← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

الكتابِ والسُّنَّةِ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُوطَأُ الحَامِلُ (١٦) حتَّى تَضَعَ، ولَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ" (١٧). وهذا لا يَدْرِى أهى حاملٌ أم لا. ما أسْمَجَ هذا! قيل له: إنَّ قَومًا يقولون هذا. فقال: قَبَّحَ اللهُ هذا، وقَبَّحَ مَنْ يَقُولُه. وفيما نَبَّه عليه أبُو عبدِ اللَّه من الأدِلَّةِ (١٨) كِفايةٌ مع ما ذكَرْنا فيما قبلَ هذا الفصلِ. إذا ثَبَتَ هذا، فليس له تَزْوِيجُها لغيرِه قبلَ اسْتِبْرَائِها، إذا لم يَعْتِقْها؛ لأنَّها ممَّن يجبُ اسْتِبْراؤُها، فلم يَجُزْ أن تتزوَّجَ، كالمُعْتَدَّةِ، وسَواءٌ في ذلك المُشْتَراةُ من رجُلٍ يَطَؤُها، أو من رَجُلٍ قد اسْتَبْرَأها ثُمَّ (١٩) لم يَطَأْها، أو ممَّن لا يُمْكِنُه الوَطْءُ، كالصَّبِىِّ والمرأةِ والمَجْبوبِ. وقال الشافعيُّ: إذا اشْتَراها ممَّن لا يَطَؤُها، فله تَزْوِيجُها، سَواءٌ أعْتَقَها أو لم يَعْتِقْها، وله أن يتزَوَّجَها إذا أعْتَقَها؛ لأنَّها ليستْ فِرَاشًا، وقد كان لِسَيِّدِها تَزْويجُها قبلَ بَيْعِها، فجاز ذلك بعدَ بَيْعِها، ولأنَّها لو عتَقتْ على البائعِ بإعْتاقِه أو غيرِه، لَجاز لكل أحدٍ نِكاحُها، فكذلك إذا أعْتَقَها المُشْترِى. ولَنا، عُمومُ قولهِ ﵇: "لا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بحَيْضةٍ" (١٧). ولأنَّها أمَةٌ يَحْرُمُ عليه وَطْؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، فحَرُمَ عليه تَزْوِيجُها والتَّزَوُّجُ بها، كما لو كان بائِعُها يَطَؤُها. فأمَّا إن أعْتَقَها في هذه الصُّورةِ، فله تَزْوِيجُها لغيرِه؛ لأنَّها حُرّةٌ لم تكُنْ فِراشًا، فأُبِيحَ لها النِّكاحُ، كما لو أعْتَقَها البائعُ، وفارَقَ المَوْطوءةَ؛ فإنَّها فِراشٌ يجبُ عليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها إذا عَتَقَتْ، فحَرُمَ عليها النكاحُ، كالمُعْتَدَّةِ، وفارَقَ ما إذا أراد سَيِّدُها نِكاحَها، فإنَّه لم يكُنْ له وَطْؤُها يمِلْكِ اليَمينِ، فلم يكُنْ له أن يتَزَوَّجَها، كالمُعْتَدَّةِ (٢٠)، ولأنَّ هذا يُتَّخَذُ حِيلةً على إبْطالِ الاسْتِبْراءِ، فمُنِعَ منه، بخلافِ تَزْوِيجِهَا لغيرِه.

