← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

"أطعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ" (٣٤). ولأنَّه مالٌ وَجَبَ للفُقَراءِ شَرْعًا، فوَجَبَ تَمْليكُهم إيَّاه كالزَّكاةِ. فإنْ قُلْنا: يُجْزِئُ. اشْتُرِطَ أَنْ يُغَدِّيَهم بِسِتِّينَ مُدًّا فصاعِدًا؛ ليكونَ قد أطْعَمَهم قَدْرَ الواجبِ. وإِنْ قُلْنا: لا يُجْزِئُه أَنْ يُغَدِّيَهمْ، فقَدَّمَ إليهم ستِّينَ مُدًّا، وقال: هذا بينَكم بالسَّوِيَّة. فقَبِلُوه، أجْزَأ؛ لأنَّه مَلَّكَهم التَّصَرُّفَ فيه والانتفاعَ قَبْلَ القِسْمَةِ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشّافعىِّ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامدٍ: يُجْزِئُه، وإِنْ لم يَقُلْ: بالسَّوِيَّة؛ لأنَّ قولَه: خُذُوها عن كَفَّارتى. يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ؛ لأنَّ ذلك حُكْمُها. وقال القاضِى: إنْ عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كُلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، أجْزَأ، وإِنْ لم يَعْلَم، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْل شَغْلُ ذِمَّتِه، ما لم يَعْلَم وُصُولَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه دَفَعَ الحقَّ إلى مُسْتَحِقّه مُشَاعًا، فقَبِلُوه، فبَرِئَ منه، كدُيُونِ غُرَمائِه. فصل: ولا يَجِبُ التَّتابُعُ فى الإِطعامِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ الأثْرَمِ، وقيل له: تكونُ عليه كفّارةُ يمينٍ، فَيُطْعِمُ اليومَ واحدًا، وآخَرَ بعدَ أيّامٍ، وآخَرَ بَعْدُ (٣٥) حتى يَسْتَكْمِل عَشْرَةً؟ فلم يَرَ بذلك بأسًا؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى لم يَشْتَرِطِ التَّتابُعَ فيه. ولو وَطِئَ فى أثناءِ الإِطعامِ، لم تَلْزَمْه إعادةُ ما مَضَى منه. وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ. وقال مالكٌ: يَسْتَأْنِف؛ لأنَّه وَطِئَ فى أثناءِ كفَّارةِ الظِّهارِ، فوَجَبَ الاستئنافُ، كالصِّيامِ. ولَنا، أنَّه وَطِئَ فى أثناء ما لا يُشْتَرَط التَّتابُعُ فيه، فلم يُوجِب الاستئنافَ، كوَطْءِ غيرِ المُظَاهَرِ منها، أو كالوَطْءِ فى كَفّارةِ اليمينِ، وبهذا فارَق الصِّيامَ. ١٣٢١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فى يَوْمٍ وَاحِدٍ، أجْزَأَ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه دَفَعَ القَدْر الواجبَ إلى العَدَدِ الواجبِ، فأجْزَأ، كما لو دَفَع إليه المُدَّيْن فى يَوْمَيْنِ. والأُخرَى، لا يُجْزِئُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قُوتَ

стр. 5637

يومٍ من كَفَّارةٍ، فلم يُجْزِئْه الدَّفْعُ إليه ثانيا فى يَوْمِه، كما لو دَفَعَهُما (١) إليه مِن كَفَّارةٍ واحدةٍ. فعلى هذه الرِّواية، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكَفّارَتَيْنِ. وهل له الرُّجُوعُ فى الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛ فإن (٢) كان أعْلَمَه أنَّها عن كَفَّارةٍ، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا. ويَتَخَرَّجُ أَنْ لا يَرْجِعَ بشىءٍ، على ما ذكرْناه فى الزَّكاةِ. والرِّوايةُ الأُولى أقْيَسُ وأصَحُّ، فإنَّ اعتبارَ عَدَدِ المساكينِ، أوْلَى مِن اعتبارِ عددِ الأيَّامِ، ولو دَفَع إليه ذلك فى يَوْمينِ أجْزَأ، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَينِ، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا. ولو دَفَع سِتِّين مُدًّا إلى ثلاثين فقيرًا مِن كفَّارةٍ واحدةٍ، أجْزَأه مِن ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِينَ، وإِنْ دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كَفَّارَتَيْنِ. أجْزَأه ذلك، على إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، ولا يُجْزِئُ فى الأُخْرى [إلَّا عن] (٣) ثلاثين. والأمرُ الثَّانى، أَنَّ المُجْزِئُ فى الإِطْعامِ ما يُجْزِئُ فى الفِطْرَةِ، وهو البُرُّ، والشَّعِير، والتَّمْر، والزَّبِيب، سواءٌ كانت قوتَهُ أو لم تَكُنْ، وما عَداها. فقال القاضى: لا يُجْزِئُ إخراجُه، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَدَ بإِخْراجِ هذه الأصْنافِ، على ما جاء فى الأحاديثِ التى رَوَيناها، ولأنَّه الجنسُ المُخْرَجُ فى الفِطْرةِ، فلم يُجزِئُ غيرُه، كما لو لم يَكُنْ قُوتَ بَلَدِه. وقال أبو الخَطّابِ: عندى أنَّه يُجْزئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحبوبِ التى هى قُوتُ بَلَدِه، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والأَرُزِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤). وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهلَه، فوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَه بظاهِير النَّصِّ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. فإنْ أخْرَجَ غيرَ قُوتِ بَلَدِه، أجْوَدَ منه، فقد زادَ خيرًا، وإِنْ كان أنْقَصَ، لم يُجْزِئْه، وهذا أجْوَدُ. فصل: والأفضلُ عند أبى عبد اللَّه، إخراجُ الحَبِّ؛ لأنَّه يَخْرُجُ به مِن الخِلافِ، وهى حَالَةُ كَمَالِه؛ لأنَّه يُدَّخَرُ فيها، ويَتَهَيَّأُ لمنافعِه كُلِّها، بخِلافِ غيرِه. فإنْ أخْرَجَ

стр. 5638

دَقِيقًا جازَ، لَكنْ يَزِيدُ على قَدْر (٥) المُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخْرِجُه بالوَزْنِ؛ لأنَّ للحَبِّ رَيْعًا، فيكونُ فى مِكْيَالِ الحَبِّ أكثرُ ممَّا فى مِكْيالِ الدَّقِيقِ. قال الأثْرَمُ: قيل (٦) لأبى عبدِ اللَّه: فيُعْطِى البُرَّ والدَّقِيقَ؟ فقال: أمَّا الذى جاء فالبُرُّ، ولكنْ إنْ أعطاهم الدَّقِيقَ بالوزنِ، جازَ. وقال الشَّافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بِحالِ الكَمَالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الاْنتِفاعِ، فلم يَجُزْ، كالهَرِيسَةِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. والدَّقِيقُ مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدقيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأَهُ وقَرَّبَه مِن الأَكْلِ، وفارَقَ الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَتْلَفُ على قُرْبٍ، ولا يُمْكِن الانتفاعُ بها فى غيرِ الأكْلِ فى تلك الحالِ، بخلافِ مَسْألتِنا. وعن أحمدَ، فى إخراجِ الخُبْزِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، يُجْزِئُ. اختارَها الْخِرَقِىُّ. ونَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: رَجلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كَفّارةُ اليَمِينِ، فَخَبَزَه للمساكينِ، قسَمَ الخُبْزَ على عشرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إلىَّ، وهو الذى جاء فيه الحديثُ أَنْ يُطْعمَهم مُدَّ بُرٍّ، وهذا إنْ فَعَلَ فأرجو أَنْ يُجْزِئَه. قلتُ: إنَّما قال اللَّه تَعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. فهذا قد أطْعَمَ عشرةَ مساكينَ، وأوْفاهم المُدَّ. قال: أرْجُو أَنْ يُجْزِئَه. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ، فى موضعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سأله رجلٌ عن الكَفَّارةِ، قال: أطْعُمُهُمْ خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تمرٌ. قال: فخُبْزٌ؟ . قال: لا، ولكنْ بُرًّا أو دَقِيقًا بالوزنِ، رَطلٌ وثُلثُ لكُلِّ مِسْكينِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خَرَجَ عن حالةِ الكمالِ والادِّخارِ فأشَبَهَ الهَرِيسَةَ. والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. وهذا من أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهلَه، وليس الادِّخارُ

стр. 5639

مقصودًا فى الكَفَّارةِ، فإنها مُقَدَّرَةٌ بما يَقُوتُ المسكينَ فى يومِه، فيَدُلُّ ذلك على أَنَّ المقْصودَ كِفَايَتُه فى يومِه، وهذا قد هَيَّأَه للأكلِ المُعْتادِ للاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها. وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولَا (٧) ونحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنهما خَرَجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدَامِ. وامّا السَّوِيقُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لذلك. ويَحْتَمِل أَنْ يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُقْتاتُ فى بعض البُلْدانِ، ولا يُجْزِئُه من الخُبْزِ والسَّوِيقِ أقَلُّ مِن شىءٍ يُعْمَلُ مِن مُدٍّ، فإن أخَذَ مُدَّ حِنْطَةٍ، أورَطْلًا وثُلُثًا مِن الدَّقِيقِ، وصَنَعَه خُبْزًا، أجْزَأه. وقال الخِرَقِىُّ: يُجْزِئُه رَطْلانِ. قال القاضى: المُدُّ يَجِىءُ منه رِطْلانِ؛ وذلك لأنَّ الغالِبَ أنّ رِطْلَيْنِ من الخُبْزِ لا تَكونُ إلَّا مِن مُدَّ، وذلك بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ خَمْسُ أواقٍ واقَلُّ مِن خُمْس أُوقِيَّةٍ، وهذا فى البُرِّ، فأمَّا إنْ كان المُخْرَجُ مِن الشَّعِيرِ، فلا يُجْزِئُه إلَّا ضِعْفُ ذلك، على ما قَرَّرْنَاه. فصل: ولا تُجْزِئُ القِيمَةُ فى الكَفَّارةِ. نَقَلَها المَيْمُونِىُّ، والأَثْرَمُ. وهو مذهبُ الشّافعىِّ. وخَرَّجَ بعضُ أصحابِنا مِن كلامِ أحمدَ، روايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه. وهو ما رَوَى الأثْرَمُ، أَنَّ رجلًا سأل أحمدَ، قال: أعْطَيْتُ فى كَفَّارةٍ خَمْسَةً دَوَانِيقَ؟ فقال: لو اسْتَشَرْتَنِى قَبْلَ أَنْ تُعْطِىَ لم أُشِرْ عليك، ولكنْ أعْطِ (٨) ما بَقِىَ مِن الأثْمانِ على ما قُلتُ لك. وسَكَتَ عن الذى أعْطَى. وهذا ليس بروايةٍ، وإنَّما سَكَتَ عن الذى أعْطى؛ [لأنَّه] (٩) مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَرَ التَّضْيِيقَ عليه فيه. الأمرُ الثّالثُ، أنَّ مُسْتَحِق الكفّارةِ هم المساكينُ الذين يُعْطَوْنَ مِن الزَّكاةِ، لقول اللَّه تعالى: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. والفقراءُ يَدْخُلُون فيهم؛ لأنَّ فيهم المَسْكَنَةَ وزِيادَةً، ولا خلافَ فى هذا. فأمَّا الأغْنياءُ فلا حقَّ لهم فى الكفّارةِ، سواءٌ كانوا مِن أصْنافِ الزَّكَاةِ، كالغُزَاةِ والْمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهم (١٠)، أو لم يَكُونوا؛ لأنَّ

стр. 5640

اللَّه تعالى خَصَّ بها المساكينَ، واختلفَ أصحابُنا فى الْمُكاتَب؛ فقال القاضى، فى "الْمجَرَّد"، وأبو الخطَّابِ، فى "الهِدايَةِ": لا يجوز دَفْعُها إليه. وهو مذهبُ الشّافعىِّ. وقال الشَّرِيف أبو جعفرٍ، وأبو الخطابِ، فى "مسائِلِهما": يجوزُ الدَّفْعُ إليه. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يَأخُذُ مِن الزَّكاةِ لحاجتِه، فأشْبَهَ المسكينَ. ووَجْهُ الأُولَى أَنَّ اللَّه تعالى خَصَّ بها المساكينَ، والْمُكاتَبون صِنْفٌ آخَرُ، فلم يَجُز الدَّفْعُ إليهم، كالغُزَاة والْمُؤَلَّفَة، ولأنَّ الكَفَّارةَ قُدِّرَتْ بقُوتِ يومٍ لكُلِّ مسكينٍ، وصُرِفَت (١١) إلى مَن يَحتاجُ إليها للاقْتِياتِ، والمُكاتَبُ لا يَأْخُذُ لذلك، فلا يكون فى معنى المسكين. ويُفَارِقُ الزَّكاةَ، فإنَّ الأغْنياءَ يَأخُذُون منها، وهم الغُزَاةُ، والعامِلُون عليها (١٢)، والمُؤَلَّفَةُ، والغارِمُون، ولأنَّه غَنِىٌّ بِكَسْبه أو بِسَيِّدِه، فأشْبَهَ العامِلَ. ولا خِلافَ بينهم فى أنَّه لا يَجوزُ دَفْعُها إلى عَبْدٍ؛ لأنَّ نَفَقَتَه واجبةٌ على سَيِّدِه، وليس هو مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، ولا إلى أُمِّ وَلَدٍ؛ لأنَّها أَمَةٌ نَفَقَتُها على سَيِّدِها، وكَسْبُها له، ولا إلى مَن تَلْزَمُه نفقتُه. وقد ذكرْنا ذلك فى الزَّكاة (١٣)، وفى دَفْعِها إلى الزَّوْجِ وَجْهانِ؛ بِناءً على دَفْعِ الزَّكاةِ إليه. ولا يَجُوز دفعُها إلى كافرٍ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وجهًا فى إعْطائهم، بِناءً على الرِّوايةِ فى إعْتاقِهم. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وأطْلَقَ، فيَدْخُلُون فى الإِطْلاقِ. ولَنا؛ انَّه كافرٌ فلم يَجُز الدَّفْعُ إليه كَمَساكينِ أهلِ الحربِ، وقد سَلَّمَه أصحابُ الرَّأْىِ، والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بأهلِ الحربِ، فَنَقِيسُ عليهم سائِرَ الكُفَّارِ، ويجوزُ صَرْفُها إلى [الكبيرِ، والصَّغيرِ] (١٤)، إنْ كان مِمَّن يَأْكُلُ الطَّعامَ. وإذا أرادَ صَرْفَه إلى الصَّغِير، فإنَّه يَدْفَعُه (١٥) إلى وَلِيِّه، يَقْبِضُ له؛ فإنَّ الصَّغِيرَ لا يَصِحُّ منه الْقَبْضُ. فأمَّا مَن لا يَأْكُلُ الطَّعامَ،

