَخْدِمُه، يُمْكِنُه بَيْعُها وشِراءُ رَقَبَتَيْنِ بِثمَنِها، يَسْتَغْنِى بِخِدْمَةِ إحْداهما، ويَعْتِقُ الأُخْرَى، لَزِمَه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فى ذلك. وهكذا لو كانتْ له ثِيابٌ فاخِرَةٌ، تَزِيدُ على مَلابِس مِثْلِه، يُمْكِنُه بَيْعُها، وشراءُ ما يَكْفِيهِ فى لِباسِه ورَقَبَةٍ، لَزِمَه ذلك. وإِنْ كانتْ له دارٌ، يُمْكِنُه بَيْعُهَا، وشِراءُ مِا يَكْفِيه لسُكْنَى مِثْلِه ورَقَبَةٍ، أو ضَيْعَةْ يَفْضُلُ منها عنْ كِفَايَتِه ما يُمْكِنُه به (٦)

стр. 5625

شِراءُ رَقَبَةٍ، لَزِمَه. ويُرَاعَى فى ذلك الكِفايةُ التى يَحْرُمُ معها أخْذُ الزَّكاةِ، فإذا فَضَلَ عن ذلك شىءٌ، وَجَبَتْ فيه الكفَّارةُ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا ال فَصْلِ جَمِيعِه على نَحْوٍ مِمَّا قَلْنَا. وإن كانتْ له سُرِّيَّةٌ، لم يلْزَمْه (٧) إعتاقُها؛ لأنَّه يَحْتاجُ إليها. وإِنْ أَمْكَنَه بَيْعُها، وشِراءُ سُرِّيَّةٍ أُخْرَى، وَرَقَبَةٍ يَعْتِقُها، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ (٨) قد يَتَعَلَّقُ بعَيْنها، فلا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، سِيَّما إذا كان بدُونِ ثَمَنِها. فصل: فإنْ كان مُوسِرًا حين وُجُوبِ الكفَّارةِ، إلَّا أَنَّ مالَه غائِبٌ، فإنْ كانَ مَرْجُوَّ الحُضُورِ قَرِيبًا، لم يَجُز الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الانْتِظارِ لِشرَاءِ الرَّقَبَةِ، وإِنْ كان بَعِيدًا، لم يَجُز الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ فى غيرِ كفَّارَةِ الظِّهارِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فى الانتظارِ. وهل يجوزُ ذلك فى كفَّارة الظِّهارِ؛ فيه وجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لوُجُودِ الأصْلِ فى مالِه، فأَشْبَهَ سائِرَ الكفَّاراتِ. والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه المَسِيسُ، فجازَ له الانْتِقالُ لِمَوْضِعِ الحاجَةِ. فإنْ قيل: فلو عُدِمَ الماءُ أو ثَمَنُه (٩)، جازَ له الانتقالُ إلى التَّيَمُّمِ، وإِنْ كانَ قادرًا عليهما فى بَلَدِه. قلنا: الطَّهارةُ تَجِبُ لأجْلِ الصَّلاةِ، وليس له تَأْخِيرُها عن وَقْتِها، فَدَعَت (١٠) الحَاجَةُ إلى الانتقالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا، ولأنَّنا لو مَنَعْناه مِن التَّيَمُّمِ لِوُجُودِ القُدْرَةِ فى بَلَدِه، بَطَلَتْ رُخْصَةُ التَّيَمُّمِ، فإنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقْدِرُ على ذلك. فصل: وإِنْ وَجَدَ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ، ولم يَجِدْ رَقَبَةً يَشْتَرِيها، فله الانتقالُ إلى الصِّيامِ، كما لو وَجَدَ ثَمَنَ الماءِ ولم يَجِدْ ما يَشْتَرِيه. وإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً تُباعُ بِزِيادَةٍ على (١١) ثَمَنِ المِثْلِ تُجْحِفُ بِمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُها؛ لأنَّ فيه ضَررًا، وإِنْ كانتْ لا تُجْحِفُ بِمالِه، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ يَقْدِرُ عليه، لا

стр. 5626

يُجْحِفُ به، فأشْبَهَ ما لو بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِها. والثانى، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَجِدْ رَقَبَةً (١٢) بِثَمَنِ مِثْلِها، أشْبَهَ العادِمَ. وأصْلُ الوَجْهَيْن، العادِمُ للماءِ إذا وَجَدَه بِزِيادَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، فإنْ وَجَدَ رَقَبَتَه بِثَمَنِ مِثْلِها، إِلَّا أنَّها رَقَبَةٌ رَفِيعةٌ، يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِىَ بِثَمَنِها رقابًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِها، لَزِمَه شِراؤُها؛ لأنَّها بِثَمَنِ مِثْلِها، ولا يُعَدُّ شِراؤُها بذلك الثَّمَنِ ضَرَرًا، وإنَّما الضَّرَرَ فى إعْتاقِها، وذلك لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما لو كان [مالِكًا لها] (١٣). ١٣١٧ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِمَا (١) مِنْ عُذْرٍ بَنَى، وإِنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ ابْتَدَأَ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ التَّتَابُعِ فى الصَّيامِ فى كفَّارَةِ الظِّهارِ، وأجْمَعُوا على أَنَّ مَنْ صامَ بعضَ الشَّهْرِ، ثُمَّ قَطَعَه لغيرِ عُذْرٍ، وأفْطَرَ، أَنَّ عليه اسْتِئْنافَ الشَّهْرَيْنِ؛ وإنَّما كان كذلك لوُرُودِ لَفْظِ الكِتابِ والسُّنَّةِ به، ومعنى التَّتَابُعِ الموَالاةُ بينَ صِيامِ أيَّامِها (٢)، فلا يُفْطِرُ فيهما (٣)، ولا يَصُومُ عن (٤) غيرِ الكفَّارَةِ. ولا يَفْتَقِرُ التَّتَابُعُ إلى نِيَّةٍ، ويَكْفِى فِعْلُه؛ لأنّه شَرْطٌ، وشَرَائِطُ العِبَاداتِ لا تَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، وإنَّما تَجِبُ النَّيَّةُ لأفْعالِهَا. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ لَيْلَةٍ؛ لأنَّ ضَمَّ العِبَادَةِ إلى العبادةِ إذا كان شَرْطًا، وَجَبَت النِّيَّةُ فيه، كالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ. والثَّالثُ، يَكْفِى (٥) نِيَّةُ التَّتابُعِ فى اللَّيْلَةِ الأُولَى. ولَنا، أنَّه تَتَابُعٌ واجِبٌ فى العبادَةِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمُتابَعَةِ بينَ الرَّكَعاتِ. ويُفارِقُ الجَمْعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ،