стр. 5812

فصل: وإذا كانت له (٢١) أمَةٌ يَطَؤُها، فاسْتَبْرأها، ثم أَعْتَقَها، لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن كَوْنِها فِرَاشًا باسْتِبْرائِه لها. وإن باعَها، فأعْتَقَها المُشْترِى قبلَ وَطْئِها، لم تَحْتَجْ إلى اسْتَبْراءٍ لذلك. وإن باعها قبل اسْتِبْرائِها، فأعْتَقَها المُشْترِى قبلَ وَطْئِها واسْتِبْرائِها، فعليها اسْتِبْراءُ نفسِها. وإن مَضَى بعضُ الاسْتِبْراءِ في مِلْكِ المُشْتَرِى، لَزِمَها إتْمامُه بعدَ عِتْقِها، ولا يَنْقَطِعُ بانْتِقالِ المِلْكِ فيها؛ لأنَّها لم تَصِرْ فِراشًا للمُشْتَرِى، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ بإعْتاقِه (٢٢). فصل: وإذا كانت الأمَةُ بين شَرِيكَيْنِ، فوَطِئاها، لَزِمَها اسْتِبْراءانِ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ، في أحدِ الوَجْهينِ: يَلْزَمُها اسْتِبْراءٌ واحدٌ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ، ولذلك لا يجبُ الاسْتِبْراءُ بأكثرَ من حَيْضةٍ واحدةٍ، وبَراءةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ باسْتِبْراءٍ واحدٍ. ولَنا، أنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودانِ لآدَميَّيْنِ، فلم يتَداخَلَا، كالعِدَّتَيْنِ، [ولأنَّهما اسْتِبْراءانِ من رَجُلَيْنِ، فأشْبَها العِدّتَيْنِ] (٢٣)، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالعِدّتَيْنِ من رَجُلَيْنِ. ١٣٦٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ مَلَك أمَةً، لم يُصِبْها ولَمْ يُقَبِّلْها حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا، أوْ بمُضِىِّ ثَلَاثَةِ أشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ مِنَ الْآيِسَاتِ أَوْ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ) وجملتُه، أنَّ مَنْ مَلَكَ أمَةً بسَبَبٍ من أسبابِ المِلْكِ؛ كالبيعِ، والهِبَةِ، والإِرْثِ، وغيرِ ذلك. لم يَحِلَّ له وَطَؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها، بِكْرًا كانتْ أَوْ ثَيِّبًا، صغيرةً كانتْ أو كبيرةً، ممَّن تَحْمِلُ أو ممَّن لا تَحْمِلُ. وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأكثرُ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عمرَ: لا يجبُ اسْتَبْرَاءُ البِكْرِ. وهو قولُ داودَ؛ لأنَّ الغَرَضَ بالإِسْتِبْراءِ مَعْرِفَةُ بَراءَتِها من الحَمْلِ،

стр. 5813

وهذا معلومٌ في البِكْرِ، فلا حاجةَ إلى الاسْتِبْراءِ. وقال اللَّيْثُ: إن كانتْ ممَّن لا يَحْمِلُ مثلُها، لم يجِب اسْتِبراؤُها لذلك. وقال عثمانُ الْبَتِّىُّ: يجِبُ الاسْتِبْراءُ على البائعِ دُونَ المُشْترِى، لأنَّه لو زَوَّجَها، لكان الاسْتِبْراءُ على المُزَوِّجِ دون الزَّوْجِ، كذلك ههُنا. ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ (١)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عامَ أوْطَاسٍ (٢) أنْ تُوطَأَ حامِلٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ حاملٍ حتى تَحِيضَ. رواه أحمدُ في "المسندِ" (٣). وعن رُوَيْفِعِ بن ثابتٍ، قال: إنَّنِى لا أقولُ إلَّا ما سَمِعْتُه (٤) مِن رسولِ اللَّه ﷺ ، سَمِعْتُه يقولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِىءٍ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأةٍ مِنَ السَّبْىِ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ". روَاه أبو داودَ (٥). وفى لفظٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يومَ حُنَيْنٍ (٦) يقول: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِى مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِه، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ السَّبْىِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ". روَاه الأثْرَمُ. ولأنَّه مَلَكَ جارِيةً مُحَرَّمةٌ عليه، فلم تَحِلَّ له قبلَ اسْتِبْرائِها، كالثَّيِّبِ التي تَحْمِلُ، ولأنَّه سَبَبٌ مُوجِبٌ للاسْتِبْراءِ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ فيه بين البِكْرِ والثَّيِّبِ، والتى تَحْمِلُ والتى لا تَحْمِلُ، كالعِدَّةِ. قال أبو عبدِ اللَّه: قد بَلَغَنِى أنَّ العَذْراءَ تحْمِلُ. فقال له بعضُ أهلِ المجلسِ: نعم، قد كان في جِيرَانِنَا. وذكر ذلك بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا اشْتَراها من امْرأةٍ أو صَبِىٍّ، أو ممَّن تَحْرُمُ عليه برَضاعٍ أو غيرِه، وما ذكَره الْبَتِّىُّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ قد يكونُ بالسَّبْىِ والإِرْثِ والوَصِيَّةِ، فلو لم يَسْتَبْرِئْها

