← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

الفصل الثالث: أَنَّ الحَيْضةَ التى تَطْلُقُ (٣٨) فيها، لا تُحْسَبُ من عِدَّتِها. بغيرِ خلافٍ بين أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى اُمرَ بثلاثةِ قُرُوءٍ، فتَناولَ ثَلاثةً كاملةً، والتى طَلَّقَ فيها لم يَبْقَ منها ما تَتِمُّ به مع اثْنَتَيْنِ ثلاثةٌ كاملةٌ، فلا يُعْتَدُّ بها. ولأنَّ الطَّلاقَ إنَّما حُرِّمَ فى الحَيْضِ؛ لما فيه من تَطْوِيلِ العِدَّةِ عليها، فلو احْتَسَبَتْ (٣٩) بتلك الحيضةِ قُرْءًا، كان أقْصَرَ لعِدَّتِها، وأنْفَعَ لها، فلم يكُنْ مُحَرَّمًا (٤٠)، ومن قال: القُروءُ الأطهارُ. [احْتَسَبَ لها بالطُّهْرِ الذى طَلّقهَا فيه قُرْءًا، فلو طَلّقهَا وقد بَقِىَ من قُرْئِها لَحْظةٌ، حَسَبَها قُرْءًا، وهذا قولُ كلِّ مَنْ قال: القُرُوءُ الأطهار] (٤١). إلَّا الزُّهْرِىَّ وحدَه، قال: تَعْتَدُّ بثَلاثةِ (٤٢) قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الذى طَلَّقهَا فيه. وحُكِىَ عن أبى عُبَيْدٍ، أنَّه إنْ كان جامَعَها فى الطُّهْرِ، لم يَحْتَسِبْ ببَقِيَّتِه؛ لأنَّه زَمَنٌ حُرِّمَ فيه الطَّلاقُ، فلم يَحتسِبْ به (٤٣) من العِدَّةِ، كزَمَنِ الحيضِ. ولَنا، أَنَّ الطَّلاقَ حُرِّمَ فى زَمَنِ الحيضِ دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ العِدَّةِ عليها، فلو لم يَحْتَسِبْ ببَقِيّةِ الطُّهْرِ قُرْءًا، كان الطَّلاقُ فى الطُّهْرِ أضَرَّ بها، وأطْوَلَ عليها، وما ذكر عن أبى عُبَيْدٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ فى الْحَيضِ لكَوْنِها لا تَحْتَسِبُ ببَقِيَّتِه، فلا يجوزُ أن تُجْعَلَ العِلَّةُ فى عَدَمِ الاحْتِسابِ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ، فتَصِيرَ العِلّةُ مَعْلُولًا، وانَّما تَحْريمُ الطَّلاقِ فى الطُّهْرِ الذى أصَابَها فيه، لكونِها مُرْتَابةً، ولكونه (٤٤) لا يَأمَنُ النَّدَمَ بظُهورِ حَمْلِها، فأمَّا إن انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطَّهْرِ، فإنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ فى (٤٥) أوَّلِ الحَيضَةِ، ويكونُ مُحَرَّمًا، ولا تَحْتَسِبُ بتلك

стр. 5742

الحَيْضَةِ من عِدَّتِها، وتحْتاجُ أن تَعْتَدَّ بثلاثِ حِيَضٍ بعدَها، أو ثلاثةِ أطْهارٍ، على الرِّوايةِ الأُخْرَى. ولو قال لها: أنْتِ طالقٌ فى آخرِ طُهْرِكِ. أو: فى آخرِ جُزْءٍ من طُهْرِكِ. أو انْقَضَتْ حُروفُ (٤٦) الإِيقاعِ، ولم يَبْقَ من الطُّهْرِ إلَّا زَمَنُ الوُقوُعِ، فإنَّها لا تَحْتَسِبُ بالطُّهْرِ الذى وَقَعَ فيه الطَّلاقُ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تكونُ إلَّا بعدَ وُقُوعِ الطَّلاقِ، وليس بعدَه طُهْرٌ تَعْتَدُّ به، ولا يجوزُ الاعْتِدادُ بما قبلَه. ولا بما قارَبَه، ومن جَعَلَ القُرْءَ الحَيْضَ، اعْتَدَّ لها بالحَيْضَةِ التى تَلِى الطَّلاقَ؛ لأنَّها حَيْضةٌ كاملةٌ، لم يَقَعْ فيها طلاقٌ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ بها قُرْءًا. وإن اخْتَلَفا، فقال الزوجُ: وَقَعَ الطَّلاقُ فى أوَّلِ الحَيْضِ. وقالتْ: بل فى آخرِ الطُّهْرِ. أو قال: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ. وقالت: بل وقد بَقِىَ منه بَقِيَّةٌ. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ قولَها مقبولٌ فى الحَيْض، وفى انْقِضَاءِ العِدَّةِ. ١٣٤٠ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثةِ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ) حكى أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ، فى هذه المسألةِ رِوَايتَيْن؛ إحداهما، أنَّها فى العِدَّةِ ما لم تَغْتَسِلْ، فيُباحُ لزَوْجِها ارْتجاعُها، ولا يَحِلُّ لغيرِه نِكاحُها. قال أحمدُ: عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ مسعودٍ يقولون: قبلَ أن تَغْتَسِلَ من الحَيْضةِ الثالثة. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيق، وعثمانَ بن عَفَّان، وأبى موسى، وعُبادةَ، وأبى الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. قال شَرِيكٌ: له الرَّجْعةُ. وإن فَرّطَتْ فى الغُسْلِ عِشْرِينَ سنةً. قال أبو بكر: ورُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّها فى عِدَّتِها، [ولزَوْجِها رَجْعَتُها حتى يَمْضِىَ وقتُ الصلاةِ التى طَهُرَتْ فى وَقْتِها. وهذا قول الثَّوْرِىِّ. وبه قال أبو حنيفةَ] (١) إذا انْقَطعَ الدَّمُ لدُونِ أكثرِ الحَيْضِ، فإن انْقَطَع لأكْثَرِه، انْقَضَتِ العِدَّةُ بانْقِطاعِه. ووَجْهُ اعتبارِ الغُسْلِ قولُ الأَكابرِ (٢) من الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى

стр. 5743

عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. ولأنَّها مَمْنُوعةٌ من الصلاةِ بحُكْمِ حَدَثِ الحَيْضِ، فأشْبَهتِ الحائِضَ. والرِّواية الثانية، أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِى بطُهْرِها من الحَيْضَةِ الثالثةِ، وانْقِطاعِ دَمِها. اختاره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ سعيدِ بن جُبَيْرٍ، والأَوْزاعىِّ، والشافعىِّ فى القَديِمِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣). وقد كَمَلَتِ القُرُوءُ، بدليلِ وُجُوبِ الغُسْلِ عليها، ووُجوبِ الصَّلاةِ، وفِعْلِ الصيامِ، وصِحَّتِه منها، ولأنَّه لم يَبْقَ حُكْمُ العِدَّةِ فى الميراثِ، ووُقوعِ الطَّلاقِ بها، واللِّعانِ، والنَّفقَةِ، فكذلك فيما (٤) نحن فيه. قال القاضى: إذا شَرَطْنا الغُسْلَ، أفَادَ عَدَمُه إباحةَ الرَّجْعةِ وتَحْرِيمَها على الأزواجِ، فأمَّا سائرُ الأحكامِ، فإنَّها تَنْقَطِعُ بانقطاعِ دَمِها. فصل: وإن قُلْنا: القُرُوءُ (٥) الأَطْهارُ. فطَلَّقَها وهى طاهِرٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُها برُؤْيةِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثالثةِ، وإن طَلَّقها حائضًا، انْقَضَتْ عِدَّتها برُؤْيةِ الدَّمِ من الْحَيْضةِ الرَّابعةِ. وهذا قولُ زَيْدِ بن ثابتٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، والقاسمِ بن محمدٍ، وسالمِ بن عبدِ اللَّه، وأَبانَ ابن عُثمانَ، ومالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. وهو ظاهِرُ مذهب الشافعىِّ. وحُكِىَ عنه قولٌ آخَرُ، لا تَنْقَضِى العِدّةُ حتى يَمْضِىَ من (٦) الدمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ الدَّمُ دَمَ فَسادٍ، فلا نحْكمُ بانْقِضاءِ العِدَّةِ حتى يزولَ الاحْتمالُ. وحَكَى القاضى هذا احتمالًا فى مَذْهَبِنا أيضًا. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ العِدَّةَ ثلاثةَ قُرُوءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالفَةٌ للنَّصِّ، فلا يُعَوّلُ عليه، ولأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الصحابةِ، رواهُ الأثرمُ عنهم بإسنادِه، ولَفْظُ حديثِ زيدِ بن ثابتٍ: إذا دَخَلَتْ فى الدَّمِ من الحَيْضةِ الثالثةِ، فقد بَرِئَتْ منه، وَبرِئَ منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها (٧).

стр. 5744

وقولُهم: إنَّ الدَّمَ [يجوزُ أن] (٨) يكونَ دَمَ فسادٍ. قُلْنا: قد حُكِمَ بكَونِه حَيْضًا فى تَرْكِ الصلاةِ، وتَحْرِيمِها على الزَّوجِ، وسائرِ أحْكامِ الحَيْض، فكذلك فى انْقِضاءِ العِدَّةِ. ثم إن كان التَّوقُّفُ عن الحُكْمِ بانْقِضاءِ العِدَّةِ للاحْتمالِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّه حيضٌ، عَلِمْنا أَنَّ العِدَّةَ قد انْقَضتْ حين رأتِ الدَّمَ، كما لو قال لها: إن حِضْتِ فأنتِ طالِقٌ. واخْتَلَفَ (٩) القائلُون بهذا القولِ، فمنهم مَن قال: اليومُ والليلةُ من العِدَّةِ؛ لأنَّه دَمٌ تَكْمُلُ به العِدَّةُ، فكان منها، كالذى فى أثْناءِ الأطْهارِ. ومنهم مَنْ قال: ليس منها، إنَّما يتَبَيَّنُ به انْقِضاؤُها، ولأنَّنا لو جَعَلْناه منها، أوْجَبْنا الزِّيادَة على ثلاثةِ قُرُوءٍ، ولكنَّا نَمْنَعُها من النِّكاحِ حتى يَمْضِىَ يومٌ وليلةٌ، ولو راجَعَها زَوْجُها فيها، لم تَصِحَّ الرَّجْعةُ. وهذا أصَحُّ الوَجْهَينِ. ١٣٤١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ) أكثرُ أهلِ العلمِ يقولون: عِدّةُ الأَمَةِ بالقُرْءِ قُرْءَان. منهم؛ عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ عمرَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعبدُ اللَّه بن عُتْبةَ، والقاسمُ، وسالمٌ، وزيدُ بن أسْلَمَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن ابن سِيرِينَ، عِدَّتُها عِدّةُ الحُرّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ بذلك سُنَّةٌ. وهو قولُ داودَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ" (٢). وقد ذَكَرْناه، وقولُ عمرَ وعلىٍّ وابنِ عمرَ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى الصَّحابةِ، فكانْ إجماعًا، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآية. ولأنَّه مَعْنًى ذو عَدَدٍ، بُنِىَ على التَّفاضُلِ، فلا تُساوِى فيه الأَمَةُ الحُرَّةَ، كالحَدِّ. وكان

стр. 5745

القياسُ يَقْتَضِى أن تَكونَ حيِضةً ونِصْفًا، كما كان حَدُّها على النِّصْف من حَدِّ الحُرّةِ، إلَّا أَنَّ الحَيْضَ لا يَتَبَعَّضُ، فكَمَلَ حَيْضَتَيْنِ، ولهذا قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لو أسْتَطِيعُ أن أجْعَلَ العِدَّةَ حَيْضةً ونِصْفًا لَفَعَلْتُ. فإذا تَقَرّرَ هذا، فانْقِضاءُ عِدّتِها بالغُسْلِ من الحَيْضةِ الثانيةِ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وفى الأُخْرَى، بانقطاعِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثانية. وعلى الرِّوايةِ التى تقولُ: إن القُرُوءَ الأطْهارُ. فانْقِضاءُ عِدَّتِها برُؤْيةِ الدَّمِ من الحَيْضةِ الثانية. ١٣٤٢ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْآيِسَاتِ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْنَ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثةُ أَشْهُرٍ) أجْمعَ أهلُ العلم على هذا؛ لأنَّ اللَّه تعالى ذكَرَه فى كتابِه بقولهِ سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١). فإن كان الطَّلاقُ فى أوَّلِ الهِلالِ، اعْتُبِرَ ثَلاثةُ أشْهُرٍ بالأَهِلَّةِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢). وقال سُبْحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٣). ولم يخْتلِف النَّاسُ فى أنَّ الأَشْهُرَ الحُرُمَ (٤) مُعْتَبرةٌ بالأَهِلَّةِ. وإن وَقَعَ الطَّلاقُ فى أثناءِ شَهْرٍ (٥) اعْتَدّتْ بَقِيتَّهَ، ثم اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بالأهِلَّةِ، ثم اعْتدَّتْ من الشَّهْرِ الثالثِ تمامَ ثلاِثينَ يومًا. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ، تَحْتَسِبُ بَقِيَّةَ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الرَّابع بقَدْرِ ما فاتَها من الأوَّلِ، تامًّا كان أو ناقِصًا؛ لأنَّه لو كان من أوَّلِ الهِلَالِ، كانت العِدَّةُ بالأَهِلَّةِ، فإذا كان من بعضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ قَضاءُ ما فاتَ منه.

