← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

عَلِمْنا قولَه من أهلِ العلمِ؛ لأنَّنا نعلمُ أنَّها عَلِقَتْ به قبلَ أن يتَزَوّجَها. وإن كان الزوجُ طِفْلًا له أقلُّ من عَشْرِ سِنِين، فأتَتِ امرأتُه بولدٍ، لم يَلْحَقْه؛ لأنَّه لا (٢٠) يُوجَدُ ولدٌ لمِثْلِه، ولا يُمْكِنُه الوَطْءُ. وإن كان له عَشْرٌ، فحمَلتِ امرأتُه، لَحِقَه ولدُها؛ لقولِ النبِىِّ ﷺ : "واضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ، وفرقُوا بَيْنَهُمْ فى الْمَضَاجِعِ (٢١) ". وقال القاضى: يَلْحَقُ به، إذا أتَتْ به لتِسْعةِ أعوامٍ ونصفِ عامٍ مُدّةِ الحَمْلِ؛ لأنَّ الجارِيةَ يُولَدُ لها لتِسْعٍ، فكذلك الغلامُ. وقال أبو بكر: لا يَلْحَقُه حتى يَبْلُغ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يكونُ من الماءِ، ولا ينْزِلُ حتى يَبْلُغَ. ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يُمْكِنُ البُلُوغُ فيه، فيَلْحَقُه الولدُ، كالبالغِ، وقد رُوِىَ أَنَّ عمرَو بن العاص، وابنَه عبد اللَّه، لم يَكُنْ بينهما إلَّا اثنا عَشَرَ عاما، وأمْرُ النبِىِّ ﷺ بالتَّفْريقِ بينهم، دَلِيلٌ على إمكانِ الوَطْءِ الذى هو سَبَبُ الولادةِ، وأمَّا قياسُ الغُلامِ على الجاريةِ، فغيرُ صحيحٍ، فإنَّ الجارِيةَ يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها لِتسْع عادةً، والغُلامُ لا يُمْكِنُه الاسْتِمْتاعُ لتسعٍ، وقد تَحِيضُ لتسعٍ، وما عَهِدْنا (٢٢) بلوغَ غُلامٍ لتسعٍ. ولو تزَوَّجَ رجلٌ امرأةً فى مجلسٍ، ثم طَلَّقَها فيه قبلَ غيْبَتِه عنهم، ثم أتَتِ امرأتُه بولدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ العَقْدِ، أو تزَوَّجَ مشْرِقىٌّ بمَغْرِبِيَّة، ثم مَضَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأتَتْ بولدٍ، لم يَلْحَقْه. وبذلك قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يلْحَقُه بالعَقْدِ، ومُدَّةِ الحَمْلِ، ألَا تَرَى أنَّكم قُلْتُم: إذا مَضَى زمانُ الإِمْكانِ، لَحِقَ الولدُ، وإن عُلِمَ أنَّه لم يَحْصُلْ منه الوَطْءُ. ولَنا، أنَّه لم يَحْصُلْ إمْكانُ الوَطْءِ [فى هذا] (٢٣) العقدِ، فلم يَلْحَقْ به الولدُ، كزَوْجةِ ابن سَنَةٍ، أو كما لو وَلَدَتْه لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِمْكانَ إذا وُجِدَ لم يُعْلَمْ أنَّه ليس منه قَطْعًا، لجوازِ أن يكونَ وَطِئَها من حيثُ لا يَعْلَمُ، ولا سبيلَ لنا إلى معرفةِ حقيقةِ الوَطْءِ، فعَلَّقْنا الحُكْمَ على إمْكانِه فى النِّكاحِ، ولم

стр. 5707

يَجُزْ حَذْفُ الإِمْكانِ عن الاعْتبارِ؛ لأنَّه إذا انْتَفَى حَصَلَ اليقينُ بانْتِفائِه عنه (٢٤)، فلم يَجُزْ إلْحاقُه به مع يَقينِ كَوْنِه ليس منه. وإن ولَدَتِ امرأةُ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ، لم يَلْحَق نَسَبُه به. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ منه الإِنْزالُ والإِيلاجُ. وإن قُطِعَتْ أُنْثَياهُ دون ذَكَرِه، فكذلك؛ لأنَّه لا يُنْزِلُ ما يُخْلَقُ منه الولدُ. وقال أصحابُنا: يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ منه الإِيلاجُ، ويُنْزِلُ ماءً رَقِيقًا. ولَنا، أَنَّ هذا لا يُخْلَقْ (٢٥) منه ولدٌ عادةً، ولا وُجدَ ذلك، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ ذَكَرُه معهما، ولا اعتِبارَ بإِيلاجٍ لا يُخْلَقُ منه الولدُ، كما لو أَوْلَجَ إصْبَعَه. وأمَّا قَطْعُ ذَكَرِه وَحْدَه، فإنَّه يَلْحَقُه الولدُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يُسَاحِقَ، فيُنْزِلَ ماءً يُخْلَقُ منه الولدُ. ولأصْحابِ الشافعىِّ اخْتلافٌ فى ذلك، على نحو ما ذكرْنا من الخلافِ عندَنا. قال ابن اللَّبانِ: لا يَلْحَقُه الولدُ فى هاتَيْنِ الصُّورتينِ. [فى قولِ الجمهورِ] (٢٦). وقال بعضُهم: يَلْحَقُه بالفِرَاش. وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَلْحَقُ بالفِرَاش إذا أمْكَنَ، ألا تَرَى أنَّها إذا وَلَدَتْ بعد شَهْرٍ منذُ تَزَوَّجَها لم يَلْحَقْه، وههُنا لا يُمْكِنُ؛ لِفَقدِ المَنِىِّ من المَسْلُولِ، وَتَعَذُّرِ إيصالِ المنىِّ إلى قَعْرِ الرَّحِمِ من المَجْبُوبِ. ولا مَعْنَى لقولِ مَنْ قال: يَجوزُ أن تَسْتَدْخِلَ المرأةُ مَنِىَّ الرجلِ، فتَحْمِلَ؛ لأنَّ الولدَ مخلوقٌ من مَنِىِّ الرجلِ والمرأةِ جميعًا، ولذلك يأخُذُ الشَّبَهَ منهما، وإذا اسْتَدْخَلَتِ المنىَّ بغير جِماعٍ، لم تَحْدُثْ لها لَذّةٌ تُمْنِى بها، فلا يَخْتَلِطُ نَسَبُهما (٢٧)، ولو صَحَّ ذلك، لَكان الأجْنَبِيَّانِ الرجلُ والمرأةُ إذا تَصادقَا أنها اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّه، وأن الولدَ من ذلك الْمَنِىِّ، يَلْحَقُه نَسَبُه، وما قال ذلك أحدٌ. فصل: وإن طَلَّقَ امرأتَه وهى حاملٌ (٢٨)، فوضَعَتْ ولدًا، ثم ولدتْ آخرَ قبلَ مُضِىِّ

стр. 5708

سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهو (٢٩) من الزَّوْجِ (٣٠)؛ لأنَّنا نعْلمُ أنهما حَمْلٌ واحدٌ، فإذا كان أحدُهما منه، فالآخَرُ منه. وإن كان بينهما أكثرُ من سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقِ الزوجَ، وانْتَفىَ عنه من غيرِ لِعانٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ الولدان حَمْلًا واحدًا وبينهما مُدَّةُ الحملِ، فعُلِمَ أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، وانْقِضاءِ العِدَّةِ، وكَوْنِها أجْنَبِيَّةً، فهى كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ. وإن طَلَّقَها، فاعْتَدّتْ بالأقْراءِ، ثم ولَدَتْ ولدًا قبلَ مُضِىِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ من آخِرِ أقْرائِها، لَحِقَه؛ لأنَّنا تَيَقَنَّا أنَّها لم تَحْمِلْه بعدَ انْقضاءِ عِدَّتِها، ونعلمُ أنَّها كانت حاملًا به (٣١) فى زَمَنِ رُؤْيةِ الدَّمِ، فيَلْزَمُ أن لا يكونَ الدَّمُ حَيْضًا، فلم تَنْقَضِ عِدّتُها به. وإن أتَتْ به لأكثرَ من ذلك، لم يَلْحَقْ بالزَّوْجِ. وهذا قولُ أبى العَبَّاس ابن سُرَيْجٍ. وقال غيرُه من أصحابِ الشافعىِّ: يَلْحَقُ به؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ منه، والولدُ يَلْحَقُ بالإِمْكانِ. ولَنا، أنَّها أتَتْ به بعدَ الحُكْمِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فى وقتٍ يُمْكِنُ أن لا يكونَ منه، فلم يَلْحَقْه، كما لو انْقَضَتْ عِدّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الإِمْكانُ مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ أو العِدَّةِ، وأمَّا بعدَهما، فلا يُكتَفَى بالإِمْكانِ لِلَحاقِه، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِمْكانِ لِنَفْيه، وذلك لأنَّ الفِرَاشَ سَبَبٌ، ومع وُجُودِ السَّببَ يُكْتَفَى بإمْكانِ الحِكْمةِ واحتمالِها، فإذا انتفَى السَّببُ وآثارُه، فيَنْتَفِى الحكمُ لِانتِفائِهْ، ولا يُلْتَفَتُ إلى مُجَرَّدِ الإِمْكانِ. واللَّه أعلم. فأمَّا إن وَضَعَتْه قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ لأقَل من أرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَ بالزَّوْجِ، ولم يَنْتَفِ عنه إلَّا باللِّعانِ. وإن وضَعَتْه لأكْثرَ من أرْبعِ سِنينَ من حينِ الطَّلاقِ، وكان بائِنًا، انْتَفَى عنه بغيرِ لِعانٍ؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زوالِ الفِرَاشِ. وإن كان رَجْعِيًّا، فوَضَعَتْه لأكثرَ من أربعِ سِنينَ منذ انْقَضَتِ العِدَّةُ، فكذلك؛ لأنَّها عَلِقَتْ به بعَد البَيْنُونةِ. وإن وضَعَتْه لأكثرَ من أربعِ سِنين مُنْذ الطَّلاقِ، ولأقلَّ منها منذُ انْقَضتِ العِدّةُ، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يَلْحَقُه؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ به قبلَ طَلاقِها، فأشْبَهتِ

стр. 5709

البائِنَ. والثانية، يَلْحَقُه؛ لأنّها فى حُكْمِ الزَّوْجاتِ فى السُّكْنَى والنَّفَقةِ والطلاقِ والظِّهارِ والإِيلاءِ والحلِّ، فى رِوايةِ، فأشْبَهَ مَا قبلَ الطَّلاقِ. فصل: فإن غابَ عن زَوْجَتِه سنِينَ، فبَلَغَتْها وفاتُه، فاعْتَدّتْ، ونَكَحَتْ نِكاحًا صحيحًا فى الظاهرِ، ودَخَلَ بها الثانى، وأوْلَدَها أولادًا، ثم قَدِمَ الأوَّلُ، فُسِخَ نِكاحُ الثانى، ورُدَّتْ إلى الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ من الثانى، ولها عليه صداقُ مِثْلِها، والأولادُ له؛ لأنَّهم وُلِدُوا على فِرَاشِه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قولُ الثَّوْرىِّ، وأهلِ العراقِ، وابنِ أبى لَيْلَى، ومالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى يوسفَ، وغيرِهم من أهلِ العلمِ، إلَّا أبا حنيفةَ، قال: الولدُ للأَوَّلِ؛ لأنَّه صاحِبُ الفِرَاشِ؛ لأنَّ نِكاحَه صحيحٌ ثابتٌ، ونِكاحُ الثانى غيرُ ثابتٍ، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. ولَنا، أن الثانىَ انْفَرَدَ بوَطْئِها فى نكاحٍ يَلْحَقُ النَّسَبُ فى مِثْلِه، فكان الولدُ له دونَ غيرِه، كوَلَدِ الأَمَةِ من زَوْجِها يَلْحَقُه دُونَ سَيِّدِها، وفارَقَ الأجْنَبِىَّ، فإنَّه ليس له نِكاحٌ. فصل: وإن وَطِئَ رَجُلٌ امرأةً لا زَوْجَ لها بشُبْهةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه نَسَبُه. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ. وقال القاضى: وَجَدْتُ بخَطِّ أبى بكرٍ، أنَّه لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ لا يَلْحَقُ إلَّا فى نكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ، أو مِلْكِ يْمَينٍ (٣٢)، أو شُبْهةِ مِلْكٍ، ولم يُوجَدْ شىءٌ من ذلك، ولأنَّه وَطْءٌ لا يستنِدُ إلى عَقْدٍ، فلم يَلْحَقِ الولدُ فيه بالوَطْءِ، كالزِّنَى. والصحيحُ فى المذهبِ الأوَّلُ. قال أحمدُ: كلَّ من دَرَأْتَ عنه الحَدَّ أَلْحَقْتَ به الولدَ. ولأنَّه وَطْءٌ اعْتَقَدَ الواطئُ حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ الفاسدِ. وفارق وَطْءَ الزِّنَى، فإنَّه لا يَعْتَقِدُ الحِلَّ فيه. ولو تَزَوّجَ رَجُلانِ أُخْتَيْنِ؛ فغُلِطَ بهما عندَ الدُّخُولِ، فزُفَّتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى زَوْجِ الأُخْرَى، فوَطِئها، وحَمَلَتْ منه، لَحِقَ الولدُ بالواطئ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَعْتَقِدُ حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالوَطْءِ فى نكاحٍ فاسدٍ.