стр. 5814

المُشْترِى، أفْضَى إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ، والفَرْقُ بين البيع والتَّزْويجِ، أنَّ النكاحَ لا يُرادُ إلَّا للاسْتِمتاعِ، فلا يجوزُ إلَّا في مَن تَحِلُّ له، فوَجَبَ أن يتقَدَّمَه الاسْتِبْراءُ، ولهذا لا يَصِحُّ تَزْويجُ مُعْتَدَّةٍ، ولا مُرْتَدَّةٍ، ولا مَجُوسِيَّةٍ، ولا وَثَنِيَّةٍ، ولا مُحَرَّمةٍ بِالرَّضاعِ ولا المُصاهَرةِ، والبيعُ يُرادُ لغيرِ ذلك، فصَحَّ قبلَ الاسْتِبْراءِ، ولهذا صَحَّ في هذه المُحَرَّماتِ، ووَجَبَ الاسْتِبْراءُ على المُشْترِى؛ لما ذكَرْناه. فأمَّا الصَّغيرةُ التي لا يُوطَأُ مثلُها، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ قُبْلَتِها ومُباشَرَتِها لِشَهْوَةٍ قبلَ اسْتِبْرائِها. وهو ظاهرُ كلام أحمدَ، في (٧) أكثرِ الرِّواياتِ عنه، قال: تُسْتَبْرَأُ، وإن كانتْ في المَهْدِ. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: إن كانتْ صغيرةً بأىِّ شيءٍ تُسْتَبْرَأُ إذا كانت رَضِيعةً. وقال في رِوَايةٍ أُخْرَى: تُسْتَبْرَأُ بحيضةٍ إن (٨) كانتْ (٩) تَحِيضُ، وإلَّا بثلاثةِ أشْهُرٍ إن كانت ممَّن تُوطَأُ وتَحْبَلُ. فظاهرُ هذا أنَّه لا يَجِبُ اسْتِبْراؤُها، ولا تَحْرُمُ (١٠) مُباشَرَتُها. وهذا اخْتيارُ ابن (١١) أبي موسى، وقولُ مالكٍ، وهو الصحِيحُ؛ لأنَّ سَبَبَ الإِباحةِ مُتَحَقِّقٌ. وليس على تَحْريمِها دليلٌ، فإنَّه لا نَصَّ فيه، ولا مَعْنَى نَصٍّ؛ لأنَّ تَحْريمَ مُباشَرةِ الكبيرةِ إنَّما كان لكَوْنِه داعِيًا إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ، أو خَشْيةَ أن تكونَ أُمَّ وَلَدٍ لغيرِه، ولا يُتَوهَّمُ هذا في هذه، فوَجَبَ العملُ بمُقْتَضَى الإِباحةِ. فأما مَنْ يمْكِنُ وَطْؤُها، فلا تَحِلُّ قُبْلَتُها، ولا الاسْتِمتاعُ منها فيما (١٢) دُونَ الفَرْجِ قبلَ الاسْتِبْراءِ، إلَّا المَسْبِيَّةَ، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. وقال الحسنُ: لا يَحْرُمُ من المُشْتَراةِ إلَّا فَرْجُها، وله أن يَسْتَمْتِعَ منها بما شاء، ما لم يمَسَّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما نَهَى عن الوَطْءِ، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ مع ثُبُوتِ المِلْكِ، فاخْتَصَّ بالفَرْجِ، كالحَيْض. ولَنا