стр. 5746

وخَرَّجَ أصْحابُنا وَجْهًا ثانيا؛ أَنَّ جميعَ الشُّهورِ مَحْسُوبةٌ بالعددِ. وهو قولُ ابنِ بنتِ الشافعىِّ؛ لأنَّه إذا حُسِبَ الأوَّلُ بالعَدَدِ، كان ابتْداءُ الثانى من بعضِ الشَّهْرِ، فيجبُ أن يُحْسَبَ بالعَدَدِ، وكذلك الثالثُ. ولَنا، أنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ على ما بين الهِلَالَيْنِ وعلى الثلاثينَ، ولذلك إذا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثلاثِينَ، والأصْلُ الهِلالُ، فإذا أمْكَنَ اعْتِبارُ الهِلَالِ، اعْتُبِرَ (٦)، وإذا تَعَذَّرَ، رُجِعَ (٧) إلى العَدَدِ. وفى هذا انْفِصالٌ عمَّا ذُكِرَ لأبى حنيفةَ. وأمَّا التَّخْرِيجُ الذى ذكَرْناه، فإنَّه لا يَلْزَمُ إتْمامُ الشَّهْرِ الأوَّلِ من الثانى، ويجوزُ أن يكونَ تَمامُه من الرَّابع. فصل: وتُحْسَبُ (٨) العِدّةُ من السَّاعةِ التى فارَقَها زَوْجُها فيها، فلو فارَقَها نِصْفَ اللَّيلِ، أو نِصفَ النَّهارِ، اعْتَدّتْ من ذلك الوَقْتِ إلى مِثْلِه. فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ: لا تَحْتَسِبُ بالسَّاعاتِ، وإنَّما تَحْتَسِبُ بأَوَّلِ الليلِ والنهارِ، فإذا طَلَّقها نهارًا، احْتَسَبَتْ (٩) من أوَّلِ اللَّيلِ الذى يَلِيه، وإن (١٠) طَلَّقَها ليلًا، احتسبتْ بأوَّلِ النهارِ الذى يَلِيه. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حِسابَ السَّاعاتِ يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتِبارُه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُر﴾. فلا تجوزُ الزِّيادةُ عليها بغيرِ دليلٍ، وحِسابُ السَّاعاتِ مُمْكِنٌ، إمَّا يَقينًا، وإمَّا اسْتِظْهارًا، فلا وَجْهَ للزِّيادةِ على ما أوْجَبَهُ اللَّه تعالى. ١٣٤٣ - مسألة؛ قال: (والْأَمَة شَهْرَانِ) اخْتَلفتِ الرِّوايَاتُ (١) عن أبى عبدِ اللَّه فى عِدَّةِ الأمةِ، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عنه، أنَّها

стр. 5747

شَهْرانِ. رَوَاه عنه جَماعةٌ من أصْحابِه، واحْتَجَّ فيه بقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: عِدّةُ أُمِّ الوَلدِ حَيْضَتانِ، ولو لم تَحِضْ كان عِدَّتُها شَهْرينِ. رواه الأثْرَمُ عنه بإسْنادِه (٢). وهذا قولُ عَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، وإسحاقَ، وأحَدُ أقْوالِ (٣) الشافعىِّ؛ لأنَّ الأَشْهُرَ بَدَلٌ من القُرُوءِ، وعِدَّةُ ذاتِ القُرُوءِ قُرْءان، فبَدَلُهما شَهْرانِ، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ بالشُّهُورِ عن غيرِ الوَفاةِ، فكان عَدَدُها كعَدَدِ القُروءِ، لو كانت ذاتَ قُروءٍ (٤)، كالحُرَّةِ. والرِّواية الثانية، أَنَّ عِدّتَها شَهْرٌ ونِصْفٌ. نَقَلَها المَيْمُونِىُّ، والأثرمُ، واختارَها أبو بكرٍ. وهذا قولُ علىٍّ (٥) رضِىَ اللَّه عنه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ (٥) وابنِ المُسَيَّبِ، وسالمٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىَّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وهو قولٌ ثانٍ للشافعىِّ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ، وعِدَّةُ الحُرَّةِ ثلاثةُ أشْهُرٍ، فنِصْفُها شَهْرٌ ونِصْفٌ، وإنَّما كَمَّلْنا لذاتِ الحَيْضِ حَيْضتَيْنِ، لتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الحَيْضَةِ، فإذا صِرْنا إلى الشُّهُورِ، أمْكَنَ التَّنْصِيفُ، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كما فى عِدَّةِ الوَفاةِ، ويَصِيرُ هذا كالمُحْرِمِ، إذا وَجَبَ عليه فى جَزاءِ الصَّيْدِ نِصْفُ مُدٍّ، أجْزَأه إخْراجُه، فإنْ أراد الصِّيَامَ مَكانَه، صامَ يومًا كاملًا. ولأنَّها عِدَّةٌ أمْكَنَ تَنْصِيفُها، فكانتْ على النِّصْفِ من عِدَّةِ الحُرَّةِ، [كعِدَّةِ الوَفاةِ، ولأنَّها مُعَتَدَّةٌ بالشُّهُورِ، فكانت على النِّصْفِ من عِدَّةِ الحُرَّةِ] (٦) كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها (٧). والرّواية الثالثة، أَنَّ عِدَّتَها ثلاثةُ أشْهُرٍ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، ومُجاهدٍ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِىِّ، ويحيى الأنْصارىِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وهو القولُ الثالثُ للشافعىِّ؛ لعُمُومِ قوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُر﴾ (٨). ولأنَّه اسْتِبْراءٌ

стр. 5748

للأَمَةِ الآيِسَةِ بالشُّهُورِ، فكان ثلاثةَ أشْهُرٍ، كاسْتِبْراءِ الأَمَةِ إذا مَلَكَها، أو مات سَيِّدُها، ولأنَّ اعْتبارَ الشُّهُورِ ههُنا للعِلْمِ ببَراءةِ رَحِمِهَا (٩)، ولا يَحْصُلُ هذا بدونِ ثَلاثةِ أشْهُرٍ فى الحُرَّةِ والأمَةِ جميعًا؛ لأنَّ الحَملَ يكونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يوما، [وعَلَقةً أربعينَ يوما] (١٠)، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً، ثم يتَحَرَّكُ، ويَعْلُو بَطنُ المرأةِ، فيَظْهَرُ الحَمْلُ، وهذا مَعْنًى لا يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، ولذلك كان اسْتِبْراءُ الأَمَةِ فى حَقِّ سَيِّدِها ثلاثةَ أشْهُرٍ. ومَنْ رَدَّ هذه الرِّواية قال: هى مخالفةٌ لإِجْماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّهم اخْتَلَفُوا على القَوْلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ، ومتى اخْتَلَفَ الصحابةُ على قَوْلَيْنِ، لم يَجُزْ إحداثُ قولٍ ثالثٍ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى تَخْطِئَتِهِم، وخُروجِ الحَقِّ عن قولِ جَميعِهم، ولا يجوزُ ذلك، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ لغير الحَمْلِ (١١)، فكانتْ دون عِدّةِ الحُرَّةِ، كذات القُرُوءِ (١٢) المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها. فصل: واخْتَلفَ (١٣) عن أحمد فى السِّنِّ الذى تَصِيرُ به المرأةُ من الآيِسَاتِ، فعنه: أوَّلُه خَمْسُونَ سنةً؛ لأنَّ عائشةً قالتْ: لن تَرَى المرأةُ فى بَطْنِها ولدًا بعدَ خمسينَ سنةً. وعنه: إن كانت من نِسَاءِالعَجَمِ فخَمْسُونَ، وإن كانت من نساءِ الغَرَبِ فسِتُّونَ؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى طَبِيعةً. وقد ذكر الزُّبَيْرُ بن بكارٍ، فى كتابِ "النَّسَبِ"، أَنَّ هِندًا بنتَ أبى عُبَيْدةَ ابن عبد اللَّه بن زَمْعةَ (١٤)، ولَدَتْ مُوسَى بنَ عبدِ اللَّه بن حسنِ بن حسنِ (١٥) بن علىِّ بن أبى طالبٍ ولها سِتُّونَ سنةً. وقال: يقالُ: إنَّه لن تَلِدَ بعدَ خمسينَ سنة إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِد

стр. 5749

لسِتِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وللشافعىِّ قَوْلان؛ أحدهما، يُعْتَبرُ السِّنُّ الذى يُتَيَقَّنُ أنَّها (١٦) إذا بَلَغَتْه لم تَحِضْ. قال بعضُهم: هو اثنانِ وسِتُّونَ سنةً. والثانى، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذى يَيْأَسُ فيه نِساءُ عَشِيرَتِها؛ لأنَّ الظَّاهرَ أَنَّ نَشْأَها كَنَشْئِهِنَّ، وطَبْعَها كطَبْعِهِنّ. والصحيحُ، إن شاء اللَّهُ تعالى، أنَّه متى (١٧) بلَغتِ المرأةُ خمسينَ سنةً، فانْقَطَعَ حَيْضُها عن عادَتِها مَرَّاتٍ لغيرِ سببٍ، فقد صارت آيِسَةً؛ لأنَّ وُجُودَ الحَيْضِ فى حَقِّ هذه نادِرٌ، بدليلِ قولِ عائشةَ، وقِلَّةِ وُجُودِه، فإذا انْضَمَّ إلى هذا انْقِطاعُه عن العاداتِ مَرَّاتٍ، حَصَلَ اليَأْسُ من وُجُودِه، فلها حينَئذٍ أن تَعْتَدَّ بالأَشْهُرِ، وإن انْقَطعَ قبلَ ذلك، فحُكْمُها حكمُ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعه. على ما سنَذْكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى. وإن رأتِ الدَّمَ بعدَ الخمسينَ، على العادَةِ التى كانت تَرَاه فيها، فهو حَيْضٌ، فى الصَّحِيحِ؛ لأنَّ دليلَ الحَيْضِ الوُجُودُ فى زَمَنِ الإِمْكانِ، وهذا يُمْكِنُ وُجُودُ الحَيْضِ فيه، وإن كان نادِرًا. وإن رأَتْه بعدَ السِّتِّين، فقد تُيُقِّنَ أنَّه ليس بحَيْضٍ؛ [لأنَّه لم يُوجَدْ ذلك. قال الْخِرَقِىُّ: وإذا رأتْه بعدَ السِّتِّينَ، فقد تُيُقِّنَ أنَّه ليس بحيضٍ] (١٨). فعندَ ذلك لا تَعْتَدُّ به، وتَعْتَدُّ بالأَشْهُرِ، كالتى لا تَرَى دَمًا. فصل: وأقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ فيه المرأةُ تِسْعُ سِنِينَ؛ لأنَّ المَرْجِعَ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ مَنْ تَحِيضُ لتِسْعٍ. وقد رُوِىَ عن الشافعىِّ، أنَّه قال: رأيتُ جَدّةً لها إحْدَى وعِشْرُونَ سنةً (١٩). فهذه إذا أسْقَطْتَ من عُمْرِها مُدّةَ الحَمْلَيْنِ فى الغالبِ عامًا ونِصْفًا، وقَسَمْتَ الباقِى بينها وبين ابْنَتِها، كانت كلُّ واحدةٍ منهما قد حَمَلَتْ لدُونِ عَشْرِ سِنِينَ. فإن رأَتْ دَمًا قبلَ ذلك، فليس بحَيْضٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مثلُها مُتَكَرِّرًا، والمُعْتَبَرُ من ذلك ما تَكَرّرَ ثلاثَ مَرَّاتٍ فى حالِ الصِّحَّةِ، ولم يُوجَدْ ذلك، فلا يُعْتَدُّ به.

стр. 5750

فصل: فإن بلَغَتْ سِنًّا تَحِيضُ فيه النِّساءُ فى الغالِبِ، فلم تَحِضْ، كخَمْسَ عشرةَ سنةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ، فى ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ، [وهو قولُ] (٢٠) أبى بكرٍ. [وهو مذهبُ] (٢١) أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وضَعّفَ أبو بكرٍ الرِّوايةَ المُخالفةَ لهذا، وقال: رَوَاها أبو طالبٍ، فخالَفَ (٢٢) فيها أصحابَه، وذلك ما رَوَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ، أنَّها تَغتَدُّ سنةً. قال القاضى: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ؛ لأنَّه متى أتَى عليها زمانُ الحَيْضِ فلم تَحِضْ، صارتْ (٢٣) مُرْتابةً، يجوزُ أن يكون بها حَمْلٌ مَنَعَ حَيْضَها، فيجبُ أن تَعْتَدَّ بسَنةٍ، كالتى ارْتَفَعَ حَيْضُها بعدَ وُجُودِه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢٤) [وهذه من اللَّائى لم يَحِضْنَ] (٢٥)، ولأنَّ الاعْتبارَ بحالِ المُعْتَدَّةِ، لا بحالِ غيرِها، ولهذا لو حاضَتْ قبلَ بُلُوغِ سِنٍّ يَحِيضُ لمِثْلِه النّساءُ فى الغالبِ، مثل أن تَحِيضَ ولها عَشْرُ سِنِينَ، اعْتَدّتْ بالحِيَضِ، وفارَقَ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها [ولا تَدْرِى ما رَفَعه] (٢٦)؛ فإنَّها من ذَوَاتِ القُرُوءِ (٢٧)، وهذه لم تكنْ مِنْهُنَّ. ١٣٤٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَها طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعةَ، وَهِىَ أَمَةٌ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى أُعْتِقَتْ (١)، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ. وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لا يَمْلِكُ فِيه الرَّجْعَةَ (٢)، فأُعْتِقَتْ، اعْتَدّتْ عِدَّةَ أمَةٍ)