стр. 5641

فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْكُلُه، فيكونُ بمَنْزِلةِ دَفْعِ القِيمَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُجْزِئُ؛ لأنَّه مسكينٌ يُدْفَعُ إليه مِن الزَّكاةِ، فأشْبَهَ الكَبِيرَ. وإذا قلنا: يَجُوزُ (١٦) الدَّفْعُ إلى المُكاتَبِ، جاز للسَّيِّد الدَّفْعُ مِن كَفّارَتِه إلى مُكاتَبِه؛ لأنَّه يجوزُ أَنْ يَدْفَعَ إليه مِن زَكاتِه. فصل: ويجوزُ دَفْعُ الكَفَّارَةِ إلى مَن ظاهِرُه الفَقْرُ، فإنْ بانَ غَنِيًّا، فهل تُجْزِئُه؟ فيه وَجْهانِ، بناءً على الرِّوايَتَيْنِ فى الزَّكاةِ. وإن بانَ كافرًا، أو عَبْدًا، لم يُجْزِئْه، وَجْهًا واحدًا. ١٣٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ ابْتَدَأَ صَوْمَ الظِّهَارِ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ، أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَبَنَى، وَكَذَلِكَ إِنِ ابْتَدأَ مِنْ أَوَّلِ ذِى الْحِجَّةِ، أفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَأيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهارِ زمانٌ لا يَصِحُّ صَوْمُه عن الكَفَّارَةِ، مِثْل أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِن أوَّلِ شعبانَ، فَيَتَخَلَّلَه رمضانُ ويومُ الفِطر، أو يَبْتَدِئَ مِن ذى الحِجَّة، فَيَتَخَلَّلَه يومُ النَّحْرِ وأيامُ التَّشْرِيق، فإنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِع بهذا، ويَبْنِى على ما مَضَى مِن صِيَامِه. وقال الشّافعىُّ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، ويَلْزَمُه الاستئنافُ؛ لأنَّه أفْطَرَ فى أثْناءِ الشَّهْرَينِ بما كان يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ ما (١) إذا أفطرَ بغيْر (٢) ذلك، أو صامَ (٣) عن نَذْرٍ، أو كَفّارَةٍ أُخْرَى. ولَنا، أنَّه زمنٌ مَنَعَه الشَّرْعُ عن صومِه فى الكفَّارةِ، فلم يَقْطعِ التَّتابُعَ، كالحَيْضِ والنِّفاسِ. [فإن قالوا: الحَيْضُ والنِّفاسُ] (٤) غيرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ منه. قُلْنا: قد يُمْكِن التَّحَرُّز مِن النفاس بِأنْ لا تَبتدئَ الصَّوم فى حالِ الحَمْلِ، ومِن الحَيْضِ

стр. 5642

إذا كان طُهْرُها يَزِيد على الشَهْرينِ، بأنْ تَبْتدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِها من الحَيْضَةِ، ومع هذا فإنَّه لا يَنْقطِعُ التَّتابُعُ به، ولا يجوز للمأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، ويجوزُ أَنْ يَدْخُلَ معه المَسْبُوقُ فى أثناءِ الصَّلاةِ، مع عِلْمِه بلُزُومِ مُفارَقَتِه قبلَ إتْمامِها. ويَتَخَرَّجُ فى أيامِ التَّشْرِيقِ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصُومُها عن الكَفَّارَةِ، ولا يُفْطِرُ إلَّا يومَ النَّحْرِ وَحْدَه. فعلَى هذا، إنْ أفْطَرَها اسْتَأْنَفَهُ (٥)؛ لأنَّها أيامٌ أمْكَنه (٦) صِيامُها فى الكَفَّارَةِ، ففِطْرُها يَقْطَعُ التَّتابُعَ كغيرِها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنِ ابتدَأ الصَّومَ مِن أوّلِ شعبانَ، أجْزَأهُ صَومُ شعبانَ عن شهرٍ، ناقصًا كان أو تامًّا. وأمّا شَوَّالٌ، فلا يجوزُ أَنْ يَبْدَأ به مِن أوَّلِه؛ لأنَّ أوَّلَه يومُ الفِطرْ، وصومُه حرامٌ، فيَشْرَعُ فى صَوْمِه مِن اليومِ الثَّانى، ويُتَمِّمُ شهرًا بالعَدَدِ ثلاثين يومًا. وإِنْ بَدَأ مِن أوَّل ذِى الحِجَّة إلى آخِر المُحَرَّمِ، قَضَى أربعةَ أيامٍ، وأجْزَأه؛ لأنَّه بَدَأ بالشَّهْرَيْنِ مِن أوَّلِهما. ولو ابتَدَأ صَوْمَ الشَّهْرينِ مِن يومِ الفِطْرِ، لم يَصِحَّ صَومُ يومِ الفِطْرِ، ويَصِحُّ (٧) صوْمُ بَقِيِّةِ الشَّهْرِ، وصَومُ ذِى القَعْدَةِ، ويُحْتَسَب له بذى القَعْدَةِ، ناقصًا كان أو تامًّا؛ لأنَّه بَدَأه مِن أوَّلِه. وأمَّا شَوالٌ، فإنْ كان تامًّا صامَ يومًا مِن ذى الحِجَّة، مكانَ يومِ الفِطرْ، وأجْزَأه، وإِنْ كان ناقصًا، صامَ مِن ذِى الحِجَّة يَوْمَيْنِ؛ لأنَّه لم يَبْدَأْهُ مِن أوَّله. وإِنْ بَدَأ بالصِّيامِ مِن أوّلِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، وقُلْنا: يَصِحُّ (٨) صَومُها عن الفَرْض. فإنَّه يُحْتَسَبُ له بالمُحَرَّم، ويُكْمِلُ صومَ ذى الحِجَّة بِتَمامِ ثلاثينَ يومًا مِن صَفَرٍ. وإِنْ قُلْنا: لا يَصِحُّ صَوْمُها عن الفَرْض. صَامَ مكانَها مِن صَفَرٍ. فصل: ويجوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ صومَ الشَّهْرَيْنِ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ومِن أثْنائِه، لا نَعْلَمُ فى هذا خلافًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسمٌ لما بين الهِلَالَيْنِ ولثلاثينَ يوما، فأيُّهما صامَ فقد أدَّى الواجبَ، فإنْ بَدَأ مِن أوَّلِ شهرٍ، فصامَ شهرينِ بالأهِلَّة، أجْزَأهُ ذلك، تامَّيْنِ كانا أو ناقِصَيْنِ،

стр. 5643

إجْماعًا. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأهلُ العِراقِ، ومالكٌ فى أهلِ الحِجازِ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. وهذان شهرانِ مُتَتابعانِ: وإِنْ بَدَأ مِن أثناءِ شهرٍ، فصامَ سِتِّينَ يومًا. أجْزَأه، بغيرِ خِلافٍ أيضًا. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا مَن نَحْفظُ عنه مِن أهل العلمِ. فأمَّا إنْ صامَ شهرًا بالهِلال، وشهرًا بالعَدَدِ، فصامَ خمسةَ عشرَ يومًا مِن المُحَرَّم، وصَفَرَ (٩) جميعَه، وخمسةَ عشرَ يومًا (١٠) مِن ربيعٍ، فإنَّه يُجْزِئُه، سواءٌ كان صَفَرُ تامًّا أو ناقصًا؛ لأنَّ الأصلَ اعتبارُ الشُّهُورِ بالأهِلَّة، لكنْ تَرَكْناه فى الشَّهْرِ الذى بَدَأ مِن وَسَطِه لِتَعَذُّرِه، ففى الشهرِ الذى أمْكَنَ اعتبارُه يَجبُ أَنْ يُعْتَبَرَ. وهذا مذهبُ الشّافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وَيتَوَجَّه أَنْ يُقال: لا يُجْزِئُه إلّا شَهْرانِ بالعَدَدِ؛ لأنَّنا لمَّا ضَمَمْنا إلى الخمسةَ عشرَ [من المُحَرَّمِ] (١١) خمسةَ عشرَ مِن صَفَر، فصار ذلك شهرًا، صار (١٢) ابتداءُ صومِ الشَّهْرِ الثَّانِى (١٣) مِن أثناءِ شهرٍ أيضًا. وهذا قولُ الزُّهْرىِّ. فصل: فإنْ نَوَى صومَ شهرِ رمضانَ عن الكَفّارَةِ، لم يُجْزِئه عن رمضانَ، ولا عن الكَفَّارَةِ، وانْقَطَع التَّتابُعُ، حاضرًا كان أو مسافرًا؛ لأنَّه تَخَلَّلَ صومَ الكفَّارةِ فِطْر غيرُ مَشْروعٍ. وقال مُجَاهِدٌ، وطَاوُسٌ: يُجْزِئُه عنهما. وقال أبو حنيفةَ: إنْ كان حاضرًا، أجْزَأه عن رمضانَ دونَ الكفارةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غيرُ مُشْتَرَطٍ لرمضانَ، وإِنْ كان فى سَفَرٍ، أجْزَأهُ عن الكَفَّارَةِ دونَ رمضانَ. وقال صاحباه: يُجْزِئُ عن رمضانَ دونَ الكفَّارةِ، سَفَرًا وحَضَرًا. ولَنا، أن رمضانَ مُتَعَيِّنٌ لصَوْمِه (١٤)، مُحَرَّمٌ صومُه عن غيرِه،

стр. 5644

فلم يُجْزِئْه عن غيرِه، كيَوْمَى العِيدَيْنِ، ولا يُجْزِئ عن رمضانَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى" (١٥). وهذا ما نَوَى رمضانَ، فلا يُجْزِئُه، ولا فرق بين الحَضَرِ والسَّفَر؛ لأنَّ الزَّمانَ مُتَعَيِّن، وإنَّما جازَ فِطرُه فى السَّفَر رُخْصَةً، فإذا تَكَلَّفَ وصامَ، رَجَعَ إلى الأصلِ. فإنْ سافرَ فى رمضانَ المُتَخَلِّلِ لصَوْمِ الكَفَّارَةِ وأفطرَ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه زمنٌ لا يَسْتحِقُّ صَوْمَه عن الكَفَّارَةِ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ بفِطْرِه كاللَّيْلِ. ١٣٢٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ المُظَاهِرُ عَبْدًا، لَمْ يُكَفِّرْ إِلَّا بِالصِّيَامِ، وَإِذَا صَامَ، فَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ) قد ذَكَرْنا أَنَّ ظِهارَ العَبْدِ صحيحٌ وكفًّارتَه بالصِّيامِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١). والعبدُ لا يَسْتطيعُ الإِعْتاقَ، فهو كالحُرِّ المُعسِرِ، وأسْوأُ منه حالًا، وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئه غيرُ الصِّيامِ، سواءٌ أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفِير (٢) بالعِتْقِ، أو لم يَأْذَنْ (٣). وحُكِىَ هذا عن الحسنِ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، إنْ أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكفيرِ (٢) بالمالِ، جازَ. وهو مذهبُ الأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه بإذْنِ سَيِّدِه يَصِيرُ قادرًا على التَّكفيرِ بالمالِ، فجازَ له ذلك، كالحُرِّ. وعلى هذه الرِّوايةِ، يجوزُ له التَّكْفيرُ بالإِطعامِ عندَ العَجْزِ عن الصِّيامِ. وهل له العِتْقُ؟ على رِوَايتيْنِ؛ إحْداهما، [لا يجُوزُ] (٤). وحُكِىَ هذا عن مالكٍ، وقال: أرجو أَنْ يُجْزِئَهُ الإِطْعامُ. وأنْكَرَ ذلك ابنُ القاسِمِ صاحبُه، وقال: لا يُجْزِئُه إِلَّا الصِّيامُ؛ وذلك لأنَّ العِتْقَ يَقْتَضِى الوَلاءَ، والوِلايةَ، والإِرْثَ، وليس ذلك للعَبْدِ. والرِّوايةُ الثّانيةُ، له العِتْقُ. وهو قولُ الأَوْزَاعِىِّ. واختارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ مَن صَحَّ تَكْفِيرُه بالإِطْعامِ، صَحَّ

стр. 5645

بالعِتْقِ، ولا يَمْتَنِعُ صِحةُ العِتْق مع انْتِفاءِ الإِرْثِ. كما لو أعْتَقَ مَن يُخالِفُه فى دِينِه، ولأنَّ المقْصودَ بالعِتقِ إسْقاطُ المِلْكِيَّة عن العبدِ، وتمليكُه نَفْعَ نَفْسِه، وخُلُوصُه مِن ضَرَرِ الرِّقِّ، وما يَحْصُلُ مِن تَوابعِ ذلك ليس هو المقصودَ، فلا يَمْنَعُ من صِحتِه ما يَحْصُلُ منه المقصودُ، لامْتناعِ بعضِ توابعِه. ووجهُ الأُولى، أنَّ العبدَ مالٌ، لا يَمْلِكُ المالَ، فيَقَعُ تكْفيرُه بالمالِ بمالِ غيرِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو أعْتَقَ عبدَ غيرِه عن (٥) كَفَّارَتِه. وعلى كِلْتا الرِّوايَتَيْنِ، لا يَلْزَمُه التَّكْفيرُ بالمالِ، وإِنْ أذِنَ له سَيِّدُه فيه؛ لأنَّ فَرْضَه الصِّيامُ، فلم يَلْزَمْه غيرُه، كما لو أذِنَ مُوسِرٌ لحُرٍّ مُعْسِرٍ فى التَّكْفِيرِ مِن مالِه. ولو (٦) كان عاجزًا عن الصّيامِ، فأذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفيرِ بما شاءَ مِن العِتْقِ والإِطعامِ، فإن (٧) له التَّكْفيرَ بالإطعامِ؛ لأنَّ مَن لا يَلزمُه الإِعْتاقُ مع قُدْرَتهِ على الصِّيامِ، لا يَلزمُه مع عَجْزِه عنه، كالحُرِّ المُعْسِر، ولأنَّ عليه ضَرَرًا فى التزامِ المِنَّةِ الكَبِيرَةِ فى قبولِ الرَّقَبَةِ، ولا يَلزمُ مِثْلُ (٨) ذلك فى الطَّعامِ؛ لقِلَّةِ المِنَّة فيه. وهذا [فيما إذا] (٩) أَذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفيرِ قَبْلَ العَوْدِ، فإنْ عادَ وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ فى ذِمَّتِه، ثم أذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفيرِ، انْبَنَى مع ذلك على أصلٍ آخَرَ، وهو أَنَّ التَّكْفيرَ هل هو مُعْتَبَرٌ بحالةِ الوُجُوبِ، أو بأغْلَظِ الأحوالِ؟ وسنَذْكُرُ ذلك إنْ شاء اللَّهُ تعالى. وعلى كُلِّ حالٍ، فإذا صامَ، لا يُجْزِئُه إلّا شهرانِ مُتَتابِعانِ؛ لدُخُولِه فى عُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. ولأنَّه صَوْمٌ فى كَفَّارَةٍ فاسْتَوَى فيه الحُرُّ والعبدُ، ككَفَّارةِ اليمينِ. وبهذا قال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافعِىُّ، وإسْحاقُ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا، إلّا ما رُوِىَ عن عطاءٍ، أنَّه قال (١٠): لو صامَ شهرًا، أجْزَأه (١١). وقالَه النَّخَعِىُّ، ثم رَجَع عنه إلى قولِ الجماعةِ. فصل: والاعْتبارُ فى الكَفَّارَةِ بحالةِ الوُجوبِ، فى أظْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، وهو ظاهِرُ