стр. 5627

فإن ذلك رُخْصَةٌ، فافْتَقَرَ إلى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمتابَعَةِ بين الرَّكَعاتِ. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أَنَّ الصَّائِمَةَ مُتَتابِعًا، إذا حَاضَتْ قَبْلَ إتْمامِه، تَقضِى إذا طَهُرَتْ، وتَبْنِى. وذلك لأنَّ الحَيْضَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه فى الشَّهْرَيْنِ إِلَّا بتَأْخِيرِه إلى الإِياسِ، وفيه تَغْرِيرٌ بالصَّوْمِ؛ لأنَّها رُبَّما ماتَتْ قبله. والنِّفاسُ كالحَيْضِ، فى أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، فى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَتِه فى أَحْكامِه، ولأنَّ الفِطْرَ لا يَحْصُلُ فيهما بِفِعْلِهما، وإنَّما ذلك الزَّمانُ كزَمانِ اللَّيْلِ فى حقِّهِما. والوَجْهُ الثَّانِى، أَنَّ النَّفاسَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ لأنَّه فِطْرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْه، لا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ. فقَطَعَ التَّتَابُعَ، كالفِطْرِ لغَيرِ عُذْرٍ. ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَيْضِ؛ لأنَّه أنْدرُ مِنْه، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. وإِنْ أفْطَرَ لِمَرَضٍ مَخوُفٍ، لم يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ أيضًا. رُوِىَ ذلك عن ابْنِ عبَّاسٍ. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وطاوُسُ، ومُجاهِدٌ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعِىُّ فى القَدِيمِ. وقال فى الجَدِيدِ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. وهذا قَوْلُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أفْطَرَ بِفِعْلِه، فَلَزِمَه الاسْتِئْنافُ، كما لو أفْطَرَ لِسَفَرٍ. ولَنا، أنَّه أفْطَرَ لِسَبَبٍ (٦) لا صُنْعَ له فيه، فَلَم يَقْطَعِ التَّتَابُعَ، كإفْطارِ المَرْأةِ للحَيْضِ. وما ذَكَرُوه مِن الأصْلِ مَمْنُوعٌ. وإِنْ كانَ المرَضُ غيرَ مَخُوفٍ، لكنَّه يُبِيحُ الفِطْرَ، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ لأنَّه مَرَضٌ أَبَاحَ الفِطْرَ، أشْبَهَ المَخوفَ. والثانى، يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه أفْطَرَ اخْتِيارًا، فانْقَطَعَ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ. فأمَّا الحامِلُ والمُرضِعُ، فإنْ أفْطَرَتا خَوْفًا على أنْفُسِهِما، فهما كالمَرِيضِ، وإِنْ أفْطَرَتا خَوْفًا على وَلَدَيْهِما. ففيهِما وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لَهما بِسَبَبٍ لا يَتَعَلَّقُ باخْتِيارِهما، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَتا خَوْفًا على أنْفُسِهما. والثانى، يَنْقَطِعُ؛ لأنَّ الخَوْفَ على غيْرِهِما، ولذلك يَلْزَمُهُما الفِدْيَةُ مع القَضاءِ. وإِنْ أَفْطَرَ لِجُنونٍ، أو إغْماءٍ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه

стр. 5628

عُذْرٌ لا صُنْعَ له فيه، فهو كالحَيْضِ. فصل: وإِنْ أفْطَرَ لِسَفَرٍ مُبِيحٍ للفِطْرِ، فكلامُ أحمدَ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ؛ وأظْهَرُهُما، أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ فإنَّه قال فى رِواية الأثْرَمِ: كانَ السَّفَرُ غيرَ المَرَضِ، وما يَنْبَغِى أَنْ يكونَ أوْكَدَ مِن رمضانَ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ. وهذا قَوْلُ الحسنِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَطِعَ به التَّتابُعُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشَّافِعِىِّ، فمنهم مَن قال: فيه قَوْلانِ كالمَرَضِ. ومِنهم مَنْ يقولُ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ السَّفَرَ يَحْصُلُ باخْتِيارِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو أفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّه فِطْرٌ لعُذْرٍ مُبِيحٍ للفِطْرِ (٧)، فلم يَنْقَطِع به التَّتابُعُ، كإفْطارِ المرأةِ للحَيْضِ (٨)، وفارَقَ الفطرَ لغيرِ عُذْرٍ، فإنَّه لا يُبَاحُ. وإن أكَلَ يَظُنُّ أنّ الفَجْر لم يَطْلُع، وقد كان طَلَع، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنّ الشَّمْسَ قد غابتْ، ولم تَغِب، أفْطَرَ. ويَتَخَرَّج فى انْقِطاعِ التَّتابُعِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِع؛ لأنَّه فِطْرٌ لعُذْرٍ. والثَّانى، يَقْطع (٩) التَّتابُعَ؛ لأنَّه بفِعْلٍ أخْطَأ فيه، فأشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين فبانَ خِلافُه. وإِنْ أفطرَ ناسِيًا لوُجوبِ التَّتابُعِ، أو جاهلًا به أو (١٠) ظَنًّا منه أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَيْنِ، انْقَطع التَّتابُعُ؛ لأنَّه أفْطَرَ لِجَهْلِه، فقطَعَ التَّتابُعَ، كما لو ظَنَّ أَنَّ الواجِبَ شهرٌ واحدٌ. وإِنْ أُكْرِهَ على الأكلِ أو الشُّرْبِ (١١)، بأنْ أُوجِرَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، لم يُفْطِر. وإِنْ أكَلَ خوفًا، فقال القاضِىِ: لا يُفْطِرُ. ولم يَذْكُرْ غيرَ ذلك. وفيه وجهٌ آخرُ، أنَّه يُفْطِرُ. فعلى ذلك هل يَقْطَع التَّتابُعَ؟ فيه وجهانِ؛ أحدُهما، لا يَقْطَعُه؛ لأنَّه عذرٌ مُبِيحٌ للفِطْرِ، فأشْبَهَ المرضَ. والثَّانى: يَنْقطِعُ التَّتابُعُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه أَفطَرَ بفِعْلِه لعُذْرٍ نادِرٍ.