стр. 5751

هذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبىِّ، والضَّحَّاكِ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وهو (٣) أحَدُ أقْوالِ الشافعىِّ. والقولُ الثاني، تُكْمِلُ عِدَّةَ أمَةٍ، سَواءٌ كانتْ بائِنًا أو رَجْعِيَّةً. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها، فلا يُعْتَبرُ حُكْمُها، كما لو كانت بائنًا. أو كما لو طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ الاسْتِبْراءِ، ولأنَّه مَعْنًى يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان الاعْتبارُ بحالةِ الوُجُوبِ، كالحَدِّ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرىُّ، وقَتادةُ: تَبْنِى على عِدَّةِ حُرَّةٍ بكلِّ حالٍ. وهو القولُ الثالثُ للشافعىِّ؛ لأنَّ سَبَبَ العِدَّةِ الكامِلَةِ إذا وُجِدَ فى أثناءِ العِدَّةِ، انْتَقَلَتْ إليها وإن كانت بائِنًا، كما لو اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ ثم رأتِ الدَّمَ. ولَنا، أنَّها إذا أُعْتِقَتْ (٤) وهى رَجْعِيّةٌ، فقد وُجِدَتِ الحُرِّيَّةُ، وهى زَوْجةٌ تَعْتَدُّ عِدّةَ الوَفاةِ لو مات، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحرائرِ، كما لو أُعْتِقَتْ قبلَ الطَّلاقِ. وإن أعْتقتْ وهى بائنٌ، فلم تُوجَد الحُرِّيَّةُ فى الزَّوْجيَّةِ، فلم تَجِبْ عليها عِدَّةُ الحرائرِ، كما لو أُعْتِقتْ بعدَ مُضِىِّ القُرْءَيْنِ. ولأنَّ (٥) الرَّجْعِيَّةَ تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ لو مات، فتنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ، والبائنُ لا تنْتقِلُ إلى عِدَّةِ الوفاةِ، فلا تنْتقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ، كما لو انْقَضَتْ عِدّتُها. وما ذكرْناه لمالكٍ يَبْطُلُ بما إذا مات زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ، فإنَّها تنْتقِلُ إلى عِدَّةِ الوفاةِ، والفَرْقُ بينَ ما نحنُ فيه وبينَ ما إذا حاضَتِ الصغيرةُ، أنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا وُجِدَ المُبْدَلُ، زال حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يجِدُ الماءَ، وليس كذلك ههُنا، فإن عِدَّةَ الأمَةِ ليست بِبَدَلٍ، ولذلك تَبْنِى الأمَةُ على ما مَضَى من عِدَّتِها اتِّفاقًا، وإذا حاضتِ الصغيرةُ اسْتأنَفتِ العِدَّةَ فافْتَرقَا (٦)، وتخالِفُ الاسْتِبْراءَ؛ فإنَّ الحُرِّيَّةَ لو قارنتْ سَبَبَ وُجُوبِه، لم تكْمُلْ، ألا تَرَى أنَّ أُمَّ الولدِ إذا مات سَيِّدُها عَتَقَتْ (٧) لمَوْتِه، ووَجَبَ الاسْتِبرْاءُ، كا يجبُ على التى لم تَعْتِقْ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، بخِلافِ مسألَتِنا.

стр. 5752

فصل: إذا عَتَقَتِ الأمةُ تَحْتَ العَبْدِ، فاخْتارَتْ نَفْسَها، اعْتَدّتْ عِدّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّها بانَتْ من زَوْجِها وهى حُرَّةٌ. وقد رَوَى الحسنُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أَمَرَ بَرِيرةَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ (٨). وإن طَلَّقَها العَبْدُ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فأَعْتَقَها سَيِّدُها، بَنَتْ على عِدَّةِ الحُرَّةِ، سَواءٌ فَسَخَتْ، أو أقامَتْ على النكاحِ؛ لأنَّها عَتَقتْ فى عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ. وإن لم تَفْسَخْ، فرَاجَعَها فى عِدَّتِها، فلها الخيارُ بعدَ رَجْعَتِها، [فإن اخْتارتِ الفَسْخَ قبلَ المَسِيسِ، فهل تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ، أم تَبْنِى على ما مَضَى من عِدَّتِها؟ . على وَجْهَيْنِ] (٩). فإن قُلْنا: تَسْتَأْنِفُ. فإنَّها تستأنفُ عِدَّةَ حُرَّةٍ. وإن قُلْنا: تَبْنِى. بَنَتْ على عِدَّةِ حُرَّةٍ. ١٣٤٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا طَلَّقَهَا وَهِىَ ممَّنْ قَدْ حَاضَتْ، فارْتَفَعَ حَيْضُهَا، لَا تَدْرِى مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً) وجملةُ ذلك، أنَّ الرجلَ إذا طَلَّقَ امرأتَه، وهى من ذواتِ الأقْراءِ، فلم تَرَ الحَيْضَ فى عادَتِها، ولم تَدْرِ ما رَفَعه، فإنَّها تَعْتدُّ سنةً؛ تِسْعةَ أشْهُرٍ منها تتَرَبَّصُ فيها لتَعْلَمَ بَراءةَ رَحِمِها؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ هى غالبُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فإذا لمَ يَبِنِ الْحَمْلُ (١) فيها، عُلِمَ بَراءةُ الرَّحِمِ ظاهرًا، فتَعْتَدُّ بعدَ ذلك عِدَّةَ الآيِسَاتِ، ثلاثةَ أشْهُرٍ. هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه. قال الشافعىُّ: هذا قضاءُ عمرَ بينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، لا يُنْكِرُه منهم مُنْكِرٌ عَلِمْناهُ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ فى أحدِ قَوْلَيْه. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ. وقال الشافعىُّ، فى قولٍ آخرَ: تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، أكثرَ مُدَّةِ الحملِ، ثم تَعْتَدُّ بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ هى التى يُتَيَقَّنُ بها بَراءةُ رَحِمِها، فوَجَبَ اعْتبارُها احْتِياطًا. وقال في الجديدِ: تكونُ فى عِدَّةٍ أبدًا، حتى تَحِيضَ، أو تَبْلُغَ سِنَّ الإِيَاسِ، تَعْتَدُّ حينَئذٍ بثلاثةِ أشهُرٍ. وهذا قولُ جابرِ بن زيدٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعىِّ،

стр. 5753

والزُّهْرىِّ، وأبى الزِّنادِ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأهلِ العِرَاقِ؛ لأنَّ الاعْتِدادَ بالأشْهُرِ جُعِلَ بعدَ الإِياسِ، فلم يَجُزْ قبلَه، وهذه ليستْ آيِسةً، ولأنَّها تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ، فلم تَعْتَدَّ بالشُّهورِ، كما لو تباعَدَ حَيْضُها لعارِضٍ. ولَنا، الإِجماعُ الذى حَكاه الشافعىُّ، ولأنَّ الغَرَضَ بالاعْتِدادِ معرفةُ بَراءةِ رَحِمِها، وهذا تَحْصُلُ به بَراءةُ رَحِمِها، فاكْتُفِىَ به، ولهذا اكْتُفِىَ فى حَقِّ ذات القُرْءِ بثلاثةِ قُرُوءٍ، وفى حقِّ الآيسةِ بثلاثةِ أشْهُرٍ، ولو رُوعِىَ اليقينُ، لاعْتُبِرَ أقْصَى مُدَّةِ الحَمْلِ، ولأنَّ عليها فى تَطْوِيلِ العِدّةِ ضَرَرًا، فإنَّها تُمْنَعُ من الأَزْواجِ، وتُحْبَسُ دائمًا، ويتَضَرّرُ الزَّوْجُ بإيجابِ السُّكْنَى والنَّفَقةِ عليه. وقد قال ابن عبَّاسٍ: لا تُطَوِّلُوا عليها الشُّقَّةَ، كَفَاها تِسْعةُ أشْهُرٍ. فإن قيل: فإذا مَضَتْ تسعةُ أشهرٍ، فقد عُلِمَ بَراءةُ رَحِمِها ظاهرًا، فلم اعْتَبَرْتُم ثلاثةَ أشْهُرٍ بعدَها؟ قُلْنا: الاعْتِدادُ بالقُرُوءِ والأشْهُرِ إنَّما يكونُ عند عَدَمِ الحَمْلِ، وقد تَجِبُ العِدّةُ مع العِلْمِ ببَراءةِ الرَّحِمِ، بدليلِ ما لو عَلَّقَ طلاقَها بوَضْعِ الحَمْلِ، فوَضَعَتْه، وَقَعَ الطَّلاقُ، ولَزِمَتْها العِدَّةُ. فصل: فإنْ عاد الحيضُ إليها فى السَّنةِ، ولو فى آخِرِها، لَزِمَها الانْتِقالُ إلى القُرُوءِ؛ لأنَّها الأصلُ، فبَطَلَ بها حكمُ البَدَلِ. وإن عادَ بعدَ مُضِيِّها ونِكاحِها، لم تَعُدْ إلى القُرُوءِ؛ لأنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ نِكاحِها، فلم تَبْطُلْ، كما لو اعْتَدَّتْ الصَّغِيرةُ بثَلاثةِ أشْهُرٍ، وتزَوَّجَتْ، ثم حاضَتْ. وإن حاضتْ بعدَ السَّنَةِ، وقبلَ نِكاحِها، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّ العِدَّةَ انْقَضتْ بالشُّهورِ، فلم تَعُدْ، كالصَّغيرةِ. والثانى، تعودُ؛ لأنَّها (٢) من ذَواتِ القُرُوءِ، وقد قَدَرَتْ على المُبْدَلِ قبلَ تَعَلُّقِ حَقِّ زَوْجٍ بها، فلَزِمَها العَوْدُ، كما لو حاضَتْ فى السَّنَةِ. ١٣٤٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتْ أَمَةً، اعْتَدَّتْ بِأحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وشَهْرَانِ لِلْعِدَّةِ)

стр. 5754

هذه المسألةُ مَبْنِيَّةٌ على أصْلَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ الحُرَّةَ تَعْتَدُّ بسَنَةٍ، إذا ارْتفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعه. الثانى، أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ الآيِسَةِ شَهْران، فتَتَربَّصُ تسعةَ أشْهُرٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ تَتَساوَى فيها الحُرَّةُ والأَمَةُ، لكَوْنِه أمْرًا حقيقيًّا، فإذا يَئِسَتْ من الحملِ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ (١) الآيِسَةِ شَهْرَيْنِ. وعلى الرِّوايةِ التى جَعَلَ عِدَّتَها شهرًا ونصفًا، تكونُ عِدَّتُها عَشرَةَ أشْهُرٍ ونِصْفًا. ومن جَعَلَها ثلاثةَ أشْهُرٍ، فعِدَّتُها سَنَةٌ كالحُرَّةِ، سَوَاءً (٢). ١٣٤٧ - مسألة؛ قال: (وإن عَرَفَتْ ما رَفَعَ الْحَيْضَ، كَانَتْ فى عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ، فتَعْتَدَّ بِهِ، إلَّا أنْ تَصِيرَ مِنَ الآيِسَاتِ، فتَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ أشْهُرٍ مِنْ وَقْت تَصِيرُ فى عِدَادِ الْآيِسَاتِ) أمَّا إذا عَرَفتْ أنَّ (١) ارْتفاعَ الحَيْضِ بِعَارضٍ (٢)؛ من مَرَضٍ، أو نِفَاسٍ، أو رَضاعٍ، فإنَّها تَنْتَظِرُ زوالَ العارِضِ، وعَوْدَ الدّمِ وإن طالَ، إلَّا أن تَصِيرَ فى سِنِّ الإِياسِ (٣)، وقد ذكرناه. [فتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ] (٤) عِدَّةَ الآيِسَاتِ. وقد رَوَى الشافعىُّ، فى "مُسْنَدِه" (٥) بإسْنادِه عن حَبَّان بن مُنْقِدٍ، أنَّه طَلَّقَ امرأتَه طلقةً واحدةً، وكانت (٦) لها منه بُنَيَّةً تُرْضِعُها، فتباعَدَ حَيْضُها، ومَرِضَ حَبَّانُ، فقيل له: إنَّك إن مِتَّ وَرِثَتْكَ. فمَضَى إلى عثمانَ، وعندَه علىٌّ وزيدُ بن ثابتٍ، فسأَلَه عن ذلك، فقال عثمانُ لعلىٍّ

стр. 5755

وزيدٍ: ما تَرَيان؟ فقالا: نَرَى أنَّها إن ماتَتْ وَرِثَها، وإن ماتَ وَرِثَتْه؛ لأنَّها ليستْ من الْقَواعِدِ اللَّائِى [يَئِسْنَ من المَحِيضِ، ولا من الأبْكارِ اللَّائِى] (٧) لم يَبْلُغْنَ الْمَحِيضَ. فرَجَعَ حَبَّانُ إلى أهلِه، فانْتَزَعَ البِنْتَ منها، فعادَ إليها الْحَيْضُ، فحاضَتْ حَيْضَتَيْنِ، ومات حَبَّانُ قبلَ انْقِضاءِ الثالثةِ، فوَرَّثَها عثمانُ، رَضِىَ اللَّه عنه. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن محمدِ بن يَحْيى بن حَبَّان، أنَّه كانتْ عندَ جَدِّه امْرأتان؛ هاشِمِيَّةٌ، وأنْصارِيّةٌ، فطَلَّقَ الأنْصارِيَّةَ وهى مُرْضِعٌ، فمَرَّتْ بها سَنَةٌ، ثم هَلَكَ ولم تَحِض، فقالت الأنْصَارِيَّةُ: لم أحِضْ. فاخْتَصَمُوا إلى عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فقَضَى لها بالميراثِ، فلامَتِ الهاشِمِيَّةُ عثمانَ، فقال: هذا عَمَلُ ابنِ عَمِّكِ، هو أشارَ علينا بهذا. يَعْنِى علىَّ بن أبى طالبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه (٨). ١٣٤٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ حَاضَتْ حَيْضَةً أوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِى مَا رَفَعَهُ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا (١) بعْدَ سَنَةٍ [مِنْ وَقْتِ] (٢) انْقِطَاعِ الْحَيْضِ) وذلك لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال، فى رَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَه فحاضتْ حَيْضةً أو حَيْضَتَيْنِ، فارْتَفَعَ حَيْضُها، لا تَدْرِى ما رَفَعَه: تَجْلِسُ تِسْعةَ أشْهُرٍ، فإذَا (٣) لم

