← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، وعِدَّته وَجَبَتْ عن وَطْءٍ فى نكاحٍ صحيحٍ، فإذا أكْمَلتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، وَجَبَ عليها أن تَعْتَدَّ من الثانى، ولا تتَداخَلُ العِدَّتانِ؛ لأنَّهما من رَجُلَيْنِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يتداخَلانِ، فتَأْتِى بثَلاثةِ قُرُوءٍ بعدَ مُفارَقةِ الثانى، تكونُ عن بَقيَّةِ عِدَّةِ الأوَّلِ وعِدَّةً لِلثانى (٩)؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ، وهذا تَحْصُلُ به بَراءةُ الرَّحِمِ منهما (١٠) جميعًا. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ (١١)، عن ابن شِهَابٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وسليمانَ بن يَسَارٍ، أن طُلَيْحةَ كانت تحتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِىِّ، فطَلَّقهَا، ونَكحَتْ (١٢) غيرَه فى عِدَّتِها، فضَرَبها عمرُ بن الخطَّاب، وضَرَبَ زَوْجَها ضَرَباتٍ بمِخْفَقَةٍ، وفَرَّقَ بينهما. ثم قال: أيُّما امْرأةٍ نَكَحَتْ فى عِدَّتِها، فإن كان زَوْجُها الذى تَزَوَّجَها لم يَدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بَقيَّةَ عِدَّتِها من زَوْجِها الأوَّل، وكان خاطِبًا من الخُطَّابِ، وإن كان دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينهما، ثم اعْتَدَّتْ بقِيَّةَ عِدَّتِها من الأوَّل، ثم اعْتَدَّتْ من الآخِرِ، ولا يَنْكِحُها أبدًا. ورَوَى، بإسْنادِه عن عليٍّ أنَّه قَضَى فى التى تَزَوَّجُ فى عِدَّتِها، أنَّه يُفَرَّقُ بينهما، ولها الصَّداقُ بما اسْتَحَلَّ من فَرْجِها، وتُكْمِلُ ما أَفْسَدَتْ من عِدَّةِ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ من الآخِرِ (١٣)، وهذان قَوْلَا سَيِّدَيْنِ من الخُلَفاءِ (١٤)، لم يُعْرَفْ لهما فى الصَّحابةِ مُخالِفٌ، ولأنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودانِ لآدَمِيَّيْنِ، فلم يتَداخَلَا، كالدَّيْنَيْنِ واليَمِينَيْنِ، ولأنَّه حَبْسٌ يَسْتَحِقُّه الرِّجالُ

стр. 5777

على النِّساءِ، فلم يَجُزْ أن تكونَ المرأةُ فى حَبْسِ رَجُلَيْنِ كحَبْسِ الزَّوْجِيَّةِ (١٥). ١٣٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ أنْ يَنْكِحَها بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ) يعنى للزَّوْجِ الثاني أن يتزَوَّجَها بعدَ انْقِضَاءِ (١) العِدَّتَيْنِ. فأمَّا الزَّوجُ الأوَّلُ، فإن كان طَلَاقُه ثلاثًا، لم تَحِلَّ له بهذا النكاحِ وإن وَطِيءَ فيه؛ لأنَّه نِكاحٌ باطلٌ، وإن كان طَلاقُه دُونَ الثَّلاثِ، فله نِكاحُها أيضًا بعدَ العِدَّتَيْنِ. وإن كانتْ رَجْعِيَّةً، فله رَجْعَتُها فى عِدَّتِها منه. وعن أحمدَ روايةٌ أخْرَى، أنَّها تَحْرُمُ على الزَّوْجِ الثانى على التَّأْبِيدِ. وهو قولُ مالكٍ، وقَدِيمُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لقولِ عمرَ: لَا يَنْكِحُها أبدًا (٢). ولأنَّه اسْتَعْجَلَ الحَقَّ قبل وَقْتِه (٣)، فحُرِمَه فى وَقْتِه، كالوارِثِ إذا قَتَلَ مُوَرِّثَه، ولأنَّه يُفْسِدُ النَّسَبَ، فيُوقِعُ التَّحْرِيمَ المُؤَبَّدَ، كاللِّعانِ. وقال الشافعىُّ فى الجَديدِ: له نِكاحُها بعدَ قضاءِ (٤) عِدَّةِ الأوَّلِ، ولا يُمْنَعُ من نِكاحِها فى عِدَّتِها منه؛ لأنَّه (٥) وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، [فلا يَمْنَعُ] (٦) من نِكاحِها فى عِدَّتِها منه، كالوَطْءِ فى النِّكاحِ، ولأنَّ العِدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ حِفْظًا للنَّسَبِ، وصيانةً للماءِ، والنَّسَبُ لاحِقٌ به ههُنا، فأشْبَهَ ما لو خالَعَها ثم نَكَحَها فى عِدَّتِها، وهذا حَسَنٌ (٧) مُوافِقٌ للنَّظَرِ. ولَنا، على إباحَتِها بعدَ العِدَّتَيْنِ، أنَّهُ لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ تَحْرِيمُها (٨) بالعَقْدِ، أو بالوَطْءِ فى النكاحِ الفاسِدِ، أو بهما، وجميعُ ذلك لا يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، بدليلِ ما لو نَكَحَها بلا وَلِىٍّ ووَطِئها، ولأنَّه لو زَنَى بها، لم تَحْرُمْ

стр. 5778

عليه على التَّأْبِيدِ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ آياتِ الإِباحةِ عامَّةٌ، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٩). وقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١٠). فلا يجوزُ تَخْصِيصُها بغيرِ دليلٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ فى تَحْرِيمها، فقد خالَفَه عليٌّ فيه، ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه رَجَعَ عن قولهِ فى التَّحْرِيمِ إلى قولِ عليٍّ، فإنَّ عَلِيًّا قال: إذا انْقَضَتْ عِدّتُها، فهو خاطِبٌ من الخُطَّابِ. فقال عمرُ: رُدُّوا الْجَهالاتِ إلى السُّنَّةِ. ورَجَعَ إلى قولِ عليٍّ (١١). وقِياسُهُم يَبْطُلُ بما إذا زَنَى بها، فإنَّه قد اسْتَعْجَلَ وَطْأهَا، ولا تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ. وَوَجْهُ تحرِيمِها (١٢) قبلَ انْقِضاءِ (١٣) عِدَّةِ الثانى عليه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١٤). ولأنَّه وَطْءٌ يَفْسُدُ به النَّسَبُ، فلم يَجُز النِّكاحُ فى العِدَّةِ منه، كوَطْءِ الأجْنَبِىِّ. فصل: وكلُّ مُعْتَدَّةٍ من غيرِ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، كالزَّانيةِ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ، أو فى نكاحٍ فاسِدٍ، فقِياسُ المذهبِ تحْريمُ نِكاحِها على الواطىءِ وغيرِه. والأَوْلَى حِلُّ نِكاحِها لمَنْ هى مُعْتَدَّةٌ منه، إن كان يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؛ لأنَّ العِدَّةَ لحِفْظِ مائِه، وصِيانةِ نَسَبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحَرَّمُ (١٥) عن مائِه المُحْتَرَمِ، ولا يُحْفَظُ نَسَبُه عنه، ولذلك أُبِيحَ للمُخْتَلعةِ نكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَنْ لا يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها كالزَّانِيَةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُها؛ لأنَّ نِكاحَها يُفْضِى إلى اشْتِباه النَّسَبِ، فالواطئُ كغيرِه، في أنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُ نَسَبُه بواحدٍ منهما.

стр. 5779

١٣٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، أُرِىَ الْقَافَةَ، وأُلْحِقَ بِمَنْ ألْحَقُوهُ مِنْهُمَا، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنْهُ، واعْتَدّتْ لِلآخَرِ) وجملتُه أنَّها إذا كانت حاملًا، انْقَضتْ عِدّتُها منه (١) بوَضْعِ حَمْلِها؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). ثم نَنْظُرُ؛ فإن كان يُمْكِنُ أنْ يكونَ من الأَوَّلِ دون الثاني، وهو أن تَأْتِىَ به لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْءِ الثاني، وأَرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَها من فِرَاقِ الأوَّلِ، فإنَّه يَلْحَقُ بالأَوَّلِ، وتَنْقَضِى عِدَّتُها (٣) منه بوَضْعِه، ثم تَعْتَدُّ بثلاثةِ قُرُوءٍ عن الثانى. وإن أمْكَنَ كَوْنُه من الثاني وَحْدَهُ (٤) دونَ الأوَّلِ، وهو أن تَأْتِىَ به لِستَّةِ أشْهُرٍ فما زاد إلى أرْبعِ سِنِينَ من وَطْءِ الثاني، ولأَكثرَ من أرْبَعِ سِنِينَ منذُ بانَتْ من الأوَّلِ، فهو مُلْحَقٌ (٥) بالثاني دُونَ الأوَّلِ، فتَنْقَضِى به عِدَّتُها من الثاني، ثم تُتِمُّ عِدَّةَ الأوَّلِ. وتُقدَّمُ عِدَّةُ الثانى ههُنا على عِدَّةِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ الحملُ من إنسانٍ والعِدَّةُ من غيرِه. وإن أمْكَنَ أن يكونَ منهما، وهو أن تأتِىَ به لِستَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا من وَطْءِ الثاني، ولأرْبَعِ سِنِينَ، فما دُونَها من بَيْنُونَتِها من الأوَّلِ، أُرِىَ الْقافةَ، فإن ألْحَقَتْه (٦) بالأوَّلِ، لَحِقَ به، كما لو أمْكَنَ أن يكونَ منه دُونَ الثاني، وإنْ ألْحَقَتْه بالثاني، لَحِقَ به، وكان الحُكْمُ كما لو أمْكَنَ كَوْنُه من الثاني دُون الأوَّلِ. وإن (٧) أَشْكَلَ أَمْرُه على اْلقافَةِ، أو لم تكُنْ قَافةٌ، لَزِمَها أن تَعْتَدَّ بعدَ وَضْعِه بثلاثةِ قُرُوءٍ؛ لأنَّه إن كان من الأوَّلِ، فقد أَتَتْ بما عليها من عِدَّةِ الثاني، وإن كان من الثاني، فعليها أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ، ليَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقينٍ. فأمَّا الولدُ، فقال أبو بكر: يَضِيعُ نَسَبُه؛

стр. 5780

لأنَّه لا دَلِيلَ على نِسْبَتِه إلى واحدٍ منهما، فأشْبَهَ ما لو كان مَجْنُونًا، لم يَنْتَسِبْ إلى واحدٍ منهما. وقال أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ: يُتْرَكُ حتَّى يَبْلُغَ، فيَنْتَسِبَ إلى أحدِهما، وإن ألْحَقَتْه القافةُ بهما، لَحِقَ بهما. ومُقْتَضَى المذهبِ أن تَنْقَضِىَ عِدّتُها به منهما جميعًا؛ لأنَّ نَسَبَه ثَبَتَ منهما، كما تَنْقَضِى عِدَّتُها به من الواحدِ الذى يَثْبُتُ نَسَبُه منهما. وإن نَفَتْه القافةُ عنهما، فحُكْمُه حُكْم ما لو أشْكلَ أمرُه، وتَعْتَدُّ بعدَ وَضْعِه بثلاثِ قُرُوءٍ، ولا يَنْتَفِى عنهما بقَوْلِ الْقافةِ؛ لأنَّ عملَ الْقافةِ فى ترْجِيحِ أحدِ صاحِبَىِ الْفِرَاشِ لا فى النَّفْى عن الفِرَاشِ كلِّه، ولهذا لو كان صاحبُ الفِرَاشِ واحدًا فنَفَتْه (٨) القافةُ عنه، لم يَنْتَفِ عنه بقولِها. فأمَّا إن ولَدَتْ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْءِ الثانى، ولأكْثرَ من أرْبَعِ سِنِينَ من فِرَاقِ الأوَّلِ، لم يَلْحَقْ بواحدٍ منهما، ولا تَنْقَضِى به عِدَّتُها منه، لأنَّنا نعلمُ أنَّه من وَطْءِ آخرَ، فتَنْقَضِى به عِدّتُها من ذلك الوَطْءِ، ثم تُتِمُّ (٩) عِدَّةَ الأوَّلِ، وتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الثانى؛ لأنَّه قد وُجِدَ ما يقْتَضِى عِدَّةً ثالثةً، وهو الوَطْءُ الذى حَمَلَتْ منه، فتجِبُ عليها عِدَّتانِ، وإتمامُ العِدَّةِ الأُولَى. فصل: وإذا تزَوَّجَ مُعْتَدّةً، وهما عالمانِ بالعِدَّةِ، وَتَحْريمِ النكاحِ فيها، ووَطِئها، فهما زِانِيَان، عليهما حَدُّ الزِّنَى، ولا مَهْرَ لها، ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ. وإن كانا جاهِلَيْنِ بالعِدَّةِ، أو بالتَّحْريمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وانْتَفَى الحَدُّ، ووَجَب المهرُ. وإن عَلِمَ هو دُونَها، فعليه الْحَدُّ والمَهْرُ، ولا نَسَبَ له. وإن عَلِمَتْ هى دُونَه، فعليها الْحَدُّ، ولا مَهْرَ لها، والنَّسَبُ لاحِقٌ به. وإنَّما (١٠) كان كذلك؛ لأنَّ هذا نكاحٌ (١١) مُتَّفَقٌ على بُطْلانِه، فأشْبَهَ نكاحَ ذَواتِ مَحارِمِه. فصل: وإذا خالَعَ الرجلُ زَوْجَتَه، أو فَسَخَ نِكاحَه، فله أن يتَزَوَّجَها فى عِدَّتِها. فى قولِ جُمْهورِ الفقهاءِ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ،

стр. 5781

والحسنُ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وشَذَّ بعضُ المتأخِّرِينَ، فقال: لا يَحِلُّ له نِكاحُها، ولا خِطْبتُها؛ لأنَّها مُعْتَدَّةٌ. ولَنا، أن العِدَّةَ لحِفْظِ نَسَبِه، وصِيَانةِ مائِه، ولا يُصانُ ماؤُه عن مائِه إذا كانا من نكاحٍ صحيحٍ، فإذا تَزَوَّجَها، انْقطَعتِ العِدَّةُ؛ لأنَّ المرأةَ تصيرُ فرِاشًا له بعَقْدِه، ولا يجوزُ أن تكون زَوْجتُه (١٢) مُعْتدَّةً. فإن وَطِئَها، ثم طَلَّقهَا، لَزِمَتْها عِدَّةٌ مُسْتَأْنفَةٌ، ولا شيءَ عليها من الأُولَى؛ لأنَّها قد انْقطَعتْ وارْتفَعتْ. وإن طَلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها، فهل تستأنِفُ العِدَّةَ، أو تَبْنِى على ما مَضَى؟ قال القاضى: فيه روَايتَان؛ إحْداهما، تسْتأنِفُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه طَلاقٌ لا يَخْلُو من عِدَّةٍ، فأوْجَبَ عدّةً مُستأنَفةً، كالأوَّلِ. والثانية، لا يَلْزَمُها اسْتِئْنافُ عِدَّةٍ. وهو قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بن الحسنِ؛ لأنَّه طلاقٌ فى نكاحٍ قبلَ الْمَسِيسِ، فلم يُوجِبْ عِدَّةً، لعُمومِ قولِه سبحانه: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١٣). وذكر القاضى، فى "كتابِ الرِّوايتَيْنِ" أنَّه لا يَلْزَمُها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ، روايةً واحدةً، لكنْ يَلْزَمُها إتْمامُ بَقِيَّةِ العِدَّةِ الأُولَى؛ لأنَّ إسْقاطَها يُفْضِى إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، لأنَّه يتَزَوَّجُ امرأةً ويَطَؤُها ويخْلَعُها، ثم يتَزَوَّجُها ويُطَلِّقُها فى الحالِ، ويتزوَّجُها الثاني، فى يومٍ واحدٍ. فإن خَلَعها حامِلًا ثم تزَوَّجَها حاملًا، ثم طَلَّقهَا وهى حاملٌ، انْقَضتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، على كِلتا الروايتَيْنِ، ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا، ولا تَنْقَضِى عِدَّتُها قبلَ [وَضْعِ حَمْلِها] (١٤) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. وإن وَضَعَتْ حَمْلَها قبلَ النِّكاحِ الثاني، فلا عِدَّةَ عليها للطَّلاقِ من النِّكاحِ الثاني، بغير خلافٍ أيضًا؛ لأَنَّه نَكَحهَا بعدَ انْقِضاءِ (١٥) عِدَّةِ الأوَّلِ. وإن وضَعَتْهُ (١٦)

