← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

فصل: فلو أَبَانَ زوجَتَه، ثم قَذَفَها بِزِنًى أضَافَه إلى حالِ الزَّوْجيَّةِ، فهى كالمسألةِ قَبْلَها؛ إن كان بينهما ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله أَنَّ يَنْفِيَه باللِّعانِ، وإلَّا حُدَّ ولم يُلَاعِنْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُحَدُّ، ويَلْحَقُه الولدُ، ولا يُلَاعِنُ. وهو قولُ عطاءٍ. ووَجْهُ المذهبَيْنِ ما تقدَّم فى التى قبلَها. وقال عثمانُ البَتِّىُّ: له أَنَّ يُلَاعِنَ، وإن لم يكُنْ بينهما ولدٌ. ورُوِىَ عن ابن عباسٍ، والحسنِ، أنَّه يُلَاعِنُها؛ لأنَّه قَذْفٌ مُضافٌ إلى حالَ الزَّوْجِيَّةِ، أشْبَهَ ما لو كانتْ زَوْجَتَه. ولَنا، أنَّه إذا كان بينهما ولدٌ فبه حاجةٌ إلى القَذْفِ، فشُرِعَ، كما لو قَذَفَها وهى زَوْجَته، وإذا لم يكنْ له ولدٌ، فلا حاجةَ به إليه، وقد قَذَفَها وهى أجْنَبيَّةٌ (٤٨)، فأشْبَهَ ما لو لم يُضِفْه إلى حالِ الزَّوجيَّةِ. ومتى لَاعَنَها لِنَفْىِ وَلَدِها انْتَفَى، وسَقَطَ عنه الحَدُّ. وفى ثُبوتِ التَّحْريمِ المُؤَبَّدِ وَجْهان. وهل له أَن يُلاعِنَها قبلَ وَضْعِ الولدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّ مَنْ كان له لِعانُها بعد الوَضْعِ، كان له لِعانُها قبلَه، كالزَّوجةِ. والثانى، ليس له ذلك، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىّ؛ لأنَّ الولدَ عندَه لا يَنْتَفِى فى حالِ الحَمْل، ولأنَّ اللِّعانَ إنَّما يَثْبُتُ ههُنا لأَجْلِ الولدِ، فلم يَجُزْ أَنَّ يُلاعِنَ إلَّا بعدَ تَحَقُّقِه بوَضْعِه، بخلافِ الزَّوْجةِ، فإنَّه يجوزُ لِعانُها مع عدمِ الولدِ. وهكذا الحُكْمُ فى نَفْىِ الحملِ فى النِّكاحِ الفاسدِ. فصل: إذا اشْتَرى زَوْجَتَه الأَمَةَ، ثم أقَرَّ بوَطْئِها، ثم أَتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، كان لاحِقًا به، ولم يَنْتَفِ عنه إلَّا بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّه مُلْحَقٌ به بالوَطْءِ فى المِلْكِ دونَ النِّكاحِ، لكَوْنِ الملكِ حاضِرًا، فصار كالزَّوْج الثانى، يَلْحَقُ به الولدُ وإن أمْكَنَ أَن يكونَ من الأوَّلِ. وإن لم يكُنْ أقَرَّ بوَطْئِها، أو أقَرَّ به فأتَتْ بولدٍ لدونِ سِتّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ، كان مُلْحَقًا بالنِّكاحِ، إن أمْكَنَ ذلك، وله نَفْيُه باللِّعانِ، وهل يُثْبِتُ هذا اللعانُ التحريمَ المُؤَبَّدَ؟ على وَجْهَيْنِ. فصل: إذا قَذَفَ مُطَلَّقَتَه الرَّجْعِيّةَ، فله لعانُها، سَواءٌ كان بينهما ولدٌ أو لم يَكُنْ. قال أبو طالب: سأَلْتُ أبا عبدِ اللَّه، عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ تَطْلِيقةً أو تطْليقتَيْنِ، ثم يَقْذِفُها.

стр. 5672

قال: قال ابنُ عباسٍ: لا يُلاعِنُ، ويُجْلَدُ. وقال ابنُ عمرَ: يُلاعِنُ ما كانتْ (٤٩) فى العِدَّةِ. قال: وقولُ ابن عمرَ أجْوَدُ؛ لأنَّها زَوْجَتُه (٥٠)، وهو يَرِثُها وَتَرِثُه، فهو يُلاعِنُ. وبهذا قال جابرُ بن زيدٍ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجةٌ فكان له لِعانُها، كما لو لم يُطَلِّقْها. فصل: وإن قَذَفَ زَوْجَتَه ثم أبانَها، فله لِعانُها. نَصَّ عليه أحمدُ، سوَاءٌ كان له ولدٌ أو لم يَكُنْ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال الحسنُ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، ومكحولٌ (٥١)، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحارثُ العُكْلِىُّ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، وقتادةُ، والحَكَمُ: يُجْلَدُ. وقال حَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لأنَّ اللِّعانَ إنَّما يكونُ بينَ الزَّوْجَيْنِ، وليس هذان بزَوْجَيْنِ، ولا يُحَدُّ؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أجْنَبِيَّةً. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. وهذا قد رَمَى زَوْجتَه (٥٢)، فيدخلُ فى عُموم الآية، وإذا (٥٣) لم يُلاعِنْ وجَب الجَدُّ بعُموم قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً و﴾. ولأنَّه قاذِفٌ لِزَوْجَته، فوَجَبَ أَن يكونَ له أَن يُلاعِنَ، كما لو كانَا على النِّكاحِ إلى حالةِ اللِّعانِ. فصل: فإن قالت: قَذَفَنِى قبلَ أَن يَتَزَوَّجَنِى. وقال (٥٤): بل بَعْدَه. أو قالتْ: قَذَفنِى بعدَ ما بِنْتُ منه (٥١). وقال: بل قبلَه. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ القولَ قولُه فى أصْلِ

стр. 5673

القَذْفِ، فكذلك فى وَقْتِه. وإن قالتْ أجْنَبِيَّةٌ: قَذَفْتَنِى (٥٥). فقال: كُنْتِ زَوْجَتِى حينئذٍ. فأنْكَرَتِ الزَّوْجِيّةَ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُها. فصل: ولو قَذَفَ أجْنِبيَّةً، ثم تَزَوَّجَها، فعليه الحَدُّ، ولا يُلاعِنُ، فإنَّه (٥٦) وَجَبَ فى حالِ كَوْنِها أجْنَبيَّةً، فلم يَمْلِكِ اللِّعانَ من أجْلِه، كما لو لم يَتَزَوّجْها. وإن قَذَفَها بعدَ تَزَوُّجِها بِزِنًى أضافَه إلى ما قبلَ النِّكاحِ، حُدَّ، ولم يُلاعِنْ، سَواءٌ كان ثَمَّ ولدٌ أو لم يَكُنْ. وهو (٥٧) قولُ مالكٍ وأبى ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الحسنُ، وزُرارةُ بن أوْفَى، وأصحابُ الرَّأْىِ: له أَن يُلَاعِنَ؛ لأنَّه قَذَفَ امْرَأتَه، فيَدْخُلُ (٥٨) فى عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ولأنَّه قَذَفَ امْرَأتُه، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَها ولم يُضِفْه إلى ما قبلَ النِّكاحِ. وحَكَى الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ عن أحمدَ رِوايةً أُخْرَى كذلك. وقال الشافعىُّ: إن لم يَكُنْ ثَمَّ ولدٌ، لم يُلَاعِنْ، وإن كان بينهما ولدٌ، ففيه وَجْهان. ولَنا، أنَّه قَذَفَها قَذْفًا مُضافًا إلى حالِ البَيْنُونةِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَها وهى بائِنٌ، وفارَقَ قَذْفَ الزَّوْجةِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إليه لأنَّها غاظَتْه وخانَتْه، وإن كان بينهما ولدٌ، فهو مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، وههُنا إذا تَزَوّجَها وهو يَعْلَمُ زِنَاهَا، فهو المُفَرِّطُ فى نِكَاحِ حامِلٍ من الزِّنَى، فلا يُشْرَعُ له طَرِيقٌ إلى نَفْيِه. فصل: ولو قال لِامْرأتِه: أنْتِ طالِقٌ ثلاثًا يا زانِيَة. فنَقَلَ مُهَنَّا، قال: سألتُ أحمدَ، عن رَجُلٍ قال لِامْرَأته: أنْتِ طالقٌ يا زانِية. ثلاثًا، فقال: يُلَاعِنُ. قلتُ: فإنَّهم يقولون: يُحَدُّ، ولا يَلْزَمُها (٥٩) إلَّا واحدةٌ. قال: بِئْسَ ما يقولون. فهذا يُلَاعِنُ؛ لأنَّه قَذَفَها قبلَ الحُكْمِ بِبَيْنُونَتِها، فأشْبَهَ قَذْفَ الرَّجْعِيَّةِ. وأما فى المسألةِ الأُولَى، فإن كان بينهما ولدٌ، فإنَّه يُلَاعِنُ، لِنَفْيِه، وإِلَّا حُدَّ ولم يُلَاعِنْ؛ لأنَّه يَتَعَيَّنُ إضافةُ القَذْفِ إلى حالِ

стр. 5674

الزَّوْجيَّةِ؛ لِاسْتِحالةِ الزِّنَى منها بعدَ طَلَاقِه لها، فصار كأنَّه قال لها بعد إبَانَتِها: زَنَيْتِ إذ كُنْتِ زَوْجَتِى. على ما قَرَّرْناه. الفصل الثالث: أَنَّ كلَّ قَذْفٍ للزَّوْجةِ يَجِبُ به اللِّعَانُ، سَواءٌ قال لها: زَنَيْتِ. أو: رَأيْتُكِ تَزْنِينَ. سَواء كان القاذِفُ أعْمَى أو بَصِيرًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عبيدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ عَطاءٍ. وقال يَحيى الأنْصارىُّ، وأبو الزِّنادِ، ومالكٌ: لا يكونُ اللِّعانُ إلَّا بأحدِ أمْرَينِ: إمَّا رُؤْيةٍ، وإمَّا إنْكارٍ للحَمْل؛ لأنَّ آيةَ اللِّعانِ نَزَلَتْ فى هِلَالِ بن أُمَيّةَ، وكان قال: رأيتُ بِعَينِى، [وسَمِعْتُ بأْذُنِى] (٦٠). فلا يَثْبُتُ اللِّعانُ إلَّا فى مِثْلِه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. وهذا رَامٍ لِزَوْجَتِه، فيَدْخُلُ فى عُمومِ الآية، ولأنَّ اللِّعانَ مَعْنًى يُتَخَلَّصُ به من مُوجَبِ القَذْفِ، فشُرِعَ (٦١) فى حَقِّ كلِّ رامٍ لِزَوْجَتِه، كالبَيِّنةِ. والأخْذُ بعُمُومِ اللفْظِ أوْلَى من خُصُوصِ السَّبَبِ، ثم لم يَعْمَلُوا به فى قَوْلهِ: وسَمِعْتُ بأُذُنِى. وسَواء قَذَفَها بِزِنًى فى القُبُلِ أو فى الدُّبُرِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ اللِّعانُ بالقَذْفِ بالوَطْءِ فى الدُّبُرِ. وبَنَاهُ على أصْلِه، فى أَنَّ ذلك لا يَجبُ به الحَدُّ. ولَنا، أنَّه رامٍ لِزَوْجَتِه بوَطءٍ فى فرْجِها، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَها بالوَطْءِ فى قُبُلِها. وأما إن قَذَفَها بالوَطْءِ دَونَ الفَرْجِ، أو بشىءٍ من الفَواحِش غيرِ الزِّنَى، فلا حَدَّ عليه، ولا لِعانَ؛ لأنَّه قَذَفَها بما لا يَجِبُ به الحَدُّ، فلم يَثْبُتْ به الحَدُّ واللِّعانُ، كما لو قَذَفَها بضَرْب الناسِ وأذَاهُم (٦٢). الفصل الرابع: أنَّه إذا قَذَفَ زَوْجَتَه المُحْصَنَةَ، وَجَبَ عليه الحَدُّ، وحُكِمَ بفِسْقِه، ورَدِّ (٦٣) شَهادَتِه، إلَّا أَنَّ يَأْتِىَ بِبَيِّنةٍ أو يُلاعِنَ، فإن لم يَأْتِ بأرْبَعةِ شُهَداءَ، أو امْتَنَعَ من اللِّعانِ، لَزِمَه ذلك كلُّه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ

стр. 5675

اللِّعانُ دُونَ الحَدِّ، فإن أبَى حُبِسَ حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. الآيات. فلم يُوجِبْ بقَذْفِ الأَزْواجِ إلَّا اللِّعانَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وهذا عامٌّ فى الزَّوْجِ وغيرِه، وإنَّما خَصَّ الزَّوْجَ بأن أقَامَ لِعانَه مُقامَ الشَّهادةِ، فى نَفْى الحَدِّ والفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهادةِ عنه. وأيضًا قولُ النَّبىِّ ﷺ : "الْبَيّنةُ وإِلَّا حَدٌّ فى ظَهْرِكَ" (٦٤). وقولُه له (٦٥) لمَّا لَاعَنَ: "عَذَابُ الدُّنْيا أهْوَنُ من عَذابِ الآخِرَةِ" (٦٤). ولأنَّه قاذِفٌ يَلْزَمُه الحَدُّ لو أكْذَبَ نَفْسَه، فلَزِمَه إذا لم (٦٦) يَأْتِ بالبَيِّنةِ المَشْرُوعةِ، كالأجْنِبىِّ. فأما إن قَذَفَ [غيرَ مُحْصَنَةٍ] (٦٧) كالكِتابِيَّةِ، والأَمَةِ، والمجنونةِ، والطِّفْلةِ، فإنَّه يَجِبُ عليه التَّعْزيرُ بذلك؛ لأنَّه أدْخَلَ عليهنَّ المَعَرّةَ بالقَذْفِ؛ ولا يُحَدُّ لهنَّ حَدًّا كامِلًا لِنُقْصانِهِنَّ بذلك، ولا يتَعَلَّقُ به فِسْقٌ، ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. قال القاضى: وليس له إسْقاطُ هذا التَّعْزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لِنَفْىِ النَّسَبِ، أو لِدَرْءِ الحَدِّ، وليس ههُنا واحدٌ منهما. وقال الشافعىُّ: له إسْقاطُه باللِّعانِ؛ لأنَّه إذا مَلَكَ إسْقاطَ الحدِّ الكاملِ باللِّعانِ، فإسْقاطُ ما دُونَه أَوْلَى. وللقاضِى أَن يقولَ: لا يَلْزَمُ من مَشْرُوعِيّتِه لِدَفْعِ الحَدِّ الذى يَغظُمُ ضَرَرُه، مَشْرُوعِيّتُه لدَفْعِ ما يَقِلُ ضَرَرُه، كما لو قَذَفَ طِفْلةً لايتصَوَّرُ وَطْوها، فإنَّه يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ والأَذَى، وليس له إسْقاطُه باللِّعانِ. كذا ههُنا. وأمَّا إن كان لأحَدِ هؤلاءِ، ولا يُرِيدُ نَفْيَه، فقال القاضِى: له أَن يُلاعِنَ لِنَفْيِه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى الأَمَةِ والكِتابيةِ، سَواءٌ كان لهما ولدٌ أو لم يَكُنْ. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مَضَى.