стр. 5710

وقال أبو بكرٍ: لا يكونُ الولدُ للْواطئ، وإنَّما يكونُ للزَّوْجِ. وهذا الذى يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ. ولَنا، أَنَّ الوَاطِىءَ انْفَرَدَ بوَطْئِها فيما يَلْحقُ به النَّسَبُ، فلَحِقَ به كما لو لم تكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، وكما لو تزَوَّجتِ امرأةُ المفْقُودِ عندَ الحُكْمِ بوَفاتِه ثم بان حَيًّا، والخبرُ مخصوصٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه ما كان فى معناه. وإن (٣٣) وُطِئَتِ امرأتُه أو أمَتُه بشُبْهةٍ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، فاعْتَزَلها حتى أتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الوَطْءِ، لَحِقَ الواطئَ، وانْتَفَى عن الزَّوْجِ من غيرِ لِعانٍ، وعلى قولِ [أبى بكرٍ] (٣٤)، وأبى حنيفةَ: يَلْحَقُ بالزَّوْجِ (٣٥)؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ. وإن أنكرَ الواطئُ الوَطْءَ، فالقولُ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، ويَلْحَقُ نَسَبُ الولدِ بالزَّوْجِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إلْحاقُه بالمُنْكِرِ، ولا تُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ فى قَطْعِ نَسَبِ الولدِ. وإن أتَتْ بالولدِ لدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الوَطْءِ لَحِقَ الزَّوجَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّنا نعلمُ أنَّه ليس من الواطئ. وإن اشْتَركا فى وَطْئِها فى طُهْرٍ، فأتَتْ بولد يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، لَحِقَ الزَّوجَ (٣٦)؛ لأنَّ الولدَ للفِرَاشِ، وقد أمْكَنَ كونُه منه (٣٧). وإن ادَّعَى الزَّوْجُ أنَّه من الواطئ. فقال بعضُ أصحابِنا: يُعْرَضُ على الْقافَةِ معهما فيُلْحَقُ بمن ألْحَقَتْه به فهما، فإن ألْحَقَتْه بالواطىء لَحِقَه، ولم يَمْلِكْ نَفْيَه عن نَفْسِبما، وانتفَى عن الزَّوجِ بغيرِ لِعانٍ، وإن ألْحَقَتْهُ بالزَّوجِ لَحِقَه، ولم يملكْ نَفْيَه باللِّعانِ فى أصَحِّ الرِّوايتينِ. والأُخْرَى، له ذلك. وإن ألْحَقَتْهُ (٣٨) بهما، لَحِقَ بهما، ولم يَمْلِك الواطئُ نَفْيَه عن نَفْسِه. وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ نَفْيَه باللِّعانِ؟ على روايتَيْنِ. وإن لم تُوجَدْ قَافةٌ، أو أنكَرَ الواطئ الوَطْءَ، أو اشْتَبَه على القافةِ، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ لِلَحاقِ النَّسَبِ به مُتَحَقِّقٌ، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه، فوَجَبَ إثْباتُ حُكْمِه. ويَحْتَمِلُ أن

стр. 5711

يَلْحَقَ الزَّوجَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ دلالةَ قولِ الْقافةِ ضَعِيفةٌ، ودلالةَ الفِرَاشِ قَوِيّةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ دلالَتِه لمُعارَضةِ دَلالةٍ ضَعِيفةٍ. فصل: وإن (٣٩) أتت امْرأتُه (٤٠) بولدٍ، فادَّعَى أنَّه من زَوْجٍ قَبْلَه، نَظَرْنا؛ فإن كانتْ تزَوَّجَتْ بعدَ انْقضاءِ العِدَّةِ، لم يَلْحَقْ بالأوَّلِ بحالٍ، وإن كان (٤١) بعدَ أربعِ سِنِينَ منذُ بانَتْ من الأوَّلِ، لم يَلْحَقْ به أيضًا، وإن وَضَعَتْه لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تَزَوَّجَها الثانى، لم يَلْحَقْ به، ويَنْتَفِى عنهما، وإن كان لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهو ولَدُه، وإن كان لأكْثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تزَوّجَها الثانى، ولأقلَّ من أربعِ سِنِينَ من طَلاقِ الأوَّلِ، ولم يَعْلَمِ انْقِضاءَ العِدَّةِ، عُرِض على الْقافةِ، ولَحِقَ (٤٢) بمن ألْحَقَتْه به منهما، فإنْ ألْحَقَتْه بالأوَّلِ، انتْفَىَ عن الزَّوجِ بغيرِ لِعانٍ، وإن ألحقتْه بالزَّوجِ انتْفَىَ عن الأوَّلِ ولَحِقَ الزَّوجَ. وهل له نَفْيُه باللِّعانِ؟ على روايتَيْن. ١٣٣٥ - مسألة؛ قال: (واللِّعانُ الَّذِى يَبْرَأُ بِهِ مِنَ الْحَدِّ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ بمَحْضَرٍ مِنَ الْحَاكِمِ: أَشْهَدُ باللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ. ويُشِيرَ إلَيْهَا. وإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاها (١)، ونَسَبَها، حَتَّى يُكْمِلَ ذلِك أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُوقَفُ عِنْد الْخامِسَةِ، ويُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فإنَّها الْمُوجِبَةُ، وعَذَابُ الدُّنيا أهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. فَإِنْ أبَى إِلَّا أَنْ يُتِمَّ، فَلْيَقُلْ: ولَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاها بِهِ مِنَ الزِّنَى. وتَقُولُ هِىَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ. أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تُوقَفُ عِندَ الْخامِسَةِ، وتُخَوّفُ كَمَا خُوِّف الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إِلَّا أَنْ تُتِمَّ، فلْتَقُلْ: وَغَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ

стр. 5712

كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيَما رَمَانِى (٢) بِهِ مِنَ الزِّنَى). فى هذه المسألة مَسْألتان: إحداهما: أَنَّ اللِّعانَ لا يَصِحُّ إلَّا بمَحْضرٍ من الحاكمِ، أو مَن يَقُومُ مَقامَه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ هِلالَ بن أُمَيّةَ أن يَسْتَدْعِىَ زَوْجَتَه إليه، ولَاعَنَ بينهما (٣). ولأنَّه إمَّا يَمِينٌ، وإمَّا شهادةٌ، وأيُّهما كان، فمِنْ شَرْطِه الحاكمُ. وإن تَرَاضَى الزَّوْجانِ بغيرِ الحاكمِ يُلاعِنُ بينهما، لم يَصِحَّ ذلك؛ لأنَّ اللِّعانَ مَبْنِىٌّ على التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الحاكمِ، كالحَدِّ. وسَواءٌ كان الزَّوْجانِ حُرَّيْنِ أو مَمْلُوكينِ، فى ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: للسَّيِّدِ أن يُلاعِنَ بينَ عَبْدِه وأمَتِه؛ لأنَّ له إقامَةَ الحَدِّ عليهما. ولَنا، أنَّه لِعانٌ بينَ زَوْجينِ، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكمِ أو نائِبِه، كاللِّعانِ بينَ الحُرَّيْنِ. ولا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إقامةَ الحَدِّ على أمَتِه المُزَوَّجَةِ، ثم لا يُشْبِهُ اللِّعانُ الحَدَّ؛ لأنَّ الحَدَّ زَجْرٌ وتَأْدِيبٌ، واللِّعانُ إمَّا شهادة وإمَّا يمينٌ، فافْتَرَقا، ولأنَّ اللِّعانَ دارِئٌ للحَدِّ، ومُوجِبٌ له، فجَرَى مَجْرَى إقامةِ البَيِّنةِ على الزِّنَى والحُكْمِ به أو بنَفْيِهِ. وإن كانتِ المرأةُ خَفِرةً لا تَبْرُزُ لحوائِجِها، بَعَثَ الحاكمُ نائِبَه، وَبعَثَ معه عُدُولًا، ليُلَاعِنُوا بينهما، وإن بَعَثَ نائِبَه وحدَه جازَ؛ لأنَّ الجَمْعَ غيرُ واجِبٍ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ اللعانُ بمَحْضرِ جماعةٍ من المُسْلِمِينَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ وسَهْلَ بن سعدٍ حَضَرُوه مع حداثةِ أسْنانِهم، فدَلَّ ذلك على أنَّه حَضَره جمعٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ إنَّما يَحْضُرُونَ المجالسَ تَبَعًا للرِّجالِ، ولأنَّ اللِّعانَ بُنِىَ على التَّغْليظِ، مُبالَغةً فى الرَّدْع به (٤) والزَّجْرِ، وفِعْلُه فى الجماعةِ أبْلَغُ فى (٥) ذلك. ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْقُصُوا عن أرْبَعةٍ؛ لأنَّ بَيِّنةَ الزِّنَى الذى شُرِعَ اللعانُ من أجْلِ الرَّمْىِ به أرْبعَةٌ، وليس

стр. 5713

شىءٌ من هذا واجِبًا. ويُسْتَحَبُّ أن يتَلاعَنا قِيامًا، فَيَبْدأُ الزوجُ فيَلْتَعِنُ وهو قائمٌ، فإذا فَرَغَ قامتِ المرأةُ فالْتَعَنَتْ وهى قائمةٌ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال لهِلالَ بن أمَيَّةَ: "قمْ فاشْهَدْ أرْبعَ شهاداتٍ" (٦). ولأنَّه إذا قام شاهَدَه الناسُ، فكان أبلغَ فى (٧) شُهْرَتهِ، فاسْتُحِبَّ كَكَثْرةِ (٨) الجمعِ، وليس ذلك واجِبًا. وبهذا كله قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. فصل: قال القاضى: ولا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فى اللِّعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أطْلَقَ الأمْرَ بذلك، ولم يُقَيِّدْه بزمانٍ ولا مكانٍ، فلا يجوزُ تَقْييدُه إلَّا بدليلٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ الرجلَ بإحْضارِ امْرأتِه، ولم يَخُصَّه بزمنٍ، ولو خُصَّه بذلك لَنُقِلَ ولم يُهْمَلْ. وقال أبو الخَطَّاب: يُسْتَحَبُّ أن يتَلَاعَنَا فى الأزْمانِ والأماكنِ التى تُعَظَّمُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ عندَه فى التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلينِ؛ أحدهما، أَنَّ التَّغْلِيظَ به مُسْتَحَبٌّ كالزمانِ. والثانى، أنَّه واجبٌ؛ لأنَّ النَّبِىّ ﷺ لَاعَنَ بينهما (٩) عند المِنْبَرِ، فكان فِعْلُه بيانًا لِلِّعانِ. ومعنى التَّغْلِيظِ بالمَكانِ، أنَّهما إذا كانا بمَكَّةَ لَاعَنَ بينهَما بين الرُّكْنِ والمَقْامِ، فإنَّه أشْرَفُ البِقَاعِ، وإن كانا بالمَدِينةِ (١٠) فعند مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وفى بَيْتِ المَقْدِسِ عنَد الصَّخْرَةِ، وفى سائرِ البلدانِ فى جَوامِعِها. وأمَّا الزَّمانُ فبَعْدَ العَصْرِ؛ لقَوْل اللَّه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (١١). وأجْمَعَ المُفَسِّرُون على أَنَّ المُرَادَ بالصَّلاةِ صلاةُ العَصْرِ. قال أبو الخَطَّاب فى موضعٍ آخَرَ (٩): أو بين (١٢) الأذَانَيْنِ؛ لأنّ الدُّعاءَ بينهما لا يُرَدُّ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ،

стр. 5714

ولو (١٣) اسْتُحِبَّ ذلك لفَعَلَه النبِىُّ ﷺ ، ولو فَعَلَه لنقِلَ، ولم يَسُغْ (١٤) تَركُه (١٥) وإهماله. وأمَّا قولُهم: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَاعَنَ بينهما عند المِنْبَرِ. فليس هذا فى شىءٍ من الأحاديثِ المشهورةِ. وإن ثَبَتَ هذا، فيَحْتَمِلُ أنَّه (١٦) كان بحُكْمِ الاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَجْلِسَه كان عندَه، فلَاعَنَ بينهما فى مَجْلِسِه. وإن كان اللِّعانُ بين كافِرَيْنِ، فالحكمُ فيه كالحُكمِ فى اللِّعانِ بينَ المسلمَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يُغَلَّظَ بالمكانِ (١٧)؛ لقولِه فى الأيْمانِ: وإن كان لهم مواضعُ يُعَظِّمُونَها، ويَتَّقُون (١٨) أن يَحْلِفُوا فيها كاذِبين، حُلِّفُوا فيها. فعلى هذا، يُلاعَنُ بينهما فى مواضِعِهم التى (١٩) يُعَظِّمُونها؛ النَّصْرَانِىُّ فى الكَنِيسةِ، واليهودىُّ فى البِيعةِ، والْمَجُوسىُّ فى بيتِ النَّارِ. وإن لم يكُنْ لهم مواضعُ يُعَظِّمُونَها، حَلَّفَهُم الحاكمُ فى مَجْلِسِه؛ لتَعَذُّرِ التَّغْليظِ بالمكانِ. وإن كانت المُسْلِمةُ حائِضًا، وقُلْنا: إن اللِّعانَ بينهما يكون فى المَسْجِدِ. وَقَفَتْ على بابِه؛ ولم تَدْخُلْه؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ المواضعِ إليه. المسألة الثانية: فى ألفاظِ اللِّعانِ وصِفَتِه، أمَّا ألْفاظُه فهى خمسةٌ فى حَقِّ (٢٠) كلِّ واحدٍ منهما. وصِفَتُه أنَّ الإِمامَ يَبْدأُ بالزَّوْجِ، فيُقِيمُه، ويقولُ له: قُلْ أَرْبَعَ مَرّاتٍ: أشْهَدُ باللَّه أنِّى لَمِنَ الصادِقينَ فيما رَميْتُ به زَوْجَتِى هذه من الزِّنَى. ويُشِيرُ إليها إن كانت حاضرةً، ولا يَحْتاجُ مع الحُضُورِ والإِشارةِ إلى [نِسْبَةٍ وتَسْمِيَةٍ] (٢١)، كما لا يَحْتاجُ إلى ذلك

