مَحْذُورَة قَبْلَه. فأَمَّا مع حُضُورِهِ فلا يُسْبَقُ بالأذانِ، فإنَّ مُؤَذِّنِى النَّبِيِّ ﷺ لم يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بالأذانِ.
فصل: وإذا تَشَاحَّ نَفْسَانِ في الأذَانِ قُدِّمَ أكمَلُهما (٢٤) في الخِصَالِ المُعْتَبَرَةِ في التَّأْذِينِ، فيُقَدَّمُ مَنْ كان أعْلَى صوتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعبدِ اللهِ بْنِ زيدٍ: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فإنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ (٢٥) ". وقَدَّمَ أبا مَحْذُورَة لصَوْتِهِ (٢٦). وكذلك يُقَدَّمُ مَنْ كان أَبْلَغَ في مَعْرِفَةِ الوقتِ، وأَشَدَّ مُحَافَظَةً عليه، ومَنْ يَرْتَضِيهِ الجِيرَانُ؛ لأَنَّهُمْ أعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صوتُه ومَنْ هو أعَفُّ عن النَّظَرِ. فإنْ تَسَاوَيَا مِنْ جمِيعِ الجِهَاتِ أُقْرِعَ بينهما؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْه، لَاسْتَهَمُوا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧). ولمَّا تَشَاحَّ الناسُ فِي الأذانِ يومَ القادسِيَّةِ أقْرَعَ بينهم سعدٌ (٢٨).
فصل: ويُكْرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ. فإنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ المَعْنَى. فإنَّ مَنْ قال: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولَ اللهِ، ونَصَبَ لام رسولٍ، أخْرَجَهُ عن كَوْنِهِ خَبَرًا. ولا يَمُدُّ لَفْظَةَ، "أَكْبَر" لأنَّهُ يَجْعَلُ فيها أَلِفًا، فيَصِير جَمْع كَبرَ، وهو الطَّبْلُ. ولَا تَسْقُطُ الهاءُ مِن اسمِ اللهِ تعالى وَاسْمِ الصلاةِ، ولا الحَاءُ مِن الفلاحِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الهاءَ" قُلْنَا: وكَيْفَ يَقُولُ؟ قالَ: "يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إِلَه إلَّا اللَّه (٢٩) أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه (٢٩) ". أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ. فأَمَّا إنْ كان ألْثَغَ لُثْغَةً لا تَتَفَاحَشُ، جازَ أَذانُهُ، فقد رُوِىَ أنَّ بلَالًا كان يقولُ "أسْهَدُ" يَجْعَلُ الشِّينَ
стр. 597
سِينًا. وإنْ سلمَ مِنْ ذلك كانَ أكملَ وأحْسَنَ.
فصل: وإذا أذَّنَ في الوقتِ، كُرِهَ له أنْ يَخْرُجَ من المسجِدِ، إلَّا أن يكونَ لحَاجَةٍ ثم يَعُود؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى إقامةِ الصلاةِ فلا يُوجَدُ. وإنْ أذَّنَ قبلَ الوقتِ لِلفجرِ، فلا بَأْسَ بِذَهَابِه؛ لأنَّه لا يُحْتَاجُ إلى حُضُورِه. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ في اللَّيْلِ، وهو على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المنزلَ، ويَدَعُ المسجِدَ: أرْجُو أن يكونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّنَ وهو مُتَوَضِّىءٌ في وقتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أنْ يَخْرُجَ مِن المسجِدِ حتَّى يُصَلِّىَ، إِلَّا أنْ تكونَ له الحاجَةُ.
فصل: وإنْ أذَّنَ المُؤَذِّنُ في بَيْتِهِ، وكانَ قريبًا مِنَ المسجِدِ، فلا بأْسَ، وإنْ كانَ بعيدًا فلَا؛ لأنَّ القَرِيبَ أذَانُهُ مِنْ عِنْد المَسْجِدِ، فيَأْتِيه السَّامِعُون لِلأذَانِ، والبَعِيدَ رُبَّما سَمِعَهُ مَنْ لا يَعْرِفُ المسجِدَ، فيَغْتَرُّ به ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجِد، وقَدْ رُوِىَ (٣٠) في الَّذِى يُؤَذِّنُ في بيتِه، وبَيْنَهُ وبين المسجِدِ طَرِيقٌ يُسْمِعُ الناسَ: أَرْجُو أنْ لا يَكوُنَ بهِ بأسٌ. وقال، في روايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، فِيمَنْ يُؤَذِّنُ في بَيْتِهِ على سَطْحٍ: معاذ اللَّه، ما سَمِعْنَا أنَّ أحدًا يَفْعَلُ هذا. فالأوَّلُ المُرَادُ بهِ القريبُ، ولهذا كان بلَالٌ يُؤَذِّن على سَطْحِ امْرَأةٍ مِنْ قُرَيْش، لَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ المسجِدِ عاليًا. والثَّانِى مَحْمُولٌ على البَعِيدِ؛ لما ذكرْناهُ.
فصل: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ، وأقام، لم يُسْتَحَبُّ لسَائِرِ النَّاس أنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ إنْسانٍ مِنْهُمْ في نَفْسِه ويُقِيمَ، بعدَ فَرَاغِ المُؤَذِّنِ، ولكنْ يقولُ مِثْلَ ما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بهذا. واللهُ أعلمُ.
стр. 598
بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ
اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا في الحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيُّ، ﵀. والأصْلُ في ذلك قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣١). يَعْنِى نحوهُ، كما أَنْشَدُوا (٣٢):
ألَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِى الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو (٣٣)
أىْ نحوَ عَمْرٍو. وتقولُ العربُ: هؤلاء القومُ يُشَاطِرُونَنا. إذا كانتْ بُيُوتُهم تُقَابِلُ بُيُوتَهم. وقال عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ. وروى عن الْبَرَاءِ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ فصَلَّى نحوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنَّهُ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ فمَرَّ رَجُلٌ، وكان (٣٤) يُصَلِّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، على قومٍ، مِنَ الأَنْصَارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكَعْبَةِ. أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ (٣٥).
١٣١ - مسألة؛ قال أبو القاسِم: (وإذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى القِبْلَةِ، وصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِىءُ إيمَاءًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّهُ إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ،
стр. 599
أو احْتاجَ إلى المَشْىِ، أو عَجَزَ عن بَعْضِ أَرْكَانِ الصلاةِ؛ إمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِن عَدُوٍّ، أو سَيْلٍ، أوْ سَبُعٍ، أو حَرِيقٍ، أو نحوِ ذلك، مِمَّا لَا يُمْكِنُه التَّخَلُّص مِنْهُ إلَّا بالهَرَبِ، أو المُسَايَفَةِ، أو الْتِحامِ (١) الحَرْبِ، والحاجَةِ إلى الكَرِّ والفَرِّ والطَّعْنِ والضَّرْبِ والمُطَارَدَةِ، فلهُ أنْ يُصَلِّىَ على حَسَبِ حالِه، رَاجِلًا وراكِبًا إلى القِبْلَة، إنْ أَمْكَنَ، أو إلى غيرِها إنْ لم يُمْكِنْ. وإذا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أوْمَأ بهِما، ويَنْحَنِى إلى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنَ الرُّكُوعِ على قَدْرِ طاقَتِهِ، وإنْ عَجَزَ عن الإِيمَاءِ، سَقَطَ، وإنْ عَجَزَ عن القِيَامِ أوِ القُعُودِ أوْ غيْرِهِمَا، سَقَطَ، وإنِ احْتَاجَ إلى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ والكَرِّ وَالفرِّ، فَعَلَ ذلك. ولا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عن وقتِها؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢). ورَوَى مالكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: فإنْ كَانَ خَوْفًا هو أشَدُّ من ذلك صَلَّوا رِجَالًا، قيَامًا على أقْدَامِهِمْ، أو رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِى القبْلَةَ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا (٣). قال نَافِعٌ: لا أرَى ابنَ عمرَ حَدَّثَه إلَّا عن رسولِ اللهِ ﷺ . وإذا أمكن افْتِتَاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَجِبُ ذلك؟ قال أبو بكر: فِيهِ رِوايَتان: إحْدَاهما، لا يَجِبُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِنْ أجزاءِ الصلاةِ، فلم يَجِب الاسْتِقْبَالُ فيه، كبَقِيَّةِ أَجْزَائِها. قال: وبه أقُولُ. والثَّانِيَةُ، يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا كان في السَّفَرِ، فأرادَ أنْ يُصَلِّىَ عك رَاحِلَتِه، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثم كَبَّرَ، ثم صَلَّى حيثُ تَوَجَّهَتْ (٤) بِهِ. رواهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). ولأنَّه أمْكنَه ابْتِدَاءُ الصلاةِ مُسْتَقْبِلًا فلم يَجُزْ بِدُونِه، كما لو أمْكَنَهُ ذلك في ركعَةٍ كَامِلَةٍ. وتمامُ شرحِ هذه الصلاة نَذْكُرُهُ في باب صلاةِ الخَوْفِ، إن شاءَ اللهُ.
стр. 600
١٣٢ - مسألة؛ قال: (وسَوَاء كانَ مَطْلْوبًا أوْ طَالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ العَدُوِّ، وعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّهُ إذَا (١) كَانَ طَالِبًا، فَلَا يُجْزِئُه أنْ يُصَلِّىَ إلَّا صَلَاة آمِنٍ)
اخْتَلَفَت الرِّوَايَة عن أبِى عبدِ اللَّه، ﵀، في طالِب العَدُوِّ الذي يَخافُ فَوَاتَه، فَرُوِىَ أنَّه يُصَلِّى على حَسَبِ حَالِه، كالمَطْلُوبِ سَوَاءً، رُوِىَ ذلك عن شُرَحْبِيلِ ابن حَسنَةَ (٢). وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ. وعن أحمدَ، أَنَّه لا يُصَلِّى إلَّا صلاةَ آمِنٍ. وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. فشَرَطَ الخَوْفَ، وهذا غيرُ خَائِفٍ. ولأنَّهُ آمِنٌ فَلَزِمَتْهُ صلاةُ الأمْنِ، كما لو لم يَخْشَ فَوْتَهم. وهذا الخِلَافُ فِيمَنْ يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه إنْ تشَاغَلَ بِالصلاةِ، ويَأْمَنُ على أصحابِه، فأمَّا الخَائِفُ مِنْ ذلك فحُكْمُهُ حُكْمُ المَطْلُوبِ. ولَنا، ما رَوَى أبو داود، في "سُنَنِهِ" (٣) بإسْنَادِهِ، عن عبد اللهِ بنِ أُنَيْس، قالَ: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ إلى خالد بن سفيان الهُذَلِىّ، وكان نحوَ عَرَفَةَ أو عَرَفَات، قال: "اذْهَبْ فاقْتُلْهُ". فرَأَيْتُه، وحَضَرَتْ صلاةُ العصر، فَقُلْتُ: إنِّي لأَخافُ أنْ يَكُونَ بَيْنِى وبينَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانْطَلَقْتُ أَمْشِى، وأنا أُصَلِّى أُومِىءُ إيمَاءً نحوَهُ، فلمَّا دَنَوْتُ منهُ، قالَ لي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رجلٌ مِن العربِ، بَلَغَنِى أنَّك تَجْمَعُ لهذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ لذلك، قال: إنِّي لَعَلَى ذلك. فَمَشَيْتُ معهُ ساعَةً، حتَّى إذا أَمْكَننِى عَلَوْتُهُ بِسَيْفِى حَتَّى بَرَدَ. وظَاهِرُ حَالِه أنَّهُ أَخْبَرَ بذلك النَّبِىَّ ﷺ ، أو كان قد عَلِمَ جَوَازَ ذلك مِنْ قَبْلِه، فإنَّه لَا يُظَنُّ بِهِ أنْ (٤) يَفْعَل مِثْلَ ذلك مُخْطِئًا، وهو رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم لا يُخْبِرَه به،
стр. 601
ولا يَسْأَلَه عن حُكْمِهِ. ورَوَى الأوْزَاعىُّ عن سَابِق البَرْبَرِىِّ (٥)، عنْ كتَابِ الحسنِ، أنَّ الطَّالِبَ يَنْزِلُ فَيُصَلِّى بالأرضِ. فقالَ الأوْزَاعِىُّ: وجَدْنَا الأمْرَ على غير ذلك، قال شُرَحْبِيلُ ابنُ حَسنَةَ: لا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا على ظَهْرٍ. فنزلَ الأشْتَرُ (٦)، فَصَلَّى عَلَى الأَرْضِ، [فَمَرَّ بهِ شُرَحْبِيلٌ] (٧)، فقال؛ مُخَالِفٌ، خَالَفَ اللَّه بِهِ. قال: فَخَرَجَ الأشْتَرُ في الفِتْنَةِ. وكان الأوْزاعِىُّ يَأْخُذُ بِهذا في طَلَبِ العَدُوِّ؛ لأنَّها (٨) إحْدَى حَالَتَى الحَرْبِ، أشْبَهَ حَالَةَ الهربِ. والآيَةُ لا دَلَالَةَ فيها على مَحَلِّ النِّزَاعِ لأنَّ مَدْلُولَها إباحةُ القَصْرِ. وقد أُبيحَ القَصْرُ حالةَ الأمْنِ بغيرِ خِلَاف، وهو أيْضًا غيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثم وإنْ دَلَّتْ على مَحَلِّ النِّزَاعِ، فقد أُبِيحَتْ صلاةُ الخوفِ مِنْ غَيرِ خَوْفِ فِتْنَةِ الكُفَّارِ، لِلْخَوْفِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ، لِوُجُودِ مَعْنَى المنْطُوقِ فيها، وهذا في مَعْنَاه، لأنَّ فَوَاتَ الكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظيمٌ، فأُبِيحَتْ صلاةُ الخَوْفِ عند فَوْتِهِ، كالحالةِ الأُخْرَى.