стр. 5756

يَسْتَبِنْ بها حَمْلٌ، تَعْتَدُّ بثَلاثةِ (٤) أشْهُرٍ (٥)، فذلك سَنَةٌ. ولا نَعْرِفُ له مُخالِفًا. قال ابنُ المنذرِ: قَضَى به عمرُ بينَ المهاجِرِينَ والأنْصارِ، ولم (٦) يُنْكِرْه مُنْكِرٌ. وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه، يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امرأتَه، فتَحِيضُ حَيْضةً، ثم يَرْتَفِعُ حَيْضُها. قال: أذْهَبُ إلى حديثِ عمرَ إذا رُفِعَتْ (٧) حَيْضَتُها فلم تَدْرِ ممَّا ارْتَفَعَتْ، فإنَّها تَنْتَظِرُ سَنَةً. قيل له: فحاضَتْ دُونَ السَّنَةِ. فقال: نَرْجِعُ إلى الحَيْضِ (٨). قيل له (٩): فإن ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُها أيضًا لا تَدْرِى ممَّا ارْتفَعتْ؟ قال: تَقْعُدُ سَنَةً أُخْرَى. وهذا قولُ كلِّ مَنْ وافَقَنا فى المسألةِ الأُولَى؛ وذلك لأنَّها لمَّا ارْتَفَعتْ حَيْضَتُها، حَصَلَتْ مُرْتابةً، فوَجَبَ ان تَنْتَقِلَ إلى الاعْتِدادِ بِسَنةٍ، كما لو ارْتَفعَ حَيْضُها حين طَلَّقَها، ووَجَبَ عليها سَنَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تَنْبَنِى على عِدَّةٍ أُخْرَى، ولذلك (١٠) لو حاضَتْ حَيْضةً أو حَيْضتَيْنِ، ثم يَئِسَتْ، انْتَقَلتْ إلى ثَلاثةِ أشْهُرٍ كاملةٍ، ولو اعْتَدَّتِ الصغيرةُ شَهْرًا أو شَهْريْنِ، ثم حاضَتْ، انْتقَلتْ إلى ثلاثةِ قُرُوءٍ. فصل: فإن كانت (١١) عادةُ المرأةِ أن يَتَباعدَ ما بينَ حَيْضَتَيْها، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ وإن طالتْ؛ لأنَّ هذه لم يَرْتَفِعْ حَيْضُها، ولم تتأخَّرْ عن عادَتِها،

стр. 5757

فهى من ذَواتِ القُرُوءِ، باقِيةٌ على عادَتِها، فأشْبَهَتْ مَنْ لم يتَباعَدْ حَيْضُها. ولا نعلمُ فى هذا مُخالِفًا. فصل: فى عِدَّةِ المُسْتَحاضةِ؛ لا تَخْلُو إمَّا أن يكونَ لها حَيْضٌ مَحْكومٌ به بعادةٍ أو تَمْييزٍ، أو لا تكونَ كذلك، فإن كان لها حَيْضٌ محكومٌ به بذلك، فحُكْمُها فيه حُكْمُ غيرِ المُسْتحاضةِ، إذا مَرَّتْ لها ثلاثةُ قُرُوءٍ، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها. قال أحمدُ: المُسْتَحاضةُ تعْتدُّ أيَّامَ أقْرائِها التى كانت تَعْرِفُ. وإن عَلِمَتْ (١٢) أنَّ لها فى كلِّ شَهْرٍ حَيْضةً، ولم تَعْلَمْ مَوْضِعَها، فعِدّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ. وإن شَكَّتْ فى شىءٍ، ترَبَّصَتْ حتى تَسْتَيْقِنَ أنَّ القُرُوءَ الثلاثَ قد انْقَضَتْ. وإن كانتْ مُبْتدَأةً لا تَمْيِيزَ لها، أو ناسِيَةً لا تَعْرِفُ لها وَقْتًا ولا تَمْيِيزًا، فعن أحمدَ فيها رِوَايتان؛ إحْداهما، أنَّ عِدَّتَها ثلاثةُ أشْهُرٍ. وهو قَول عِكْرِمةَ، وقَتادةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ حَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ أن تَجْلِسَ فى كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيامٍ أو سَبْعةً (١٣). فجَعلَ لها حَيْضَةً فى كلِّ شهرٍ (١٤) تَتْرُكُ فيها الصلاةَ والصيامَ، ويَثْبُتُ فيها سائرُ أحكامِ الحَيْضِ، فيَجِبُ أن تَنْقَضِىَ به العِدَّةُ؛ لأنَّ ذلك من أحْكامِ الحَيْضِ. والرواية الثانية، تَعْتَدُّ سَنَةً بمَنْزِلةِ مَنْ رُفِعَتْ (١٥) حَيْضَتُها لا تَدْرِى ما رَفَعها. قال أحمدُ: إذا كانت قد اخْتَلَطَتْ، ولم تَعْلَمْ إقْبالَ الدَّمِ وإدبارَه، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ لحديثِ عمرَ؛ لأنَّ به (١٦) يتَبَيَّنُ الحَمْلُ. وهو قولُ مالكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّها لم تتَيَقَّنْ لها

стр. 5758

حَيْضًا، مع أنَّها من ذَواتِ القُرُوءِ، فكانت عِدّتُها سنةً، كالتى ارْتَفَعَ حَيْضُها. وعلى الرّوايةِ الأُولَى، يَنْبَغِى أن يُقالَ: إنَّنا متى حَكَمْنا بأنَّ حَيْضَها سَبْعةُ أيامٍ من كلِّ شَهْرٍ، فمَضَى لها شَهْرانِ بالهِلالِ وسَبْعةُ أيَّامٍ من أَوَّلِ الثالثِ، فقد انْقَضتْ عِدّتُها. وإن قُلْنا: القُرُوءُ الأطهارُ. فطَلَّقَها فى آخرِ شَهْرٍ، ثم مَرَّ لها شَهْران وهَلَّ الثالثُ، انْقَضتْ عِدَّتُها. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ١٣٤٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهِىَ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بالشُّهُورِ حَتَّى حَاضَتْ، اسْتَقْبَلَتِ العِدَّةَ بثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وبِحَيْضَتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً) وجملَتُه أنَّ الصَّغيرةَ التى لم تَحِضْ، أو البالِغَ (١) التى لم تَحِضْ، إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فحاضَتْ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها ولو بسَاعةٍ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ. فى قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ، منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأهلُ المدينةِ، وأهلُ البَصْرةِ؛ وذلك لأنَّ الشُّهورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا وُجِدَ المُبْدَلُ بَطَلَ حكمُ البَدَلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ. ويَلْزَمُها أن تَعْتَدَّ بثلاثِ حِيَضٍ إن قُلْنا: القُرُوءُ الحِيَضُ. وإن قُلْنا: القُروءُ الأطهارُ. فهل تَعْتَدُّ بما مَضَى من الطُّهْرِ قبلَ الحَيْضِ قُرْءًا؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، تَعْتَدُّ به؛ لأنَّه طُهْرٌ انتقَلتْ منه إلى حَيْضٍ، فأشْبَهَ الطُّهْرَ بينَ الحَيْضَتيْن. والثاني، لا تَعْتَدُّ به. وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ القُرْءَ هو الطُّهْرُ بين حَيْضَتيْنِ، وهذا لم يتَقَدّمْهُ حَيْضٌ، فلم يكُنْ قُرْءًا. فأمَّا إن انْقَضَتْ عِدَّتُها بالشُّهورِ، ثم حاضَتْ بعدَها ولو بلَحْظةٍ، لم يَلْزَمْها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ؛ لأنَّه مَعْنًى حَدَثَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، كالتى حاضَتْ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة بزَمنٍ طويلٍ، ولا يُمْكِنُ مَنْعُ هذا الأصلِ؛ لأنَّه لو صَحَّ مَنْعُه، لم يَحْصُلْ لمَنْ لم تَحِضْ الاعْتِدادُ بالشُّهورِ بحالٍ. فصل: ولو حاضَتْ حَيْضَةً أو حَيْضتَيْنِ، ثم صارتْ من الآيِسَاتِ، اسْتأْنفَتِ

стр. 5759

العِدّةَ بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تُلَفَّقُ من جِنْسيْنِ، وقد تعَذَّرَ إتْمامُها بالحِيَضِ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها بالأشْهُرِ. وإن ظَهَرَ بها حَمْلٌ من الزَّوْجِ، سَقَطَ حكمُ ما مَضَى وتَبَيَّنَّا (٢) أنَّ ما رَأَتْه من الدَّمِ لم يكُنْ حَيْضًا؛ لأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ ولو حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ. لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ انْقَضَتِ الحيضةُ الثالثةُ، تَبَيَّنَّا أنَّ الدمَ ليس بحَيْضٍ؛ لأنَّها كانتْ حامِلًا مع رُؤْيةِ الدَّمِ، والحاملُ لا تَحِيضُ. ولو حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم ظَهَر بها حملٌ يُمْكِنُ أن يكونَ حادثًا بعدَ قضاءِ العِدَّةِ، بأن تَأْتِىَ به (٣) لسِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ فَرَغَتْ من عِدَّتِها، لم تلْحَقْ بالزَّوْجِ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ الاعْتِدادِ، وكان هذا الولدُ حادِثًا. وإن أتَتْ به لِدُونِ ذلك، تَبيَّنَّا أنَّ الدَّمَ ليس بحَيْضٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ وُجُودُه فى مُدَّةِ الْحَمْلِ. فصل: وإذا ارْتابَتِ المُعْتدَّةُ، ومعناه أن تَرَى أماراتِ الحَمْلِ؛ من حَرَكةٍ أو نَفْخةٍ ونحوِهما (٤)، وشَكَّتْ هل هو حَمْلٌ أم لا؟ فلا يَخْلُو من ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحدها، أن تَحْدُثَ بها (٥) الرِّيبةُ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإنَّما تَبْقَى فى حُكْمِ الاعْتِدادِ حتى تَزُولَ الرِّيبةُ، فإن بان حَمْلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِه، فإن زالتْ وبانَ أنَّه ليس بحَمْلٍ، تبَيَّنَّا أنَّ عِدَّتَها انْقضَتْ بالقُرُوءِ أو الشُّهُورِ. فإن زُوِّجَتْ قبلَ زَوالِ الرِّيبَةِ، فالنِّكاحُ باطِلٌ؛ لأنَّها تزَوَّجَتْ وهى فى حُكْمِ المُعْتَدَّاتِ فى الظاهرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا تبَيَّنَ عَدَمُ الحَمْلِ، أنَّه يَصِحُّ النكاحُ؛ لأنَّا تبَيَّنَّا أنَّها تزَوَّجَتْ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها. الثاني، أن تَظْهرَ الرِّيبَةُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها والتَّزَوُّجِ، فالنِّكاحُ صحيحٌ؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ ظاهرًا، والحَمْلُ مع الرِّيبَةِ مشكوكٌ فيه، فلا يَزُولُ به ما حُكِمَ بصِحَّتِه، لكن، لا يَحِلُّ لِزَوْجِها وَطْؤُها؛ لأنَّنا شَكَكْنا فى صِحَّةِ النكاحِ، ولأنَّه لا يَحِلُّ لمن يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يسْقِىَ

стр. 5760

ماءَه زَرْعَ غيرِه، ثم نَنْظُرُ؛ فإن وَضَعَتِ الولدَ لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تَزَوَّجَها الثاني ووَطِئَها، فنِكاحُه باطِلٌ؛ لأنَّه نَكَحَها وهى حامِلٌ، وإن أتَتْ به لأكثرَ من ذلك، فالولدُ لَاحِقٌ به، ونِكاحُه صحيحٌ. الحال الثالث، ظَهَرتِ الرِّيبَةُ بعدَ قضَاءِ العِدَّةِ وقبلَ النِّكاحِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَحِلُّ لها أن تتزوَّجَ، وإن تزوَّجَتْ فالنكاحُ باطلٌ؛ لأنَّها تتزوَّجُ مع الشَّكِّ فى انْقِضاءِ العِدَّةِ (٦)، فلم يَصِحَّ، كما لو وُجِدَتِ الرِّيبَةُ فى العِدَّةِ، ولأنَّنا لو صَحَّحْنا النكاحَ، لَوقَعَ مَوقُوفًا، ولا يجوزُ كَوْنُ النكاحِ مَوقوفًا، ولهذا لو أسْلَمَ وتخَلَّفَتِ امرأتُه فى الشِّرْكِ، لم يَجُزْ أن يتزوَّجَ أُخْتَها؛ لأنَّ نِكاحَها يكونُ مَوْقوفًا على إسْلامِ الأُولَى. والثاني، يَحِلُّ لها النكاحُ، ويَصِحُّ؛ لأنَّنا حكَمْنا بانْقِضاءِ العِدَّةِ، وحِلِّ النِّكاحِ، وسُقُوطِ النفقةِ والسُّكْنَى، فلا يجوزُ زَوالُ ما حُكِمَ به بالشكِّ (٧) الطَّارِئِ، ولهذا لا يَنْقُضُ الحاكمُ ما حكمَ به بتَغَيُّرِ اجْتِهادِه ورُجُوعِ الشُّهُودِ. فصل: وإذا طَلَّقَ واحدةً من نِسائِه لا يُعَيِّنُها، أُخْرِجَتْ بالقُرْعةِ، وعليها العِدَّةُ دُونَ غيرِها، وتُحْسَبُ (٨) عِدَّتُها من حينَ طَلَّقَ، لا من حينِ القُرْعةِ. وإن طَلَّقَ واحدةً بعَيْنِها وأُنْسِيَها، ففى قَوْلِ (٩) أصْحابِنا، الحكمُ فيها كذلك. والصحيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه الجميعُ، فإن مات فعلَى الجميعِ الاعْتِدادُ بأقْصَى الأَجَلَيْنِ، من عِدَّةِ الطَّلاقِ والوفاةِ؛ لأنَّ النكاحَ كان ثابتًا بيَقِينٍ، وكل واحدةٍ منهنّ (١٠) يجوز أن تكونَ هى (١١) المطَلَّقةَ (١٢)، وأن تكونَ زوجةً، فوَجَبَ أقْصَى الأجَلَيْنِ إنْ كان الطَّلاقُ بائِنًا، ليسْقُطَ الفَرْضُ بيَقِينٍ، كمَنْ نَسِىَ صلاةً من يومٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَها، لَزِمَه أن يُصَلِّىَ خَمْسَ صلواتٍ، لكن (١٣)