стр. 5782

بعدَ النِّكاحِ الثانى، وقبلَ طلاقِه، فمَن قال: يَلْزَمُها اسْتِئْنافُ عِدَّةٍ. أوْجَبَ عليها الاعْتِدادَ بعدَ طلاقِ الثانى بثلاثةِ قُرُوءٍ. ومَن قال (١٧): لا يَلْزمُها اسْتِئْنافُ عِدَّةٍ. لم يُوجِبْ عليها ههُنا عِدَّةً؛ لأنَّ العِدَّةَ الأُولَى انقضَتْ بوَضْعِ الحملِ، إذْ لا يجوزُ أن تَعْتَدَّ الحامِلُ بغيرِ وَضْعِه. وإن كانتْ من ذَواتِ القُرُوءِ أو الشُّهورِ (١٨)، فنَكَحَها الثانى بعدَ مُضِىِّ قُرْءٍ أو شَهْرٍ، ثم مَضَى قُرْءان أو شَهْران قبلَ طَلاقِه من النِّكاحِ الثانى، فقد انْقطَعتِ العِدَّةُ بالنكاحِ الثانى، فإن قُلْنا: تسْتأنِفُ العِدَّة. فعليها عِدَّةٌ تامَّةٌ، بثلاثةِ قُرُوءٍ، أو ثلاثةِ أشْهُرٍ. وإن قُلْنا: تَبْنِى. أتَمَّتِ العِدَّةَ الأُولَى بقُرْأيْنِ أو شَهْرَيْنِ. فصل: وإن طَلَّقهَا طلاقًا رَجْعِيًّا، ثم ارْتَجَعها فى عِدَّتِها ووَطِئَها، ثم طَلَّقها، انْقطَعت العِدَّةُ الأُولَى برَجْعَتِه؛ لأنَّه زال حُكْمُ الطلاقِ، وتَسْتأنِفُ عِدَّةً من الطلاقِ الثانى؛ لأنَّه طَلاقٌ من نكاحٍ اتَّصَلَ به الْمَسِيسُ. وإن طَلَّقها قبلَ أن يَمَسَّها، فهل تسْتأنِفُ عِدَّةً، أو تَبْنِى على العِدَّةِ الأُولَى؟ فيه رِوَايتان؛ أُولاهما، أنَّها تسْتأنِفُ؛ لأنَّ الرَّجْعةَ أزالَتْ شَعَثَ الطلاقِ الأوَّلِ. ورَدّتْها إلى النِّكاحِ الأوَّلِ، فصار الطلاقُ الثانى طلاقًا من نكاحٍ اتَّصَلَ به الْمَسِيسُ. والثانية، تَبْنِى؛ لأنَّ الرَّجْعةَ لا تَزِيدُ على النِّكاحِ الجديدِ (١٩)، ولو نَكَحَها ثم طلَّقها قبلَ الْمَسِيسِ، لم يَلْزَمْها لذلك الطلاقِ عِدّةٌ، فكذلك الرجعةُ. فإن فَسَخَ نِكاحَها قبلَ الرَّجْعةِ بخُلْعٍ أَو غيرِه، احْتَمَلَ أن يكونَ حُكْمُه حُكْمَ الطلاقِ؛ لأنَّ مُوجَبَه فى العِدَّةِ مُوجَبُ الطلاقِ، ولا فَرْقَ بينهما، واحْتَمَلَ أن تسْتأنِفَ العِدَّة؛ لأنَّهما جِنْسانِ، بخلافِ الطَّلاقِ، وإن لم يَرْتَجِعْها بلَفْظِه، لكنَّه (٢٠) وَطِئَها فى عِدَّتِها، فهل تَحْصُلُ بذلك [رَجْعةٌ أو لا؟ فيه رِوايتَان؛ إحْداهما، تحصلُ به] (٢١) الرَّجْعةُ، فيكونُ حكمُها حُكْمَ من ارْتَجَعها بلَفْظِه ثم وَطِئَها،

стр. 5783

سَواءً. والثانية، لا تَحْصُلُ الرَّجْعةُ به، ويَلْزَمُها اسْتِئْنافُ عِدَّةٍ؛ لأنَّه وَطْءٌ فى نِكاحٍ تَشَعَّثَ، فهو كوَطْءِ الشُّبْهةِ. وتَدْخُلُ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطلاق فيها؛ لأنَّهما من رجلٍ واحدٍ. وإن حَمَلَتْ من هذا الوَطْءِ، فهل تدْخُلُ فيها بَقيَّةُ الأُولى؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، تدْخُلُ؛ لأنَّهما (٢٢) من رجلٍ واحدٍ. والثانى، لا تدْخُلُ؛ لأنَّهما من جِنْسَيْنِ. فعلى هذا، إذا وَضَعَتْ حَمْلَها، أتَمَّتْ عِدَّةَ الطلاقِ. وإن وَطِئَها وهى حاملٌ، ففى تَدَاخُلِ العِدَّتينِ وَجْهان؛ فإن قُلْنا: يتَداخَلانِ. فانْقِضاؤُهما معًا بوَضْع الحَمْلِ. وإن قُلْنا: لا يتداخَلان. فانْقِضاءُ عِدَّةِ الطلاقِ بوَضْعِ الحملِ، وتَسْتَأنِفُ عِدَّةَ الوَطْءِ بالقُرُوءِ. فصل: فإن طَلَّقها طلاقًا رَجْعِيًّا، فنَكحَتْ فى عِدَّتِها مَنْ وَطِئَها، فقد ذكرْنا أنَّها تَبْنِى على عِدَّةِ الأوَّلِ، ثم تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً للثَّانى (٢٣)، ولِزَوْجِها الأَوَّلِ رَجْعَتُها فى بقيَّةِ عِدَّتِها منه؛ لأنَّ الرَّجْعةَ إمْساكٌ للزَّوجةِ، وطَرَيانُ الوطءِ من أجْنَبِىٍّ على النِّكاحِ، لا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمساكَ زَوْجَتِه، كما لو كانتْ فى صُلْبِ النكاحِ. وقيلَ: ليس له رَجْعَتُها؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ عليه، فلم يَصِحَّ له ارْتِجاعُها، كالمُرْتَدَّةِ (٢٤). والصحيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ التَّحْريمَ لا يَمْنَعُ الرَّجْعةَ، كالإِحرامِ. ويُفارِقُ الرِّدَّةَ؛ لأنَّها جارِيةٌ إلى بَيْنُونةٍ بعدَ الرَّجْعةِ، بخلافِ العِدَّةِ. وإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها منه، فليس له رَجْعَتُها فى عِدَّةِ الثاني؛ لأنَّها ليستْ منه. وإذا ارْتَجعها فى عِدَّتِها من نَفْسِه، وكانت بالقُرُوءِ أو بالأشْهرِ، انْقطَعتْ عِدَّتُه بالرَّجْعةِ، وابتدأتْ عِدَّةً من الثانى، ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتى تَقْضِىَ (٢٥) عِدَّةَ الثانى، كما لو وُطِئَتْ بشُبْهةٍ فى صُلْبِ نِكاحِه. وإن كانت معْتَدّةً بالْحَمْلِ، لم يُمْكِنْ شُرُوعُها فى عِدَّةِ الثانى قبلَ وَضْعِ الحَمْلِ؛ لأنَّها بالقُرُوءِ، فإذا وَضَعَتْ حَمْلَها، شَرَعَتْ فى عِدَّةِ الثانى، وإن كان الحَمْلُ مُلْحَقًا بالثانى، فإنَّها تَعْتَدُّ

стр. 5784

به عن الثانى، وتتقَدَّمُ (٢٦) عِدَّةُ الثانى على عِدَّةِ (٢٧) الأوَّلِ، فإذا أكْمَلَتْها، شَرَعَتْ في إتْمامِ عِدَّةِ الأوَّلِ، وله حينئذٍ أن يَرْتَجِعَها؛ لأنَّها فى عِدَّتِه. وإن أحَبَّ أن يَرْتَجِعَها فى حالِ حَمْلِها، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، ليس له ذلك؛ لأنَّها ليستْ فى عِدَّتِه، وهى مُحَرَّمةٌ عليه، فأشْبَهتِ الأجْنَبِيَّةَ أو المُرْتَدَّةَ. والثانى، له رَجْعَتُها؛ لأنَّ عدَّتَها منه لم تَنْقَضِ، وتحريمُها لا يَمْنَعُ رَجْعَتَها، كالمُحَرَّمةِ. فصل: إذا تزوَّجَ رجلٌ امرأةً لها ولدٌ من غيرِه، فمات ولَدُها، فإنَّ أحمدَ قال: يَعْتَزِلُ امرأتَه حتى تَحِيضَ حَيْضةً. وهذا يُرْوَى عن عليِّ بن أبي طالبٍ، والحسنِ ابْنِه، ونحوُه عن عمرَ بن الخطابِ، وعن الحسينِ (٢٨) بن عليٍّ، والصَّعْبِ بن جَثَّامةَ (٢٩). وبه قال عطاءٌ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. قال عمرُ بن عبد العزيزِ: لا يَقْرَبُها حتَّى يَنْظُرَ بها حَمْلٌ أم لا؟ وإنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّها إن كانت حامِلًا حين مَوْتهِ، وَرِثَه حَمْلُها، وإن حَدَثَ الحَمْلُ بعدَ الموتِ، لم يَرِثْهُ. فإن كان للمَيِّتِ ولدٌ أو أبٌ أو جَدٌّ، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبرائِها؛ لأنَّ الحَمْلَ لا مِيراثَ له، وإن كانتْ حامِلًا قد تَبَيَّنَ حملُها، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لأنَّ الحملَ معلومٌ، وإن كانتْ آيِسَةً، لم يحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لليَأْسِ من حَمْلِها، وإن كانتْ ممَّن (٣٠) يُمْكِنُ حَمْلُها، ولم يَتَبَيَّنْ (٣١) بها حَمْل، ولم يَعْتَزِلْها زَوْجُها، فأتَتْ بوَلَدٍ قبلَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وَرِثَ، وإن أَتَتْ به بعدَ سِتَّةِ أشْهُرِ من حينَ وَطِئَها بعدَ مَوْتِ وَلَدِها، لم يَرِثْ، لأنَّا لا نتَيَقَّنُ وُجُودَه حالَ مَوْتِه. هذا يُرَوَى عن سُفْيانَ. وهو قياسُ قولِ الشافعىِّ.

стр. 5785

فصل: فى أحكامِ المَفْقُودِ، إذا غاب الرجلُ عن امرأتِه، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن تكونَ غَيْبَةً غيرَ مُنْقَطِعةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُه، ويأْتِى كِتابُه، فهذا ليس لِامْرَأتِه أن تتَزَوَّجَ فى قولِ أهلِ العلمِ أجْمَعِينَ، إلَّا أن يتَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليها من مالِه، فلها أن تَطْلُبَ فَسْخ النكاحِ، فيُفْسَخَ نكاحُه. وأجْمَعُوا على أنَّ زَوْجةَ الأسِيرِ لا تَنْكِحُ حتى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفاتِه. وهذا (٣٢) قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِيِّ، ويحيى الأنْصاريِّ، ومَكْحولٍ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وإن أَبَقَ العَبْدُ، فزَوْجَتُه على الزَّوْجِيَّةِ، حتى تَعْلَمَ مَوْتَه أو رِدّتَه. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ. وقال الحسنُ: إباقُهُ طَلَاقُه. ولَنا، أنَّه ليس بمَفْقودٍ، فلم يَنْفَسِخْ نِكاحُه، كالحُرِّ، ومَنْ تَعَذّرَ الإِنْفاقُ من مالِه على زَوْجَتِه، فحُكْمُها فى الفَسْخِ حكمُ ما ذكرْنا، إلَّا أن العَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِه على سَيِّدهِ، أو فى كَسْبِه، فيُعْتَبرُ تَعَذُّرُ الإِنْفاقِ من مَحَلِّ الوُجُوبِ. الحال الثانى، أن يُفْقَدَ، ويَنْقَطِعَ خَبَرُه، ولا يُعْلمَ له مَوْضِعٌ، فهذا ينقسمُ قِسْمَينِ؛ أحدهما، أن يكونَ ظاهِرُ غَيْبَتِه السلامةَ، كسَفَرِ التِّجارةِ فى غيرِ مَهْلَكةٍ، وإباقِ العَبْدِ، وطَلَبِ العِلْمِ والسّياحةِ، فلا تزُولُ الزَّوْجِيَّةُ أيضًا، ما لم يَثْبُتْ مَوْتُه. رُوِىَ (٣٣) ذلك عن عليٍّ. وإليه ذَهَبَ ابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ فى الجديدِ. ورُوِىَ ذلك عن أبي قِلَابةَ، والنَّخَعِىِّ، وأبي عُبَيْدٍ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ فى القديمِ: تتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وتَعْتَدُّ للوَفاةِ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وتَحِلُّ للأزْواجِ؛ لأنَّه إذا جاز الفَسْخُ لتَعَذُّرِ الوَطْءِ بالعُنَّةِ، وَتَعَذُّرِ النفقةِ بالإِعْسارِ، فلأَنْ يجوزَ ههُنا لتَعَذُّرِ الجميعِ أَوْلَى، واحْتَجُّوا بحديثِ عمرَ فى المفقودِ، مع مُوَافقةِ الصَّحابةِ له، وَترْكِهِم إنْكارَه. ونَقَلَ أحمدُ بن أصْرَمَ (٣٤)، عن أحمدَ: إذا مضَى