стр. 5815

أنَّه اسْتِبْرَاءٌ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فَحَرَّمَ الاسْتِمْتاعَ، كالعِدَّةِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ مِنْ (١٣) كَوْنِها حامِلًا من بائِعِها، فتكونُ أُمَّ وَلَدٍ، والبَيْعُ باطلٌ (١٤)، فيكونُ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ وَلَدِ غيرِه، وبهذا فارَقَ تحريمَ الوَطْءِ للحَيْضِ. فأمَّا المَسْبِيَّةُ، فظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ تَحْريمُ مُبَاشَرَتِها فيما دُونَ الفَرْجِ لشَهْوةٍ. وهو الظاهرُ عن أحمدَ؛ لأنَّ كلَّ اسْتِبْراءٍ حَرَّمَ الوَطْءَ حَرّمَ دَوَاعِيَه، كالعِدَّةِ، ولأنَّه داعِيةٌ إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ، لأجْلِ اخْتلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ، فأشْبَهَتِ الْمَبِيعةَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَحْرُمُ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: وَقَعَ في سَهْمِى يومَ جَلُولاءَ (١٥) جارِيةٌ، كأنَّ عُنُقَها إبْرِيقُ فضّةٍ، فما مَلَكْتُ نَفْسِى أن قُمْتُ إليها فَقبّلْتُها، والناسُ ينظرون (١٦). ولأنَّه لا نَصَّ في الْمَسْبِيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الْمَبِيعَةِ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ أن تكونَ أُمَّ وَلَدٍ للبائعِ، فيكونَ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ ولَدِ غيرِه، ومُباشِرًا لمَمْلُوكةِ غيرِه، والْمَسْبِيَّةُ مملوكةٌ له على كلِّ حالٍ، وإنَّما حُرِّمَ وطؤُها لئَلَّا يَسْقِىَ ماءَه زَرْعَ غيرِه. وقولُ الْخِرَقِىِّ: بعدَ تَمامِ مِلْكِه لها. يَعْنِى أنَّ الاسْتِبْراءَ لا يكونُ إلَّا بعد مِلْكِ المُشْتَرِى لجميعِها، ولو مَلَكَ بعضَها، ثم مَلَكَ باقِيَها، لم يُحْتَسَب الاسْتِبْراءُ إِلَّا من حينَ مَلَكَ باقِيَها. وإن مَلَكَها بِبَيْعٍ فيه الخِيارُ، انْبَنَى على نَقْلِ المِلْكِ في مُدَّتِه، فإنْ قُلْنا: يَنْتَقِلُ. فابْتِداءُ الاسْتِبْراءِ من حينِ البَيْعِ. وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِلُ. فابْتداؤُه من حينَ انْقَطَعَ الخِيارُ. وإن كان المبيعُ مَعِيبًا، فابْتداؤُه (١٧) الخِيارَ (١٨) من حينِ البَيْعِ؛ لأنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ بغيرِ خِلافٍ. وهل يُبْتَدَأُ الاسْتِبْراءُ من حينِ البَيْعِ قبلَ القَبْضِ، أو من حينِ القَبْضِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، من حينِ البيعِ؛ لأنَّ المِلْكَ ينْتقِلُ به. والثانى، من حينِ القَبْضِ؛