стр. 5629

فصل: وإِنْ أفطرَ فى أثناءِ الشَّهْرَين لِغيرِ عُذْرٍ، أو قَطَعَ التَّتابُعَ بِصَوْمِ نَذْرٍ، أو قَضاءٍ، أو تَطَوُّع، أو كَفَّارَةٍ أُخرى، لَزِمَه اسْتِئنافُ الشَّهْرين؛ لأنَّه أخَلَّ بالتَّتابُعِ المُشْتَرَطِ (١٢)، ويَقَع صومُه عمَّا نَواه؛ لأنَّ هذا الزَّمانَ ليس بِمُسْتَحَقٍّ مُتَعَيَّنٍ للكَفّارةِ، ولهذا يَجُوزُ صَوْمُها فى غيرِه، بخلافِ شهرِ رمضانَ، فإنَّه مُتَعَيِّنٌ لا يَصْلُح لغيرِه. وإذا كان عليه [نَذْرُ صَوْمٍ] (١٣) غيرِ مُعَيَّنٍ، أخَّره إلى فَراغِه من الكَفّارة. وإِنْ كان مُتَعيِّنًا فى وقتٍ بعَيْنِه، أخَّر الكَفَّارة عنه، أو قدَّمَها عليه إنْ أمْكنَ. وإِنْ كان إيّامًا مِن كُلِّ شهرٍ، كيومِ الخميسِ، أو أيَّامِ البِيضِ، قَدَّمَ الكَفّارَةَ عليه، وقَضاهُ بعدَها؛ لأنَّه لو وَفَّى بِنَذْرِه لانْقَطَعَ التَّتابُعُ، ولَزِمَه الاستئنافُ، فيُفْضِى إلى أَنْ لا يَتَمَكَّن مِن التَّكْفِير، والنَّذْرُ يُمْكِنُ قَضاؤُه، فيكونُ هذا عُذْرًا فى تأخيرِه كالمرضِ (١٤). ١٣١٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَصَابَهَا فى لَيَالِى الصَّوْمِ، أفْسَدَ مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ، وابْتَدَأَ الشَّهْرَيْنِ) وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فأمَرَ بهما خالِيَيْنِ عن وَطْءٍ، ولم يَأَتِ بهما على ما أُمِرَ، فلمْ يُجْزِئه، كما لو وَطِئَ نهارًا، ولأنَّه تحريمٌ للوَطْءِ لا يَخْتَصُّ النَّهارَ، فاسْتَوَى فيه اللّيْلُ والنّهارُ كالاعتكافِ. ورَوَى الأثرَمُ عن أحمدَ، أَنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِع بهذا، ويَبْنِى. وهو مذهبُ الشّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يُبْطِلُ الصَّوْمَ، فلا يُوجِب الاسْتِئْنافَ، كوَطْءِ غيرِها، ولأنَّ التَّتابُع فى الصِّيام عبارةٌ عن إتْباعِ صومِ يومٍ لِلَّذى قَبْلَه، مِن غيرِ فارقٍ، وهذا مُتَحَقِّق وإِنْ وَطِىءَ ليلًا، وارْتِكابُ النَّهْىِ

стр. 5630

فى الوَطْءِ قَبْلَ إتْمامِه إذا لم يُخِلَّ بالتتابعِ المُشْتَرَط، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه وإجْزَاءَه، كما لو وَطِئَ قَبْلَ الشَّهْرَيْنِ، أو لو (٢) وَطِئَ ليلةَ أوَّلِ الشَّهرينِ وأصْبحِ صائمًا، والإِتيانُ بالصّيامِ قبلَ التَّماسِّ فى حَقِّ هذا لا سبيلَ إليه، سواءٌ بَنَى أو اسْتَأْنَفَ. وإِنْ وَطِئها، أو وَطِئَ غيرَها، فى نَهارِ الشَّهْرينِ عامدًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، إجماعًا، إذا كان غيرَ مَعْذُورٍ. وإن وَطِئها، أو وَطِئَ غيرَها، نهارًا ناسيًا، أفطرَ، وانْقَطَع التَّتابُعُ، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُعْذَرُ فيه بالنِّسْيان. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخرى، أنَّه (٣) لا يُفْطِر، ولا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنَّه فَعل المُفْطِرَ ناسيًا، أشْبَهَ ما لو أكَلَ ناسيًا. وإِنْ أُبِيحَ له الفِطْرُ لعُذْرٍ، فوَطِئَ غيرَها نهارًا، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا أثَرَ له فى قَطْع التَّتابُعِ. وإِنْ وَطِئها، كان كَوَطْئها ليلًا، هلَ يَنْقَطِعِ (٤) التَّتابُعُ؟ على وَجْهَيْنِ. وإِنْ وَطِئَ غيرَها ليلًا، لم يَنْقَطِعِ التتابعُ؛ لأنَّ ذلك ليس بِمُحَرَّم عليه، ولا هو مُخِلٌّ بإتْبَاعِ الصَّومِ الصَّوْمَ، فلم يقْطَعِ (٥) التَّتابُعَ، كالأَكْلِ لَيلًا. وليس فى هذا اختلافٌ نَعْلَمُه. وإِنْ لَمَسَ المُظاهَرَ منها، أو باشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ على وجهٍ يُفْطِر به، قَطَعَ التَّتابُعَ؛ لإِخْلالِه بمُوالاةِ الصِّيامِ، وإلَّا فلا يَنْقَطِع. واللَّه أعلمُ. ١٣١٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكينًا) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجِدِ الرَّقَبَةَ، ولم يَسْتَطِع الصِّيامَ، أَنَّ فَرْضَه إطعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، على ما أمَرَ اللَّهُ تعالى فى كتابِه، وجاء فى سُنَّة نَبِيِّه ﷺ ، سَواءٌ عَجَزَ عن الصِّيامِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ يَخافُ بالصَّومِ تَبَاطُؤَه أو الزِّيادَةَ فيه، أو الشَّبَقِ فلا يَصْبِرُ فيه عن الجِماعِ، فإنَّ (١) أوْسَ بن الصَّامِتِ، لَمَّا أمَرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ بالصِّيامِ، قالت