١٣٣ - مسألة؛ قال: (ولَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ في السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صَلَاةِ الخوْفِ)
لا نَعْلَمُ خلَافًا بين أهل العِلْمِ في إباحةِ التَّطَوُّعِ على الرَّاحِلَةِ في السَّفَرِ الطَّوِيلِ. قال التِّرْمِذِىُّ (١): هذا عند عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وقال ابْنُ عبدِ البرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فيه الصلاةَ أنْ يَتَطَوَّعَ على دَابَّتِهِ حيْثُمَا توَجَّهَتْ، يُومِئ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ. وأمَّا السَّفَرُ القَصِيرُ وهو ما لا يُبَاحُ فيهِ القَصْرُ، فإنَّهُ تُبَاحُ فيهِ الصلاة على
стр. 602
الرَّاحِلَةِ عِنْدَ إمامِنا، واللَّيْثِ، والحسنِ بنِ حَىّ (٢)، والأوزاعِىِّ، والشافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: لا يُبَاحُ إلَّا في سَفَرٍ طَوِيلٍ؛ لأنَّه رُخْصَةُ سَفَرٍ، فَاخْتُصَّ بالطَّويلِ كالقَصْرِ. ولَنا، قولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣)، قالَ ابن عمرَ: نزلتْ هذه الآيَةُ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً، حيثُ توَجَّهَ بك بَعِيرُك (٤). وهذا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ بإِطْلَاقِه مَحَلَّ النِّزَاعِ. وعن ابْنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعِيرِهِ. وفي رِوَايَةٍ: كان يُسَبِّحُ على ظهْرِ رَاحِلَتِه حيثُ كان وجْهُهُ، يُومِىءُ بِرأْسِهِ. وكانَ ابن عمرَ يَفْعَلُه. مُتَّفَقٌ عليهِما (٥). وللْبُخَارِىِّ: إلَّا الفَرَائِضَ. ولِمُسْلِمٍ، وأبي داود: غَيْرَ أنَّهُ لا يُصَلِّى عليها المَكْتُوبَةَ. ولم يُفَرِّقْ بين قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِه، ولِأنَّ إباحةَ الصلاةِ على الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ في التَّطَوُّعِ، كَيْلَا يُؤَدِّىَ إلى قَطْعِها وتَقْلِيلِها، وهذا يَسْتَوِى فِيه الطَّوِيلُ والقَصِيرُ، والقَصْرُ والفِطْرُ يُرَاعَى فيه المَشَقَّة، وإنَّمَا تُوجَدُ غالِبًا في الطَّوِيلِ. قال القاضِى: الأحكَامُ التي يَسْتَوِى فيها الطَّوِيلُ مِنَ السَّفَرِ والقَصِيرُ
стр. 603
ثَلَاثَةٌ: التَّيَمُّمُ، وأَكْلُ المِيْتَةِ في المَخْمَصَة، والتَّطوُّعُ على الرَّاحِلَةِ، وبَقِيَّةُ الرُّخَصِ تَخْتَصُّ الطَّوِيلَ؛ القَصْرُ (٦) [و] (٧) الفِطْرُ، والجَمْعُ، والمَسْحُ ثلاثًا.
فصل: وحُكْمُ الصلاةِ على الرَّاحِلَةِ حُكْمُ الصلاةِ في الخوفِ، في أنَّه يُومِىءُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ من الرُّكُوعِ. قال جابِرٌ: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ في حاجةٍ، فَجِئْتُ وهو يُصَلِّى على راحِلَتِه نحوَ المَشْرِقِ، والسُّجُودُ أخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ. رواهُ أبو داود (٨). ويجوزُ أنْ يُصَلِّىَ على البَعِيرِ والحِمَارِ وغيرِهما. قال ابنُ عمرَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو (٩) يُصَلِّى على حِمَارٍ، وهو مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ. رواهُ أبو داوُد، والنَّسَائِىُّ (١٠). لكن إنْ صَلَّى على حَيَوَانٍ نَجِسٍ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ بَيْنَهُما سُتْرَةٌ طاهِرَةٌ.
فصل: فَإِنْ كانَ على الرَّاحِلَةِ في مكانٍ واسِعٍ، كالمُنْفَرِدِ في العَمَّارِيَّة (١١) يدورُ فيها كيف شاءَ، ويَتَمَكَّنُ مِن الصلاةِ إلى القِبْلَةِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فعليه اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ في صلاتِه، ويسجُدُ على ما هو عليهِ إنْ أمْكنهُ ذلك؛ لأنَّه كراكِبِ السَّفِينَة. وإنْ قَدَرَ على الاسْتِقْبَالِ دُونَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وأوْمَأ بهما. نَصَّ عليه (١٢). وقال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: يَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمَه شيءٌ من
стр. 604
ذلك، كغَيْرِهِ؛ لأنَّ (١٣) الرُّخْصَةَ العَامَّةَ تَعمُّ ما وُجِدَتْ فيه المَشَقَّةُ وغيرَه، كالقَصْرِ والجَمْعِ. وإنْ عَجَزَ عن ذلك سَقَطَ بغَيْرِ خِلافٍ. وإنْ كانَ يَعْجِزُ عن اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ في ابْتِدَاءِ صلاتِه، كرَاكِبِ راحِلَةٍ لا تُطِيعُه، أو كان في قِطَارٍ (١٤)، فليس عليه اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ في شيءٍ مِن الصلاةِ. وإنْ أمْكَنَهُ افْتِتاحُها إلى القِبْلَة، كراكِبِ راحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ، فهل يَلْزَمه افْتِتَاحُها إلى القِبْلَةِ؟ يُخَرَّجُ فيه روَايَتانِ؛ إحْدَاهُما، يَلْزَمُه، لما رَوَى، أنَسٌ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا سافَرَ، فأرَادَ أنْ يَتَطوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَتِه القِبْلَةَ، فكَبَّرَ، ثم صَلَّى حيثُ كان وِجْهَةُ (١٥) رِكَابِهِ. رواهُ الإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه"، وأبو داوُد (١٦). ولِأنَّه أمْكَنَهُ [ابْتِدَاءُ الصلاةِ إلى القِبْلةِ] (١٧) فلَزِمَهُ ذلك، كالصلاةِ كُلِّها. والثَّانِيةُ، لا يلْزَمُهُ؛ لأنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أجزاءِ الصلاةِ، أشْبَهَ سَائِرَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ، فَسَقَطَ، وخَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والنَّدْبِ.
فصل: وقِبْلَةُ هذا المُصَلِّى حيثُ كانت وجْهَتُه، فإنْ عَدَلَ عنها نَظَرْتَ، فإنْ كان عُدُولُهُ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، جازَ؛ لأنَّها الأصْلُ، وإنَّما جازَ ترْكُهَا لِلْعُذْرِ، فإذا عَدَلَ إليها أتى بالأصلِ، كما لو رَكَعَ وسَجَدَ (١٨) في مكانِ الإِيماءِ. وإنْ عَدَلَ إلى غيرِها عمدًا، فسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. وإنْ فَعَلَ ذلك مَغْلُوبًا، أو نَائمًا، أو ظَنًّا منه أنَّهَا جِهَةُ سَفَرِه، فهو على صلاتِهِ، ويَرْجِعُ إلى جهَةِ سَفَرِهِ عند زَوَالِ عُذْرِهِ. لأنه مَغْلُوبٌ على ذلك. فأَشْبَهَ العاجِزَ عن الاسْتِقْبَالِ. فإنْ تَمَادَى بهِ ذلك بعد زوَالِ عُذْرِهِ، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ الاسْتِقْبَالَ عَمْدًا. ولا فَرْقَ بينَ جَمِيعِ التَّطَوُّعاتِ في هذا، فَيَسْتَوِى فيهِ النَّوَافِلُ المُطْلَقَةُ، والسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ،
стр. 605
والمُعَيَّنَةَ، والوِتْرُ، وسُجُودُ التِّلَاوَةِ، وقد كانَ النَّبِىُّ ﷺ يُوتِرُ على بَعِيرِهِ، وكَانَ يُسَبِّحُ على بَعِيرِهِ إلَّا الفَرَائِض. مُتَّفَقٌ عليْهِما (١٩).
فصل: فأمَّا الماشِى في السَّفَرِ، فَظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لا تُباحُ له الصَّلَاةُ في حالِ مَشْيِه؛ لقَوْلِه: "ولا يُصَلِّى في غيرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ فَرْضًا، وَلَا نَافِلَةً، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلى الكَعْبَةِ". وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ فإنَّهُ قال: ما أعْلَمُ أحَدًا قال في الماشِى يُصَلِّى، إلَّا عَطَاء، ولا يُعْجبُنِى أنْ يُصَلِّىَ المَاشِى. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. والرِّوايةُ الثَّانِيةُ، له أنْ يُصَلِّىَ ماشيًا. نَقَلَها مُثَنَّى بنُ جَامِعٍ (٢٠)، وذكَرَها (٢١) القاضي وغيرُه. وعليه أنْ يَسْتَقْبِلَ القبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصلاةِ، ثم يَنْحَرِفَ إلى جِهَةِ سَيْرِهِ، ويَقْرَأ وهو ماشٍ، ويرْكَعَ ثم يَسْجُدَ على الأرض. وهذا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، والشافعِىِّ. وقال الآمدِىُّ: يُومِىءُ بِالرُّكُوع والسُّجُودِ، كالرَّاكِبِ؛ لأنَّها حَالَةٌ أُبِيحَ فيها تَرْكُ الاسْتِقْبَالِ، فلم يَجِبْ عليه الرُّكُوعُ والسُّجُودُ كالرَّاكِبِ. وعلى قَوْلِ القاضي: الرُّكُوعُ والسُّجُودُ مُمْكِنٌ مِنْ غيرِ انْقِطَاعِهِ عن جِهَةِ سَيْرِه، فَلَزِمَهُ، كالْوَاقِفِ (٢٢). واحْتَجُّوا بأنَّ الصلاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، [كىْ لا] (٢٣) يَنْقَطِعَ عن القَافِلَةِ في السَّفَر، وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ في الماشِى، ولأنَّه إحْدَى حَالَتَىْ سَيْرِ المُسَافِرِ، فأُبِيحَت الصَّلَاةُ فيها كَالأُخْرَى. ولَنا، أنَّه لم يُنْقَلْ، ولا هو في مَعْنَى المَنْقُولِ؛ لأنَّه يَحْتَاجُ إلى عَمَلٍ كثِيرٍ، ومشْىٍ مُتَتَابِعٍ، يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، ويَقْتَضِى بُطْلَانَها، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ في الرَّاكِبِ، فلم يصِحَّ إلْحَاقُه بِه، ولِأنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢٤) عامٌّ تُرِكَ في مَوْضِعِ الإِجماعِ، بِشُرُوطٍ مَوْجُودَةٍ ههُنا، فَيَبْقَى وجُوبُ الاسْتِقبَالِ فيما عَدَاهُ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
стр. 606
فصل: وإذا دَخَلَ المُصَلِّى بَلَدًا نَاوِيًا لِلإِقَامَةِ فيهِ، لم يُصَلِّ بعدَ دُخُولِهِ إليه (٢٥) إلَّا صلاةَ المُقِيمِ. وإنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِه، غيرَ نَاوٍ لِلإِقَامَةِ فيهِ، ولا نَازِلٍ بِه، أو نَازِلًا بِهِ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُه بها إتْمامُ الصلاةِ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سائِرًا، فإذا نَزَلَ فيه صَلَّى إلى القِبْلَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه، كَقَوْلِنَا في الخائِفِ إذا أَمِنَ في أثناءِ صَلَاتِه. ولو ابْتَدَأها، وهو نازِلٌ إلى القِبْلَةِ، ثم أرَادَ الرُّكُوبَ، أتَمَّ صَلَاتَهُ، ثم رَكِبَ. وقِيل: يَرْكَبُ في الصَّلَاةِ، ويُتِمُّها إلى جِهَةِ سَيْرِه، كالآمِنِ إذا خَافَ في أثناءِ صَلَاتِه. والفَرْقُ بينهما أنَّ حالَةَ الخَوْفِ حالَةُ ضَرُورَةٍ أُبيحَ فيها مَا يَحْتَاجُ إليهِ مِنَ العَمَلِ، وهذِهِ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بها مِنْ غيرِ ضرورَةٍ إليها، فلا يُبَاحُ فيها غَيْرُ ما نُقِلَ فيها، ولم يَرِدْ بإِباحَةِ الرُّكُوبِ الذي يَحْتَاجُ فيه إلى عَمَلٍ وتَوَجُّهٍ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ ولا جِهَةِ سَيْرِهِ، فَبَقِىَ (٢٦) على الأصلِ. واللهُ تعالى أعلمُ.