стр. 5786

عليه تِسْعُونَ سنةً، قُسِّمَ مالُه. وهذا يقَتْضِى أنَّ زَوْجَتَه تَعْتَدُّ عِدّةَ الوَفاةِ ثم تتزوَّجُ. قال أصحابُنا: إنَّما اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سنةً من يوم وِلادَتهِ؛ لأنَّ الظاهرَ أَنَّه لا يعيشُ أكثرَ من هذا العُمْرِ، فإذا [اقْتَرنَ به انقطَاعُ] (٣٥) خَبَرِه، وَجَبَ الحُكْمُ بمَوْتِه، كما لو كان فَقْدُه بغَيْبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه غَيْبَةٌ ظاهِرُها السَّلامةُ، فلم يُحْكَمْ بمَوْتِه، كما قبلَ الأَرْبعِ سِنِينَ، أو كما قبلَ التِّسْعِين، ولأنَّ هذا التَّقْدِيرَ بغيرِ تَوْقِيفٍ، والتَّقْديرُ لا يَنْبَغِى أن يُصارَ إليه إلَّا بالتَّوْقيفِ؛ لأنَّ تَقْدِيرَها بتسعينَ سنةً من يومِ وِلادَتِه، يُفْضِى إلى اخْتلافِ العِدَّةِ فى حَقِّ المرأةِ باختلافِ عُمْرِ الزَّوجِ، ولا نَظِيرَ لهذا، وخَبَرُ عمرَ وَرَدَ فى مَن ظاهرُ غَيْبَتِه الهلاكُ، فلا يُقَاسُ عليه غيرُه. القسم الثاني، أن تكونَ غَيْبَتُه ظاهِرُها الهلاكُ، كالذى يُفْقَدُ من بينِ أهلِه ليلًا أو نهارًا، أو يَخْرُجُ إلى الصلاةِ فلا يَرْجِعُ، أو يَمْضِى إلى مكانٍ قريبٍ لِيَقْضِىَ حاجَتَه ويَرْجِعَ، فلا يَظْهَرُ له خَبَرٌ، أو يُفْقَدُ مِن (٣٦) بينِ الصَّفَّيْنِ، أو يَنْكَسِرُ بهمْ مَرْكِبٌ فيَغْرَقُ بعضُ رُفْقَتِه، أو يُفْقَدُ فى مَهْلَكَةٍ، كبَرِّيَّةِ الحِجازِ ونحوِها، فمذْهَبُ أحمدَ الظاهِرُ عنه، أنَّ زَوْجَتَه تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، أكثرَ مُدَّةِ الْحَملِ، ثم تَعْتَدُّ للوَفاةِ أَرْبَعَةَ أشهرٍ وعَشْرًا. وتَحِلُّ للأزْواجِ. قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ اللَّه: تذْهَبُ إلى حديثِ عمرَ؟ قال: هو أحْسَنُها يُرْوَى عن عمرَ من ثمانيةِ وُجُوهٍ. ثم قال (٣٧): زَعَمُوا أن عمرَ رَجَعَ عن هذا. هؤلاء الكَذَّابِينَ (٣٨). قلتُ: فرُوِىَ من وَجْهٍ ضعيفٍ أنَّ عمرَ قال بخلافِ هذا؟ قال: لا، إلَّا أن يكونَ إنسانٌ يَكْذِبُ. وقلت له مَرَّةً: إنَّ إنْسانًا قال لى: إنَّ أبا عبدِ اللَّه قد تَرَكَ قولَه فى المَفْقُودِ بعدَكَ. فضَحِكَ، ثم قال: مَن تَرَكَ هذا القولَ أىَّ شيءٍ يقولُ! وهو (٣٩) قولُ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ. قال أحمدُ: خمسةٌ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ . وبه قال عطاءٌ، وعمرُ بن

стр. 5787

عبد العزيزِ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، واللَّيْثُ، وعلىُّ بن الْمَدِينىّ، وعبدُ العزيز ابن أبي سَلَمةَ. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ فى القديمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: ليس فى انْتِظارِ مَنْ يُفْقَدُ فى القِتالِ وَقْتٌ. وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، فى امرأةِ المَفْقُودِ بين الصَّفَّيْنِ: تتَرَبَّصُ سَنَةً؛ لأنَّ غَلَبةَ هَلَاكِه ههُنا أكثرُ من غَلَبةِ غيرِه، لوُجُودِ سَبَبِه. وقد نُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه قال: [كنتُ أقولُ] (٤٠): إذا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثم اعْتَدَّتْ أرْبعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. تزَوَّجَتْ. وقد ارْتَبْتُ فيها، وهِبْتُ الجَوابَ فيها، [لما اخْتَلَفَ] (٤١) الناسُ فيها، فكأنِّي أُحِبُّ السَّلامةَ. وهذا توَقُّفٌ يَحْتَمِلُ الرُّجوعَ عمَّا قالَه، وَتَتَرَبَّصُ أبدًا، ويَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ، ويكونُ المَذْهَبُ ما قالَه أوّلًا. قال القاضى: أكثرُ أصْحابِنا على (٤٢) أنَّ المذهبَ روايةٌ واحدةٌ، وعندى أنَّ المسألةَ على روايتَيْنِ. وقال أبو بكرٍ: الذى أقولُ به، إن صَحَّ الاخْتِلافُ فى المسألةِ، أن لا يُحْكمَ بحُكْمٍ ثانٍ إلَّا بدليلٍ على الانْتِقالِ، وإنْ ثَبَتَ الإِجْماعُ، فالحُكْمُ فيه على ما نصَّ عليه. وظاهرُ المَذْهَبِ على ما حَكَيْناه أوّلًا. نَقَلَه عن أحمدَ الجماعةُ، وقد أنْكَرَ أحمدُ رِوايةَ مَنْ رَوَى عنه الرُّجُوع، على ما حَكَيْناه من رِوَايةِ الأثْرَمِ. وقال أبو قِلابةَ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمةَ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشافعىُّ فى الجديدِ: لا تتزوَّجُ امرأةُ المَفْقُودِ حتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُه أو فِرَاقُه؛ لما (٤٣) رَوَى المُغِيرةُ (٤٤)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "امْرَأةُ المَفْقُودِ امْرَأتُهُ، حَتَّى يَأْتِيَها (٤٥) الْخَبَرُ (٤٦) ". ورَوَى الحَكَمُ، وحَمَّادُ، عن عليٍّ: لا تتزوَّجُ امرأةُ

стр. 5788

المفْقودِ، حتى يأتِىَ مَوْتُه أو طَلاقُه (٤٧). ولأنَّه (٤٨) شَكٌّ فى زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم تَثْبُتْ به الفُرْقةُ، كما لو كان ظاهِرُ غَيْبَتِه السَّلامةَ. ولَنا، ما رَوَى الأَثْرَمُ. والجُوزَجانىُّ، بإسْنادِهِما عن عُبَيدِ بن عُمَيْرٍ، قال: فُقِدَ رَجُلٌ فى عَهْدِ عمرَ، فجاءت امرأتُه إلى عمرَ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال: انْطَلِقِى، فتَرَبَّصِى أَرْبَعَ سِنِينَ. ففَعَلَتْ، ثم أتَتْه، فقال: انْطَلِقِى، فاعْتَدِّى أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. ففَعَلَتْ، ثم أَتَتْه، فقال: أَيْنَ وَلِىُّ هذا الرجلِ؟ [فجاءَ وَلِيُّهُ] (٤٩)، فقال: طَلِّقْها. فَفَعَلَ، فقال لها عمرُ: انْطَلِقِى، فتزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ. فتزَوَّجَتْ، ثم جاء زَوْجُها الأوّلُ، فقال له (٥٠) عمرُ: أينَ كنتَ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، اسْتَهْوَتْنِى الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدْرِى فى أيِّ أرضِ اللهِ (٥١)، كنتُ عند قومٍ يَسْتَعْبِدُوننِى، حتى اغْتَزاهُم منهم قومٌ مُسْلِمون، فكنتُ فى ما غَنِمُوه، فقالوا لى (٥٢): أَنْتَ رَجُلٌ من الإِنْسِ، وهؤلاء من (٥٣) الجِنِّ، فمالَكَ وما لَهم؟ فأخْبَرْتُهُم خَبَرِى، فقالوا: بِأيِّ (٥٤) أَرْضِ اللَّه تُحِبُّ أن تُصْبِحَ؟ قلتُ: المَدِينةُ هى أرْضِى. فأصْبَحْتُ وأنا أنظرُ إلى الحَرَّةِ. فخيَّره عمرُ؛ إن شاء امْرأتَه، وإن شاء الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ، وقال: قد حَبِلَتْ، لا حاجةَ لى فيها (٥٥). قال أحمدُ: يُرْوَى عن عمرَ،

стр. 5789

من ثلاثةِ وُجُوهٍ، ولم يُعْرَفْ فى الصَّحابةِ له مخالِفٌ. ورَوَى الجُوزَجَانىُّ وغيرُه، بإسْنادِهم عن عليٍّ فى امرأةِ المَفْقُودِ: تَعْتَدُّ أربعَ سِنِينَ، ثم يُطَلِّقُها وَلِىُّ زَوْجِها، وتعتدُّ بعد ذلك أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، فإن جاء زوجُها المفقودُ بعدَ ذلك، خُيِّرَ بين الصَّداقِ وبينَ امْرأتِه. وقَضَى به عثمانُ أيضًا، وقَضَى به ابنُ الزُّبَيْرِ فى مَوْلاةٍ لهم. وهذه قَضايا انْتَشرَتْ فى الصَّحابةِ فلم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا. فأمَّا الحديثُ الذى رَوَوْه عن النَّبىِّ ﷺ ، فلم يَثْبُتْ، ولم يَذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ. وما رَووْهُ عن عليٍّ، فيَرْوِيه الحَكَمُ وحَمَّادٌ مُرْسَلًا، والمُسْندُ عنه مثلُ قَوْلِنا، ثم يُحْمَلُ ما رَوَوْه على المَفْقودِ الذى ظاهِرُ غَيْبَتِه السَّلامةُ، جَمْعًا بينَه وبينَ ما رَوَيْناه. وقولُهم: إنَّه شَكٌّ فى زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ الشَّكَّ ما تَساوَى فيه الأمْران، والظاهرُ فى مَسْألَتِنا هَلَاكُه. فصل: وهل يُعْتَبرُ أن يُطَلِّقَها وَلِىُّ زَوْجِها، ثم تعتدَّ بعدَ ذلك بثلاثةِ قُرُوءٍ؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، يعتبرُ ذلك؛ لأنَّه فى (٥٦) حديثِ عمرَ الذى رَوَيْناه، وقد قال أحمدُ: هو أحْسَنُها. وذكر فى حديثِ عليٍّ، أنَّه يُطَلِّقُها وَلِىُّ زَوْجِها. والثانية، لا يُعْتَبرُ ذلك، كذلك قال ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ. وهو القِياسُ؛ فإنَّ وَلِىَّ الرجلِ لا وِلايةَ له فى طَلَاقِ امرأتِه، ولأنَّنا حَكَمْنا عليها بعدَّةِ الوَفاةِ، فلا يجبُ عليها مع ذلك عِدَّةُ الطَّلاقِ، كما لو تَيَقَّنَتْ وَفاتَه، ولأنَّه قد (٥٧) وُجِدَ دَلِيلُ هَلاكِه على وَجْهٍ أباحَ لها التَّزْوِيجَ، وأوْجَبَ عليها عِدَّةَ الوَفاةِ، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ به شاهِدَان. فصل: وهل يُعْتَبَرُ ابْتداءُ المُدَّةِ من حينِ الغَيْبَةِ أو من حينَ ضَرَبَ الحاكمُ المُدَّةَ؟ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، يُعْتَبَرُ ابتداؤُها من حِينَ ضَرَبَها الحاكمُ؛ لأنَّها مُدَّة مُخْتلَفٌ فيها، فافْتَقَرتْ إلى ضَرْبِ الحاكمِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ. والثَّانية (٥٨)، من حينَ انْقَطَعَ خَبَرُه،

стр. 5790

وبَعُدَ أَثَرُه؛ لأنَّ هذا ظاهرٌ فى مَوْتِه، فكان ابْتداءُ المُدَّةِ منه، كما لو شَهِدَ به شاهِدَان. وللشافعىِّ وَجْهان، كالرِّوايتَيْنِ. فصل: فإن قَدِمَ زَوجُها الأوَّلُ قبلَ أن تتزَوَّجَ، فهى امرأتُه. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: إذا ضُرِبَتْ لها المُدَّةُ، فانْقَضَتْ، بَطلَ نِكاحُ الأوَّلِ. والذى ذكرْنا أَوْلَى؛ لأنَّنا إنَّما أَبَحْنا لها التَّزْويجَ لأنَّ الظاهرَ مَوْتُه، فإذا بان حيًّا انْخَرَمَ ذلك الظَّاهرُ، وكان النكاحُ بحَالِه، كما لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بمَوْتِه ثم بانَ حيًّا، ولأنَّه أحَدُ المِلْكَيْنِ، فأشْبَهَ مِلْكَ المالِ. فأمَّا إن قَدِمَ بعدَ أن تزَوّجَتْ نَظَرْنا؛ فإن كان قبلَ دُخُولِ الثاني بها، فهى زَوْجةُ الأوَّلِ، تُرَدُّ إليه، ولا شىءَ. قال أحمدُ: أمَّا قبل الدُّخولِ، فهى امرأتُه، وإنَّما التَّخْيِيرُ بعدَ الدُّخولِ. وهذا قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، وخِلَاسِ بن عمرٍو، والنَّخَعِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وإسحاقَ. وقال القاضى: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُخَيَّرُ. وأخَذَه من عُمومِ قولِ أحمدَ: إذا تزَوَّجَتِ امرأتُه فجاء، خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرأتِه. والصحيحُ أنَّ عمومَ كلامِ أحمدَ يُحْمَلُ على خَاصِّه فى روايةِ الأثْرَمِ، وأنَّه لا تَخْيِيرَ إلَّا بعدَ الدُّخولِ، فتكونُ زَوْجةَ الأوَّلِ، روايةً واحدةً؛ لأنَّ النكاحَ إنَّما صَحَّ فى الظاهرِ دُونَ الباطنِ، فإذا قَدِمَ تبيَّنَّا أنَّ النكاحَ كان باطلًا؛ [لأنَّه صادَفَ امرأةً ذاتَ زَوْجٍ، فكان باطلًا] (٥٩)، كما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بمَوْتِه، وليس عليه صداقٌ؛ لأنَّه نكاحٌ فاسدٌ لم يَتَّصِلْ به دخولٌ، وتعودُ (٦٠) إلى (٦١) الزَّوجِ بالعَقْدِ الأوَّلِ، كما لو لم تتزَوَّجْ. وإن قَدِمَ بعدَ دُخولِ الثاني بها. خُيِّرَ الأوَّلُ بينَ أخْذِها، فتكونُ امْرأتَه (٦٢) بالعَقْدِ الأوَّل، وبينَ أخْذِ صَداقِها، وتكونُ زوجةَ الثاني (٦٣). وهذا قولُ مالكٍ؛ لإِجْماعِ الصَّحابةِ عليه، فرَوَى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ وعثمانَ قالا: إن جاء زَوْجُها الأوَّلُ، خُيِّرَ بين المرأةِ وبينَ