стр. 5816

لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءَتِها من ماءِ البائعِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مع كَوْنِها في يَدِه. وإن اشْتَرَى عبدُه التَّاجرُ أمَةً، فاسْتَبْرأها، ثم صارت إلى السَّيِّدِ، حَلَّتْ له بغيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابتٌ على ما في يَدِ عَبْدِه، فقد حَصَلَ اسْتِبْراؤُها في مِلْكِه. وإن اشْتَرَى مُكاتَبُه أمَةً، فاسْتَبْرأَها، ثم صارتْ إلى سيِّدِه، فعليه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّ مِلْكَه تجَدّدَ عليها (١٩)، إذ ليس للسَّيِّدِ مِلْكٌ على ما في يد مُكاتَبِه، إلَّا أن تكونَ الجارِيةُ من ذَواتِ مَحارِمِ المُكاتَبِ، فقال أصحابُنا: تُبَاحُ للسَّيِّدِ بغيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّه يَصِيرُ حُكْمُها حكمَ المُكاتَبِ، أن رَقَّ رَقَّتْ، وإن عَتَقَ عَتَقَتْ، والمكاتَبُ عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، والاسْتِبْراءُ الواجبُ ههُنا في حَقِّ الحاملِ بوَضْعِه بلا خِلافٍ، وفى ذَات القُرُوءِ بحَيْضةٍ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ: بحَيْضَتَيْنِ. وهو مُخالِفٌ للحديثِ الذي رَوَيْناه، وللمعنى؛ فإنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفةُ بَراءَتِها من الحَمْلِ، وهو حاصلٌ بحَيْضةٍ، وفى الآيِسَةِ والتى لم تَحِضْ والتى ارْتَفَعَ حيضُها بما ذكرْناه في أُمِّ الوَلَدِ، على ما مضَى من الخِلافِ فيه. فصل: ومَنْ مَلَكَ مَجُوسِيّةً، أو وَثَنِيّةً، فأسْلَمَتْ قبلَ اسْتِبْرائِها، لم تَحِلَّ له حتى يَسْتَبْرِئَها، أو تُتِمَّ ما بَقِىَ من اسْتِبْرائِها؛ لما مَضَى. وإن اسْتَبْرأها ثم أسْلَمَتْ، حَلَّتْ له (٢٠) بغيرِ اسْتِبْرائِها. وقال الشافعيُّ: لا تَحِلُّ له (٢١) حتى يُجَدِّدَ اسْتِبْراءَها بعدَ إسْلامِها؛ لأنَّ مِلْكَه تَجدَّدَ على اسْتِمْتاعِها، فأشْبَهَتْ مَن تَجَدَّدَ مِلْكُه على رَقَبَتِها. ولَنا، قولُه ﵇: "لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرأَ بحَيْضَةٍ". وهذا وَرَدَ في سَبايَا أَوْطاسٍ، وكُنَّ مُشْرِكاتٍ، ولم يَأْمُرْ في حَقِّهِنَّ بأكْثَرَ من حَيْضةٍ، ولأنَّه لم يتَجَدَّدْ مِلْكُه عليها، ولا أصَابَها وَطْءٌ من غيرِه، فلم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها، كما لو حَلَّتِ المُحَرَّمةُ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ إنَّما وَجَبَ كيْلا يُفْضِىَ إلى اخْتلاطِ المِيَاهِ، وامْتِزاجِ الأْنسابِ، ومَظِنَّةُ ذلك