١٣٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَلِّى فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الكَعْبَةِ؛ فإنْ كَانَ يُعَايِنُهَا فَبِالصَّوَابِ، وإنْ كانَ غَائِبًا عَنْهَا فَبِالاجْتِهَادِ بِالصَّوَابِ إلَى جِهَتِها)
قد ذكَرْنا أنَّ اسْتِقْبَال القِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، ولا فَرْقَ بين الفَرِيضَةِ والنَّافِلَة؛ لأنَّه شرطٌ للصلاةِ، فاسْتَوَى فيه الفَرْضُ والنَّفْلُ، كالطَّهَارَةِ والسِّتَارَةِ، ولأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ عامٌّ فِيهِما جَمِيعًا. ثم إنْ كان مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، ففَرْضُهُ الصلاةُ إلى عَيْنِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال ابْنُ عَقِيلٍ؛ إنْ خَرَجَ بَعْضُه عن مُسَامَتَةِ الكَعْبَة لم تَصِحَّ صَلَاتُه. وقال بعضُ أصحابِنا: الناسُ في اسْتِقْبَالِهَا على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ: منهم مَنْ يَلْزَمُهُ اليَقِينُ، وهو مَنْ كانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، أو كانَ بمَكَّةَ مِنْ أهلِها، أو نَاشِئًا بها مِنْ ورَاءِ حائِلٍ مُحْدَثٍ كالحِيطَانِ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ يَقِينًا. وهكذا إنْ كان بِمسجِدِ النَّبِيِّ
стр. 607
- ﷺ ، لأنَّهُ مُتَيَقِّنٌ صِحَّةَ قِبْلَتِهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقَرُّ على الخَطَإِ، وقد رَوَى أُسَامَةُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَكَعَ (١) رَكْعَتَيْنِ، قُبُلَ القِبْلَةِ، وقالَ: "هَذِهِ القِبْلَةُ" (٢). الثَّانِى، مَنْ فَرْضُهُ الخَبَرُ، وهو مَنْ كانَ بِمَكَّةَ غائِبًا عن الكَعْبَةِ مِنْ غيرِ أهلِها، ووَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُه عن يقِينٍ أو مُشَاهَدَةٍ، مِثْلَ أنْ يكونَ مِنْ ورَاءِ حَائِلٍ، وعلى الحائِلِ مَنْ يُخْبِرُه، أو كان غَرِيبًا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فأخْبَرَهُ أهلُ الدَّارِ، وكذلِكَ لو كان في مِصْرٍ أو قَرْيَةٍ، ففَرْضُه التَّوَجُّهُ إلى مَحَارِيبِهِم وقِبْلَتِهِمْ المَنْصُوبَةِ؛ لأنَّ هذه القِبَلَ يَنْصِبُها أَهْلُ الخِبْرَةِ والمَعْرِفَة، فجَرَى ذلك مَجْرَى الخَبَرِ، فأغْنَى عن الاجْتِهَادِ، وإنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بالقِبْلَةِ؛ إمَّا من أهلِ البَلَدِ، أو مِن غيرِه، صارَ إلى خَبَرِهِ، وليس له الاجْتِهَادُ، كما يَقْبَلُ الحَاكِمُ النَّصَّ مِن الثِّقَةِ، ولا يَجْتَهِدُ. الثَّالِثُ، مَنْ فَرْضُه الاجْتِهَادُ، وهو مَنْ عَدِمَ هَاتَيْنِ الحَالَتَيْنِ، وهو عَالِمٌ بالأدِلَّةِ. الرَّابِعُ، مَنْ فَرْضُه التَّقْلِيدُ، وهو الأعْمَى ومَن لا اجْتِهادَ له، وعَدِمَ الحَالَيْنِ، ففَرْضُه تَقْلِيدُ المُجْتَهِدِينَ. والوَاجِبُ على هذينِ وسائِرِ من بَعُدَ من مَكَّةَ طَلَبُ جهَة الكَعْبَةِ، دونَ إصابة العَيْنِ. قال أحمدُ: ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، فإن انْحَرَفَ عن القبلةِ قَلِيلًا لم يُعِدْ، ولكن يَتَحَرَّى الوَسَطَ. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشَّافعىُّ، في أحَدِ قولَيْهِ كقَوْلِنا، والآخَرِ: الفَرْضُ إصابَةُ العَيْنِ؛ لِقوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ لأنَّهُ يَجِبُ عليه التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، فَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلى عَيْنِها، كالمُعَايِنِ، ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ". رواهُ التِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وظاهِرُهُ أنَّ جميعَ ما بينهما قِبْلَةٌ. ولأنَّه لو كانَ الفَرْضُ
стр. 608
إصابةَ العَيْنِ، لَما صَحَّتْ صَلَاةُ أهلِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ على خَطٍّ مُسْتَوٍ، ولا صلاةُ اثْنَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً واحِدَةً، فإنَّهُ (٤) لا يَجُوزُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ مع طُولِ الصَّفِّ إلَّا بِقَدْرِهَا. فإِنْ قِيلَ: مع البَعيدِ (٥) يَتَّسِعُ المُحَاذِى. قُلْنا: إنَّما يَتَّسِعُ مع تَقَوُّسِ الصَّفِّ، أمَّا مع اسْتِوَائِهِ فلا. وشَطْرُ البَيْتِ: نَحْوُهُ وقِبَلُهُ.
فصل: فأمَّا مَحَارِيبُ الكُفَّارِ فلا يَجُوزُ أنْ يُسْتَدَلَّ بها؛ لِأنَّ قَوْلَهم لا يُسْتَدَلُّ به، فمَحَارِيبُهم أوْلَى، إلَّا أنْ نَعْلَمَ قِبْلَتَهم كالنَّصَارَى، نَعلمُ أنَّ قِبْلَتَهم المَشْرِقُ، فإذَا رَأَى محَارِيبَهم في كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أنَّها مُسْتَقْبِلَةٌ المَشْرِقَ. وإنْ وجَدَ مِحْرَابًا لا يَعْلَمُ هل هو لِلْمسلمين أَوْ لِغَيْرِهم، اجْتَهَدَ ولم يَلْتَفِتْ إليه؛ لأنَّ الاسْتِدْلَالَ إنَّما يَجُوزُ بِمَحَارِيبِ المسلمين، ولا يَعْلَمُ وُجُودَ ذلك. ولو رأى على المِحْرَابِ آثارَ الإِسْلَامِ، لم يُصَلِّ إليه؛ لاحْتِمَالِ أنْ يَكُونَ البَانِى لَهُ مُشْرِكًا مُسْتَهْزِئًا، يَغُرُّ بهِ المُسْلِمِينَ، إلَّا أنْ يكونَ ذلك مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إليهِ الاحْتِمَالُ، ويَحْصُلَ له العِلْمُ أنَّه مِنْ مَحَارِيبِ المسلمين، فَيَسْتَقْبِلَه.
فصل: ولو صَلَّى على جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عن مُسَامَتَةِ الكَعْبَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُه. وكذلك لو صَلَّى في مكانٍ يَنْزِلُ عن مُسَامَتَتِها؛ لأنَّ الوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا ومَا يُسَامِتُهَا مِنْ فَوْقِهَا وتَحْتِهَا، بدَلِيلِ ما لو زَالَتْ الكَعْبَةُ (٦) صَحَّت الصلاةُ إلى مَوْضِعِ جِدَارِها.
فصل: والمُجْتَهِدُ في القِبْلَةِ هو العالِمُ بِأدِلَّتِها، وإنْ كان جاهِلًا بِأحْكامِ الشَّرْعِ، فإنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أدِلَّةَ شَىْءٍ كان مِن [أهْلِ الاجْتَهادِ] (٧) فيه، وإنْ جَهِلَ غيرَهُ، ولأنَّهُ يتَمَكَّنُ مِن اسْتِقْبالِها بِدَلِيلِه، فكانَ مُجْتَهِدًا فيها كالفَقِيهِ، ولو جَهِلَ الفَقِيهُ أَدِلَّتها أو كان أعْمَى، فهو مُقَلِّدٌ رإنْ عَلِمَ غَيْرَها. وأوْثَقُ أَدِلَّتِها النُّجُومُ،
стр. 609
قال اللهُ تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٩). وآكَدُهَا القُطْبُ الشَّمَالِىُّ، وهو نَجْمٌ خَفِىٌّ حَوْله أنْجُمٌ دَائِرَةٌ كفَرَاشَةِ الرَّحَى، في أحَدِ طَرَفَيْها الفَرْقَدَان، وفى الآخَرِ الجَدْىُ، وبين ذلك أنْجُمٌ صِغَارٌ، منْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فوقَ وثلاثةٌ مِنْ أسْفَل، تَدُورُ هذه الفَراشَةُ حَوْلَ القُطْبِ، دَوَرَانَ فَراشَة الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِها (١٠)، في كُلِّ يومٍ وليلةٍ، دورَةً، فِي اللَّيْلِ نِصْفُها وفِي النَّهَارِ نصفها، فيكونُ الجَدْىُ عندَ طُلُوعِ الشمسِ في مكانِ الفَرْقَدَيْن عند غُرُوبِها، ويُمْكِنْ الاسْتِدْلَالُ بها على ساعَاتِ اللَّيْلِ وأوْقَاتِهِ، والأزمِنَةِ، لمَنْ عَرَفها، وعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِها، وحَوْلَها بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِى الفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَها، وَالقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مكَانَه في جَمِيعِ الأزْمَانِ، ولا يَتَغَيَّرُ كما لا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِها. وقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ، ولا يُؤَثِّرُ، وهو نَجْمٌ خَفِىٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذا لم يَكُن القَمَرُ طَالِعًا، فإذَا قَوِىَ نُورُ القَمَرِ خَفِىَ، فإذا اسْتَدْبَرْتَه في الأرضِ الشَّامِيَّة، كُنْتَ مُسْتَقْبلًا الكعبةَ. وقِيلَ: إنه يَنْحَرِفُ في دِمَشْقَ وما قارَبَها إلى (١١) المَشْرِقِ قليلًا، وكُلَّمَا قَرُبَ إلى المغرِبِ كان انْحِرَافُهُ أكثَرَ. وإنْ كانَ بِحَرَّانَ (١٢) وما يُقَارِبُها اعْتَدَلَ، وجَعَلَ القُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا مِنْ غيرِ انحِرَافٍ. وقِيلَ: أعْدَلُ القِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ. وإنْ كان بالعِرَاقِ جَعَلَ القُطْبَ حِذَاءَ (١٣) ظَهْرِ أُذُنِه اليُمْنَى على عُلُوِّها، فيكونُ مُسْتَقْبِلًا بابَ الكَعْبَةِ إلى المَقَامِ، ومتى اسْتَدْبَرَ الفَرْقَدَيْنِ أو الجَدْىَ، في حَالِ عُلُوِّ أَحدِهِما ونُزُولِ الآخَر، على الاعْتِدَالِ، كان ذلك كاسْتِدْبَارِ القُطْبِ. وإن اسْتَدْبَرَهُ، في
стр. 610
غيرِ هذه الحالِ، كانَ مُسْتَقْبِلًا للْجِهَةِ، فإذا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِىَّ منهما (١٤)، كانَ مُنْحَرِفًا إلى الغربِ قليلًا، وإذا اسْتَدْبَرَ الغَرْبِىَّ كانَ مُنْحَرِفًا إلى الشَّرْق، وإن اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ، كان مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أيضًا، إلَّا أنَّ انْحِرَافَهُ أكثَرُ.