стр. 5761

ابتداءَ القُرُوءِ (١٤) من حينَ طَلَّقَ، وابْتداءُ عِدَّةِ الوفاةِ من حينِ المَوْتِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وإن طَلَّقَ الجميعَ ثلاثًا بعدَ ذلك، فعليهِنَّ كلِّهنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ من حينَ طَلّقَهُنَّ (١٥). وإن طَلَّقَ ثلاثًا وأُنْسِيَهُنَّ، فهو كما لو طَلَّقَ واحدةً. ١٣٥٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهُوَ حُرٌّ أوْ عَبْدٌ، قَبْلَ الدُّخُولِ أوْ بَعْدَهُ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، إنْ كَانَتْ حُرَّةً، ولِتَمَامِ شَهْرَيْنِ وخَمْسَةِ أيَّامٍ، إنْ كَانَتْ أمَةً) أجْمَع أهلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ المُسْلمةِ غيرِ ذاتِ الحَمْلِ من وفاةِ زَوْجِها أَرْبَعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ، مَدْخُولًا بها أو غيرَ مدخولٍ بها، سَواءٌ كانت كبيرةً بالغةً أو صغيرةً لم تبلغْ؛ وذلك لقولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ أنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). فإن قيل: ألَا حَمَلْتُم الآيةَ على المَدْخُولِ بها، كما قُلْتُم فى قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣). قُلْنا: إنَّما خَصَصْنا هذه بقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٤). ولم يَرِدْ تَخْصِيصُ عِدَّةِ الوَفاةِ، ولا أَمْكَنَ قِياسُها على المُطَلَّقةِ فى التَّخْصِيصِ لوَجْهَيْن؛ أحدهما، أنَّ النكاحَ عَقْدُ عُمْرٍ، فإذا مات انْتَهَى، والشىءُ إذا انْتَهَى تقَرَّرَتْ أحْكامُه، كتَقَرُّرِ أحْكامِ الصِّيامِ بدُخولِ الليلِ، وأحكامِ الإِجَارَةِ

стр. 5762

بانْقِضائِها، والعِدَّةُ من أحْكامِه. الثانى، أنَّ المُطَلَّقةَ إذا أتَتْ بولدٍ يُمْكِنُ الزَّوجُ تَكْذِيبَها ونَفْيَه باللِّعَانِ، وهذا مُمْتَنِعٌ فى حَقِّ المَيِّتِ، فلا يُؤْمَنُ أن تَأْتِىَ بولدٍ، فيَلْحَقَ الميّتَ نَسَبُه، ومالَهُ مَنْ يَنْفِيه، فاحْتَطْنا بإيجاب العِدَّةِ عليها لحِفْظِها عن التَّصَرُّفِ والمَبِيتِ فى غير مَنْزِلها، حِفْظًا لها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَيْضِ فى عِدَّةِ الوَفاةِ. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّها إذا كانتْ مَدْخُولًا بها, وجبَتْ (٥) أَرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ فيها حَيْضةٌ، واتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ أَوْلَى، ولأنَّه (٦) لو اعْتُبرَ الحَيْضُ فى حَقِّها، لَاعْتُبِرَ ثَلاثةَ قُرُوءٍ، كالمُطَلَّقةِ. وهذا الخلافُ يَخْتَصُّ بذاتِ القُرْءِ، فأمَّا الآيِسَةُ والصغيرةُ، فلا خِلافَ فيهما (٧)، وأمَّا الأمَةُ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها (٨)، فعِدّتُها شَهْرانِ وخَمْسةُ أيامٍ. فى قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وغيرُهم، إلَّا ابنَ سِيرِينَ، فإنَّه قال: ما أَرَى عِدَّةَ الأمَةِ إلَّا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ فى ذلك سُنَّةٌ، فإنَّ السُّنَّةَ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وأخَذَ بظاهرِ النصِّ وعُمُومهِ. ولَنا، اتِّفاقُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على أن عِدَّةَ الأمَةِ المُطلَّقةِ على النِّصْفِ من عِدَّةِ الحُرَّةِ، فكذلك عِدَّةُ الوَفاةِ. فصل: والعَشْرُ المُعْتَبَرةُ فى العِدَّةِ هى عشرُ لَيالٍ بأَيَّامِها، فتَجِبُ عشرةُ أيَّامٍ مع اللَّيالِى. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الأوْزَاعىُّ: يجبُ عَشْرُ ليالٍ وتِسْعةُ أيَّام؛ لأنَّ العَشْرَ تُسْتَعْمَلُ فى الليالِى دُونَ الأيَّامِ، وإنَّما دَخَلتِ الأيامُ اللَّاتِى فى أثْناءِ الليالِى تَبَعًا. قُلْنا: العَرَبُ تُغَلِّبُ اسْمَ التأنيثِ فى العَدَدِ خاصَّةً على المُذَكَّرِ، فتُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيالِى وتُريدُ الليالِىَ بأيَّامِها، كما

стр. 5763

قال اللَّه تعالى لزَكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٩). يريدُ بأيَّامِها (١٠)، بدليلِ أنَّه قال فى مَوْضعٍ آخرَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (١١). يريدُ بلَيالِيها. ولو نَذَرَ اعْتِكافَ العَشْرِ الأخيرِ من رمضانَ، لَزِمَه اللَّيالى والأيامُ. ويقول القائلُ: سِرْنا عَشْرًا. يُريدُ اللَّيالِىَ بأيَّامِها. فلم يَجُزْ نَقْلُها عن العِدَّةِ إلى الإِباحةِ بالشَّكِّ. فصل: وإذا مات زَوجُ الرَّجْعيَّةِ، استأنَفَتْ عِدَّةَ الوَفاةِ، أَرْبعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، بلا خلافٍ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ على ذلك. وذلك لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوجةٌ يَلْحَقُها طَلاقُه، وينالُها مِيِراثُه، فاعْتدَّتْ للوفاةِ، كغيرِ المُطَلَّقةِ. وإن مات مُطَلِّقُ البائنِ فى عِدَّتِها، بَنَتْ على عِدَّةِ الطلاقِ، إلَّا أن يُطَلِّقَها فى مَرَضِ مَوْتِه، فإنَّها تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَيْنِ من عِدَّةِ الوفاةِ أو ثلاثةِ قُرُوءٍ. نَصَّ على هذا أحمدُ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: تَبْنِى على عِدَّةِ الطلاقِ؛ لأنَّه مات وليست زَوْجةً له، لأنَّها بائنٌ مِن النكاحِ، فلا تكونُ مَنْكُوحةً. ولَنا، أنَّها وارِثَةٌ له، فيجِبُ عليها عِدَّةُ الوفاةِ، كالرَّجْعِيَّةِ، وتَلْزَمُهَا عِدَّةُ الطلاقِ؛ لما ذكَرُوه فى دليلِهم، وإن مات المريضُ المُطَلِّقُ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بالحِيَضِ، أو بالشُّهورِ، أو بوَضْعِ الحَمْلِ، أو كان طلاقُه قبلَ الدُّخولِ، فليس عليها عِدّةٌ لمَوْتِه. وقال القاضى: عليهنَّ عِدَّةُ الوفاةِ إذا قُلْنا: يَرِثْنَه. لأنَّهنَّ يَرِثْنَه بالزَّوْجِيَّةِ، فتَجِبُ عليهنَّ عِدَّةُ الوَفاةِ، كما لو مات بعدَ الدُّخولِ وقبلَ (١٢) قضاءِ العِدَّةِ. وروَاه أَبو طالبٍ عن أحمدَ، في التى انْقَضَتْ عِدّتُها. وذكر ابنُ أبي موسى فيها روايتَيْن. والصَّحِيحُ أنَّها لا عِدَّةَ

стр. 5764

عليها؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١٣). فلا يجوزُ تخْصيصُ هذه النُّصوصِ بالتَّحَكُّمِ، ولأنَّها أجْنَبِيَّةٌ تحِلُّ للأزْواجِ، ويحِلُّ للمُطَلِّقِ نِكاحُ أُخْتِها وأربعٍ سِوَاها، فلم تجبْ عليها عِدَّةٌ لمَوْتِه، كما لو تزوَّجَتْ، وتُخالِفُ التى مات فى عِدَّتِها، فإنَّها لا تحِلُّ لغيرِه فى هذه الحالِ، ولم تَنْقَضِ عِدّتُها، ولا نُسَلِّمُ أَنَّها تَرِثُه، فإنَّها لو وَرِثَتْه لأَفْضَى إلى أن يَرِثَ الرجلَ ثمانِى زَوْجاتٍ. فأمَّا إن تزوَّجَتْ إحْدَى هؤلاءِ، فلا عِدَّةَ عليها، بغير خِلَافٍ نعْلَمُه، ولا تَرثُه أيضًا. وإن كانت المُطلَّقةُ البائنُ لا تَرِثُ، كالأَمَةِ أو الحُرّةِ يُطَلِّقُها العَبْدُ، أو الذِّمِّيَّةُ يُطَلِّقها المُسْلِمُ، والمُخْتلِعةُ أو فاعلةُ ما يَفْسَخُ نِكاحَها، لم تَلْزَمْها عِدّةٌ، سَواءٌ مات زوجُها فى عِدَّتِها أو بعدَها، على قياسِ قولِ أصحابِنا، فهم عَلَّلُوا نَقْلَهَا إلى عِدَّةِ الوَفاةِ بإرْثِها، وهذه ليستْ وارثةً، فأشْبَهتِ المُطلَّقةَ فى الصِّحَّةِ، وأمَّا المُطلَّقةُ فى الصِّحَّةِ إذا كانت بائنًا، فمات زوجُها، فإنَّها تَبْنِى على عِدَّةِ الطَّلاقِ، ولا تَعْتَدُّ للوفاةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عليها أَطْوَلُ الأجَلَيْنِ، كما لو طَلَّقَها فى مَرَضِ مَوْتِه. ولَنا، قولُه : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولأنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه فى نكاحِه، ومِيرَاثِه، والحِلِّ له، ووُقوعِ طلاقِه، وظِهارِه، وتحلُّ له أخْتُها وأرْبَعٌ سِوَاها، فلم تَعْتَدَّ لوفاتِه، كما لو انْقَضتْ عِدَّتُها. وذكَرَ القاضى، فى المُطَلَّقةِ فى المرضِ، أنَّها (١٤) إذا كانتْ حامِلًا، تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَيْنِ. وليس هذا بشىءٍ؛ فإنَّ (١٥) وَضْعَ الحملِ تَنْقَضِى به كلُّ عِدَّةٍ، ولا يجوزُ أن يَجِبَ عليها الاعْتِدادُ بغيرِ الحَمْلِ، على

стр. 5765

ما سنذكرُه فى المسألةِ التى تَلِى هذه إن شاء اللَّه تعالى. ١٣٥١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَلَّقَهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهِىَ حَامِلٌ مِنْهُ، لَمْ تنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، أمَةً كَانَتْ أوْ حُرَّةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ فى جميعِ الأعْصارِ، على أنَّ المطلَّقةَ الحاملَ تَنْقَضِى عدتُها بوضعِ حَمْلِها. وكذلك كلُّ مُفارقةٍ فى الحياةِ. وأجْمَعُوا أيضًا على أنَّ المُتَوَفَّى عنها زوجُها (١)، إذا كانت حاملًا، أجَلُها وَضْعُ حَمْلِها، إلَّا ابنَ عباسٍ. ورُوِىَ عن عليٍّ من وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ، أنَّها تَعْتَدُّ بأَقْصَى الأجَلَيْنِ. وقالَه أبو السَّنابِلِ بنُ بَعْكَكٍ، فى حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فرَدَّ عليه النَّبِىُّ ﷺ قولَه (٢). وقد رُوِىَ أنَّ (٣) ابنَ عبَّاسٍ (٤) رَجَعَ إلى قَوْلِ الجماعةِ لمَّا بَلَغَه حديثُ سُبَيْعةَ، وكَرِهَ الحسنُ، والشَّعْبىُّ، أن تَنْكِحَ فى دَمِها. ويُحْكَى عن حَمَّادٍ، وإسحاقَ، أنَّ عِدَّتَها لا تَنْقَضِى حتى تَطْهُرَ. وأَبَى سائرُ أهلِ العلم هذا القولَ، وقالوا: لو وَضَعَتْ بعدَ ساعةٍ من وفاةِ زَوْجِها، حَلَّ لها أن تتزَوَّجَ، ولكن، لا يَطَؤُها زوجُها حتَّى تَطْهُرَ من نِفَاسِها وتَغْتَسِلَ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥). ورُوِىَ عن أُبَىِّ بن كعبٍ، قال: قلتُ للنَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. للمُطَلَّقةِ ثلاثًا أو للمُتَوَفَّى (٦) عنها؟ (٧) قال: ["هى للمُطَلَّقةِ ثلاثًا، ولِلْمُتَوَفَّى عَنْها"] (٨). وقال ابنُ مسعودٍ: مَنْ

стр. 5766

شاء باهَلْتُه أو لَاعَنْتُه، أنَّ الآيةَ التى فى سُورةِ النِّساءِ القُصْرَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. نزلَتْ بعدَ التى فى سورةِ البقرةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٩). يعنى أن هذه الآيةَ هى الأخيرةُ، فتقَدَّم على ما خالَفَها من عُمومِ الآيَةِ (١٠) المتقدِّمةِ، ويُخَصُّ بها عُمومُها. ورَوَى عبدُ اللَّه بن الأَرْقَمِ، أن سُبَيْعةَ الأَسْلَمِيَّةَ أخْبَرَتْه، أنَّها كانتْ تحتَ سعدِ بن خَوْلَةَ، وتُوُفِّى عنها فى حَجَّةِ الوَداعِ وهى حاملٌ، فلم تَنْشَبْ أن وَضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وَفاتِه، فلما تَعَلَّتْ (١١) من نِفَاسِها، تجَمّلَتْ للخُطَّابِ، فدَخَلَ عليها أبو السَّنَابلِ بنُ بَعْكَكٍ، فقال: مالى أراكِ مُتَجَمِّلةً، لعلَّك ترَجِّينَ النِّكاحَ؟ إنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتَّى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. قالتْ سُبَيْعةُ: فلما قال لى ذلك، جَمَعْتُ علىَّ ثيابِى حينَ أمْسَيْتُ، فأتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فسأَلْتُه عن ذلك، فأفْتانِى بأنِّى قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعْتُ حَمْلِى، فأمَرَنِى بالتَّزَوُّجِ (١٢) إنْ بَدَا لى. مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وقال ابنُ عبدِ الْبرِّ: هذا حديثٌ صحيحٌ، قد جاء من وُجُوهٍ شَتَّى، كلُّها ثابتةٌ، إلَّا ما رُوِىَ عن ابن عباسٍ، ورُوِىَ عن عليٍّ من وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ. ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ حامِلٌ، فتَنْقَضِى عِدّتُها بوَضْعِه كالمُطلَّقةِ، يُحَقِّقُه أنَّ العِدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لمَعْرِفةِ بَرَاءَتِها من الحملِ، وَوَضْعُه أدَلُّ الأشياءِ على البَراءةِ منه، فوَجَبَ أن تَنْقَضِىَ به (١٤) العِدَّةُ، ولأنَّه لا خِلافَ فى بَقاء العِدَّةِ ببَقاءِ الحملِ، فوَجَبَ أن تنْقَضِىَ به، كما فى حَقِّ المُطَلَّقةِ.