стр. 5631

امرأتُه: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّه شيخٌ كبيرٌ، ما به مِن صيامٍ. قال: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (٢). ولما أمَرَ سَلَمَةَ بن صَخْرٍ بالصِّيامِ قال: وهل أصَبْتُ الذى أصَبْتُ إلَّا مِن الصِّيامِ! قال: "فَأَطْعِمْ" (٣). فَنَقَلَه إلى الإِطْعامِ لمَّا أخْبَرَ أَنَّ به مِن الشَّبَقَ والشَّهْوَةِ ما يَمْنَعُه مِن الصِّيامِ. وقِسْنا على هذينِ ما يُشْبِهُهما فى معناهما. ويجوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلى الإِطعامِ إذا عَجَز عن الصَّيامِ للمَرضِ، وإن كان مَرْجُوَّ الزَّوالِ؛ لدُخولِه فى قولِه : ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ولأنَّه لا يَعْلَمُ أن له نهايةً، فأشْبَهَ الشَّبَقَ. ولا يَخوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ لأجْلِ السَّفَر؛ لأنَّ السّفرَ لا يُعْجِزُه (٤) عن الصِّيامِ، وله نهايةٌ يَنْتِهى إليها، وهو مِن أفْعالِه الاخْتياريَّةِ. والواجبُ فى الإِطعامِ إطْعامُ سِتِّين مسكينًا، لا يُجْزِئُه أقَلُّ من ذلك. وبهذا قال الشّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لو أطْعَمَ مسكينًا واحدًا فى سِتَّين يومًا، أجْزأَه. وحَكاه القاضى أبو الحسين روايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوْفِ قُوتَ يَوْمِه مِن هذه الكفَّارِةِ، فجاز أَنْ يُعْطَى منها، كاليَوْمِ الأوَّلِ. وَلنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وهذا لم يُطْعِمْ إلَّا واحدًا، فلم يَمْتَثِلِ الأمرَ، ولأنَّه لم يُطْعِمْ سِتِّين مسكينًا، فلم يُجْزِئْه، كما لو دَفَعَها إليه فى يومٍ واحدٍ، ولأنَّه لو جاز الدَّفْعُ إليه فى أيامٍ، لَجازَ فى يومٍ واحدٍ، كالزَّكاةِ وصدقةِ الفطْرِ، يُحَقَّقُ هذا أَنَّ اللَّهَ أمَرَ بعددِ المساكينِ، [لَا بعَدَدِ الأيامِ، وقائلُ هذا يَعْتبِرُ عددَ الأيامِ دونَ عددِ المساكينِ] (٥)، والمعنى فى اليومِ الأوَّلِ أنَّه لم يَسْتَوْفِ حَقَّه مِن هذه الكَفّارةِ، وفى اليومِ الثّانِى قد اسْتَوْفَى حقَّه منها، وأخَذَ منها قُوتَ يومٍ، فلم يَجُز أَنْ يَدْفَعَ إليه فى اليوم الثَّانى، كما لو أوْصَى إنسانٌ بشىءٍ لِسِتِّين مسكينًا.

стр. 5632

١٣٢٠ - مسألة؛ قال: (لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ) وجملةُ الأمرِ، أَنَّ قَدْرَ الطّعامِ فى الكفّاراتِ كُلِّها مُدٌّ مِنَ بُرٍّ لكُلِّ مسكينٍ، أو نصفُ صاعٍ مِن تَمْرٍ أو شَعِيرٍ. ومِمَّن قال: مُدُّ بُرٍّ. زبدُ بن ثابتٍ، وابنُ عبّاسٍ، وابنُ عمر. حَكاه عنهم الإِمامُ أحمدُ، ورَواه عنهم الأثْرَمُ، وعن عطاءٍ، وسليمانَ بن موسى. وقال سليمانُ بن يَسارٍ: أدْرَكْتُ النّاسَ إذا أعْطَوا فى كفَّارةِ اليمين، أعْطَوْا (٦) مُدًّا مِن حِنْطَةٍ بِالمُدِّ الأَصْغَرِ، مُدِّ النَّبىِّ ﷺ . وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أىِّ الأنْواعِ كان. وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشّافعىُّ؛ لما رَوَى أبو داودَ (٧)، بإسناده عن عطاءٍ، عن أوسٍ ابنِ أخى عُبادةَ بن الصَّامِت، أَنَّ النَّبىَّ ﷺ أعْطاهُ -يعنى المُظاهِرَ- خمسةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ، إطْعامَ سِتِّينَ مسكينًا. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْناده عن أبى هُرَيْرةَ فى حديثِ المُجامِعِ فى رمضانَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِعَرَقٍ فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: "خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ" (٨). وإذا ثَبَت فى المُجامِعِ بِالخَبَرِ، ثَبَت فى المُظاهِرِ بالقياسِ عليه، ولأنَّه إطْعامٌ واجبٌ، فلم يَخْتَلِفْ باخْتلافِ باخْتلافِ أنْواع المُخْرَج، كالفِطْرَةِ وفِدْيَةِ الأذَى. وقال مالكٌ: لكُلِّ مسكينٍ مُدَّان مِن جميعِ الأنْواعِ. ومِمَّن قَال: مُدَّانِ مِن قَمْحٍ؛ مجاهدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ (٩)؛ لأنَّها كفَّارةٌ تَشْتَمِل على صِيَامٍ وإطْعامٍ، فكان لكُلَّ مسكينٍ نِصْفُ صاعٍ، كفِدْيَةِ الأذَى. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: مِن القمحِ مُدَّانِ، ومِن التَّمْرِ والشَّعِير صاعٌ، لكُلِّ مسكينٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ فى حديثِ سَلَمَةَ بن صَخْر: "فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ". رواه الإِمامُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ"، وأبو داودَ، وغيرُهما (١٠)، رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن يُوسُفَ بن