стр. 5715

فى سائرِ العُقُودِ، وإن كانت غائبةً أَسْماها ونَسَبَها، فقال: امْرأتِى فلانةُ بنتُ فلانٍ (٢٢). ويَرْفَعُ فى نَسَبِها حتى تَنْتَفِىَ (٢٣) المشاركةُ بينها وبينَ غيرها. فإذا شَهِدَ أربعَ مراتٍ، وقَفَه الحاكمُ، وقال له: اتَّقِ اللَّه، فإنَّها المُوجبةُ، وعذابُ (٢٤) الدُّنْيا أهْوَنُ من عذابِ الآخرةِ، كلُّ شىءٍ أهْوَنُ من لَعْنةِ اللَّه. ويأمرُ رَجُلًا فيَضَعُ يَدَه على فِيهِ، حتى لا يُبادِرَ بالخامسةِ قبل المَوْعِظَةِ، ثم يأمرُ الرجلَ، فيُرْسِلُ يدَه عن فِيهِ، فإن رآه يَمْضِى فى ذلك، قال له: قُلْ: وأنَّ لَعْنَةَ اللَّه علىَّ إن كنتُ من الكاذِبينَ فيما رَمَيْتُ به زَوْجَتِى هذه من الزِّنَى. ثم يأْمرُ المرأةَ بالقيامِ، ويقولُ لها: قُولِى: أشْهَدُ باللَّه أنَّ زَوْجِى هذا لمن الكاذِبينَ فيما رَمانِى به من الزِّنَى. وتُشِيرُ إليه، وإن كان غائبًا أسْمَتْه ونَسَبَتْه، فإذا كَرَّرَتْ ذلك أربعَ مراتٍ، وقَفَها، ووَعَظَها كما ذكرنا فى حَقِّ الزَّوْجِ، ويأْمرُ امرأةً فتَضَعُ يَدَها على فِيها، فإن رآها تَمْضِى على ذلك، قال لها: قُولِى: وأنَّ غَضَبَ اللَّه علىَّ إن كان زَوْجِى هذا من الصادِقينَ فيما رَمانِى به من الزِّنَى. قال إسحاقُ بن منصورٍ: قلتُ لأحمدَ: كيف يُلاعنُ؟ قال: على ما فى كتابِ اللَّه تعالى، يقولُ أرْبَعَ مراتٍ: أشهدُ باللَّهِ أنِّى فيما رَمَيْتُها به لمن الصادِقينَ. ثم يُوقَفُ عندَ الخامسةِ، فيقولُ: لَعْنَةُ اللَّه عليه إن كان من الكاذِبينَ. والمرأةُ مثلُ ذلك، تُوقَفُ عند الخامسةِ، فيقال لها اتَّقِ اللَّهَ، فإنَّها المُوجِبةُ، تُوجِبُ عليك العَذابَ. فإن حَلَفَتْ، قالت: غَضِبَ اللَّه عليها إن كان من الصادِقينَ. وعددُ هذه الألفاظِ الخمسةِ شَرْطٌ فى اللعانِ، فإنْ أَخلَّ بواحدةٍ منها، لم يَصِحَّ، على ما ذكرناه فيما مَضَى، وإن أبْدَلَ لفظًا منها، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يجوزُ أن يُبدِلَ قولَه: إنِّى لمن الصادِقينَ. بقوله: لقد زَنَتْ. لأنَّ معناهُما واحدٌ، ويجوزُ لها إبْدالُ: إنَّه لمن الكاذبينَ. بقَوْلِها: لقد كَذَبَ. لأنَّه ذكَر صِفةَ اللِّعانِ كذلك. واتِّباعُ لَفْظِ النّصِّ أوْلَى وأحسنُ. وإن أبْدَلَ لَفْظَ (٢٥): "أشْهَدُ" بلفظٍ من ألْفاظِ اليَمِينِ، فقال: أحْلِفُ

стр. 5716

أو أُقْسِمُ أو أُولِى. لم يُعْتَدَّ به. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وجهٌ آخرُ، أنَّه يُعْتَدُّ به؛ لأنَّه أَتَى بالمَعْنَى، فأشْبَهَ ما لو أبْدَلَ: إنَّى لمن الصادقينَ. بقولِه: لقد زَنَتْ. وللشافعىِّ وَجْهان فى هذا. والصحيح أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما اعْتُبِرَ فيه لفظُ الشهادةِ، لم يَقُمْ غيرُه مَقامَه، كالشهاداتِ فى الحُقُوقِ، ولأنَّ اللِّعانَ يُقْصَدُ فيه التَّغْليظُ، واعْتبارُ لَفْظِ الشهاداتِ أبْلَغُ فى التَّغْليظِ، فلم يَجُزْ تَرْكُه، ولهذا لم يَجُزْ أن يُقْسِمَ باللَّهِ من غيرِ كلمةٍ تقومُ مقامَ أشْهَدُ. والثانى، يُعْتَدُّ به؛ لأنَّه أُتَى بالمَعْنَى، أشْبَهَ ما قبلَه. وللشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن. وإن أبْدَلَ لفظةَ اللَّعْنةِ بالإِبْعادِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ لفظَ اللعنةِ أبْلَغُ فى الزَّجْرِ وأشَدُّ فى أَنْفُسِ الناسِ، ولأنَّه عَدَلَ عن المنَصْوُصِ. وقيل: يجوزُ؛ لأنَّ معناهما واحدٌ. وإن أبْدلَتِ المرأةُ لفظةَ الغَضَبِ باللَّعْنةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الغضبَ أغْلَظُ، ولهذا خُصَّتِ المرأةُ به؛ لأنَّ المرأةَ (٢٦) المُعَيَّرة (٢٧) بزِنَاها أقْبَحُ، وإثْمُها بفِعْلِ الزِّنَى أعظمُ من إثْمِه بالقَذْفِ (٢٨). وإن أبْدَلَتْها بالسَّخَطِ، خُرِّجَ على الوَجْهينِ (٢٩) فيما إذا أبْدَلَ الرجلُ لَفْظَ (٣٠) اللَّعْنةِ بالإِبْعادِ. وإن أبْدَلَ الرجلُ لَفْظَ (٣٠) اللعنةِ بالغَضَبِ، احْتَمَل أن يجوزَ؛ لأنَّه أبْلَغُ، واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لمخالفتِه (٣١) المنصوصَ. قال الوزيرُ يَحيى بن محمدِ بن هُبَيْرةَ (٣٢) رحمه اللَّهُ تعالى: من الفُقهاءِ مَن اشْتَرطَ أن يُزادَ بعد قولِه: من الصادقينَ: فيما رَمَيْتُها به من الزِّنَى. واشترطَ فى نَفْيِها عن نَفْسِها: فيما رَمانِى به من الزِّنَى. ولا أراه يحتاجُ إليه؛ لأنَّ اللَّه سبحانه أنْزَلَ ذلك وبَيَّنَه، ولم يذكر هذا الاشْتراطَ. وأمَّا مَوْعِظةُ الإِمامِ

стр. 5717

لهما بعدَ الرَّابعةِ، وقبَل الخامسةِ، فهى مُسْتَحَبَّةٌ فى قولِ أكثر أهلِ العلمِ؛ لما رَوَى ابنُ عباسٍ قال: لمَّا كانت الخامسةُ، قيل: يا هِلالُ، اتْقِ اللَّه، فإنَّها المُوجِبةُ التى تُوجِبُ عليك العذابَ. فقال: واللَّه لا يُعَذِّبُنِى اللَّه عليها، كما لم يجلدنِى عليها. فشَهِدَ الخامسةَ. فلما [كانتِ الخامِسَةُ] (٣٣)، قيل لها: اتَّقِ اللَّه، فإنَّ عذابَ الدُّنْيا أهْونُ من عَذابِ الآخرةِ، وإنَّ هذه المُوجِبةُ التى توجبُ عليكِ العذابَ. فَتَلَكَّأتْ ساعةً، ثم قالتْ: واللَّه لا أفْضَحُ قَوْمِى. فشهدت الخامسةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّه عليها إن كان من الصادِقِينَ. وروى أبو إسْحاقَ الجُوزَجَانىُّ، بإسْنادِه، حديثَ المُتَلاعِنَيْنِ، قال: فشَهِدَ أربعَ شَهَادَاتٍ باللَّه إنَّه لمن الصَّادقينَ، ثم أمَرَ به فأُمْسِكَ على فِيهِ، فوَعَظَه، وقال: "وَيْحكَ كلُّ شَىْءٍ أهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ". ثم أُرْسلَ، فقال: لعنةُ اللَّه عليه إن كان من الكاذبينَ. ثم دَعاها، فَقَرأ عليها، فشَهِدَتْ أَرْبعَ شهاداتٍ باللَّه إنَّه لمن الكاذِبينَ، ثم أمَرَ بها فأُمْسِكَ على فِيها، وقال: "وَيْحَكِ كُلُّ شَىْءٍ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ". وذكر الحديث. فصل: ويُشْتَرطُ فى صِحَّةِ اللِّعانِ شروطٌ سِتّةٌ؛ أحدها، أن يكونَ بمَحْضرِ الإِمامِ أو نائِبِه. والثانى، أن يأْتِىَ كلُّ واحدٍ منهما بللِّعانِ بعدَ إلْقائِه عليه، فإن بادَرَ به قبلَ أن يُلْقِيَه الإِمامُ عليه، لم يَصِحَّ، كما لو حَلَفَ قبلَ أن يُحَلِّفَه الحاكمُ. الثالث، استكمالُ لَفَظاتِ اللِّعانِ الخمسةِ، فإن نَقَصَ منها لفظةً، لم يَصِحَّ. الرابع، أن يَأْتِىَ بصُورَتِه، إلَّا ما ذكرْنا من الاخْتلافِ فى إبْدالِ لفظةٍ بمثلِها فى المعنى. الخامس، التَّرْتيبُ، فإن قَدَّمَ لفظةَ اللَّعْنةِ على شىءٍ من الألْفاظِ الأربعةِ، أو قَدَّمَتِ المرأةُ لِعانَها على لِعانِ الرجلِ، لم يُعْتَدَّ به. السَّادس، الإِشارةُ من كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحِبِه إن كان حاضرًا، أو تَسْمِيَتُه (٣٤) ونِسْبتُه إن كان غائبًا. ولا يُشْتَرطُ حُضُورُهما معا، بل لو كان أحَدُهما غائبًا عن صاحِبه،

стр. 5718

مثل أن لَاعَنَ الرجلُ فى المَسْجدِ والمرأةُ على بابِه، لعَدَمِ إمكانِ دُخُولِها (٣٥)، جازَ. فصل: وإن كان الزَّوجانِ يَعْرِفانِ العربيةَ، لم يَجُزْ أن يَلْتَعِنَا بغيرِها؛ لأنّ اللِّعانَ وَرَدَ فى القرآنِ بلَفْظِ العربيةِ. وإن كانا لا يُحْسِنانِ ذلك، جاز لهما الالْتِعانُ بلِسانِهِما؛ لموضعِ الحاجةِ، فإن كان الحاكمُ يُحْسِنُ لِسانَهما، أجْزَأَ ذلك، ويُسْتَحَبُّ أن يَحْضُرَ معه أربعةٌ يُحْسِنُون لِسانَهُما، وإن كان الحاكمُ لا يُحْسِنُ لسانَهُما، فلابُدَّ من تَرْجُمان. قال القاضى: ولا يُجْزِئُ فى التَّرْجمةِ أقَلُّ من اثنَيْنِ عَدْلَيْنِ. وهو قولُ الشافعىِّ، وظاهرُ قولِ الخِرَقِى؛ لأنَّه قال: ولا يُقْبَلُ فى التَّرْجمةِ عن أعْجمِىٍّ حَاكَمَ إليه، إذا لم يَعْرِفْ لِسانَه؛ أقَلُّ من عَدْلَيْنِ يَعْرِفانِ لِسانَه. وذكَرَ أبو الخَطَّاب رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُ قولُ عَدْلٍ (٣٦) واحدٍ. [وهو قولُ أبى حنيفةَ] (٣٧)، وسنذْكرُ ذلك فى موضعٍ آخَرَ، إن شاء اللَّه تعالى. ١٣٣٦ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُم فِى اللِّعَانِ وَلَدٌ، ذَكَرَ الوَلَد، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ زَنَتْ. يَقُولُ: وَمَا هذَا الْوَلدُ وَلَدِى. ونقُولُ هِىَ: أشْهَدُ باللَّه لَقَدْ كَذَبَ، وهذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ) وجملةُ ذلك، أنَّه متى كان اللِّعانُ لِنَفْىِ ولدٍ، فلابُدَّ من ذِكْرِه فى لِعانِهما. وقال الشافعىُّ: لا تَحْتاجُ المرأةُ إلى ذِكْرِه؛ لأنَّها لا تَنْفِيه، وإنَّما احْتاجَ الزَّوْجُ إلى ذِكْرِه لِنَفْيِه. وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ واحدٌ (١) منهما إلى ذِكْرِه، ويَنْتَفِى بزوالِ الفِرَاشِ. ولَنا، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّه باللِّعانِ، اشْتُرِطَ ذِكْرُه فيه، كالمرأة، والمرأةُ أحدُ الزَّوْجينِ، فكان ذِكْرُ الولدِ شَرْطًا فى لِعانِها كالزَّوْجِ، ولأنَّهما مُتَحالِفانِ (٢) على شئءٍ، فيُشْتَرطُ (٣) ذِكْرُه فى

стр. 5719

تَحالُفِهِما كالمُخْتلِفَيْنِ فى اليَمِينِ. وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِ الزَّوْجِ: وما هذا الولدُ وَلَدِى. ومن المرأةِ بقولها (٤): وهذا الولدُ ولدُه. وقال القاضى: يُشْتَرَطُ أن يقولَ: هذا الولدُ من زِنًى، وليس هو (٤) مِنِّى. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُ بقولِه: ليس هو مِنِّى. يَعْنِى خَلْقًا وخلُقًا. ولم تَقْتَصِرْ على قولِه (٥): من زِنًى؛ لأنَّه قد يَعْتَقِدُ أَنَّ الوَطْءَ فى نِكاحٍ فاسدٍ زِنًى، فأكَّدْنا بِذكْرِهما جَمِيعًا. ولَنا، أنَّه نَفَى الولدَ فى اللِّعانِ فاكْتُفِىَ به، كما لو ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ، وما ذَكَرُوه من التَّأْكيدِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، ولا يَنْتَفِى الاحتمالُ بضَمِّ إحْدَى اللَّفْظتَيْنِ إلى الأُخْرَى، فإنَّه إذا اعْتَقَدَ أنَّه مِن وَطْءٍ فاسدٍ، واعْتَقَدَ (٦) أَنَّ ذلك زِنًى صَحَّ منه أن يقولَ اللَّفْظَيْنِ (٧) جميعًا، وقد يُرِيدُ أنَّه لا يُشْبِهُنى خَلْقًا وخُلُقًا، أو أنَّه (٨) من وَطْءٍ فاسدٍ. فإن لم يذْكرِ الولدَ فى اللِّعانِ، لم يَنْتَفِ عنه. فإن أراد نَفْيَه، أعادَ اللِّعانَ، ويَذْكُرُ نَفْىَ الوَلَدِ فيه. فصل: وإذا قَذَفَ امرأتَه بالزِّنَى برَجُلٍ بعَيْنِه، فقد قَذَفَهما، وإذا لَاعَنَها (٩) سَقَطَ الحَدُّ عنه لهما، سَواءٌ ذكَرَ الرَّجُلَ فى لِعانِه أو لم يَذْكُرْه، وإن لم يُلاعِنْ، فلكُلِّ واحدٍ منهما المُطالبةُ، وأيُّهما طالَبَ، حُدَّ له، ومن لم يُطالِب، فلا يُحَدُّ له، كما لو قَذَفَ رَجُلًا بالزِّنَى بامرأةٍ مُعَيَّنةٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، إلَّا فى أنَّه لا يسْقُط حَدُّه بلِعانِها (١٠). وقال بعضُ أصْحابِنا: القَذْفُ للزَّوْجةِ وحدَها، ولا يتَعَلَّقُ بغيرِها حَقٌّ فى المطالبةِ ولا الحَدِّ؛ لأنَّ هِلَالَ بن أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَه بشَرِيكِ بن سَحْماءَ، فلم يَحُدَّه