стр. 5767

فصل: وإذا كان الْحَمْلُ واحدًا، انْقَضتِ العِدَّةُ بوَضْعِه، وانْفِصالِ جَميعِه، وإن ظهَرَ بعضُه، فهى فى عِدَّتِها حتَّى يَنْفَصِلَ باقِيه؛ لأنَّها لا تكونُ واضعةً لحَمْلِها حتى (١٥) يَخْرُجَ كلُّه. وإن كان الحملُ اثنَيْنِ أو أكثرَ، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها إلَّا بوَضْعِ الآخِرِ؛ لأنَّ الْحَمْلَ هو الجميعُ. هذا قولُ جماعةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أبا قِلَابةَ وعِكْرِمةَ، فإنَّهما قالا: تَنْقَضِى عدَّتُها بوَضْعِ الأوَّلِ، ولا تتزَوَّجُ حتَّى تَضَعَ الآخِرَ. وذكر ابنُ أبي شَيْبةَ (١٦)، عن قَتَادةَ، عن عِكْرِمةَ، أنَّه قال: إذا وَضَعَتْ أحَدَهُما، فقد انْقَضتْ عِدَّتُها. قيل له: فتتَزَوَّجُ؟ قال: لا. قال قَتادةُ: خُصِمَ (١٧) العبدُ. وهذا قولٌ شاذٌ، يخالِفُ ظاهرَ الكِتابِ وقولَ أهلِ العلمِ، والمعنى، فإنَّ العِدَّةَ شُرِعَتْ لمعرفةِ البرَاءةِ من الْحَمْلِ، فإذا عُلِمَ وُجُودُ الحَمْلِ، فقد تُيُقِّنَ وُجُودُ المُوجِب للعِدَّةِ، وانْتَفَتِ البراءةُ المُوجِبةُ لِانْقِضائِها، ولأنَّها لو انْقَضتْ عِدّتُها بوَضْعِ الأوَّلِ، لَأُبِيحَ لها النِّكاحُ، كما لو وضَعتِ الآخِرَ. فإن وَضَعَتْ ولدًا، وشَكّتْ فى وُجُودِ ثانٍ، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها حتَّى تَزُولَ الرِّيبةُ، وتتَيَقَّنَ أنَّها لم يَبْقَ معها حَمْلٌ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها، فلا يزُولُ بالشَّكِّ. ١٣٥٢ - مسألة؛ قال: (والْحَمْلُ الَّذِى تَنْقَضِى بِهِ الْعِدَّةُ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، حُرَّةً كَانَتْ أوْ أَمَةً) وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا ألْقَتْ بعدَ فُرْقةِ زَوْجِها. شيئًا، لم يَخْلُ من خمسةِ أحْوالٍ؛ أحدها، أن تَضَعَ ما بانَ فيه خَلْقُ الآدَمِىِّ، من الرأسِ واليَدِ والرِّجْلِ، فهذا تَنْقَضِى به العِدَّةُ، بلا خلافٍ بينهم. قال ابنُ المنذر: أجْمَع كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ عِدَّةَ المرأةِ تَنْقَضِى بالسَّقْطِ إذا عُلِمَ أنَّه وَلَدٌ، وممَّن نحفظُ عنه ذلك؛ الحسنُ،

стр. 5768

وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ (١)، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ. قال الأثرمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: إذا نُكِسَ فى الخلقِ الرابعِ؟ يعنى تَنْقَضِى به العِدَّةُ. فقال: إذا نُكِسَ فى الخَلْقِ الرابعِ، فليس فيه اختلافٌ، ولكن إذا تَبَيَّنَ خَلْقُه [هذا أدَلُّ] (٢). وذلك لأنَّه إذا بان فيه شىءٌ من خَلْقِ الآدَمِىِّ، عُلِمَ أَنَّه حَمْلٌ، فيَدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). الحال الثانى، أَلْقَتْ نُطْفَةً أو دَمًا، لا تَدْرِى هل هو ما يُخْلَقُ منه الآدَمِيُّ أو لا؟ فهذا لا يتعلَّقُ به شىءٌ من الأحْكامِ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ أنَّه ولدٌ، لا بالمُشَاهَدَةِ ولا بالبَيِّنةِ. الحال الثالث، أَلْقَتْ مُضْغَةً لم تَبِنْ فيها الخِلْقةُ، فشَهِدَ ثِقاتٌ من القَوَابلِ، أنَّ فيه صُورةً خَفِيَّةً، بان بها أنَّها خِلْقةُ آدَمِىٍّ، فهذا فى حُكْمِ الحالِ الأوَّلِ، لأنَّه قد تَبَيَّنَ بشَهادَةِ أهل المَعْرِفةِ أنَّه ولدٌ. الحال الرابع، إذا أَلْقَتْ مُضْغةً لا صورةَ فيها، فشَهِدَ ثِقاتٌ من القَوابلِ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، فاخْتلَف عن أحمدَ، فنقَلَ أبو طالبٍ أنَّ عِدَّتَها لا تَنْقضِى به، ولا تَصِيرُ به أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّه لم يَبِنْ فيه خَلْقُ آدَمِىٍّ، فأشْبَهَ الدَّمَ. وقد ذكَر (٤) هذا قولًا للشافعىِّ، وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ. ونقَل الأثْرَمُ، عن أحمدَ، أنَّ عِدّتَها لا تَنْقَضِى به، ولكن تصيرُ أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّه مَشْكوكٌ فى كَوْنِه ولدًا، فلم يُحْكَمْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ المُتَيَقَّنةِ بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه، ولم يَجُزْ بَيْعُ الأمَةِ الوالدةِ له مع الشَّكِّ فى رِقِّها، فيثْبُتُ كَوْنُها أُمَّ ولدٍ احْتِياطا، ولا تَنْقَضِى العِدَّةُ احْتِياطًا. ونقل حَنْبَلٌ، أنَّها تصيرُ أُمَّ وَلَدٍ، ولم يَذْكُرِ العِدَّةَ، فقال بعضُ أصحابنا: على هذا تَنْقَضِى به العِدَّةُ. وهو قولُ الحسنِ. وظاهرُ (٥) مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّهم شَهِدُوا بأنَّه خِلْقةُ آدَمِىٍّ، أشْبَهَ ما لو تصوَّر. والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس روايةً (٦) فى العِدَّةِ، لأنَّه لم يَذْكُرْها، ولم يتَعَرَّضْ لها. الحال الخامس، أن تَضَعَ

стр. 5769

مُضْغَةً لا صُورةَ فيها، ولم تَشْهَدِ القَوابلُ بأنَّها مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، فهذا لا تَنْقَضِى به عِدَّةٌ، ولا تصيرُ به أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ كَوْنُه ولدًا ببَيِّنَةٍ ولا مُشاهدةٍ، فأشْبَهَ العَلَقةَ، ولا (٧) تَنْقَضِى العِدَّةُ بوَضْعِ ما قبلَ المُضْغةِ بحالٍ، سَواءٌ كان نُطْفةً أو عَلَقةً، وسَواءٌ قيل: أنَّه مُبْتَدأُ خلقِ آدَمِىٍّ أو لم يُقَلْ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا اذا كان عَلَقةً، فليس بشىءٍ، إنَّما هى دَمٌ، لا تَنْقَضِى به عِدَةٌ، ولا تَعْتِقُ به (٨) أمَةٌ. ولا نعلمُ مخالفًا فى هذا، إلا الحسنَ، فإنَّه قال: إذا عُلِمَ أنَّها حَمْلٌ، انْقَضتْ به (٨) العِدَّةُ، وفيه الغُرَّةُ. والأوَّلُ أصَحُّ، وعليه الجمهورُ. وأقَلُّ ما تَنْقَضِى به العِدَّةُ من الحَمْلِ، أن تَضَعَه بعدَ ثمانينَ يومًا منذُ أمْكَنَه وَطْؤُها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّ خَلْقَ أحَدِكُم لَيُجْمَعُ فى بَطْنِ أُمِّهِ، فَيَكُونُ نُطْفةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقةً مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغةً مِثْلَ ذلِكَ" (٩). ولا تَنْقَضِى العِدَّةُ بما دُون المُضْغةِ فوَجَبَ أن تكونَ بعدَ الثمانينَ، فأمَّا ما (١٠) بعدَ الأرْبعة أشْهُرٍ، فليس فيه إشْكالٌ؛ لأنَّه يُنَكَّسُ (١١) فى الخَلْقِ الرابعِ. فصل: وأقلُّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن أبي الأَسْوَدِ، أنَّه رُفِعَ إلى عمرَ، أنَّ امرأةً ولَدَتْ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَهَمَّ عمرُ بِرَجْمِها، فقال له عليٌّ: ليس لك ذلك. قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١٢).

стр. 5770

وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٣). فحَوْلانِ وسِتَّةُ أشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لا رَجْمَ عليها. فَخَلَّى عمرُ سَبِيلَها، ووَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لذلك الحَدِّ (١٤). ورَوَاه الأثْرَمُ أيضًا عن عِكْرمةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ قال ذلك. قال عاصمٌ الأحْوَلُ: فقلتُ لعِكرِمةَ: إنَّا بَلَغَنا أنَّ عَلِيًّا قال هذا (١٥). فقال عِكْرِمةُ: لا، ما قال هذا إلَّا ابنُ عباسٍ. وذكَر ابنُ قُتَيْبةَ، فى "المعارفِ" (١٦)، أنَّ عبدَ الملكِ بن مروانَ وُلِدَ لسِتَّةِ أشْهُرٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرأىِ، وغيرِهم. ١٣٥٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَلَّقهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْكِحْ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بِهِ) ظاهرُ المذهبِ أنَّ أقْصَى مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ. وبه قال الشافعىُّ، وهو المشهورُ عن مالكٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ أقْصَى مُدَّتِه سَنَتانِ. ورُوِىَ (١) ذلك عن عائشةَ. وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لما رَوَتْ جَميلةُ بنتُ سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزِيدُ المرأةُ على السَّنتَيْنِ فى الحَمْلِ (٢). ولأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يُعْلَمُ بتَوْقِيفٍ أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيفَ ههُنا ولا اتِّفاقَ، إنَّما هو على ما ذكرْنا، [وقد وُجِدَ ذلك، فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ (٣)، وهَرِمَ بن حَيَّان (٤)، حَمَلَتْ أُمُّ كلِّ واحدٍ منهما به سَنَتَيْنِ] (٥)، وقال اللَّيْثُ: أقْصاه ثلاثُ

стр. 5771

سِنِينَ، حَمَلَتْ مولاةٌ لعمرَ بن عبدِ اللَّه ثلاثَ سنِينَ. وقال عَبَّادُ بن العَوَّامِ: خَمْسُ سنينَ. وعن الزُّهْرِيِّ قال: قد تَحْمِلُ المرأةُ سِتَّ سِنِينَ وسَبْعَ سِنِينَ. وقال أبو عُبَيْدٍ: ليس لأَقْصاه وَقْتٌ يُوقَفُ عليه. ولَنا، أنَّ ما لا نَصَّ فيه (٦)، يُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ الحملُ لأَرْبَعِ (٧) سِنِينَ، فرَوَى الوليدُ بن مُسْلمٍ قال: قلتُ لمالِكِ بن أنَسٍ: حَديثُ جَميلةَ بنت سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزيدُ المرأةُ على السَّنَتينِ فى الحَمْلِ. قال مالكٌ: سُبْحانَ اللَّه، مَنْ يقولُ هذا؟ هذه جارَتُنا امرأةُ محمدِ بن عَجْلان [تَحْمِلُ أرْبَعَ سِنِينَ قبلَ أن تَلِدَ (٨). وقال الشافعىُّ: بَقِىَ محمدُ بن عَجْلان] (٩) فى بَطْنِ أُمِّه أرْبَعَ سِنِينَ (١٠). وقال أحمدُ: نِسَاءُ بنى عجْلان يَحْمِلْنَ أرْبَعَ سنينَ، وامرأةُ عَجْلانَ حَمَلَتْ ثلاثَ بُطُونٍ، كلَّ دَفْعةٍ أرْبَعَ سِنِين. وبَقِىَ محمدُ بن عبدِ اللَّه بن الحسنِ بن [الحسنِ بن عليٍّ] (١١) فى بَطْنِ أُمِّه أَرْبَعَ سِنِينَ. وهكذا إبراهيمُ بن نَجِيحٍ العُقَيْلِىُّ، حَكَى ذلك أبو الخَطَّابِ. وإذا تَقَرّرَ وُجُودُه، وَجَبَ أن يُحْكَمَ به، ولا يُزَادَ عليه؛ لأنَّه ما وُجِدَ، ولأنَّ عمرَ ضَربَ لامرأةِ المَفْقُودِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولم يكن (١٢) ذلك إلَّا لأنَّه غايةُ الحَمْلِ، ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وغيرِهما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المرأةَ إذا وَلَدَتْ لأَرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَ، من يَوْمِ مَوْتِ (١٣) الزَّوْجِ أو طَلَاقِه، ولم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ، ولا وُطِئَتْ، ولا انْقَضَتْ عِدَّتُها بالقُرُوءِ، ولا بوَضْعِ الحَمْلِ، فإنَّ الوَلَدَ لاحِقٌ (١٤) بالزَّوجِ، وعِدَّتُها مُنْقَضِيةٌ به.