стр. 5676

١٣٢٨ - مسألة؛ قال: (ولا يُعْرَضُ لَهُ، حَتَّى تُطَالِبَه زوْجَتُهُ) . يعنى لا يُتَعَرَّضُ له بإقامةِ الحَدِّ عليه، ولاطَلَبِ اللِّعانِ منه، حتى تُطالِبَه زوجتُه بذلك؛ فإنَّ ذلك حَقٌّ لها، فلا يُقامُ من غيرِ طَلَبِها، كسائرِ حُقُوقِها. وليس لِوَلِيِّها المُطالبةُ عنها إن كانت مَجْنونةً أو مَحْجُورًا عليها، ولا لِوَلِىِّ الصغيرةِ وسَيِّدِ الأمةِ المُطالبةُ بالتَّعْزيرِ من أجْلِهما؛ لأنَّ هذا حَقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّى، فلا يقومُ الغَيْرُ فيه مَقامَ المُسْتَحِقِّ، كالقصَاص. فإن أراد الزَّوجُ اللِّعانَ من غيرِ مُطالَبةٍ، نظَرْنا؛ فإن لم يكُنْ هناك نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، لم يكُنْ له أَن يُلَاعِنَ، وكذلك كلُّ موضعٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ، مثل إن أقَام البَيِّنةَ بِزِنَاها، أو أبْرَأَتْه من قَذْفِها، أو حُدَّ لها ثم أراد لِعانَها، ولا نَسَبَ هناك يُنْفَى، فإنَّه لا يُشْرَعُ اللِّعانُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا بعضَ أصحابِ الشافعىِّ قالوا: له المُلاعَنةُ؛ لإِزالةِ الفِرَاشِ. والصحِيحُ عندَهم مثلُ قولِ الجماعةِ؛ لأنَّ إزالةَ الفِرَاشِ مُمْكِنَةٌ (١) بالطَّلاقِ، والتَّحريمُ المُؤَبّدُ ليس (٢) بمَقْصُودٍ يُشْرَعُ (٣) اللِّعانُ من أجْلِه، وإنَّما حَصَلَ ذلك ضِمْنًا. فأمَّا إن كان هناك ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فقال القاضى: له أَن يُلَاعِنَ لِنَفْيِه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هِلالَ بن أُمَيّةَ لما قَذَفَ امرأتَه، وأتَى النَّبِىَّ ﷺ فأخْبَرَه، أرْسَلَ إليها، فلَاعَنَ بينهما، ولم تَكُنْ طالَبَتْهُ (٤). ولأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، فشُرِعَ (٥) له طَرِيقٌ إليه، كما لو طالَبَتْه، ولأنَّ نَفْىَ النَّسَبِ الباطلِ حَقٌّ له، فلا يَسْقُطُ برِضَاها به، كما لو طالَبَتْ باللِّعانِ ورَضِيَتْ بالوَلَدِ. ويَحْتَمِلُ أَن لا يُشْرَعَ اللعانُ ههُنا، كَما لو قَذَفَها فصَدَّقَتْه، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحَدُ مُوجَبَى

стр. 5677

القَذْفِ، فلا يُشْرَعُ مع عَدَمِ المُطالَبةِ، كالحَدِّ. فصل: وإذا قَذَفَها ثم مات قبلَ لِعانِهما، أو قبلَ إتْمامِ (٦) لِعانِه، سَقَطَ اللعانُ، ولَحِقَه الولدُ (٧)، وورِثَتْه، فى قولِ الجميعِ؛ لأنَّ اللِّعانَ لم يُوجَدْ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه. وإن مات بعدَ أَن أكْمَلَ لِعانَه، وقبلَ لِعانِها، فكذلك. وقال الشافعىُّ: تَبِينُ بلِعانِه، ويَسْقُطُ (٨) التَّوارُثُ، ويَنْتَفِى الولدُ، ويَلْزَمُها الحَدُّ، إلَّا أَنَّ تَلْتَعِنَ. ولَنا، أنَّه مات قبلَ إكْمالِ اللِّعانِ، أشْبَهَ ما لو مات قبلَ إكْمالِ الْتِعانِه (٩)، وذلك لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما رَتَّبَ هذه الأحكامَ على اللِّعانِ التامِّ (١٠)، والحُكْمُ لا يَثْبُتُ قبلَ كَمالِ سَبَبِه. وإن ماتَتِ المرأةُ قبلَ اللِّعانِ، فقد ماتتْ على الزَّوْجيَّةِ، ويَرِثُها فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ. ورُوِىَ عن ابنٍ عباسٍ: إن الْتَعَنَ، لم يَرِثْ. ونحوُ ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وعِكْرِمةَ؛ لأنَّ اللِّعانَ يوُجِبُ فُرْقةً تَبِينُ بها، فمَنَعَ (١١) التَّوارُثَ، كما لو الْتَعَنَ فى حَياتِها. ولَنا، أنَّها ماتتْ على الزَّوْجِيَّةِ، فوَرِثها، كما لو لم يَلْتَعِنْ، ولأنَّ اللِّعانَ سَبَبُ الفُرْقَة فلم يَثْبُتْ حُكْمُه (١٢) بعدَ مَوْتِها كالطَّلاقِ، وفارَقَ اللِّعانَ فى الحياةِ، فإنه يَقْطَعُ الزَّوْجِيَّةَ، على أنَّنا قد ذكَرْنا أنَّه لو لَاعَنَها ولم تَلْتَعِنْ هى، لم تَنْقَطِعِ الزَّوْجِيَّةُ أيضًا، فههُنا أَوْلَى. فإن قيل: أليس قد قُلْتُمْ: لو الْتَعَنَ من الوَلَدِ المَيِّتِ ونَفَاه لم يَرِثْه فكذلك الزَّوجةُ؟ قُلْنا: لو الْتَعَنَ الزَّوجُ وحدَه دُونَها، لم يَنْتَفِ الولدُ، ولم يَثْبُتْ حُكْمُ اللِّعانِ، على ما ذكرنا، ثُمَّ الفَرْقُ بينهما أنَّه إذا نَفَى الولدَ، تَبَيّنَّا أنَّه لم يَكُنْ منه أصْلًا فى حالٍ من الأحوالِ، والزَّوجةُ قد كانتْ امْرَأَتَه فيما قبلَ اللِّعانِ، وإنَّما يُزِيلُ نِكاحَها اللعانُ (١٣)، كما يُزِيلُه الطَّلاقُ. فإذا ماتتْ قبلَه، فقد

стр. 5678

ماتتْ قبلَ وُجودِ ما يُزِيلُه، فيكونُ موجودًا حالَ الموتِ، فيوُجِبُ التَّوارُثَ، ويَنْقَطِعُ بالمَوْتِ، فلا يُمْكِنُ انْقِطاعُه مَرَّةً أخرى. وإن أراد الزَّوجُ اللِّعانَ، ولم تكُنْ طالبَتْ بالحَدِّ فى حياتِها، لم يكُنْ له أَن يَلْتَعِنَ، سَواءٌ كان ثَمَّ ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه أو لم يكُنْ. وقال الشافعىُّ: إن كان ثَمَّ ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله أَن يَلْتَعِنَ. وهذا يَنْبَنِى على أصْلٍ، وهو أَنَّ اللِّعانَ إنَّما يكونُ بين الزَّوْجينِ، فإنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ وحدَه لا يَثْبُتُ به حُكْمٌ، وعندَهم بخِلافِ ذلك. فأمَّا إن كانتْ طالَبَتْ بالحَدِّ فى حياتِها، فإنَّ أوْلِياءَها يقُومون فى الطَّلَبِ به مَقامَها، فإن طُولِبَ به، فله إسْقاطُه باللِّعانِ. ذكَره القاضى، وإلَّا فلا؛ لأنَّه (١٤) لا حاجةَ إليه مع عَدَم الطَّلَبِ، فإنَّه لا حَدَّ عليه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن كان للمرأةِ وارِثٌ غيرَ الزَّوجِ، فله اللِّعانُ، لِيُسْقِطَ الحَدِّ عن نَفْسِه، وإلَّا فلا؛ لعَدَمِ الحاجةِ إليه. فصل: وإذا مات المَقْذُوفُ قبلَ المُطالبةِ بالحَدِّ، سَقَطَ، ولم يكُنْ لوَرَثَتِه الطلبُ به. وقال أصحابُ الشافعىِّ يُورَثُ، وإن لم يكنْ طالَبَ به؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ حَقًّا فلِوَرَثَتِه" (١٥). ولأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ (١٦) له فى الحياةِ، يُورَثُ إذا طالَبَ به، فيُورَثُ وإن لم يُطَالِبْ به، كحَقِّ القِصَاصِ. ولَنا، أنَّه حَدُّ تُعْتَبرُ فيه المُطالبةُ، فإذا لم يُوجَدِ الطَّلَبُ من المالِكِ، لم يَجِبْ، كحدِّ القَطْع فى السَّرقةِ، والحديثُ يَدُلُّ على أَن الحَقَّ المَتْرُوكَ يُورَثُ، وهذا ليس بمَتْرُوكِ، وأمَّا حَقُّ القِصَاص، فإنَّه حقٌّ يجوزُ الاعْتِياضُ عنه، ويَنْتَقِلُ إلى المالِ، بخِلافِ ما نحن فيه، فأمَّا إن طالَبَ به ثم مات، فإنَّه تَرِثُه العَصَباتُ من النَّسَبِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه حقُّ يَثْبُتُ لِدَفْعِ العارِ، فاخْتَصَّ به العَصَباتُ، كوِلَايةِ النكاحِ. وهذا أحدُ الوُجُوهِ لأصحابِ الشافعىِّ. ومتى ثَبَتَ للعَصبَاتِ، فلهم اسْتِيفاؤُه. وإن طَلَبَ أحَدُهم وحدَه، فله اسْتِيفاؤُه. وإن عَفَى بَعْضُهم، لم يَسْقُطْ، وكان للباقِينَ استيفاؤُه. ولو بَقِىَ واحدٌ، كان له استيفاءُ جَمِيعِه؛ لأنَّه حقٌّ يُرَادُ للرَّدْعِ

стр. 5679

والزَّجْرِ، فلم يتَبَعّضْ، كسائرِ الحُدُودِ، ولا يَسْقُطُ بإسْقاطِ البعضِ؛ لأنَّه يرادُ لِدَفْعِ العارِ عن المَقْذُوفِ، كلُّ واحدٍ من العَصَباتِ يقومُ مقامَه فى اسْتِيفائِه، فيَثْبُتُ له جَمِيعُه، كوِلايةِ النِّكاحِ، ويُفارِقُ حقَّ القِصَاصِ؛ لأنَّ ذلك يفوتُ إلى بَدَلٍ، ولو أسْقَطْناه ههُنا، لَسَقَطَ حَقُّ غيرِ العافِى إلى غيرِ (١٧) بدلٍ. فعلى هذا، لو قَذَفَ امْرَأتَه فماتَتْ بعدَ المُطالبةِ، ولها أحدٌ من عَصَباتِها غيرُه، فله اسْتِيفاؤُه، وإن كان زَوْجُها عَصَبَتَها، وليس لها أحدٌ سِوَاهُ، سَقَطَ. وإن كان لها من عَصَبَتِها غيرُه، فله الطَّلَبُ به، ولا يَسْقُطُ؛ لما (١٨) ذَكَرْنا، من أنَّه يكْمُلُ لكلِّ واحدٍ، بخِلافِ القِصَاص. فصل: وإذا قَذَفَ امرأتَه، وله بَيِّنة، تَشْهَدُ بزِنَاها، فهو مُخَيَّرٌ بين لِعَانِها وبين إقامةِ البَيِّنةِ؛ لأنَّهما بَيِّنتَانِ، فكانت له الخِيَرَةُ فى إقامةِ أيَّتِهما شاءَ، كمَنْ له بدَيْنٍ شاهِدانِ وشاهِدٌ وامْرَأتانِ، ولأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما يَحْصُلُ بها ما لا يَحْصُلُ بالأُخْرَى، فإنَّه يحْصُلُ باللِّعانِ نَفْىُ النَّسَبِ الباطلِ، ولا يحصلُ ذلك بالْبَيِّنةِ، ويحصُلُ بالبَيِّنةِ ثُبُوتُ زِناها، وإقامةُ الحدِّ عليها، ولا يحصُلُ باللِّعانِ، فإن لَاعَنَها (١٩) ونَفَى وَلَدَها، ثم أراد إقامةَ البَيِّنةِ، فله ذلك، فإذا أقامَها، ثَبَتَ مُوجَبُ اللِّعانِ ومُوجَبُ البَيِّنَةِ، وإن أقامَ البَيِّنةَ أوّلًا، ثَبَتَ الزِّنَى ومُوجَبُه، ولم يَنْتَفِ عنه الولدُ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُ من الزِّنَى كَوْنُ الولدِ منه. وإن أراد لِعانها بعدَ ذلك، وليس بينهما ولدٌ يريدُ نَفْيَه، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ الحدِّ قد انْتَفَى عنه بإقامةِ البَيِّنةِ، فلا حاجةَ إليه، وإن كان بينهما ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فعلى قولِ القاضِى، له أَن يُلَاعِنَ. وقد ذكرْنا ذلك فيما مضَى. فصل: وإن قَذَفَها، فطالَبَتْه بالحدِّ، فأقامَ شاهِدَيْنِ على إقْرارِها بالزِّنَى، سَقَطَ عنه الحَدُّ؛ لأنَّه ثَبَتَ تَصْدِيقُها إيَّاه، ولم يَجِبْ عليها الحدُّ (٢٠)؛ لأنَّ الحدَّ لا يجبُ إلَّا

стр. 5680

بالإِقْرارِ (٢١) أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ويَسْقُطُ بالرُّجوعِ (٢٢) عن الإِقْرارِ، وهل يَثْبُتُ الإِقرارُ بالزِّنَى بشاهِدَيْنِ؟ قال أبو بكر: فيه قَوْلان؛ أحدهما، يثبتُ بشاهِدَيْنِ، كسائرِ الأقاريرِ. واختارَه. والثانى، لا يثبتُ به (٢٣)؛ لأنَّه لا يثْبُتُ به المُقَرُّ به، فلا يثْبُتُ به الإِقْرارُ به، كَرَجُلٍ وامرأتينِ. وإن لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ حاضِرةٌ، فقال: لى بينةٌ غائِبَةٌ، أُقِيمُها على الزِّنَى. أُمْهِلَ اليَوْمينِ والثَّلاثة؛ لأنَّ ذلك قريبٌ، فإن أتَى بالبَيِّنَةِ، وإلَّا حُدَّ، إلَّا أَن يُلَاعِنَ إذا كان زَوْجًا. فإنَّ قال: قَذَفْتُها وهى صغيرةٌ. وقالت: قَذَفَنِى وأنا كبيرةٌ. وأقام كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بما قال، فهما قَذْفانِ. وكذلك إن اخْتَلَفَا فى الكُفْرِ والرِّقِّ أو الوَقْتِ؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بينهما، إلَّا أَن يكَونا مُؤرَّخَتَيْن (٢٤) تأْريخًا واحدًا، فيَسْقُطانِ، فى أحَدِ الوَجْهينِ، وفى الآخرِ، يُقْرَعُ بينهما (٢٥)، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُه. فصل: فإن شَهِدَ شاهِدان أنَّه قَذَفَ فُلَانةَ وقَذَفَنَا. لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لاعْتِرافِهما بعَدَاوَتِه لهما، وشَهادةُ العَدُوِّ لا تُقْبَلُ على عَدُوِّه. فإنَّ أبْرَآهُ وزالَتِ العدَاوةُ، ثم شَهِدَا عليه بذلك القَذْفِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها رُدَّتْ للتُّهْمةِ، فلم تُقْبَلْ بعدُ، كالفاسِقِ إذا شَهِدَ فرُدَّتْ شَهادَتُه لفِسْقِه ثم تابَ وأعادَها. ولو أنَّهما ادَّعَيَا عليه أنَّه قَذَفَهُما، ثم أبْرآهُ وزالتِ العَداوةُ، ثم شَهِدَا عليه بقَذْفِ زَوْجَتِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لم يُرَدَّا فى هذه الشهادةِ. ولو شَهِدَا أنَّه قَذَفَ امرأتَه، ثم ادَّعَيا بعدَ ذلك أنَّه قَذَفَهُما، فإن أضافا دَعْواهُما إلى ما قبلَ شَهادَتِهما، بَطَلَتْ شَهادَتُهما؛ لاعْتِرافِهما أنَّه كان عَدُوًّا لهما حين شَهِدَا عليه. وإن لم يُضِيفاها إلى ذلك الوقتِ، وكان ذلك قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهما، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّه لا يُحْكَمُ عليه بشَهادةِ عَدُوَّيْنِ، وإن كان (٢٦) بعد الحُكْمِ، لم يَبْطُلْ؛