стр. 5720

النَّبِىُّ ﷺ ، ولا عَزَّرَه له (١١). وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يجبُ الحَدُّ لهما (١٢). وهل يَجِبُ حَدٌّ واحدٌ (١٣) أو حَدَّانِ؟ على وَجْهَيْن. وقال بعضُهم: لا يجبُ إلَّا حَدٌّ واحدٌ، قولًا واحدًا. ولا خِلافَ بينهم أنَّه إذا لَاعَنَ، وذكر الأجْنَبِىَّ فى لِعانِه، أنَّه يَسْقُطُ عنه حُكْمُه، وإن لم يذكُرْه، فعلى وَجْهَيْن. ولَنا، أَنَّ اللِّعانَ بَيِّنةٌ فى أحدِ الطَّرَفَيْنِ، فكان بَيِّنَةً فى الطَّرَفِ الآخَرِ، كالشهادةِ، ولأنَّ به حاجةً إلى قَذْفِ الزَّانِى، لما أفْسَدَ عليه من فِرَاشِه، وربما يحْتاجُ إلى ذِكْرِه ليَسْتَدِلَّ بشَبَهِ الولدِ للمَقْذُوفِ على صِدْقِ قاذِفِه، كما اسْتَدَلَّ النَّبِىُّ ﷺ على صِدْقِ هِلالٍ بشَبَهِ الولدِ لشَرِيكِ بن سَحْماءَ، فوَجَبَ أن يُسْقِطَ حكمَ قَذْفِه ما أسْقَطَ حُكْمَ قَذْفِها، قياسًا له عليها. فصل: ولو قَذَفَ امرأتَه وأجْنَبِيَّةً أو أجْنَبِيًّا بكلمتَيْنِ، فعليه حَدَّانِ لهما، فيَخْرُجُ من حَدِّ الأجْنَبِيَّةِ بالبَيِّنةِ خاصَّةً، ومن حَدِّ الزَّوجةِ بالبَيِّنةِ أو اللِّعانِ. وإن قَذَفَهُما بكلمةٍ، فكذلك، إلَّا أنَّه إذا لم يُلاعِنْ، ولم تَقُمْ بَيِّنةٌ، فهل يُحَدُّ لهما حَدًّا واحدًا أو حَدَّيْنِ؟ على رِوَايتَيْنِ، إحْداهما، يَحُدُّ حدًّا واحدًا. وبه قال أبو حنيقةَ، والشافعىُّ فى القديمِ. وزاد أبو حنيفةَ: سَواءٌ كان بكلمةٍ أو بكلماتٍ؛ لأنَّها (١٤) حُدُودٌ من جِنْسِ، فوَجَبَ أن تَتداخَل، كحُدُودِ الزِّنَى. والثانية: إن طلبُوا (١٥) مُجْتَمِعينَ فحدٌّ واحدٌ، وإن طَلَبُوا (١٥) مُتَفَرِّقينَ فلكل واحدٍ حَدٌّ؛ لأنَّهم إذا اجْتمعُوا فى الطَّلَبِ، أمْكَنَ إيفاؤُهم بالحَدِّ الواحدِ، وإذا تفَرّقُوا لم يُمْكِنْ جَعْلُ الحَدِّ الواحدِ إيفاءً لمن لم يُطالِبْ؛ لأنَّه لا يجوزُ إقامةُ الحَدِّ له قبلَ المُطالبةِ منه. وقال الشافعىُّ، فى الجدِيدِ (١٦): يُقامُ لكلِّ واحدٍ حَدٌّ بكلِّ

стр. 5721

حالٍ؛ لأنَّها حُقُوقٌ لآدَمِيِّينَ (١٧)، فلم تتَدَاخَلْ، كالدُّيُونِ. ولَنا، على (١٨) أنَّه إذا قَذَفَهُما بكلمةٍ واحدةٍ يُجْزِئُ حَدٌّ واحدٌ، أنَّه (١٩) يَظْهَرُ كَذِبُه فى قَذْفِه، [وبراءةُ عِرْضِهما] (٢٠) من رَمْيِه بحَدٍّ واحدٍ، فأجْزَأ، كما لو كان القَذْفُ لواحدٍ. وإذا قَذَفَهُما بكلمتينِ، وَجَبَ حَدَّانِ؛ لأنَّهما قَذْفانِ لشَخْصَيْنِ، فوجبَ لكلِّ واحدٍ حَدٌّ، كما لو قَذَفَ الثانى بعَد حَدِّ الأوَّلِ. وهكذا الحكمُ فيما إذا قَذَفَ أجْنَبِيَّتَيْنِ أو أجْنَبِيَّاتٍ، فالتَّفْصيلُ فيه على ما ذكرْناه. وإن قَذَفَ أرْبَعَ نسائِه، فالحُكْم فى الحَدِّ كذلك. وإن أراد اللِّعانَ، فعليه أن يُلاعِنَ لكلِّ واحدةٍ لِعانًا مُفْرَدًا، ويَبْدَأُ بلِعانِ التى تبدأُ بالمُطالبةِ، فإن طالَبْنَ جميعًا، وتشَاحَحْنَ، بَدَأ بإحْداهنَّ بالقُرْعةِ، وإن لم يتَشاحَحْنَ (٢١)، بدأ بلِعانِ من شاء منهنَّ، ولو بدأ بواحدةٍ (٢٢) منهُنَّ من غيرِ قُرْعةٍ مع المُشاحَّةِ، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه لِعانٌ واحدٌ، فيقول: أشْهَدُ باللَّهِ إنِّى لمن الصادِقينَ فيما رَمَيْتُ به كلَّ واحدةٍ من زَوْجاتِى هؤلاء الأرْبَع من الزِّنَى. وتقول كلُّ واحدةٍ: أشْهَدُ باللَّهِ إنَّه لمن الكاذِبينَ فيما رَمانِى به من الزِّنَى. لأنَّه يَحْصُلُ المَقْصُودُ بذلك. والأوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اللِّعانَ أيمانٌ، فلا تَتَداخَلُ لجماعةٍ، كالأيْمانِ فى الدُّيُونِ. فصل: ولو قال لزَوْجَتِه: يا زانِيةُ بِنْتَ الزَّانيةِ. فقد قَذَفَها، وقَذَفَ أُمَّها بكلمتَيْنِ، والحكمُ فى الحَدِّ لهما على ما مَضَى من التَّفْصيلِ فيه. فإن اجْتَمَعا فى المُطالبةِ، ففى أيَّتهِما يُقَدَّمُ (٢٣)؟ فيه (٢٤) وَجْهان؛ أحدهما، الأُمُّ؛ لأنَّ حَقَّها آكَدُ، لكونِه (٢٥) لا

стр. 5722

يَسْقُطُ [إلَّا بالبَيِّنةِ] (٢٦)، ولأنَّ (٢٧) لها فَضِيلةَ الأُمُومةِ. والثانى، تُقَدَّمُ (٢٨) البِنْتُ؛ لأنَّه بَدَأَ بقَذْفِها. ومتى حُدَّ لإِحْداهما، ثم وَجَبَ عليه الحَدُّ للأُخْرَى، لم يُحَدَّ حتى يَبْرَأَ جلدُه من حَدِّ (٢٩) الأُولَى. فإن قيل: إنَّ الحَدَّ ههُنا حَقٌّ لآدَمىٍّ، فلِمَ لا يُوالَى بينهما كالقِصاص، فإنَّه لو قَطَعَ يَدَىْ رَجُلَيْنِ، قَطَعْنا يَدَيْه لهما، ولم نُؤَخِّرْه؟ قُلْنا: لأنَّ حَدَّ القَذْفِ لا يتكَرَّرُ بتَكَرُّرِ سَبَبِه قبلَ إقامةِ حَدِّه، فالمُوالاةُ بين حَدَّيْنِ فيه تُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، والقِصاصُ يجوزُ أن تُقْطَعَ الأطْرافُ كلُّها فى قِصاص واحدٍ، فإذا جازَ لواحدٍ، فلاثْنَيْنِ أَوْلَى. فصل: وإن قَذَفَ مُحْصَنًا مَرَّاتٍ، فحَدٌّ واحدٌ، رِوايةً واحدةً، سَواءٌ قَذَفَه بزِنًى آخرَ، أو كَرَّرَ القَذْفَ بالأَوّلِ؛ لأنَّهما حَدَّانِ ترادَفَ سَبَبُهما، فتداخَلَا، كالزِّنَى مِرارًا. وإن قَذَفَه فحُدَّ له، ثم قَذَفَه مَرَّةً أُخْرَى بذلك الزِّنَى، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه قد تحقَّقَ كَذِبُه فيه بالحَدِّ، فلا حاجةَ إلى إظْهارِ كَذِبِه فيه ثانيًا، ولمَّا جَلَدَ عمرُ أبا بَكْرةَ حين شَهِدَ على المُغيَرةِ بن شُعْبةَ، أعاد قَذْفَه، فهَمَّ عمرُ بإعادةِ الحَدِّ عليه، فقال له علىٌّ: إن جَلَدْتَه فارْجُم صاحِبَه. فتَرَكَه (٣٠). ولكنَّه يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ والشَّتْمِ. وذكر القاضى أَنَّ فيه رِوَايةً أُخْرَى، أَنَّ عليه الحَدَّ ثانيًا؛ لأنَّه قَذْفٌ ثانٍ بعَد إقامةِ (٣١) الحَدِّ عليه، فأشْبَه ما لو قَذَفَه بزِنًى ثانٍ. وأمَّا إن قَذَفَه بزِنًى آخَرَ، فعليه حَدٌّ آخَرُ؛ لأنَّه قَذْفٌ لمُحْصَنٍ لم يحَدَّ فيه، فوَجَبَ أن يتَعَقَّبَه الحَدٌّ كالأوَّلِ، ولأنَّ سَبَبَ الحَدِّ وُجِدَ بعَد إقامَتِه، فأعِيدَ

стр. 5723

عليه، كالزِّنَى والسَّرِقةِ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، لا حَدَّ عليه فى الثانى؛ لأنَّه حُدَّ لصاحِبِه مَرَّةً، فلا يُعادُ عليه الحَدُّ (٣٢)، كما لو قَذَفه بالزِّنَى الأوَّلِ. وعلى هذه الرواية يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ والشَّتْمِ. وهذه الرِّوايةُ الثانية فيما إذا تقارَبَ القَذْفُ الثانى من الحَدِّ، فأمَّا إذا تباعَدَ زمانُهما، وجَبَ الحَدُّ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ حَدُّه مَرَّةً من أجْلِه يُوجِبُ (٣٣) إطلاقَ عِرْضِه له. ومَذْهَبُ الشافعىِّ فى هذا كمَذهَبِنا، إلَّا أنَّهم حَكَوْا عن الشافعىِّ، فيما إذا أعادَ القَذْفَ بزِنًى ثانٍ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، قَوْلَيْنِ؛ أحدهما، يجبُ حَدٌّ واحدٌ. والثانى، يجبُ حَدّانِ. فأمَّا إن (٣٤) قَذَفَ أجْنَبِيَّةً، ثم تزَوَّجها، ثم قَذَفها، فعليه الحَدُّ للقَذْفِ الأوَّلِ، ولا شىءَ عليه للثانى. فى قول أبى بكرٍ. وحُكِىَ نحوُ ذلك عن الزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه لو قَذَفَ أجْنَبِيَّةً قَذْفَيْنِ، لم يَجِبْ عليه أكثرُ من حَدٍّ واحدٍ. واختار القاضى أنَّه إن قَذَفَها بالزِّنَى الأوَّل، لم يكُنْ عليه أكثرُ من حَدٍّ واحدٍ (٣٥)، وليس له إسْقاطُه إلَّا بالبَيِّنَةِ، وإن قَذَفَها بزِنًى آخَرَ، [فهو على الرّوايتَيْنِ فيما إذا قَذَفَ الأجْنَبِيَّةَ، ثم حُدَّ لها، ثم قَذَفَها بزِنًى آخرَ] (٣٦)، فإن قُلْنا: يجبُ حَدَّانِ. فطالبَتِ المرأةُ بمُوجَبِ القَذْفِ الأوَّلِ، فأقامَ به بَيِّنَةً، سَقَطَ عنه حَدُّه، ولم يجِبْ فى الثانى حَدٌّ؛ لأنَّها غيرُ مُحْصَنةٍ، وأن لم يُقِمْ به (٣٧) بَيِّنةً، حُدَّ لها. ومتى طالَبَتْه بمُوجَبِ الثانى، فأقام به بَيِّنَةً، أو لَاعَنَها، سَقَطَ، وإلَّا وَجَبَ عليه الحَدُّ به (٣٧) أيضًا؛ لأنَّ هذا القَذْفَ مُوجَبُه غيرُ مُوجَبِ الأوَّلِ، فإنَّ الأوَّلَ مُوجَبُه الحَدُّ على الخُصُوصِ، والثانى مُوجَبُه اللِّعانُ أو الحَدُّ (٣٨). وإن بَدَأتْ بالمُطالبةِ بمُوجَبِ الثانى، فأقامَ بَيِّنَةً به، أو لاعَنَ، سَقَطَ حَدُّه، ولها المُطالبةُ بمُوجَبِ الأوَّل، فإن أقَام به بَيِّنَةً، وإلَّا حُدَّ. قال