فصل: ومَنَازِلُ الشمسِ والقمرِ، وهى ثَمانِيَةٌ وعشرونَ مَنْزِلًا، وهِى: السَّرَطَانُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيَّا، والدَّبَرَانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ، والغَفْرُ، والزُّبَانَى, والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائمُ، والبَلْدَةُ، وسعدُ الذَّابِحِ، وسعدُ بُلَعْ، وسعدُ السُّعُودِ، وسعدُ الأخْبِيَةِ، والفَرْعُ المُقَدَّم؛ والفَرْعُ المُؤَخَّر، وبَطْنُ الحُوتِ. منها أربعةَ عشر شاميَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وسطِ المَشْرِقِ أو مائِلَةٌ عنه إلى الشَّمالِ قليلًا، أوَّلُها السَّرَطَانُ، وآخِرُهَا السِّماكُ. ومنها أرْبعةَ عشرَ يمانِيَةٌ، تَطْلُعُ مِن المشرِقِ أو ما يَلِيه إلى التَّيَامُنِ، أَوَّلُهَا الغَفْرُ؛ وَآخرُهَا بَطْنُ الحُوتِ. ولكُلِّ نَجْمٍ مِن الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِن اليَمَانِيَّة، إذا طَلَعَ أحَدُهُما غاب رَقِيبُه، وينْزِلُ القمرُ كُلّ ليلةٍ بِمَنْزِلَةٍ منها قرِيبًا منهُ، ثم يَنْتَقِلُ في اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلى المَنْزِلِ الذي يَلِيه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (١٥). والشمسُ تَنْزِلُ بكُلِّ مَنْزِلٍ منها ثلاثةَ عشرَ يومًا، فيكُونُ عَوْدُها إلى المَنْزِلِ الذي نَزَلَتْ به عندَ تَمامِ حولٍ كامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّة، وهذهِ المنَازِلُ يكونُ منْها فيما بين غروبِ الشمسِ وطُلُوعِهَا أربعةَ عشرَ مَنْزِلًا، ومِنْ طُلُوعِهَا إلى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذلك، ووقت الفجرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، ووقت المغرِبِ مَنْزِلٌ، وهو نِصْفُ سُدْسِ سَوَادِ اللَّيْلِ، وسوادُ اللَّيْلِ اثْنَا عشرَ مَنْزِلًا، وكُلُّهَا تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ وتَغْرُبُ في المغرِبِ، إلَّا أنَّ أوائِلَ الشَّامِيَّةِ وآخِرَ (١٦) اليَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وسَطِ المشرِقِ، بحيثُ إذا (١٧) جَعَلَ الطَّالِعَ منها مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الأيْسَرِ كان
стр. 611
مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ، وكذلك آخِرُ الشَّامِيَّةِ، وأَوَّلُ اليَمَانِيَّةِ يكُونُ مُقَارِبًا لذلك، والمُتَوَسِّطُ مِن الشَّامِيَّةِ، وهو الذِّرَاعُ وما يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْه، يَمِيلُ مطْلَعُهُ إلى ناحِيَةِ الشَّمَالِ، والمُتَوَسِّطُ مِن اليَمَانِيَّةِ نحو العَقْرَبِ، والنَّعَائِم والبَلْدَة والسُّعُود تَمِيلُ مَطَالِعُها إلى اليَمينِ، فاليَمَانِىُّ منها يَجْعَلُه مِنْ أمامِ كتِفِه اليُسْرَى، والشَّامِىُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كتِفِهِ الأيْمَنِ (١٨) قَرِيبًا منها، والغَارِبُ منها يجْعَلُه عِند كَتِفِه الأيْمَنِ كذلك. وَإنْ عَرَفَ المُتَوَسِّطَ منها بأنْ يَرَى بينه وبين أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِن ههُنا وسَبْعةً مِنْ ههنا، اسْتَقْبَلَهُ، ولِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هذه المنازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُه، وتَسِيرُ بِسَيْرِهِ، مِنْ عن يَمِينِه، وشِمَالِه، يَكْثُرُ عَدَدُها، حُكْمُهَا حُكْمُهُ، ويُسْتَدَلُّ بها عليه، وعلى ما تَدُلُّ عليهِ، كالنَّسْرَيْنِ والشَّعْرَيَيْنِ، والنَّظْمِ المُقارِنِ لِلْهَقْعَةِ، والسِّمَاك الرَّامِح، والفَكَّةِ، وغيرِها، وكُلُّهَا تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ وتَغْرُبُ فِي المغرِبِ، وسُهَيْلٌ نَجْمٌ كبِيرٌ مُضِىءٌ يَطْلُعُ مِن نحوِ مَهَبِّ الجَنُوب، ثم يَسِيرُ حتى يَصِيرَ في قِبْلَةِ المُصَلِّى، ثم يَتَجَاوَزُها، ثم يَغْرُبُ قرِيبًا مِن مَهَبِّ الدَّبُورِ، والنَّاقَةُ أنْجُمٌ على صورةِ النَّاقَةِ، تَطْلُعُ في المَجَرَّةِ مِن مَهَبِّ الصَّبَا، ثم تَغِيبُ في مَهَبِّ الشَّمَالِ.
فصل: والشمسُ تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ، وتَغرُبُ في المغرِبِ، وتَخْتَلِفُ مَطَالِعُها ومَغَارِبُها، على حَسَبِ اخْتِلَافِ منَازِلِها، وتكونُ في الشِّتَاءِ في حالِ توَسُّطِها في قِبْلَةِ المُصَلِّى، وفى الصَّيْفِ مُحَاذِيةً لِقِبْلَتِه.
فصل: والقمرُ يَبْدُو أوَّلَ ليلةٍ مِن الشهرِ هلَالًا في المغرِبِ، عن يمِينِ المُصَلِّى، ثم يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نحوَ المشرِقِ مَنْزِلًا، حتى يكون ليلةَ السَّابِعِ وقتَ المَغْرِبِ في قِبْلَة المُصَلَّى، أو مَائِلًا عنها قَلِيلًا، ثم يَطْلُعُ ليلةَ الرَّابِعِ عشرَ مِن المشرِقِ قبلَ غروبِ الشمسِ، بَدْرًا تامًّا، وليلةَ إحْدَى وعِشْرِينَ يكونُ في قِبْلَةِ المُصَلِّى، أو قرِيبًا منها، وقتَ الفجرِ، وليلةَ ثمانٍ وعِشْرِينَ يبدُو عند الفجرِ كالهلَالِ مِن المشرِقِ، وتَخْتَلِفُ مَطَالِعُه باخْتِلافِ منازِلِه.
стр. 612
فصل: والرِّيَاحُ كثيرَةٌ يُسْتَدَلُّ منها بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ من زَوَايَا السَّماء؛ الجَنُوبُ تَهُبُّ مِن الزَّاوِيَةِ الَّتِى بين القِبْلَةِ والمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ المُصَلِّى الأيْسَرِ، ممَّا يلى وجْهَه إلى يَمِينِه، والشَّمالُ مُقَابِلَتُها، تَهُبُّ مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ المغرِبِ والشَّمَالِ؛ مارَّةً إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ. والدَّبُورُ تَهُبُّ مِن الزَّاوِيَةِ التي بين المغرِبِ واليَمَن، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وجْهِ المُصَلِّى الأيْمَنَ، مارَّةً إلى الزَّاوِيَةِ المُقَابِلَةِ لها. والصَّبَا مَقابِلَتُها، تَهُبُّ مِن ظهرِ المُصَلِّى. ورُبَّما هَبَّت الرِّيَاحُ بين الحِيطَانِ والجِبَالِ فتَدُورُ، فلا اعْتِبَارَ بها. وبين كُلِّ رِيحَيْنِ ريحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاء، لِتَنَكُّبِهَا طرِيقَ الرِّيَاحِ المَعْرُوفَةِ، وتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِها وخَصَائِصِها، فهذا أصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ به على القِبْلَةِ. وذَكَرَ أَصْحَابُنَا الاسْتِدْلَالَ بالمِيَاهِ، وقالوا: الأنهارُ الكِبَارُ كُلُّها (١٩) تَجْرِى عن يَمْنَةِ المُصَلِّى إلى يَسْرَتِهِ، على انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وذلك مثل دَجْلَةَ والفُرَاتَ والنَّهْرَوَان، ولا اعْتِبَارَ بالأنهارِ المُحْدَثَةِ؛ لأنَّها تَحْدُث بِحَسَبِ الحاجاتِ إلى الجِهَاتِ المُخْتَلِفَةِ، ولا بالسَّوَاقِى والأنْهارِ الصِّغَارِ؛ لأنَّها لا ضابِطَ لها، ولا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِن يَسْرَةِ المُصَلِّى إلى يَمِينِه، أحدُهُما العاصِى بالشَّامِ، والثَّانِى سَيْحُونُ بالمَشْرِقِ. وهذا الذي ذكَرُوهُ لا يَنْضَبِطُ بضابِطٍ؛ فإنَّ كَثِيرًا مِنْ أنْهارِ الشَّامِ تَجْرِى على غيرِ السَّمْتِ الَّذِى ذَكَرُوهُ، فالأُرْدُنُّ يَجْرِى نحوَ القِبْلَةِ، وكثِيرٌ منها يَجْرِى نحوَ البحرِ، حيثُ كان منها حتى يَصُبَّ فيه. وإن اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بما ذكروه فليس شيءٌ منها في الشَّامِ سِوَى العَاصِى، والفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ المشرِقِ.
فمَنْ عَلِمَ هذه الأَدِلَّةَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ، وقد يَسْتَدِلُّ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِأَدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِبَلْدَتِهِم؛ مِن جِبَالِها، وأنْهَارِها، وغيرِ ذلك، مِثْل مَن يَعْلَمُ أنَّ جَبلًا بِعَيْنِه يكونُ في قِبْلَتِهِم، أو على أَيْمَانِهِم، أو غيرِ (٢٠) ذلك مِنَ الجهاتِ. وكذلك إنْ عَلِمَ مَجْرَى نهرٍ بِعَيْنِه. فَمَنْ كان مِن أهلِ الاجْتِهَادِ، إذا خَفِيَتْ عليهِ القِبْلَةُ في السَّفَرِ،
стр. 613
ولم يَجِدْ مُخْبِرًا، فَفَرْضُه الصلاةُ إلى جِهَةٍ يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إليها. فإنْ خَفِيَتْ عليهِ الأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أوْ ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى فَصَلَّ ى، والصلاةُ صَحِيحَةٌ؛ لما نَذْكُرُهُ مِن الأحادِيثِ، ولأنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مع عِلْمِهِ بأدِلَّتِها (٢١)، فأشْبَهَ الحَاكِمَ والعَالِمَ إذا خَفِيَتْ عليه النُّصُوصُ.
فصل: إذا صَلَّى بالاجْتِهَادِ إلى جِهَةٍ، ثم أرادَ صلاةً أخرى، لَزِمَهُ إعادةُ الاجْتِهَادِ، كالحَاكِمِ إذا اجْتَهَدَ في حادِثَةٍ، ثم حدث مثلُها، لَزِمَهُ إعادةُ الاجْتِهَادِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. فإنْ تغيَّر اجْتِهَادُه، عَمِلَ بالثَّانِى، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأَوَّلِ، [كما أنَّ الحاكمَ لو تَغَيَّرَ اجْتِهَادُه] (٢٢) عَمِلَ بالثَّانى في الحَادِثَةِ الثَّانِيَة، ولم يَنْقُضْ حُكْمَهُ الأوَّلَ. وهذا لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وإن (٢٣) تَغَيَّرَ اجْتِهَادُه في الصلاةِ، اسْتَدَارَ إلى الجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِنْ صلاتِهِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ الجَمَاعَةِ. وقالَ ابن أبِى موسى، والآمِدِىُّ: لا يَنْتَقِلُ، ويمْضِى على اجْتِهَادِهِ الأَوَّل؛ لِئلَّا يَنْقُضَ الاجْتهادَ بالاجْتِهَادِ. ولَنا، أنَّه مُجْتَهِدٌ أدَّاهُ اجْتِهَادُه إلى جِهَةٍ، فلم يجُزْ له الصَّلَاةُ إلى غيرِها، كما لو أرادَ صلاةً أُخْرَى، ولأنَّه أدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلى غير هذه الجِهَةِ، فلم يَجُزْ له الصلاةُ إليها، كَسَائِرِ مَحَالِّ الوِفَاقِ، وليس هذا نَقْضًا للاجْتِهَادِ، وإنَّمَا يَعْمَلُ به في المُسْتقْبَلِ، كما في الصلاةِ الأُخْرَى، وإنَّما يكونُ نَقْضًا للاجْتِهَادِ أنْ لو ألْزَمْنَاه إعَادَةَ ما مَضَى مِنْ صلاتِه، ولم نَعْتَدَّ له به، فإنْ لم يَبْقَ اجْتِهَادُهُ وظَنُّهُ إلى الجِهَةِ الأُولَى، ولم يُؤَدِّه اجْتِهَادُه إلى الجِهَةِ الأُخْرَى، فإنَّه يبْنِى على ما مضَى مِنْ صلاتِه؛ لأنَّه لم يَظْهَرْ لَهُ جهَةٌ أُخْرى يَتَوَجَّهُ إليها. وإنْ بانَ له يَقِينُ الخطإِ في الصلاةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أو خَبَرٍ عن يَقِينٍ، اسْتَدَارَ إلى جهةِ الصَّوابِ، وبَنَى، كأهلِ قُبَاءَ لَمَّا أُخْبِرُوا بتَحْوِيلِ القِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إليها وبَنَوْا (٢٤). وإنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِه لم يَزُلْ عن جِهَتِهِ؛ لأنَّ الاجْتِهادَ
стр. 614
ظَاهِرٌ، فلا يزُولُ عنه بالشَّكِّ. وإنْ بانَ له الخطأُ، ولم يَعْرِفْ جِهَةَ القِبْلَة، كرَجُلٍ كان يُصَلِّى إلى جِهَةٍ، فرَأَى بعضَ مَنَازِل القمرِ في قِبْلَتِه، ولم يَدْرِ أهو في المشرِقِ أو المغرِبِ، واحْتَاجَ إلى الاجْتِهَادِ، بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه اسْتِدَامَتُها إلَى غيرِ القِبْلَةِ، وليست له جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إليها، فبَطَلَتْ، لِتَعَذُّرِ إتمامِها.