стр. 5817

تَجَدُّدُ المِلْكِ على رَقَبَتِها، ولم يُوجَدْ. ولو باع أمَتَه، ثم رُدّتْ عليه بِفَسْخٍ أو إقَالةٍ بعدَ [قَبْضِها أو افْتِراقِهِما] (٢٢)، لَزِمَه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّه تَجْديدُ مِلْكٍ، سَواءٌ كان المُشْتَرِى لها امرأةً أو غيرَها. وإن كان ذلك قبلَ افْتِراقِهِما، أو قبلَ غَيْبةِ المُشْتَرِى بالجارِيَةِ، ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، عليه الاسْتِبْراءُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَجْدِيدُ مِلْكٍ. والثانية، ليس عليه اسْتِبْراءٌ، وهو قولُ أبي حنيفة إذا تَقايَلَا قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في الاسْتِبْراءِ مع تَعَيُّنِ الْبَراءةِ. فصل: وإذا زَوَّجَ الرجلُ أمَتَه، [فطَلَّقهَا الزَّوجُ] (٢٣)، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ اسْتِبْراؤُها، ولكن إن طُلِّقتْ بعدَ الدُّخولِ، أو مات عنها، فعليها العِدَّةُ. ولو ارْتَدَّتْ أمَتُهَ، أو كاتَبَها، ثم أسْلَمَتِ المُرْتَدَّةُ، وعَجَزتِ المُكاتَبةُ، حَلَّتْ لسَيِّدِها بغيرِ اسْتِبْراءٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: يجبُ عليه الاسْتِبْرَاءُ في هذا كلِّه؛ لأنَّه زال مِلْكُه عن اسْتِمْتاعِها، ثم عاد، فأشْبَهتِ المُشْتراةَ. ولَنا، أنَّه لم يتجدَّدْ مِلْكُه عليها، فأشْبَهتِ المُحَرَّمَةَ إذا حَلَّتْ، والمَرْهُونةَ إذا فُكَّتْ، فإنَّه لا خِلافَ في حِلِّهما بغيرِ اسْتِبْراءٍ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ شُرِعَ لمَعْنًى مظِنَّتُه تَجَدُّدُ المِلْكِ، فلا يُشْرَعُ مع تَخَلُّفِ المَظِنَّةِ والمَعْنَى. فصل: وإن اشترى أمةً مُزَوّجةً، فطَلَّقهَا الزَّوجُ قبلَ الدُّخولِ، لم تُبَحْ بغيرِ اسْتِبْراءٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذه حِيلَةٌ وضَعَها أهلُ الرَّأْىِ، لا بُدَّ من اسْتِبْراءٍ. ووَجْهُ ذلك أنَّ هذه تجَدَّدَ المِلْكُ فيها، ولم يَحْصُل اسْتِبْراؤُها في مِلْكِه، فلم تَحِلَّ بغيرِ اسْتِبْراءٍ، كما لو لم تكُنْ مُزَوَّجةً، ولأنَّ إسْقاطَ الاسْتِبْراءِ ههُنا ذَرِيعةٌ إلى إسْقاطِه في حَقِّ مَنْ أرادَ إسْقاطَه، بأن يُزَوِّجَها عندَ بَيْعِها، ثم يُطَلِّقَها زَوْجُها بعدَ تَمامِ البيعِ، والحِيَلُ حَرَامٌ. فأمَّا إن كان الزَّوجُ دَخَلَ بها، ثم طَلَّقَها، فعليها العِدَّةُ، ولا يَلْزَمُ المُشْترِىَ اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّ ذلك قد حَصَلَ بالعِدَّةِ، ولأنَّها لو عَتَقَتْ لم يجبْ عليها مع العِدَّةِ اسْتِبْراءٌ، ولأنَّها قد اسْتَبْرأتْ