стр. 5724

القاضى: إن أقام بالثانى بَيِّنَةً، سَقَطَ مُوجَبُ الأوَّلِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها صارتْ غيرَ مُحْصَنةٍ، فلا يَثْبُتُ لها حَدُّ المُحْصَناتِ. ولَنا، أن سُقُوطَ إحْصانِها فى الثانى، لا يُوجِبُ سُقُوطَه فيما قبلَ ذلك، كما لو اسْتَوْفَى حَدَّه قبلَ إقامةِ البَيِّنةِ. ولعل هذا يَنْبَنِى (٣٩) على ما إذا قَذَفَ رَجُلًا فلم يُقِمِ الحَدَّ على القاذِفِ حتى زَنَى المَقْذُوفُ. وإن لم يُقِمْ بَيِّنَةً عليهما، ولم يَلْتَعِنْ للثانى، لم يجبْ إلَّا حَدٌّ واحدٌّ. نص عليه أحمدُ؛ لأنهما (٤٠) حَدَّانِ من جِنْسَيْنِ تَرَادَفا، لم (٤١) يُقَمْ أحدُهما، فتداخَلا، كما لو قَذَفَها وهى أجْنَبِيَّةٌ قَذْفَيْنِ. ولو قَذَفَ زَوْجَتَه، فحُدَّ لها، ثم أعادَ قَذْفَها بذلك الزِّنَى، لم يُحَدَّ لها؛ لما ذكرْنا فى إعادةِ قَذْفِ الأجْنَبِىِّ، لكن (٤٢) يُعَزّرُ للأَذَى (٤٣) والسَّبِّ، وليس له إسْقاطُ التَّعْزِيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّه تَعْزِيرُ سَبٍّ، لا تعزيرُ قَذْفٍ، إلَّا على الرِّوايةِ التى تُلْزِمُ الأجْنَبِىَّ [حَدٌّ ثانيًا] (٤٤) بإعادةِ القَذْفِ، فإنَّه يَلْزَمُه ههُنا حَدٌّ، وله إسْقاطُه باللَّعانِ. وإن وُلِدَ له ولدٌ بعد حَدِّه، فذَكَرَ أنَّه من ذلك الزِّنَى، فله اللَّعانُ لإسْقاطِه، على (٤٥) كِلْتا الرِّوايتَيْنِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه. وإن قَذَفَها فى الزَّوْجِيَّةِ قَذْفَيْنِ بزِناءَيْنِ، فليس عليه إلا حَدٌّ واحدٌ، ويَكْفِيه لِعانٌ واحدٌ؛ لأنَّه يَمِينٌ، فإذا كان الحَقَّانِ [لواحدٍ، كَفَتْه] (٤٦) يَمِينٌ واحدةٌ، لكنَّه يحْتاجُ أن يقولَ: أشْهَدُ باللَّهِ إنِّى [لمن الصَّادِقينَ] (٤٧) فيما رَمَيْتُها به من الزِّناءَيْنِ. وفارَقَ ما إذا قَذَفَ زَوْجَتَيْنِ (٤٨)، حيث لا يَكْفِيه لِعانٌ واحدٌ؛ لأنَّ اليَمِينَ وجَبَتْ لكلِّ واحدٍ

стр. 5725

منهما، فلا تتَداخَلُ، كسائرِ الأيْمانِ. وإن أقام البَيِّنَةَ بالأوَّلِ، سَقَطَ عنه مُوجَبُ الثانى؛ لأنَّه زال إحْصانُها، ولا لِعانَ إلَّا أن يكونَ فيه نَسَبٌ يرِيدُ نَفْيَه. وإن أقامَها بالثانِى لم يَسْقُطِ الحَدُّ الأوَّلُ، وله إسْقاطُه باللَّعانِ، إلَّا على قَوْلِ القاضِى، فإنَّه يَسْقُطُ بإقامةِ البَيِّنَةِ على الثانى. وإن قَذَفَها فى الزَّوْجِيَّةِ ولَاعَنَها ثم قَذَفَها بالزِّنَى الأوَّلِ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه قد حَقَّقَه بلِعَانِه، ويَحْتَمِلُ أن يُحَدَّ، كما لو قَذَفَها به (٤٩) أجْنَبِىٌّ. وهو قولُ القاضى. ولو قَذَفَها به أجْنَبِىٌّ، أو بزِنَى غيره، فعليه الحَدُّ، فى قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، منهم ابنُ عباس، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وذكر أبو عُبَيْدٍ عن أصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّهم قالوا: إن لم يَنْفِ بلِعانِها ولدًا، حُدَّ قاذِفُها، وإن نَفَاهُ، فلا حَدَّ على قاذِفِها؛ لأنَّه مُنْتَفٍ عن زَوْجِها بالشَّرْعِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ رَمَاهَا، أَوْ وَلَدَهَا، فعَلَيْهِ الحَدُّ". رواه أبو داودَ (٥٠). وهذا نَصٌّ، فإنَّه نَصَّ على من رَمَاها، مع أن وَلَدَها مَنْفِىٌّ عن المُلاعِنِ شَرْعًا، ولأنَّه لم يَثْبُتْ زِنَاها، ولا زَالَ إحْصانُها، فيَلْزَمُ قاذِفَها الحَدُّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥١). وكما لو لم يَنْفِ وَلَدَها. فأمَّا إنْ أقامَ (٥٢) بَيِّنَةً، فقَذَفَها قاذِفٌ بذلك الزِّنَى، أو بغيرِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه قد زال إحْصانُها، ولأنَّ هذا القَذْفَ لم يُدْخِلِ الْمَعَرَّةَ عليها، وإنما دَخَلَتِ المَعَرَّةُ بقيامِ البَيِّنَةِ، ولكنَّه يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ (٥٣) السَّبِّ والأذَى. وهكذا كلُ مَنْ قامتِ البَيِّنةُ بزِنَاهُ، لا حَدَّ على قاذِفِه. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولكنَّه يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ والأذَى، ولا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إسْقاطَه عن نَفْسِه باللَّعانِ؛ لما قَدَّمْناه. وإن قَذَفَ زَوْجَتَه

стр. 5726

وَلاعَنَها (٥٤)، ثم قَذَفَها بزِنًى آخرَ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّها بانَتْ منه باللِّعانِ، وصارت أجْنَبِيَّةً، إلَّا أن يُضِيفَ الزِّنَى إلى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، فعندَ ذلك إن كان ثَمَّ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله المُلاعَنَةُ لِنَفْيِه، وإِلَّا لَزِمَه الحَدُّ، ولا لِعانَ بينهما. ١٣٣٧ - مسألة؛ قال: (فَإِنِ الْتَعَنَ هُوَ، ولم تَلْتَعِنْ هِىَ، فلَا حَدَّ عَلَيْهَا، والزَّوْجِيّةُ بِحَالِهَا) وجملةُ ذلك أنَّه إذا لَاعَنَها، وامْتَنَعتْ هى (١) من المُلَاعَنَةِ، فلا حَدَّ عليها. وبه قال الحسنُ، والأوْزَاعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عق الحارثِ العُكْلِىِّ، وعَطاءٍ الخُراسَانِىِّ. وذَهَبَ مَكْحُولٌ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ (٢)، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو إسْحاقَ الجُوزَجَانىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، إلى أَنَّ عليها الحَدَّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ (٣). والعَذابُ الذى (٤) يَدْرَؤُه لِعانُها هو الحَدُّ المَذْكُورُ فى قَوْلِه سُبْحانَه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥). ولأنَّه بلِعَانِه حَقَّقَ زِنَاها، فوَجَبَ عليها الحَدُّ، كما لو شَهِدَ عليها أرْبَعةٌ. ولَنا، أنَّه لم يتَحَقَّقْ من (٦) زِنَاها، فلا يجبُ عليها الحَدُّ، كما لو لم يُلَاعِنْ، ودليلُ ذلك أَنَّ تَحَقُّقَ زِناها لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ بلِعَانِ الزَّوجِ، أو بِنُكُولِها، أو بهما، ولا يجوزُ أن يكونَ بلِعَانِ الزَّوجِ وحدَه؛ لأنَّه لو ثَبتَ زِناها به، لَما سُمِعَ لِعانُها، ولا وَجَبَ الحدُّ على قاذِفِها، ولأنَّه إمَّا يَمِينٌ، وإمَّا شَهادةٌ، وكلاهما لا يُثْبِتُ له الحَقَّ على غيرِه، ولا يجوزُ أن

стр. 5727

يَثْبُتَ بنُكُولِها؛ لأنَّ الْحَدَّ لا يَثْبُتُ بالنُّكُولِ، فإنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يَثْبُتُ بها؛ وذلك لأنَّ النُّكولَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ لشِدَّةِ خَفَرِها، أو لِعُقْلَةٍ على لِسانِها، أو غيرِ ذلك، فلا يجوزُ إثباتُ الحَدِّ الذى اعْتُبِرَ فى بَيِّنَتِه من العَدَدِ ضِعْفُ ما اعْتُبِرَ فى سائرِ الحُدُودِ، واعْتُبِرَ فى حَقِّهِم أن يَصِفُوا صُورةَ الفِعْلِ، وأن يُصَرِّحُوا بلَفْظِه، وغيرُ ذلك، مُبَالَغةً فى نَفْىِ الشُّبُهاتِ عنه، وتَوَسُّلًا إلى إسْقاطِه، ولا يجوزُ أن يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ الذى هو فى نَفْسِه شُبْهةٌ، ولا (٧) يُقْضَى به فى شىءٍ من الحُدُودِ ولا العُقُوباتِ، ولا ما عَدا الأمْوالَ، مع أَنَّ الشافعىَّ لا يَرَى القَضاءَ بالنُّكُولِ فى شىءٍ، فكيف يَقْضِى به فى أعْظَمِ الأُمُورِ وأبْعَدِها ثُبُوتًا، وأسْرَعِها سُقوطًا، ولأنَّها لو أقَرَّتْ بلِسانِها، ثم رَجَعَتْ، لم يَجِبْ عليها الحَدُّ، فَلأن لا يَجِبَ بمُجَرَّدِ امْتِناعِها من اليَمِينِ على بَرَاءَتِها أوْلَى، ولا يجوزُ أن يُقْضَى فيه بهما؛ لأنَّ ما لا يُقضَى فيه باليَمِينِ المُفْرَدَةِ، لا يُقْضَى فيه باليَمِينِ مع النُّكُولِ، كسائرِ الحُقُوقِ، ولأنَّ ما فى كلِّ واحدٍ منهما من الشُّبْهةِ لا يَنْتَفِى بضَمِّ أحَدِهما إلى الآخرِ، فإنَّ احْتمالَ نُكُولِها، لِفَرْطِ حَيائِها وعَجْزِها عن النُّطْقِ باللِّعانِ فى مَجْمَعِ الناسِ، لا يَزُولُ بلِعَانِ الزَّوْجِ، والعذابُ يَجُوزُ أن يكونَ الحَبْسَ أو غيرَه، فلا يتَعَيَّنُ فى الحَدِّ، وإن احْتَمَلَ أن يكونَ هو المرادَ، فلا يَثْبُتُ الحَدُّ بالاحْتمالِ، وقد يُرَجَّحُ ما ذَكَرْناه بقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّ الحَدَّ على مَنْ زَنَى وقد أحْصَنَ، إذا كانت بَيِّنةٌ، أو كان الحملُ، أو الاعْتِرافُ (٨). فذَكَرَ مُوجِباتِ الْحَدِّ، ولم يَذْكُرِ اللِّعانَ. واخْتلَفَتِ الرّوايةُ فيما يُصْنَعُ بها؛ فرُوِىَ (٩) أنَّها تُحْبَسُ حتى تَلْتَعِنَ أو تُقِرَّ أَرْبَعًا. قال أحمدُ: فإن أبَتِ المرأةُ أن تلْتَعِنَ بعدَ الْتِعانِ الرَّجُلِ (١٠)، أجْبَرْتُها عليه، وهِبْتُ أن أَحْكُمَ عَليها بالرَّجْمِ؛ لأنَّها لو أقَرّتْ بلِسانِها لم أَرْجُمْها إِذا رَجَعَتْ، فكيف إذا أبَتِ اللِّعانَ! ولا يَسْقُطُ النَّسَبُ إلَّا

стр. 5728

بالْتِعانِهِما جميعًا؛ لأنَّ الفِراشَ قائِمٌ حتى تَلْتَعِنَ، والوَلَدُ للفِرَاشِ. قال القاضى: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ. وهذا قولُ مَنْ وافَقَنا فى أنَّه لا حَدَّ عليها؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ فيَدُلُّ على أنَّها إذا لم تَشْهَدْ لا يُدْرَأُ (١١) عنها العَذَابُ. والرِّواية الثانية، يُخْلَى سَبيلُها. وهو قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه لم يَجِبْ عليها الحَدُّ، فيَجِبُ تَخْلِيةُ سَبِيلِها، كما لو (١٢) لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ. فأمَّا الزَّوْجِيَّةُ، فلا تَزُولُ، والوَلدُ لا يَنْتَفِى ما لم يَتِمَّ اللِّعانُ بينهما، فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الشافِعِىّ، فإنَّه قَضَى بالفُرْقةِ ونَفْىِ الوَلدِ بِمُجَرَّدِ لِعانِ الرَّجُلِ (١٣). وقد ذَكَرْنا ذلك. ١٣٣٨ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ إِنْ أقَرّتْ دُونَ الْأَرْبعِ مَرَّاتٍ) وجُمْلَتُه أن الرَّجُلَ إذا قَذَفَ امرأتَه، فصَدَّقَتْه، وأقَرَّتْ بالزِّنَى مَرَّةً، أو مَرَّتينِ، أو ثلاثًا، لم يَجِبْ عليها الْحَدُّ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إِلَّا بإِقْرَارِ أرْبَعِ مَرَّاتٍ، على ما يُذْكَرُ فى الحُدُودِ، ثم إن كان تَصْدِيقُها له قبلَ لِعَانِه، فلا لِعَانَ بينهما؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبَيِّنةِ، إنَّما يُقامُ مع الإِنْكارِ، وإن كان بعدَ لِعَانِه، لم تُلَاعِنْ هى؛ لأنَّها لا تَحْلِفُ مع الإِقْرارِ، وحُكْمُها حكمُ ما لو امْتَنَعتْ من غيرِ إِقْرارٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: إن صَدَّقَتْه قبلَ لِعَانِه، فعليها الحَدُّ، وليس له أن يُلَاعِنَ، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ نَسَبٌ يَنْفِيه، فيُلاعِنُ وَحْدَه، ويَنْتَفِى النَّسَبُ بمُجَرَّدِ لِعَانِه، وإن كان بعدَ لِعَانِه، فقد انْتَفَى النَّسَبُ، ولَزِمَها الحَدُّ؛ بناءً على أن النَّسَبَ يَنْتَفِى بمُجَرَّدِ لِعَانِه، وتَقَعُ الفُرْقةُ، ويَجبُ الحَدُّ، وأنَّ (١) الحَدَّ يَجِبُ (٢) بإقْرارِ مَرَّةٍ. وهذه الأُصولُ قد مَضَى أكْثَرُها. ولو أقَرَّتْ أرْبَعًا، وَجَبَ الحَدُّ، ولا لِعانَ بينهما إذا لم يَكُنْ ثمَّ نَسَبٌ يُنْفَى. وإن رَجَعَتْ سَقَطَ