стр. 5633

عبد اللَّه بن سَلَام، عن خُوَيْلَةَ: فقال لى رسول اللَّه ﷺ : "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ". وفى رواية أبى داودَ: والْعَرَقَ سِتُّونَ صَاعًا (١١). وَرَوى ابنُ ماجه (١٢)، بإسنادِه عن ابن عباسٍ، قال: كَفَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ بصَاعٍ من تَمْرٍ، وأمَرَ النّاسَ: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ". وروى الأَثْرَمُ، بإسنادِه عن عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أطْعِمْ عَنّى صاعًا مِن تَمرٍ أو شَعِيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ (١٣). ولأنَّه إطْعامٌ للمساكينِ، فكان صاعًا مِن التَّمْر والشَّعِير، أو نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، كصَدَقَة الفطرِ. ولَنا، ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، ثنا إسماعيلُ، ثنا أيُّوبُ، عن أبى يَزِيدَ (١٤) المَدَنِىِّ قال: جاءت امرأةٌ مِن بنى بَيَاضَةَ بنصفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقال النَّبىُّ ﷺ للمُظاهِر: "أطْعِمْ هَذَا؛ فَإِنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَانُ مُدَّ بُرٍّ" (١٥). وهذا نَصٌّ. ويَدُلّ على أنَّه مُدُّ بُرٍّ، أنَّه قولُ زيدٍ، وابنِ عبّاسٍ وابن عمر، وأبى هُريْرَةَ، ولم نَعْرِفْ لهم فى الصَّحابة مُخالِفًا (١٦)، فكان إجماعًا [ويدُلُّ على] (١٧) أنَّه نِصْفُ صاعٍ من التَّمْر أو الشَّعِير (١٨)، ما رَوَى عَطاءُ بن يَسَارٍ، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لخُويْلةَ (١٩) امْرَأةِ أوْسِ بن الصَّامِتِ: "اذْهَبِى إلَى فُلَانٍ الأنْصَارِىِّ، فَإِنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، أَخْبَرَنِىْ أَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْتَأْخُذِيهِ، فَلْيَتَصَدَّقْ به على سِتَّينَ مِسْكِينًا" (٢٠). وفى حديثِ أوْس بن الصِّامتْ أَنَّ

стр. 5634

النَّبىَّ ﷺ قال: "إنِّىْ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْير". قلتُ: يارسولَ اللَّه، فإنىِّ سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ. قال: "قَدْ أحْسَنْتِ، اذهَبِى فأَطْعِمِى [بِهَا عَنْهُ] (٢١) سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِى إلَى ابْنِ عَمِّكِ" (٢٢). ورَوَى أبو داودَ، بإسْنادِه عن أبى سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أنَّه قال: العَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذ خمسةَ عَشَرَ صاعًا. فعَرَقانِ يَكُونانِ ثلاثينَ صاعًا، لكُلِّ مسكينٍ نِصْفُ صاعٍ، ولأنَّها كفَّارةٌ تَشْتَمِل على صيامٍ وإطعامٍ، فكانَ لكُلِّ مسكينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْر والشَّعِير، كفِدْلَةِ الأذَى. فأمَّا روايةُ أبى داودَ أَنَّ "الْعَرَق سِتُّونَ صَاعًا" (٢٣). فقد ضَعَّفَها وقال: غيرُها أصَحُّ منها. وفى الحديثِ ما يَدُلُّ على الضَّعْف؛ لأنَّ ذلك فى سياقِ قوله: "إنِّى سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ". فقالت امراتُه: إنى سَأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ. قال: "فَأطْعِمِى بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا". فلو كان العَرَقُ سِتِّينَ صاعًا، لَكَانتِ الكفَّارةُ مائةً وعشرين صاعًا، ولا قائِلَ به. وأما حديثُ المُجَامِع الذى أعْطاه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: "تَصَدَّقْ بِهِ" (٢٤). فَيَحْتَمِلُ أنَّه اقْتَصَر عليه إذْ (٢٥) لم يَجِدْ سواهُ (٢٦)، ولذلك لَمّا أخبره بحاجتِه إليه أمره بأكْلِه. وفى الحديثِ المُتَّفَقِ عليه (٢٧): "قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ صَاعًا". وليس ذلك مذهبًا لأحَدٍ (٢٨)، فيَدُلُّ على أنَّه