стр. 5791

الصَّداقِ الذى ساق هو. روَاه الجُوزَجَانىُّ، والأَثْرَمُ. وقَضَى به الزُّبَيْرُ فى مَوْلاةٍ لهم. وقال عليٌّ ذلك فى الحديثِ الذى رَوَيْناه. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالفٌ فى عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. فعلى هذا، إن أمْسكَها الأوَّلُ، فهى زوجَته بالعَقْدِ الأوَّلِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه لا يَحْتاجُ الثانى إلى طَلاقٍ؛ لأنَّ نِكاحَه كان باطلًا فى الباطنِ. وقال القاضى: قياسُ قولِه، أنَّهُ يحْتاجُ إلى طلاقٍ؛ لأنَّ هذا نِكاحٌ مُخْتلَفٌ فى صِحَّتِه، فكان مَأْمُورًا بالطلاقِ ليَقْطَعَ حُكْمَ العَقْدِ الثانى، كسائرِ الأنْكِحةِ الفاسدةِ، ويجبُ على الأوَّلِ اعْتِزالُها حتى تَقْضِىَ عِدَّتَها من الثانى. وإن لم يَخْتَرْها الأوَّلُ، فإنَّها تكونُ مع الثانى، ولم يَذْكُرُوا لها عَقْدًا جديدًا. والصحيحُ أنَّه يجبُ أن يَسْتَأْنِفَ لها عَقْدًا (٦٤)، لأنَّنا تبيَّنَّا بُطْلانَ عَقْدِه بمَجِىءِ الأوَّلِ، ويُحْمَلُ قولُ الصَّحابةِ على هذا، لقيامِ الدَّليلِ عليه، فإنَّ زَوْجةَ الإِنسانِ لا تَصِيرُ زوجةً لغيرِه بمُجَرّدِ تَرْكِه لها. وقال أبو الخَطَّابِ: القياسُ أنَّنا إن (٦٥) حَكَمْنا بالفُرْقةِ ظاهرًا وباطنًا، فهى امرأةُ الثانى، ولا خِيارَ للأوَّلِ؛ لأنَّها بانَتْ منه بفُرْقةِ الحاكمِ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخَ نِكاحَها لِعُسْرَتِه، وإن لم نَحْكُمْ بفُرْقَتِه باطِنًا، فهى امرأةُ الأوَّلِ، ولا خِيارَ له. فصل: ومتى اخْتار الأوَّلُ تَرْكَها، فإنَّه يَرْجِعُ على الثانى بصَداقِها؛ لقَضاءِ الصَّحابةِ بذلك، ولأنَّه حالَ بينَه وبينَها بعَقْدِه عليها، ودُخُولِه بها. واخْتلَف (٦٦) عن أحمدَ فيما يَرْجِعُ به؛ فرُوِىَ عنه، أنَّه يَرْجِعُ بالصَّداقِ الذى أصْدَقَها هو. وهو اختيارُ أبي بكرٍ، وقولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادةَ، وعلىّ (٦٧) ابن المَدِينىِّ، لقَضاءِ عليٍّ وعثمانَ أنَّه يُخَيَّرُ بينَها وبينَ الصَّداقِ الذى ساقَ هو، ولأنَّه (٦٨) أتْلَفَ عليه المُعَوَّضَ، فرَجَعَ عليه

стр. 5792

بالعِوَضِ، كشُهُودِ الطَّلاقِ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ. فعلى هذا، إن كان لم يَدْفَعْ إليها الصَّداقَ، لم يَرْجِعْ بشىءٍ، وإن كان قد دَفَعَ بعضَه، رَجَعَ بما دَفَعَ. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ عليه بالصَّداقِ، وتَرْجِعَ المرأةُ بما بَقِىَ عليه من صَداقِها. وعن أحمدَ أَنَّه يَرْجِعُ عليه بالمَهْرِ الذى أصْدَقَها الثانى؛ لأنَّ إتْلافَ البُضْعِ من جِهَتِه، والرُّجُوعُ (٦٩) عليه بقِيمَتِه، والبُضْعُ لا يتَقَوَّمُ إلَّا على زَوْجٍ أو مَن جَرَى مَجْراهُ، فيَجِبُ الرُّجوعُ عليه بالمُسَمَّى الثانى دُونَ الأوَّلِ؛ وهل يَرْجِعُ الزَّوْجُ الثانى على الزَّوْجةِ بما أُخِذَ (٧٠) منه؟ فيه رِوَايتَان. ذَكَر ذلك أبو عبدِ اللَّه ابن حامدٍ؛ إحداهما، يَرْجِعُ به؛ لأنَّها غَرامةٌ لَزِمَتِ الزَّوْجَ بسبَبِ وَطْئِه لها، فيَرْجِعُ (٧١) بها، كالمَغْرُورِ. والثانية، لا يَرْجِعُ بها. وهو أظْهَرُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يَقْضُوا بالرُّجوع، فإنَّ سعيدَ بن المُسَيَّبِ روَى، أنَّ عمرَ وعثمانَ قَضَيَا فى المرأةِ التى لا تَدْرِى ما مَهْلِكُ زَوْجِها، أن تَرَبَّصَ (٧٢) أَرْبَعَ سِنِينَ، ثم تَعْتَدَّ عدةَ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها أرْبعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ثم تَزَوَّجَ إن بَدَا لها، فإن جاء زوجُها خُيِّرَ؛ إمَّا امرأتُه، وإمَّا الصَّداقُ، فإن اخْتارَ الصَّداقَ، فالصَّداقُ على زَوْجِهِا الآخِرِ، وَتْثْبُتُ عندَه، وإن اختارَ امرأتَه، عُزِلَتْ عن زَوْجِها الآخِرِ حتى تَنْقَضِىَ عِدّتُها، وإن قَدِمَ زَوْجُها وقد تُوُفِّى زوجُها الآخِرُ، وَرِثَتْ، واعْتَدَّتْ عِدَّةَ المُتَوَفَّى عنها، وتَرْجِعُ إلى الأوَّلِ. روَاه الجُوزَجَانىُّ (٧٣). ولأنَّ المرأةَ لا تَغْرِيرَ منها، فلم يَرْجِعْ عليها بشىءٍ، كغَيْرِها. فإن قُلْنا: يرْجِعُ عليها. فإن كان قد دَفَعَ إليها الصَّداقَ، رَجَعَ به، وإن كان لم يَدْفَعْه إليها، دَفَعَه إلى الأوَّلِ، ولم يَرْجِعْ عليها بشىءٍ، وإن كان قد دفَعَ بعضَه، رجعَ بما دَفَعَ. وإن قُلْنا: لا

стр. 5793

يَرْجِعُ عليها. وكان قد دَفَعَ إليها الصَّداقَ، لم يَرْجِعْ به، وإن لم يَكُنْ دَفَعَه إليها، لَزِمَه دَفْعُه، ويَدْفعُ إلى الأوَّلِ صَداقًا آخَرَ. فصل: وإن اخْتارَتِ امرأةُ المَفْقُودِ المُقامَ والصَّبْرَ حتى يتَبَيَّنَ أمرُه، فلها النَّفقةُ ما دام حَيًّا، ويُنْفَقُ عليها من مالِه حتى يتَبَيَّنَ أمرُه؛ لأنَّها مَحكومٌ لها بالزَّوْجِيَّةِ، فتجبُ لها النَّفقةُ، كما لو عَلِمَتْ حياتَه. [فإذا تَبَيَّنَ أنَّه كان حَيًّا، وقدِمَ، فلا كلامَ، وإنْ] (٧٤) تبيَّنَ أنَّه مات، أو فارَقَها، فلها النَّفقةُ إلى يومِ مَوْتِه أو بَيْنُونَتِها منه، ويرجعُ عليها بالباقِى؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنَّها أَنْفَقتْ مالَ غيرِه، أو أَنْفَقتْ من مالِه وهى غيرُ زوجةٍ له. وإن رَفَعَتْ أمرَها إلى الحاكمِ، فضَرَبَ لها مُدَّةً، فلها النَّفقةُ فى مُدَّةِ التَّرَبُّصِ ومُدَّة العِدَّةِ؛ لأنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ لم يحكمْ فيها (٧٥) ببَيْنُونَتِها من زَوْجِها، فهى مَحْبوسةٌ عليه بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فأشْبَهَ ما (٧٦) قبلَ المُدَّةِ. وأمَّا مُدَّةُ العِدَّةِ، فلأنَّها غيرُ مُتَيَقَّنةٍ، بخلافِ عِدَّةِ الوَفاةِ، فإنَّ مَوْتَه مُتَيقَّنٌ، وما بعدَ العِدَّةِ إن تزَوَّجَتْ أو فَرَّقَ الحاكمُ بينهما (٧٧)، سَقَطَتْ نَفَقَتُها؛ لأنَّها أسْقَطَتْها بخُرُوجِها عن حُكْمِ نِكاحِه، وإن لم تتَزَوَّجْ ولا فَرَّقَ الحاكمُ بينهما، فنفقَتُها باقيةٌ؛ لأنَّها لم تخرُجْ (٧٨) بعدُ من نِكاحِه. وإن قَدِمَ الزَّوجُ بعدَ ذلك، ورُدَّتْ إليه، عادتْ نفقَتُها من حينِ الرّدِّ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، والجُوزَجانىُّ، عن ابن عمرَ، وابنِ عباسٍ، قالا: تَنْتَظِرُ امرأةُ المَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ. قال ابنُ عمرَ: يُنْفَقُ (٧٩) عليها من مالِ زَوْجِها. وقال ابنُ عباسٍ: إذًا يُجْحِفُ ذلك بالوَرَثةِ، ولكنَّها تَسْتَدِينُ، فإن جاء زَوجُها أخَذَتْ من مالِه، وإن مات أخَذَتْ من نَصِيبِها من المِيراثِ. وقالا: يُنْفَقُ عليها بعدُ فى العِدَّة بعدَ الأرْبَعِ سِنِينَ من مالِ زَوْجِها جَميعِه، أرْبعةَ أشهرٍ وعَشْرًا (٨٠). وإن

стр. 5794

قُلْنا: ليس لها أنْ تتزَوَّجَ. لم تَسْقُطْ نفقَتُها، ما لم تتزوَّجْ، فإن تزوَّجَتْ، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها بالتَّزويجِ تخرُجُ عن يَدَيْه، وتَصِيرُ ناشِزًا، وإن فُرِّقَ بينهما، فلا نفقةَ لها ما دامت في العِدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ، فلم تَعُدْ إلى مَسْكنِ زَوْجِها، فلا نَفقةَ لها أيضًا؛ لأنَّها باقيةٌ على النُّشُوزِ. وإن عادتْ إلى مَسْكَنِه (٨١)، احْتَمَلَ أن تَعْودَ النَّفَقةُ؛ لأنَّ النُّشُوزَ المُسْقِطَ لنَفَقَتِها قد زال، ويَحْتَمِلُ ألَّا تَعْودَ؛ لأنَّها ما سَلَّمَتْ نفسَها إليه. وإن عاد فتَسَلَّمَها، عادتْ نَفَقَتُها. ومتى أَنْفَقَ عليها، ثم بانَ أنَّ الزَّوجَ كان قد مات قبلَ ذلك، حُسِبَ عليها ما أُنْفِقَ عليها من حينِ مَوْتِه من مِيراثِها، فإن لم تَرِثْ (٨٢) شيئًا، فهو عليها؛ لأنَّها أَنْفَقتْ من مالِ الوارثِ ما لا تَسْتَحِقُّه، فأمَّا نفقَتُها على الزَّوجِ الثانى، فإن قُلْنا: لها أن تتزوَّجَ. فنِكاحُها صحيحٌ، حُكْمُه فى النَّفقةِ حكمُ غيرِه من الأنْكِحةِ الصَّحيحةِ. وإن قُلْنا: ليس لها أن تتزوَّجَ. فلا نَفقةَ لها، فإن أنْفَقَ عليها، لم يَرْجِعْ بشىءٍ؛ لأنَّه تَطَوَّعَ به، إلَّا أن يُجْبِرَه على ذلك حاكمٌ، فيَحْتَمِلَ أن يَرْجِعَ بها؛ لأنَّه ألْزَمَه أداءَ ما لم يكُنْ واجِبًا عليه، ويَحْتَمِلَ ألَّا يَرْجِعَ به؛ لأنَّ ما حَكَمَ به الحاكِمُ لا يجوزُ نَقْضُه، ما لم يُخالِفْ كتابًا أو سُنّةً أو إجماعًا. فإن فارَقَها بتَفْرِيقِ الحاكمِ أو غيرِه، فلا نَفقةَ لها، إلَّا أن تكونَ حاملًا، فيَنْبَنِى (٨٣) وُجوبُ النَّفَقةِ، على الرِّوايتَيْنِ فى النَّفقةِ؛ هل هى للحَمْلِ، أو لها من أجْلِه؟ فإن قُلْنا: هى للحَمْلِ. فلها النَّفقةُ؛ لأنَّ نَسَبَ الحمْل لَاحِقٌ به، فيجبُ عليه الإِنْفاقُ على وَلَدِه. وإن قُلْنا: لها من أجْلِه. فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّه فى غيرِ نكاحٍ صحيحٍ، فأشْبَهَ حَمْلَ المَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ. وإذا أَتَتْ بولدٍ يُمْكِنُ كَوْنُه من الثانى، لَحِقَه نَسبُه؛ لأنَّها صارتْ فراشًا له، وقد عَلِمْنا أنَّ الولدَ ليس من الأوَّلِ؛ لأنَّها ترَبَّصَتْ بعدَ فَقْدِه أكثرَ (٨٤)

стр. 5795

مُدَّةِ الحَمْلِ، وتَنْقَضِى عِدَّتُها من الثانى بوَضْعِه؛ لأنَّ الولدَ منه، وعليها أن تُرْضِعَه اللَّبَأَ (٨٥)؛ لأنَّ الولدَ لا يقومُ بدَنُه إلَّا به، فإن رُدَّتْ إلى الأوَّلِ، فله مَنْعُها من إرْضاعِه (٨٦)، كما له أن يَمْنَعَهَا من رَضاعِ أجْنَبِىٍّ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُها عن حُقُوقِه, إلَّا أن يُضْطَرَّ إليها، ويُخْشَى عليه التَّلَفُ، فليس له مَنْعُها من إرْضاعِه؛ لأنَّ هذا حالُ ضَرُورةٍ. فإن أرْضَعَتْه فى بيتِ الزَّوْجِ الأوَّلِ، لم تَسْقُطْ نفقَتُها؛ لأنَّها فى قَبْضَتِه ويَدِه، وإن أرضعَتْه فى غيرِ بَيْتِه بغيرِ إذْنِه، فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها ناشِزٌ، وإن كان بإذْنِه، خُرِّجَ على الرّوايتَيْن فيما إذا سافَرَتْ لحاجَتِها (٨٧) بإذْنِه. فصل: فى مِيرَاثِها من الزَّوْجينِ، وَتَوْرِيثِهِما منها. متى مات زوجُها الأوَّلُ، أو ماتتْ قبلَ تزَوُّجِها بالثاني، وَرِثَتْه ووَرِثَها، وكذلك إن تزَوَّجَتِ الثاني فلم يَدْخُلْ بها؛ لأنَّنا قد تبيَّنَّا أنَّه متى قَدِمَ قبلَ الدُّخولِ بها، رُدَّتْ إليه بغيرِ تَخْيِيرٍ. وقد ذكرْنا أنَّ القاضىَ ذكَرَ أنَّ فيها روايةً أُخْرَى، أنَّه يُخَيَّرُ فيها. فعلى هذه الرِّوايةِ، حُكْمُه حكمُ ما لو دَخَلَ بها الثانى. فأمَّا إن دَخَلَ الثانى بها نظَرْنا؛ فإن قَدِمَ الأوَّلُ، فاختارَها، ورُدَّتْ إليه، وَرِثَها ووَرِثَتْه، ولم تَرِث الثانى ولم يَرِثْها؛ لأنَّه لا زَوْجِيَّةَ بينهما. وإن مات أحدُهما قبلَ اختيارِها؛ إمَّا فى الغَيْبةِ، أو بعدَ قُدُومِه، فإن قُلْنا: إنَّ (٨٨) لها أن تتزَوَّجَ. وَرِثَتِ الزَّوجَ الثانىَ ووَرِثَها، ولم تَرِثِ الأوَّلَ ولم يَرِثْها؛ لأنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شيئيْنِ، فتَعَذّرَ أحدُهما، تعَيَّنَ الآخَرُ. وإن ماتتْ قبلَ اخْتيارِ الأوَّلِ، خُيِّرِ، فإن اخْتارَها وَرِثَها، وإن لم يَخْتَرْها وَرِثها الثانى. هذا ظاهرُ قولِ أصْحابِنا. وأمَّا على ما أخْتارُه، فإنَّها لا تَرِثُ الثانى ولا يَرِثُها بحالٍ، إلَّا أن يُجَدِّدَ لها عَقْدًا، أو لا يَعْلَمَ أنَّ الأوَّلَ كان حيًّا، ومتى عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ كان حيًّا، وَرِثَها ووَرِثَتْه، إلَّا أن يخْتارَ تَرْكَها، فتَبِينُ منه بذلك، فلا تَرِثُه ولا يَرِثُها.