стр. 5681

لأنَّ الحُكْمَ تَمَّ قبلَ وُجُودِ المانعِ، كظُهُورِ الفِسْقِ. وإن شَهِدا أنَّه قَذَفَ امْرأتَه وأُمَّنا، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّها رُدَّتْ فى البعض للتُّهْمةِ، فَوَجَبَ أَنَّ تُرَدَّ [فى الكُلِّ] (٢٧). وإن شَهِدَا على أبِيهِما أنَّه قَذَفَ ضَرَّةَ أُمَّهِما، قُبِلَتْ شَهادَتُهما. وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ فى الجديِد. وقال فى القديمِ: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّهما يَجُرَّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا، وهو أنَّه يُلَاعِنُها، فتَبِينُ، ويَتَوَفّرُ على أُمِّهِمَا. وليس بشىءٍ، لأنّ لِعانَه لها يَنْبَنِى على مَعْرِفَتِه بزِناها، لا على الشهادةِ عليه بما لا يَعْتَرِفُ به. وإن شَهِدَا بطَلاقِ الضَّرَّةِ، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّهما (٢٨) يَجُرَّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا، وهو تَوْفِيرُه على أمِّهِما. والثانى، تُقْبَلُ، لأنّهما لا يَجُرّانِ إلى أنْفُسِهِما نَفْعًا. فصل: ولو شَهِدَ شاهدٌ أنَّه أقَرَّ بالعَرَبِيَّه أنَّه قَذَفَها، وشَهِدَ آخرُ (٢٩) أنَّه أقَرَّ بذلك بالعَجَمِيّةِ، تَمَّتِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الاختِلافَ فى العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ عائدٌ إلى الإِقْرارِ دونَ القَذْفِ، ويجوزُ أن يكونَ القَذْفُ واحدًا والإِقرارُ به فى مَرّتَيْنِ، وكذلك لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ يوم الخميس بقَذْفِها، وشهدَ آخَرُ أنَّه أقرَّ بذلك يومَ الجُمُعةِ، تَمَّتِ الشَّهادةُ؛ لما ذكرْناه. وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَذَفَها بالعربيَّةِ، وشهد الآخَرُ (٣٠) أنَّه قَذَفَها بالعَجَمِيَّةِ، أو شهِد أحَدُهما أنَّه قَذَفَها يوم الخميسِ، وشهِدَ الآخرُ أنَّه قَذَفَها يوم الجُمُعةِ (٣١)، [أو شَهِدَ] (٣٢) أحَدُهما أنَّه أقرَّ أنَّه قَذَفَها بالعربيةِ أو يومَ الخميسِ، وشَهِدَ الآخرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه قَذَفَها بالعَجَمِيَّةِ أو يومَ الجمعةِ (٣٣)، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَكْمُلُ الشَّهادةُ. وهو قولُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الوَقْتَ ليس ذِكْرُه شَرْطًا فى الشَّهادةِ بالقَذْفِ، وكذلك

стр. 5682

اللِّسانُ، فلم يُؤَثِّر الاختلافُ فيه (٣٤)، كما لو شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها (٣٥) يومَ الخميسِ بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخرُ أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها يوم الجُمُعةِ بالعَجَمِيَّةِ. والآخَرُ، لا تَكْمُلُ الشَّهادةُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما قَذْفانِ لم تَتِمَّ الشَّهادةُ على واحدٍ منهما، فلم تَثْبُتْ، كما لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه تَزَوَّجَها يومَ الخميسِ، وشهدَ الآخرُ أنَّه تزوَّجَها يومَ الجمعةِ، وفارَقَ الإِقْرارَ بالقَذْفِ، فإنَّه يجوزُ أَنَّ يكونَ المُقِرُّ به واحدًا، أقَرَّ به فى وَقْتَيْنِ بلِسَانَيْنِ. ١٣٢٩ - مسألة؛ قال: (فمَتَى تَلَاعَنَا وفَرَّقَ الحاكِمُ بينهما، لم يَجتَمِعا أبدًا) . فى هذه المسْألةِ مَسْألتان: إحداهما: أَنَّ الفُرْقَةَ بين المُتَلَاعِنَيْنِ لا تَحْصُلُ إلَّا بتَلاعُنِهما (١) جميعًا، وهل يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الحاكمِ بينهما؛ فيه رِوَايَتان، إحداهما، أنَّه مُعْتَبر فلا تحصُلُ الفُرْقةُ حتى يُفَرِّقَ الحاكمُ بينهما. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وقولُ أصْحاب الرَّأْى، لقولِ ابنِ عباسٍ فى حدِيِثه: ففَرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما (٢). وهذا يَقْتَضِى أَنَّ الفُرْقةَ لم تَحْصُلْ قبلَه. وفى حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ، قال: كَذَبْتُ عليها يا رَسُولَ اللَّه إن أمْسَكْتُها. فطَلَّقَها ثَلاثًا قبلَ أَنَّ يَأْمُرَه رسولُ اللَّه ﷺ (٣). وهذا يَقْتَضِى إمْكانَ إمْساكِها، وأنَّه وَقَعَ طَلَاقُه، ولو كانت الفُرْقةُ وَقَعَتْ قبلَ ذلك، لَما وَقَعَ طَلاقُه، ولا أمْكَنَه إمْساكُها. ولأنَّ سَبَبَ هذه الفُرْقةِ يَقِفُ على الحاكمِ، فالفُرْقةُ المتعلِّقةُ به لا (٤) تَقَعُ إلَّا بحُكْمِ الحاكِم، كفُرْقةِ العُنَّةِ.

стр. 5683

والرِّواية الثانية، تحْصُلُ الفُرْقةُ بمُجَردِ لِعانِهما. وهى اختيارُ أبى بكرٍ، وقولُ مالكٍ، وأبى عُبَيْدٍ (٥)، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ، وزُفَر، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: المُتَلاعِنانِ يُفَرَّقُ بينهما، ولا يَجْتَمِعان أبَدًا. رواه سعيدٌ (٦). ولأنَّه مَعْنًى يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ المُؤَبَّدَ، فلم يَقِفْ على حُكْمِ الحاكمِ، كالرَّضَاعِ، ولأنَّ الفُرْقةَ لو لم تَحْصُلْ إلَّا بتَفْرِيقِ الحاكمِ، لَسَاغَ تَرْكُ التَّفْرِيقِ إذا كَرِهَاه، كالتَّفْريقِ للعَيْبِ (٧) وللإِعْسارِ (٨)، ولوَجَبَ أنَّ الحاكمَ إذا لم يُفرقْ بينهما، أَن يَبْقَى النِّكاحُ مُسْتمِرًّا، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" (٩). يَدُلُّ على هذا، وتَفْرِيقُه بينهما، بمَعْنَى إعْلامِه لهما بحُصُولِ (١٠) الفُرْقةِ، وعلى كِلْتا الرِّوايتَيْنِ، لا تحصلُ الفُرْقةُ قبلَ تَمامِ اللِّعانِ منهما. وقال الشافعىُّ، رَحِمه اللَّه تعالى: تحصلُ الفُرْقةُ بلِعانِ الزَّوجِ وحدَه، وإن لم تَلْتَعِن المَرْأةُ؛ لأنَّها فُرْقَةٌ حاصِلَةٌ بالقَوْلِ، فتَحْصُلُ بقَوْلِ الزَّوْجِ وحدَه، كالطَّلاقِ. ولا نعلمُ أحَدًا وافقَ الشَّافعىَّ على هذا القولِ، وحُكِىَ عن البَتِّىِّ أنَّه لا يتَعَلَّقُ باللِّعانِ فُرْقةٌ؛ لما رُوِىَ أَنَّ العَجْلَانىَّ لمَّا لَاعَنَ امْرأتُه طَلَّقَها ثلاثًا، فأنْفَذَه رسولُ اللَّه ﷺ (١١)، ولو وَقَعَتِ الفُرْقةُ، لمَا نَفَذَ طَلاقُه. وكلا القَوليْنِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ فَرَّقَ بين المُتَلَاعِنَيْنِ. رواه عبدُ اللَّه بن عمرَ، وسَهْلُ بنِ سعدٍ، وأخْرَجَهُما مسلمٌ (١٢). وقال سَهْلٌ: فكانت سُنّةً لمن (١٣) كان بعدَهما، أَن يُفرِّقَ بين المُتَلَاعِنَيْنِ.

стр. 5684

وقال عمرُ: المُتلاعِنانِ يُفَرَّقُ بينهما، ثم لا يَجْتَمِعانِ أبدًا. وأمَّا القولُ الآخرُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ بالتَّفْريقِ بينَ المُتلاعِنَيْنِ، ولا يكونان مُتَلاعِنَيْنِ بلِعَانِ أحدِهما، وإنَّما فَرَّقَ النَّبِىُّ ﷺ بينهما بعد تَمامِ اللعانِ منهما، فالقولُ بوُقُوعِ الفُرْقةِ قبلَه، تحَكُّمٌ يُخالِفُ مَدْلُولَ السُّنّةِ وفِعْلَ النَّبىِّ ﷺ ، ولأنَّ لَفْظَ اللِّعانِ لا يَقْتَضِى فرقةً؛ فإنَّه إمَّا إيْمانٌ على زِناها، أو شَهادةٌ بذلك، ولولا وُرُودُ الشَّرْعِ بالتَّفْرِيقِ بينهما، لم يَحْصُلِ التَّفْريقُ، وإنَّما وَرَدَ الشرعُ به بعدَ لِعانِهِما، فلا يجوزُ تَعْلِيقُه على بعضِه، كما لم يَجُزْ تَعْلِيقهُ على بعض لِعانِ الزَّوْجِ، ولأنَّه فَسْخ ثَبَتَ بأيْمانِ مُخْتلِفَيْنِ، فلم يَثْبُتْ بيَمِينِ أحدِهما، كالفَسْخِ لِتَحالُفِ المُتَبايِعَيْنِ عندَ الاخْتِلافِ، ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بالفَسْخِ بالعَيْبِ أو العِتْقِ، وقولِ الزَّوْجِ: اخْتارِى. أو: أمْرُكِ (١٤) بِيَدِكِ. أو: وَهَبْتُكِ لأهْلِكِ أو لِنَفْسِكِ. وأشْباهُ ذلك كثيرٌ. إذَا ثَبَتَ هذا، فإنْ قُلْنَا (١٥): إنَّ الفُرْقةَ تحْصُلُ بلِعانِهما. فلا تحصلُ إلّا بعَد إكْمالِ اللِّعانِ نهما. وإن قُلْنا: لا تَحْصُلُ إلَّا بتَفْريقِ الحاكمِ. لم يَجُزْ له أَن يفرق بينهما إلَّا بعدَ كَمالِ لِعانِهما، فإنْ فَرَّقَ قبلَ ذلك كان تَفْرِيقُه باطلًا، ووُجُودُه (١٦) كعَدَمِه. وبهذا قال مالكٌ. وقال الشافعىُّ: لا تقَعُ الفُرْقةُ حتى يُكْمِلَ الزوجُ لِعانَه. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ: إذا فرقَ بينهما بعدَ أَن لَاعَنَ كلُّ واحدٍ منهما ثلاثَ مَرَّاتٍ، أخْطَأَ السُّنَّةَ، والفُرْقةُ جائزةٌ، وإن فرَّقَ بينهما بأقلَّ من ثلاثٍ، فالفُرْقةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مَن أتَى بالثَّلاثِ فقد أتَى بالأَكْثَرِ، فيتَعَلَّقُ الحكمُ به. ولَنا، أنَّه تَفْرِيِقٌ قبلَ تَمامِ اللِّعانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو فَرَّقَ بينهما لأقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو قبلَ لِعَانِ المرأةِ، ولأنَّها أَيْمانٌ مَشْرُوعةٌ، لا يجوزُ للحاكِم الحُكْمُ قبلَها بالإِجماعِ، فإذا حَكَمَ، لم يَصِحَّ حُكْمُه. كأيْمانِ الْمختلِفَيْنِ فى البَيعِ. وكما قبلَ الثَّلاثِ، ولأنَّ الشَّرْعَ

стр. 5685

إنَّما وَرَدَ بالتَّفْريقِ بعدَ كَمالِ السَّبَبِ، فلم يَجُزْ قبلَه، كسائرِ الأسْبابِ، وما ذكَرُوه تَحَكم لا دَلِيلَ عليه، ولا أصْلَ له، ثم يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَ بالدَّيْنِ رَجُلٌ وامرأةٌ واحدةٌ. أو بمَن تَوَجَّهَتْ عليه اليمينُ إذا أتَى بأكثرِ حُرُوفِها، وبالمسابقةِ إذا قال: مَنْ سَبَقَ إلى خَمْسِ إصاباتٍ. فسَبَقَ إلى ثلاثةٍ، وبسائرِ (١٧) الأسْبابِ، فأمَّا إذا تَمَّ اللِّعانُ، فلِلحاكمِ أَن يُفَرِّقَ بينهما من غيرِ اسْتِئْذانِهِما؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ، ولم يَسْتَأْذِنْهُما. ورَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امرأتَه فى زَمَنِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وانْتَفَى من وَلَدِها، ففَرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما، وألْحَقَ الولدَ بالمَرْأةِ. وروَى سُفْيانُ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَرَّقَ بين المُتلاعِنَيْنِ. أخْرَجَهُما سعيدٌ (١٨). ومتى قُلْنا: إنَّ الفُرْقةَ لا تحصلُ إلَّا بتَفْريقِ الحاكمِ. فلم يُفَرِّقْ بينهما، فالنّكاحُ باقٍ بحالِه؛ لأنَّ ما يبطِلُ النِّكاحَ لم يُوجَدْ، فأشْبَهَ ما لو لم يُلَاعِنْ. فصل: وفُرْقةُ اللِّعانِ فَسْخٌ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هى طَلَاقٌ؛ لأنَّها فُرْقة من جهَةِ الزَّوجِ، تَخْتَصُّ النّكاحَ، فكانت طلاقًا، كالفُرْقةِ بقَوْلِه: أنتِ طالِقٌ. ولَنا، أنَّها فُرْقةٌ توُجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فكانتْ فَسْخًا، كفُرْقةِ الرَّضاعِ، ولأنَّ اللِّعانَ ليس بصَرِيحٍ فى الطَّلاقِ، ولا نَوَى به الطَّلاقَ، فلم يكُنْ طلاقًا، كسائرِ ما يَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، ولأنَّه لو كان طَلاقًا، لوَقَعَ بلِعانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعَانِ المرأةِ.