стр. 5646

كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه فال: إذا حَنِثَ وهو عَبْدٌ، فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، فعليه الصَّومُ لا يُجْزِئُه غيرُه. وكذلك قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبد اللَّه يُسْأَلُ عن عبدٍ حَلَفَ على يَمِينٍ، فحَنِثَ فيها وهو عبدٌ؛ فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، أيُكَفَّرُ كَفَّارَةَ حُرٍّ أو كفَّارةَ عبدٍ؟ قال: يُكَفِّر كفارةَ عبدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّر ما وَجَبَ عليه يومَ حَنِثَ، [لا يومَ حَلَفَ. قلتُ له: حَلَفَ وهو عبدٌ، وحَنِثَ وَهو حُرٌّ؟ قال: يومَ حَنِثَ] (١٢). واحْتَجَّ فقال: افْتَرَى وهو عبدٌ -أى (١٣) ثم أُعتِق- فإنَّما يُجْلَدُ جَلْدَ العبدِ. وهو أحدُ أقْوالِ الشَّافعىِّ. فعلَى هذه الرِّوايةِ يُعْتَبَرُ يَسَارُه وإعْسارُه حالَ وُجوبِها عليه، فإنْ كان مُوسِرا حالَ الوجوبِ، اسْتَقَر وجوبُ الرَّقَبَةِ عليه، فلم يَسْقُطْ بإعْسارِه بعدَ ذلك. وإن كان مُعْسِرًا، فَفَرْضُه الصَّومُ، فإذا أيْسَرَ بعدَ ذلك، لم يَلْزَمْه الانتقالُ إلى الرَّقَبَةِ. والرِّوايةُ الثّانية، الاعتبارُ بأغْلَظِ الأحْوالِ مِن حينِ الوُجوبِ إلى حينِ التَّكْفِيرِ، فمتى وَجَد رَقَبَةً فيما بينَ الوُجوبِ إلى حينِ التَّكْفيرِ، لم يُجْزِئْه إِلَّا الإِعْتاقُ. وهذا قولٌ ثانٍ للشّافعىِّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ فى الذِّمَّةِ بِوُجودِ مَالٍ، فاعتُبِرَ فيه أغْلَظُ الحالَيْنِ كالحَجِّ. وله قولٌ ثالث، أَنَّ الاعْتِبَارَ بحالةِ الأداءِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه حقٌّ له بَدَلٌ مِن غيرِ جِنْسِه، فكان الاعْتبارُ فيه بحالةِ الأداءِ، كالوُضُوءِ. ولَنا، أنَّ الكَفَّارَةَ تَجِبُ على وجهِ الطُّهْرَةِ، فكان الاعْتبارُ فيها بحالةِ الوجوبِ (١٤) كالحدِّ، أو نَقُولُ: مَن وَجَبَ عليه الصِّيامُ فى الكَفَّارَةِ، لم يَلْزَمْه غيرُه، كالعبدِ إذا أُعْتِقَ (١٥)، ويُفارِقُ الوُضُوءَ، فإنَّه لو تَيَمَّم ثم وَجَدَ الماءَ، بَطَل تَيَمُّمُه، وههُنا لو صامَ، ثم قَدَر على الرَّقَبَة، لم يَبْطُلْ صومُه، وليس الاعتبارُ فى الوُضُوء بحالةِ الأداءِ، فإنّ أداءَه فِعْلُه، وليس الاعتبارُ به، وإنما الاعْتبارُ بأداءِ الصَّلاةِ، وهى غيرُ الوُضُوءِ. وأمّا الحَجُّ فهو عبادةُ العُمْرِ، وجميعُه وقتٌ لها، فمتى قَدَر عليه فى جُزْءٍ مِن وقتِه، وَجَبَ، بخلافِ مَسْألتِنا. ثم يَبْطُلُ ما ذكرُوه بالعبدِ إذا عَتَقَ (١٥)، فإنَّه لا يَلْزَمُه

стр. 5647

الانْتِقالُ إلى العِتْقِ مع ما ذكرُوه. فإنْ قِيلَ: العبدُ لم يَكُنْ مِمَّن تَجِبُ عليه الرَّقَبَةُ، ولا تُخزِئُه، فَلَمَّا لم تُجْزِئْه الزيادَةُ، لم تَلْزَمْه بِتَغَيُّر الحالِ، بخلافِ مَسْألتِنا. قُلْنا: هذا لا أثَرَ له. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا أيْسَرَ، فأحَبَّ أَنْ يَنْتَقِلَ إلى الإعْتاقِ، جازَ له، فى ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ فإنَّه قال: ومن دخَل فى الصَّومِ، ثم قَدَر على الهَدْىِ، لم يَكُنْ [له الانتْقالُ إليه] (١٦) إلَّا أَنْ يشاءَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه إذا شَاء فله الانْتقالُ إليه، ويُجْزِئُه، إلَّا أن يكونَ الحانِثُ عبدًا، فليس له إلَّا الصَّومُ وإِنْ عَتَقَ. وهو قولُ الشَّافعىِّ، على القولِ الذى تَوافَقْنا فيه؛ وذلك لأنَّ العِتْقَ هو الأصلُ، فوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَه كسائِرِ الأصُولِ. فأمَّا إنِ اسْتَمَرَّ به العَجْزُ حتى شَرَعَ (١٧) فى الصِّيامِ، لم يَلْزَمْه الانتقالُ إلى العِتْق. بغيرِ خلافٍ فى المذهبِ. وهو مذهبُ الشَّعْبِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ الْمُنْذِرِ. وهو أحدُ قَوْلَى الحسن. وذَهَبَ ابنُ سِيرِينَ، وعطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه يَلْزَمُه العِتقُ؛ لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قَبْلَ أداءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فلَزِمَه العَوْدُ إليه، كالمُتَيَمِّم يَجِدُ الماءَ قبلَ الصَّلاةِ، أو فى أثنائِها. وَلنا، أنَّه يَقْدِرْ على العِتْق قبلَ تَلبُّسِه بالصِّيامِ، فلم يَسْقُطْ عنه، كما لو اسْتَمَرّ العَجْزُ إلى بعدِ الفَراغِ، ولا يُشْبهُ الوُضُوءَ، فإنَّه لو وَجَدَ الماءَ بعدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ، وههُنا بخلافِه، ولأنَّه وَجَدَ الْمُبْدَلَ بعدَ الشَّروعِ فى صَومِ البَدَلِ. فلم يَلْزَمْه الانتقالُ (١٨) إليه، كالمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الهَدْىَ بعدَ الشُّروعِ فى صِيَامِ السَّبْعَةِ. فصل: إذا قُلْنا: الاعتبارُ بحالةِ الوُجوبِ، فَوَقْتُه فى الظِّهارِ زَمَنُ العَوْدِ، لا وقتُ المُظاهَرَةِ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ حتى يَعُودَ، ووَقْتُه (١٩) فى اليَمينِ، زمنُ الحِنْثِ، لا وقتُ اليَمِينِ، وفى القَتْلِ زمنُ الزُّهُوقِ، لا زمنُ الجَرْحِ، وتقديمُ الكَفَّارَةِ قَبْلَ الوُجوبِ

стр. 5648

تعجيلٌ لها قَبْلَ وجوبِها، لوُجودِ سَبَبِها، كتَعْجيلِ الزَّكاةِ قبلَ الحَوْلِ وبَعْدَ وُجوبِ النِّصابِ. فصل: وإذا كان المُظاهِرُ ذِمِّيًّا، فتَكْفيرُه بالعِتْقِ، أو الإِطعامِ؛ لأنَّه يَصِحُّ منه فى غيرِ الكَفّارَةِ، فصَحَّ منه فيها، ولا يجوزُ بالصِّيامِ؛ لأنَّه عبادةٌ مَحْضَةٌ، والكافرُ ليس مِن أهلِها، ولأنَّه لا يَصِحُّ منه فى غيرِ الكفَّارَةِ، فلا يَصِحُّ منه فيها، ولا يُجْزِئُه فى العِتْق إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإنْ كانت فى مِلْكِه، أو وَرثها، أجْزَأتْ عنه، وإِنْ لم يَكُنْ كذلك، فلا سبيلَ له إلى شراءِ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ؛ لأنَّ الكَافرَ لا يَصِحُّ منه شراءُ المُسْلِمِ، ويَتَعَيَّنُ تكفيرُه بالإِطعامِ، إلّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: أعْتِقْ عبدَك عن كَفَّارَتِى، وعَلَىَّ ثَمَنُه. فيَصِحُّ، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. وإِنْ أسْلَمَ الذِّمِّىُّ قبلَ التَّكْفِيرِ بالإطعامِ، فحُكْمُه حكمُ العبدِ، يَعْتِق قبلَ التّكْفيرِ بالصِّيامِ، على ما مَضَى؛ لأنَّه فى معناه. وإِنْ ظاهَرَ وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، فصامَ فى رِدَّتِه عن كَفّارَتِه، لم يَصِحَّ. وأنْ كَفرَ بِعِتْقٍ أو إطعامٍ، فقد أطلقَ أحمدُ القولَ أنَّه لا يُجْزِئُه. وقال القاضى: المذهبُ أَنَّ ذلك موقوفٌ، فإنْ أسْلَمَ تَبَيَّنَّا أنَّه أجْزَأه، وإِنْ ماتَ أو قُتِلَ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَصِحَّ منه، كسائِرِ تَصَرُّفاتِه. ١٣٢٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِىَ بالْكَفَّارَةِ، كَانَ عَاصِيًا، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ) قد ذكرْنا أنّ المُظاهِرَ يَحْرُمُ عليه وَطْءُ زوجتِه قبل التَّكْفِيرِ؛ لقولِ اللَّه تعالى فى العِتْق والصِّيامِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فإنْ وَطِىء عَصَى رَبَّه لمُخَالفةِ أمرِه، وتَسْتَقِرُّ الكَفّارَةُ فى ذِمَّتِه، فلا تَسْقُطُ بعدَ ذلك بمَوْتٍ، ولا طلاقٍ، ولا (٢) غيرِه، وتَحْرِيمُ زوجتِه عليه باقٍ بحالِه، حتى يُكَفِّرَ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، وطاوُس، وجابرِ بن زيدٍ، ومُوَرِّقٍ العِجْلِىِّ (٣)، وأبى مِجْلَز،

стр. 5649

والنَّخَعِىِّ، وعبد اللَّه بن أُذَيْنَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعِىِّ، والشَّافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. ورَوَى الخَلّالُ، عن الصَّلْتِ بن دِينارٍ، قال: سألتُ عشرةً مِن الفقهاء عن المُظاهِرِ يُجامِعُ (٤) قبلَ أَنْ يُكَفِّر؟ قالوا: ليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحدةٌ. الحسن (٥)، وابن سِيرِينَ، وبَكْر المُزَنِىّ، ومُوَرَّق العِجْلِىّ، وعطاء، وطاوُس، ومُجاهِد، وعِكْرِمَة، وقَتادَة، وقال وَكِيعٌ (٦): وأظُنُّ العاشِرَ نافعًا. وحُكِىَ عن عمرو بن العاصِ، أَنَّ عليه كفَّارَتَيْنِ. ورُوِىَ ذلك عن قَبِيصةَ، وسعيدِ بن جُبَيْر، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ؛ لأنَّ الوَطْءَ (٧) يُوجِبُ كَفَّارَةً، والظِّهارُ مُوجِبٌ لأُخْرَى (٨). وقال أبو حنيفةَ: لا تَثْبُتُ الكفارةُ فى ذِمَّتِه، وإنَّما هى شَرْطٌ للإِباحةِ بعدَ الوَطْءِ. كما كانت قبلَهْ. وحُكِىَ عن بعضِ النَّاسِ أَنَّ الكفَّارةَ تَسْقُط؛ لأنَّه فاتَ وقتُها؛ لكَوْنِها وَجَبَتْ قبلَ المَسِيسِ. ولَنا، حديثُ سَلَمَةَ بن صَخْر حِينَ ظاهَرَ ثم وَطِئَ قبلَ التَّكْفِيرِ، فأمَرَه النَّبىُّ ﷺ بِكَفّارةٍ واحدةٍ (٩). ولأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ، فيدخلُ فى عُمومِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١٠). فأمَّا قولُهم: فاتَ وقتُها. فَيَبْطُل بما ذكرْناه، وبالصَّلاةِ، وسائرُ العباداتِ يَجِبُ قضاؤُها بعدَ فَواتِ وقتِها. ١٣٢٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أنْتَ عَلَىَّ كَظَهْرِ أبِى. لَمْ تَكُنْ مُظاهِرَةً، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ؛ لأنَّهَا قَدْ أتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ)

стр. 5650

وجملةُ ذلك أن المرأةَ إذا قالتْ لزوجِها: أنتَ علىَّ كَظَهْرِ أبى. [أو قالتْ: إنْ تَزَوَّجْتُ فلانًا، فهو علىَّ كظَهْرِ أبى] (١). فليس ذلك بِظِهارٍ. قال القاضى: لا تَكونُ مُظاهَرةً، روايةً واحدةً. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ: هو ظِهارٌ. ورُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، والنَّخَعِىِّ، إلَّا أن النَّخَعِىَّ قال: إذا قالتْ ذلك بعدما تُزَوَّجُ، فليس بشىءٍ. ولعلَّهم يَحْتَجُّون بأنَّها أحَدُ الزَوْجَيْن ظاهَرَ مِن الآخَر، فكان مُظاهِرًا كالرَّجُلِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢). فَخَصَّهم بذلك، ولأنَّه قولٌ يُوجِبُ تَحْريمًا فى الزَّوْجَة، يَمْلِكُ الزّوجُ رَفْعَه، فاخْتَصَّ به الرَّجُلَ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ فى المرأةِ حَقٌّ للرَّجُل (٣)، فلم تَمْلِكِ المرأةُ إزالتَه، كسائرِ حُقوقِه. إذا ثَبَتَ هذا، فاخْتَلَفَ (٤) عن أحمدَ فى الكَفَّارَةِ، فنَقَلَ عنه جماعةٌ: عليها كفَّارةُ الظِّهارِ. لما رَوَى الأثْرَمُ، بإسنْادِه عن إبراهيمَ، أَنَّ عائِشَةَ بنتَ طَلْحَةَ قالتْ: إنْ تَزَوجْتُ مُصْعَبَ بن الزُّبَيْر، فهو علىَّ كظَهْرِ أبى. فسألتْ أهلَ المدينةِ، فَرَأوْا أَنَّ عليها الكفَّارةَ. ورَوَى علىُّ (٥) بن مُسْهِرٍ، عن الشَّيْبانِىِّ، قال: كنتُ جالِسًا فى المسجدِ، أنا وعبدُ اللَّه بن مُغَفل المُزَنِىّ، فجاء رجلٌ حتى جلسَ إلينا، فسألتُه؛ مَن أنتَ؟ فقال: أنا مَوْلَى لعائشةَ بنت طَلْحَة، التى (٦) أعْتَقَتْنِى عن ظِهارِها، خَطَبَها مُصْعَبُ بن الزُبَيْر، فقالت: هو علىَّ كظهرِ أبى إنْ تَزَوَّجْتُه. ثم رَغِبَتْ فيه بعْدُ (٧)، فاسْتَفْتَتْ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وهم يومئذٍ كثيرٌ، فأمرُوها أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وتَتَزَوَّجَه (٨)،