стр. 5796

وعلى قولِ أبي الخَطَّابِ، إن حَكَمْنا بوُقوعِ الفُرْقةِ بتَفْرِيقِ الحاكِم ظاهرًا وباطنًا، وَرِثَت الثانىَ ووَرِثَهَا، ولم تَرِثِ الأوَّلَ ولم يَرِثْها، [وإنْ لم نَحْكُمْ بوُقوعِ الفُرْقةِ باطِنًا، وَرِثَتِ الأوَّلَ ووَرِثَها، ولم تَرِثِ الثانىَ ولم يَرِثْها] (٨٩). فأمَّا عِدَّتُها منهما، فمَن وَرِثَتْهُ اعْتدَّتْ لوَفاتِه عِدَّةَ الوَفاةِ، وإن مات الثانى فى موضعٍ لا تَرِثُه، فالمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ فى النكاحِ الفاسدِ. فعلى هذا، عليها عِدَّةُ الوفاةِ لوَفاتِه. وهو اختيارُ أبي بكرٍ. وقال ابنُ حامدٍ: لا عِدَّةَ عليها لوَفاتِه، لكنْ تَعْتدُّ من وَطْئِه بثلاثةِ قُرُوءٍ؛ فإن ماتا معًا (٩٠)، اعتدَّتْ لكلِّ واحدٍ منهما، وبدأتْ بعِدَّةِ الأوَّلِ، فإذا أَكْمَلَتْها، اعتدَّتْ للآخِرِ، وإن مات الأوَّلُ أوّلًا، فكذلك، وإن مات الثانى أوّلًا، بدأَت بعِدَّتِه، فإذا مات الأوَّلُ، انْقَطَعتْ عِدَّةُ الثانى، ثمَّ ابتدأتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، فإذا أكْمَلَتْها، أتَمّتْ عِدَّةَ الثاني. وإن عُلِمَ مَوْتُ أحَدِهما، وجُهِلَ وقتُ مَوْتِ الآخَرِ، أو جُهِلَ مَوْتُهما، فعليها أن تَعْتَدَّ عِدّتَيْنِ من حينَ تيَقَّنَتِ المَوْتَ، وتبدأُ بعِدَّةِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ وأَوْلَى، وإن كانت حاملًا، فبِوَضْعِ الحملِ تَنْقَضِى عِدَّةُ الثانى؛ لأنَّ الولدَ منه، ثم تَبْتَدِئُ بعدَه بعِدَّةِ الوفاةِ، أرْبعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. فصل: وإذا تزوَّجَتِ امرأةُ المَفْقُودِ، فى وقتٍ ليس لها أن تتزَوَّجَ فيه، مثل أن تتزوَّجَ قبلَ مُضِىِّ المُدَّةِ التى يباحُ لها التَّزْويجُ بعدَها، أو كانت غَيْبَةُ زَوجها ظاهِرُها السَّلامةُ، أو ما أشْبَهَ هذا، فنِكاحُها باطلٌ. وقال القاضى: إن تبيَّنَ أنَّ زَوْجَها قد مات، وانْقَضَتْ عِدّتُها منه، أو فارَقَها وانْقَضتْ عِدَّتُها، ففى صِحَّةِ نِكاحِها وَجْهان؛ أحدُهما، هو صحيحٌ؛ لأنَّها ليست فى نِكاحٍ ولا عِدَّةٍ، فصَحَّ (٩١) تزوِيجُها، كما لو عَلِمَتْ ذلك. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّها مُعْتَقِدةٌ تَحْريمَ نكاحِها وبُطْلانَه. وأصلُ هذا مَن باعَ عَيْنًا فى يدِه يعتقِدُها لمَوْرُوثِه، فبان مَوْرُوثُه مَيِّتًا والعينُ مَمْلوكةً

стр. 5797

له بالإِرْثِ، هل يَصِحُّ البيعُ؟ فيه وَجْهان. كذا ههُنا. ومذهبُ الشافعىِّ مثلُ هذا. ولَنا، أنَّها تزوَّجَتْ فى مُدَّةٍ مَنَعَها الشرعُ من (٩٢) النكاحِ فيها، فلم يَصِحَّ، كما لو تزوَّجَتِ الْمُعتدَّةُ فى عِدَّتِها، أو المُرْتَابةُ (٩٣) قبلَ زَوالِ رِيبَتِها. فصل: ويُقَسَّمُ مالُ المَفْقُودِ فى الوقتِ الذى تُؤْمَرُ زَوْجَتُه بعِدَّةِ الوفاةِ فيه. وبهذا قال قَتادةُ. وقال الشافعىُّ، ومالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يُقَسَّمُ مالُه حتى تُعْلَمَ وفاتُه؛ لأنَّ الأصلَ البقاءُ، فلا يزولُ عنه (٩٤) بالشكِّ، وإنَّما صِرْنا إلى إباحةِ التَّزْويجِ لِامْرَأتِه، لإِجْماعِ الصَّحابةِ، ولأنَّ بالمرأةِ حاجةً إلى النِّكاحِ، وضَرَرًا فى الانتظارِ، فاخْتَصَّ ذلك بها. ولَنا، أنَّ من اعتدَّتْ زوْجَتُه للوَفاةِ قُسِّمَ مالُه، كمَن قامتِ البيِّنةُ بمَوْتِه، وما أجْمَعَ عليه الصحابةُ يُقاسُ عليه ما كان فى مَعْناه، وتأخِيرُ القِسْمةِ ضَرَرٌ بالورثةِ، وتعطيلٌ لمنافِعِ المالِ، وربَّما تَلِفَ أو قَلَّتْ قِيمَتُه، فهو فى معنى الضَّرَرِ بتأْخِيرِ التَّزْويجِ. فصل: وإن تَصَرَّفَ الزَّوجُ المَفْقودُ فى زَوْجَتِه، بطلاقٍ، أو ظِهارٍ، أو إيلاءٍ، أو قَذْفٍ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّ نِكاحَه باقٍ، ولهذا خُيِّرَ فى أخْذِها، وإنَّما حَكَمْنا بإباحةِ تَزْوِيجِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُه، فلا يَبْطُلُ فى الباطنِ، كما لو شَهِدَتْ بمَوْتِه بَيِّنةٌ كاذِبةٌ. فصل: وإذا فَقَدتِ الأمَةُ زَوْجَها، ترَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثم اعْتدَّتْ للوفاةِ شَهْرَينِ وخَمْسةَ أيَّامٍ. وهذا اختيارُ أبي بكرٍ. وقال القاضى: تترَبَّصُ نِصْفَ تَرَبُّصِ الحُرَّةِ. وروَاه أبو طالبٍ عن أحمدَ. وهو قولُ الأوْزَاعىِّ واللَّيْثِ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مَضْروبةٌ للمرأةِ لِعَدَمِ زوجِها، فكانت الأمَةُ فيه على النِّصْفِ من الحُرَّةِ، كالعِدَّةِ. ولَنا، أنَّ الأرْبَعَ سِنِينَ مَضْروبةٌ لكَوْنِها أكثرَ مُدَّةِ الحَمْلِ، ومُدَّةُ الحَمْلِ فى الحُرَّةِ والأمةِ سَواءٌ، فاسْتَوَيا فى

стр. 5798

الترَبُّصِ لها، كالتِّسْعةِ الأشْهُر فى حَقِّ من ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، وكالحَمْلِ نفسِه، وبهذا ينْتَقِضُ قِياسُهُم. فأمَّا العَبْدُ، فإن كانت زَوْجَتُه حُرَّةً، فتَرَبُّصُها كتَرَبُّصِ (٩٥) الحُرَّةِ تحتَ الحُرِّ، وإن كانتْ أمةً، فهى كالأمَةِ تحتَ الحُرِّ؛ لأنَّ العِدَّةَ مُعْتَبَرةٌ بالنِّساءِ دون الرجالِ، وكذلك مُدَّةُ الترَبُّصِ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، أنَّه يُضْرَبُ له نِصفُ أجَلِ الحُرِّ. والأَوْلَى ما قُلْناه؛ لأنَّه ترَبُّصٌ مَشْروعٌ فى حَقِّ المرأةِ لفُرْقةِ زَوْجِها، فأشْبَهَ العِدَّةَ. فصل: فإن غاب رَجُلٌ عن زَوْجَتِه، فشَهِدَ ثِقاتٌ بوَفاتِه، فاعْتدَّتْ زوجَتُه للوفاةِ، أُبِيحَ لها أن تتزَوَّجَ. فإن عاد الزوجُ بعدَ ذك، فحُكْمُه حُكْمُ المفقودِ، يُخَيَّرُ زَوْجُها بينَ أخْذِها، وتَرْكِها وله الصداقُ. وكذلك إن تظاهَرَتِ الأخْبارُ بمَوْتِه. وقد رَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن أبي الْمَلِيحِ، عن سُهَيَّةَ (٩٦)، أن زَوْجَها صَيْفِىَّ بن فَسِيلٍ (٩٧)، نُعِىَ لها من قَنْدَابِيلَ (٩٨)، فتزَوَّجَتْ بعدَه، ثم إنَّ زَوْجَها الأوَّلَ قَدِمَ، فأتَيْنا عثمانَ وهو محْصورٌ، فأشْرَفَ علينا، فقال: كيف أقْضِى بينَكم وأنا على هذا الحالِ! فقُلْنا: قد رَضِينَا بقَوْلِكَ. فقَضَى أن يُخَيَّرَ الزَّوجُ الأَوَّلُ بين الصَّداقِ وبينَ المرأةِ. فرَجَعْنا. فلما قُتِلَ عثمانُ، أتَيْنَا عليًّا، فخَيَّرَ الزَّوْجَ الأوَّلَ بينَ الصَّداقِ وبينَ المرأةِ، فاخْتار الصَّداقَ، فأخَذَ مِنِّى أَلْفَيْن، ومن زَوْجِى الآخر ألْفَين (٩٩). فإن حَصَلَتِ الفُرْقةُ بشَهادةٍ مَحْصُورةٍ، فما

стр. 5799

حَصَلَ من غَرامةٍ فعليهما؛ لأنَّهما سَبَبٌ فى إيجابِها. وإن شَهِدَا (١٠٠) بمَوْتِ رَجُلٍ، فقُسِّمَ مالُه، ثم قَدِمَ، فما وَجَدَ من مالِه أخَذَه. وما تَلِفَ منه أو تعذَّرَ رُجُوعُه فيه، فله تَضْمِينُ الشاهِدَيْنِ؛ لأنَّهما سَبَبُ الاسْتِيلاءِ عليه، وللمالِكِ تَضْمِينُ المُتْلِفِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مالَه بغيرِ إذْنِه. فصل: وإذا نَكَحَ رجلٌ امرأةً نِكاحًا مُتَّفَقًا على بُطْلانِه، مثل أن يَنْكِحَ ذاتَ مَحْرَمِه، أو مُعْتَدّةً يَعْلَمُ حالَها وتَحْرِيمَها، فلا حُكْمَ لعَقْدِه، والخَلوةُ بها كالْخَلْوةِ بالأجْنَبِيَّةِ، لا تُوجِبُ عِدَّةً، وكذلك الموتُ عنها لا يوجبُ عِدَّةَ الوفاةِ. وإن وَطِئَهَا، اعْتَدَّتْ لوَطْئِه بثلاثةِ قُرُوءٍ منذُ وَطِئَها، سَواءٌ فارَقَها، أو مات عنها، كما لو زَنَى بها من غيرِ عَقْدٍ. وإن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، فهو فاسِدٌ، فإن مات عنها، فنَقَلَ جعفرُ بن محمدٍ، أنَّ عليها عِدَّةَ الوفاةِ. وهذا اختيارُ أبي بكرٍ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامدٍ: ليس عليها عِدَّةُ الوفاةِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه نكاحٌ لا يُثْبِتُ الحِلَّ، فأشْبَهَ الباطِلَ. فعلى هذا، إن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَه، اعْتدَّتْ بثلاثةِ قُرُوءٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نكاحٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فوَجَبَتْ به عِدَّةُ الوَفاةِ، كالنِّكاحِ الصَّحيحِ، وفارَقَ الباطلَ، فإنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ. وإن فارَقَها فى الحياةِ بعدَ الإِصابةِ، اعْتدَّتْ بعدَ فُرْقَتِه بثَلاثةِ قُرُوءٍ، ولا اخْتلافَ فيه. وإن كان قبلَ الخَلْوةِ، فلا عِدَّةَ عليها، بلا خلافٍ؛ لأنَّ المُفارِقةَ فى الحياةِ فى النِّكاحِ الصَّحِيحِ لا عِدَّةَ عليها، [بلا خلافٍ] (١٠١)، ففى الفاسدِ أوْلَى. وإن كان بعدَ الخَلْوةِ قبلَ الإِصابةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليها العِدَّةَ؛ لأنَّه يَجْرِى (١٠٢) مَجْرَى النِّكاحِ الصَّحِيحِ فى لُحُوقِ النَّسَبِ، فكذلك فى العِدَّةِ. وقال الشافعىُّ: لا عِدَّةَ عليها؛ لوَجْهَيْن؛ أحدهما، أنَّها خَلْوةٌ فى غيرِ نكاحٍ صحيحٍ، أشْبَهتِ التى نِكاحُها باطلٌ. والثاني،