стр. 5686

فصل: وذكَر بعضُ أهْلِ العِلْمِ، أَنَّ الفُرْقةَ إنَّما حَصَلَتْ باللِّعانِ؛ لأنَّ لَعْنةَ اللَّهِ وغَضَبَه قد وَقَعَ بأحَدِهما لتَلاعُنِهما، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال عندَ الخامسةِ: "إِنَّها الْمُوجِبَةُ (١٩) ". أى إنَّها تُوجِبُ لَعْنةَ اللَّه وغَضَبَه، ولا نَعْلَمُ مَنْ هو منهما يَقِينًا، ففَرَّقْنا بينهما خَشْيَةَ أَنَّ يكونَ هو المَلْعونَ، فيَعْلُوَ امرأة غيرَ مَلْعُونةٍ، وهذا لا يجوزُ، ؛ لا يجوزُ أن يَعْلُوَ المُسْلمةَ كافرٌ، ويمكنُ أَنَّ يُقالَ على (٢٠) هذا: [لو كان هذا] (٢١) الاحتمالُ مانِعًا من دَوَامِ نِكاحِهما، لمَنَعَه من نِكاحِ غيرِها، فإنَّ هذا الاحْتمالَ مُتَحَقِّقٌ فيه. ويَحْتَمِلُ أَنَّ يكونَ الموُجِبُ للفُرْقةِ وُقُوعَ اللَّعْنةِ والغَضَبِ بأحَدِهما غيرَ مُعَيّنٍ، فيُفْضِى إلى عُلُوِّ مَلْعونٍ لغيرِ مَلْعونةٍ، أو إلى إمْساكِه لمَلْعونةٍ مَغْضوبٍ عليها. ويَحْتَملُ أَنَّ سَبَبَ الفُرْقةِ النُّفْرةُ الحاصلةُ من إساءةِ كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحِبِه، فإنَّ الرَّجُلَ إن كان صادِقًا، فقد أشاعَ فاحِشَتَها، وفَضَحَها على رُءُوس الأشْهادِ، وأقامَها مُقامَ خِزْىٍ، وحَقَّقَ (٢٢) عليها اللَّعْنةَ والغَضَبَ، وقَطَعَ نَسَبَ وَلَدِها، وإن كان كاذِبًا، فقد أضافَ إلى ذلك بُهْتَها وقَذْفَها بهذه الفِرْيةِ العظيمةِ، والمرأةُ إن كانت صادقةً، فقد أكْذَبَتْه على رُءُوسِ الأشْهادِ، وأوْجَبَتْ عليه لَعْنةَ اللَّه، وإن كانت كاذبةً، فقد أفْسَدَتْ فِرَاشَه، وخانَتْه فى نَفْسِها، وألْزَمَتْه العارَ والفَضِيحةَ، وأحْوَجَتْه إلى هذا المَقامِ المُخْزِى، فحَصَلَ لكلِّ واحدٍ منهما نُفْرَةٌ من صاحِبِه، لما حَصَلَ إليه من إساءَةٍ لا يكادُ يَلْتَئِمُ لهما معها حالٌ، فاقْتَضتْ حِكْمةُ الشارعِ (٢٣) انْحِتامَ الفُرْقةِ بينهِما، وإزالةَ الصُّحْبةِ المُتَمَحِّضةِ مَفْسَدةً، ولأنَّه إن كان كاذِبًا عليها، فلا يَنْبَغِى أَن يُسَلَّطَ على إمْساكِها، مع ما صَنَعَ من القَبِيحِ إليها، وإن كان صادِقًا، فلا ينبغِى أَن يُمْسِكَها مع عِلْمِه بحالِها، ولهذا قال

стр. 5687

العَجْلانىُّ: كَذَبْتُ عليها إن أمْسَكْتُها. المسألة الثانية، أنَّها تَحْرُمُ عليه باللِّعانِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فلا تَحِلُّ له وإن أكْذَبَ نَفْسَه، فى ظاهرِ المذهبِ. ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أنَّه إذا لم يُكْذِبْ نَفْسَه لا تَحِلُّ له، إلَّا أَنَّ يكونَ قولًا شاذًّا، وأمَّا إذا أكْذَبَ نَفْسَه، فالذى رَوَاه الجماعةُ عن أحمدَ، أنَّها لا تَحِلُّ له أيضًا. وجاءت الأخْبارُ عن عمرَ بن الخطابِ، وعلىِّ بن أبى طالبٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أَنَّ المُتَلاعِنَيْنِ لا يَجْتَمِعان أبدًا. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وجابرُ بن زيدٍ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسفَ. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى: إنْ أكْذَبَ نَفْسَه، حَلَّتْ له، وعادَ فِراشُه بحالِه. وهى رِوايةٌ شاذّةٌ. شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصحابِه. قال أبو بكرٍ: لا نَعْلَمُ أحدًا رَواها (٢٤) غيرَه. وينْبَغِى أَن تُحْمَلَ هذه الرِّوايةُ على ما إذا لم يُفَرِّقْ بينهما الحاكمُ، فأمَّا مع تَفْريقِ الحاكِمِ بينهما، فلا وَجْهَ لبَقَاءِ النِّكاحِ بحالِه، وقد ذكَرْنا أَنَّ مذهبَ الْبَتِّىِّ، أَنَّ اللِّعانَ لا يتعَلّقُ به فُرْقةٌ. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ: إن أكْذَبَ نَفْسَه، فهو خاطبٌ من الخُطَّابِ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ؛ لأنَّ فُرْقةَ اللِّعانِ عندهما طلاقٌ. وقال سعيدُ بن جُبَيْرٍ: إن أكْذَبَ نَفْسَه، رُدَّتْ إليه ما دامتْ فى العِدَّةِ. ولَنا، ما رَوَى سَهْلُ بن سعدٍ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ فى المُتَلَاعِنَيْنِ أَن يُفَرَّقَ بينهما، ثم لا يَجْتَمِعانِ أبدًا (٢٥). روَاه الجُوزَجَانىُّ، فى كِتابه بإسْنادِه. ورُوِىَ مثلُ هذا عن الزُّهْرِىِّ ومالكٍ. ولأنَّه تَحْرِيمٌ لا يَرْتَفِعُ قبلَ الحَدِّ والتَّكْذِيبِ، فلم يرتفعْ بهما، كتَحْرِيمِ الرَّضاعِ. فصل: فإن كانت أمَةً، فاشْتَراها مُلاعِنُها، لم تَحِلَّ له؛ لأنَّه (٢٦) تَحْريمٌ مُؤبَّدٌ، فَحَرُمَتْ به على مُشْتَرِيها، كالرَّضاعِ، ولأنَّ المُطَلَّقَ ثَلاثًا إذا اشْتَرى مُطَلَّقَتَه، لا (٢٧) تَحِلُّ له قبلَ زَوْجٍ وإصَابةٍ، فههُنا أَوْلَى؛ لأنَّ هذا التَّحْريمَ مُؤبَّدٌ، وتَحْريمُ الطَّلاقِ

стр. 5688

ليس بمُؤَبَّدٍ، ولأنَّ (٢٨) تَحْريمَ الطَّلاقِ يَخْتَصُّ النِّكاحَ، وهذا لا يخْتَصُّ به. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ١٣٣٠ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرجلَ إذا قَذَفَ امْرَأتَه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه، فلها عليه الْحَدُّ، سَواءٌ أكْذَبَها قبلَ لِعانِها أو بعدَه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثورٍ، وأصْحاب الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّ اللِّعانَ أُقِيم مُقَامَ البَيِّنةِ فى حَقِّ الزَّوْجِ، فإذا أكْذَبَ نَفْسَه بأنَّ (١) لِعانَهُ (٢) كَذِبٌ، وزِيادةٌ فى هَتْكِها، وتَكْرارٌ لقَذْفِها، فلا أقَلَّ من أَن يَجِبَ الحَدُّ (٣) الذى كان واجبًا بالقَذْفِ المُجَرَّدِ. فإن عاد عن إكْذابِ نَفْسِه، وقال: لى بَيِّنةٌ أُقِيمُها بزِنَاها. أو أراد إسْقاطَ الحَدِّ عنه باللِّعانِ، لم يُسْمَعْ منه؛ لأنَّ البَيِّنةَ واللِّعانَ لتَحْقِيقِ ما قالَه، وقد أقَرَّ بكَذِبِ نَفْسِه، فلا يُسْمَعُ منه خِلافُه، وهذا فيما إذا كانت المَقْذُوفةُ مُحْصَنةً، فإن كانتْ غيرَ مُحْصَنةٍ، فعليه التَّعْزِيرُ. فصل: ويَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، سوَاءٌ كان الولدُ (٤) حيًّا أو ميّتًا، غَنِيًّا كان أو فقيرًا. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا اسْتَلْحَقَ الوَلَدَ المَيِّتَ نَظَرْنا؛ فإن كان ذا مالٍ، لم يَلْحَقْه؛ لأنَّه إنَّما يَدَّعِى مالًا، وإن لم يكُنْ ذا مالٍ، لَحِقَه. وقال أصْحابُ الرَّأْى: إن كان الولدُ الميِّتُ تَرَكَ ولدًا، ثَبَتَ نَسَبُه من المُسْتَلْحِقِ، وتَبِعَه نَسَبُ ابْنِه، وإن لم يَكُنْ (٣) تَرَكَ ولدًا، لم يَصِحَّ اسْتِلْحاقُه، ولم يَثْبُتْ نَسَبُه، ولا يَرِثُ منه المُدَّعِى شيئًا؛ لأنَّ نَسَبَه مُنْقَطِعٌ بالموتِ، فلم يَصبِحَّ اسْتِلْحاقُه، فإذا كان له ولدٌ كان مُسْتَلْحِقًا لوَلَدِه، وتَبِعَه نَسَبُ المَيِّتِ. ولَنا، أَنَّ هذا ولدٌ نَفَاهُ باللِّعانِ، فكان له

стр. 5689

اسْتِلْحاقُه، كما لو كان حيًّا، أو كان له ولدٌ، ولأنَّ ولدَ الولدِ يَتْبَعُ نَسَبَ الوَلَدِ، وقد جَعَلَ أبو حنيفةَ نَسَبَ الولدِ تابِعًا لنسبِ ابْنِه، فجَعَلَ الأصلَ تابعًا للفَرْعِ، وذلك باطلٌ. فأمَّا قولُ الثَّوْرىِّ: إنَّه إنَّما يَدَّعِى مالًا. قُلْنا: إنَّما يَدَّعِى النَّسَبَ والمِيراثَ، والمالُ تَبَعٌ له. فإن قيلَ: فهو مُتَّهَمٌ فى أَنَّ غَرَضَه حصولُ المِيراثِ. قُلْنا: إنَّ (٥) النَّسبَ لا تَمْنَعُ التُّهْمةُ لُحُوقَه، بدليلِ أنَّه لو كان له أخٌ يُعاذِيه، فأقَرَّ بابْن، لَزِمَه، وسَقَطَ مِيراثُ أخِيه، ولو كان الابنُ حيًّا وهو غَنِىٌّ، والأبُ فقيرٌ، فاسْتَلْحقَه، فهو مُتَّهمٌ فى إيجابِ نَفَقَتِه على ابْنِه، ويُقْبَلُ قوُله، فكذلك ههُنا، ثم كان يَنْبَغِى أَن يَثْبُتَ النَّسَبُ ههُنا؛ لأَنَّه حَقٌّ للوَلَدِ، ولا تُهْمةَ فيه، ولا يثْبُتُ المِيراثُ المُخْتَصُّ بالتُّهْمةِ، ولا يَلْزَمُ من انْقِطاعِ [التَّبَعِ انْقِطَاعُ] (٦) الأصْلِ. قال القاضى: ويتعلَّقُ باللِّعانِ أربعةُ أحكامٍ؛ حَقَّانِ عليه، وُجُوبُ الحَدِّ، ولُحُوقُ النسبِ. وحَقّانِ له؛ الفُرْقةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبّدُ، فإذا أكْذَبَ نَفْسَه، قُبِلَ قولُه فيما عليه، فلَزِمَه الحدُّ والنَّسَبُ، ولم يُقْبَلْ فيما له، فلم تَزُلِ الفُرْقَةُ، ولا التَّحْرِيمُ المؤبدُ. فصل: فإن لم يُكْذِبْ نَفْسَه، ولكن لم يكنْ له بَيِّنةٌ، ولا لَاعَن، أُقِيمَ عليه الْحَدُّ. فإن أُقِيمَ عليه بعضُه، فبَذَلَ اللِّعانَ، وقال: أنا أُلَاعِنُ. قُبِلَ منه؛ لأنَّ اللِّعانَ يُسْقِطُ (٧) جَمِيعَ الحدِّ، فيُسْقِطُ بعضَه، كالبَيِّنةِ (٨). فإنَّ ادَّعَتْ زَوْجَتُه أنَّه قَذَفَها بالزِّنى، فأنكرَ، فأقامتْ عليه بَيِّنة أنَّه قَذَفَها بالزِّنَى، فقال: صَدَقَتِ البَيِّنَةُ، وليس ذلك قَذْفًا؛ لأنَّ القَذْفَ الرَّمْىُ بالزِّنَى كَذِبًا، وأنا صادقٌ فيما رَمَيْتُها به. لم يكُنْ ذلك إكْذابًا لِنَفْسِه؛ لأنَّه مُصِرٌّ على رَمْيِها بالزِّنَى، وله إسْقاطُ الْحَدِّ باللِّعانِ. ومذهبُ الشافعىِّ فى هذا الفصلِ كمَذْهَبنا. فإنَّ قال: ما زَنَتْ، ولا رَمَيْتُها بالزِّنَى. فقامتِ البَيِّنَةُ عليه بقَذْفِها، لَزِمَه الْحَدُّ، ولم تُسْمَعْ بَيِّنَتُه ولا لِعانُه. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ قولَه:

стр. 5690

ما زَنَتْ. تَكْذِيبٌ للبَيِّنةِ واللِّعانِ (٩)، فلا تَثْبُتُ له حُجَّةٌ قد أكْذْبَها. وجَرَى هذا مَجْرَى قولِه فى الوَدِيعةِ إذا ادُّعِيَتْ عليه، فقال: ما أَوْدَعْتَنِى. فقامتْ عليه البَيِّنَةُ بالوَدِيعةِ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ (١٠)، لم يُقْبَلْ. ولو أجابَ بأنَّه مَالَه عندِى شىءٌ. أو لا (١١) يَسْتَحِقُّ علَىَّ شيئًا. فقامتْ عليه البَيِّنةُ، فادَّعَى الرَّد أو التَّلفَ، قُبِلَ منه. ١٣٣١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ قَذَفَهَا، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، وَثمَّ اللِّعان بَيْنَهُمَا بتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، نْفِىَ عَنْهُ، إِذَا ذَكَرَهُ فِى اللِّعَانِ) وجملةُ ذلك أَنَّ الزَّوْجَ إذا ولَدتِ امرأته ولَدًا يُمْكِنُ كَوْنُه (١) منه، فهو ولدُه فى الحُكْمِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الوَلَدُ للفِرَاشِ" (٢). ولا يَنْتَفِى عنه إلَّا أَنَّ يَنْفِيَه باللِّعانِ التَّامِّ، الذى اجْتَمَعتْ شُرُوطُه، وهى أربعة؛ أحدُها، أَنَّ يُوجَدَ اللِّعانُ (٣) منهما جميعًا. وهذا قول عامةِ أهلِ العلمِ. وقال الشافعىُّ: يَنْتَفِى بلِعانِ الزَّوجِ وحدَه؛ لأنَّ نَفْىَ الولدِ إنَّما كان بيَمِينِه والْتِعانِه (٤)، لا بيَمِينِ المرأةِ على تَكْذِيبِه، ولا مَعْنَى ليَمينِ المرأةِ فى نَفْى النَّسَبِ، وهى تُثْبِتُه وتُكَذِّبُ قولَ من يَنْفِيه، وإنَّما لِعانُها لِدَرْءِ الحَدِّ عنها (٥)، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٦). ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما نَفَى الولدَ عنه بعدَ تَلَاعُنِهِما، فلا يجوزُ النَّفْىُ ببعضِه، كبعضِ لِعانِ الزَّوجِ. والثانى: أَن تَكْمُلَ ألفاظُ اللِّعانِ منهما جميعًا. الشَّرط الثالث، أَن يَبْدَأَ بلِعانِ الزَّوجِ قبلَ المرأةِ، فإن بَدَأَ بلِعانِ المرأةِ لم يُعْتَدَّ به. وبه قال