стр. 5651

فأعْتَقَتْنِى وتَزَوجَتْه. ورَوَى سعيدٌ (٩) هذيْنِ الخبرَيْنِ مُخْتَصَرَيْنِ، ولأنَّها زَوْجٌ أتَى بالمُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزُّور، فلَزِمَه كَفَّارَةُ الظِّهارِ كالآخَرِ، ولأنَّ الواجب كفَّارةُ يَمِينٍ، فاسْتَوَى فيها الزَّوْجانِ، كاليمينِ باللَّه تعالى. والروايةُ الثَّانية: ليس عليها كفَّارةٌ. وهو قولُ مالكٍ، والشّافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه قَوْلٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، وليس بِظِهارٍ، فلم يُوجب كفارةً، [كالسَّبِّ والقَذْف. ولأنَّه قولٌ ليس بظهارٍ، فلم يُوجب كفَارةَ] (١٠) الظِّهارِ، كسائِرِ الأقوالِ، أو تحريمٌ ممَّا لا يَصِحُّ منه الظَّهارُ، فأشْبَهَ الظِّهارَ مِن أمَتِه. والرِّوايةُ الثَّالثةُ: عليها كَفَّارَةُ اليمينِ. قال أحمدُ: [قد ذَهَب] (١١) عَطاءٌ مذهبًا حَسَنًا، جَعَلَه بمنزلةِ مَن حَرَّمَ على نفسِه شيئًا مِثْلَ الطعامِ وما أشْبَهَ. وهذا أقْيَسُ على مذهبِ أحمدَ، وأشْبَهُ بأصُولِه؛ لأنَّه ليس بظِهارٍ، ومُجَرَّدُ القولِ مِن المُنْكَر والزُّور لا يُوجِبُ كفَّارةَ الظِّهارِ، بدليلِ سائِرِ الكَذِب، والظّهارِ قبلَ العَوْد، والظّهارِ مِن أمَتِه وأمِّ وَلَدِه، ولأنَّه تحرْيمٌ لا يُثْبِتُ التَّحْريمَ فى المَحَلِّ، فلم يوُجبْ كفَّارةَ الظِّهارِ، كتَحْريمِ سائِرِ الحَلَالِ. ولأنَّه ظهارٌ مِن غيرِ امرأتِه، فأشْبَهَ الظِّهارَ مِن أمَتِه، وما رُوِىَ عن عائشةَ بنت طلحةَ، فى عِتْقِ الرَّقَبَةِ، فيَجُوزُ أَنْ يكُونَ إعْتاقُها تكْفِيرًا ليمينها، فإنَّ عِتْقَ الرَّقَبةِ أحَدُ خِصالِ كَفَّارةِ اليمينِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لكَوْنِ (١٢) الموجودِ منها ليس بظِهارٍ، وكلامُ أحمدَ، فى رواية الأثْرَمِ، لا يَقْتَضِى وُجوبَ كفَّارةَ الظِّهارِ، إنَّما قال: الأحْوَطُ أَنْ تُكَفِّرَ. وكذا حكاه ابنُ المُنْذِر. ولا شَكَّ فى أن الأحْوطَ التَّكْفيرُ بأغْلَظِ الكَفَّاراتِ، ليَخْرُجَ مِن الخلافِ، [ولكنْ ليس] (١٣) ذلك بواجبٍ عليه؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا هو فى

стр. 5652

معنى المنْصُوصِ، وإنَّما هو تحْريمٌ للحلالِ مِن غيرِ ظِهارٍ، فأشْبَهَ ما لو حَرَّم أمَتَه، أو طعامَه. وهذا قولُ عَطاءٍ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإذا قُلْنا بِوُجوبِ الكَفَّارَةِ عليها، فلا تَجِبُ عليها حتى يَطأَها وهى مُطاوِعَةٌ، فإنْ طَلَّقَها، أو ماتَ أحدُهما قبلَ وَطْئِها، أو أكْرَهَها (١٤) على الوَطْءِ، فلا كَفَّارَةَ عليها؛ لأنَّها يَمِين، فلا تَجِبُ كفَّارتُها قبلَ الحِنْثِ فيها، كسائِرِ الأيْمانِ. ولا يَجِبُ تقديمُها قبلَ المَسِيسِ، ككَفَّاراتِ سائرِ الأيْمانِ، ويجوزُ تقديمُها لذلك (١٥)، وعليها تَمْكينُ زوجِها مِن وَطْئِها قبلَ التَّكْفِيرِ؛ لأنَّه حَقٌّ له عليها، فلا يَسْقُطُ بيَمِينها، ولأنَّه ليس بظِهارٍ، وإنَّما هو تحْريمٌ لحَلَالٍ، فلا يُثْبِتُ تحْرِيمًا، كما لو حَرَّمَ طعامَه. وحُكِىَ أَنَّ ظاهرَ كلامِ أبى بكرٍ، أنَّها لا تُمَكِّنُه قبلَ التَّكْفيرِ، إلْحاقًا بالرَّجُلِ. وليس ذلك بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الرَّجُلَ الظِّهارُ منه صحيحٌ، ولا يَصِحُّ ظِهارُ المرأةِ، ولأنَّ الحِلَّ حَقُّ الرجلِ (١٦)، فمَلَكَ رَفْعَهَ، والحِلُّ حَقٌّ عليها، فلا تَمْلِكُ إزالتَه. واللَّهُ أعلمُ. ١٣٢٦ - مسألة؛ قال: (وإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زوْجَتِهِ مِرَارًا، فَلَمْ يُكَفِّرْ، فكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) هذا ظاهرُ المذهبِ، سَواءٌ كان فى مَجْلسٍ أو مَجالِسَ، يَنْوِى بذلك التَّأْكِيدَ، أو الاسْتِئْنافَ، أو أطْلَقَ. نَقَلَه عن أحمدَ جَماعةٌ. واخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ، والقاضى (١). ورُوِىَ ذلك عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْر. وهو قولُ الشَّافعىِّ القَدِيمُ. ونُقِلَ عن أحمدَ، فى مَن حَلَف أيْمانًا كثيرة، فإنْ أرادَ تأْكيدَ اليَمِينِ، فكفَّارةٌ واحدةٌ. فمَفْهومُه أنَّه إنْ نَوَى الاسْتِئْنافَ فكفَّارتانِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشّافعىُّ فى الجديدِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إنْ كان فى مجلسٍ واحدٍ، فكفَّارةٌ واحدةٌ، وإِنْ

стр. 5653

كان فى مجالِسَ، فكَفَّارَاتٌ. ورُوِىَ ذلك عن عَلِىٍّ، وعمرو بن دِينارٍ، وقتَادةَ؛ لأنَّه قولٌ يُوجِبُ تحْريمَ الزَّوْجَة، فإذا نَوَى الاسْتِئْنافَ تَعَلَّق بكُلِّ مَرةٍ حُكْمُ حالِهَا (٢)، كالطَّلاقِ. ولَنا، أنَّه قولٌ لم يُؤَثِّر تحْريمًا فى الزَّوْجَةِ، فلم تَجِبْ به كفَّارةُ الظِّهارِ، كاليمينِ باللَّهِ تعالى، ولا يَخْفَى أنَّه لم يُؤثِّر تحْريمًا، فإئها قد حُرِّمَتْ بالقولِ الأوَّلِ، ولم يَزِدْ تحريمُها، ولأنَّه لفظٌ يَتَعَلَّقُ به كفَّارةٌ، فإذا كَرَّرَه كَفاهُ كَفَّارةٌ (٣) واحدةٌ، كاليَمِينِ باللَّه تعالى (٤). وأمَّا الطَّلاقُ، فما زادَ عن الثَّلاثِ (٥)، لا يَثْبُتُ له حُكْمٌ بالإِجْماعِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه. وأمَّا الثَّالثةُ، فإنَّها تُثْبِتُ تحريمًا زائدًا، وهو التَّحريمُ قبلَ زَوْجٍ وإصابَةٍ، بخلافِ الظِّهار الثَّانى، فإنه لا يَثْبُتُ به تحريمٌ، فنَطِيرُه ما زادَ على الطَّلْقَةِ الثّالثةِ، لا يَثْبُتُ له حُكْمٌ، فكذلك الظِّهار الثَّانى. فأمّا إنْ كَفَّر عن الأوَّلِ، ثم ظاهَرَ، لَزِمَتْه للثّانى كفّارةٌ، بلا خلافٍ؛ لأنَّ الظِّهارَ الثَّانىَ مِثْلُ الأوَّلِ، فإنَّه حَرَّم الزَّوْجَةَ المُحَلَّلَةَ (٦)، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ كالأوَّلِ، بخلافِ ما قبلَ التَّكْفِيرِ. فصل: والنِّيَّةُ شَرْطٌ فى صِحَّة الكَفَّارَةِ؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات" (٧). ولأنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرَّعًا به، وعن كفَّارةٍ أُخْرَى، أو نَذْرٍ، فلم يَنْصَرِفْ إلى هذه الكفَّارةِ إلَّا بِنِيَّةٍ، وصِفَتُها أَنْ يَنْوِىَ العِتْقَ، أو الصِّيامَ، أو الإِطعامَ عن الكَفَّارَةِ، فإن (٨) زادَ الواجبةَ كان تأكيدًا، وإلَّا أجْزَأتْ نِيَّتُه الكفَّارةَ. وإِنْ نَوَى وُجُوبَها، ولم يَنْوِ الكفَّارةَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الوُجوبَ يَتَنَوَّعُ عن كفَّارةٍ ونذرٍ، فوَجَبَ تَمْيِيزُه. ومَوْضِعُ النِّيَّةِ مع التَّكْفيرِ، أو قَبْلَه بيَسِيرٍ. وهذا الذى نَصَّ عليه الشَّافعىُّ، وقال به بعضُ أصحابِه. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ حتى يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ، وإِنْ كانتِ الكفَّارةُ صيامًا

стр. 5654

اشْتُرِطَ نِيَّةُ الصِّيامِ عن الكفَّارةِ فى كلِّ لَيلةٍ؛ لقوله ﷺ : "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" (٩). وإن اجْتَمَعَتْ عليه كفَّاراتٌ مِن جنسٍ واحدٍ، لم يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِها. وبهذا قال الشّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا. فعلى هذَا، لو كان مُظاهِرًا مِن أربعِ نِساءٍ، فأعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه، أجْزَأه عن إحْداهُنَّ، وحَلَّتْ له واحدةٌ غيرُ مُعَيَّنَة؛ لأنَّه واجبٌ مِن جنسٍ واحدٍ، فأجْزَأتْه نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، كما لو كان عليه صومُ يَوْمَينِ مِن رمضانَ. وقياسُ المذهبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَتَخْرُجَ بالقُرْعَةِ المُحَلَّلَةُ مِنهنَّ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال الشّافعىُّ: له أَنْ يَصْرِفَها إلى أيَّتِهِنَّ شاءَ، فتَحِلَّ. وهذا يُفْضِى إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بينَ كونِ هذه المرأةِ مُحَلَّلَةً له، أو مُحَرَّمَةً عليه. وإِنْ كان الظِّهارُ مِن ثَلاثِ نِسْوَةٍ، فأعْتَقَ عبدًا عن إحْداهُنَّ، ثم صام شَهْرينِ مُتَتابِعَيْنِ (١٠) عن أُخْرَى، ثم مَرِضَ، فأطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا عن أُخْرَى، أجْزَأه، وحَلَّ له الجميعُ، مِن غيرِ قُرْعَةٍ ولا تَعْيِينٍ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرِعُ بينَهُنَّ، فمن تَقَعُ لها القُرْعَةُ، فالعِتْقُ لها، ثم يُقْرِع بينَ الباقِيَتَيْنِ، فمَنْ تَقَعُ لها القُرْعَةُ فالصِّيامُ لها، والإِطعامُ عن الثَّالثةِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِن هذه الخِصالِ لو انْفَرَدَتْ، احْتاجَتْ إلى قُرْعَةٍ، فكذلك إذا اجْتَمَعَتْ. ولَنا، أنَّ التَّكْفِيرَ قد حَصَلَ عن الثَّلاثِ، وزالت حُرْمَةُ الظِّهارِ، فلم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ، كما لو أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ (١١) عن ظِهارِهِنّ دَفْعَةً واحدةً. فأمّا إنْ كانت الكفّارةُ مِن أجْناسٍ؛ كظِهار، وقَتْلٍ، وجِماعٍ فى رمضانَ، ويَمِينٍ، فقال أبو الخطَّابِ: لا يَفْتَقِرُ إلى تَعْيِينِ السَّببِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنها عبادةٌ واجبةٌ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أدائِها إلى تَعْيِينِ سَبَبِها، كما لو كانتْ مِن جنسٍ واحدٍ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْيِينَ سببِها، ولا تجْزِئُ بنِيَّةٍ (١٢) مُطْلَقَةٍ. وحَكاه أصحابُ

стр. 5655

الشَّافعىِّ عن أحمدَ. وهو مذهبُ أبى حنيفة؛ لأنَّهما عِبادتانِ مِن جِنْسينِ، فوَجَبَ تعْيينُ النِّيَّةِ لهما، كما لو وَجَبَ عليه صومٌ مِن قضاءٍ ونَذْرٍ، فعلى هذا لو كانتْ عليه كفَّارةٌ واحدةٌ، لا يُعْلَمُ سَبَبُها، فَكَفَّرَ كفَّارةً واحدةً، أجْزَأه، على الوَجْهِ الأوَّلِ. قالَه أبو بكرٍ. وعلى الوجهِ الثَّانى، يَنبغى أَنْ يَلْزَمَه التَّكْفيرُ بعَدَدِ أسبابِ الكفَّاراتِ، كُلُّ واحدةٍ عن سَبَبٍ، كمَنْ نَسِىَ صلاةً مِن يوم لا يَعلمُ عينَها، فإنَّه يَلْزَمُه خمسُ صلواتٍ، ولو علمَ أَنَّ عليه صومَ يومٍ، لا يَعلمُ أمِن قضاءٍ هو، أو نَذْرٍ، لَزِمَه صومُ يَوْمَيْنِ. فإنْ كان عليه صومُ ثلاثةِ أيَّامٍ، لا يَدْرِى أهى مِن كفَّارةِ يَمينٍ، أو قضاءٍ، أو نذرٍ، لَزِمَه صومُ تِسْعةِ أيّامٍ، كُلُّ ثلاثةٍ عن واحدةٍ مِن الجِهاتِ الثّلاثِ. فصل: وإذا كانتْ على رَجُلٍ كفَّارتانِ، فأعْتَقَ عنهما عَبْدَيْنِ، لم يَخْلُ مِن أربعةِ أحوالٍ؛ أحدها، أَنْ يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن هذه الكفَّارةِ، وهذا عن هذه. فيُجْزِئُه، إجماعًا. الثانى، أن يقولَ: أعتقتُ هذا عن إحْدَى الكفَّارتَيْنِ، وهذا عن الأُخْرَى. مِن غيرِ تَعيينٍ، فينْظَرُ؛ فإنْ كانا مِن جِنْسٍ واحدٍ، ككَفَّارَتَىْ ظِهارٍ، أو كفّارَتَىْ قَتْلٍ، أجْزَأه. وإِنْ كانَا (١٣) مِن جِنْسَيْنِ، ككفَّارةِ ظهارٍ، وكفّارةِ قَتْلٍ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ فى اشْتِراطِ تَعْيِينِ السَّبَبِ؛ إنْ قُلْنا: يُشْتَرَطُ. لم يُجْزِئْه واحدٌ منهما. وإِنْ قُلْنا: لا يُشْتَرَطُ. أجْزَأهُ عنهما. الثّالثُ، أَنْ يَقُولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارتينِ. فإنْ كانتا مِن جِنْسٍ واحدٍ (١٤) أجْزَأَ عنهما، ويَقَعُ كُلُّ واحدٍ عن كفَّارةٍ؛ لأنَّ (١٥) عُرْفَ الشَّرْعِ والاسْتعمالِ إعتاقُ الرَّقَبَةِ عن الكفّارةِ، فإذا أطْلَقَ ذلك، وَجَبَ حَمْلُه عليه، وإِنْ كانتا مِن جنسينِ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ. الرَّابعُ، أَنْ يَعْتِقَ كُلَّ واحدةٍ عنهما جميعًا، فيَكونَ مُعْتِقًا عن كُلِّ واحدةٍ مِن الكفَّارتينِ نِصْفَ العَبْدَيْنِ، فيَنْبَنِى ذلك على أصلٍ آخَرَ، وهو إذا أعْتَقَ نصفَ رقبتَيْنِ عن كفَّارةٍ، هل يُجْزِئُه أو لا؟ فعلى قوْلِ الْخِرَقِىِّ يُجْزِئُه؛ لأنَّ