стр. 5635

اقْتَصَر على البَعْضِ الذى لم يَجِدْ سِواهُ. وحديثُ أوس ابن أخى عُبَادَهَّ مُرْسَلٌ، يَرْوِيه عنه عَطاءٌ ولم يُدْركِه، على أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْطاهُ عَرَقًا، وأعانَتْه امرأتُه بآخَرَ، فصارا جميعًا ثلاثين صاعًا. وسائر الأخْبارِ نَجْمَعُ بينها وبين أخبارِنا بحَمْلِها على الجَوازِ، وأخْبارُنا على الإِجْزَاءِ، وقد عَضَد هذا أَنَّ ابن عبَّاس رَاوِى بعضِها، ومذهبُه أَنَّ المُدَّ مِن البُرِّ يُجْزِئُ، وكذلك أبو هُريرَةَ، وسائِرُ ما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، مع الإِجماعِ الذى نقله سليمانُ بن يَسَارٍ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وبَقِىَ الكلامُ فى الإِطعامِ فى أمورٍ ثلاثة؛ كَيْفِيَّتُه، وجنسُ الطَّعامِ، ومُسْتَحِقُّه. فأمَّا كيفيتُه، فظاهِرُ المذهبِ أَنَّ الواجبَ تمليكُ كُلِّ إنسانٍ مِن المساكينِ (٢٩) القَدْرَ (٣٠) الواجبَ له من الكفَّارةِ، ولو غَدَّى الساكينَ أو عَشَّاهُم لم يُجْزِئْه، سواءٌ فَعَلَ ذلك بالقَدْرِ الواجبِ، أو أقلَّ، أو أكْثَرَ، ولو غَدَّى كُلِّ واحدٍ بِمُدٍّ، لم يُجْزِئْه، إلَّا أَنْ يُمَلكَه إيَّاه. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وعن أحمدَ، رواية أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه إذا أطْعَمَهُم القدرَ الواجبَ لهم. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ. وأطْعَمَ أنسٌ فى فِدْيَةِ الصِّيامِ (٣١). قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كثيرًا، وصَنَع (٣٢) الجِفَانَ. وذَكَرَ حديثَ حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٣٣). وهذا قد أطْعَمَهم، فينْبَغِى أَنْ يُجْزِئَه، ولأنَّه أطْعَمَ المساكينَ، فأجْزَأَه، كما لو مَلَّكَهم. ولَنا، أَنَّ المَنْقُولَ عن الصَّحابةِ إعْطاوُّهم؛ ففى قولِ زيدٍ، وابن عبّاسٍ، وابن عمر، وأبى هُرَيْرَةَ، مُدٌّ لكُلِّ فَقِيرٍ. وقال النَّبىُّ ﷺ لكَعْبٍ فى فِدْيَةِ الأذَى:

стр. 5636

"أطعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ" (٣٤). ولأنَّه مالٌ وَجَبَ للفُقَراءِ شَرْعًا، فوَجَبَ تَمْليكُهم إيَّاه كالزَّكاةِ. فإنْ قُلْنا: يُجْزِئُ. اشْتُرِطَ أَنْ يُغَدِّيَهم بِسِتِّينَ مُدًّا فصاعِدًا؛ ليكونَ قد أطْعَمَهم قَدْرَ الواجبِ. وإِنْ قُلْنا: لا يُجْزِئُه أَنْ يُغَدِّيَهمْ، فقَدَّمَ إليهم ستِّينَ مُدًّا، وقال: هذا بينَكم بالسَّوِيَّة. فقَبِلُوه، أجْزَأ؛ لأنَّه مَلَّكَهم التَّصَرُّفَ فيه والانتفاعَ قَبْلَ القِسْمَةِ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشّافعىِّ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامدٍ: يُجْزِئُه، وإِنْ لم يَقُلْ: بالسَّوِيَّة؛ لأنَّ قولَه: خُذُوها عن كَفَّارتى. يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ؛ لأنَّ ذلك حُكْمُها. وقال القاضِى: إنْ عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كُلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، أجْزَأ، وإِنْ لم يَعْلَم، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْل شَغْلُ ذِمَّتِه، ما لم يَعْلَم وُصُولَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه دَفَعَ الحقَّ إلى مُسْتَحِقّه مُشَاعًا، فقَبِلُوه، فبَرِئَ منه، كدُيُونِ غُرَمائِه. فصل: ولا يَجِبُ التَّتابُعُ فى الإِطعامِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ الأثْرَمِ، وقيل له: تكونُ عليه كفّارةُ يمينٍ، فَيُطْعِمُ اليومَ واحدًا، وآخَرَ بعدَ أيّامٍ، وآخَرَ بَعْدُ (٣٥) حتى يَسْتَكْمِل عَشْرَةً؟ فلم يَرَ بذلك بأسًا؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى لم يَشْتَرِطِ التَّتابُعَ فيه. ولو وَطِئَ فى أثناءِ الإِطعامِ، لم تَلْزَمْه إعادةُ ما مَضَى منه. وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ. وقال مالكٌ: يَسْتَأْنِف؛ لأنَّه وَطِئَ فى أثناءِ كفَّارةِ الظِّهارِ، فوَجَبَ الاستئنافُ، كالصِّيامِ. ولَنا، أنَّه وَطِئَ فى أثناء ما لا يُشْتَرَط التَّتابُعُ فيه، فلم يُوجِب الاستئنافَ، كوَطْءِ غيرِ المُظَاهَرِ منها، أو كالوَطْءِ فى كَفّارةِ اليمينِ، وبهذا فارَق الصِّيامَ. ١٣٢١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فى يَوْمٍ وَاحِدٍ، أجْزَأَ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه دَفَعَ القَدْر الواجبَ إلى العَدَدِ الواجبِ، فأجْزَأ، كما لو دَفَع إليه المُدَّيْن فى يَوْمَيْنِ. والأُخرَى، لا يُجْزِئُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قُوتَ