стр. 5691

أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: إن فَعَلَ أخْطَأ السُّنّةَ، والفُرْقةُ جائزةٌ، ويَنْتَفِى الولدُ عنه؛ لأنَّ اللَّه تعالى عَطَفَ لِعانَها على لِعَانِه بالواوِ، وهى لا تَقْتَضِى تَرْتِيبًا (٧)، ولأنَّ اللِّعانَ قد وُجِدَ منهما جميعًا، فأشْبَهَ ما لو رتّبَتْ. وعند الشافعىِّ، لا يَتِمُّ اللِّعانُ إلّا بالتَّرْتيبِ، إلَّا أنَّه (٨) يَكْفِى عنده لِعَانُ الرَّجُلِ وحدَه لنَفْىِ الولدِ، وذلك حاصلٌ مع إخْلالِه بالتَّرْتيبِ، وعَدَمِ كَمالِ ألَفاظِ اللِّعانِ من المرأةِ. ولَنا، أَنَّه أتَى باللِّعانِ على غيرِ ما وَرَدَ به القرآنُ والسُّنَّةُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اقْتَصَرَ على لَفْظةٍ واحدةٍ، ولأنَّ لِعانَ الرجلِ بَيِّنَتُه لإِثْباتِ زِنَاها وَنَفْىِ ولدِها، ولِعانَ المرأةِ للإِنْكارِ، فقُدِّمَتْ بَيِّنةُ الإِثْباتِ، كتَقْديمِ الشُّهودِ على الأيْمانِ، ولأنَّ لِعانَ المرأةِ لدَرْءِ العَذابِ عنها، ولا يتَوَجَّهُ عليها ذلك إلَّا بلِعانِ الرَّجُلِ، فإذا قَدَّمَتْ لِعانَها على لِعانِه، فقد قَدَّمَتْه على وَقْتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قدّمَتْه على القَذْفِ. الشَّرْط الرابع، أَن يَذْكُرَ نَفْىَ الولدِ فى اللِّعانِ، فإنْ (٩) لم يَذْكُرْ، لم يَنْتَفِ (١٠)، إلّا أَن يُعِيدَ اللّعانَ ويذكرَ نَفْيَه. وهذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واختيارُ القاضِى، ومذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الولدِ ونَفْيِه، ويَنْتَفِى بزَوَالِ الفِرَاشِ؛ لأنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بن سعدٍ، الذى وَصَفَ فيه اللعانَ، لم يذَكُرْ فيه الولدَ، وقال فيه: ففَرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما، وقَضَى أَن لا يُدْعَى وَلَدُها (١١) لأبٍ، ولا يُرْمَى ولدُها. روَاه أبو داودَ (١٢). وفى حديثٍ روَاه مسلمٌ (١٣)، عن عبد اللَّه (١٤)، أَن رَجُلًا لَاعَنَ امرأتَه على عهدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، ففَرّقَ النَّبِىُّ ﷺ بينهما، وألْحَقَ الولدَ

стр. 5692

بأُمِّه. ولَنا، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حقُّه باللِّعانِ، كان ذِكْرُه شَرْطًا، كالمرأةِ، ولأنَّ غايةَ ما فى اللِّعانِ أَن يُثْبِتَ زِناهَا، وذلك لا يُوجِبُ نَفْىَ الولدِ، كما لو أقَرّت به، أو قامتْ به بَيِّنةً، فأمَّا حديثُ سهل بن سعدٍ، فقد رُوِىَ فيه: وكانت حامِلًا، فأنْكَرَ حَمْلَها. من روايةِ البُخارِىِّ (١٥). ورُوِىَ عن (١٦) ابن عمرَ، أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امرأتَه فى زمنِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وانْتَفَى من وَلَدِها، ففرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما، وألْحَقَ الولدَ بالمرأةِ (١٧). والزيادةُ من الثِّقةِ مَقْبُولة. فعلى هذا، لابُدَّ من ذِكْرِ الولدِ فى كلّ لَفْظةٍ، ومع اللَّعْنِ فى الخامسةِ؛ لأنَّها من لَفَظاتِ اللِّعانِ. وذكَر الْخِرَقِىُّ شَرْطًا خامسًا، وهو تَفْرِيقُ الحاكمِ بينهما. وهذا على الرِّوايةِ التى تَشْتَرِطُ تَفْرِيقَ الحاكمِ لوُقوعِ الفُرْقَةِ، فأمَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فلا يُشْتَرَطُ تَفْريقُ الحاكمِ لنَفْىِ الولدِ، كما لا يُشْتَرَطُ لدَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا لفَسْخِ النِّكاحِ. وشَرَطَ أيضًا شَرْطًا سادِسًا، وهو أَن يكونَ قد قَذَفَها. وهذا شَرْطُ اللِّعانِ (١٨)، فإنَّه لا يكونُ إلَّا بعدَ القَذْفِ، وسنَذْكُرُه إن شاء اللَّهُ تعالى. فصل: وإن وَلَدتِ امرأتُه تَوْأَمَيْنِ، وهو أَن يكونَ بينهما دون سِتَّةِ أشْهُرٍ. فاسَتَلْحَقَ (١٩) أحَدَهما، ونَفَى الآخرَ، لَحِقَا به؛ لأنَّ الحَمْلَ الواحدَ لا يجوزُ أَن يكونَ بعضُه منه وبعضُه من غيرِه، فإذا ثَبَتَ نَسَبُ أحَدِهما منه، ثَبَتَ نسبُ الآخَرِ ضَرُورةً، فجعلْنا ما نَفَاه تابِعًا لما اسْتَلْحَقَه، ولم نَجْعَلْ ما أقَرَّ به تابِعًا لما نَفَاه؛ لأنَّ النَّسَبَ يُحْتاطُ لإثْباتِه لا لِنَفْيِه، ولهذا لو أتَتْ امرأتُه بولدٍ يُمْكِنُ كونُه منه، ويُمْكِنُ أَن يكونَ من غيرِه، ألْحَقْناه به احْتِياطًا، ولم نَقْطَعْه عنه احْتِياطًا لِنَفْيِه. فإن كان قد قَذَفَ أُمَّهما وطَالَبَتْه بالحَدِّ، فله إسْقاطُه باللِّعانِ. وحُكِىَ عن القاضى، أنَّه يُحَدُّ، ولا يَمْلِكُ إسْقاطَه

стр. 5693

باللِّعانِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه باسْتِلْحاقِه اعْتَرفَ بكَذِبِه فى قَذْفِه، فلم يُسْمَعْ إنكارُه بعدَ ذلك. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه لا يَلْزَمُ من كَوْنِ الولدِ منه، انْتِفاءُ الزِّنَى عنها، كما لا يَلْزمُ من وُجودِ الزِّنَى منها كونُ الولدِ منه، ولذلك لو أقرت بالزِّنَى، أو قامتْ به بَيِّنةٌ، لم يَنتَفِ الولدُ عنه، فلا تَنافِىَ بين لِعانِه وبين اسْتِلْحاقِه (٢٠) للولدِ. وإن اسْتَلْحَقَ أحدَ (٢١) التَّوْأمَيْنِ وسَكَتَ عن الآخَرِ، لَحِقَه؛ لأنَّه لو نَفَاه لَلَحِقَه إلَّا (٢٢)، فإذا سَكَتَ عنه كان أوْلَى، ولأنَّ امرأتَه متى أتَتْ بوَلدٍ، لَحِقَه ما لم يَنْفِه عنه (٢٣) باللِّعانِ (٢٤). وإن نَفَى أحَدَهما، وسَكَتَ عن الآخَرِ، لَحِقاهُ جميعًا. فإنَّ قيل: ألا نَفَيْتُم المَسْكوتَ عنه؛ لأنَّه قد نَفَى أخاه، وهما حَمْلٌ واحدٌ؟ قُلْنا: لحُوقُ النَّسَبِ مَبْنِىٌّ على التَّغْلِيبِ، وهو يَثْبُتُ بمُجَردِ الإِمكانِ، وإن كان لم يَثْبُتِ الوَطْءُ، ولا يَنْتَفِى [لإِمْكانِ النَّفْىِ] (٢٥)، فافْترَقا. فإن أتَتْ بوَلدٍ، فنَفَاه، ولَاعَنَ لِنَفْيِه، ثم ولدَتْ آخَرَ لأقَلَّ من سِتَّةِ أشهُرٍ، لم يَنْتَفِ الثانى باللِّعانِ الأوَّلِ؛ لأنَّ اللِّعانَ تناوَلَ الأوّلَ وحدَه، ويحتاجُ فى نَفْىِ الثانى إلى لِعانٍ ثانٍ. ويَحْتَمِلُ اعمله يَنْتَفِى بنَفْيِه من غيرِ حاجةٍ إلى لِعانٍ ثانٍ؛ لأنَّهما حَمْلٌ واحدٌ، وقد لَاعَنَ لِنَفْيِه مَرَّةً، فلا يحْتاجُ إلى لِعانٍ ثانٍ. ذكرَه القاضى. فإن أقَرَّ بالثانى، لَحِقَه هو والأوَّلُ؛ لما ذكَرْناه، وإن سَكَتَ عن نَفْيِه، لَحِقَاه أيضًا. فأمَّا إن نَفَى الولدَ باللِّعانِ، ثم أتَتْ بولدٍ آخرَ لعدَ سِتَّةِ أشهُرٍ، فهذا من حَمْلٍ آخَرَ، فإنَّه لا يحوزُ أن يكونَ بين ولَدَيْنِ من حَمْلٍ واحدٍ مُدّةُ الحَمْلِ، ولو أمْكنَ لم تكُنْ هذه مُدَّةَ حَمْلٍ كاملٍ. فإن نَفَى هذا الولدَ باللِّعانِ، انْتَفَى، ولا يَنْتَفِى بغيرِ اللِّعانِ؛ لأنَّه حَمْلٌ مُنْفَرِد، وإن اسْتَلْحَقَه، أو تَرَكَ نَفْيَه، لَحِقَه وإن كانتْ قد بانَتْ باللِّعانِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أَن يكونَ قد وَطِئَها بعد وَضْعِ

стр. 5694

الأوَّلِ. وإن لَاعَنها قبلَ وَضْع الأوَّلِ، فأتَتْ بوَلدٍ، ثم ولدَتْ آخرَ بعدَ ستَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقْهُ الثانى؛ لأنَّها بانَتْ باللِّعانِ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الأوَّلِ، وكان حَمْلُها الثانى بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتها فى غيرِ نكاحٍ، فلم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه. فصل: وإن مات أحدُ التَّوْأَمَيْنِ، أو ماتا معًا، فله أَن يُلَاعِنَ لنَفْىِ نَسَبِهما. وبهذا (٢٦) قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه نَسَبُ الحَىِّ، ولا يُلاعِنُ إلَّا لنَفْى الحَدِّ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يَصِحُّ نَفْيُه باللِّعانِ، فإنَّ نَسَبَه قد انقَطَعَ بمَوْتِه، فلا حاجةَ إلى نَفْيِه باللِّعانِ، كما لو ماتتِ امرأتُه، فإنَّه لا يُلَاعِنُها بعدَ مَوْتِها، لقَطْعِ النِّكاحِ، لكَوْنِه قد انْقَطَعَ، وإذا لم يَنْتَفِ المَيِّتُ لم يَنْتَفِ الحىُّ؛ لأنَّهما حَمْلٌ واحدٌ. ولَنا، أَنَّ الميِّتَ يُنْسَبُ إليه، فيقال: ابنُ فلانٍ. ويَلْزَمُه تَجْهِيزُه، وتَكْفِينُه، فكان له نَفْىُ نَسَبِه، وإسقاطُ مُؤْنَتِه، كالحَىِّ، وكما لو كان للمَيِّتِ ولدٌ. ١٣٣٢ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَحِقَه الْوَلَدُ) . وجملةُ ذلك أنَّ الرجلَ إذا لَاعَنَ امرأتَه، ونَفَى ولَدَها، ثم أكْذَبَ نفسَه، لَحِقَه الولدُ إذا كان حيًّا، بغير خلافٍ بين أهلِ العلمِ. وإن كان مَيِّتًا، لَحِقه نَسَبُه أيضًا. فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، سواءٌ كان له ولدٌ أو لم يكُنْ، وسَواءٌ خَلَّفَ مالًا أو لم يُخَلِّفْ؛ وذلك لأنَّ النَّسَبَ حَقٌّ للولدِ، فإذا أقَرَّ به، لَزِمَه، وسَواءٌ (١) تقدَّم إنكارُه له أو لم يكُنْ، ولأنَّ سَبَبَ نَفْيِه عنه نَفْيُه له، فإذا أكْذَبَ نفسَه. فقد زال سَبَبُ النَّفْى، وبَطَلَ، فوَجَبَ أَن يَلْحَقَه نَسَبُه بحُكْمِ النِّكاحِ الموُجِبِ لِلُحُوقِ نَسَبِه به. فصل: والقَذْفُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ واجبٌ، وهو أَن يَرَى امرأتَه تَزْنِى فى طُهْرٍ لم يَطَأْها (٢) فيه، فإنه يَلْزَمُه اعْتِزالُها حتى تَنْقَضِىَ عِدّتُها، فإذا أتَتْ بوَلدٍ لسِتّةِ أشْهُرٍ من

стр. 5695

حينِ الزِّنَى، وأمْكَنَه نَفْيُه عنه، لَزِمَه قَذْفُها، ونَفْىُ وَلَدِها؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى اليَقِينِ فى أَنَّ الولدَ من الزَّانِى، فإذا لم يَنْفِه، لَحِقَه الولدُ، ووَزِده، ووَرِثَ أقارِبَه، ووَرِثُوا منه، ونظَر إلى بناتِه وأخَواتِه، وليس ذلك بجائزٍ، فيَجِبُ نَفْيُه لإِزالةِ ذلك. ولو أقَرّتْ بالزِّنَى، ووَقَعَ فى قَلْبِه صِدْقُها، فهو كما لو رآها. الثانى، أَنَّ يَراها تَزنِى، أو يَثْبُتَ عنده زِناها، وليس ثَمَّ ولدٌ يَلْحَقُه نَسَبُه، أو ثَمَّ ولدٌ لكنْ لا يَعْلَمُ أنَّه من الزِّنَى، أو يُخْبِرَه بزِنَاها ثِقَةٌ يُصَدِّقُه، أو يَشِيعَ فى الناسِ أَنَّ فلانًا يَفْجُرُ بفُلانةَ، ويُشاهِدَه عندها، أو داخلًا إليها أو خارجًا من عندِها، أو يَغْلِبَ على ظَنِّه فُجُورُهَا، فهذا له قَذْفُها؛ لأنَّه رُوِىَ عن عبدِ اللَّه، أَنَّ رجلًا أتَى النبىَّ ﷺ ، فقال: أرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مع امرأتِه رجلًا، فتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوه، أو قَتَلَ قَتَلْتُمُوه، أو سَكَتَ سَكَتَ على غيظٍ (٣). فذكَر أنَّه يتَكَلّمُ أو يَسْكُتُ، ولم يُنْكِرْ عليه النَّبىُّ ﷺ . ولأنَّ النبىَّ ﷺ لم يُنْكِرْ على هِلالٍ والعَجْلانِىِّ قَذْفَهُما حين رَأَيَا (٤). وإن سكَتَ جازَ، وهو أحسنُ؛ لأنَّه يُمْكِنُه فِراقُها بطَلاقِها، ويكونُ فيه سَتْرُها وسَتْرُ نَفْسِه، وليس ثَمَّ ولدٌ يَحْتاجُ إلى نَفْيِه. الحال الثالث، مُحَرَّمٌ، وهو ماعَدَا ذلك، من قَذْفِ أزواجِه والأجانِبِ، فإنَّه من الكبائرِ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). وقال النَّبىُّ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأةٍ أدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَها اللَّهُ جَنتَّهَ، وأيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ ولَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّه مِنْهُ، وفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَوَّلِينَ والآخِرينَ". روَاه أبو داودَ (٦).