стр. 5656

الأشْقاصِ بمنزلةِ الأشْخاصِ، فيما لا يَمْنَعُ منه العَيْبُ اليسيرُ، بدليلِ الزّكاةِ، فإنَّ مَن مَلَكَ نصفَ ثمانينَ شاةً، كان بمنزلةِ مَن مَلَك أربعينَ، ولا تَلْزَمُ الأُضْحِيَةُ، فإنَّه يَمْنَعُ منه العَيْبُ اليَسِيرُ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ: لا يُجْزِئُه. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ ما أُمِرَ بِصَرْفِه إلى شَخْص فى الكفَّارةِ، لم يَجُزْ تَفْريقُه على اثنَيْنِ، كالمُدِّ فى الإِطْعامِ ولأصْحابِ الشّافعىِّ كهذيْنِ الوَجْهينِ، ولهم وجهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه إنْ كان باقِيهِما حُرًّا أجْزَأ (١٦)، وإلَّا فلا؛ لأنَّه متى كان باقيهما حُرًّا، حَصَل تَكْمِيلُ الأحْكامِ والتَّصَرُّفُ. وخَرَّجَه القاضى وَجْهًا لنا أيضًا، إلَّا أن للمُعْتَرِضِ عليه أَنْ يقولَ: إنَّ تكْميلَ الأحْكامِ ما حَصَل بعِتْقِ هذا، وإنَّما حَصَل بانْضِمامِه إلى عِتْقِ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يُجْزِئْه. فإذا قُلْنا: لا يُجْزِئُ عِتْقُ النِّصْفينِ. لم يُجْزِئْ فى هذه المسألةِ عن شىءٍ مِن الكفَّارَتيْنِ. وإِنْ قُلْنا: يُجْزِئُ. وكانت الكفَّارتانِ مِن جنسٍ (١٧)، أجْزَأ العِتْقُ عنهما. وإِنْ كانتا مِن جِنْسَيْنِ، فقد قِيلَ: يُخَرَّجُ على الوَجْهينِ. والصُّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ عِتْقَ النِّصْفِين عنهما كعِتْقِ عَبْدَيْنِ عنهما. فصل: ولا يجوزُ تَقْديمُ كفَّارةِ الظِّهار قَبْلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَجُوزُ تقديمُه على سَبَبه، فلو قال لعبدِه: أنت حُرٌّ السَّاعةَ عن ظِهارِى إنْ تَظَهَّرْتُ (١٨). عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن ظِهارِه إنْ ظَاهَرَ (١٩)؛ لأنَّه قَدَّم الكفَّارةَ على سَبَبِها المُخْتَصِّ، فلم يَجُزْ، كما لو قَدَّمَ كَفَّارةَ اليمينِ عليها، أو كفَّارةَ القتلِ على الجرْحِ. ولو قال لامرأتِه: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ عَلَىَّ كظهرِ أُمِّى. لم يَجُزِ التّكْفيرُ قبلَ دُخُولِ الدّارِ؛ لأنَّه تقْديمٌ للكفَّارةِ قبلَ الظِّهارِ. فإنْ أعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه، ثم دَخَلَت الدّارَ، عَتَقَ العبدُ، وصارَ مُظاهِرًا، ولم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الظِّهارَ مُعَلَّق على شرطٍ، فلا يُوجَدُ قبلَ وُجودِ شَرْطِه. وإِنْ قال لعبدِه: إنْ ظاهَرْتُ (٢٠)، فأنتَ حُرٌّ عن ظِهارِى. ثم قال لامرأتِه: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. عَتَقَ العبدُ، لوُجودِ

стр. 5657

الشَّرْطِ، وهل يُجْزِئُه عن الظِّهارِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه [عَتَقَ بعدَ الظِّهارِ، وقد نَوَى إعْتاقَه عن الكفَّارةِ. والثّانى، لا يُجْزِئُه] (٢١)؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَر، وهو الشَّرْطُ، ولأنَّ النِّيَّةَ تُوجَدْ عندَ عِتْقِ العبدِ (٢٢)، والنِّيَّةُ عندَ التَّعْليقِ لا تُجْزِئُ؛ لأنَّه تقْديمٌ لها على سَبَبِها. وإِنْ قال لعبدِه: إنْ ظاهَرْتُ (٢٣) فأنتَ حُرٌّ عن ظِهارِى. فالحُكْمُ فيه كذلك؛ لأنَّه تعليقٌ لعِتْقِه على المُظاهَرَةِ.

стр. 5658

كتابُ اللِّعان وهو مُشْتَقٌّ مِن اللَّعْنِ؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ يَلْعنُ نَفْسَه فى الخامسةِ إنْ كان كاذبًا. وقال القاضى: سُمِّىَ بذلك لأنَّ الزَّوْجينِ لا يَنْفَكَّانِ مِن أَنْ يَكُونَ أحدُهما كاذبًا، فتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عليه، وهى الطَّرْدُ والإِبْعادُ. والاصلُ فيه قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات (١). ورَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السّاعِدِىُّ، أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِىَّ، أتَى رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أرَأيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مع امرأتِه رجلًا فيَقْتُلُه (٢) فتَقْتُلُونَه، أم كيف يَفْعَلُ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "قدْ أنْزَلَ اللَّهُ (٣) فِيكَ وَفِى صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا". قال سَهْلٌ: فَتَلاعَنَا، وأنا مع الناس عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فلَمّا فَرَغا، قال عُوَيمِر: كَذَبْتُ عليها يا رسولَ اللَّه إنْ أمسَكْتُها. فَطَلَّقَها ثلاثًا [قبلَ أَنْ يأمُرَه] (٤) رسولُ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٥). وروَى أبو داودَ (٦)، بإسْنادِه عن ابن عباس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: جاء هِلَالُ بن أُمَيَّةَ، وهو أحَدُ الثَّلاثةِ الذين تابَ اللَّه عليهم، فجاء مِن أرْضِه عِشاءً، فوَجَدَ عندَ أهلِه رَجُلًا، فَرَأى بعَيْنَيْهِ، وسَمِعَ بأُذُنَيْه، فلم يَهِجْهُ (٧) حتى أصْبَحَ، ثم غَدَا على رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى جئتُ أهْلِى، فوجدْتُ عندَهم رجلًا، فرأيتُ بعينى، وسمعتُ بأُذْنِى.

стр. 5659

فكَرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، فنزلتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ [أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ] (٨)﴾ الآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا (٩) فسُرِّىَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "أبْشِرْ يَا هِلَالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". قال هلالٌ: قد كنتُ أرْجُو ذلك مِن رَبِّى ﵎. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أرْسِلُوا إلَيْهَا". [فأرْسَلُوا إليها] (١٠)، فتلَاها عليهما (١١) رسولُ اللَّه ﷺ ، وذَكَّرَهما، وأخْبَرَهما أَنَّ عذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عذابِ الدُّنيا. فقال هلالٌ: واللَّهِ لقد صَدَقْتُ عليها. فقالت: كَذَبَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا". فقِيلَ لهِلَالٍ: اشْهدْ. فشَهِدَ أربعَ شَهاداتٍ باللَّهِ إنَّه لَمِنَ الصَّادقين، فلمَّا كانتِ الخِامسةُ قيل: يا هلالُ، اتَّقِ اللَّه، فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهْوَنُ مِن عذابِ الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبَةُ التى تُوجِبُ عليك العَذَابَ. فقال: واللَّهِ لا يُعَذِّبُنى اللَّهُ عليها، كما لم يجْلدنى عليها. فشَهِدَ الخامسةَ أن لعنةَ اللَّه عليه إنْ كان مِنَ الكاذِبين. ثم قِيلَ لها: اشْهَدِى. فشَهدَتْ أربعَ شهاداتٍ باللَّه إنَّه لَمِنَ الكاذِبين، فلمَّا كانتِ الخامسةُ قيل لها: اتَّقِى اللَّهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهْوَنُ مِن عذابِ الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبةُ التى تُوجِبُ عليكِ العذابَ. فتَلَكّأتْ ساعةً، ثم قالتْ: واللَّهِ لا أفْضَحُ قومى. فشَهِدَتِ الخامسةَ، أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عليها إنْ كان مِن الصَّادقين. ففَرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينَهما، وقَضَى أَنْ لا بَيْتَ لها عليه، ولا قُوتَ، مِن أجْلِ أنَّهما يتَفَرَّقان (١٢) مِن غيرِ طَلَاقٍ، ولا مُتَوَفًّى عنها، وقال: "إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ (١٣) أُثَيْبِجَ (١٤) حَمْشَ (١٥) السَّاقَيْن، فَهُوَ

стр. 5660

لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ (١٦) جَعْدًا (١٧) جُمَالِيًّا (١٨) خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ (١٩) سَابِغَ الْألْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِى رُمِيَتْ بِهِ". فجاءت به أوْرَقَ، جَعْدًا، جُمَالِيًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ، [سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ] (٢٠)، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ". قال عِكْرِمَةُ: فكانَ بعد ذلك أميرًا على مُضَر (٢١)، وما يُدْعَى لأَبٍ (٢٢). ولأنَّ الزَّوْجٍ يُبْتَلَى بقَذْفِ امرأتِه لِيَنْفِىَ العارَ والنَّسَبَ الفاسِدَ، وتَتَعَذَّرُ عليه البَيِّنَةُ، فجُعِلَ اللِّعانُ بَيِّنةً له، ولهذا لمَّا نَزَلَتْ آيةُ اللِّعِانِ، قال النَّبىُّ ﷺ : "أبشِرْ يَا هِلَالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". ١٣٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زوْجَتَهُ الْبَالِغَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ، فَقَالَ لَهَا: زَنَيْتِ. أَوْ: يَا زانِيَةُ. أَوْ: رَأيْتُكِ تَزْنِينَ. وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ، لَزِمَهُ الْحَدُّ، إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا) . الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فُصُولٍ: أحَدُها ، فى صِفَةِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَينِ يَصِحُّ اللعِانُ منهما (١). وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ فيهما، فرُوِىَ أنَّه يَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ، سَواءٌ كانا مُسْلِمَيْنِ أو كافِرَيْنِ، أو عَدْلَيْنِ أو فاسِقَيْنِ، أو مَحْدُودَيْنِ فى قَذْفٍ، أو كان أحدُهما كذلك. وبه قال سعيدُ ابن المُسَيَّب، وسليمانُ بن يَسَارٍ، والحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وإسحاقُ. قال أحمدُ، فى روايةِ إسحاق (٢) بن منصورٍ: جميعُ الأزْواجِ يَلْتَعِنُون؛ الحُرُّ مِنَ الحُرَّةِ والأمَةِ

стр. 5661

إذا كانت زَوْجَةً، [وكذلك العَبْدُ مِن الحُرَّةِ والأمَةِ إذا كانت زَوْجَةً] (٣)، وكذلك المُسْلِمُ مِن الْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرَانِيَّة. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى: لا يَصِحُّ اللِّعانُ إلَّا مِن زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، عَدْلَيْنِ، حُريْنِ، غيرِ مَحْدُودَيْنِ فى قَذْفٍ. ورُوِىَ هذا عن الزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وحَمّادٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن مَكْحُولٍ: ليسَ بينَ المُسْلِمِ والذِّميَّةِ لِعانٌ. وعن عطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، فى الْمَحْدُودِ فى الْقَذْفِ: يُضْرَبُ الحَدَّ، ولَا يُلَاعِنُ. ورُوِىَ فيه حديث لا يَثْبُتُ. كذلك (٤) قال الشَّافِعِىُّ، والسَّاجِىُّ (٥). ولأنَّ (٦) اللِّعانَ شَهادةٌ، بدليلِ قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٧). فاسْتَثْنَى أنفُسَهُم مِن الشُّهداء. وقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ (٧). فلا يُقْبَلُ مِمَّن ليس مِن أهلِ الشهادةِ. وإِنْ كانت المرأةُ مِمَّن لا يُحَدُّ بقَذْفِها، لم يَجِبِ اللِّعانُ: لأنَّه يُرَادُ لإسْقاطِ الْحَدِّ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٨). ولا حَدَّ ههُنا، فيَنْتَفِى اللِّعانُ لاْنتِفَائِه. وذكَر القاضى، فى "المُجَرَّدِ" أنَّ مَن لا يَجِبُ الْحَدُّ بقَذْفِهَا، وهى الأمَةُ، والذِّمِّيَّةُ، والْمَحْدُودَةُ فى الزِّنَى، لِزَوْجِها لِعانُها؛ لِنَفْىِ الْوَلَدِ خاصَّةً، وليس له لِعانُها لإسْقاطِ القَذْفِ والتَّعْزِير؛ لأنَّ الحَّدَّ لا يَجبُ، واللِّعانُ إنَّما يُشْرَعُ لإسْقاطِ حَدٍّ، أو نَفْىِ وَلَدٍ، فإذا لم يكنْ واحدٌ منهما لم يُشْرَعِ اللِّعانُ. ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٧). الآيةُ، ولأنَّ اللِّعانَ يَمِينٌ، فلا يَفْتَقِرُ إلى ما شَرَطُوه، كسائِرِ الأيْمانِ، ودليلُ أنَّه يَمِينٌ قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ" (٩).