стр. 5772

فصل: وإن أتَتْ بالولدِ [بعدَ أَرْبَعِ] (١٥) سِنِينَ منذُ مات، أو بانَتْ منه بطَلاقٍ أو فَسْخٍ أو انْقِضاءِ عِدّتِها إن كانت رَجْعِيّةً، لم يَلْحَقْه وَلَدُها؛ لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّها عَلِقتْ به بعدَ زَوَالِ النكاحِ، والبَيْنُونةِ منه، وكَوْنِها قد صارَتْ منه أجْنَبِيَّةً، فأشْبَهتْ سائرَ الأجْنَبِيَّاتِ. ومفهومُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ عِدّتَها لا تَنْقَضِى به؛ لأنَّه (١٦) يَنْتَفِى عنه بغيرِ لِعَانٍ، فلم تَنْقَضِ عِدّتُها منه بوَضْعِه، كما لو أتَتْ به لأقلَّ من سِتّةِ أشْهُرٍ منذُ نَكَحَها. وقال (١٧) أبو الخَطَّابِ: هل تَنْقَضِى به العِدَّةُ؟ على وَجْهَيْنِ. وذكر القاضى أنَّ عِدّتَها تَنْقَضِى به، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وَلَدٌ يُمْكِنُ أن يكونَ منه بعدَ نِكاحِه، بأن يكونَ قد وَطِئَها بشُبْهةٍ، أو جَدَّدَ نِكاحَها، فوَجَبَ أن تَنْقَضِىَ به العِدَّةُ، وإن لم يلْحَقْ به، كالوَلَدِ المَنْفِىِّ باللِّعانِ، وبهذا فارَقَ الذى أتَتْ به لأقلَّ من سِتّةِ أشْهُرٍ، فإنَّه يَنْتَفِى عنه يَقِينًا. ثم ناقَضُوا قولَهم، فقالوا: لو تَزَوَّجَتْ فى عِدَّتِها، وأتَتْ بولدٍ لأقلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينَ دَخَلَ بها الثانى، ولأكْثرَ أَرْبَعِ سِنِينَ من حِينَ بانَتْ من الأوَّلِ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عنهما، ولا تَنْقَضِى عِدَّتُها بوَضْعِه عن واحدٍ منهما. وهذا أصَحُّ؛ فإنَّ احْتمالَ كَوْنِه منه، لم يَكْفِ فى إثْباتِ نَسَبِ الوَلَدِ منه، مع أنَّه يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الإِمْكانِ، فلَأَنْ لا يكْفِى فى انْقِضاءِ العِدَّة أَوْلَى وأحْرَى. وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما سَلَّمُوه. وما ذكَرُوه من الفَرْقِ بين هذا وبين الذى أتَتْ به قبلَ (١٨) سِتَّةِ أشْهُرٍ غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أصابَها قبلَ نِكاحِها بشُبْهةٍ، أو بنكاحٍ غيرِ هذا النكاحِ الذى أَتَتْ بالولدِ فيه، فاسْتَوَيا. وأما المَنْفِىُّ باللِّعانِ فإنَّا نَفَيْنا الوَلَدَ عن الزَّوجِ بالنِّسْبةِ إليه، ونَفَيْنا حُكْمَه فى (١٩) كَوْنِه منه بالنِّسْبةِ إليها، حتى أوْجَبْنَا الحَدَّ على قاذِفِها وقاذِف وَلَدِها، وانْقِضاءُ عِدَّتِها من الأحْكامِ المُتعلِّقةِ بها دُونَه، فثَبَتَتْ (٢٠).

стр. 5773

فصل: وإن أقَرَّتِ المرأةُ بانْقِضاءِ عِدَّتِها بالقُرُوءِ، ثم أتَتْ بولدٍ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا من بعدِ انْقِضائِها، لم يَلْحَقْ نَسَبُه بالزَّوْجِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وابن سُرَيْجٍ وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يَلْحَقُ به، ما لم تتزَوَّجْ، أو يبْلُغْ أَرْبَعَ سِنِين. وكلام الخِرَقِىِّ يَحْتَمِلُ ذلك؛ فإنَّه أطْلَقَ قَوْلَه: إذا أَتَتْ بوَلَدٍ بعدَ طَلاقِه أو مَوْتِه بأرْبعِ سنين لَحِقَه الولدُ؛ وذلك لأنَّه وَلَدٌ يُمْكِنُ كَوْنُه منه، وليس معه مَنْ هو أَوْلَى منه، ولا مَنْ يُساوِيه، فوَجَبَ أن يلْحَقَ به، كما لو أَتَتْ به بعدَ عَقْدِ النكاحِ. ولَنا، أنَّها أتَتْ به بعدَ الحُكْمِ بقَضاءِ عِدَّتِها، وحِلِّ النكاحِ لها بمُدَّةِ (٢١) الحَمْلِ، فلم يلْحَقْ به، كما لو أَتَتْ به بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بوَضْعِ حَمْلِها لمُدَّةِ الحَمْلِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الإِمْكانُ مع بَقَاءِ النكاحِ أو آثارِه، وقد زال ذلك. وإن انْقَضَتْ عِدَّتُها (٢٢) بالشُّهورِ، ثم أتَتْ بولدٍ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَه نَسَبُه؛ لأنَّها إن (٢٣) كانت تَدَّعِى الإِيَاسَ، تبيَّنَّا كَذِبَها، فإنَّ مَنْ تَحْمِلُ لَيست بآيِسَةٍ، وإن كانتْ من اللَّائِى لم يَحِضْنَ، أو مُتَوَفًّى عنها، لَحِقَه وَلَدُها؛ لأنَّه لم يُوجَدْ فى حَقِّها ما يُنافِى كَوْنَها حامِلًا. فصل: وإذا مات الصغيرُ الذى لا يُولَدُ لمِثْلِه عن زَوْجَتِه، فأتَتْ بوَلَدٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم تَنْقَضِ العِدَّةُ بوَضْعِه، وتَعْتَدُّ (٢٤) بالأَشْهُرِ (٢٥). وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حَنِيفة: إن مات وبها حَمْلٌ ظاهرٌ، اعْتَدَّتْ عنه بالوَضْعِ، وإن ظَهَرَ الحملُ بها بعد مَوْتِه، لم تَعْتَدَّ به. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى الصِّبِىِّ مثلُ قولِ أَبِى حنيفةَ. وذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى، قال أبو الخطاب: وفيه بُعْدٌ. وهكذا الخِلافُ فيما إذا تَزَوَّجَ بامرأةٍ، ودَخَلَ بها، وأتَتْ بولدٍ لدُون (٢٦) سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ عَقْدِ النِّكاحِ، فإنَّها لا تَعْتَدُّ بوَضْعِه

стр. 5774

عندَنا، وعندَه تَعْتَدُّ به، واحْتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولَنا، أنَّ هذا حملٌ مَنْفِيٌّ عنه يَقِينًا، فلم تَعْتَدَّ بوَضْعِه، كما لو ظَهَرَ بعدَ مَوْتِه، والآيةُ واردةٌ في المُطَلَّقاتِ، ثم هى مَخْصُوصةٌ بالقِياسِ الذى ذكرْناه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِى بوَضْعِ الحَمْلِ من الوَطْءِ الذى عَلِقَتْ به منه، سواءٌ كان هذا الوَلَدُ مُلْحَقًا بغيرِ الصَّغيرِ، مثل أن يكونَ من عَقدٍ فاسدٍ، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، أو كان من زِنًى لا يَلْحَقُ بأحدٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ تجبُ من كلِّ وَطْءٍ، فإذا وَضَعَتْه اعْتَدَّتْ من الصَّبِىِّ بأرْبَعةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ؛ لأنَّ العِدَّتَيْنِ من رَجُلَيْنِ لا يَتَداخَلَان. وإن كانت الفُرْقةُ فى الحياةِ بعدَ الدُّخُولِ، كزَوْجةِ كبيرٍ دَخَلَ بها، ثم طَلَّقهَا، وأتَتْ بولدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تزَوَّجَها، فإنَّها تعْتدُّ بعدَ وَضْعِه بثلاثةِ قُرُوءٍ. وكذلك إذا طَلَّقَ الخَصِىُّ المَجْبُوبُ امْرأتَه، أو مات عنها، فأتَتْ بولدٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم تَنْقَضِ عِدَّتُها بِوَضْعِه، وتَنْقَضِى به عِدَّةُ الوَطْءِ، ثم تسْتأنِفُ عِدَّةَ الطلاقِ، أو عِدَّةَ الوَفاةِ، على ما بيَّنَّاه. وذكر القاضى أنَّ ظاهرَ (٢٧) كلامِ أحمدَ، أنَّ الوَلَدَ يَلْحَقُ به؛ لأنَّه قد يُتَصَوَّرُ منه الإِنْزالُ، بأن يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِه بفَرْجِها فيُنْزِلَ. فعلى هذا القولِ يَلْحَقُ به؛ الولدُ، وَتَنْقَضِى به العِدَّةُ. والصحيحُ أنَّ هذا لا يَلْحَقُ به ولدٌ؛ لأنَّه لم تَجْرِ به عادَةٌ، فلا يَلْحَقُ به ولَدُها، كالصَّبِىِّ الذى لم يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ. ولو تَزَوَّجَ امرأةً فى مَجْلسِ الحاكمِ، ثم طَلَّقَها فى المجلسِ، [أو تزَوّجَ المَشْرِقِىُّ بالمَغْرِبِيَّةِ، ثم أتَتْ بوَلَدٍ لا يُمْكِنُ أن يكونَ منه بعدَ اجْتِماعِهِما بمُدَّةِ الحَمْلِ] (٢٨)، فإنَّه لا يَلْحَقُه نَسَبُه، ولا تَنْقَضِى العِدَّةُ بوَضْعِه. ١٣٥٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَلَّقهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الأوَّلِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِى)

стр. 5775

وجملةُ الأمْرِ أنَّ المُعْتَدَّةَ لا يجوزُ لها أن تنْكِحَ فى عِدَّتِها، إجماعًا، أىَّ عِدَّةٍ كانتْ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١). ولأنَّ العِدَّةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لمَعْرِفةِ بَراءةِ الرَّحِمِ، لئَلَّا يُفْضِىَ إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، وامْتِزَاجِ الأَنْسابِ. وإن تَزَوَّجَتْ، فالنِّكاحُ باطِلٌ؛ لأنَّها مَمْنُوعةٌ من النكاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الأَوَّل، فكان نِكاحًا (٢) باطِلًا، كما لو تزَوَّجَتْ وهى فى نِكاحهِ، ويَجِبُ أن يُفَرَّقَ بينَه وبينَها، فإن لم يَدْخُلْ بها، فالعِدَّةُ بحالِها، ولا تَنْقَطِعُ بالعَقْد الثاني؛ لأنَّه باطلٌ لا تَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، ولا يُسْتَحَقُّ عليه بالعَقْدِ شيءٌ، وَتَسْقُطُ (٣) سُكْناها ونَفَقَتُها عن الزَّوْجِ الأوَّلِ؛ لأنَّها ناشِزٌ. وإن وَطِئَها، انَقطَعتِ العِدَّةُ، سَواءٌ عَلِمَ التَّحْريمَ أو جَهِلَه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَنْقَطِعُ؛ لأنَّ كَوْنَها فراشًا لغيرِ مَنْ له العِدَّةُ لا يَمْنَعُها، كما لو وُطِئَتْ بشُبْهةٍ (٤) وهى زَوْجَةٌ، فإنَّها تَعْتَدُّ، وإن كانت فِراشًا للزوجِ. وقال الشافعىُّ (٥): إن وَطِئَها عالمًا بأنَّها مُعْتَدَّةٌ، وأنَّها (٦) تَحْرُمُ، فهو زَانٍ، فلا تَنْقَطِعُ العِدَّةُ بوَطْئِه؛ لأنَّها لا تَصِيرُ به فِراشًا، [ولا يَلْحَقُ به نَسَبٌ، وإن كان جاهلًا أنَّها مُعْتَدَّةٌ، أو بالتَّحْريمِ، انْقطَعتِ العِدَّةُ بالوَطْءِ؛ لأنَّها تصيرُ به فِراشًا] (٧)، والعِدَّةُ تُرادُ للاسْتِبراءِ، وكونُها فِراشًا يُنافِى ذلك، فوَجَبَ أن يَقْطَعَها، فأمَّا طَرَيانُه عليها، فلا يَجُوزُ. ولَنا، أنَّ هذا وَطْءٌ بشُبْهةِ نِكاحٍ، فتَنْقَطِعُ به العِدَّةُ، كما لو جَهِلَ وقولُهم: إنَّها لا تصيرُ به (٨) فِراشًا. قُلْنا: لكنَّه لا يَلْحَقُ نَسَبُ الوَلَدِ الحادِثِ من وَطْئِه بالزَّوجِ الأَوَّلِ، فهما شَيْئان. إذا ثَبَتَ هذا، فعليه فِرَاقُها، فإن لم يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْريقُ بينهما، فإن فارَقَها أو فُرِّقَ بينهما، وَجَبَ عليها