١٣٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)
وجُمْلَتُه أنَّ المُجْتَهِدَيْنِ إذا اخْتَلَفَا، فَفَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما الصلاةُ إلى الجهَةِ التي يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إليها أنَّها القِبْلَةُ، لا يسَعُهُ تَرْكُها، ولا تَقْلِيدُ صاحِبِه، سواءٌ كان أعْلَمَ منه، أو لم يَكنْ، كالعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ في الحادِثَةِ. ولو أنَّ أحدَهُمَا اجْتَهَدَ، فأرادَ الآخَرُ تقلِيدَهُ مِنْ غيرِ اجْتِهَادٍ، لم يَجُزْ له ذلك، ولا يَسَعُه الصلاةُ حتى يَجْتَهِدَ، سواءٌ اتَّسَعَ الوقتُ، أو كان ضيِّقًا يَخْشَى خُروجَ وقتِ الصلاةِ، كالحَاكِمِ، لا يَسُوغُ له الحُكْمُ في حادِثَةٍ بِتَقْلِيدِ غيرِه. وقال القاضي: ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ، في المُجْتَهِدِ الذي يَضِيقُ الوقتُ عن اجْتِهَادِهِ، أنَّ له تَقْلِيدَ غيرِه. وأشارَ إلَى قولِ أحمدَ، فِيمَنْ هو في مَدِينةٍ، فتَحَرَّى، فَصَلَّ ى لغيرِ القِبْلَةِ في بيتٍ يُعِيدُ؛ لأنَّ عليهِ أنْ يَسْأل، قال: فقد جَعَلَ فَرْضَ المَحْبُوسِ السُّؤَالَ، وهذا غيرُ صَحِيحٍ. وكلامُ أحمدَ إنَّما دَلَّ على أنَّه ليس لِمَنْ في المِصْرِ الاجْتِهَادُ؛ لأنَّه يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلى القِبْلَةِ بطَرِيقِ الخَبَرِ، والاسْتِدْلَالِ بالمَحَارِيبِ، بخِلَافِ المُسَافِرِ، وليس فيهِ دليلٌ على أنَّه يجوزُ له تَقْلِيدُ المُجْتَهِدِين في مَحَلِّ الاجْتِهَادِ عند ضِيقِ الوقتِ، ألا ترى أنَّ أبا عبدِ اللَّه لم يُفَرِّقْ بين ضِيقِ الوقتِ وسَعَتِهِ، مع اتِّفَاقِنا على أنَّه لا يَجُوزُ له التَّقْلِيدُ مع سَعَةِ الوقتِ، ولأنَّ الاجتِهَادَ في حَقِّهِ شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ، فلم يَسْقُطْ بِضِيقِ الوقتِ، مع إمْكَانِهِ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
فصل: وإذا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، فَصَلَّى كُلُّ واحِدٍ منهما إلى جِهَةٍ، فليس لأحدهِمَا الائْتِمَامُ بِصَاحِبِه. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْتَقِدُ خطأَ صاحِبِه، فلم يَجُزْ أن يَأْتَمَّ به، كما لو خَرَجَتْ مِنْ أحَدِهما رِيحٌ، واعْتَقَدَ كُلُّ
стр. 615
واحِدٍ منهما أنَّها مِن صاحِبِه، فإنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهما أنْ يُصَلِّىَ، وليس له أنْ يَأْتَمَّ بصاحِبِهِ. وقِيَاسُ المَذْهَبِ جَوَازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ أبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صلاةِ الآخَرِ. فإنَّ (١) فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلى ما تَوَجَّهَ إليه، فلم يَمْنَع اقْتِدَاءَه به اخْتِلَافُ جِهَتِهِ، كالمُصَلِّينَ حولَ الكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلها، وكَالمُصَلِّينَ حالَ شدَّةِ الخَوْفِ، وقد نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ الصلاةِ خلْفَ المُصَلِّى في جُلُودِ الثعالِبِ، إذا كان يتأوَّل قَوْلَه ﷺ : "أيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" (٢). مع كَوْنِ أحمدَ لا يَرَى طهارَتها، وفَارَقَ ما إذا اعْتَقَدَ كُلُّ واحدٍ منهما حَدَثَ صاحِبِه؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ طَهارتِه (٣)، بِحَيْثُ لو بَانَ له يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ إعادُة الصلاةِ؛ وههُنا صلاتُهُ صَحِيحَة ظاهِرًا وباطِنًا، بحَيْثُ لو بَانَ له يَقِينُ الخطإِ، لم يَلْزَمْهُ الإِعَادَةُ، فافْتَرَقا. فأما إنْ كانَ أحدُهُما يَمِيلُ يَمِينًا، ويمِيلُ الآخَرُ شِمالًا، مع اتِّفَاقِهِما في الجِهَةِ، فلا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّ لأحدِهما الائْتِمَامُ بصاحبِه؛ لأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبَالُ الجِهَةِ، وقد اتَّفَقَا فيها.
١٣٦ - مسألة؛ قال: (وَيَتْبَعُ الأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ)
يَعْنى إذا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ في القِبْلَةِ، ومعهما أعْمَى، قَلَّدَ أوثَقَهُما في نفسِه، وهو أعْلَمُهُما عندَه وأصْدَقُهُما قولًا، وأشَدُّهُما تَحَرِّيًا؛ لأنَّ الصوابَ إليه أقْرَبُ، وكذلكَ الحُكْمُ في البَصِيرِ الذي لا يَعْلَمُ الأَدِلَّةَ، ولا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِها قبلَ خروجِ الوقتِ، فَرْضُه أيضًا التَّقْلِيدُ، ويُقَلِّدُ أوْثَقَهما في نَفْسِه، فإنْ قَلَّدَ المَفْضُولَ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لا تَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ مَا يَغْلِبُ على ظَنِّه أَنَّ الصَّوَابَ فيه، فلم يَسُغْ له ذلك، كَالمُجْتَهِدِ إذا تَرَكَ جِهَةَ اجْتِهَادِه، والأوْلَى صِحَّتُها، وهو مَذْهَبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه أخَذَ بدَلِيلٍ له الأَخْذُ به لو انْفَرَدَ. فكذلك إذا كان معه غيرُه، كما لو اسْتَوَيَا، ولا عِبْرَةَ بِظَنِّه، فإنَّه لو غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّ
стр. 616
المَفْضُولَ مُصِيبٌ، لم يَمْنَعْ ذلك مِنْ تَقْلِيدِ الأفْضَلِ. فأمَّا إن اسْتَوَيَا عندَه، فله تَقْلِيدُ مَن شَاءَ منهما، كالعَامِّىِّ مع العُلَمَاءِ في بَقِيَّةِ الأحْكَامِ.
فصل: والمُقَلِّدُ مَنْ لا يُمْكِنُه الصلاةُ باجْتِهَادِ نَفْسِه، إمَّا لعَدَمَ بَصَرِهِ، وإمَّا لَعَدمِ بَصِيرَتِهِ، وهو العَامِّىُّ الذي لا يُمْكِنُه التَّعَلُّمُ والصلاةُ بِاجْتِهَادِهِ قَبْلَ خروجِ وقتِ الصلاةِ. فأمَّا مَن يُمْكِنُه، فإنَّه يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ، فإنْ صلَّى قبلَ ذلك لم تَصِحَّ صلاتُه، لأنَّه قَدَرَ على الصلاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فلم يصِحَّ بِالتَّقْلِيدِ كالمُجْتَهِدِ. ولا يَلْزَمُ على هذا العَامِّىِّ حيثُ لا يَلْزَمُه تَعَلُّم الفِقْهِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهما، أنَّ الفِقْهَ ليس بِشَرْطٍ في صِحَّةِ الصلاةِ. والثَّانِى، أَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ. فهو كالذى لا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الأدِلَّةِ في مسألَتِنا. وإنْ أخَّرَ هذا التَّعَلُّمَ والصلاةَ إلى حالٍ يَضِيقُ وقْتُها عن التَّعَلُّمِ والاجْتِهَادِ، أو عن أحدِهما، صَحَّتْ صلاتُه بِالتَّقْلِيدِ، كالذى يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الفاتحةِ، فيَضِيقُ الوقتُ عن تَعَلُّمِها.
فصل: فإنْ كانَ المُجْتَهِدُ به رَمَدٌ، أو عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الأدلَّةِ، فهو كالأعْمَى، في جوازِ التَّقْلِيدِ؛ لأنَّه عَاجِزٌ عن الاجتهادِ. وكذلكَ لو كانَ مَحْبُوسًا في مكَانٍ لا يَرَى فيه الأدلَّةَ، ولا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتَهِدًا آخَرَ في مكانٍ يَرَى العَلَامَاتِ فيه، فله تَقْلِيدُهُ؛ لأنَّه كالأعْمَى.
فصل: وإذَا شَرَعَ في الصلاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ، فقال له قَائِلٌ: قد أخْطأْتَ القِبْلَةَ، وإنَّما القِبْلَةُ هكذا. وكانَ يُخْبِرُ عن يَقِينٍ، مِثْلَ مَن يقولُ: قد رأيتُ الشمسَ، أو الكَوَاكِبَ، وتيَقَّنْتُ أنَّكَ مُخْطِىءٌ. فإنه يَرْجِعُ إلى قولِه، ويَسْتَدِيرُ إلى الجِهَةِ التي أخْبَرَه أنَّها جِهَةُ الكَعْبَةِ؛ لأنَّه لو أخْبَرَ بذلك المُجْتَهِدَ الذي قَلَّدَهُ الأعْمَى، لَزِمَه قَبُولُ خَبَرِهِ، فالأعْمَى أولَى. وإنْ أَخْبَرَهُ عن اجْتِهَادِهِ، أو لَمْ يُبَيِّنْ له عن أَىِّ شيءٍ أخْبَرَهُ، ولم يَكُنْ في نفسِهِ أوْثَقَ مِن الأوَّلِ، مَضَى على ما هو عليه؛ لأنَّه شَرَعَ في الصلاةِ بدَلِيلٍ يَقِينًا، فلا يَزُولُ عنه بِالشَّكِّ. وإنْ كان الثَّانِى أوْثَقَ في نَفْسِه مِن الأوَّلِ، وقُلْنَا: لا يَتَعَيَّنُ عليهِ تَقْلِيدُ الأفْضلِ. فكذلك، وإنْ قُلْنَا: عليه تَقْلِيدُه خَاصَّةً، رَجَعَ إلى قَوْلِه، كالبَصِيرِ إذا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ في أثْنَاءِ صلاتِه.
стр. 617
فصل: ولو شَرَعَ مُجْتَهِدٌ في الصلاةِ باجتِهَادِهِ، فعَمِىَ فيها، بَنَى على ما مَضَى مِن صلاتِه، لأنَّه إنَّمَا يُمْكِنُه البنَاءُ على اجْتِهَادِ غيرِه، [فاجْتَهادُ نَفْسِه] (٤) أوْلَى، فإن اسْتَدَارَ عن تلك الجهَةِ، بَطَلَتْ صلاتُه. وإنْ أَخبَرَهُ مُخْبِرٌ بخَطَئِهِ عن يقينٍ، رجع إليه. وإنْ أخْبَرَهُ عن اجْتِهَادٍ، لم يَرْجِعْ إليه؛ لما ذَكَرْنَا. وإنْ شَرَعَ فيها وهو أعْمَى، فأبْصَرَ في أثنائها، فشَاهَدَ ما يَسْتَدِلُّ به على صوابِ نَفْسِه، مِثلَ أنْ يَرَى الشمسَ في قِبْلَتِه في صلاةِ الظُّهْرِ، ونحوَ ذلك، مَضَى عليهِ؛ لأنَّ الاجْتِهَادَيْنِ قد اتَّفَقَا. وإنْ بَانَ له خَطَأُهُ، اسْتَدَارَ إلى الجِهَةِ التي أدَّاهُ اجْتَهادُه (٥) إليها، وبَنَى على ما مضَى مِن صلاتِهِ. وإن لم يَبِنْ له صَوَابُه ولا خَطأُهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُه، واجْتَهَدَ؛ لأنَّ فرْضَهُ الاجْتِهَادُ، فلم يَجُزْ له أداءُ فَرْضهِ بالتَّقْلِيدِ، كما لو كان بَصِيرًا في ابْتِدَائِها. وإنْ كانَ مُقَلِّدًا، مَضَى في صلاتِه؛ لأنَّه ليس في وُسْعِهِ إلا الدَّلِيلُ الذي بَدَأ به فيها.
١٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا صَلَّى بالاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ)
وَجُمْلَتُهُ أنَّ المُجْتَهِدَ إذا صَلَّى باجْتَهادِه (١) إلى جِهَةٍ، ثم بانَ له أنَّه صلَّى إلى غيرِ جِهَةِ الكعبةِ يَقِينًا، لم يَلْزَمْهُ الإِعَادَةُ. وكذلك المُقَلِّدَ الذي صلَّى بِتَقْلِيدِهِ. وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفَةَ. والشَّافِعِىُّ فِي أحدِ قَوْلَيْه. وقالَ في الآخَرِ: يَلْزَمُه الإِعادَةُ؛ لأنَّه بانَ له الخَطَأُ في شَرْطٍ مِن شُرُوطِ الصَّلاةِ، فَلَزِمَتْهُ الإِعادَةُ، كما لو بانَ له أنَّه صَلَّى قَبْلَ الوقتِ، أو بغيرِ طَهَارَةٍ أو سِتَارَةٍ. ولَنا، ما رَوَى عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا مع النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، في ليلةٍ مُظْلِمَةٍ، فلم نَدْرِ أينَ القِبْلَةُ، فصلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ، فلمَّا أصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذلك لِلنَّبىِّ ﷺ ، فنَزَلَ:
стр. 618
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). رَوَاهُ ابن ماجَه، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، إلَّا أنَّهُ مِنْ حديثِ أشْعَثَ السَّمَّان، [وفيه ضَعْفٌ] (٤). وعن عَطَاءٍ، عن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في مَسِيرٍ، فأصابنَا غَيْمٌ، فتَحَيَّرْنَا فاخْتَلَفْنَا في القِبْلَةِ، فصَلَّى كُلُّ رجُلٍ منا على حِدَةٍ، وجَعَلَ أحَدُنَا يَخُطُّ بين يَدَيْهِ لنُعَلِّمَ أَمْكِنَتَنا، فذَكَرْنا ذلك لِلنَّبىِّ ﷺ فلم يأْمُرْنا بالإِعَادَةِ، وقال: "قَدْ أَجْزَأَتْكُمْ (٥) صَلَاتُكُمْ". رواهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٦)، وقال: رواهُ محمدُ بنُ سالمٍ، عن عَطاءٍ، ويُرْوَى أيضًا عن محمدِ بن [عُبَيْدِ اللَّه العَرْزَمِىِّ] (٧)، عن عَطَاءٍ. وكلاهمَا ضعِيفٌ. وقال العُقَيْلِىُّ: لا يُرْوَى مَتْنُ هذا الحَدِيثِ مِنْ وجهٍ يثْبُتُ (٨). ورَوَى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" (٩)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى نحو بَيْتِ المقدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١٠). فَمَرَّ رَجُلٌ بِبَنِى سَلَمَةَ وهم رُكُوعٌ في صلاةِ الفجرِ، وقد صَلَّوْا ركْعَةً، فنادَى: ألا إنَّ القِبْلَةَ قد حُوِّلَتْ. فمالوا كُلُّهُمْ نَحْوَ القِبْلَةِ. ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى (١١) على النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يَتْرُكُ إنْكَارَه إلَّا وهو جَائِزٌ. وقد كان ما مَضَى مِن صلاِتهم بعدَ تَحْويلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، وهو صَحِيحٌ. ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ،
стр. 619
فخَرَجَ عن العَهْدِ، كالمُصِيبِ، ولأنَّه صَلَّى إلى غيرِ الكَعْبَةِ للْعُذْرِ، فلم تَجِبْ عليهِ الإِعادَةُ، كالخَائِفِ يُصَلِّى إلى غيرِها، ولأنَّه شَرْطٌ عَجَزَ عنه، فأشْبَهَ سائرَ الشُّرُوطِ. وأمَّا المُصَلِّى قبل الوقتِ فإنَّه لم يُؤْمَرْ بالصلاةِ، وإنما أُمِرَ بعدَ دُخولِ الوقتِ، ولم يَأْتِ بمَا أُمِرَ، بخِلافِ مسأَلَتِنا، فإنَّه مأْمُورٌ بِالصلاةِ بغَيْرِ شَكٍّ، ولم يُؤْمَرْ إلَّا بهذه الصلاةِ، وسَائرُ الشُّرُوطِ، إذا عَجَزَ عنها، سَقَطَتْ، كذا ههنا، وأمَّا إذا ظَنَّ وُجُودَهَا فأخطأ، فليست في مَحَلِّ الاجْتِهَادِ، فنَظِيرُه: إذا اجْتَهَدَ في مسألتِنا في الحَضَرِ، فأخْطَأَ.
فصل: وإنْ بَانَ له يقِينُ الخطأ وهو في الصلاةِ، اسْتَدَارَ إلى جِهَةِ الكعبةِ، وبَنَى على ما مَضَى من صلاتهِ (١٢)؛ لأنَّ ما مضَى منها كان صحيحًا، فجاز البنَاءُ عليه، كما لو لم يَبِنْ له الخطأُ. وإنْ كانوا جماعةً، قد أدَّاهُم اجْتِهَادُهُمْ إلى جِهَةٍ، فَقَدَّمُوا أحَدَهم، ثم بَانَ لهم الخطأُ في حالٍ واحِدَةٍ، اسْتَدَارُوا إلى الجِهَةِ التي بَانَ لهم الصوابُ فيها، كبَنِى سَلَمَةَ، لمَّا بانَ لهم تَحَوُّلُ الكَعْبَةِ. وإنْ بانَ للإِمَامِ وحدَهُ، أو لِلْمَأْمُومِينَ دُونَه، أو لبَعْضِهم، اسْتَدَارَ مَنْ بانَ له الصَّوابُ وَحْدَهُ، ويَنْوِى بَعْضُهم مُفَارَقَةَ بَعْضٍ، إلَّا على الوجهِ الذي قُلْنَا، إنَّ لِبَعْضِهمْ أنْ يَقْتَدِىَ بمَنْ خالَفَهُ في الاجتهادِ. وإنْ كان فيهم مُقَلِّدٌ، تَبِعَ مَن قَلَّدَهُ، وانْحَرَفَ بانْحرَافِهِ. وإنْ قَلَّدَ الجَميعَ، لم يَنْحَرِفْ إلَّا بانْحرَافِ الجميعِ؛ لأنَّه شَرَعَ بدَلِيلٍ يَقِينِىٍّ، فلا يَنْحَرِفُ بِالشَّكِّ إلَّا مَن يَلْزَمُهُ تَقْليدُ أَوْثَقِهم، فإنَّه يَنْحَرِفُ بانْحِرَافِه.
فصل: (١٣) ولا فَرْقَ بين أن تكونَ الأدِلَّةُ ظَاهرَةً مَكْشُوفَةً فاشْتَبَهَتْ عليه، أو مَسْتُورَةً بغَيْمٍ أو شيءٍ يَسْتُرُهَا عنه، بدَلِيلِ الأحاديثِ التي رَوَيْنَاها، فإنَّ الأدلَّةَ اسْتَتَرَتْ عنهم بِالغَيْمِ، فلم يُعِيدُوا، ولأنَّه أتى بمَا أُمِرَ به (١٤) في الحاليْنِ، وعَجَزَ عن اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ في الموضِعَيْنِ، فاسْتَوَيَا في عَدَمِ الإِعادَةِ.
стр. 620
١٣٨ - مسألة؛ قال: (وإذَا صَلَّى البَصِيرُ في حَضَرٍ، فَأَخْطَأَ، أَو الأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا)
أمَّا البَصِيرُ إذا صلَّى إلى غيرِ الكعبةِ في الحَضَرِ، ثم بانَ له الخَطأُ، فعليهِ الإِعادَةُ، سواءٌ (١) صَلَّى بِدَلِيلٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الحَضَرَ ليس بمَحَلِّ الاجْتهادِ، لأنَّ مَنْ فيه يَقْدِرُ على المحارِيبِ والقِبَلِ المَنصُوبَة، ويَجِدُ مَن يُخْبِره عن يَقِينٍ غالِبًا، فلا يكونُ له الاجتهادُ، كالقادر على النَّصِّ في سائِرِ الأحْكامِ، فإنْ صلَّى مِن غيرِ دليلٍ فأخطأَ، لَزِمَتْهُ الإِعادَةُ؛ لِتَفْرِيطِهِ. وإنْ أَخْبَرَه مُخْبِرٌ، فأخْطأَ (٢)، فقد غَرَّهُ، وتبَيَّنَ أنَّ خَبَرَه ليس بِدليلٍ. فإن كان محبُوسًا، لا يجِدُ مَن يُخْبِرهُ، فقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ: هو كالمسافِرِ، يتحَرَّى في مَحْبَسِه، ويُصَلِّى، مِن غيرِ إعَادَةٍ؛ لأنَّه عَاجِزٌ عن الاسْتِدْلَالِ بالخَبَرِ والمحارِيبِ، فهو كالمُسافِرِ. وأمَّا الأعْمَى، فإنْ كان في حَضَرٍ، فهو كالبصيرِ؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الاسْتِدْلَالِ بالخَبَرِ والمحارِيبِ، فإِنَّ الأعَمْىَ إذا لَمَسَ المحْرَابَ، وعَلِمَ أنَّه مِحْرَابٌ، وأَنه مُتَوَجِّهٌ إليه، فهو كالبَصِيرِ. وكذلكَ إذا عَلِمَ أنَّ بابَ المسجدِ إلى الشمالِ أو غيرِها مِن الجهاتِ، جازَ له الاسْتِدْلَالُ به، ومتى أخطأ فعليهِ الإِعادَةُ. وحُكمُ المُقَلِّدِ حُكْمُ الأعْمَى في هذا. وإنْ كان الأعْمَى، أو المُقَلِّدُ مُسافِرًا، ولم يَجِدْ مَن يُخْبرُه، ولا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُهُ، فَظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه يُعِيدُ، سواءٌ أصابَ أو أخْطأ؛ لأنَّه صلَّى مِن غيرِ دليلٍ، فلَزِمَتْهُ الإِعادَةُ وإن أصابَ، كالمُجْتهِدِ (٣) إذا صلَّى مِن غيرِ اجتهادٍ. وقال أبو بكر: يُصَلِّى على حَسَبِ حالِه، وفى الإِعادةِ روايتان، سواءٌ أصابَ أو أخطأ: إحْدَاهُمَا، يُعِيدُ؛ لِمَا ذكَرْنَا. والثَّانِيَةُ، لا إعادَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فأشْبَهَ المُجْتَهِدَ ولأنَّه عاجِزٌ عن غيرِ ما أتَى به، فَسَقَطَ عنه، كَسَائِرِ العاجِزِين عن الاسْتِقْبَالِ، ولأنَّه عَادِمٌ لِلدَّلِيلِ، فأشْبَهَ المُجْتَهِدَ، في الغَيْمِ
стр. 621
والحَبْسِ. وقالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أخْطأ أعادَ، وإنْ أصابَ فعلَى وَجْهَينِ. وحُكْمُ المُقَلِّدِ لعدَمِ بَصِيرَتِه كعادِمِ بصرِه. فأمَّا إنْ وجد مَن يُقَلِّدُهُ، أو مَن يُخْبِرهُ، فلم يَسْتَخْبِرْهُ ولم يُقَلِّدْ، أو خالَفَ المُخْبِرَ والمُجْتَهِدَ، وصَلَّى، فصَلاتُهُ باطِلَةٌ بِكُلِّ حالٍ. وكذلكَ المُجْتَهِدُ إذا صلَّى مِن غيرِ اجْتِهَادٍ، فأصابَ، أو أدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلى جِهَةٍ، فصَلَّى إلى غيرِها، فإنَّ صلاتَهُ باطِلَةٌ بكُلِّ حَالٍ؛ سواءٌ أَخْطَأَ أو أصابَ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به، فأشْبَهَ من تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكعبةِ، مع عِلْمِه بها.
١٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَّبِعُ دَلَالَةَ مُشْرِكٍ بِحَالٍ؛ وذَلِكَ لِأَنَّ الكَافِرَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، ولَا رِوَايَتُهُ، ولَا شَهَادَتُهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ أَمَانَةٍ)
ولذلكَ قال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: لَا تَأْتَمِنُوهُمْ بعدَ إذْ خَوَّنَهُم اللهُ . ولا يَقْبَلُ خَبَرَ الفَاسِق؛ لقلَّةِ دِينِه، وتطَرُّقِ التُّهْمَةِ إليه، ولأنَّهُ أيضًا لا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ولا شَهادَتُهُ ولا يَقْبَلُ خَبَرَ الصَّبِىِّ؛ لذلك، ولأَنَّهُ لا يلْحَقُه مَأْثَمٌ (١) بكذبه، فتَحَرُّزُه من الكَذِبِ غيرُ مَوْثُوقٍ به. وقال التَّمِيمِىُّ؛ يَقْبَلُ خَبَرَ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ. وإذا (٢) لم يَعْرِفْ حالَ المُخْبِرِ، فإنْ شكَّ في إسْلَامِهِ وكُفْرِهِ، لم يَقْبلْ خَبَرَه، كما لو وجَدَ مَحَارِيبَ لا يعْلَمُ هل هي للمسلمين أوْ أهلِ الذِّمَّة. وإنْ لم يَعْلَمْ عَدَالَتَهُ وفِسْقَهُ، قَبِلَ خَبَرَهُ؛ لأنَّ حالَ المُسْلِمِ يُبْنَى على العَدَالةِ، ما لم يَظْهَرْ خلَافُها، ويَقْبَلُ خَبَرَ سائِرِ الناسِ من المسلمينَ البالِغِينَ العُقَلَاء، سواءٌ كانوا رِجَالًا أوْ نساءً، لأنَّه (٣) خَبَرٌ مِن أخبارِ الدِّينِ، فأشْبَهَ الرِّوَايَةَ. ويَقْبَلُ مِن الواحِدِ كذلك. واللهُ أعْلمُ.
стр. 622
[باب أدب] (٤) المَشْىِ إلى الصلاة
يُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ، إذا أقْبَلَ إلى الصلاةِ، أن يُقْبِلَ بِخَوْفٍ ووجَلٍ وخُشُوعٍ وخُضُوعٍ، وعليهِ السَّكِينَةُ والوَقَارُ، وإنْ سَمِعَ الإِقامةَ لم يَسْعَ إليها؛ لمَا رَوَى أبو هُرَيْرَة، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذَا سَمِعْتُم الإِقَامَةَ فَامْشُوا وعَلَيْكُم السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". وعن أبي قَتادةَ، قال: بَيْنَما نحن مع رسولِ اللهِ ﷺ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فلمَّا صَلَّى، قالَ: "مَا شَأْنُكُمْ" قالوا: اسْتَعْجَلْنَا إلى الصَّلاةِ. قال: "فَلَا تَفْعَلُوا، إذَا أَتَيْتُمْ (٥) الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُم السَّكِينَةُ، فمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". مُتَّفَقٌ عليهِما (٦). وفِي رِوايةٍ "فَاقْضُوا" (٧). قال الإِمامُ أحمدُ: لا (٨) بأْسَ إذا طَمِعَ أنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى أنْ يُسْرِعَ شيئًا، ما لمْ يكنْ عَجَلَةً تَقْبُحُ، جاءَ الحديثُ
стр. 623
عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّهم كانوا يُعَجِّلُونَ شيئًا إذا تَخَوَّفُوا (٩) فواتَ التَّكْبيرَةِ الأُولَى.
ويُسْتَحَبُّ أن يُقَارِبَ بين خُطَاهُ، (١٠) لتَكْثُرَ حسناتُه، فإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ له بها حسنةٌ. وقد رَوَى عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، في "مُسْنَدِه"، بإسْنَادِهِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فَخَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يَمْشِى وأنا مَعَهُ، فَقَارَبَ في الخُطَا، ثم قال: "تَدْرِى (١١) لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا في طَلَبِ الصَّلَاةِ".
ويُكْرَهُ أنْ يُشَبِّكَ بين أصابعِهِ؛ لِما رُوِىَ عن كَعْبِ بن عُجْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فإنَّهُ في صَلَاةٍ". رواهُ أبو داود (١٢).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يقولَ ما رَوَى ابْنُ عَبَّاس، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إلى الصلاةِ وهو يقولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِى نُورًا، وَفِى لِسَانِى نُورًا، وَاجْعَلْ في سَمْعِى نُورًا، وَاجْعَلْ في بَصَرِى نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِى نُورًا، وَمِنْ أَمَامِى نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِى نُورًا، وَمِنْ تَحْتِى نُورًا، وَأعْطِنِى نُورًا". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٣). ورَوَى الإِمامُ أحمد في "المُسْنَدِ" (١٤)، وَابْنُ ماجه في
стр. 624
"السُّنَنِ" (١٥)، بإسْنَادِهِمَا عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ خَرَج مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَاىَ هَذَا، فَإنِّى لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا (١٦) ولَا بَطَرًا (١٧)، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابتغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِى مِنَ النَّار، وأَنْ تَغْفِرَ لِى ذُنُوبِى، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. أَقْبَلَ اللَّه عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ". ويَقُولُ: بِسْمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قَوْلِه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. (١٨)
فصل: فإذا دَخَلَ المسجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُمْنَى وقال ما رواهُ مُسْلِمٌ (١٩)، عن أبي حُمَيْد، أو [أبى أُسَيْد] (٢٠) قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : إذَا دَخَلَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِى أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وإذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ"، وعن فَاطِمَةَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذَا دخل المسجِدَ صلَّى على محمَّدٍ وسَلَّمَ، وقال: "رَبِّ اغْفِرْ لِى ذُنُوبِى، وَافْتَحْ لِى أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وإذَا خَرَجَ صَلَّى على محمدٍ، وقال: "رَبِّ اغْفِرْ لِى، وَافْتَحْ
стр. 625
لِى أَبْوَابَ فَضْلِكَ". رواهُ التِّرْمِذِىُّ (٢١).
ولا يَجْلِسُ حتى يَرْكعَ ركعَتَيْنِ؛ لِما رَوَى أبو قَتادةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). ثم يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة، ويَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللهِ تعالى، أو قراءَةِ القُرْآنِ، أو يسكُتُ، ولا يَخُوضُ في حديثِ الدُّنْيَا، ولا يُشَبِّكُ أصَابِعَه؛ لِمَا رَوَى أبو سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ في صَلَاةٍ مَا كَانَ في المَسْجِدِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ". رَوَاهُ أحمد، في "المُسْنَدِ" (٢٣).
فصل: وإذا أُقِيمَتِ الصلاةُ، لم يشْتَغِلْ عنها بِنَافِلَةٍ، سواءٌ خَشِىَ فَواتَ الرَّكعَةِ الأُولَى أم لم يَخْشَ. وبهذا قال أبو هُرَيْرةَ، وابنُ عمرَ، وعُرْوَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّهُ دخل والإِمامُ في صلاةِ الصُّبْحِ، فرَكَعَ رَكْعتَىِ الفجرِ. وهذا مَذْهَبُ الحسنِ، ومكْحُولٍ، ومُجَاهِدٍ، وحَمَّادِ بن أبي سُليمانَ. وقال مالكٌ: إنْ لم يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ ركَعَهُما خَارِجَ المسجِدِ. وقال الأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزِيز، وأبو حنيفة: يَرْكَعُهما إلَّا أنْ يَخَافَ فَواتَ الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ. ولنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ". رواهُ
стр. 626
مُسْلِمٌ (٢٤). ولِأنَّ ما يَفُوتُه مع الإِمَامِ أفْضلُ ممَّا يَأَتِى به، فلم يَشْتَغِل بهِ، كما لو خافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ في هذه المسأَلَةِ: الحُجَّةُ عندَ التنَّازُعِ السُّنَّةُ، فمَنْ أدْلَى بها فقد فَلَجَ (٢٥)، ومَن اسْتَعْمَلها فقد نَجَا. قال: وقد رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خرج حين أُقِيمَتِ الصلاةُ، فَرَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ، فقال: "أَصَلَاتَانِ مَعًا؟ ". وَرَوَى نحوَ ذلك أَنَسٌ، وعبدُ اللَّه بنُ سَرْجِسَ، وابنُ بُحَيْنَةَ (٢٦)، وأبو هُرَيْرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، ورَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ ابْنُ عبدِ البَرِّ في كتابِ "التَّمْهِيد" (٢٧). قال: وكُلُّ هذا إنْكَارٌ منه لهذا الفِعْلِ. فأما إنْ أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو في النَّافِلَةِ، ولم يَخْشَ فَوَاتَ الجماعةِ، أَتَمَّهَا، ولم يَقْطَعْها؛ لَقوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢٨). وإنْ خَشِىَ فواتَ الجماعةِ، فعلى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما، يُتِمُّهَا؛ لذلك. والثَّانِيَةُ، يقْطَعُها؛ لأنَّ ما يُدْرِكَهُ مِن الجماعةِ أعْظَمُ أجرًا وأكْثَرُ ثَوَابًا ممَّا يَفُوتُه بِقَطْعِ النَّافِلَةِ، لأنَّ صلاةَ الجماعةِ تَزيدُ على صلاةِ الرَّجُلِ وحْدَه سَبْعًا وعِشْرِينَ درجةً.
стр. 627
فصل: قِيلَ لِأحمدَ: قبل التَّكْبِيرِ يقولُ شيئًا؟ قال: لا. يَعْنِى ليس قَبْلَه دُعَاءٌ مَسْنُونٌ، إذْ لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابهِ، ولِأنَّ الدُّعَاءَ يكونُ بعدَ العِبَادَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٢٩).
стр. 628
باب صِفَةِ الصلاةِ
رَوَى محمدُ بنُ عمرو بن عطاءٍ، قال، سَمِعْتُ أبا حُمَيْدٍ السَّاعِدِىّ في عشرةٍ مِن أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ ، مِنهم أبو قَتادةَ، فقال أبو حُمَيْد؛ أنا أَعْلَمُكُمْ بصلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ . قَالُوا: فاعْرِضْ (٣٠). قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَامَ إلى الصلاةِ يَرْفَعُ يدَيْهِ، حتى يُحَاذِىَ بهما مَنْكِبَيْه، ثُم يُكَبِّرُ، حتى يَقِرَّ (٣١) كُلُّ عَظْمٍ في مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا. ثم يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، فَيَرْفَعُ يدَيْهِ حتى يُحَاذِىَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يَرْكَعُ، ويَضَعُ رَاحَتَيْهِ على رُكْبَتَيْه، ثم يَعْتَدِلُ، فلا يُصَوِّبُ رأسَهُ ولا يُقْنِعُهُ (٣٢)، ثم يَرْفَعُ رأسَهُ، ويقولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثم يرْفَعُ يدَيْهِ حتى يُحَاذِىَ مَنْكِبَيْه مُعْتَدِلًا، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَهْوِى إلَى الأَرْضِ، فَيُجَافِى يَدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ، ثم يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ويثْنِى رِجْلَهُ اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، ويَفتحُ أصابعَ رجْلَيْهِ إذا سَجَدَ، ويسجُدُ، ثم يقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، ويَرْفَعُ ويثْنِى رِجْلَهُ اليُسْرَى، فيَقْعُدُ عليها، حتى يَرْجِعَ كُلُّ عظمٍ إلى مَوْضِعِه، ثم يَصْنَعُ في الأُخْرَى مِثْلَ ذلك، ثم إذا قام مِن الرَّكْعَةِ كَبَّرَ، فرفع يديهِ حتى يُحاذِىَ بهما مَنْكِبَيْه، كما كَبَّرَ عَند افْتِتَاحِ الصلاةِ، ثم يَفْعَلُ ذلكَ في بَقِيَّةِ صلاتِهِ، حتى إذا كانت السَّجْدةُ التي فيها التَّسْلِيمُ أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وقعد مُتَوَرِّكًا على شِقِّهِ الأيْسَرِ. قالوا: صَدَقْتَ، هَكذا كانَ يُصَلِّى ﷺ . رَوَاهُ مالكٌ في المُوَطَّإِ (٣٣)، وأبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٣٤).