стр. 5729

الحَدُّ عنها، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه. وبه يقول الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ (٣)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فإنَّ الرُّجُوعَ عن الإِقْرارِ بالْحَدِّ مَقْبُولٌ، وليس له أن يُلاعِنَ للحَدِّ، فإنَّه لم يَجِبْ عليه لِتَصْدِيِقها إيَّاه. وإن أراد لِعانَها لِنَفْىِ نَسَبٍ، فظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه ليس له ذلك فى جميعِ هذه الصُّوَرِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعىُّ: له لِعانُها لِنَفْىِ النَّسَبِ فيها كلِّها؛ لأنَّها لو كانتْ عَفِيفةً صالحةَّ فَكَذَّبَتْه، مَلَكَ نَفْىَ وَلَدِها، فإذا كانت فاجِرةً فصَدَّقَتْه، فَلأَنْ يَمْلِكَ نَفْىَ وَلَدِها أَولَى. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّ نَفْىَ الولدِ إنَّما يكونُ بلِعانِهما معًا، وقد تَعَذَّرَ اللّعانُ منها (٤)؛ لأنَّها (٥) لا تُسْتَحْلَفُ على نَفْىِ ما تُقِرُّ به، فتَعَذَّرَ نَفْىُ الوَلَدِ لتَعَذُّرِ سَبَبِه، كما لو مات بعدَ القَذْفِ وقبلَ اللَّعانِ. فصل: ولو قال لِامْرَأتِه: يا زانِية. فقالت: بكَ زَنَيْتُ. فلا حَدَّ عليها، ولا عليه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: عليه حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّها أرادَتْ بذلك نَفْىَ الزِّنَى عن نَفْسِها، كما يَسْتَعْمِلُ أهْلُ العُرْفِ فيما إذا قال قائلٌ: سَرَقْتَ. قال: مَعَكَ سَرَقْتُ. أى أنا لم أسْرِقْ؛ لكَوْنِكَ (٦) أنت لم تَسْرِقْ. ولَنا، أنَّها صَدَّقَتْه فى قَذْفِه إيَّاها، فأشْبَهَ ما لو قالتْ (٧): صَدَقْتَ. ولا حَدَّ عليها؛ لأنَّ حَدَّ الزِّنَى لا يَثْبُتُ إلَّا بالإِقْرارِ (٨) أرْبَعَ مَرّاتٍ، وليس عليها حَدُّ القَذْفِ؛ فإنَّها (٩) لم تَقْذِفْه، وإنَّما أقَرَّتْ على نَفْسِها بزِنَاها به، ويُمكِنُ ذلك من غيرِ كَوْنِه زانِيًا، بأن يَظُنَّها زَوْجَتَه وهى عالِمةٌ أنَّه أجْنَبِىٌّ، ولأنَّه يَحْتَملُ أن تُرِيدَ نَفْىَ ذلك عنهما، كما ذكَرُوه، أو أنَّه لم يَطَأْنِى سِواكَ، فإن (١٠) يكُنْ زِنًى

стр. 5730

فأنْتَ شَرِيكِى فيه. ولا يَجِبُ الحَدُّ مع الاحْتمالِ، [ولا يَلْزَمُ من سُقُوطِه عن الرَّجلِ بظاهرِ تَصْدِيِقها، وُجُوبُه عليها مع الاحْتِمالِ] (١١)؛ فإنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولا يجبُ بها. ولو قال: يا زَانِيَة. فقالت: أنْتَ أزْنَى مِنِّى. فقال أبو بكرٍ فيها كالتى قبلَها: لا حَدَّ على الزَّوْجِ؛ لِتَصْدِيقها (١٢) له، ولا على المرأةِ؛ لما ذكَرْنا فى التى قبلَها. وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: ليس قَوْلُها قَذْفًا. قال الشافعىُّ: إلَّا أن تُرِيدَ القَذْفَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تُرِيدَ أنَّه أصَابَنِى وهو زَوْجِى، فإن كان ذلك، فهو أبْلَغُ مِنِّى فيه. وقال القاضى: عليها حَدٌّ لقَذْفِها، ولا حَدَّ عليه لتَصْدِيقِها إيَّاه، وقد أتَتْ بصَرِيحِ قَذْفِه بالزِّنَى، فوَجَبَ عليها الحَدُّ، كما لو قالت: أنْتَ زانٍ. [والاحْتمالُ مع التَّصريحِ بالقَذْفِ، لا يَمْنَعُ الحَدَّ، كما لو قالتْ: أنتَ زانٍ] (١١). فأمَّا إن قال: يا زانِيةُ. فقالت: بل أنْتَ زانٍ. فكل واحدٍ منهما قاذِفٌ لصاحِبِه، عليه حَدُّ القَذْفِ؛ [إلَّا أَنَّ] (١٣) المرأةَ لا تَمْلِكُ إسْقاطَ حَدِّها إلَّا بالبَيِّنَةِ، والزَّوْجُ يَمْلِكُ إسْقاطَه بِبَيِّنةٍ أو لِعَانٍ.

стр. 5731

كتاب العِدَد الأصْلُ فى وُجُوبِ العِدَّةِ، الكِتَابُ والسُّنّةُ والإِجماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). وقولُه سبحانه: ﴿وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢): وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣). وأمَّا السُّنّةُ، فقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا" (٤). وقال لفاطمةَ بنت قَيْسٍ: "اعْتَدِّى فى بَيْتِ ابنِ

стр. 5732

أُمِّ مَكْتُومٍ" (٥). فى آىٍ وأحاديثَ كثيرة. وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على وُجُوبِ العِدَّةِ فى الجُمْلةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا فى أنْواعٍ منها. وأجْمَعُوا على أن المُطَلَّقةَ قبلَ الْمَسِيسِ لا عِدّةَ عليها؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٦). ولأنَّ العِدَّةَ تجِبُ لِبَراءةِ الرَّحِمِ، وقد تَيَقَّنَّاها ههُنا. وهكذا كل فُرْقَةٍ فى الحياةِ، كالفَسْخِ لِرَضَاعٍ، أو عَيْبٍ، أو عِتْقٍ، أو لِعَانٍ، أو اخْتلافِ دِينٍ. فصل: وتجبُ العِدَّةُ على الذِّمِّيَّةِ من الذِّمِّىِّ والمسلمِ. وقال أبو حنيفةَ: إن لم تكُنْ من دِينِهم، لم تَلْزَمْها؛ لأنَّهم لا يُخاطبونَ بفُرُوعِ الدِّينِ. ولَنا، عُمومُ الآياتِ، ولأنَّها بائِنٌ بعدَ الدُّخُولِ، أشْبَهَ المسلمةَ. وعِدَّتُها كعِدَّةِ المُسْلِمةِ، فى قولِ علماءِ الأمصارِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرأى ومَنْ تَبِعَهُم، إلَّا ما رُوِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال: تَعْتَدُّ من الوَفاةِ بحَيْضَةٍ. ولَنا، عُمومُ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ولأنَّها مُعْتَدّةٌ من الوَفاةِ، أشْبَهتِ (٧) المُسْلِمةَ. فصل: والمُعْتَدَّاتُ ثلاثةُ أقسامٍ؛ مُعْتَدّةٌ بالحَمْلِ، وهى كلُّ امْرأةٍ حاملٍ من زَوْجٍ، إذا فارَقَتْ زَوْجَها بطَلَاقٍ أو فَسْخٍ أو مَوْتِه عنها، حُرَّةً كانت أو أمَةً، مسلمةً أو كافرةً، فعِدَّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، ولو بعد ساعةٍ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. والثانى، مُعْتَدَّةٌ بالقُرُوءِ، وهى كلُّ مُعْتَدَّةٍ من فَرْقَةٍ فى

стр. 5733

الحياةِ، أو وَطْءٍ فى غيرِ نِكاحٍ، إذا كانت ذاتَ قُرْءٍ، فعِدَّتُها بالقُرْءِ (٨)؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. والثالث، مُعْتَدَّةٌ بالشُّهُورِ، وهى كل مَنْ تَعْتَدُّ بالقُرْءِ (٩) إذا لم تكنْ ذات قُرْءٍ؛ لِصِغَرٍ، أو يَأْسٍ، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾. وذَواتُ (١٠) القُرْءِ إذا ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، اعْتَدَّتْ بِتسْعَةِ أشْهُرٍ لِلحَمْلِ. وعِدَّةُ الآيِسَةِ، وكلُّ مَنْ تُوُفِّىَ عنها زَوْجُها ولا حَمْلَ بها قبل الدُّخُولِ أو بعدَه، حُرَّةً أو أمةً، فعِدّتُها بالشُّهُورِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فصل: وكل فُرْقةٍ بين زَوْجَيْنِ فعِدَّتُها عِدَّةُ الطَّلاقِ، سَواءٌ كانت بِخُلْعٍ، أو لِعَانٍ، أو رَضاعٍ، أو فَسْخٍ بعَيْبٍ، أو إعْسارٍ، أو إعْتاقٍ، أو اخْتلافِ دِينٍ، أو غيرِه، فى قولِ أكَثَرِ أهلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عِدَّةَ المُلاعِنَةِ تِسْعةُ أشْهُرٍ. وأبَى ذلك سائرُ أهلِ العلمِ، وقالوا: عِدّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ؛ لأنَّها مُفارِقةٌ فى الحياةِ، فأشْبَهتِ المُطَلَّقةَ. وأكثرُ أهلِ العلمِ يقولون: عِدّةُ المُخْتَلِعةِ عِدَّةُ المُطَلَّقةِ؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وسالمُ بن عبدِ اللَّه، وعُرْوَةُ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وخِلاسُ بن عمرٍو، وأبو عِيَاضٍ (١١)، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ. ورُوِىَ عن عثمانَ بن عفَّان، وابن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبَانَ بن عثمانَ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذرِ، أَنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعةِ حَيْضةٌ. ورَوَاه ابنُ القاسمِ عن أحمدَ، لما رَوَى ابنُ عباسٍ، أَنَّ امْرأةَ ثابتِ بن قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ منه، فجعَل النَّبِىُّ ﷺ عِدَّتَها حَيْضةً. رواه النَّسائِىُّ (١٢). وعن رُبَيِّعَ بنتِ مُعَوذٍ مثلُ ذلك، وأن

стр. 5734

عثمانَ قَضَى به. روَاه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه (١٣). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولأنَّها فُرْقةٌ بعدَ الدُّخولِ فى الحياةِ، فكانت ثلاثةَ قُرُوءٍ، كغيرِ الخُلْعِ، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتانِ" (١٤). عامٌ، وحَدِيثُهُم يَرْوِيه عِكْرِمةُ مُرْسلًا، قال أبو بكرٍ: هو ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ. وقولُ عثمانَ وابنِ عباسٍ، قد خالَفَه قولُ عمرَ وعلىٍّ، فإنَّهما قالا: عِدّتُها ثلاثُ حِيَضٍ. وقولُهما أَوْلَى. وأمَّا ابنُ عمرَ، فقد رَوَى مالكٌ (١٥)، عن نافعٍ، أنَّه قال: عِدّةُ المُخْتَلعةِ عِدَّةُ المُطَلَّقةِ (١٦). وهو أصَحُّ عنه. فصل: والمَوْطُوءةُ بشُبْهةٍ تَعْتَدُّ عِدَّةَ المُطَلَّقةِ، وكذلك الموطوءةُ فى نِكاحٍ فاسدٍ. وبهذا قال الشافعىُّ؛ لأنَّ وَطْءَ الشُّبْهةِ وفى النِّكاحِ الفاسدِ، فى شَغْلِ الرَّحِمِ ولُحُوقِ (١٧) النَّسَبِ، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ الصَّحِيحِ، فكان مثلَه فيما تَحْصُلُ به البَراءةُ. وإن وُطِئَتِ المُزَوَّجَةُ بشُبْهةٍ، لم يَحِلَّ لِزَوْجِها وَطْؤُها قبلَ قَضاءِ (١٨) عِدَّتِها، كى لا يُفْضِىَ إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْساب، وله الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَ الفَرْجِ، فى أحدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّها زوجةٌ حُرِّمَ وَطْؤُها لعارِضٍ مُخْتَصٍّ بالفَرْجِ، فأُبِيحَ الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَه، كالحائِضِ. فصل: والمَزْنِىُّ بها، كالمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ فى العِدَّةِ. وبهذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ. وعن أحمدَ روَايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرأُ بحَيْضةٍ. ذكرها ابنُ أبى موسى. وهذا قولُ مالكٍ،