стр. 5800

أنَّ الخَلْوةَ عندَه فى النِّكاحِ الصحيحِ لا تُوجِبُ العِدَّة، ففى الفاسدِ أوْلَى. وهذا مُقْتَضَى قولِ ابن حامدٍ. فصل: فى عِدَّةِ المُعْتَقِ بعضُها. ومتى كانت مُعْتدَّةً بالحَمْلِ أو بالقُرُوءِ، فعِدَّتُها كعِدَّةِ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الحاملِ لا تخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، وعِدّةُ الأمَةِ بالقُرُوءِ قُرْءان، فأدْنَى ما يكونُ فيها من الحُرِّيةِ يُوجِبُ قُرْءًا ثالثًا، لأنَّه لا يتَبَعَّضُ. وإن كانتْ مُعْتدَّةً بالشهورِ؛ إِمَّا للوَفاةِ، وإمَّا للإِيَاسِ أو الصِّغَرِ، فعِدَّتُها بالحسابِ من عِدَّةِ حُرَّةٍ وأمَةٍ، فإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فاعْتدَّتْ للوفاةِ، فعليها ثلاثةُ أشْهُرٍ وثمانِ ليالٍ؛ لأنَّ الليلَ يُحْسَبُ مع النهارِ، فيكونُ عليها ثلاثةُ أرْبَاعِ ذلك، وإن كانت مُعْتَدَّةً بالشُّهورِ عن الطلاقِ، وقُلْنا: إنَّ عِدَّةَ الأمَةِ شهرٌ ونصفٌ. كان عِدَّةُ المُعْتَقِ نِصْفُها (١٠٣) شَهْرَيْن ورُبْعًا. وإن قُلْنا: عِدَّةُ الأمةِ شَهْران أو ثلاثةُ أشْهُرٍ. فعدَّةُ المُعْتَقِ بعضُها، كعِدَّةِ الحُرَّةِ، سَواءً. وأُمُّ الولدِ، والمُدَبَّرةُ، والمكاتَبَةُ، عِدّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الأمةِ، سَواءً؛ لأنَّهُنَّ إماءٌ. ١٣٥٧ - مسألة؛ قال: (وأُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا، فَلَا تَنْكِحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كامِلَةً) هذا هو (١) المشهورُ عن أحمدَ. وهو قولُ ابنِ عمرَ. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعائشةَ، والحسنِ، والشَّعْبىِّ، والقاسمِ بن محمدٍ، وأبي قِلَابةَ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثورٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدّةَ الوفاةِ أَرْبَعةَ أشهُرٍ وعَشْرًا. وهو قولُ سعيد بن المُسَيَّبِ، وأبي عِياضٍ، وابن سِيرِينَ، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجاهدٍ، وخِلَاسِ (٢) بن عمرٍو، وعمرَ بن عبد العزيزِ، والزُّهْرِىِّ، ويَزِيدَ بن عبدِ الملكِ، والأوْزاعىِّ، وإسْحاقَ؛ لما رُوِىَ عن عمرِو بن العاصِ، أنَّه قال: لا تُفْسِدُوا

стр. 5801

علينا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ ، عدَّةُ أُمِّ الولدِ إذا تُوُفِّىَ عنها سَيِّدُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّها حُرَّةٌ تَعْتَدُّ للوفاةِ، فكانت عِدَّتُها أربعةَ أشْهُرٍ وعشرًا، كالزَّوْجةِ الحُرَّةِ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، روايةً ثالثةً، أنَّها (٤) تَعْتَدُّ شَهْرينِ وخمسةَ أيَّام. ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ، في "الجامعِ"، ولا أَظُنُّها صحيحةً عن أحمدَ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، وقَتادةَ؛ لأنَّها (٥) حينَ الموتِ أُمَةٌ، فكانتْ عِدَّتُها عِدَّةَ الأَمَةِ، كما لو مات رجلٌ عن زوجَتِه الأمَةِ، فعتقَتْ بعد مَوْتِه. ويُرْوَى (٦) عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّ عِدّتَها ثلاثُ حِيَضٍ؛ لأنَّها حُرَّةٌ تُسْتَبْرَأُ، فكان اسْتِبْراؤُها بثلاثِ حِيَضٍ، كالحُرَّةِ المُطَلَّقةِ. وَلنا، أنَّه اسْتِبْراءٌ لزَوالِ المِلْكِ، عن الرَّقَبةِ، فكان حَيْضَةً في حَقِّ مَنْ تَحِيضُ، كسائرِ اسْتِبْراءِ المُعْتَقاتِ والمَمْلُوكاتِ، ولأنَّه اسْتِبْراءٌ لغيرِ الزَّوجاتِ والمَوْطُوءاتِ بشُبْهةٍ، فأشْبَهَ ما ذكرْنا. قال القاسمُ بن محمدٍ: سُبحانَ اللَّه، يقول اللهُ تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٧). ماهُنَّ بأزْواجٍ. فأمَّا حديثُ عمرِو بن العاص، فضَعِيفٌ. قال ابنُ المنذرِ: ضَعَّفَ أحمدُ وأبو عُبَيْدٍ حَدِيثَ عمرِو بن العاصِ. وقال محمدُ بن موسى (٨):

стр. 5802

سألتُ أبا عبدِ اللَّه عن حديثِ عمرِو بن العاصِ، فقال: لا يَصِحُّ. وقال المَيْمُونِىُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه يَعْجَبُ من حديثِ عمرِو بن العاصِ هذا، ثم قال: أينَ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ في هذا؟ وقال: أَرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعشرٌ إنَّما هي عِدَّةُ الحُرَّةِ من النكاحِ، وإنَّما هذه أمَةٌ خَرَجَتْ من الرِّقِّ إلى الحُرِّيَّةِ. ويَلْزَمُ من قال بهذا أن يُوَرِّثَها. وليس لقولِ من قال: تَعْتَدُّ بثلاثِ حِيَضٍ. وَجْهٌ، وإنَّما (٩) تَعْتَدُّ بذلك المُطَلَّقةُ، وليست هذه مُطَلَّقةً، ولا في معنىٍ المُطلَّقةِ. وأمَّا قِياسُهمْ إيَّاها على الزَّوْجاتِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ (١٠) هذه لبست زَوْجةً، ولا في حُكْمِ الزَّوجةِ، ولا مُطَلَّقةً، ولا في حُكْمِ المُطلَّقةِ. فصل: ولا يَكْفِى في الاسْتِبْراءِ طُهْرٌ واحدٌ، ولا بعضُ حَيْضَةٍ. وهذا قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ. وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: متى طَعَنَتْ في الحَيْضَةِ، فقد تَمَّ اسْتِبْراؤُها. وَزَعَمَ أنَّه مذهبُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيْه: يَكْفِى طُهْرٌ واحدٌ إذا كان كاملًا، وهو أن يَمُوتَ في حَيْضِها، فإذا رأتِ الدَّمَ من الحَيْضَةِ الثانيةِ، حَلَّتْ، وَتَمَّ اسْتِبْراؤُها. وهكذا الخلافُ في الاسْتِبْراءِ كلِّه، وبَنَوْا هذا على أنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ، وهذا يَرُدُّه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بحَيْضَةٍ" (١١). وقال رُوَيْفِعُ بن ثابتٍ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ يومَ خَيْبَرَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ السَّبْىِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَها (١٢) بِحَيْضَةٍ". روَاه الأَثْرَمُ (١٣). وهذا صريحٌ فلا يُعَوَّلُ، على ما خالَفَه. ولأنَّ الواجبَ اسْتِبْراءٌ، والذي يَدُلُّ على البَراءةِ هو الحَيْضُ، فإنَّ الحاملَ لا تَحِيضُ. فأمَّا الطُّهْرُ فلا دَلالةَ فيه (١٤) على

стр. 5803

البَراءةِ، فلا يجوزُ أن يُعَوَّلَ في الاسْتِبْراءِ على ما لا دَلالةَ فيه (١٥) عليه، دون ما يَدُلُّ عليه. وبناؤُهم قولَهم هذا على قولِهم (١٦): إن القُرُوءَ الأطْهارُ. بناءٌ للخِلافِ (١٧) على الخِلَافِ، وليس ذلك بحُجَّةٍ، ثم لم يُمْكِنْهُم بناءُ هذا على ذاك حتى خالَفُوه، فجعلُوا الطُّهْرَ الذي طَلَّقَها فيه قُرْءًا، ولم يجعلُوا الطُّهْرَ الذي مات فيه سَيِّدُ أمِّ الولدِ قُرْءًا، وخالَفُوا الحديثَ والمعنى. فإن قالوا: إنَّ بعضَ الحَيْضَةِ المُقْتَرِنَ بالطُّهْرِ يدلُّ على الْبَراءةِ. قُلْنا: فيكونُ الاعتمادُ حينَئذٍ على بعضِ الحَيْضَةِ، وليس ذلك قُرْءًا عندَ أحدٍ. فإذا تقرَّرَ هذا، فإن مات عنها وهى طاهرٌ، فإذا طَهُرَتْ من الحَيْضَةِ المُسْتَقْبَلةِ (١٨) حَلَّتْ، [وإن كانت حائِضًا، لم تعْتَدَّ ببقِيَّةِ تلك الحَيْضَةِ، ولكن متى طَهُرَتْ من الحَيْضةِ الثانية حَلَّتْ] (١٩)؛ لأنَّ اسْتِبْراءَ هذه بحَيْضَةٍ، فلا بُدَّ من حَيْضةٍ كاملَةٍ. ١٣٥٨ - مسألة؛ قال: (وإِنْ كَانَتْ آيِسًا (١)، فبِثَلاثَةِ أشْهُرٍ) وهذا المشهورُ عن أحمدَ أيضًا. وهو قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، وأبى قِلَابةَ، وأحدُ قَوْلَيِ الشافعىِّ. وسأل عمرُ بن عبد العزيزِ أهلَ المدينةِ والقوابلَ، فقالوا: لا تُسْتَبْرَأُ الحُبْلَى في أقَلَّ من ثلاثةِ أشْهُرٍ. فأعْجَبَه قولُهم. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرَأُ بشَهْرٍ. وهو قولٌ ثانٍ للشافعىِّ؛ لأنَّ الشهرَ قائمٌ مَقامَ القُرْءِ في حَقِّ الحُرَّةِ والأمَةِ المُطَلَّقةِ، فكذلك في الاسْتِبْراءِ. وذكر القاضي روايةً ثالثةً، أنَّها تُسْتَبْرَأُ بشَهْرينِ، كعِدَّةِ الأمَةِ المُطَلَّقةِ. ولم أرَ لذلك (٢) وَجْهًا، ولو كان استبراؤُها بشَهْرينِ، لَكان

стр. 5804

اسْتِبْراءُ ذاتِ القُرْءِ بقُرْأينِ، ولم (٣) نَعْلَمْ به قائلًا. وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والضَّحَّاكُ، والحَكَمُ، في الأمَةِ التي لا تَحِيضُ: تُسْتَبْرَأُ بشَهْرٍ ونِصْفٍ. ورَوَاه حَنْبَلٌ عن أحمدَ، فإنَّه قال: قال عَطاءٌ: إن كانت لا تَحِيضُ، فخَمْسٌ وأربعون ليلةً. قال عَمِّى: كذلك أذْهَبُ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ (٤) المُطَلَّقةِ الآيِسَةِ كذلك. والمشهورُ عن أحمدَ الأوَّلُ. قال أحمدُ بن القاسِمِ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: كيف جَعَلْتَ ثلاثةَ أشْهُرٍ مكانَ حَيْضَةٍ، وإنما جَعَل اللهُ في القرآنِ مكانَ كلِّ حَيْضَةٍ شهرًا؟ فقال: إنَّما قُلْنا بثلاثةِ (٥) أشْهُرٍ من أجلِ الحَمْلِ، فإنَّه لا يتَبَيَّنُ في أقَلَّ من ذلك، فإنَّ عمرَ بن عبد العزيزِ سأل عن ذلك، وجَمَعَ أهلَ العلمِ والقَوابِلَ، فأخْبَرُوه أنَّ الحَمْلَ لا يتَبيَّنُ في أقَّل من ثلاثةِ أشْهُرٍ، فأعْجبَه ذلك. ثم قال: ألا تَسْمَعُ قولَ ابنِ مسعودٍ: إن النُّطْفةَ أَرْبَعِينَ يوما، ثم عَلَقةً أربعِينَ يوما، ثم مُضْغةً بعد ذلك (٦). قال أبو عبدِ اللَّه: فإذا خَرَجَت الثَّمَانُونَ، صار بعدَها مُضْغةً، وهى لَحْمٌ، فتَبيَّنَ حينَئذٍ. وقال لي: هذا معروفٌ عند النِّساءِ. فأمَّا شَهْرٌ، فلا معنى فيه، ولا نعلمُ به قائلا. ووَجْه اسْتِبْرائِها (٧) بشَهْرٍ، أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ الشهرَ مكانَ الحَيْضَةِ، ولذلك اخْتلَفتِ الشُّهورُ باخْتلافِ الحَيضاتِ، فكانتْ عدَّةُ الحُرَّةِ الآيِسَةِ ثلاثةَ أشْهُرٍ، مكانَ ثلاثةِ قُرُوءٍ، وعدةُ الأمَةِ شَهْرَيْن، مكانَ قُرْأَيْنِ، وللأمَةِ (٨) المُسْتَبْرأَةِ التي ارْتَفَعَ حيضُها عشرةُ أشْهُرٍ؛ تِسْعةٌ للحَمْلِ، وشهرٌ مكانَ الحَيْضَةِ، فيجبُ أن يكونَ مكانَ الحَيْضَةِ ههُنا شهرٌ، كما في حَقِّ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها. فإن قيل: فقد وُجِدَ ثَمَّ ما دَلَّ على البَراءةِ، وهو ترَبُّصُ تِسْعةِ أشْهُرٍ. قُلْنا: وههُنا ما يَدُلُّ على الْبَراءةِ، وهو الإِيَاسُ، فاسْتَوَيا.