стр. 5662

وأنَّه يَفْتَقِر إلى اسْمِ اللَّه تعالى، ويَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنثى. وأمَّا تسْمِيَتُه شهادةً، فلقَوْلِه فى يَمِينه: أشْهَدُ باللَّه. فسَمَّى ذلك شهادةً وإن كان يَمِينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (١٠) ولأنَّ الزَّوْجَ يَحْتاجُ إلى نَفْىِ الوَلَدِ، فيُشْرَعُ له طريقًا إلى نَفْيِه، كما لو كانتِ امرأتُه مِمَّن يُحَدُّ بقَذْفِها. وهذه الرِّوايةُ هى المنصوصةُ عن أحمدَ، فى روايةِ الجماعةِ. وما يُخالِفها شَاذٌّ فى النَّقْل. وأمَّا قولُ الْخِرَقِىِّ: وإذا قَذَفَ زوجتَه البالغةَ الحُرَّةَ المسلمةَ. فيَحْتَمِلُ أنَّه شَرَطَ هذا لوُجوبِ الحَدِّ عليه، لا لِنَفْىِ اللِّعان. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هذا شَرْطًا عندَه فى الْمَرْأَةِ، لتَكُوَنَ مِمَّن يَجِبُ عليه الحَدُّ بقَذْفِها، فيَنْفِيَه باللِّعان، ولا يُشْتَرَطُ فى الزَّوْجِ شىءٌ مِن ذلك؛ لأنَّ الحَدَّ يَجِبُ عليه بقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وإِنْ كان ذِمِّيًّا أو فاسِقًا. فأمَّا قولُه: مُسْلِمًا كان أو كافرًا. ففيه نَظَرٌ؛ لأنَّه أوْجِبَ عليه بقَذْفِ زَوْجتِه المُسْلِمَةِ، والكافِرُ لا يَكُون زوجًا لمسلمةٍ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ لَفْظِه بحَمْلِه على أحَد شَيْئَيْنِ؛ أحدِهما: أنَّه أرادَ أَنَّ الزَّوْجَ يُلاعِنُ زَوْجتَه، وإِنْ كان كافرًا، فرَدَّ ذلك إلى اللِّعانِ، لا إلى (١١) الْحَدِّ. الثَّانى، أنَّه أرادَ ما إذا أسْلَمَتْ زوجتُه، فقذَفها فى عِدَّتِها، ثم أسْلَم الزَّوْجُ، فإنه يُلاعِنُ. فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الزَّوجةِ مَدْخُولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، فى أنَّه يُلاعِنُها. قال ابنُ المُنْذِر: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن علماءِ الأمصارِ؛ منهم عطاءٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وعمرو بن دِينارٍ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرِىُّ، وأهلُ العراقِ، والشَّافعِىُّ، بظَاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. فإنْ كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها، فلها نصفُ الصَّداقِ؛ لأنَّها فُرْقَةٌ منه (١٢). كذلك قال الحَسَنُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وقَتادةُ، ومالكٌ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا صَداقَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حَصَلَت بِلِعانِهِما جميعًا، فأشْبَهَ الفُرْقَةَ لعَيْبٍ فى أحَدِهما.

стр. 5663

فصل: فإنْ كان أحَدُ الزَّوجينِ غيرَ مُكَلَّفٍ، فلا لِعانَ بينهما؛ لأنَّه قولٌ تَحْصُلُ به الفُرْقةُ، ولا يَصِحُّ مِن غيرِ مُكَلَّفٍ، كالطَّلاق، أو يَمِينٌ، فلا تَصِحُّ مِن غيرِ الْمُكَلَّف (١٣)، كسائِرِ الأيْمَانِ. ولا يخْلُو غيرُ المُكلَّفِ مِن أَنْ يَكُونَ الزّوجَ، أو الزّوجةَ، أو هُمَا؛ فإنْ كان الزّوجَ فله حالانِ؛ أحدُهما، أَنْ يَكُونَ طِفْلًا. والثّانى، أَنْ يَكُون بالغًا زائِلَ العَقْلِ. فإنْ كان طِفْلًا لم يَصِحَّ منه القَذْفُ، ولا يَلْزَمُه به حَدٌّ؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه، وقولَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، وإِنْ أتَتِ امرأتُه بوَلَدٍ؛ نَظَرْنا، فإنْ كان لِدُونِ عشرِ سِنِين، لم يلْحَقْه الوَلَدُ، ويَكونُ مَنْفِيًّا عنه؛ لأنَّ العِلْمَ يُحِيطُ بأنَّه ليس منه، فإنّ اللَّهَ لم يُجْرِ العادَةَ بأنْ يُولَدَ له لدُونِ ذلك، فيَنْتَفِى عنه، كما لو أتَتْ به (١٤) المَرْأةُ لدونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ منذ تَزَوَّجَها. وإِنْ كان ابنَ عشرٍ (١٥) فصاعِدًا، فقال أبو بكرٍ: لا يُلْحَقُ به إلَّا بعدَ البُلُوغِ أيضًا؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يُخْلَقُ إلّا مِن ماءِ الرَّجُلِ والمرأةِ، ولو أنزَلَ لَبَلَغَ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُلْحَقُ به. قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ بالإِمكانِ، وإِنْ خالَفَ الظَّاهِرَ، ولهذا لو أتَتْ بولدٍ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ العَقْدِ، لَحِقَ بالزَّوْجِ، وإِنْ كان خلافَ الظَّاهِرِ، وكذلك يُلْحَقُ به إذا أتَتْ به لأربع سِنِينَ، مع نُدْرَتِه. وليس له نَفْيُه فى الحالِ، حتى يُتَحَقَّقَ بُلُوغُه بأحَدِ أسبابِ البُلُوغِ، فله نَفْىُ الوَلَدِ أو اسْتِلْحَاقُه (١٦). فإنْ قِيلَ: فإذا ألْحقْتُم به الوَلَدَ، فقد حَكَمْتُم بِبُلُوغِه، فهلَّا سَمِعْتُم نَفْيَه ولِعانَه؟ قُلْنا: إلْحاقُ الولدِ يَكْفِى فيه الإِمْكانُ، والبُلُوغُ لا يَثْبُتُ إلَّا بسَبَبٍ ظاهِرٍ، ولأنَّ إلْحاقَ الولدِ به حَقٌّ عليه، واللِّعانُ حَقٌّ له، فلم يَثْبُت مع الشَّكِّ. فإنْ قيل: فإنْ لم يَكنْ بالغًا انْتَفَى عنه الوَلَدُ، وإِنْ كان بالغًا انْتَفَى عنه باللِّعانِ (١٧). قُلْنا: إلَّا أنَّه لا يَجوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ اليمينَ مع الشَّكِّ فى صِحَّتِها، فسَقَطَتْ

стр. 5664

للشَّكِّ فيها. الثّانى، إذا كان زائلَ العَقْلِ لجُنُونٍ (١٨)، فلا (١٩) حُكْمَ لِقَذْفِه؛ لأنَّ القَلَمَ عنه مرفوعٌ أيضًا، وإِنْ أتَتِ امرأتُه بولدٍ، فنَسَبُه لاحِقٌ به لإِمْكَانِه، ولا سبيلَ إلى نَفْيِه مع زَوالِ عَقْلِه، فإذا عقَل، فله نَفْىُ الوَلَدِ حينئذٍ واسْتِلْحَاقُه. وإنِ ادَّعَى أنَّه كان ذاهبَ العقلِ حِينَ قَذفه، وأنْكَرَتْ ذلك، ولأحَدِهما بَيِّنَةٌ بما قال، ثَبَتَ قولُه. وإِنْ لم يَكُن لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، ولم يَكُنْ له حالةٌ عُلِمَ فيها زَوالُ عقلِه، فالقولُ قولُها مع يَمينِها؛ لأنَّ الأصلَ والظاهِرَ الصِّحَّةُ والسَّلامةُ. وإِنْ عُرِفَتْ له حالةُ جُنُونٍ، ولم تُعرَفْ له حالةُ إفاقَةٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وإِنْ عُرِفَت له حالةُ جنونٍ وحالةُ إفاقةٍ، ففيه وَجْهانِ، أحدُهما، القولُ قولُها. قال القاضى: هذا قياسُ قولِ أصحابِنا فى المَلْفُوفِ إذا ضَرَبَه فَقَدَّه، ثم ادَّعَى أنّه كان مَيِّتًا، وقال الوَلِىُّ: كان حَيًّا. والوجهُ الثّانى، أَنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِن الْحَدِّ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، ولأنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، ولا يُشْبِهُ هذا الْمَلْفُوفَ؛ لأنَّ الملفوفَ قد عُلِم أنَّه كان حَيًّا، ولم يُعْلَم منه ضِدُّ ذلك، فَنَظِيرُه فى مَسْألتِنا أنَّه يُعْرَفُ له حالةُ إفاقةٍ، ولا يُعْلَم منه ضِدُها، وفى مَسْألتِنا قد تَقَدَّم له حالةُ جنونٍ، فيَجوزُ أَنْ تَكُونَ قد اسْتَمَرَّتْ إلى حِينِ قَذْفِه. وأمَّا إنْ كانتِ الزَّوجةُ غيرَ مُكَلَّفَةٍ، فقَذَفَها الزَّوْجُ، نَظَرْنا، فإنْ كانت طِفْلةً لا يُجامَعُ مِثْلُها، فلا حَدَّ على قاذِفِها؛ لأنَّه قولٌ يُتَيَقَّن كذبُه فيه، وبَراءةُ عِرْضِها منه، فلم يَجِب به حَدٌّ كما لو قال: أهلُ الدُّنيا زُناةٌ. ولَكِنَّه يُعَزَّرُ للسَّبِّ، لا للقَذْفِ، ولا يُحتاجُ فى التَّعْزِيرِ إلى مُطالَبَةٍ؛ لأنَّه مَشْرُوعٌ لتأْديبِه، وللإِمامِ فِعْلُه إذا رأى ذلك. فإنْ كانت يُجامَعُ مثلُها، كابنةِ تسع سِنينَ، فعليه الحَدُّ، وليس لوَلِيِّها ولا لها المطالبةُ به حتى تَبْلُغَ، فإذا بَلَغَتْ فطالبتْ، فلها الحَدُّ، وله إسْقاطُه باللِّعانِ، وليس له لِعانُها قبلَ البُلُوغِ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُرادُ لإسْقاطِ الحَدِّ أو نَفْى الوَلَدِ، ولا حَدَّ عليه قبلَ بُلُوغِها، ولا وَلَدَ فَيَنْفِيَه، فإنْ أتَتْ بوَلَدٍ حُكِمَ ببُلوغِها؛ لأنَّ الحَمْلَ أحَدُ أسْبابِ البلوغِ، ولأنَّه لا يَكُونُ إلَّا مِن نُطْفَتِها، فمِن ضَرورتِه إنزالُها، وهو مِن أسبابِ بُلُوغِها.

стр. 5665

وإِنْ قَذَفَ امرأتَه المجنونةَ بِزِنًى أضَافَه إلى حالِ إفاقَتِها، أو قَذَفَها وهى عاقِلَةٌ، ثم جُنَّت، لم يَكُنْ لها المُطالبةُ، ولا لِوَلِيِّها قَبْلَ إفاقَتِها؛ لأنَّ هذا طريقُه التَّشَفِّى، فلا يَنُوبُ عنه الوَلِىُّ فيه، كالقصاصِ، فإذا أفاقَتْ فلها المُطالَبَةُ بالْحَدِّ، وللزَّوْج إسْقاطُه باللِّعانِ، وإِنْ أرادَ لِعانَها فى حالِ جُنونِها، ولا وَلَدَ يَنْفِيه، لم يَكُنْ له ذلك؛ لعدَمِ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه لم يَتَوَجَّهْ عليه حَدٌّ فيُسْقِطَه، ولا نَسَبٌ فَيَنْفِيَهُ. وإِنْ كان هناكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفيَه، فالذى يَقْتضِيه المذهبُ أنَّه لا يُلاعِن، ويَلْحَقُه الوَلدُ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَنْتَفِى باللِّعانِ مِن الزَّوْجَيْنِ، وهذه لا يَصِحُّ منها لِعانٌ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى الخَرْساءِ، أنَّ زوجَها لا يُلاعِنُ. فهذه أوْلَى. وقال الخِرَقِىُّ فى العاقِلَةِ: لا يُعْرَضُ له حتى تُطالِبَه زَوْجته. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّها أحَدُ الزَّوْجَين، فلم يُشْرَعِ اللّعانُ مع جُنونِه (٢٠)، كالزَّوْجِ، ولأنَّ لِعانَ الزَّوجِ وحدَه لا يَنْتَفِى به الوَلَدُ، فلا فائدةَ فى مَشْروعِيَّتِه. وقال القاضى: له أَنْ يُلاعِنَ لنَفْىِ الوَلَدِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ (٢١) إلى نَفْيِه، فيُشْرَعُ (٢٢) له طريقٌ إلى نَفْيه. وقال الشّافِعىُّ: له أَنْ يُلاعِنَ. وظاهِرُ مذهبه أنَّ له لِعانَها مع عَدَمِ الوَلَدِ، لدُخُولِه فى عُمُومِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ولأنَّه زَوْجٌ مُكَلَّفٌ، قاذِفٌ لامرأتِه، التى يُولَدُ لِمثْلِها، فكان له أَنْ يُلاعِنَها، كما لو كانت عاقِلَةً. فصل: فأمَّا الأخْرَسُ والخَرْساءُ؛ فإنْ كانا غيرَ مَعْلُومَى الإِشارَةِ والكِتابَةِ، فهما كالْمَجْنُونَيْنِ فيما ذكَرْناه؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ منهما لِعانٌ، ولا يُعْلَمُ مِن الزَّوجِ قَذْفٌ، ولا مِن المرأةِ مُطالَبَةٌ. وإِنْ كانا مَعْلُومَىِ الإِشارةِ والكتابةِ، فقد قال أحمدُ؛ إذا كانتِ المرأةُ خَرْساءَ لم تُلاعَنْ؛ لأنَّه لا تُعْلَمُ مُطالَبَتُها. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسْحاقَ (٢٣)، وأصحابِ الرَّأْىِ. وكذلك يَنْبغِى أَنْ يكونَ فى الأخْرَسِ؛ وذلك لأنَّ اللِّعانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلى الشَّهادَةِ، فلم يَصِحَّ مِن الأخْرسِ، كالشَّهادةِ الحقيقيَّةِ، ولأنّ