стр. 5735

[ورُوِىَ عن أبى بكرٍ وعمرَ، رَضى اللَّه عنهما: لا عِدّةَ عليها. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ] (١٩)، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ العِدَّةَ لحِفْظِ النَّسَبِ، ولا يَلْحَقُه نَسَبٌ. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رضَى اللَّه عنه، ما يَدُلُّ على ذلك. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ يَقتَضِى شَغْلَ الرَّحِمِ، فوَجَبَتِ العِدَّةُ منه، كوَطْءِ الشُّبْهةِ. وأمَّا وُجُوبُها كعِدَّةِ المُطَلَّقةِ، فلأنَّها حُرّةٌ، فوَجَبَ اسْتِبْراؤُها بعِدَّةٍ كاملةٍ، كالموْطوءةِ بشُبْهةٍ. وقولُهم: إنَّما تَجِبُ لحِفْظِ النَّسَبِ. لا يَصِحُّ، فإنَّها لو اخْتصَّتْ بذلك، لَما وَجَبَتْ على المُلاعِنَةِ المَنْفِىِّ وَلَدُها، والآيِسَةِ، والصغيرةِ، ولَما وَجَبَ اسْتِبْراءُ الأَمَةِ التى لا يَلْحَقُ ولَدُها بالبائعِ، ولو وَجَبَتْ لذلك، لَكان اسْتِبْراءُ الأَمَةِ على البائعِ، ثم لو ثَبَتَ أنَّها وَجَبَتْ لذلك، فالحاجةُ إليها داعِيةٌ؛ فإنَّ المَزْنِىَّ بها إذا تزَوّجَتْ قبلَ الاعْتِدادِ، اشْتَبَه ولدُ الزَّوْجِ بالوَلَدِ من الزِّنَى (٢٠)، فلا يَحْصُلُ حِفْظُ النَّسَبِ. ١٣٣٩ - مسألة؛ قال، رحمه اللَّه تعالى: (وإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ خَلَا بِهَا، فعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ غَيْرَ الْحَيْضةِ الَّتِى طَلَّقَهَا فِيهَا) فى هذه المسألةِ ثلاثةُ فصولٍ: أحدها: أَنَّ العِدَّةَ تَجِبُ على كلِّ مَنْ خَلَا بها زَوْجُها، وإن لم يَمَسَّها. ولا خِلَافَ بين أهلِ العلمِ فى وُجُوبِها على المُطَلَّقةِ بعدَ المَسِيسِ، فأمَّا إن خَلَا بها ولم يُصِبْها، ثم طَلّقَها، فإنَّ مَذْهَبَ أحمدَ وُجُوبُ العِدَّةِ عليها. ورُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وزيدٍ، وابن عمرَ. وبه قال عُرْوَةُ، وعلىُّ بن الحُسَيْنِ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشافعىُّ فى قديمِ قَوْلِه (١). وقال

стр. 5736

الشافعىُّ فى الجديدِ: لا عِدَّةَ عليها؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). وهذا نَصٌّ، ولأنَّها مُطَلَّقةٌ لم تُمَسَّ، فأَشْبَهَتْ مَنْ لم يُخْلَ بها. ولَنا، إجماعُ الصَّحابةِ، رَوَى (٣) الإِمامُ أحمدُ، والأثْرمُ، بإسنادِهما عن زُرَارةَ بن أَوْفَى، قال: قَضَى الخُلفاءُ الراشدونَ أَنَّ مَنْ أَرْخَى سِتْرًا، أو أغْلَقَ بابًا، فقد وَجَبَ المَهْرُ، ووَجَبَتِ العِدّةُ (٤). ورَوَاه الأَثْرَمُ أيضًا عن الأحْنَفِ، عن عمرَ وعلىٍّ، وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عمرَ وزَيْدِ بن ثابتٍ. وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فصارَتْ إجْماعًا. وضَعَّفَ أحمدُ ما رُوِىَ فى خلافِ ذلك، وقد ذكرناه فى كتابِ الصَّداقِ (٥). ولأنَّه عَقْدٌ على المنافعِ، والتَّمْكِينُ (٦) فيه يَجْرِى مَجْرىَ الاسْتِيفاءِ فى الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ، كعَقْدِ الإِجَارَةِ، والآية مَخْصُوصةٌ بما ذكَرْناه، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على مَنْ لم يَخلُ بها؛ لأنَّه لم يوُجَدْ منها (٧) التَّمْكِينُ. فصل: وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا فَرْقَ بين أن يَخْلُوَ بها مع المانِعِ من الوَطْءِ، أو مع عَدَمِه، سَواءٍ كان المانعُ حَقِيقِيًّا، كالجَبِّ والعُنَّةِ والفَتْقِ والرَّتَقِ، أو شَرْعِيًّا كالصَّوْمِ والإحْرامِ والحَيْضِ والنِّفَاسِ والظِّهارِ؛ لأنَّ الحُكْمَ عُلِّقَ (٨) ههُنا على الخَلْوَةِ التى هى مَظنَّةُ الإِصابةِ دُونَ حَقِيقَتِها، ولهذا لو خَلَا بها فأتَتْ بولدٍ لمُدّةِ الحَمْلِ، لَحِقَه نَسَبُه، وإن لم يَطَأْ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ الصَّداقَ لا يكْملُ مع وُجُودِ المانعِ، فكذلك يُخَرَّجُ فى العِدَّةِ. ورُوِىَ عنه، أَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رمضانَ يَمْنَعُ كَمالَ الصَّدَاقِ مع الخَلْوةِ، وهذا يَدُلُّ

стр. 5737

على أنَّه متى كان المانعُ مُتَأَكِّدًا، كالإِحرامِ وشِبْهِه، مَنَعَ كَمالَ الصَّدَاقِ، ولم تَجِبِ العِدَّةُ؛ لأنَّ الخَلْوَةَ إنَّما أُقِيمَتْ مُقامَ المَسِيسِ؛ لأنَّها مَظِنَّةٌ له، ومع المانعِ لا تتَحَقَّقُ المَظِنَّةُ. فأمَّا إن خَلَا بها، وهى صغيرةٌ لا يُمْكِنُ وَطْؤْها، أو كان أعْمى فلم يَعْلَمْ بها، فلا عِدَّةَ عليها، ولا يكْمُلُ صَداقُها؛ لأنَّ المَظِنَّةَ لا تتَحَقَّقُ مع ظُهُورِ اسْتِحالةِ المَسِيسِ. الفصل الثانى: أَنَّ عِدَّةَ المُطَلَّقةِ، إذا كانت حُرّةً وهى من ذواتِ القُرُوءِ، ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ. بلا خِلافٍ بين أهل العلمِ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. والقُرْءُ (٩) فى كلامِ العَرَبِ يَقَعُ على الحَيْضِ والطُّهْرِ جميعًا، فهو من الأسْماءِ المُشْتَرَكةِ، قال أحمدُ بن يَحْيَى ثَعْلَبٌ: القُرُوءُ الأوْقاتُ، الواحدُ قُرْءٌ، وقد يكون حَيْضًا وقد يكون طُهْرًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يأتِى لِوَقْتٍ. قال الشاعر (١٠): كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِى تَمِيمٍ ... إذا هَبَّتْ لقَارِبِها الرِّيَاحُ (١١) يعنى: لوَقْتهِا. وقال الخليلُ بن أحمدَ يقال: أقْرَأتِ المرأةُ: إذا دَنا حَيْضُها وأقْرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها، وفى الحديثِ عن النَّبِىِّ ﷺ : "دَعِى الصَّلاةَ أيامَ أقْرائِكِ" (١٢). فهذا الحَيْضُ. وقال الشاعر: (١٣) مُوَرَّثَة عزًّا وفى الحَىِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا فهذا الطُّهْرُ. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فى المُرادِ بقولهِ سبحانه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. واختلفتِ الرّوايةُ فى ذلك عن أحمدَ، فرُوِىَ أنَّها الحِيَضُ. رُوِىَ ذلك عن

стр. 5738

عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، والعَنْبَرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيق، وعثمانَ ابن عَفَّانَ، وأبى مُوسَى، وعُبادةَ بن الصَّامتِ، وأبى الدَّرْدَاءِ. قال القاضى: الصَّحِيحُ عن أحمدَ، أَنَّ الأقْرَاءَ الحِيَضُ. وإليه ذَهَبَ أصْحابُنا، ورَجَعَ عن قَوْلِه بالأَطْهارِ، فقال: فى رواية النَّيْسابُورِىِّ: كنتُ أقولُ: إنَّه الأطْهارُ، وأنا أذْهَبُ اليومَ إلى أَنَّ الأقْراءَ الحِيَضُ. وقال، فى رِوايةِ الأثْرَمِ (١٤): كنتُ أقولُ الأطْهارَ، ثم وَقَفْتُ لقولِ الأكابِرِ. والرِّواية الثانيةِ عن أحمدَ، أَنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ. وهو قولُ زيدٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسُلَيمانَ بن يَسَارٍ، والقاسمِ بن محمدٍ، وسالمِ بن عبدِ اللَّه، وأَبانَ بن عثمانَ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو بكرِ بن عبد الرحمنِ: ما أدْرَكْتُ أحدًا من فُقَهائِنا إلَّا وهو يقولُ ذلك. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رَجَعَ أحمدُ إلى أَنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ، قال، فى روايةِ الأثرمِ: رأيتُ الأحادِيثَ عَمَّنْ قال: القُرُوءُ الحِيَضُ. تختلفُ، والأحادِيث عَمّنْ قال: إنَّه أحَقُّ بها حتى تَدْخُلَ الحَيْضةَ الثالثةَ. أحادِيثُها صِحاحٌ وقَويَّة (١٥). واحْتَجَّ مَنْ قال ذلك بقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١٦). أى فى عِدّتِهِنَّ. كقولِه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١٧). أى: فى يومِ القيامةِ. وإنَّما أمَرَ بالطَّلَاقِ فى الطُّهْرِ لا فى الحَيْضِ. ويَدُلُّ عليه قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، فى حديثِ ابنِ عمرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، فإنْ شَاءَ طَلَّقَ، وإِنْ شَاءَ أمسَكَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّه تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّساءُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وفى رِوايةِ ابنِ عمرَ: "فَطَلِّقُوهُنَّ فِى قُبُلِ (١٩) عِدَّتِهِنَّ".

стр. 5739

ولأنَّها عِدَّةٌ عن طَلاقٍ مُجَرَّدٍ مُباحٍ، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلاقِ، كَعِدّةِ (٢٠) الآيِسَةِ والصَّغِيرةِ (٢١) ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢٢). فنَقَلَهُنَّ عندَ عَدَمِ الحَيْضِ إلى الاعْتِدادِ بالأَشْهُرِ، فدَلَّ ذلك على أَنَّ الأصْلَ الحَيْضُ، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (٢٣). الآية، ولأنّ المَعْهُودَ فى لِسانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمالُ القُرْءِ بمعنى الحَيْضِ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "تَدَعُ الصَّلاةَ أيَّامَ أقْرائِهَا". روَاه أبو داودَ (٢٤). وقال لفاطمةَ بنتِ أبى حُبَيْشٍ: "انْظُرِىِ، فَإذَا أتَى قُرْؤُكِ، فَلَا تُصَلِّى، وإذَا مَرَّ قُرْؤُكِ، فَتَطَهَّرِى، ثم صَلِّى مَا بَيْنَ القُرْءِ إلى القُرْءِ". روَاه النَّسَائِىُّ (٢٥). ولم يُعْهَدْ فى لِسانِه اسْتِعْمالُهَ بمعتى الطُّهْرِ فى مَوْضِعٍ، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ كلامُه على المَعْهُودِ فى لِسانِه. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "طَلَاقُ الأمَةِ طَلْقَتانِ، وقُرْؤُهَا حَيْضَتانِ". روَاه أيو داودَ، وغيرُه (٢٦). فإن قالوا: هذا يَرْوِيه مُظاهِرُ بن أسْلَمَ (٢٧)، وهو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. قُلْنا: قد رَوَاه عبدُ اللَّه بن عِيسَى، عن عَطِيَّةَ العَوْفِىِّ، عن ابنِ عمرَ، كذلك أخْرَجَه ابن ماجَه، فى "سُنَنِه"، وأبو بكرٍ الخَلَّالُ، فى "جامِعِه"، وهو نَصٌّ فى عِدَّةِ الأَمَةِ، فكذلك عِدّةُ الحُرَّةِ. ولأنَّ ظاهِرَ قولِه تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وُجوبُ الَّترَبُّص ثَلَاثةً كاملةً، ومن جَعَلَ القُرُوءَ الأَطْهارَ، لم يُوجِبْ ثلاثةً؛ لأنَّه يَكْتَفِى بطُهْرَيْنِ وبعضِ الثالثِ، فيُخالِفُ ظاهرَ النصِّ، ومن جَعَله الْحِيَضَ، أوْجَبَ ثلاثةً

стр. 5740

كاملةً، فيُوافِقُ ظاهِرَ النصِّ، فيكونُ أَوْلَى من مُخالَفَتِه، ولأنَّ العِدَّةَ اسْتِبْراءٌ، فكانت بالحَيْضِ، كاسْتِبْراءِ الأَمَةِ، وذلك لأنَّ الاسْتِبْراءَ لمَعْرِفةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ من الحَمْلِ، والذى يَدُلُّ عليه الحَيْضُ، فوَجَبَ أن يكونَ الاسْتِبْراءُ به. فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أن اسْتِبْراءَ الأَمَةِ بالحَيْضَةِ، وإنَّما هو بالطُّهْرِ الذى قبلَ الحَيْضَةِ. كذلك قال ابنُ عبدِ البَرِّ، وقال (٢٨): قولُهم: إنَّ استبراءَ الأمةِ حَيْضةٌ بإجماعٍ. ليس كما ظَنُّوا، بل جائِزٌ لها عندنا أن تَنْكِحَ إذا دَخَلَتْ فى الحَيْضَةِ، واسْتَيْقَنَتْ أن دَمَها دَمُ حَيْضٍ، كذلك قال إسماعيلُ بن إسحاقَ لِيَحْيىَ بن أكْثَمَ حين أُدخل (٢٩) عليه فى مُناظَرَتِه إيَّاه. قُلْنا: هذا يَرُدُّه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ" (٣٠). ولأنَّ بالاسْتِبْراءِ (٣١) تُعْرَفُ بَراءةُ الرَّحِمِ، وإنَّما يَحْصُلُ بالحَيْضَةِ، لا بالطُّهْرِ الذى قبلَها، ولأنَّ العِدَّةَ [تتَعَلَّقُ بخُرُوجِ خارج من الرَّحِمِ، فوَجَبَ أن تتعلَّقَ بالطُّهْرِ، كوَضْعِ الحَمْلِ، يُحَقِّقُه أَنَّ العِدَّةَ] (٣٢) مَقْصُودُها مَعْرِفةُ (٣٣) بَراءةِ المرأةِ من الحَمْلِ، فتارةً تَحْصُلُ بوَضْعِه، وتارةً تحْصُلُ بما يُنافِيه، وهو الحَيْضُ الذى لا يُتَصَوَّرُ وجودُه معه. فأمَّا (٣٤) قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد قبلَ عِدَّتِهِنَّ، إذ لا يُمْكِنُ حَمْلُه على الطَّلاقِ فى العِدَّةِ، ضَرُورةِ أَنَّ الطَّلاقَ يَسْبِقُ (٣٥) العدَّةَ، لكَوْنِه سَبَبَها، والسبَّبَ يتقَدَّمُ (٣٦) الحُكْمَ، فلا يُوجَدُ الحُكْمُ (٣٧) قبلَه، والطلاقُ فى الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قبلَ العِدَّةِ إذا كانت الأقْراءُ الحِيَضَ.