стр. 5805

١٣٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِى مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ بتِسْعَةِ أَشْهُرٍ (١)، وشَهْرٍ مَكَانَ الْحَيْضَةِ) في (٢) هذه المسألةِ أيضًا رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّها تُسْتَبْرَأُ بعشرةِ أشْهُرٍ. والثانية بسَنةٍ؛ تِسعةُ أشْهُرٍ للحَمْلِ، لأنَّها غالبُ مُدَّتِه، وثلاثةُ أشْهُرٍ مكانَ الثلاثةِ التي تُسْتَبْرَأُ بها الآيِسَاتُ. وقد ذكرْنا الرِّوايتَيْنِ في الآيِسَةِ، وذكَرْنا أن المُخْتارَ عن أحمدَ اسْتِبْراؤُها بثلاثةِ أشْهُرٍ، وههُنا جَعَلَ مكانَ الحَيْضةِ شهرًا؛ لأنَّ اعتبارَ تَكْرارِها في الآيِسَةِ، لتُعْلَمَ براءَتُها من الحَمْلِ، وقد عُلِمَ بَراءَتُها منه ههُنا بمُضِىِّ غالبِ مُدَّتِه، فجُعِلَ الشهرُ مكانَ الحَيْضَةِ على وَفْقِ القِياسِ. فصل: وإن عَلِمَتْ ما رَفَعَ الحَيْضَ، لم تَزَلْ في الاسْتِبْراءِ حتى يَعُودَ الحيضُ، فتَسْتَبْرِئَ نَفْسَها (٣) بحَيْضةٍ، إلَّا أن تَصِيرَ آيِسَةً، فتَسْتَبْرِئَ نَفْسَها اسْتِبْراءَ الآيِسَاتِ. وإن ارْتابَتْ بنفْسِها (٤)، فهى كالحُرَّةِ المُسْتَرِيبَةِ (٥). وقد ذكرْنا حُكْمَها فيما مضَى من هذا البابِ. واللَّه تعالى أعلمُ. ١٣٦٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَحَتَّى تَضَعَ) وهذه، بحَمْدِ اللَّه، لا خِلافَ فيها فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حتَّى تَضَعَ" (٢). ولأنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ والأمَةِ والمُتَوَفَّى عنها والمُطَلَّقةِ واسْتِبْراءَ كلِّ أمةٍ إذا كانتْ

стр. 5806

حامِلًا بوَضْعِ حَمْلِها، وذلك لأنَّ المَقْصودَ من العِدَّة والاسْتِبْراءِ معرفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ من الحَمْلِ، رهذا يَحْصُلُ بوَضْعِه، ومتى كانت حامِلًا باثْنَيْنِ أو أكثرَ. فلا يَنْقَضِى اسْتِبْراؤُهَا حتى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِها، على ما ذكرْنا في المُعْتَدَّةِ. فصل: وإذا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِه، ثم مات، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ على المَوْلَى، وليستْ له فِراشًا، وإنَّما هي فِراشٌ للزَّوْجِ، فلم يَلْزَمْها الاسْتِبْراءُ ممَّن ليستْ له فِراشًا، ولأنَّه لم يُزَوِّجْها حتى اسْتَبْرأها، فإنَّه لا يَحِلُّ له تَزْوِيجُها قبلَ اسْتِبْرائِها. فإنَّ طَلَّقَها الزَّوْجُ قبلَ دُخُولِه بها، فلا عِدَّةَ عليها أيضًا، وإن طَلَّقَها بعدَ الْمَسِيسِ، أو مات عنها قبلَ ذلك أو بعدَه، فعليها عِدَّةُ حُرَّةٍ كامِلَةً؛ لأنَّها قد صارت حُرّةً في حالِ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها. وإن مات سَيِّدُها وهى في عِدَّةِ الزَّوجِ، عتَقَتْ، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ، لما ذكَرْناه، ولأنَّه زال فِراشُه عنها قبلَ مَوْتِه، فلم يلزمْها اسْتِبْراءٌ من أجْلِه، كغيرِ أُمِّ الولدِ إذا باعَها ثم مات. وَتَبْنِى على عِدَّةِ أمَةٍ إن كان طَلَاقُها بائِنًا، أو كانتْ مُتَوَفَّى عنها، وإن كانت رَجْعِيّةً، بَنَتْ على عِدَّةِ حُرَّةٍ، على ما مضَى. وإن بانَتْ من الزَّوجِ قبلَ الدُّخولِ بطَلاقٍ، أو بانتْ بمَوْتِ زَوْجها، أو طَلاقِه بعدَ الدخولِ، فقَضَتْ عِدَّتَه، ثم مات سَيِّدُها، فعليها الاسْتِبْرَاءُ؛ لأنَّها عادَتْ إلى فِرَاشِه. وقال أبو بكر: لا يلزمُها اسْتِبْراءٌ، إلَّا أن يَرُدَّها السَّيِّدُ إلى نَفْسِه؛ لأنَّ فِراشَه قد زال بتَزْوِيجِها، ولم يتَجَدَّدْ لها ما يَرُدُّها إليه، فأشْبَهتِ الأمَةَ غيرَ المَوْطُوءةِ. فصل: فإن مات زوجُها وسَيِّدُها، ولم تَعْلَمْ أيُّهما مات أَوَّلًا، فعلى قولِ أبي بكرٍ، ليس عليها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ فِراشَ سَيِّدِها قد زال عنها، ولم تَعُدْ إليه، وعليها أن تعْتَدَّ لوَفاةِ زَوْجِها عِدّةَ الْحَرائِرِ؛ [لأنَّه (٣) يَحْتَمِلُ أنَّ سَيِّدَها مات أوّلًا، ثم مات زَوْجُها وهى حُرَّةٌ فلَزِمهَا عدَّةُ الحُرَّةِ] (٤)، لتَخْرُجَ من العِدَّةِ بيَقِينٍ. وعلى القولِ الآخَرِ، إن كان بين مَوْتِهِما

стр. 5807

شَهْران وخَمْسةُ أيَّامٍ فما دُونَ، فليس عليها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ السَّيِّدَ إن كان ماتَ أوّلًا، فقد مات وهى زَوْجَتُه، وإن كان مات آخِرًا، فقد مات وهى مُعْتَدَّةٌ، وليس عليها اسْتِبْراءٌ في هاتين الحالتَيْنِ، وعليها أن تَعْتَدَّ بعدَ مَوْتِ الآخِرِ منهما [عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لما ذكرْناه. وإن كان بين مَوْتِهِما أكثرُ من ذلك، فعليها بعد مَوْتِ الآخِرِ منهما] (٥) أطْوَلُ الأجَلَيْنِ، من أرْبعةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، واسْتِبْراءٍ بحَيْضَةٍ (٦)؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ (٧) السَّيِّدَ مات أوَّلًا، فيكونُ عليها عِدَّةُ الحُرَّةِ من الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه مات آخِرًا، بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها من الزَّوْجِ، وعَوْدِها إلى فِراشِه، فلَزِمَها الاسْتِبْراءُ بحَيْضةٍ، فوجَبَ الجَمْعُ بينهما لِيَسْقُطَ الفَرْضُ بيَقينٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعلى هذا جميعُ القائلينَ من العلماءِ بأنَّ عِدَّةَ [أُمِّ الولدِ] (٨) من سَيِّدِها بحَيْضةٍ، ومن زَوْجِها شَهْران وخمسُ ليالٍ، فإن جُهِلَ ما بين مَوْتِهما (٩)، فالحُكْمُ فيه كما لو عَلِمْنا أنَّ بينهما شَهْرَينِ وخَمْسَ ليالٍ، احْتياطًا لإِسقاطِ الفَرْضِ بيَقينٍ، كما أخَذْنا بالاحْتياطِ في الإِيجابِ (١٠) بين عِدَّةِ حُرَّةٍ وحَيْضةٍ، فيما إذا عَلِمْنا أنَّ بينهما شَهْرَيْن وخمسَ ليالٍ. وقولُ أصحابِ الشافعىِّ في هذا الفصلِ (١١) كقَوْلِنا (١٢)، وكذلك قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه، إلَّا أنَّهم جَعَلُوا مكانَ الحَيْضةِ ثلاثَ حَيْضاتٍ، بِناءً على أصْلِهِم في اسْتِبْراءِ أُمِّ الوَلدِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: حُكْمُها حكمُ الإِمَاءِ، وعليها شَهْرانِ وخمسةُ أيامٍ، ولا أَنْقُلُها إلى حُكْمِ الحرائِرِ إلَّا بإحَاطةِ أنَّ الزَّوجَ مات بعدَ المَوْلَى. وقيل: إنَّ هذا قولُ أبي بكرٍ عبدِ العزيز أيضًا. والذي ذكَرناه أحْوَطُ. فأمَّا المِيراثُ، فإنَّها لا

стр. 5808

تَرثُ مِن زَوْجِهَا شَيْئًا؛ لأنَّ الأصلَ (١٣) الرِّقُّ، والحرِّيَّةُ مَشْكوكٌ فيها، فلم تَرِثْ مع الشَّكِّ، والفَرْقُ بين الإِرْثِ والعِدَّةِ، أنَّ إيجابَ العِدَّةِ عليها اسْتِظْهارٌ لا (١٤) ضَرَرَ فيه على غيرِها، وإيجابَ الإِرْثِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ غيرِها، ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ النِّكاحِ عليها، فلا يَزُولُ إلَّا بيَقِينٍ، والأصْلُ عَدَمُ الميراثِ لها، فلا تَرِثُ إلَّا بيَقينٍ. فإن قيل: أفَلَيْسَ [زوجَةُ المَفْقُودِ لو ماتَتْ] (١٥) وَقَفَ مِيرَاثُه منها مع الشكِّ في إرْثِه؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أنَّ الأصْلَ ههُنا الرِّقُّ، والشَّكُّ في زَوَالِه وحُدُوثِ الحال التي يَرِثُ فيها، والمَفْقُودُ الأصْلُ حياتُه، والشَّكُّ في مَوْتِه وخُرُوجِه عن كَوْنِه وارِثًا، فافْتَرقا. ١٣٦١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أعْتَقَ أُمَّ وَلَدِه، أوْ أمَةً كَانَ يُصِيبُهَا، لم تَنْكِحْ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كامِلَةً، وكَذلِكَ إنْ أرَادَ أنْ يُزَوِّجَها (١)، وَهِىَ في مِلْكِه، اسْتَبْرأهَا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ زوَّجَهَا (٢)) لا يخْتلفُ المذهبُ في (٣) أنَّ الاسْتِبراءَ ههُنا بحَيْضةٍ في ذات القُرُوءِ. وهو قولُ الشافعىِّ. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ والثَّوْرِىِّ، في مَن أراد تَزْويجَ (٤) أَمَةٍ كان يُصِيبُها. وقال أصحابُ الرَّأىِ: ليس عليها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ له بَيْعَها، فكان له تَزْويجُها، كالتى لا يُصِيبُها. وقال عَطاءٌ، وقَتادةُ: عِدَّتُها حَيْضَتان، كعِدَّةِ الأمَةِ المُطَلَّقةِ. ولَنا، أنَّها فِراشٌ لسَيِّدِها، فلم يَجُزْ أن تَنْتَقِلَ إلى فِراشِ غيرِه بغيرِ اسْتِبْراءٍ، كما لو مات عنها، ولأنَّ هذه مَوْطُوءةٌ وَطْئًا له حُرْمةٌ، فلم يَجُزْ أن تتزَوَّجَ قبلَ الاسْتِبْراءِ، كالمَوْطوءةِ بشُبْهةٍ،

стр. 5809

وهذا لأنَّه إذا وَطِئها سَيِّدُها اليومَ، ثم زَوَّجَها (٥)، فوَطِئَها الزَّوْجُ في آخِرِ اليومِ، أفْضَى إلى اخْتلاطِ المِيَاهِ، وامْتِزاجِ الأنْسابِ، وهذا لا يَحِلُّ، ويخالفُ البَيْعَ؛ فإنَّها لا تَصِيرُ به فِراشًا، ولا يَحِلُّ لمُشْتَرِيها وَطْؤُهَا حتى يَسْتَبْرِئَها، فلا يُفْضِى إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، ولهذا يَصِحُّ في المُعْتدَّةِ والمُتَزَوِّجةِ (٦)، بخلافِ التَّزْوِيجِ. فصل: فإن لم تكُنْ من ذَواتِ القُرُوءِ، فاسْتِبْراؤُها بما ذكرْنا في أُمِّ الوَلَدِ، على ما شَرَحْنا. ومفهومُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّها إذا كانت أمَةً لا يَطَؤُها سَيِّدُها، لم يَلْزَمْها استبراءٌ؛ لأنَّها ليست فِراشًا لسيِّدِها، فلم يَلْزَمْها الاسْتِبْراءُ، كالمُزَوَّجةِ والمُعْتَدَّةِ، ولأنَّ تَرْكَها بالاسْتِبْراءِ (٧) لا يُفْضِى إلى اخْتلاطِ المِيَاهِ، وامْتِزاجِ الأنْسابِ، بخلافِ المَوْطُوءةِ. فصل: وإن مات عن أمَةٍ كان يُصِيبُها، فاسْتِبْراؤُها بما ذكرْنا في أُمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّها فِراشٌ لسَيِّدِها، فأشْبهَتْ أُمَّ الولدِ، إلَّا أنَّها إن (٨) كانت من ذَواتِ القُرُوءِ، فاسْتِبْراؤُها بحَيْضةٍ واحدةٍ، روايةً واحدةً؛ لأنَّها لا تَصِيرُ حُرّةً. فصل: وإن أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِه، أو أَمَتَه التي كان يُصِيبُها، أو غيرَها ممَّنَ تَحِلُّ له إصابَتُها، فله أن يتَزَوَّجَها في الحالِ، من غيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وتزَوَّجَها، وجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَهَا (٩). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "ثَلاثةٌ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ؛ رَجُلٌ كَانَتْ له أمَةٌ، فأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وعَلَّمها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثم أعْتَقَهَا وتزَوَّجَها" (١٠). ولم يذكر

стр. 5810

اسْتِبْراءً (١١)، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ (١٢) لصيانةِ مائِه وحِفْظِه عن الاخْتلاطِ بماءِ غيرِه، ولا يُصانُ ماؤُه عن مائِه، ولهذا كان له أن يتزَوَّجَ مُخْتَلِعَتَه في عِدَّتِها. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في الأمَةِ التي لا يَطَؤُها إذا أعْتَقَها: لا يتزَوَّجُها بغيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّه لو باعَها لم تَحِلَّ للمُشْتَرِى بغيرِ اسْتِبْراءٍ. والصَّحيحُ أنَّه يَحِلُّ له ذلك؛ لأنَّه يَحِلُّ له وَطْؤُها بمِلْكِ اليَمينِ، فكذلك بالنِّكاحِ، كالتى كان يُصِيبُها، ولأنَّ النبِىَّ ﷺ أعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَها، ولم يُنْقَلْ أنَّه كان أصابَها، والحديثُ الآخرُ يَدُلُّ على حِلِّها له بظاهِرِه، لدُخُولِها في العُمُومِ، ولأنَّها تَحِلُّ لمن يتزَوَّجُها (١٣) سِوَاهُ، فله أَوْلَى، ولأنَّه (١٤) لو اسْتَبْرأها، ثم أعْتَقَها وَتَزَوَّجَها في الحالِ، كان جائزًا حسنًا، فكذلك هذه، فإنَّه تارِكٌ لوَطْئِها، ولأنَّ وُجُوبَ الاسْتِبْراءِ في حَقِّ غيرِه، إنَّما كان لصِيَانةِ مائِه عن الاخْتِلاطِ بغيرِه، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا. وكلامُ أحمدَ، محمولٌ على مَن اشْتَراها، ثم تزَوَّجَها قبل أن يَسْتَبْرِئَها. فصل: وإن اشْتَرى أمَةً، فأعْتَقَها قبلَ اسْتِبْرائِها، لم يَجُزْ أن يتزَوَّجَها حتى يسْتَبْرِئَها. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: له ذلك. ويحكى أنَّ الرَّشِيدَ اشْترَى جارِيةً، فتاقَتْ نَفْسُه إلى جِماعِها قبلَ اسْتِبْرائِها، فأمَرَه أبو يوسفَ أن يَعْتِقَها ويتزَوَّجَها ويَطأَها. قال أبو عبدِ اللَّه: وبَلَغَنِى أن المَهْدِىَّ اشْترَى جارِيةً، فأعْجَبَتْه، فقيل له: اعْتِقْها وَتَزَوَّجْها. قال أبو عبدِ اللَّه: سُبحانَ اللَّه، ما أعْظَمَ هذا، أَبْطَلُوا الكِتابَ والسُّنَّةَ، جَعَلَ اللَّه على الْحَرائرِ العِدَّةَ من أجْلِ الحَمْلِ، فليس من امرأةٍ تُطَلَّقُ أو يَمُوتُ زَوْجُها إلَّا تَعْتَدُّ من أجلِ الحَمْلِ، وسَنَّ رسولُ اللَّه ﷺ اسْتِبْراءَ الأمَةِ بحَيْضةٍ من أجْلِ الحَمْلِ، ففَرْجٌ يُوطَأُ يشْترِيه، ثم يَعْتِقُها على المكانِ، فيتزَوَّجها، فيَطَؤُها، يَطَؤُها رجلٌ اليَومَ ويَطَؤُها (١٥) الآخَرُ غدًا، فإن كانتْ حامِلًا كيف يَصْنَعُ؟ هذا نَقْضُ