стр. 5637

يومٍ من كَفَّارةٍ، فلم يُجْزِئْه الدَّفْعُ إليه ثانيا فى يَوْمِه، كما لو دَفَعَهُما (١) إليه مِن كَفَّارةٍ واحدةٍ. فعلى هذه الرِّواية، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكَفّارَتَيْنِ. وهل له الرُّجُوعُ فى الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛ فإن (٢) كان أعْلَمَه أنَّها عن كَفَّارةٍ، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا. ويَتَخَرَّجُ أَنْ لا يَرْجِعَ بشىءٍ، على ما ذكرْناه فى الزَّكاةِ. والرِّوايةُ الأُولى أقْيَسُ وأصَحُّ، فإنَّ اعتبارَ عَدَدِ المساكينِ، أوْلَى مِن اعتبارِ عددِ الأيَّامِ، ولو دَفَع إليه ذلك فى يَوْمينِ أجْزَأ، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَينِ، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا. ولو دَفَع سِتِّين مُدًّا إلى ثلاثين فقيرًا مِن كفَّارةٍ واحدةٍ، أجْزَأه مِن ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِينَ، وإِنْ دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كَفَّارَتَيْنِ. أجْزَأه ذلك، على إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، ولا يُجْزِئُ فى الأُخْرى [إلَّا عن] (٣) ثلاثين. والأمرُ الثَّانى، أَنَّ المُجْزِئُ فى الإِطْعامِ ما يُجْزِئُ فى الفِطْرَةِ، وهو البُرُّ، والشَّعِير، والتَّمْر، والزَّبِيب، سواءٌ كانت قوتَهُ أو لم تَكُنْ، وما عَداها. فقال القاضى: لا يُجْزِئُ إخراجُه، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَدَ بإِخْراجِ هذه الأصْنافِ، على ما جاء فى الأحاديثِ التى رَوَيناها، ولأنَّه الجنسُ المُخْرَجُ فى الفِطْرةِ، فلم يُجزِئُ غيرُه، كما لو لم يَكُنْ قُوتَ بَلَدِه. وقال أبو الخَطّابِ: عندى أنَّه يُجْزئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحبوبِ التى هى قُوتُ بَلَدِه، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والأَرُزِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤). وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهلَه، فوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَه بظاهِير النَّصِّ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. فإنْ أخْرَجَ غيرَ قُوتِ بَلَدِه، أجْوَدَ منه، فقد زادَ خيرًا، وإِنْ كان أنْقَصَ، لم يُجْزِئْه، وهذا أجْوَدُ. فصل: والأفضلُ عند أبى عبد اللَّه، إخراجُ الحَبِّ؛ لأنَّه يَخْرُجُ به مِن الخِلافِ، وهى حَالَةُ كَمَالِه؛ لأنَّه يُدَّخَرُ فيها، ويَتَهَيَّأُ لمنافعِه كُلِّها، بخِلافِ غيرِه. فإنْ أخْرَجَ

стр. 5638

دَقِيقًا جازَ، لَكنْ يَزِيدُ على قَدْر (٥) المُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخْرِجُه بالوَزْنِ؛ لأنَّ للحَبِّ رَيْعًا، فيكونُ فى مِكْيَالِ الحَبِّ أكثرُ ممَّا فى مِكْيالِ الدَّقِيقِ. قال الأثْرَمُ: قيل (٦) لأبى عبدِ اللَّه: فيُعْطِى البُرَّ والدَّقِيقَ؟ فقال: أمَّا الذى جاء فالبُرُّ، ولكنْ إنْ أعطاهم الدَّقِيقَ بالوزنِ، جازَ. وقال الشَّافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بِحالِ الكَمَالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الاْنتِفاعِ، فلم يَجُزْ، كالهَرِيسَةِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. والدَّقِيقُ مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدقيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأَهُ وقَرَّبَه مِن الأَكْلِ، وفارَقَ الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَتْلَفُ على قُرْبٍ، ولا يُمْكِن الانتفاعُ بها فى غيرِ الأكْلِ فى تلك الحالِ، بخلافِ مَسْألتِنا. وعن أحمدَ، فى إخراجِ الخُبْزِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، يُجْزِئُ. اختارَها الْخِرَقِىُّ. ونَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: رَجلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كَفّارةُ اليَمِينِ، فَخَبَزَه للمساكينِ، قسَمَ الخُبْزَ على عشرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إلىَّ، وهو الذى جاء فيه الحديثُ أَنْ يُطْعمَهم مُدَّ بُرٍّ، وهذا إنْ فَعَلَ فأرجو أَنْ يُجْزِئَه. قلتُ: إنَّما قال اللَّه تَعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. فهذا قد أطْعَمَ عشرةَ مساكينَ، وأوْفاهم المُدَّ. قال: أرْجُو أَنْ يُجْزِئَه. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ، فى موضعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سأله رجلٌ عن الكَفَّارةِ، قال: أطْعُمُهُمْ خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تمرٌ. قال: فخُبْزٌ؟ . قال: لا، ولكنْ بُرًّا أو دَقِيقًا بالوزنِ، رَطلٌ وثُلثُ لكُلِّ مِسْكينِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خَرَجَ عن حالةِ الكمالِ والادِّخارِ فأشَبَهَ الهَرِيسَةَ. والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. وهذا من أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهلَه، وليس الادِّخارُ