стр. 629
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى لَفْظٍ رَوَاهُ البُخارِىُّ (٣٥)، قال: فإذا ركَعَ أمْكَنَ يديْهِ مِن رُكْبَتَيْهِ، ثم هَصَرَ (٣٦) ظَهْرَهُ، فإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قائِمًا حتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكانَهُ، وإذَا سَجَدَ سَجَدَ غيرَ مُفْتَرِشٍ، ولا قابِضِهِما، واسْتَقْبَلَ بأَطْرَافِ أصابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فإذا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جلس على اليُسْرَى، ونَصَبَ الأُخرَى، [فإذا كانتِ السجدةُ التي فيها التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وجلس مُتَوَرِّكًا على شِقِّهِ الأيْسَر] (٣٧)، وقَعَدَ على مَقْعَدَتِهِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَقُومَ إلى الصلاةِ عند قَوْلِ المُؤَذِّنِ: قد قامتِ الصلاةُ. وبهذا قال مالكٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: على هذا أَهْلُ الحَرَمَيْنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَقُومُ إذا فَرَغَ المُؤَذِّنُ من الإِقامةِ. وكان عمرُ بن عبد العزيزِ، ومحمد بن كعبٍ (٣٨)، وسالِم (٣٩)، وأبو قِلابةَ، والزُّهْرىُّ، وعطاء، يقومونَ في أَوَّلِ بَدْوَةٍ مِن الإِقامةِ. وقال أبو حنيفَة: يقومُ إذا قال: حَىَّ على الصلاةِ، فإذا قال: قد قامتِ الصلاةُ. كَبَّرَ. وكان أصْحابُ عبدِ اللهِ يُكَبِّرُونَ إذا قال المُؤَذِّنُ: قد قامتِ الصلاةُ. وبهِ قال سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ (٤٠)، والنَّخَعِىُّ، واحْتَجُّوا بقولِ بلالٍ: لَا تَسْبِقْنِى بِآمِينَ (٤١). فَدَلَّ على أنَّه يُكَبِّرُ قبلَ فَراغِهِ. ولا يُسْتَحَبُّ عندنَا أنْ يُكَبِّرَ
стр. 630
إلا بعدَ فَرَاغِهِ مِن الإِقَامَةِ، وهو قولُ الحسنِ، ويَحْيَى بنِ وَثَّابٍ (٤٢)، وإسْحَاقَ، وأبى يوسفَ، والشَّافِعِىّ، وعليه جُلُّ (٤٣) الأئمَّةِ في الأمْصَارِ. وإنَّمَا قُلْنَا: إنَّه يَقُومُ عند قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ؛ لأَنَّ هذا خبَرٌ بمَعْنَى الأمْرِ، ومَقْصُودُهُ الإعْلَامُ ليَقُومُوا، فَيُسْتَحَبُّ المُبَادَرَةُ إلى القِيَامِ امْتِثَالًا لِلْأمْرِ، وتَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، ولَا يُكَبِّرُ حتى يَفْرُغَ المُؤَذِّنُ؛ لأن النَّبِىَّ ﷺ ، إنَّمَا كان يُكَبِّرُ بعد فَرَاغِهِ، دَلَّ على ذلك ما رُوِىَ عنه، أنَّه كان يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بعدَ إقَامَةِ الصلاةِ، ويقولُ في الإِقامةِ مثْلَ قَوْلِ المُؤَذِّنِ، فرَوَى أنَسٌ، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فأقْبَلَ عليْنا رسولُ اللهِ ﷺ بوَجْهِهِ، فقال: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وتَرَاصُّوا، فإنِّى أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاء ظَهْرِى". رواهُ البُخَارِىُّ (٤٤). وعنهُ قال، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ قال هكذا وهكذا، عن يَمِينهِ وشِمالِه: "اسْتَوُوا وتَعَادَلُوا" (٤٥). وفيما رواهُ أبو داوُد، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، أن بلالا أخذَ في الإِقامةِ، فلما أنْ قال: قد قامَتِ الصلاةُ. قالَ النَّبِىُّ ﷺ : "أَقَامَها اللهُ وأَدَامَهَا (٤٦). وقال في سائرِ الإِقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عمرَ في الأذانِ، فأمَّا حَدِيثُهم، فإنَّ بلَالًا كان يُقِيمُ في موضِعِ أذانِه، وإلَّا فليس بين لَفظِ الإِقامةِ والفراغِ منها ما يفَوُت بلَالًا "آمِينَ", مع رسولِ اللهِ ﷺ . إذا ثَبَتَ هذا فإنَّما
стр. 631
يقُومُون (٤٧) إذا كان الإمامُ فى المسجِدِ أو قَرِيبًا منه. وإنْ لم يكنْ في مَقَامِه. قال أحمدُ، في روَايَةِ الأثْرَمِ: أذْهَبُ إلى حديثِ أبي هُرَيْرَة: خرَج علينا رسولُ اللهِ ﷺ وقد أقَمْنَا الصُّفُوفَ (٤٨). إسْنَادٌ جيدٌ؛ الزُّهْرِيُّ عن أبِى سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ. وقال، في رِوايَةِ أبي داوُد، سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: يَنْبَغِي أنْ تُقَامَ الصفوفُ قبلَ أنْ يَدخُلَ الإِمامُ، فلا يَحْتَاجُ أنْ يَقِفَ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كانَت الصلاةُ تُقَامُ لِرسولِ اللهِ ﷺ ، فيأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهم قبلَ أنْ يقومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ. رواهُ مُسْلِمٌ (٤٩). فإنْ أُقِيمَتْ، والإِمامُ في غيرِ المسجدِ، ولم يَعْلَمُوا قُرْبَه، لم يقومُوا؛ لما رَوَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". مُتَّفَقٌ عليه (٥٠). وللبُخَارِيِّ (٥١): "قَدْ خَرَجْتُ". وخرجَ عَلِيٌّ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، والناسُ يَنْتَظِرُونَهُ قيَامًا للصلاةِ، فقال: "مَالِى أرَاكُمْ سامِدِينَ؟ " (٥٢).
стр. 632
فصل: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ، يَلْتَفِتُ عن يَمِينِه، فَيَقُولُ: اسْتَوُوا. رَحِمَكُم اللهُ. وعن يَسَارِهِ كذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن الحديثِ، وعن محمد بنِ مُسْلِمٍ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أنَسِ بنِ مالكٍ يومًا، فقال: هل تَدْرِى لمَ صُنِعَ هذا العُودُ؟ قُلْتُ: لا واللهِ. فقال: لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا قامَ إلى الصلاةِ أخذَهُ بيَمِينِه، فقال: "اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكُمْ". ثُمَّ أخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وقال: "اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكُمْ". [رَوَاهُ أبو داوُد] (٥٣). وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥٤).
١٤٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ)
وجُمْلَتُهُ أنَّ الصلاةَ لا تَنْعَقِدُ إلا بقولِ: "اللهُ أكبرُ". عند إمامِنَا، ومالكٍ. وكان ابن مَسْعود، وطَاوُس، وأيُّوبُ (١)، ومالكٌ، والثورِيُّ، والشافِعِيُّ، يقولُون: افْتِتَاحُ الصلاةِ التَّكْبِيرُ. وعلى هذا عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ في القَدِيمِ والحديثِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال: تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: اللهُ الأكبرُ. لِأنَّ الأَلِفَ والَّلامَ لم تُغَيِّرْه عن بِنْيَتِه ومعْناهُ، وإنَّما أفادت التعرِيفَ. وقال أبو حنيفَة: تَنْعقِدُ بِكُل اسْمٍ لِلّهِ تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ: اللهُ عَظِيمٌ. أو كَبِيرٌ، أوْ جَلِيلٌ. وسبحان اللهِ. والحْمَدُ لِلّهِ. ولا إنهَ إلَّا اللهُ. ونحوِه. قال الحَاكِمُ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّه تعالى على
стр. 633
وَجْهِ التعظِيمِ، أشْبَهَ قولَه: اللهُ أكبرُ. واعْتَبَر ذلك بالخُطْبَةِ، حيثُ لم يَتَعَيَّنْ لَفْظُهَا. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ". رواهُ أبو داوُد (٢). وقال لِلْمُسِىءِ في صلاتِهِ: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى حديثِ رِفاعَةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ امْرِىءٍ حَتَّى يَضَعَ الوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، فَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ" (٤). وكانَ النَّبِىُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاةَ بِقولِهِ: "اللهُ أكْبَرُ". لم يُنْقَلْ عنه عُدُولٌ عن ذلك حتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وهذا يَدُلُّ على أنه لا يَجُوزُ العُدُولُ عنهُ، وما قالَه أبو حنيفَة يُخَالِفُ دَلَالَةَ الأخْبارِ، فلا يُصارُ إليه، ثم يَبْطُلُ بِقولِهِ (٥): اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى. ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الخُطْبَةِ، لأنَّه لم يَرِدْ عن النَّبِىِّ ﷺ فيها لفظٌ بعَيْنِهِ في جميعِ خُطَبِهِ، ولا أمْرٌ به، ولا يُمْنَعُ من الكلام فيها والتَّلَفُّظِ بما شَاء من الكلامِ المُبَاحِ، والصلاةُ بِخِلافِه، وما قالهُ الشافعيُّ عُدُول عن المَنْصُوصِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اللهُ العَظِيمُ.
стр. 634
وقولُهم: لم تُغَيِّرْ (٦) بِنْيَتَه ولا مَعنَاه. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه نَقَلَه عن التَّنْكِيرِ إلى التَعْرِيفِ، وكانَ مُتَضَمِّنًا لإضْمَارٍ أو تَقْدِيرٍ. فزالَ، فإنَّ قولَهُ "اللهُ أكْبَرُ" التَّقْدِيرُ: من كُلِّ شيءٍ. ولم يردْ في كلامِ اللهِ تعالَى، ولا في كلامِ رسولِهِ ﷺ ولا في المتعَارَفِ في كلامِ الفُصَحَاءِ إلَّا هكذا، فإطْلَاقُ لفظِ التَّكبِيرِ يَنْصَرِفُ إليها دونَ غيرِها، كما أنَّ إطلاقَ لفظِ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلى قولِ "بسْمِ اللهِ" دُونَ غيرِه، وهذا يَدُلُّ على أَنَّ غيرَها ليس مِثْلًا لها.
فصل: وَالتَّكْبِيرُ رُكْنٌ في الصلاةِ، لا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا بِه، سواءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أو سَهوًا، وهذا قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرِ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، والحَكَمُ، والأوزاعِيُّ: مَنْ نَسِىَ تكبِيرَةَ الافْتِتَاحِ، أجْزأتْهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكبِيرُ". يَدُلُّ على أنَّه لا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدُونِه.
فصل: ولا يصِحُّ التَّكْبِيرُ إلا مُرَتَّبًا، فإنْ نَكَسَهُ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه (٧) لا يكونُ تَكْبِيرًا. ويَجِبُ على المُصَلِّى أنْ يُسْمِعَهُ نَفْسَهُ إمَامًا كان (٨) أوْ غيرَهُ، إلَّا أنْ يكونَ بهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ، أو ما يَمْنَعُهُ (٩) السَّمَاعَ، فَيَأْتِى بهِ بحَيثُ لو كان سَمِيعًا [أو لا عارضَ] (١٠) به سَمِعَهُ، ولأنَّه (١١) ذِكْرٌ مَحَلَّه اللسان، ولا يكونُ كلامًا بدُونِ الصَّوْتِ، والصوتُ ما يتَأَتَّى سَمَاعُه، وأقْربُ السامعين إليه نَفْسُه، فمتى لم يَسْمَعْهُ لم يعلمْ أنه أتَى بالقَوْلِ، ولا فَرْقَ بين الرَّجُلِ والمرأةِ فيما ذكَرْناهُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلإِمَام أن يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ، بحيثُ يَسْمَعُ المأمومونَ
стр. 635
لِيُكَبِّرُوا، فإنَّهُم لا يجوزُ لهم التَّكْبِيرُ إلَّا بعدَ تكبِيرِه، فإنْ لم يُمْكِنْهُ إسْمَاعَهم، جَهَرَ بعضُ المأْمُومِين لِيُسْمِعَهم، أو لِيُسْمِعَ مَن لا يَسْمَعُ الإِمامَ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكر خلْفَهُ، فإذا كبَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ كبَّرَ أبو بكر؛ لِيُسْمِعَنَا. مُتَّفَقٌ عليه (١٢).
فصل: ويُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، ولا يَمُدُّ في غيرِ موضِعِ المَدِّ، فإنْ فَعَلَ بحيثُ تَغَيَّرَ المعنى، مثلَ أنْ يَمُدَّ الهَمْزَةَ الأُولَى، فَيَقُولُ: آللهُ. فَيَجْعَلُها اسْتِفْهَامًا، أو يَمُدَّ أكْبار. فَيزِيد ألِفًا، فيصِيرَ جَمْعَ كُبَر، وهو الطَّبْلُ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ المَعْنَى يَتَغَيَّرُ به. وإنْ قال: اللهُ أكْبَرُ وأَعْظَمُ وأَجَلُّ. ونَحْوَه، لم يُسْتَحَبَّ. نَصَّ عليه (١٣)، وانْعَقَدَتِ الصلاةُ بالتَّكْبِيرَةِ الأُولَى.
فصل: ولا يُجْزِئُه التَّكْبِيرُ بِغيرِ العربِيَّةِ مع قُدْرَتِهِ عليها. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وأبو يوسف، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١٤). وهذا قد ذكرَ اسْمَ رَبِّهِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَعْدِلْ عنها، وهذا يَخُصّ ما ذَكرُوه (١٥). فإنْ لم يُحْسِن العربِيَّةَ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بها، فإنْ خَشِىَ فواتَ الوقتِ كَبَّرَ بَلُغَتِه. ذكَرَه القَاضِي في "المُجَرَّدِ" (١٦). وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ. وقال القاضي، في