стр. 5696

قولُه: "وهُوَ يَنْظُرُ إلَيْه". يَعْنِى يَرَاه منه، فكما حَرَّمَ اللَّهُ على المرأةِ أَن تُدْخِلَ على قَوْمٍ مَن ليس منهم، حَرَّمَ على الرَّجُلِ جَحْدَ وَلَدِه. ولا يجوزُ قَذْفُها بخَبَرِ مَنْ لا يُوثَقُ بخَبَرِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْمونٍ على الكذِبِ عليها، ولا برُؤْيَتهِ رَجُلًا خارجًا من عندِها من غيرِ أَن يَسْتَفِيضَ زِنَاها؛ لأنَّه يجوزُ أَن يكونَ دَخَلَ سارِقًا، أو هارِبًا، أو لحاجةٍ، أو لَغَرَضٍ فاسدٍ، فلم يُمْكِنْهُ، ولا لِاسْتفاضَةِ ذلك فى الناس من غيرِ قَرِينةٍ تَدُلُّ على صِدْقِهِم؛ لِاحْتِمالِ أَن يكونَ أعداؤُها أشاعُوا ذلك عنها. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يجوزُ؛ لأنَّ الاسْتِفاضةَ أقْوىَ من خَبَرِ الثِّقةِ. ولا بمُخالفةِ (٧) الوَلَدِ لَوْنَ والِدَيْه أو شَبَهِهما، ولا لِشَبَهِه بغيرِ والِدَيْه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ قال: جاء رَجُلٌ من بَنِى فَزَارةَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: إنَّ امْرَأتِى جاءت بوَلَدٍ أسْوَدَ. يُعَرِّضُ بنَفْيِه، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قال: نعم. قال: "فَمَا ألْوَانُها؟ ". قال: حُمْر. قال: "هَلْ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ؟ ". قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا (٨). قال: "فَأَنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟ " قال: عَسَى أَن يكونَ نَزَعَه عِرْقٌ. قال: "فَهذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ (٩) نَزَعَهُ عِرْقٌ". قال: ولم يُرَخِّصْ له فى (١٠) الانْتِفاءِ منه. مُتَّفَقٌ عليه (١١). ولأنَّ الناسَ كُلَّهُم من آدَمَ وحَوّاءَ، وألْوانُهُم وخِلَقُهُم مُخْتَلِفةٌ، فَلولَا مُخالَفَتُهُم شَبَهَ والِدَيْهِم، لَكانوا على صِفَةٍ (١٢) واحدةٍ، ولأنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ ضَعِيفَةٌ، ودلالةَ وِلَادَتِه على الفِرَاشِ قَويّةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ القَوِىِّ لمُعارَضَةِ الضعيفِ، ولِذلك لمَّا تنازَعَ سعدُ بن أبى وَقَّاصٍ، وعبدُ بن زَمْعةَ، فى ابْنِ وَلِيدةِ

стр. 5697

زَمْعَةَ، ورأى النَّبِىُّ ﷺ بِهِ (١٣) شَبَهًا بَيِّنًا بعُتْبَةَ، أَلْحَقَ الوَلدَ بالفِرَاشِ، وَتَرَكَ الشَّبَهَ (١٤). وهذا اختيارُ أبى عبدِ اللَّه ابن حامد، وأحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وذكر القاضى، وأبو الخطَّابِ أَنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، جوازُ نَفْيِه. وهو الوَجْهُ الثانِى لأصحابِ الشافعىِّ، لقوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، فى حديث اللِّعَانِ: "إنْ جاءَتْ به أوْرَقَ جَعْدًا جُماليًّا خَدَلَّجَ الساقَيْنِ سابغَ الألْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِى رُمَيْت بِه". فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لوْلا الأَيْمانُ، لَكان لى ولها شَأْنٌ (١٥) ". فجَعَلَ الشَّبَهَ دليلًا على نَفْيِه عنه، [والصحيحُ الأَوَّلُ. وهذا الحديثُ إنَّما يَدُلُّ على نَفْيِه عنه] (١٦)، مع ما (١٧) تقدَّمَ من لِعانِهِ ونَفْيِه إيَّاهُ (١٧) عن نَفْسِه، فجعلَ الشَّبَه مُرَجِّحًا لقولِه، ودليلًا على تَصْدِيِقِه، وما تقَدّمَ من الأحاديثِ يدُلُّ على عَدَمِ اسْتِقْلالِ الشَّبَهِ بالنَّفْىِ، ولأنَّ هذا كان فى موضِع زال الفِرَاشُ، وانْقَطَعَ نَسَبُ الولدِ عن صاحِبِه، فلا يَثْبُتُ مع بَقَاءِ الفِراشِ المُقْتَضِى لُحُوقَ نَسَبِ الولدِ بصاحِبِه. وإن كان يَعْزِلُ عن امْرأتِه، فأتَتْ بوَلدٍ، لم يُبَحْ له نَفْيُه؛ لما ذكَرْنا من حديثِ جابرٍ وأبى سَعِيدٍ (١٨). وعن أبى سعيدٍ، أنَّه قال: يا رَسُولَ اللَّه، إنَّا نُصِيبُ من النِّساءِ، ونُحِبُّ الأثْمانَ، أفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ قال: "إِنَّ اللَّه إذَا قَضَى خَلْقَ نَسَمَةٍ خَلَقَها". ولأنَّه قد يَسْبِقُ من الماء ما لا يُحِسُّ به فتَعْلَقُ. وأمَّا إن كان لا يَطَؤُها إلَّا دُونَ الفَرْجِ، أو فى الدُّبُرِ، فأتَتْ بولدٍ، فذَكَر أصحابُنا أنَّه ليس له نَفْيُه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أَنَّ يَسْبِقَ الماءُ إلى الفَرْجِ فيَعْلَقَ به. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وهو بعيدٌ، لأنَّه من أحْكامِ الوَطْءِ فى الفَرْجِ، فلا يتَعَلَّقُ (١٩) بما دُونَه كسائرِ الأحْكام، ودَلَالةُ عَدَمِ

стр. 5698

الوَطْءِ فى الفَرْجِ على انتفَاءِ الوَلَدِ أشَدُّ من دلالةِ مُخالفةِ الوَلَدِ لَوْنَ والِدَيْه. فأمَّا إن وُجِدَ أحَدُ هذه الوُجُوهِ التى ذكَرْنا مع الزِّنَى، ويَحْتَمِلُ كَوْنُه منه أو من الزَّانِى، مثل أَن زَنَتْ فى طُهْرٍ أصَابَها فيه، أو زَنَتْ فلم يَعْتَزِلْها، ولكنه كان يَعْزِلُ عنها، أو كان لا يَطَؤُها إلَّا دونَ الفَرْجِ، لو كان الولدُ شَبِيهًا بالزَّانِى دُونَه، لَزِمَه نَفْيُه؛ لأنَّ هذا مع الزِّنَى يُوجِبُ نِسْبَتَه إلى الزَّانِى، بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَكَمَ بولدِ امرأةِ هِلالٍ لشَرِيكِ بن سَحْماء، بشَبَهِه له، مع لِعانِ هلالٍ لها، وقَذْفِه إيَّاها. وأمَّا إذا أتَتْ زَوْجَتُه بولدٍ، فشَكَّ فيه من غير مَعْرِفَتِه لِزِنَاها، فلا يَحِلُّ له قَذْفُها، ولا لِعانُها؛ لما تقَدَّمَ من حديثِ الفَزَارِىّ. وكذلك إن عَرَفَ زِناهَا، ولم يَعْلَمْ أَنَّ الوَلَدَ من الزَّانِى، ولا وُجِدَ دَلِيلٌ عليه، فليس له نَفْيُه؛ لأنَّ الولَدَ للفِرَاشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ. فصل: فإن أُكْرِهَتْ زَوْجَتُه على الزِّنَى فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، فأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أَن يكونَ من الواطِئ، فهو منه، وليس للزَّوْجِ قَذْفُها بالزِّنَى؛ لأنَّ هذا ليس بزِنًى منها. وقياسُ المذهبِ أنَّه ليس له نَفْيُه، ويَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّ نَفْىَ الولدِ لا يكونُ إلَّا باللِّعانِ، ومِن شَرْطِ اللِّعانِ القَذْفُ، ولأنَّ اللِّعانَ لا يَتِمُّ إلَّا بلِعانِ المرأةِ، ولا يَصِحُّ اللعانُ من المرأةِ ههُنا؛ لأنَّها لا تُكَذِّبُ الزَّوْجَ فى إكْراهِها على ذلك. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وذكر بعضُ أصحابِنا أَنَّ (٢٠) فى ذلك روايتَيْنِ؛ إحداهما، له نَفْيُه باللِّعانِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، فكان له نَفْيُه، كما لو زَنَتْ مُطاوِعةً. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وهذا إنَّما يَصِحُّ عند الشافعىِّ لأنَّه يَرَى نَفْىَ الوَلَدِ بلِعانِ الزَّوْجِ وحدَه. وأما مَنْ لا يَرَى ذلك، فلا يَصِحُّ عنده النَّفْىُ باللِّعانِ ههُنا. واللَّه تعالى أعلم. ١٣٣٣ - مسألة؛ قال: (وإِنْ نَفَى الحَمْلَ فى الْتِعَانِهِ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ (١) حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ، ويُلَاعِنَ)

стр. 5699

اخْتلَف أصحابُنا فيما إذا لَاعَنَ امرأتَه وهى حامِلٌ، ونَفَى حَمْلَها فى لِعانِه، فقال الْخِرَقِىُّ وجماعةٌ: لا يَنْتَفِى الحملُ بِنَفْيِه قبلَ الوَضْعِ، ولا يَنْتَفِى حتى يُلَاعِنَها بعدَ الوَضْعِ، ويَنْتَفِى الولدُ فيه. وهذا قول أبى حنيفة، وجماعةٍ من أهلِ الكُوفةِ؛ لأنَّ الحملَ غيرُ مُسْتَيْقَنٍ يجوزُ أن يكونَ رِيحًا، أو غيرها، فيَصِيرُ نَفْيُه مَشْرُوطًا بوُجُودِه، ولا يجوزُ تَعْليقُ اللِّعانِ بشَرْطٍ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وجماعةٌ من أهلِ الحجازِ: يَصِحُّ نَفْىُ الحملِ، ويَنْتَفِى عنه، مُحْتجِّين بحديثِ هلالٍ، وأنَّه نَفَى حملَها فنَفاهُ عنه النَّبِىُّ ﷺ وأَلحَقَه بالأُمِّ (٢). ولا خَفاءَ بأنَّه كان حَمْلًا، ولهذا قال النَّبىُّ ﷺ : "انْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ به كذا وكذا". قال ابنُ عبدِ البَرِّ: الآثارُ الدَّالةُ على صِحَّةِ هذا القولِ كثيرةٌ. وأوْرَدَها. ولأنَّ الحملَ مَظْنُونٌ بأَماراتٍ تَدُلُّ عليه، ولهذا ثَبَتَتْ (٣) للحاملِ أحكامٌ تُخالِفُ فيها (٤) الحائلَ؛ من النَّفقةِ، والفِطْرِ فى الصِّيامِ، وتَرْكِ إقامةِ الحَدِّ عليها، وتأْخيرِ القِصاصِ عنها، وغيرِ ذلك ممَّا يَطُولُ ذِكْرُه. ويَصِحُّ اسْتِلْحاقُ الحملِ، فكان كالولدِ بعدَ وَضْعِه. وهذا القولُ هو الصَّحِيحُ؛ لمُوافقتِه ظَواهِرَ الأحاديثِ، وما خالفَ الحديثَ لا يُعْبَأُ به كائِنًا ما كان. وقال أبو بكرٍ: يَنْتَفِى الولدُ بزَوالِ الفِرَاشِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه فى اللعانِ. احْتِجاجًا بظاهرِ الأحاديثِ، حيث لم يُنْقَلْ فيها نَفْىُ الحَمْلِ، ولا التَّعَرُّضُ لِنَفْيِه. ومْد ذكرنا ذلك، فأمَّا مَنْ قال: إن الولدَ لا ينْتَفِى إلَّا بِنَفْيِه بعدَ الوَضْعِ، فإنَّه يحْتاجُ فى نَفْيِه إلى إعادةِ اللِّعانِ بعدَ الوَضْعِ. وقال أبو حنيفةَ ومَنْ وافَقَه: إن لَاعَنَها حاملًا، ثم أتَتْ بالولدِ، لَزِمَه، ولم يتمَكَّنْ من نَفْيِه؛ لأنَّ اللعانَ لا يكونُ إلَّا بين الزَّوْجَيْنِ، وهذه قد بانتْ بلِعانِها فى حالِ (٥) حَمْلِها. وهذا فيه إلْزامُه ولدًا ليس منه، وسَدُّ بابِ الاْنتِفاءِ من أوْلادِ الزِّنَى، واللَّه تعالى قد جَعَلَ له إلى ذلك طَريقًا، فلا يجوزُ سَدُّه،

стр. 5700

وإنَّما تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ فى الحالِ التى أضافَ الزِّنَى إليها فيه؛ لأنَّ الولدَ الذى (٦) تأتِى به يَلْحَقُه إذا (٧) لم يَنْفِه، فيحتاجُ إلى نَفْيِه، وهذه كانت زَوجةً فى تلك الحالِ، فمَلَكَ نَفْىَ ولدِها. واللَّه أعلم. فصل: وإن اسْتَلْحَقَ الحملَ، فمَن قال: لا يَصِحُّ نَفْيُه. قال: لا يصحُّ اسْتِلْحاقُه. وهو المنْصوصُ عن أحمدَ. ومن أجازَ نَفْيَه، قال: (٨) يَصِحُّ اسْتِلْحاقُه. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَحْكومٌ بوُجُودِهْ، بدليل وُجُوبِ النفقةِ، ووَقْفِ الميراثِ، فصحَّ الإِقرارُ به كالمولودِ، وإذا اسْتَلْحَقَه لم يَمْلِكْ نفيَه بعدَ ذلك، كما لو اسْتَلْحَقَه بعد الوضعِ. ومَنْ قال: لا يَصِحُّ اسْتِلْحاقُه. قال: لو صَحَّ استلحاقُه لَلَزِمَه (٩) بِتَرْكِ نَفْيِه كالمولودِ، ولا يَلْزَمُه ذلك بالإِجماعِ. ولأنَّ للشَّبَهِ (١٠) أثَرًا فى الإِلْحاقِ، بدليلِ حديثِ المُلاعَنةِ، وذلك مُخْتَصٌّ بعدَ الوضعِ، فاخْتُصَّ صحةُ الإِلْحاقِ (١١) به. فعلى هذا، لو اسْتَلْحقَه ثم نَفاه بعدَ وَضْعِه، كان له ذلك، فأمَّا إن سَكَتَ عنه، فلم يَنْفِه، ولم يَسْتَلْحِقْه، لم يَلْزَمْه عندَ أحَدٍ عَلِمْنا قولَه؛ لأنَّ تَرْكَه يحْتَمِلُ أَن يكونَ لأنَّه لا يتحَقَّقُ وُجودَه إلَّا أَنَّ يُلَاعِنَها، فإنَّ أبا حنيفةَ ألْزَمَه الولدَ، على ما أسْلَفْناه. فصل: وإذا ولَدتِ امرأتُه ولدًا، فسَكَتَ عن نَفْيِه، مع إمْكانِه، لَزِمَه نَسَبُه، ولم يكُنْ له نفيُه بعدَ ذلك. وبهذا قال الشافعىُّ، قال أبو بكرٍ: لا يتقَدَّرُ ذلك بثلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إن كان ليلًا فحتى يُصْبِحَ ويَنْتَشِرَ الناسُ، وإن كان جائِعًا أو ظَمْآنَ فحتى يأكُلَ أو يَشْرَبَ، أو ينامَ إن كان ناعِسًا، أو يَلْبَسَ ثِيابَه ويُسْرِجَ دابَّتَه