стр. 5639

مقصودًا فى الكَفَّارةِ، فإنها مُقَدَّرَةٌ بما يَقُوتُ المسكينَ فى يومِه، فيَدُلُّ ذلك على أَنَّ المقْصودَ كِفَايَتُه فى يومِه، وهذا قد هَيَّأَه للأكلِ المُعْتادِ للاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها. وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولَا (٧) ونحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنهما خَرَجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدَامِ. وامّا السَّوِيقُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لذلك. ويَحْتَمِل أَنْ يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُقْتاتُ فى بعض البُلْدانِ، ولا يُجْزِئُه من الخُبْزِ والسَّوِيقِ أقَلُّ مِن شىءٍ يُعْمَلُ مِن مُدٍّ، فإن أخَذَ مُدَّ حِنْطَةٍ، أورَطْلًا وثُلُثًا مِن الدَّقِيقِ، وصَنَعَه خُبْزًا، أجْزَأه. وقال الخِرَقِىُّ: يُجْزِئُه رَطْلانِ. قال القاضى: المُدُّ يَجِىءُ منه رِطْلانِ؛ وذلك لأنَّ الغالِبَ أنّ رِطْلَيْنِ من الخُبْزِ لا تَكونُ إلَّا مِن مُدَّ، وذلك بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ خَمْسُ أواقٍ واقَلُّ مِن خُمْس أُوقِيَّةٍ، وهذا فى البُرِّ، فأمَّا إنْ كان المُخْرَجُ مِن الشَّعِيرِ، فلا يُجْزِئُه إلَّا ضِعْفُ ذلك، على ما قَرَّرْنَاه. فصل: ولا تُجْزِئُ القِيمَةُ فى الكَفَّارةِ. نَقَلَها المَيْمُونِىُّ، والأَثْرَمُ. وهو مذهبُ الشّافعىِّ. وخَرَّجَ بعضُ أصحابِنا مِن كلامِ أحمدَ، روايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه. وهو ما رَوَى الأثْرَمُ، أَنَّ رجلًا سأل أحمدَ، قال: أعْطَيْتُ فى كَفَّارةٍ خَمْسَةً دَوَانِيقَ؟ فقال: لو اسْتَشَرْتَنِى قَبْلَ أَنْ تُعْطِىَ لم أُشِرْ عليك، ولكنْ أعْطِ (٨) ما بَقِىَ مِن الأثْمانِ على ما قُلتُ لك. وسَكَتَ عن الذى أعْطَى. وهذا ليس بروايةٍ، وإنَّما سَكَتَ عن الذى أعْطى؛ [لأنَّه] (٩) مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَرَ التَّضْيِيقَ عليه فيه. الأمرُ الثّالثُ، أنَّ مُسْتَحِق الكفّارةِ هم المساكينُ الذين يُعْطَوْنَ مِن الزَّكاةِ، لقول اللَّه تعالى: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. والفقراءُ يَدْخُلُون فيهم؛ لأنَّ فيهم المَسْكَنَةَ وزِيادَةً، ولا خلافَ فى هذا. فأمَّا الأغْنياءُ فلا حقَّ لهم فى الكفّارةِ، سواءٌ كانوا مِن أصْنافِ الزَّكَاةِ، كالغُزَاةِ والْمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهم (١٠)، أو لم يَكُونوا؛ لأنَّ

стр. 5640

اللَّه تعالى خَصَّ بها المساكينَ، واختلفَ أصحابُنا فى الْمُكاتَب؛ فقال القاضى، فى "الْمجَرَّد"، وأبو الخطَّابِ، فى "الهِدايَةِ": لا يجوز دَفْعُها إليه. وهو مذهبُ الشّافعىِّ. وقال الشَّرِيف أبو جعفرٍ، وأبو الخطابِ، فى "مسائِلِهما": يجوزُ الدَّفْعُ إليه. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يَأخُذُ مِن الزَّكاةِ لحاجتِه، فأشْبَهَ المسكينَ. ووَجْهُ الأُولَى أَنَّ اللَّه تعالى خَصَّ بها المساكينَ، والْمُكاتَبون صِنْفٌ آخَرُ، فلم يَجُز الدَّفْعُ إليهم، كالغُزَاة والْمُؤَلَّفَة، ولأنَّ الكَفَّارةَ قُدِّرَتْ بقُوتِ يومٍ لكُلِّ مسكينٍ، وصُرِفَت (١١) إلى مَن يَحتاجُ إليها للاقْتِياتِ، والمُكاتَبُ لا يَأْخُذُ لذلك، فلا يكون فى معنى المسكين. ويُفَارِقُ الزَّكاةَ، فإنَّ الأغْنياءَ يَأخُذُون منها، وهم الغُزَاةُ، والعامِلُون عليها (١٢)، والمُؤَلَّفَةُ، والغارِمُون، ولأنَّه غَنِىٌّ بِكَسْبه أو بِسَيِّدِه، فأشْبَهَ العامِلَ. ولا خِلافَ بينهم فى أنَّه لا يَجوزُ دَفْعُها إلى عَبْدٍ؛ لأنَّ نَفَقَتَه واجبةٌ على سَيِّدِه، وليس هو مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، ولا إلى أُمِّ وَلَدٍ؛ لأنَّها أَمَةٌ نَفَقَتُها على سَيِّدِها، وكَسْبُها له، ولا إلى مَن تَلْزَمُه نفقتُه. وقد ذكرْنا ذلك فى الزَّكاة (١٣)، وفى دَفْعِها إلى الزَّوْجِ وَجْهانِ؛ بِناءً على دَفْعِ الزَّكاةِ إليه. ولا يَجُوز دفعُها إلى كافرٍ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وجهًا فى إعْطائهم، بِناءً على الرِّوايةِ فى إعْتاقِهم. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وأطْلَقَ، فيَدْخُلُون فى الإِطْلاقِ. ولَنا؛ انَّه كافرٌ فلم يَجُز الدَّفْعُ إليه كَمَساكينِ أهلِ الحربِ، وقد سَلَّمَه أصحابُ الرَّأْىِ، والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بأهلِ الحربِ، فَنَقِيسُ عليهم سائِرَ الكُفَّارِ، ويجوزُ صَرْفُها إلى [الكبيرِ، والصَّغيرِ] (١٤)، إنْ كان مِمَّن يَأْكُلُ الطَّعامَ. وإذا أرادَ صَرْفَه إلى الصَّغِير، فإنَّه يَدْفَعُه (١٥) إلى وَلِيِّه، يَقْبِضُ له؛ فإنَّ الصَّغِيرَ لا يَصِحُّ منه الْقَبْضُ. فأمَّا مَن لا يَأْكُلُ الطَّعامَ،
следующие страницы →