стр. 5666

الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، [والإِشارةُ ليستْ] (٢٤) صَريحَةً كالنُطْقِ، فلا (٢٥) تَخْلو مِن احتمالٍ وتَرَدُّد، فلا يَجِبُ الحَدُّ بها، كما لا يَجِبُ على أجْنَبِىٍّ بشَهادتِه. وقال القاضى، وأبو الخطَّابِ: هو كالنَّاطِقِ فى قَذْفِه ولِعانِه. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه يَصِحُّ طلاقُه، فَصَحَّ قَذْفُه ولِعانُه، كالنَّاطِقِ، ويُفارِقُ الشَّهادةَ؛ لأنَّه يُمْكِن حُصُولُها مِن غيرِه، فلم تَدْعُ الحاجةُ إلى الأخْرَسِ، وفى اللِّعانِ لا يَحْصُلُ إلَّا منه، فدَعَتِ الحاجةُ إلى قَبولِه منه، كالطَّلاقِ. والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ القذفِ وجُوبُ الحدِّ، وهو يُدْرأُ بالشُّبُهاتِ (٢٦)، ومقصودُ اللِّعانِ الأصْلىُّ نَفْىُ النَّسَبِ، وهو يَثْبُتُ بالإِمْكانِ، مع ظهورِ انْتفائِه، فلا يَنبغِى أَنْ يُشْرَعَ ما يَنْفِيه، ولا ما يُوجِبُ الحَدَّ مع الشُّبْهة العظيمةِ، ولذلك لم تُقْبَلْ شهادتُه. وقولهم: إنَّ الشَّهادةَ تَحْصُلُ مِن غيرِه. قُلْنا: قد لا تَحْصُلُ إلَّا منه؛ لاخْتصاصِه برؤيةِ المشْهودِ به (٢٧)، أو سَماعِه (٢٨) إيَّاه. فصل: فإنْ قَذَفَ الأخْرَسُ ولَاعَنَ (٢٩) ثم تَكَلَّم، فأنْكَرَ القَذْفَ واللِّعانَ، لم يُقْبَلْ إنكارُه للقَذْفِ؛ لأنَّه قد تَعَلَّق به حَقٌّ لغيرِه بحُكْم الظَّاهِرِ، فلا يُقْبَلُ إنكارُه له، ويُقْبَلُ إنكارُه للِّعانِ فيما عليه، فيُطالَبُ بالحَدِّ، ويَلْحَقُه النَّسَبُ، ولا تَعُودُ الزَّوْجِيّةُ. فإنْ قال: أنا أُلاعِنُ للحَدِّ ونَفْىِ النَّسَبِ. كان له ذلك؛ لأنَّه إنَّما لَزِمَه بإقْرارِه أنَّه لم يُلاعِنْ، فإذا أراد أَنْ يُلاعِنَ كان له ذلك. فصل: فإنْ قَذَفَها وهو ناطِقٌ، ثم خَرِسَ، وأُيِسَ مِن نُطْقِه، فَحُكْمُه حُكْمُ الأخْرَسِ (٣٠) الأَصْلِىِّ، وإِنْ رُجِىَ عَوْدُ نُطْقِه، وزَوالُ خَرَسِه، انْتُظِرَ به ذلك، ويُرْجَعُ

стр. 5667

فى مَعْرِفَةِ ذلك إلى قولِ عَدْلَيْنِ مِن أطِبَّاءِ المسلمين. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ. وذَكَرَ بعضُهم أنَّه يُلاعِنُ فى الحالَيْنِ بالإِشارةِ؛ لأنَّ أُمَامَةَ بنتَ أبى العاصِ أصْمَتَتْ، فقيل لها: لِفُلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا؟ فأشارتْ أَنْ نَعَم. فرأوا أنَّها وَصِيَّةٌ. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ مَن الرّاوِى لذلك، ولم يُعْلَم أنَّه قولُ مَن قوُله حُجَّةٌ، ولا عُلِم هل كان ذلك لخَرَس يُرْجَى زَوالُه أو لا؟ وقال أبو الخَطَّاب فى مَن اعْتُقِل لِسانُه، وأُيِسَ مِن نُطْقِه: هل يَصِحُّ لِعانُه بالإِشارَةِ؟ على وَجْهَيْنِ. فصل: وكُلُّ موضعٍ لا لِعانَ فيه، فالنَّسَبُ لَاحِقٌ فيه، ويَجِبُ بالقَذْفِ مُوجَبُه مِن الحَدِّ والتَّعْزِيرِ، إلّا أَنْ يَكُونَ القاذِفُ صَبِيًّا، أو مجنونًا، فلا ضَرْبَ فيه، ولا لِعانَ. كذلك قال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم. الفصلُ الثّانى: أنَّه لا لِعانَ بينَ غيرِ الزَّوجينِ، فإذا قَذَفَ أجْنَبِيَّةً مُحْصَنَةً، حُدَّ ولم يُلاعَن، وإِنْ لم تَكُنْ مُحْصَنَةً عُزِّرَ، ولا لِعانَ أيضًا. ولا خِلافَ فى هذا؛ وذلك (٣١) لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣٢). ثم خَصّ الزَّوْجات مِن عُمومِ هذه الآيةِ بقولِه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ففيما عَداهُنَّ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمومِ. وإِنْ مَلَكَ أمَةً، ثم قَذَفَها، فلا لِعانَ، سَواءٌ كانت فِراشًا له، أو لم تَكُنْ، ولا حَدَّ عليه بقَذْفِها، ويُعَزَّرُ. فإنْ أتَتْ بَوَلَدٍ نَظَرْنا؛ فإنْ لم يَعْتَرِفْ بوَطْئِها، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه، وإن اعْتَرَفَ بوَطْئِها، صارتْ فراشًا له. وإذا أتَتْ بِوَلَدٍ لمُدَّةِ الحَمْلِ مِن يومِ الوَطْء لَحِقَه. وبهذا قال مالكٌ، والشّافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَصِيرُ فراشًا له حتى يُقِرَّ بولدِها، فإذا أقَرَّ به صارتْ فراشًا له (٣٣)، ولَحِقَه أولادُها بعدَ ذلك؛ لأنَّها لو

стр. 5668

صارتْ فِراشًا بالوَطْءِ، [لَصارتْ فِراشًا] (٣٤) بإباحتِه، كالزَّوْجةِ. ولَنا، أَنَّ سَعْدًا نازَعَ عَبْدَ بن زَمْعَةَ فى ابنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فقال: هو أخى، وابنُ وَلِيدَةِ أبى، وُلِدَ على فِراشِه. فقال النَّبىُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بن زَمْعَة، الوْلَدُ لِلْفِرَاش، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٥). ورَوَى ابنُ عمر، أَنَّ (٣٦) عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ما بالُ رجالٍ يطأونَ ولَائِدَهم، ثم يَعْزِلُونَهُنَّ، لا تأْتينِى وليدةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُها أنَّه ألَمَّ بها، إلَّا ألحقتُ به ولدَها، فاعْزِلُوا بعدَ ذلك، أو اتْرُكُوا (٣٧). ولأنَّ الوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِه تحْريمُ المُصاهَرَةِ، فإذا كان مَشْرُوعًا صارتْ به المرأةُ فِراشًا، كالنِّكاحِ، ولأنَّ المرأةَ إنَّما سُميَتْ فِراشًا تَجَوُّزًا، إمَّا لمُضاجَعَتِه لها على الفِراش، وإمَّا لكَوْنِها تَحْتَه فى حالِ المُجَامَعَةِ، وكلا الأمْرِينِ يَحْصُلُ فى الجِماعِ، وقِياسُهم الوَطْءَ على الملكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ، ولا يَحْصُلُ منه الوَلَدُ بِدُونِ الوَطْءِ، ويُفارِقُ النِّكاحَ، فإنَّه لا يُراد إلَّا (٣٨) للوَطْءِ، ويتعلَّقُ به تحْريمُ المُصاهرةِ، ولا يَنْعَقِدُ فى مَحَلٍّ يحْرُمُ الوَطْءُ فيه، كالمَجُوسِيَّة والوَثَنِيَّة وذَواتِ (٣٩) مَحارمِه. إذا ثَبت هذا، فإنْ أراد نَفْىَ ولدِ أَمتِه التى يَلْحَقُه ولدُها، فطَرِيقُه أن يدَّعِىَ أنَّه اسْتَبْرَأَها بعدَ وَطْئِه لها بحَيْضةٍ، فيَنْتَفِى بذلك. وإن ادَّعَى أنَّه كان يَعْزِل عنها، لم يَنْتَفِ عنه بذلك، لما رَوَى جابِرٌ قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: إنَّ لى جارِيةً، وأنا أطُوفُ عليها، وأنا أكْرَهُ أن تَحْمِلَ. فقال: "اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْتَ، فإنَّه سَيَأْتِيهَا ما قُدِّرَ لَهَا". قال: فلَبِثَ الرجلُ، ثم أتاهُ، فقال: إنَّ الجاريةَ قد حَمَلَتْ. قال: "قَدْ أخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيها مَا قُدِّرَ لَهَا". رَوَاه أبو

стр. 5669

داودَ (٤٠). ورُوِىَ عن أبى سعيدٍ، أنَّه قال: كنتُ أعْزِلُ عن جارِيَتِى، فوَلَدَتْ أحَبَّ الخَلْقِ إلَىَّ (٤٠). يعنى ابْنَه. ولحديثِ عمرَ الذى ذكَرْناه. ولأنَّه حُكْمٌ تعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبرْ معه الإِنْزالُ، كسائرِ الأحْكامِ. وقد قِيل: إنَّه يَنْزِلُ من الماءِ ما لا يُحَسُّ به. وإن أقَرَّ بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، أو فى الدُّبُرِ، لم تَصِرْ بذلك فِرَاشًا؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا فى معنى المَنْصوصِ، ولأنَّه يَنْتَفِى عنه الوَلَدُ بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ إذا أتَتْ به بعدَ الاسْتِبْراءِ بمُدةِ الحَمْلِ، فههُنا أوْلَى. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ فِرَاشًا؛ لأنَّه قد يُجامِعُ، فيَسْبِقُ الماءُ إلى الفَرْجِ. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. وإذا ادَّعَى الاسْتِبْراءَ، قُبِلَ قوُله بغيرِ يَمينٍ، فى أحدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّ من قُبِلَ قولُه فى الاسْتِبْراءِ، قُبِلَ بغيرِ يَمِينٍ، كالمرأةِ تَدَّعِى انقِضاءَ عِدَّتِها. وفى الآخرِ، يُسْتَحْلفُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه ﵇: "وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٤١). ولأنَّ الاسْتِبْراءَ غيرُ مُختَصٍّ به، فلم يُقْبَلْ قولُه فيه بغيرِ يَمِينٍ، كسائرِ الحُقُوقِ، بخلافِ العِدَّةِ. ومتى لم يَدَّعِ الاستِبْراءَ، لَحِقَه وَلَدُها، ولم يَنْتَفِ عنه. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: له نَفْيُه باللِّعانِ؛ لأنَّه ولدٌ (٤٢) لم يَرْضَ به، فأشْبَهَ ولدَ المرأةِ. وَلنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. فخَصَّ بذلك الأزْواجَ، ولأنَّه وَلَدٌ يَلْحَقُه نَسَبُه من غيرِ الزَّوْجةِ، فلم يَمْلِكْ نَفْيَه باللِّعانِ، كما لو وَطِئَ أجْنَبيَّةً بشُبْهةٍ، فألْحَقَتِ القافةُ وَلَدَهَا به، ولأنَّ له طرِيقًا إلى نَفْىِ الوَلَدِ بغيرِ اللِّعانِ، فلم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه باللِّعانِ، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّه إذا وَطِئَ أمَتَه ولم يَسْتَبْرِئْها، فأتَتْ بوَلدٍ، احْتَمَلَ أن يكونَ منه، فلم يَجُزْ له نَفْيُه؛ لكَوْنِ النَّسَبِ يَلْحَقُ بالإِمْكانِ، فكيف مع [الظُّهُورِ ووُجُودِ] (٤٣) سَبَبِه! ولو ادَّعَى الاسْتِبْراءَ. فأتَتْ بوَلَدَيْنِ، فأقَرَّ بأحَدِهِما ونَفَى الآخرَ، لَحِقَاه معًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ أحَدِهما منه

стр. 5670

والآخَرِ من غيرِه، وهما حَمْلٌ واحدٌ، ولا يجوزُ نَفْىُ الولدِ المُقَرِّ به عنه [مع إقْرارِه به] (٤٤)، فوَجَبَ إلْحاقُهُما به معًا. وكذلك إن أتَتْ أمَتُه التى لم يَعْتَرِفْ بوَطْئِها بتَوْأمَيْنِ، فاعْتَرفَ بأحَدِهما، ونَفَى الآخَرَ. فصل: وإذا نَكَحَ امرأةً نِكاحًا فاسدًا، ثم قَذَفَها، وبَيْنَهُما ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله أن يُلَاعِنَ لِنَفْيِه، ولا حَدَّ عليه. وإن لم يَكُنْ بينهما ولدٌ، حُدَّ ولا لِعَانَ بينهما. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقُه الولدُ، وليس له نَفْيُه، ولا اللِّعانُ؛ لأنَّها أجْنَبيَّةٌ، فأشْبَهتْ سائرَ الأجْنبيَّاتِ، أو إذا لم يَكُنْ بينهما ولدٌ. ولَنا، أَنَّ هذا وَلَدٌ يَلْحَقُه بحُكْمِ عَقْدِ النِّكاحِ، فكان له نَفْيُه، كما لو كان النِّكاحُ صحيحًا، ويُفارِقُ إذا لم يكنْ وَلَدٌ، فإنَّه (٤٥) لا حاجةَ إلى القَذْفِ؛ لكَوْنِها أجْنبيَّةً، ويُفارِقُ سائرَ الأجْنبيَّاتِ؛ لأنَّه لا يَلْحَقُه وَلَدُهنَّ، فلا حاجةَ به إلى قَذْفِهِنَّ، ويُفارِقُ الزَّوْجةَ. فإنَّه يحْتاجُ إلى قَذْفِها مع عَدَمِ الولدِ، لكَوْنِها خانَتْه (٤٦) وغاظَتْه وأفْسَدَتْ فِرَاشَه، فإذا كان له منها ولدٌ، فالحاجةُ موجودةٌ فيهما، وإذا لَاعَنَ سَقَطَ الحَدُّ؛ لأنَّه لِعَانٌ مَشْروعٌ [نَفَى النَّسَبَ] (٤٧)، فأسْقَطَ الحَدَّ، كاللِّعانِ فى النِّكاح الصَّحيحِ. وهل يُثْبِتُ التحريمَ المُؤَبّدَ؟ فيه وَجْهان، أحدهما، يُثْبِتُه؛ لأنَّه لِعَانٌ صحيحٌ، أشْبَه لِعانَ الزَّوْجةِ. والثانى، لا يُثْبِتُه؛ لأنَّ الفُرْقةَ لم تَحْصُلْ به، فإنَّه لا نِكاحَ بينهما يَحْصُلُ قَطْعُه به، بخلافِ لِعانِ الزَّوجةِ، فإنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ به. ولو لَاعَنَها من غيرِ وَلدٍ، لم يُسْقِطِ الحدَّ، ولم يُثْبِتِ التَّحْرِيمَ المُؤَبّدَ؛ لأنَّه لِعانٌ فاسدٌ، فلم تَثْبُتْ أحكامُه. وسَواءٌ اعْتقدَ أَنَّ النِّكاحَ صحيحٌ أو لم يعتقدْ ذلك؛ لأنَّ النِّكاحَ فى نفسِه ليس بنكاحٍ صحيح، فأشْبَهَ ما لو لَاعَنَ أجنبيةً يَظُنُّها زَوْجَتَه.