стр. 5701

ويَرْكَبَ ويُصَلِّىَ إن حَضَرتِ الصلاةُ، ويُحْرِزَ (١٢) مالَه إن كان غيرَ مُحْرَزٍ (١٣)، وأشْباه هذا (١٤) من أَشْغالِه، فإن أخَّرَه بعدَ هذا كلِّه، لم يكُنْ له نَفْيُه. وقال أبو حنيفةَ: له تأخيرُ نَفْيِه يومًا ويومينِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ النَّفْىَ عَقِيبَ الوِلادةِ يَشُقُّ، فقُدِّرَ باليَوْمينِ لقِلّتِه. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يتَقَدّرُ بمُدَّةِ النِّفاسِ؛ لأنَّها جارِيةٌ مَجْرَى الوِلادةِ فى الحُكْمِ. وحُكِىَ عن عَطاء، ومُجاهدٍ، أَنَّ له نَفْيَه ما لم يَعْتَرِفْ به فكان له نفيُه، كحالةِ الوِلادةِ. ولَنا، أنَّه خِيارٌ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فكان على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعةِ، وقولُ النبىِّ ﷺ : "الْوَلَدُ للفِرَاشِ" (١٥). عامٌّ خرَج منه ما اتّفَقْنا عليه مع السُّنَّةِ الثابتةِ، فما عَدَاه يَبْقَى على عُمُومِ الحديثِ، وما ذكَره أبو حنيفةَ يَبْطُلُ بخِيارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ، والأخْذِ بالشُّفْعةِ، وتقدِيرُه بمُدّةِ النِّفاس تَحَكُّمٌ لا دلِيلَ عليه، وما قاله عطاءٌ يَبْطُلُ أيضًا بما ذكَرْناه، ولا يَلْزَمُ القِصاصُ؛ فإنَّه (١٦) لِاسْتِيفاءِ حَقٍّ لا لِدَفْعِ ضَرَرٍ، ولا الْحَمْلُ؛ لأنَّه (١٧) لم يتَحَقَّقْ ضَرَرُه. إذا ثَبَتَ هذا، فهل يتقدَّرُ الخِيارُ فى النَّفْى بمَجْلِسِ العِلْمِ، أو بإمكانِ النَّفْى؟ على وجهينِ؛ بِناءً على المُطالبةِ بالشُّفْعةِ، فإن أخَّرَ نَفْيَه عن ذلك، ثم ادَّعَى أنَّه لا يَعلمُ بالوِلادةِ، وأمْكَنَ صِدْقُه، بأن يكونَ فى مَوْضعٍ يَخْفَى عليه ذلك، مثل أن يكونَ فى مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ العِلْمِ، وإن لم يُمْكِنْ، مثل أن يكونَ معها فى الدَّارِ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ ذلك لا يكادُ يَخْفَى عليه. وإن قال: عَلِمْتُ وِلادَتَه، ولم أعلمْ أَنَّ لى نَفْيَه. أو: عَلِمْتُ ذلك، ولم أعلمْ أنَّه على الفَوْرِ. وكان ممَّن يَخْفَى عليه ذلك، كعامَّةِ الناسِ، قُبِلَ منه؛ لأنّ هذا ممَّا يَخْفَى عليهم، فأشْبَهَ ما لو كان حديثَ عهدٍ بإسْلام، وإن كان فقيهًا، لم يُقْبَلْ ذلك منه؛ لأنَّه ممَّا لا

стр. 5702

يَخْفَى عليه ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه؛ لأنَّ الفَقِيهَ يَخْفَى عليه كثيرٌ من الأحكامِ. وقال أصحابُنا: لا يُقْبَلُ ذلك من الفَقِيه، ويُقْبَلُ من الناشئ ببادِيةٍ، وحديثِ العَهْدِ بالإِسلامِ. وهل يُقْبَلُ من سائرِ العامَّةِ؟ على وَجْهين. وإن كان له عُذْرٌ يَمْنَعُه من الحُضُورِ لِنَفْيِه، كالمَرَض والحَبْسِ، أو الاشْتِغالِ بحِفْظِ مالٍ يخافُ ضَيْعَتَه، أو بمُلازَمةِ غرِيمٍ يخافُ فوتَه أو غَيْبَتَه، نَظَرْتَ؛ فإن كانتْ مُدَّةُ ذلك قصيرةً [فأخَّرَهُ إلى] (١٨) الحضُورِ ليَزُولَ عُذْرُه، لم يَبْطُلْ نَفْيُه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ مَنْ عَلِمَ ذلك ليلًا فأخَّرَه إلى الصُّبْحِ، وإن كانت تَتَطاولُ، فأمْكَنَه التنفِيذُ إلى الحاكمِ ليَبْعَثَ إليه مَنْ يَسْتَوْفِى عليه اللِّعان والنَّفْىَ، فلم يَفْعَلْ، سَقَطَ نَفْيُه، فإن لم يُمْكِنْه، أشْهَدَ على نَفْسِه أنَّه نافٍ لوَلَدِ امرأتِه، فإن لم يَفْعَلْ، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه إذا لم يَقْدِرْ على نَفْيِه قام (١٩) الإِشْهادُ (٢٠) مَقامَه، كما يُقيمُ المريضُ الفَيْئةَ بقَوْلِه، بَدَلًا عن الفَيْئةِ بالجماعِ. فإن قال: لم أُصَدِّق المُخْبِرَ عنه. نَظَرْتَ؛ فإن كان مُسْتَفِيضًا مُنْتَشِرًا، لم يُقْبَلْ قولُه، [وإن لم يكنْ مُستفيضًا، وكان المُخْبِرُ مَشْهُورَ العَدالةِ، لم يُقْبَلْ قولُه] (٢١)، وإلَّا قُبِلَ. وإن قال: لم أعْلَمْ أَنَّ علىَّ ذلك. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه ممَّا يَخْفَى. وإن عَلِمَ وهو غائبٌ، فأمْكَنه السَّيرُ، فاشْتَغَلَ به، لم يَبْطُلْ خِيارُه، وإن أقام مِن غيرِ حاجةٍ، بَطَلَ؛ لأنَّه أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، وإن كانتْ له حاجةٌ تَمْنَعُه من السَّيْرِ، فهو على ما ذكرنا من قبلُ. وإن أخَّرَ نَفْيَه لغيرِ عذرٍ، وقال: أَخَّرْتُ نَفْيَه رَجاءَ أن يَمُوتَ، فأَسْتُرَ عليه وعلىَّ. بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه أخَّرَ نَفْيَه مع الإِمْكانِ لغيرِ عُذْرٍ. فصل: فإنْ هُنِّئَ به، فأمَّنَ على الدُّعَاءِ، لَزِمَه. فى قولهم جميعا. وإن قال: أَحْسَنَ اللَّهُ جَزاءَك. أو: بارَكَ اللَّه عليك. أو: رَزَقَكَ اللَّه مثلَه. لَزِمَه الوَلَدُ. وبهذا قال

стр. 5703

أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه جازَاه على قَصْدِه. وإذا قال: رَزَقكَ اللَّهُ مثلَه. فليس ذلك إقْرارًا، ولا مُتَضَمِّنا له. ولَنا، أَنَّ ذلك جوابُ الرَّاضِى فى العادةِ، فكان إقْرارًا، كالتَّأْمِينِ على الدُّعاءِ. وإن سَكَتَ، كان إقْرارًا. ذكره أبو بكرٍ؛ لأنَّ السُّكوتَ صُلْحٌ دَالًّا (٢٢) على الرِّضَى فى حَقِّ البِكْرِ، وفى مواضعَ أُخْرَى (٢٣)، فههُنا أَوْلَى. وفى كلِّ مَوْضعٍ لَزِمَه الولدُ، لم يكُنْ له نَفْيُه بعدَ ذلك. فى قولِ جماعةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحسنُ: له أن يُلَاعِنَ لنَفْيِه ما دامتْ أُمُّه عنده يَصِيرُ لها الوَلَدُ، ولو أقَرَّ به. والذى عليه الجمهورُ أوْلَى؛ فإنَّه أقرَّ به، فلم يَمْلِكْ جَحْدَه، كما لو بانَتْ منه أُمُّه، ولأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ عليه، فلم يُقْبَلْ منه جَحْدُه، كسائرِ الحُقُوقِ. ١٣٣٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ جَاءَتِ امرأَتُهُ بِوَلَدٍ، فَقَالَ: لَمْ تَزْنِ، ولكِنْ لَيْسَ (١) هذا الْوَلَدُ مِنِّى. فهُوَ وَلَدُه فِى الْحُكْمِ، ولَا حَدَّ عَلَيْه لَهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ المرأةَ إذا وَلَدَتْ. فقال زوجُها: ليس هذا الولدُ مِنِّى. أو قال: ليس هذا وَلَدِى. فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ هذا ليس بقَذْفٍ بظاهِرِه، لِاحْتمالِ أنَّه (٢) يريدُ أنَّه من زَوْجٍ آخرَ، أو من وَطْءٍ بشُبْهةٍ (٣)، أو غيرِ ذلك، ولكنَّه يُسْألُ، فإن قال: زَنَتْ، فولَدَتْ هذا من الزِّنَى. فهذا قَذْفٌ يَثْبُتُ به اللِّعانُ، وإن قال: أردْتُ أنَّه (٤) لا يُشْبِهُنى خَلْقًا ولا خُلُقًا. فقالت: بل أرَدْتَ قَذْفِى. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلمُ بمُرادِه، ولا (٥) سِيَّما إذا صَرَّحَ بقولِه: لم

стр. 5704

تَزْنِ. وإن قال: وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، والوَلَدُ من الْوَاطئ. فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْذِفْها، ولا قَذَفَ واطِئَها. وإن قال: أُكْرِهَتْ على الزِّنَى. فلا حَدَّ أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْذِفْهَا، ولا لِعانَ فى هذه المواضعِ؛ لأنَّه لم يَقْذِفْها، ومن شَرْطِ اللِّعانِ القَذْفُ، ويَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وذكر القاضى أن (٦) فى هذه الصُّورةِ الآخِرَةِ (٧) روايةً أُخْرَى، أنَّ له اللِّعانَ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْىِ الولدِ، بخلافِ ما إذا قال: وُطِئَتْ بشُبْهةٍ. فإنَّه يمْكِنُ نَفْىُ النَّسَبِ بِعَرْضِ الولدِ على القافَةِ (٨)، فيُسْتَغْنَى بذلك عن اللِّعانِ، فلا يُشْرَعُ، كما لا يُشْرَعُ لِعانُ أمَتِه، لمَّا أمْكنَ نَفْىُ نَسَبِ ولدِها بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولَنا، أن اللِّعانَ إنَّما وَرَدَ به الشَّرعُ بعدَ القَذْفِ، فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. الآية (٩). ولمَّا لَاعَنَ النبِىُّ ﷺ بين هِلالٍ وامرأتِه كان بعد قَذْفِه إيَّاها (١٠)، وكذلك لما لاعَنَ بين عُوَيْمِرٍ العَجْلانىِّ وامرأتِه كان بعد قَذْفِه إيَّاها (١١)، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ إلَّا فى مثلِه، ولأنَّ نَفْىَ اللِّعانِ إنَّما يَنْتَفِى به الولدُ بتَمامِه منهما، ولا يتَحَققُ اللِّعانُ من المرأةِ ههُنا. فأمَّا إن قال: وَطِئَكِ فلان بشُبْهةٍ، وأنت تَعْلَمِينَ الحالَ. فقد قَذَفَها، وله لِعانُها، ونَفْىُ نَسَبِ ولدِها، وقال القاضى: ليس له نَفْيُه باللِّعانِ. وكذلك قال أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه نَفْىُ نَسَبِه (١٢) بعَرْضِه على القافةِ (٨)، فأشْبَهَ ما لو قال: واشْتَبَه عليكِ أيضًا. ولَنا، أنَّه رامٍ لزَوْجَتِه، فيدخلُ فى عمومِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ولأنَّه رامٍ لِزَوجَتِه بالزِّنَى، فمَلَكَ لِعانَها ونَفْىَ وَلَدِها، كما لو قال: زَنَى بكِ فلانٌ. وما

стр. 5705

ذكرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قد لا يُوجَدُ قافَةٌ، وقد لا يعْترِفُ الرجلُ بما نُسِبَ إليه، أو يَغِيبُ، أو يموتُ، فلا يَنْتَفِى الولدُ. وإن قال: ما ولَدْتِهِ (١٣) وإنما الْتَقَطْتِه (١٤) أو اسْتَعَرْتِه (١٥). فقالت: بل هو وَلَدِى منكَ. لم يُقْبَلْ قولُ المرأةِ إلَّا بِبَيِّنةٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الوِلادةَ يُمْكِنُ إقامةُ الْبَيِّنةِ عليها، والأصلُ عَدَمُها، فلم تُقْبَلْ دَعْواها من غيرِ بَيِّنةٍ، كالدَّيْنِ. قال القاضى: وكذلك لا تُقْبَلُ دَعْوَاها للوِلادةِ، فيما إذا عَلَّقَ طَلاقَها بها، ولا دَعْوَى الأمةِ لها لِتَصِيرَ بها أُمَّ وَلَدٍ، ويُقْبَلُ قولُها فيها لِتَقْضِىَ عِدّتَها بها. فعلى هذا لا يَلْحَقُه الولدُ إلَّا أن تُقِيمَ بَيِّنةً، وهى امرأةٌ مَرْضِيَّةٌ، تَشْهَدُ بوِلادَتِها له، فإذا ثَبَتَتْ وِلادَتُها له، لَحِقَه نَسَبُه؛ لأنَّه وُلِدَ على فِراشِه، والوَلَدُ للفِرَاشِ. وذكر القاضِى، فى موضعٍ آخَرَ، أَنَّ القولَ قولُ المرأةِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١٦). وتَحْرِيمُ كِتْمانِه دليلٌ على قبولِ قَوْلِها فيه، ولأنَّه خارِجٌ من المرأةِ، تَنْقَضِى به عِدّتُها، فقُبِلَ قوُلها فيه، كالحَيْض، [ولأنَّه حُكْمٌ يتَعَلَّقُ بالوِلادةِ، فقُبِلَ قولُها فيه، كالحَيْضِ] (١٧). فعلى هذا، النَّسَبُ لَاحِقٌ به، فهل له نَفْيُه باللِّعانِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له نَفْيُه؛ لأنَّ إنْكارَه لوِلادَتِها إيَّاهْ، إقرارٌ بأنَّها لم تَلِدْه من زِنًى، فلا يُقْبَلُ إنكارُه لذلك، لأَنَّه تَكْذِيب لِنَفْسِه. والثانى، له نَفْيُه؛ لأنَّه رامٍ لزَوْجَتِه، ونافٍ لِوَلَدِها، فكان له نَفْيُه (١٨) باللِّعانِ، كغيرِه. فصل: ومَنْ ولَدَتِ امرأتُه ولدًا لا يُمْكنُ كونُه منه فى النِّكاحِ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه؛ لأنَّه يعلمُ أنَّه ليس منه، فلم يَلْحَقْه، كما لو أتتْ به عَقِيبَ نِكَاحِه لها، وذلك مثل أن تَأْتِىَ به لدُون سِتَّةِ أشهرٍ مُنْذُ (١٩) تَزَوّجَها، فلا يَلْحَقُ به، فى قولِ كلِّ مَنْ