стр. 5776

أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، وعِدَّته وَجَبَتْ عن وَطْءٍ فى نكاحٍ صحيحٍ، فإذا أكْمَلتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، وَجَبَ عليها أن تَعْتَدَّ من الثانى، ولا تتَداخَلُ العِدَّتانِ؛ لأنَّهما من رَجُلَيْنِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يتداخَلانِ، فتَأْتِى بثَلاثةِ قُرُوءٍ بعدَ مُفارَقةِ الثانى، تكونُ عن بَقيَّةِ عِدَّةِ الأوَّلِ وعِدَّةً لِلثانى (٩)؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ، وهذا تَحْصُلُ به بَراءةُ الرَّحِمِ منهما (١٠) جميعًا. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ (١١)، عن ابن شِهَابٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وسليمانَ بن يَسَارٍ، أن طُلَيْحةَ كانت تحتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِىِّ، فطَلَّقهَا، ونَكحَتْ (١٢) غيرَه فى عِدَّتِها، فضَرَبها عمرُ بن الخطَّاب، وضَرَبَ زَوْجَها ضَرَباتٍ بمِخْفَقَةٍ، وفَرَّقَ بينهما. ثم قال: أيُّما امْرأةٍ نَكَحَتْ فى عِدَّتِها، فإن كان زَوْجُها الذى تَزَوَّجَها لم يَدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بَقيَّةَ عِدَّتِها من زَوْجِها الأوَّل، وكان خاطِبًا من الخُطَّابِ، وإن كان دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بقِيَّةَ عِدَّتِها من الأوَّل، ثم اعْتَدَّتْ من الآخِرِ، ولا يَنْكِحُها أبدًا. ورَوَى، بإسْنادِه عن عليٍّ أنَّه قَضَى فى التى تَزَوَّجُ فى عِدَّتِها، أنَّه يُفَرَّقُ بينهما، ولها الصَّداقُ بما اسْتَحَلَّ من فَرْجِها، وتُكْمِلُ ما أَفْسَدَتْ من عِدَّةِ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ من الآخِرِ (١٣)، وهذان قَوْلَا سَيِّدَيْنِ من الخُلَفاءِ (١٤)، لم يُعْرَفْ لهما فى الصَّحابةِ مُخالِفٌ، ولأنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودانِ لآدَمِيَّيْنِ، فلم يتَداخَلَا، كالدَّيْنَيْنِ واليَمِينَيْنِ، ولأنَّه حَبْسٌ يَسْتَحِقُّه الرِّجالُ

стр. 5777

على النِّساءِ، فلم يَجُزْ أن تكونَ المرأةُ فى حَبْسِ رَجُلَيْنِ كحَبْسِ الزَّوْجِيَّةِ (١٥). ١٣٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ أنْ يَنْكِحَها بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ) يعنى للزَّوْجِ الثاني أن يتزَوَّجَها بعدَ انْقِضَاءِ (١) العِدَّتَيْنِ. فأمَّا الزَّوجُ الأوَّلُ، فإن كان طَلَاقُه ثلاثًا، لم تَحِلَّ له بهذا النكاحِ وإن وَطِيءَ فيه؛ لأنَّه نِكاحٌ باطلٌ، وإن كان طَلاقُه دُونَ الثَّلاثِ، فله نِكاحُها أيضًا بعدَ العِدَّتَيْنِ. وإن كانتْ رَجْعِيَّةً، فله رَجْعَتُها فى عِدَّتِها منه. وعن أحمدَ روايةٌ أخْرَى، أنَّها تَحْرُمُ على الزَّوْجِ الثانى على التَّأْبِيدِ. وهو قولُ مالكٍ، وقَدِيمُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لقولِ عمرَ: لَا يَنْكِحُها أبدًا (٢). ولأنَّه اسْتَعْجَلَ الحَقَّ قبل وَقْتِه (٣)، فحُرِمَه فى وَقْتِه، كالوارِثِ إذا قَتَلَ مُوَرِّثَه، ولأنَّه يُفْسِدُ النَّسَبَ، فيُوقِعُ التَّحْرِيمَ المُؤَبَّدَ، كاللِّعانِ. وقال الشافعىُّ فى الجَديدِ: له نِكاحُها بعدَ قضاءِ (٤) عِدَّةِ الأوَّلِ، ولا يُمْنَعُ من نِكاحِها فى عِدَّتِها منه؛ لأنَّه (٥) وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، [فلا يَمْنَعُ] (٦) من نِكاحِها فى عِدَّتِها منه، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ، ولأنَّ العِدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ حِفْظًا للنَّسَبِ، وصيانةً للماءِ، والنَّسَبُ لاحِقٌ به ههُنا، فأشْبَهَ ما لو خالَعَها ثم نَكَحَها فى عِدَّتِها، وهذا حَسَنٌ (٧) مُوافِقٌ للنَّظَرِ. ولَنا، على إباحَتِها بعدَ العِدَّتَيْنِ، أنَّهُ لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ تَحْرِيمُها (٨) بالعَقْدِ، أو بالوَطْءِ فى النكاحِ الفاسِدِ، أو بهما، وجميعُ ذلك لا يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، بدليلِ ما لو نَكَحَها بلا وَلِىٍّ ووَطِئها، ولأنَّه لو زَنَى بها، لم تَحْرُمْ

стр. 5778

عليه على التَّأْبِيدِ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ آياتِ الإِباحةِ عامَّةٌ، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٩). وقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١٠). فلا يجوزُ تَخْصِيصُها بغيرِ دليلٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ فى تَحْرِيمها، فقد خالَفَه عليٌّ فيه، ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه رَجَعَ عن قولهِ فى التَّحْرِيمِ إلى قولِ عليٍّ، فإنَّ عَلِيًّا قال: إذا انْقَضَتْ عِدّتُها، فهو خاطِبٌ من الخُطَّابِ. فقال عمرُ: رُدُّوا الْجَهالاتِ إلى السُّنَّةِ. ورَجَعَ إلى قولِ عليٍّ (١١). وقِياسُهُم يَبْطُلُ بما إذا زَنَى بها، فإنَّه قد اسْتَعْجَلَ وَطْأهَا، ولا تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ. وَوَجْهُ تحرِيمِها (١٢) قبلَ انْقِضاءِ (١٣) عِدَّةِ الثانى عليه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١٤). ولأنَّه وَطْءٌ يَفْسُدُ به النَّسَبُ، فلم يَجُز النِّكاحُ فى العِدَّةِ منه، كوَطْءِ الأجْنَبِىِّ. فصل: وكلُّ مُعْتَدَّةٍ من غيرِ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، كالزَّانيةِ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ، أو فى نكاحٍ فاسِدٍ، فقِياسُ المذهبِ تحْريمُ نِكاحِها على الواطىءِ وغيرِه. والأَوْلَى حِلُّ نِكاحِها لمَنْ هى مُعْتَدَّةٌ منه، إن كان يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؛ لأنَّ العِدَّةَ لحِفْظِ مائِه، وصِيانةِ نَسَبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحَرَّمُ (١٥) عن مائِه المُحْتَرَمِ، ولا يُحْفَظُ نَسَبُه عنه، ولذلك أُبِيحَ للمُخْتَلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَنْ لا يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها كالزَّانِيَةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُها؛ لأنَّ نِكاحَها يُفْضِى إلى اشْتِباه النَّسَبِ، فالواطئُ كغيرِه، في أنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُ نَسَبُه بواحدٍ منهما.

стр. 5779

١٣٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، أُرِىَ الْقَافَةَ، وأُلْحِقَ بِمَنْ ألْحَقُوهُ مِنْهُمَا، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنْهُ، واعْتَدّتْ لِلآخَرِ) وجملتُه أنَّها إذا كانت حاملًا، انْقَضتْ عِدّتُها منه (١) بوَضْعِ حَمْلِها؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). ثم نَنْظُرُ؛ فإن كان يُمْكِنُ أنْ يكونَ من الأَوَّلِ دون الثاني، وهو أن تَأْتِىَ به لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْءِ الثاني، وأَرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَها من فِرَاقِ الأوَّلِ، فإنَّه يَلْحَقُ بالأَوَّلِ، وتَنْقَضِى عِدَّتُها (٣) منه بوَضْعِه، ثم تَعْتَدُّ بثلاثةِ قُرُوءٍ عن الثانى. وإن أمْكَنَ كَوْنُه من الثاني وَحْدَهُ (٤) دونَ الأوَّلِ، وهو أن تَأْتِىَ به لِستَّةِ أشْهُرٍ فما زاد إلى أرْبعِ سِنِينَ من وَطْءِ الثاني، ولأَكثرَ من أرْبَعِ سِنِينَ منذُ بانَتْ من الأوَّلِ، فهو مُلْحَقٌ (٥) بالثاني دُونَ الأوَّلِ، فتَنْقَضِى به عِدَّتُها من الثاني، ثم تُتِمُّ عِدَّةَ الأوَّلِ. وتُقدَّمُ عِدَّةُ الثانى ههُنا على عِدَّةِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ الحملُ من إنسانٍ والعِدَّةُ من غيرِه. وإن أمْكَنَ أن يكونَ منهما، وهو أن تأتِىَ به لِستَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا من وَطْءِ الثاني، ولأرْبَعِ سِنِينَ، فما دُونَها من بَيْنُونَتِها من الأوَّلِ، أُرِىَ الْقافةَ، فإن ألْحَقَتْه (٦) بالأوَّلِ، لَحِقَ به، كما لو أمْكَنَ أن يكونَ منه دُونَ الثاني، وإنْ ألْحَقَتْه بالثاني، لَحِقَ به، وكان الحُكْمُ كما لو أمْكَنَ كَوْنُه من الثاني دُون الأوَّلِ. وإن (٧) أَشْكَلَ أَمْرُه على اْلقافَةِ، أو لم تكُنْ قَافةٌ، لَزِمَها أن تَعْتَدَّ بعدَ وَضْعِه بثلاثةِ قُرُوءٍ؛ لأنَّه إن كان من الأوَّلِ، فقد أَتَتْ بما عليها من عِدَّةِ الثاني، وإن كان من الثاني، فعليها أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ، ليَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقينٍ. فأمَّا الولدُ، فقال أبو بكر: يَضِيعُ نَسَبُه؛

стр. 5780

لأنَّه لا دَلِيلَ على نِسْبَتِه إلى واحدٍ منهما، فأشْبَهَ ما لو كان مَجْنُونًا، لم يَنْتَسِبْ إلى واحدٍ منهما. وقال أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ: يُتْرَكُ حتَّى يَبْلُغَ، فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما، وإن ألْحَقَتْه القافةُ بهما، لَحِقَ بهما. ومُقْتَضَى المذهبِ أن تَنْقَضِىَ عِدّتُها به منهما جميعًا؛ لأنَّ نَسَبَه ثَبَتَ منهما، كما تَنْقَضِى عِدَّتُها به من الواحدِ الذى يَثْبُتُ نَسَبُه منهما. وإن نَفَتْه القافةُ عنهما، فحُكْمُه حُكْم ما لو أشْكلَ أمرُه، وتَعْتَدُّ بعدَ وَضْعِه بثلاثِ قُرُوءٍ، ولا يَنْتَفِى عنهما بقَوْلِ الْقافةِ؛ لأنَّ عملَ الْقافةِ فى ترْجِيحِ أحدِ صاحِبَىِ الْفِرَاشِ لا فى النَّفْى عن الفِرَاشِ كلِّه، ولهذا لو كان صاحبُ الفِرَاشِ واحدًا فنَفَتْه (٨) القافةُ عنه، لم يَنْتَفِ عنه بقولِها. فأمَّا إن ولَدَتْ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْءِ الثانى، ولأكْثرَ من أرْبَعِ سِنِينَ من فِرَاقِ الأوَّلِ، لم يَلْحَقْ بواحدٍ منهما، ولا تَنْقَضِى به عِدَّتُها منه، لأنَّنا نعلمُ أنَّه من وَطْءِ آخرَ، فتَنْقَضِى به عِدّتُها من ذلك الوَطْءِ، ثم تُتِمُّ (٩) عِدَّةَ الأوَّلِ، وتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الثانى؛ لأنَّه قد وُجِدَ ما يقْتَضِى عِدَّةً ثالثةً، وهو الوَطْءُ الذى حَمَلَتْ منه، فتجِبُ عليها عِدَّتانِ، وإتمامُ العِدَّةِ الأُولَى. فصل: وإذا تزَوَّجَ مُعْتَدّةً، وهما عالمانِ بالعِدَّةِ، وَتَحْريمِ النكاحِ فيها، ووَطِئها، فهما زِانِيَان، عليهما حَدُّ الزِّنَى، ولا مَهْرَ لها، ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ. وإن كانا جاهِلَيْنِ بالعِدَّةِ، أو بالتَّحْريمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وانْتَفَى الحَدُّ، ووَجَب المهرُ. وإن عَلِمَ هو دُونَها، فعليه الْحَدُّ والمَهْرُ، ولا نَسَبَ له. وإن عَلِمَتْ هى دُونَه، فعليها الْحَدُّ، ولا مَهْرَ لها، والنَّسَبُ لاحِقٌ به. وإنَّما (١٠) كان كذلك؛ لأنَّ هذا نكاحٌ (١١) مُتَّفَقٌ على بُطْلانِه، فأشْبَهَ نكاحَ ذَواتِ مَحارِمِه. فصل: وإذا خالَعَ الرجلُ زَوْجَتَه، أو فَسَخَ نِكاحَه، فله أن يتَزَوَّجَها فى عِدَّتِها. فى قولِ جُمْهورِ الفقهاءِ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ،
следующие страницы →