стр. 5671

فصل: فلو أَبَانَ زوجَتَه، ثم قَذَفَها بِزِنًى أضَافَه إلى حالِ الزَّوْجيَّةِ، فهى كالمسألةِ قَبْلَها؛ إن كان بينهما ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله أَنَّ يَنْفِيَه باللِّعانِ، وإلَّا حُدَّ ولم يُلَاعِنْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُحَدُّ، ويَلْحَقُه الولدُ، ولا يُلَاعِنُ. وهو قولُ عطاءٍ. ووَجْهُ المذهبَيْنِ ما تقدَّم فى التى قبلَها. وقال عثمانُ البَتِّىُّ: له أَنَّ يُلَاعِنَ، وإن لم يكُنْ بينهما ولدٌ. ورُوِىَ عن ابن عباسٍ، والحسنِ، أنَّه يُلَاعِنُها؛ لأنَّه قَذْفٌ مُضافٌ إلى حالَ الزَّوْجِيَّةِ، أشْبَهَ ما لو كانتْ زَوْجَتَه. ولَنا، أنَّه إذا كان بينهما ولدٌ فبه حاجةٌ إلى القَذْفِ، فشُرِعَ، كما لو قَذَفَها وهى زَوْجَته، وإذا لم يكنْ له ولدٌ، فلا حاجةَ به إليه، وقد قَذَفَها وهى أجْنَبيَّةٌ (٤٨)، فأشْبَهَ ما لو لم يُضِفْه إلى حالِ الزَّوجيَّةِ. ومتى لَاعَنَها لِنَفْىِ وَلَدِها انْتَفَى، وسَقَطَ عنه الحَدُّ. وفى ثُبوتِ التَّحْريمِ المُؤَبَّدِ وَجْهان. وهل له أَن يُلاعِنَها قبلَ وَضْعِ الولدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّ مَنْ كان له لِعانُها بعد الوَضْعِ، كان له لِعانُها قبلَه، كالزَّوجةِ. والثانى، ليس له ذلك، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىّ؛ لأنَّ الولدَ عندَه لا يَنْتَفِى فى حالِ الحَمْل، ولأنَّ اللِّعانَ إنَّما يَثْبُتُ ههُنا لأَجْلِ الولدِ، فلم يَجُزْ أَنَّ يُلاعِنَ إلَّا بعدَ تَحَقُّقِه بوَضْعِه، بخلافِ الزَّوْجةِ، فإنَّه يجوزُ لِعانُها مع عدمِ الولدِ. وهكذا الحُكْمُ فى نَفْىِ الحملِ فى النِّكاحِ الفاسدِ. فصل: إذا اشْتَرى زَوْجَتَه الأَمَةَ، ثم أقَرَّ بوَطْئِها، ثم أَتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، كان لاحِقًا به، ولم يَنْتَفِ عنه إلَّا بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّه مُلْحَقٌ به بالوَطْءِ فى المِلْكِ دونَ النِّكاحِ، لكَوْنِ الملكِ حاضِرًا، فصار كالزَّوْج الثانى، يَلْحَقُ به الولدُ وإن أمْكَنَ أَن يكونَ من الأوَّلِ. وإن لم يكُنْ أقَرَّ بوَطْئِها، أو أقَرَّ به فأتَتْ بولدٍ لدونِ سِتّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ، كان مُلْحَقًا بالنِّكاحِ، إن أمْكَنَ ذلك، وله نَفْيُه باللِّعانِ، وهل يُثْبِتُ هذا اللعانُ التحريمَ المُؤَبَّدَ؟ على وَجْهَيْنِ. فصل: إذا قَذَفَ مُطَلَّقَتَه الرَّجْعِيّةَ، فله لعانُها، سَواءٌ كان بينهما ولدٌ أو لم يَكُنْ. قال أبو طالب: سأَلْتُ أبا عبدِ اللَّه، عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ تَطْلِيقةً أو تطْليقتَيْنِ، ثم يَقْذِفُها.

стр. 5672

قال: قال ابنُ عباسٍ: لا يُلاعِنُ، ويُجْلَدُ. وقال ابنُ عمرَ: يُلاعِنُ ما كانتْ (٤٩) فى العِدَّةِ. قال: وقولُ ابن عمرَ أجْوَدُ؛ لأنَّها زَوْجَتُه (٥٠)، وهو يَرِثُها وَتَرِثُه، فهو يُلاعِنُ. وبهذا قال جابرُ بن زيدٍ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجةٌ فكان له لِعانُها، كما لو لم يُطَلِّقْها. فصل: وإن قَذَفَ زَوْجَتَه ثم أبانَها، فله لِعانُها. نَصَّ عليه أحمدُ، سوَاءٌ كان له ولدٌ أو لم يَكُنْ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال الحسنُ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، ومكحولٌ (٥١)، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحارثُ العُكْلِىُّ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، وقتادةُ، والحَكَمُ: يُجْلَدُ. وقال حَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لأنَّ اللِّعانَ إنَّما يكونُ بينَ الزَّوْجَيْنِ، وليس هذان بزَوْجَيْنِ، ولا يُحَدُّ؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أجْنَبِيَّةً. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. وهذا قد رَمَى زَوْجتَه (٥٢)، فيدخلُ فى عُموم الآية، وإذا (٥٣) لم يُلاعِنْ وجَب الجَدُّ بعُموم قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً و﴾. ولأنَّه قاذِفٌ لِزَوْجَته، فوَجَبَ أَن يكونَ له أَن يُلاعِنَ، كما لو كانَا على النِّكاحِ إلى حالةِ اللِّعانِ. فصل: فإن قالت: قَذَفَنِى قبلَ أَن يَتَزَوَّجَنِى. وقال (٥٤): بل بَعْدَه. أو قالتْ: قَذَفنِى بعدَ ما بِنْتُ منه (٥١). وقال: بل قبلَه. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ القولَ قولُه فى أصْلِ

стр. 5673

القَذْفِ، فكذلك فى وَقْتِه. وإن قالتْ أجْنَبِيَّةٌ: قَذَفْتَنِى (٥٥). فقال: كُنْتِ زَوْجَتِى حينئذٍ. فأنْكَرَتِ الزَّوْجِيّةَ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُها. فصل: ولو قَذَفَ أجْنِبيَّةً، ثم تَزَوَّجَها، فعليه الحَدُّ، ولا يُلاعِنُ، فإنَّه (٥٦) وَجَبَ فى حالِ كَوْنِها أجْنَبيَّةً، فلم يَمْلِكِ اللِّعانَ من أجْلِه، كما لو لم يَتَزَوّجْها. وإن قَذَفَها بعدَ تَزَوُّجِها بِزِنًى أضافَه إلى ما قبلَ النِّكاحِ، حُدَّ، ولم يُلاعِنْ، سَواءٌ كان ثَمَّ ولدٌ أو لم يَكُنْ. وهو (٥٧) قولُ مالكٍ وأبى ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الحسنُ، وزُرارةُ بن أوْفَى، وأصحابُ الرَّأْىِ: له أَن يُلَاعِنَ؛ لأنَّه قَذَفَ امْرَأتَه، فيَدْخُلُ (٥٨) فى عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ولأنَّه قَذَفَ امْرَأتُه، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَها ولم يُضِفْه إلى ما قبلَ النِّكاحِ. وحَكَى الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ عن أحمدَ رِوايةً أُخْرَى كذلك. وقال الشافعىُّ: إن لم يَكُنْ ثَمَّ ولدٌ، لم يُلَاعِنْ، وإن كان بينهما ولدٌ، ففيه وَجْهان. ولَنا، أنَّه قَذَفَها قَذْفًا مُضافًا إلى حالِ البَيْنُونةِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَها وهى بائِنٌ، وفارَقَ قَذْفَ الزَّوْجةِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إليه لأنَّها غاظَتْه وخانَتْه، وإن كان بينهما ولدٌ، فهو مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، وههُنا إذا تَزَوّجَها وهو يَعْلَمُ زِنَاهَا، فهو المُفَرِّطُ فى نِكَاحِ حامِلٍ من الزِّنَى، فلا يُشْرَعُ له طَرِيقٌ إلى نَفْيِه. فصل: ولو قال لِامْرأتِه: أنْتِ طالِقٌ ثلاثًا يا زانِيَة. فنَقَلَ مُهَنَّا، قال: سألتُ أحمدَ، عن رَجُلٍ قال لِامْرَأته: أنْتِ طالقٌ يا زانِية. ثلاثًا، فقال: يُلَاعِنُ. قلتُ: فإنَّهم يقولون: يُحَدُّ، ولا يَلْزَمُها (٥٩) إلَّا واحدةٌ. قال: بِئْسَ ما يقولون. فهذا يُلَاعِنُ؛ لأنَّه قَذَفَها قبلَ الحُكْمِ بِبَيْنُونَتِها، فأشْبَهَ قَذْفَ الرَّجْعِيَّةِ. وأما فى المسألةِ الأُولَى، فإن كان بينهما ولدٌ، فإنَّه يُلَاعِنُ، لِنَفْيِه، وإِلَّا حُدَّ ولم يُلَاعِنْ؛ لأنَّه يَتَعَيَّنُ إضافةُ القَذْفِ إلى حالِ

стр. 5674

الزَّوْجيَّةِ؛ لِاسْتِحالةِ الزِّنَى منها بعدَ طَلَاقِه لها، فصار كأنَّه قال لها بعد إبَانَتِها: زَنَيْتِ إذ كُنْتِ زَوْجَتِى. على ما قَرَّرْناه. الفصل الثالث: أَنَّ كلَّ قَذْفٍ للزَّوْجةِ يَجِبُ به اللِّعَانُ، سَواءٌ قال لها: زَنَيْتِ. أو: رَأيْتُكِ تَزْنِينَ. سَواء كان القاذِفُ أعْمَى أو بَصِيرًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عبيدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ عَطاءٍ. وقال يَحيى الأنْصارىُّ، وأبو الزِّنادِ، ومالكٌ: لا يكونُ اللِّعانُ إلَّا بأحدِ أمْرَينِ: إمَّا رُؤْيةٍ، وإمَّا إنْكارٍ للحَمْل؛ لأنَّ آيةَ اللِّعانِ نَزَلَتْ فى هِلَالِ بن أُمَيّةَ، وكان قال: رأيتُ بِعَينِى، [وسَمِعْتُ بأْذُنِى] (٦٠). فلا يَثْبُتُ اللِّعانُ إلَّا فى مِثْلِه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. وهذا رَامٍ لِزَوْجَتِه، فيَدْخُلُ فى عُمومِ الآية، ولأنَّ اللِّعانَ مَعْنًى يُتَخَلَّصُ به من مُوجَبِ القَذْفِ، فشُرِعَ (٦١) فى حَقِّ كلِّ رامٍ لِزَوْجَتِه، كالبَيِّنةِ. والأخْذُ بعُمُومِ اللفْظِ أوْلَى من خُصُوصِ السَّبَبِ، ثم لم يَعْمَلُوا به فى قَوْلهِ: وسَمِعْتُ بأُذُنِى. وسَواء قَذَفَها بِزِنًى فى القُبُلِ أو فى الدُّبُرِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ اللِّعانُ بالقَذْفِ بالوَطْءِ فى الدُّبُرِ. وبَنَاهُ على أصْلِه، فى أَنَّ ذلك لا يَجبُ به الحَدُّ. ولَنا، أنَّه رامٍ لِزَوْجَتِه بوَطءٍ فى فرْجِها، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَها بالوَطْءِ فى قُبُلِها. وأما إن قَذَفَها بالوَطْءِ دَونَ الفَرْجِ، أو بشىءٍ من الفَواحِش غيرِ الزِّنَى، فلا حَدَّ عليه، ولا لِعانَ؛ لأنَّه قَذَفَها بما لا يَجِبُ به الحَدُّ، فلم يَثْبُتْ به الحَدُّ واللِّعانُ، كما لو قَذَفَها بضَرْب الناسِ وأذَاهُم (٦٢). الفصل الرابع: أنَّه إذا قَذَفَ زَوْجَتَه المُحْصَنَةَ، وَجَبَ عليه الحَدُّ، وحُكِمَ بفِسْقِه، ورَدِّ (٦٣) شَهادَتِه، إلَّا أَنَّ يَأْتِىَ بِبَيِّنةٍ أو يُلاعِنَ، فإن لم يَأْتِ بأرْبَعةِ شُهَداءَ، أو امْتَنَعَ من اللِّعانِ، لَزِمَه ذلك كلُّه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ

стр. 5675

اللِّعانُ دُونَ الحَدِّ، فإن أبَى حُبِسَ حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. الآيات. فلم يُوجِبْ بقَذْفِ الأَزْواجِ إلَّا اللِّعانَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وهذا عامٌّ فى الزَّوْجِ وغيرِه، وإنَّما خَصَّ الزَّوْجَ بأن أقَامَ لِعانَه مُقامَ الشَّهادةِ، فى نَفْى الحَدِّ والفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهادةِ عنه. وأيضًا قولُ النَّبىِّ ﷺ : "الْبَيّنةُ وإِلَّا حَدٌّ فى ظَهْرِكَ" (٦٤). وقولُه له (٦٥) لمَّا لَاعَنَ: "عَذَابُ الدُّنْيا أهْوَنُ من عَذابِ الآخِرَةِ" (٦٤). ولأنَّه قاذِفٌ يَلْزَمُه الحَدُّ لو أكْذَبَ نَفْسَه، فلَزِمَه إذا لم (٦٦) يَأْتِ بالبَيِّنةِ المَشْرُوعةِ، كالأجْنِبىِّ. فأما إن قَذَفَ [غيرَ مُحْصَنَةٍ] (٦٧) كالكِتابِيَّةِ، والأَمَةِ، والمجنونةِ، والطِّفْلةِ، فإنَّه يَجِبُ عليه التَّعْزيرُ بذلك؛ لأنَّه أدْخَلَ عليهنَّ المَعَرّةَ بالقَذْفِ؛ ولا يُحَدُّ لهنَّ حَدًّا كامِلًا لِنُقْصانِهِنَّ بذلك، ولا يتَعَلَّقُ به فِسْقٌ، ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. قال القاضى: وليس له إسْقاطُ هذا التَّعْزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لِنَفْىِ النَّسَبِ، أو لِدَرْءِ الحَدِّ، وليس ههُنا واحدٌ منهما. وقال الشافعىُّ: له إسْقاطُه باللِّعانِ؛ لأنَّه إذا مَلَكَ إسْقاطَ الحدِّ الكاملِ باللِّعانِ، فإسْقاطُ ما دُونَه أَوْلَى. وللقاضِى أَن يقولَ: لا يَلْزَمُ من مَشْرُوعِيّتِه لِدَفْعِ الحَدِّ الذى يَغظُمُ ضَرَرُه، مَشْرُوعِيّتُه لدَفْعِ ما يَقِلُ ضَرَرُه، كما لو قَذَفَ طِفْلةً لايتصَوَّرُ وَطْوها، فإنَّه يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ والأَذَى، وليس له إسْقاطُه باللِّعانِ. كذا ههُنا. وأمَّا إن كان لأحَدِ هؤلاءِ، ولا يُرِيدُ نَفْيَه، فقال القاضِى: له أَن يُلاعِنَ لِنَفْيِه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى الأَمَةِ والكِتابيةِ، سَواءٌ كان لهما ولدٌ أو لم يَكُنْ. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مَضَى.
следующие страницы →