стр. 5706

عَلِمْنا قولَه من أهلِ العلمِ؛ لأنَّنا نعلمُ أنَّها عَلِقَتْ به قبلَ أن يتَزَوّجَها. وإن كان الزوجُ طِفْلًا له أقلُّ من عَشْرِ سِنِين، فأتَتِ امرأتُه بولدٍ، لم يَلْحَقْه؛ لأنَّه لا (٢٠) يُوجَدُ ولدٌ لمِثْلِه، ولا يُمْكِنُه الوَطْءُ. وإن كان له عَشْرٌ، فحمَلتِ امرأتُه، لَحِقَه ولدُها؛ لقولِ النبِىِّ ﷺ : "واضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ، وفرقُوا بَيْنَهُمْ فى الْمَضَاجِعِ (٢١) ". وقال القاضى: يَلْحَقُ به، إذا أتَتْ به لتِسْعةِ أعوامٍ ونصفِ عامٍ مُدّةِ الحَمْلِ؛ لأنَّ الجارِيةَ يُولَدُ لها لتِسْعٍ، فكذلك الغلامُ. وقال أبو بكر: لا يَلْحَقُه حتى يَبْلُغ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يكونُ من الماءِ، ولا ينْزِلُ حتى يَبْلُغَ. ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يُمْكِنُ البُلُوغُ فيه، فيَلْحَقُه الولدُ، كالبالغِ، وقد رُوِىَ أَنَّ عمرَو بن العاص، وابنَه عبد اللَّه، لم يَكُنْ بينهما إلَّا اثنا عَشَرَ عاما، وأمْرُ النبِىِّ ﷺ بالتَّفْريقِ بينهم، دَلِيلٌ على إمكانِ الوَطْءِ الذى هو سَبَبُ الولادةِ، وأمَّا قياسُ الغُلامِ على الجاريةِ، فغيرُ صحيحٍ، فإنَّ الجارِيةَ يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها لِتسْع عادةً، والغُلامُ لا يُمْكِنُه الاسْتِمْتاعُ لتسعٍ، وقد تَحِيضُ لتسعٍ، وما عَهِدْنا (٢٢) بلوغَ غُلامٍ لتسعٍ. ولو تزَوَّجَ رجلٌ امرأةً فى مجلسٍ، ثم طَلَّقَها فيه قبلَ غيْبَتِه عنهم، ثم أتَتِ امرأتُه بولدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ العَقْدِ، أو تزَوَّجَ مشْرِقىٌّ بمَغْرِبِيَّة، ثم مَضَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأتَتْ بولدٍ، لم يَلْحَقْه. وبذلك قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يلْحَقُه بالعَقْدِ، ومُدَّةِ الحَمْلِ، ألَا تَرَى أنَّكم قُلْتُم: إذا مَضَى زمانُ الإِمْكانِ، لَحِقَ الولدُ، وإن عُلِمَ أنَّه لم يَحْصُلْ منه الوَطْءُ. ولَنا، أنَّه لم يَحْصُلْ إمْكانُ الوَطْءِ [فى هذا] (٢٣) العقدِ، فلم يَلْحَقْ به الولدُ، كزَوْجةِ ابن سَنَةٍ، أو كما لو وَلَدَتْه لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِمْكانَ إذا وُجِدَ لم يُعْلَمْ أنَّه ليس منه قَطْعًا، لجوازِ أن يكونَ وَطِئَها من حيثُ لا يَعْلَمُ، ولا سبيلَ لنا إلى معرفةِ حقيقةِ الوَطْءِ، فعَلَّقْنا الحُكْمَ على إمْكانِه فى النِّكاحِ، ولم

стр. 5707

يَجُزْ حَذْفُ الإِمْكانِ عن الاعْتبارِ؛ لأنَّه إذا انْتَفَى حَصَلَ اليقينُ بانْتِفائِه عنه (٢٤)، فلم يَجُزْ إلْحاقُه به مع يَقينِ كَوْنِه ليس منه. وإن ولَدَتِ امرأةُ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ، لم يَلْحَق نَسَبُه به. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ منه الإِنْزالُ والإِيلاجُ. وإن قُطِعَتْ أُنْثَياهُ دون ذَكَرِه، فكذلك؛ لأنَّه لا يُنْزِلُ ما يُخْلَقُ منه الولدُ. وقال أصحابُنا: يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ منه الإِيلاجُ، ويُنْزِلُ ماءً رَقِيقًا. ولَنا، أَنَّ هذا لا يُخْلَقْ (٢٥) منه ولدٌ عادةً، ولا وُجدَ ذلك، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ ذَكَرُه معهما، ولا اعتِبارَ بإِيلاجٍ لا يُخْلَقُ منه الولدُ، كما لو أَوْلَجَ إصْبَعَه. وأمَّا قَطْعُ ذَكَرِه وَحْدَه، فإنَّه يَلْحَقُه الولدُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يُسَاحِقَ، فيُنْزِلَ ماءً يُخْلَقُ منه الولدُ. ولأصْحابِ الشافعىِّ اخْتلافٌ فى ذلك، على نحو ما ذكرْنا من الخلافِ عندَنا. قال ابن اللَّبانِ: لا يَلْحَقُه الولدُ فى هاتَيْنِ الصُّورتينِ. [فى قولِ الجمهورِ] (٢٦). وقال بعضُهم: يَلْحَقُه بالفِرَاش. وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَلْحَقُ بالفِرَاش إذا أمْكَنَ، ألا تَرَى أنَّها إذا وَلَدَتْ بعد شَهْرٍ منذُ تَزَوَّجَها لم يَلْحَقْه، وههُنا لا يُمْكِنُ؛ لِفَقدِ المَنِىِّ من المَسْلُولِ، وَتَعَذُّرِ إيصالِ المنىِّ إلى قَعْرِ الرَّحِمِ من المَجْبُوبِ. ولا مَعْنَى لقولِ مَنْ قال: يَجوزُ أن تَسْتَدْخِلَ المرأةُ مَنِىَّ الرجلِ، فتَحْمِلَ؛ لأنَّ الولدَ مخلوقٌ من مَنِىِّ الرجلِ والمرأةِ جميعًا، ولذلك يأخُذُ الشَّبَهَ منهما، وإذا اسْتَدْخَلَتِ المنىَّ بغير جِماعٍ، لم تَحْدُثْ لها لَذّةٌ تُمْنِى بها، فلا يَخْتَلِطُ نَسَبُهما (٢٧)، ولو صَحَّ ذلك، لَكان الأجْنَبِيَّانِ الرجلُ والمرأةُ إذا تَصادقَا أنها اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّه، وأن الولدَ من ذلك الْمَنِىِّ، يَلْحَقُه نَسَبُه، وما قال ذلك أحدٌ. فصل: وإن طَلَّقَ امرأتَه وهى حاملٌ (٢٨)، فوضَعَتْ ولدًا، ثم ولدتْ آخرَ قبلَ مُضِىِّ

стр. 5708

سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهو (٢٩) من الزَّوْجِ (٣٠)؛ لأنَّنا نعْلمُ أنهما حَمْلٌ واحدٌ، فإذا كان أحدُهما منه، فالآخَرُ منه. وإن كان بينهما أكثرُ من سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقِ الزوجَ، وانْتَفىَ عنه من غيرِ لِعانٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ الولدان حَمْلًا واحدًا وبينهما مُدَّةُ الحملِ، فعُلِمَ أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، وانْقِضاءِ العِدَّةِ، وكَوْنِها أجْنَبِيَّةً، فهى كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ. وإن طَلَّقَها، فاعْتَدّتْ بالأقْراءِ، ثم ولَدَتْ ولدًا قبلَ مُضِىِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ من آخِرِ أقْرائِها، لَحِقَه؛ لأنَّنا تَيَقَنَّا أنَّها لم تَحْمِلْه بعدَ انْقضاءِ عِدَّتِها، ونعلمُ أنَّها كانت حاملًا به (٣١) فى زَمَنِ رُؤْيةِ الدَّمِ، فيَلْزَمُ أن لا يكونَ الدَّمُ حَيْضًا، فلم تَنْقَضِ عِدّتُها به. وإن أتَتْ به لأكثرَ من ذلك، لم يَلْحَقْ بالزَّوْجِ. وهذا قولُ أبى العَبَّاس ابن سُرَيْجٍ. وقال غيرُه من أصحابِ الشافعىِّ: يَلْحَقُ به؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ منه، والولدُ يَلْحَقُ بالإِمْكانِ. ولَنا، أنَّها أتَتْ به بعدَ الحُكْمِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فى وقتٍ يُمْكِنُ أن لا يكونَ منه، فلم يَلْحَقْه، كما لو انْقَضَتْ عِدّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الإِمْكانُ مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ أو العِدَّةِ، وأمَّا بعدَهما، فلا يُكتَفَى بالإِمْكانِ لِلَحاقِه، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِمْكانِ لِنَفْيه، وذلك لأنَّ الفِرَاشَ سَبَبٌ، ومع وُجُودِ السَّببَ يُكْتَفَى بإمْكانِ الحِكْمةِ واحتمالِها، فإذا انتفَى السَّببُ وآثارُه، فيَنْتَفِى الحكمُ لِانتِفائِهْ، ولا يُلْتَفَتُ إلى مُجَرَّدِ الإِمْكانِ. واللَّه أعلم. فأمَّا إن وَضَعَتْه قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ لأقَل من أرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَ بالزَّوْجِ، ولم يَنْتَفِ عنه إلَّا باللِّعانِ. وإن وضَعَتْه لأكْثرَ من أرْبعِ سِنينَ من حينِ الطَّلاقِ، وكان بائِنًا، انْتَفَى عنه بغيرِ لِعانٍ؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زوالِ الفِرَاشِ. وإن كان رَجْعِيًّا، فوَضَعَتْه لأكثرَ من أربعِ سِنينَ منذ انْقَضَتِ العِدَّةُ، فكذلك؛ لأنَّها عَلِقَتْ به بعَد البَيْنُونةِ. وإن وضَعَتْه لأكثرَ من أربعِ سِنين مُنْذ الطَّلاقِ، ولأقلَّ منها منذُ انْقَضتِ العِدّةُ، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يَلْحَقُه؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ به قبلَ طَلاقِها، فأشْبَهتِ

стр. 5709

البائِنَ. والثانية، يَلْحَقُه؛ لأنّها فى حُكْمِ الزَّوْجاتِ فى السُّكْنَى والنَّفَقةِ والطلاقِ والظِّهارِ والإِيلاءِ والحلِّ، فى رِوايةِ، فأشْبَهَ مَا قبلَ الطَّلاقِ. فصل: فإن غابَ عن زَوْجَتِه سنِينَ، فبَلَغَتْها وفاتُه، فاعْتَدّتْ، ونَكَحَتْ نِكاحًا صحيحًا فى الظاهرِ، ودَخَلَ بها الثانى، وأوْلَدَها أولادًا، ثم قَدِمَ الأوَّلُ، فُسِخَ نِكاحُ الثانى، ورُدَّتْ إلى الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ من الثانى، ولها عليه صداقُ مِثْلِها، والأولادُ له؛ لأنَّهم وُلِدُوا على فِرَاشِه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قولُ الثَّوْرىِّ، وأهلِ العراقِ، وابنِ أبى لَيْلَى، ومالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى يوسفَ، وغيرِهم من أهلِ العلمِ، إلَّا أبا حنيفةَ، قال: الولدُ للأَوَّلِ؛ لأنَّه صاحِبُ الفِرَاشِ؛ لأنَّ نِكاحَه صحيحٌ ثابتٌ، ونِكاحُ الثانى غيرُ ثابتٍ، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. ولَنا، أن الثانىَ انْفَرَدَ بوَطْئِها فى نكاحٍ يَلْحَقُ النَّسَبُ فى مِثْلِه، فكان الولدُ له دونَ غيرِه، كوَلَدِ الأَمَةِ من زَوْجِها يَلْحَقُه دُونَ سَيِّدِها، وفارَقَ الأجْنَبِىَّ، فإنَّه ليس له نِكاحٌ. فصل: وإن وَطِئَ رَجُلٌ امرأةً لا زَوْجَ لها بشُبْهةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه نَسَبُه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ. وقال القاضى: وَجَدْتُ بخَطِّ أبى بكرٍ، أنَّه لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ لا يَلْحَقُ إلَّا فى نكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ، أو مِلْكِ يْمَينٍ (٣٢)، أو شُبْهةِ مِلْكٍ، ولم يُوجَدْ شىءٌ من ذلك، ولأنَّه وَطْءٌ لا يستنِدُ إلى عَقْدٍ، فلم يَلْحَقِ الولدُ فيه بالوَطْءِ، كالزِّنَى. والصحيحُ فى المذهبِ الأوَّلُ. قال أحمدُ: كلَّ من دَرَأْتَ عنه الحَدَّ أَلْحَقْتَ به الولدَ. ولأنَّه وَطْءٌ اعْتَقَدَ الواطئُ حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ الفاسدِ. وفارق وَطْءَ الزِّنَى، فإنَّه لا يَعْتَقِدُ الحِلَّ فيه. ولو تَزَوّجَ رَجُلانِ أُخْتَيْنِ؛ فغُلِطَ بهما عندَ الدُّخُولِ، فزُفَّتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى زَوْجِ الأُخْرَى، فوَطِئها، وحَمَلَتْ منه، لَحِقَ الولدُ بالواطئ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَعْتَقِدُ حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالوَطْءِ فى نكاحٍ فاسدٍ.

стр. 5710

وقال أبو بكرٍ: لا يكونُ الولدُ للْواطئ، وإنَّما يكونُ للزَّوْجِ. وهذا الذى يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ. ولَنا، أَنَّ الوَاطِىءَ انْفَرَدَ بوَطْئِها فيما يَلْحقُ به النَّسَبُ، فلَحِقَ به كما لو لم تكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، وكما لو تزَوَّجتِ امرأةُ المفْقُودِ عندَ الحُكْمِ بوَفاتِه ثم بان حَيًّا، والخبرُ مخصوصٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه ما كان فى معناه. وإن (٣٣) وُطِئَتِ امرأتُه أو أمَتُه بشُبْهةٍ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، فاعْتَزَلها حتى أتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الوَطْءِ، لَحِقَ الواطئَ، وانْتَفَى عن الزَّوْجِ من غيرِ لِعانٍ، وعلى قولِ [أبى بكرٍ] (٣٤)، وأبى حنيفةَ: يَلْحَقُ بالزَّوْجِ (٣٥)؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ. وإن أنكرَ الواطئُ الوَطْءَ، فالقولُ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، ويَلْحَقُ نَسَبُ الولدِ بالزَّوْجِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إلْحاقُه بالمُنْكِرِ، ولا تُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ فى قَطْعِ نَسَبِ الولدِ. وإن أتَتْ بالولدِ لدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الوَطْءِ لَحِقَ الزَّوجَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّنا نعلمُ أنَّه ليس من الواطئ. وإن اشْتَركا فى وَطْئِها فى طُهْرٍ، فأتَتْ بولد يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، لَحِقَ الزَّوجَ (٣٦)؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ، وقد أمْكَنَ كونُه منه (٣٧). وإن ادَّعَى الزَّوْجُ أنَّه من الواطئ. فقال بعضُ أصحابِنا: يُعْرَضُ على الْقافَةِ معهما فيُلْحَقُ بمن ألْحَقَتْه به فهما، فإن ألْحَقَتْه بالواطىء لَحِقَه، ولم يَمْلِكْ نَفْيَه عن نَفْسِبما، وانتفَى عن الزَّوجِ بغيرِ لِعانٍ، وإن ألْحَقَتْهُ بالزَّوجِ لَحِقَه، ولم يملكْ نَفْيَه باللِّعانِ فى أصَحِّ الرِّوايتينِ. والأُخْرَى، له ذلك. وإن ألْحَقَتْهُ (٣٨) بهما، لَحِقَ بهما، ولم يَمْلِك الواطئُ نَفْيَه عن نَفْسِه. وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ نَفْيَه باللِّعانِ؟ على روايتَيْنِ. وإن لم تُوجَدْ قَافةٌ، أو أنكَرَ الواطئ الوَطْءَ، أو اشْتَبَه على القافةِ، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ لِلَحاقِ النَّسَبِ به مُتَحَقِّقٌ، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه، فوَجَبَ إثْباتُ حُكْمِه. ويَحْتَمِلُ أن
следующие страницы →