стр. 5741

الفصل الثالث: أَنَّ الحَيْضةَ التى تَطْلُقُ (٣٨) فيها، لا تُحْسَبُ من عِدَّتِها. بغيرِ خلافٍ بين أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى اُمرَ بثلاثةِ قُرُوءٍ، فتَناولَ ثَلاثةً كاملةً، والتى طَلَّقَ فيها لم يَبْقَ منها ما تَتِمُّ به مع اثْنَتَيْنِ ثلاثةٌ كاملةٌ، فلا يُعْتَدُّ بها. ولأنَّ الطَّلاقَ إنَّما حُرِّمَ فى الحَيْضِ؛ لما فيه من تَطْوِيلِ العِدَّةِ عليها، فلو احْتَسَبَتْ (٣٩) بتلك الحيضةِ قُرْءًا، كان أقْصَرَ لعِدَّتِها، وأنْفَعَ لها، فلم يكُنْ مُحَرَّمًا (٤٠)، ومن قال: القُروءُ الأطهارُ. [احْتَسَبَ لها بالطُّهْرِ الذى طَلّقهَا فيه قُرْءًا، فلو طَلّقهَا وقد بَقِىَ من قُرْئِها لَحْظةٌ، حَسَبَها قُرْءًا، وهذا قولُ كلِّ مَنْ قال: القُرُوءُ الأطهار] (٤١). إلَّا الزُّهْرِىَّ وحدَه، قال: تَعْتَدُّ بثَلاثةِ (٤٢) قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الذى طَلَّقهَا فيه. وحُكِىَ عن أبى عُبَيْدٍ، أنَّه إنْ كان جامَعَها فى الطُّهْرِ، لم يَحْتَسِبْ ببَقِيَّتِه؛ لأنَّه زَمَنٌ حُرِّمَ فيه الطَّلاقُ، فلم يَحتسِبْ به (٤٣) من العِدَّةِ، كزَمَنِ الحيضِ. ولَنا، أَنَّ الطَّلاقَ حُرِّمَ فى زَمَنِ الحيضِ دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ العِدَّةِ عليها، فلو لم يَحْتَسِبْ ببَقِيّةِ الطُّهْرِ قُرْءًا، كان الطَّلاقُ فى الطُّهْرِ أضَرَّ بها، وأطْوَلَ عليها، وما ذكر عن أبى عُبَيْدٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ فى الْحَيضِ لكَوْنِها لا تَحْتَسِبُ ببَقِيَّتِه، فلا يجوزُ أن تُجْعَلَ العِلَّةُ فى عَدَمِ الاحْتِسابِ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ، فتَصِيرَ العِلّةُ مَعْلُولًا، وانَّما تَحْريمُ الطَّلاقِ فى الطُّهْرِ الذى أصَابَها فيه، لكونِها مُرْتَابةً، ولكونه (٤٤) لا يَأمَنُ النَّدَمَ بظُهورِ حَمْلِها، فأمَّا إن انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطَّهْرِ، فإنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ فى (٤٥) أوَّلِ الحَيضَةِ، ويكونُ مُحَرَّمًا، ولا تَحْتَسِبُ بتلك

стр. 5742

الحَيْضَةِ من عِدَّتِها، وتحْتاجُ أن تَعْتَدَّ بثلاثِ حِيَضٍ بعدَها، أو ثلاثةِ أطْهارٍ، على الرِّوايةِ الأُخْرَى. ولو قال لها: أنْتِ طالقٌ فى آخرِ طُهْرِكِ. أو: فى آخرِ جُزْءٍ من طُهْرِكِ. أو انْقَضَتْ حُروفُ (٤٦) الإِيقاعِ، ولم يَبْقَ من الطُّهْرِ إلَّا زَمَنُ الوُقوُعِ، فإنَّها لا تَحْتَسِبُ بالطُّهْرِ الذى وَقَعَ فيه الطَّلاقُ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تكونُ إلَّا بعدَ وُقُوعِ الطَّلاقِ، وليس بعدَه طُهْرٌ تَعْتَدُّ به، ولا يجوزُ الاعْتِدادُ بما قبلَه. ولا بما قارَبَه، ومن جَعَلَ القُرْءَ الحَيْضَ، اعْتَدَّ لها بالحَيْضَةِ التى تَلِى الطَّلاقَ؛ لأنَّها حَيْضةٌ كاملةٌ، لم يَقَعْ فيها طلاقٌ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ بها قُرْءًا. وإن اخْتَلَفا، فقال الزوجُ: وَقَعَ الطَّلاقُ فى أوَّلِ الحَيْضِ. وقالتْ: بل فى آخرِ الطُّهْرِ. أو قال: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ. وقالت: بل وقد بَقِىَ منه بَقِيَّةٌ. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ قولَها مقبولٌ فى الحَيْض، وفى انْقِضَاءِ العِدَّةِ. ١٣٤٠ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثةِ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ) حكى أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ، فى هذه المسألةِ رِوَايتَيْن؛ إحداهما، أنَّها فى العِدَّةِ ما لم تَغْتَسِلْ، فيُباحُ لزَوْجِها ارْتجاعُها، ولا يَحِلُّ لغيرِه نِكاحُها. قال أحمدُ: عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ مسعودٍ يقولون: قبلَ أن تَغْتَسِلَ من الحَيْضةِ الثالثة. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيق، وعثمانَ بن عَفَّان، وأبى موسى، وعُبادةَ، وأبى الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. قال شَرِيكٌ: له الرَّجْعةُ. وإن فَرّطَتْ فى الغُسْلِ عِشْرِينَ سنةً. قال أبو بكر: ورُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّها فى عِدَّتِها، [ولزَوْجِها رَجْعَتُها حتى يَمْضِىَ وقتُ الصلاةِ التى طَهُرَتْ فى وَقْتِها. وهذا قول الثَّوْرِىِّ. وبه قال أبو حنيفةَ] (١) إذا انْقَطعَ الدَّمُ لدُونِ أكثرِ الحَيْضِ، فإن انْقَطَع لأكْثَرِه، انْقَضَتِ العِدَّةُ بانْقِطاعِه. ووَجْهُ اعتبارِ الغُسْلِ قولُ الأَكابرِ (٢) من الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى

стр. 5743

عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. ولأنَّها مَمْنُوعةٌ من الصلاةِ بحُكْمِ حَدَثِ الحَيْضِ، فأشْبَهتِ الحائِضَ. والرِّواية الثانية، أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِى بطُهْرِها من الحَيْضَةِ الثالثةِ، وانْقِطاعِ دَمِها. اختاره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ سعيدِ بن جُبَيْرٍ، والأَوْزاعىِّ، والشافعىِّ فى القَديِمِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣). وقد كَمَلَتِ القُرُوءُ، بدليلِ وُجُوبِ الغُسْلِ عليها، ووُجوبِ الصَّلاةِ، وفِعْلِ الصيامِ، وصِحَّتِه منها، ولأنَّه لم يَبْقَ حُكْمُ العِدَّةِ فى الميراثِ، ووُقوعِ الطَّلاقِ بها، واللِّعانِ، والنَّفقَةِ، فكذلك فيما (٤) نحن فيه. قال القاضى: إذا شَرَطْنا الغُسْلَ، أفَادَ عَدَمُه إباحةَ الرَّجْعةِ وتَحْرِيمَها على الأزواجِ، فأمَّا سائرُ الأحكامِ، فإنَّها تَنْقَطِعُ بانقطاعِ دَمِها. فصل: وإن قُلْنا: القُرُوءُ (٥) الأَطْهارُ. فطَلَّقَها وهى طاهِرٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُها برُؤْيةِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثالثةِ، وإن طَلَّقها حائضًا، انْقَضَتْ عِدَّتها برُؤْيةِ الدَّمِ من الْحَيْضةِ الرَّابعةِ. وهذا قولُ زَيْدِ بن ثابتٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، والقاسمِ بن محمدٍ، وسالمِ بن عبدِ اللَّه، وأَبانَ ابن عُثمانَ، ومالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. وهو ظاهِرُ مذهب الشافعىِّ. وحُكِىَ عنه قولٌ آخَرُ، لا تَنْقَضِى العِدّةُ حتى يَمْضِىَ من (٦) الدمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ الدَّمُ دَمَ فَسادٍ، فلا نحْكمُ بانْقِضاءِ العِدَّةِ حتى يزولَ الاحْتمالُ. وحَكَى القاضى هذا احتمالًا فى مَذْهَبِنا أيضًا. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ العِدَّةَ ثلاثةَ قُرُوءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالفَةٌ للنَّصِّ، فلا يُعَوّلُ عليه، ولأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الصحابةِ، رواهُ الأثرمُ عنهم بإسنادِه، ولَفْظُ حديثِ زيدِ بن ثابتٍ: إذا دَخَلَتْ فى الدَّمِ من الحَيْضةِ الثالثةِ، فقد بَرِئَتْ منه، وَبرِئَ منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها (٧).

стр. 5744

وقولُهم: إنَّ الدَّمَ [يجوزُ أن] (٨) يكونَ دَمَ فسادٍ. قُلْنا: قد حُكِمَ بكَونِه حَيْضًا فى تَرْكِ الصلاةِ، وتَحْرِيمِها على الزَّوجِ، وسائرِ أحْكامِ الحَيْض، فكذلك فى انْقِضاءِ العِدَّةِ. ثم إن كان التَّوقُّفُ عن الحُكْمِ بانْقِضاءِ العِدَّةِ للاحْتمالِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّه حيضٌ، عَلِمْنا أَنَّ العِدَّةَ قد انْقَضتْ حين رأتِ الدَّمَ، كما لو قال لها: إن حِضْتِ فأنتِ طالِقٌ. واخْتَلَفَ (٩) القائلُون بهذا القولِ، فمنهم مَن قال: اليومُ والليلةُ من العِدَّةِ؛ لأنَّه دَمٌ تَكْمُلُ به العِدَّةُ، فكان منها، كالذى فى أثْناءِ الأطْهارِ. ومنهم مَنْ قال: ليس منها، إنَّما يتَبَيَّنُ به انْقِضاؤُها، ولأنَّنا لو جَعَلْناه منها، أوْجَبْنا الزِّيادَة على ثلاثةِ قُرُوءٍ، ولكنَّا نَمْنَعُها من النِّكاحِ حتى يَمْضِىَ يومٌ وليلةٌ، ولو راجَعَها زَوْجُها فيها، لم تَصِحَّ الرَّجْعةُ. وهذا أصَحُّ الوَجْهَينِ. ١٣٤١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ) أكثرُ أهلِ العلمِ يقولون: عِدّةُ الأَمَةِ بالقُرْءِ قُرْءَان. منهم؛ عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ عمرَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعبدُ اللَّه بن عُتْبةَ، والقاسمُ، وسالمٌ، وزيدُ بن أسْلَمَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن ابن سِيرِينَ، عِدَّتُها عِدّةُ الحُرّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ بذلك سُنَّةٌ. وهو قولُ داودَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ" (٢). وقد ذَكَرْناه، وقولُ عمرَ وعلىٍّ وابنِ عمرَ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى الصَّحابةِ، فكانْ إجماعًا، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآية. ولأنَّه مَعْنًى ذو عَدَدٍ، بُنِىَ على التَّفاضُلِ، فلا تُساوِى فيه الأَمَةُ الحُرَّةَ، كالحَدِّ. وكان

стр. 5745

القياسُ يَقْتَضِى أن تَكونَ حيِضةً ونِصْفًا، كما كان حَدُّها على النِّصْف من حَدِّ الحُرّةِ، إلَّا أَنَّ الحَيْضَ لا يَتَبَعَّضُ، فكَمَلَ حَيْضَتَيْنِ، ولهذا قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لو أسْتَطِيعُ أن أجْعَلَ العِدَّةَ حَيْضةً ونِصْفًا لَفَعَلْتُ. فإذا تَقَرّرَ هذا، فانْقِضاءُ عِدّتِها بالغُسْلِ من الحَيْضةِ الثانيةِ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وفى الأُخْرَى، بانقطاعِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثانية. وعلى الرِّوايةِ التى تقولُ: إن القُرُوءَ الأطْهارُ. فانْقِضاءُ عِدَّتِها برُؤْيةِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثانية. ١٣٤٢ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْآيِسَاتِ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْنَ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثةُ أَشْهُرٍ) أجْمعَ أهلُ العلم على هذا؛ لأنَّ اللَّه تعالى ذكَرَه فى كتابِه بقولهِ سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١). فإن كان الطَّلاقُ فى أوَّلِ الهِلالِ، اعْتُبِرَ ثَلاثةُ أشْهُرٍ بالأَهِلَّةِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢). وقال سُبْحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣). ولم يخْتلِف النَّاسُ فى أنَّ الأَشْهُرَ الحُرُمَ (٤) مُعْتَبرةٌ بالأَهِلَّةِ. وإن وَقَعَ الطَّلاقُ فى أثناءِ شَهْرٍ (٥) اعْتَدّتْ بَقِيتَّهَ، ثم اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بالأهِلَّةِ، ثم اعْتدَّتْ من الشَّهْرِ الثالثِ تمامَ ثلاِثينَ يومًا. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ، تَحْتَسِبُ بَقِيَّةَ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الرَّابع بقَدْرِ ما فاتَها من الأوَّلِ، تامًّا كان أو ناقِصًا؛ لأنَّه لو كان من أوَّلِ الهِلَالِ، كانت العِدَّةُ بالأَهِلَّةِ، فإذا كان من بعضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ قَضاءُ ما فاتَ منه.
следующие страницы →