стр. 5811

الكتابِ والسُّنَّةِ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ الحَامِلُ (١٦) حتَّى تَضَعَ، ولَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ" (١٧). وهذا لا يَدْرِى أهى حاملٌ أم لا. ما أسْمَجَ هذا! قيل له: إنَّ قَومًا يقولون هذا. فقال: قَبَّحَ اللهُ هذا، وقَبَّحَ مَنْ يَقُولُه. وفيما نَبَّه عليه أبُو عبدِ اللَّه من الأدِلَّةِ (١٨) كِفايةٌ مع ما ذكَرْنا فيما قبلَ هذا الفصلِ. إذا ثَبَتَ هذا، فليس له تَزْوِيجُها لغيرِه قبلَ اسْتِبْرَائِها، إذا لم يَعْتِقْها؛ لأنَّها ممَّن يجبُ اسْتِبْراؤُها، فلم يَجُزْ أن تتزوَّجَ، كالمُعْتَدَّةِ، وسَواءٌ في ذلك المُشْتَراةُ من رجُلٍ يَطَؤُها، أو من رَجُلٍ قد اسْتَبْرَأها ثُمَّ (١٩) لم يَطَأْها، أو ممَّن لا يُمْكِنُه الوَطْءُ، كالصَّبِىِّ والمرأةِ والمَجْبوبِ. وقال الشافعيُّ: إذا اشْتَراها ممَّن لا يَطَؤُها، فله تَزْوِيجُها، سَواءٌ أعْتَقَها أو لم يَعْتِقْها، وله أن يتزَوَّجَها إذا أعْتَقَها؛ لأنَّها ليستْ فِرَاشًا، وقد كان لِسَيِّدِها تَزْويجُها قبلَ بَيْعِها، فجاز ذلك بعدَ بَيْعِها، ولأنَّها لو عتَقتْ على البائعِ بإعْتاقِه أو غيرِه، لَجاز لكل أحدٍ نِكاحُها، فكذلك إذا أعْتَقَها المُشْترِى. ولَنا، عُمومُ قولهِ ﵇: "لا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بحَيْضةٍ" (١٧). ولأنَّها أمَةٌ يَحْرُمُ عليه وَطْؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، فحَرُمَ عليه تَزْوِيجُها والتَّزَوُّجُ بها، كما لو كان بائِعُها يَطَؤُها. فأمَّا إن أعْتَقَها في هذه الصُّورةِ، فله تَزْوِيجُها لغيرِه؛ لأنَّها حُرّةٌ لم تكُنْ فِراشًا، فأُبِيحَ لها النِّكاحُ، كما لو أعْتَقَها البائعُ، وفارَقَ المَوْطوءةَ؛ فإنَّها فِراشٌ يجبُ عليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها إذا عَتَقَتْ، فحَرُمَ عليها النكاحُ، كالمُعْتَدَّةِ، وفارَقَ ما إذا أراد سَيِّدُها نِكاحَها، فإنَّه لم يكُنْ له وَطْؤُها يمِلْكِ اليَمينِ، فلم يكُنْ له أن يتَزَوَّجَها، كالمُعْتَدَّةِ (٢٠)، ولأنَّ هذا يُتَّخَذُ حِيلةً على إبْطالِ الاسْتِبْراءِ، فمُنِعَ منه، بخلافِ تَزْوِيجِهَا لغيرِه.

стр. 5812

فصل: وإذا كانت له (٢١) أمَةٌ يَطَؤُها، فاسْتَبْرأها، ثم أَعْتَقَها، لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن كَوْنِها فِرَاشًا باسْتِبْرائِه لها. وإن باعَها، فأعْتَقَها المُشْترِى قبلَ وَطْئِها، لم تَحْتَجْ إلى اسْتَبْراءٍ لذلك. وإن باعها قبل اسْتِبْرائِها، فأعْتَقَها المُشْترِى قبلَ وَطْئِها واسْتِبْرائِها، فعليها اسْتِبْراءُ نفسِها. وإن مَضَى بعضُ الاسْتِبْراءِ في مِلْكِ المُشْتَرِى، لَزِمَها إتْمامُه بعدَ عِتْقِها، ولا يَنْقَطِعُ بانْتِقالِ المِلْكِ فيها؛ لأنَّها لم تَصِرْ فِراشًا للمُشْتَرِى، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ بإعْتاقِه (٢٢). فصل: وإذا كانت الأمَةُ بين شَرِيكَيْنِ، فوَطِئاها، لَزِمَها اسْتِبْراءانِ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ، في أحدِ الوَجْهينِ: يَلْزَمُها اسْتِبْراءٌ واحدٌ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ، ولذلك لا يجبُ الاسْتِبْراءُ بأكثرَ من حَيْضةٍ واحدةٍ، وبَراءةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ باسْتِبْراءٍ واحدٍ. ولَنا، أنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودانِ لآدَميَّيْنِ، فلم يتَداخَلَا، كالعِدَّتَيْنِ، [ولأنَّهما اسْتِبْراءانِ من رَجُلَيْنِ، فأشْبَها العِدّتَيْنِ] (٢٣)، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالعِدّتَيْنِ من رَجُلَيْنِ. ١٣٦٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ مَلَك أمَةً، لم يُصِبْها ولَمْ يُقَبِّلْها حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا، أوْ بمُضِىِّ ثَلَاثَةِ أشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ مِنَ الْآيِسَاتِ أَوْ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ) وجملتُه، أنَّ مَنْ مَلَكَ أمَةً بسَبَبٍ من أسبابِ المِلْكِ؛ كالبيعِ، والهِبَةِ، والإِرْثِ، وغيرِ ذلك. لم يَحِلَّ له وَطَؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها، بِكْرًا كانتْ أَوْ ثَيِّبًا، صغيرةً كانتْ أو كبيرةً، ممَّن تَحْمِلُ أو ممَّن لا تَحْمِلُ. وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأكثرُ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عمرَ: لا يجبُ اسْتَبْرَاءُ البِكْرِ. وهو قولُ داودَ؛ لأنَّ الغَرَضَ بالإِسْتِبْراءِ مَعْرِفَةُ بَراءَتِها من الحَمْلِ،

стр. 5813

وهذا معلومٌ في البِكْرِ، فلا حاجةَ إلى الاسْتِبْراءِ. وقال اللَّيْثُ: إن كانتْ ممَّن لا يَحْمِلُ مثلُها، لم يجِب اسْتِبراؤُها لذلك. وقال عثمانُ الْبَتِّىُّ: يجِبُ الاسْتِبْراءُ على البائعِ دُونَ المُشْترِى، لأنَّه لو زَوَّجَها، لكان الاسْتِبْراءُ على المُزَوِّجِ دون الزَّوْجِ، كذلك ههُنا. ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ (١)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عامَ أوْطَاسٍ (٢) أنْ تُوطَأَ حامِلٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ حاملٍ حتى تَحِيضَ. رواه أحمدُ في "المسندِ" (٣). وعن رُوَيْفِعِ بن ثابتٍ، قال: إنَّنِى لا أقولُ إلَّا ما سَمِعْتُه (٤) مِن رسولِ اللَّه ﷺ ، سَمِعْتُه يقولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِىءٍ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأةٍ مِنَ السَّبْىِ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ". روَاه أبو داودَ (٥). وفى لفظٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يومَ حُنَيْنٍ (٦) يقول: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِى مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِه، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ السَّبْىِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ". روَاه الأثْرَمُ. ولأنَّه مَلَكَ جارِيةً مُحَرَّمةٌ عليه، فلم تَحِلَّ له قبلَ اسْتِبْرائِها، كالثَّيِّبِ التي تَحْمِلُ، ولأنَّه سَبَبٌ مُوجِبٌ للاسْتِبْراءِ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ فيه بين البِكْرِ والثَّيِّبِ، والتى تَحْمِلُ والتى لا تَحْمِلُ، كالعِدَّةِ. قال أبو عبدِ اللَّه: قد بَلَغَنِى أنَّ العَذْراءَ تحْمِلُ. فقال له بعضُ أهلِ المجلسِ: نعم، قد كان في جِيرَانِنَا. وذكر ذلك بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا اشْتَراها من امْرأةٍ أو صَبِىٍّ، أو ممَّن تَحْرُمُ عليه برَضاعٍ أو غيرِه، وما ذكَره الْبَتِّىُّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ قد يكونُ بالسَّبْىِ والإِرْثِ والوَصِيَّةِ، فلو لم يَسْتَبْرِئْها

стр. 5814

المُشْترِى، أفْضَى إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ، والفَرْقُ بين البيع والتَّزْويجِ، أنَّ النكاحَ لا يُرادُ إلَّا للاسْتِمتاعِ، فلا يجوزُ إلَّا في مَن تَحِلُّ له، فوَجَبَ أن يتقَدَّمَه الاسْتِبْراءُ، ولهذا لا يَصِحُّ تَزْويجُ مُعْتَدَّةٍ، ولا مُرْتَدَّةٍ، ولا مَجُوسِيَّةٍ، ولا وَثَنِيَّةٍ، ولا مُحَرَّمةٍ بِالرَّضاعِ ولا المُصاهَرةِ، والبيعُ يُرادُ لغيرِ ذلك، فصَحَّ قبلَ الاسْتِبْراءِ، ولهذا صَحَّ في هذه المُحَرَّماتِ، ووَجَبَ الاسْتِبْراءُ على المُشْترِى؛ لما ذكَرْناه. فأمَّا الصَّغيرةُ التي لا يُوطَأُ مثلُها، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ قُبْلَتِها ومُباشَرَتِها لِشَهْوَةٍ قبلَ اسْتِبْرائِها. وهو ظاهرُ كلام أحمدَ، في (٧) أكثرِ الرِّواياتِ عنه، قال: تُسْتَبْرَأُ، وإن كانتْ في المَهْدِ. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: إن كانتْ صغيرةً بأىِّ شيءٍ تُسْتَبْرَأُ إذا كانت رَضِيعةً. وقال في رِوَايةٍ أُخْرَى: تُسْتَبْرَأُ بحيضةٍ إن (٨) كانتْ (٩) تَحِيضُ، وإلَّا بثلاثةِ أشْهُرٍ إن كانت ممَّن تُوطَأُ وتَحْبَلُ. فظاهرُ هذا أنَّه لا يَجِبُ اسْتِبْراؤُها، ولا تَحْرُمُ (١٠) مُباشَرَتُها. وهذا اخْتيارُ ابن (١١) أبي موسى، وقولُ مالكٍ، وهو الصحِيحُ؛ لأنَّ سَبَبَ الإِباحةِ مُتَحَقِّقٌ. وليس على تَحْريمِها دليلٌ، فإنَّه لا نَصَّ فيه، ولا مَعْنَى نَصٍّ؛ لأنَّ تَحْريمَ مُباشَرةِ الكبيرةِ إنَّما كان لكَوْنِه داعِيًا إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ، أو خَشْيةَ أن تكونَ أُمَّ وَلَدٍ لغيرِه، ولا يُتَوهَّمُ هذا في هذه، فوَجَبَ العملُ بمُقْتَضَى الإِباحةِ. فأما مَنْ يمْكِنُ وَطْؤُها، فلا تَحِلُّ قُبْلَتُها، ولا الاسْتِمتاعُ منها فيما (١٢) دُونَ الفَرْجِ قبلَ الاسْتِبْراءِ، إلَّا المَسْبِيَّةَ، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. وقال الحسنُ: لا يَحْرُمُ من المُشْتَراةِ إلَّا فَرْجُها، وله أن يَسْتَمْتِعَ منها بما شاء، ما لم يمَسَّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما نَهَى عن الوَطْءِ، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ مع ثُبُوتِ المِلْكِ، فاخْتَصَّ بالفَرْجِ، كالحَيْض. ولَنا

стр. 5815

أنَّه اسْتِبْرَاءٌ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فَحَرَّمَ الاسْتِمْتاعَ، كالعِدَّةِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ مِنْ (١٣) كَوْنِها حامِلًا من بائِعِها، فتكونُ أُمَّ وَلَدٍ، والبَيْعُ باطلٌ (١٤)، فيكونُ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ وَلَدِ غيرِه، وبهذا فارَقَ تحريمَ الوَطْءِ للحَيْضِ. فأمَّا المَسْبِيَّةُ، فظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ تَحْريمُ مُبَاشَرَتِها فيما دُونَ الفَرْجِ لشَهْوةٍ. وهو الظاهرُ عن أحمدَ؛ لأنَّ كلَّ اسْتِبْراءٍ حَرَّمَ الوَطْءَ حَرّمَ دَوَاعِيَه، كالعِدَّةِ، ولأنَّه داعِيةٌ إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ، لأجْلِ اخْتلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ، فأشْبَهَتِ الْمَبِيعةَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَحْرُمُ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: وَقَعَ في سَهْمِى يومَ جَلُولاءَ (١٥) جارِيةٌ، كأنَّ عُنُقَها إبْرِيقُ فضّةٍ، فما مَلَكْتُ نَفْسِى أن قُمْتُ إليها فَقبّلْتُها، والناسُ ينظرون (١٦). ولأنَّه لا نَصَّ في الْمَسْبِيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الْمَبِيعَةِ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ أن تكونَ أُمَّ وَلَدٍ للبائعِ، فيكونَ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ ولَدِ غيرِه، ومُباشِرًا لمَمْلُوكةِ غيرِه، والْمَسْبِيَّةُ مملوكةٌ له على كلِّ حالٍ، وإنَّما حُرِّمَ وطؤُها لئَلَّا يَسْقِىَ ماءَه زَرْعَ غيرِه. وقولُ الْخِرَقِىِّ: بعدَ تَمامِ مِلْكِه لها. يَعْنِى أنَّ الاسْتِبْراءَ لا يكونُ إلَّا بعد مِلْكِ المُشْتَرِى لجميعِها، ولو مَلَكَ بعضَها، ثم مَلَكَ باقِيَها، لم يُحْتَسَب الاسْتِبْراءُ إِلَّا من حينَ مَلَكَ باقِيَها. وإن مَلَكَها بِبَيْعٍ فيه الخِيارُ، انْبَنَى على نَقْلِ المِلْكِ في مُدَّتِه، فإنْ قُلْنا: يَنْتَقِلُ. فابْتِداءُ الاسْتِبْراءِ من حينِ البَيْعِ. وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِلُ. فابْتداؤُه من حينَ انْقَطَعَ الخِيارُ. وإن كان المبيعُ مَعِيبًا، فابْتداؤُه (١٧) الخِيارَ (١٨) من حينِ البَيْعِ؛ لأنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ بغيرِ خِلافٍ. وهل يُبْتَدَأُ الاسْتِبْراءُ من حينِ البَيْعِ قبلَ القَبْضِ، أو من حينِ القَبْضِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، من حينِ البيعِ؛ لأنَّ المِلْكَ ينْتقِلُ به. والثانى، من حينِ القَبْضِ؛
следующие страницы →