стр. 5818

نَفْسَها ممَّن كانتْ فِراشًا له، فأجْزَأ (٢٤) ذلك، كما لو (٢٥) اسْتَبْرأتْ نَفْسَها من سَيِّدِها إذا كانتْ خالِيَةً من زَوجٍ. وإن اشْتراها، وهى مُعْتَدَّةٌ من زَوْجِها، لم يجبْ [عليها استبراءٌ؛ لأنَّها] (٢٦) لم تكُنْ فِراشًا لسيِّدِها، وقد حَصَلَ الاسْتِبْراءُ من الزَّوجِ بالعِدَّةِ، ولذلك لو عَتَقَتْ في هذه الحال، لم يجبْ عليها اسْتِبْراءٌ. وقال أبو الخطَّاب، في المُزَوَّجةِ: هل يَدْخُلُ الاسْتِبْراءُ في العِدَّةِ؟ على وَجْهَيْن. وقال القاضي، في المُعْتَدَّةِ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ اسْتِبْراؤُها بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ، ولا يتداخَلان؛ لأنَّهما من رَجُلَيْنِ. ومَفْهُومُ كلامِ أحمدَ ما ذكَرْناه أوّلًا؛ لأنَّه عَلَّلَ فيما قبلَ الدُّخولِ بأنَّها حِيلَةٌ وضَعَها أهلُ الرَّأْىِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّ الاسْتِبْراءَ من رَجُلَيْنِ. فإنَّ السَّيِّدَ ههُنا ليس له استِبْراءٌ. فصل: وإن كانت الأمَةُ لرَجُلَيْنِ، فوَطِئاها، ثم باعاها لرجلٍ، أجْزَأه اسْتِبْراءٌ واحدٌ؛ لأنَّه يَحْصُلُ به مَعْرِفةُ البَراءةِ. فإن قِيلَ: فلو أعْتَقَها لأَلْزَمْتُمُوها استبراءَيْنِ. قُلْنا: وُجوبُ الاسْتِبْراءِ في حَقِّ المُعْتَقَةِ مُعَلَّلٌ بالوَطْءِ، ولذلك لو أعْتَقَها وهى ممَّن لا يَطَؤُها، لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ، وقد وُجِدَ الوَطْءُ من اثْنَيْنِ، فلَزِمَها حُكْمُ وَطْئِهِما، وفي مسألَتِنا هو (٢٧) مُعَلَّلٌ بتَجْدِيدِ المِلْكِ لا غيرُ، ولهذا يجبُ على المُشْترِى الاسْتِبْراءُ، سواءٌ كان سَيِّدُها يَطَؤُها أو لم يكُنْ، والمِلْكُ واحدٌ، فوَجَبَ أن يتجَدَّدَ الاسْتِبْراءُ. فصل: وإذا اشْترَى الرجلُ زَوْجَتَه الأمَةَ، لم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّها فِرَاشٌ له، فلم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها من مائِه، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ ليعلمَ هل الولدُ من النكاحِ فيكونُ عليه ولاءٌ له، لأنَّه عَتَقَ بمِلْكِه له، ولا تَصيرُ به الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، أو هو حادِثٌ في مِلْكِ يَمِينِه، فلا يكونُ عليه ولاءٌ، وتصيرُ به الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ؟ ومتى تَبَيَّنَ حَمْلُها، فله وَطْؤُها؛ لأنَّه قد عُلِمَ الحَمْلُ، وزال الاشْتِباهُ.

стр. 5819

فصل: وإن وَطِىءَ الجاريةَ التي يَلْزَمُه اسْتِبراؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، أثِمَ، والاسْتِبْراءُ باقٍ بحالِه؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، فلا يَسْقُطُ بعُدْوانِه. فإن لم تعْلَقْ منه، اسْتَبْرأَها بما كان يَسْتَبْرِئُها به قبلَ الوَطْءِ، وتَبْنِى على ما مَضَى من الاسْتِبْراءِ، وإن عَلِقَتْ منه، فمتى وضَعَتْ حَمْلَها، اسْتَبْرأها بحَيْضةٍ، ولا يَحِلُّ له الاسْتِمْتاعُ منها في حالِ حَمْلِها؛ لأنَّه لم يَسْتَبْرِئْها. وإن وَطِئَها، وهى حاملٌ حَمْلًا كان موجودًا حينَ البَيْعِ من غير البائعِ، فمتى وَضَعَتْ حَمْلَها انْقَضَى اسْتِبْراؤُها. قال أحمدُ: ولا يَلْحَقُ بالمُشترِى، ولا يَتْبَعُه، ولكن يَعْتِقُه؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الوَلَدِ. وقد رَوَى أبو داودَ (٢٨)، بإِسْنادِه عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه مَرَّ بامْرأةٍ مُجِحٍّ، على باب فُسْطاطٍ، فقال: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أنْ يُلِمَّ بِهَا". فقالوا: نعم. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَه لعْنًا يَدْخُلُ معه قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، أوْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ! " ومعناه أنَّه إن اسْتَلْحَقَه وشَرِكَه في مِيراثِه، لم (٢٩) يَحِلَّ له؛ لأنَّه ليس بولَدِه (٣٠)، وإن اتّخَذَه مَمْلوكًا، لم يَحِلَّ له؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه، لكَوْنِ الوَطْءِ يَزِيدُ في الوَلَدِ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عَنْ وَطْءِ الحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ ما في بُطونِهِنَّ. روَاه النَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٣١). فصل: ومَنْ أراد بَيْعَ أمَتِه، فإن كان لا يَطَؤُها، لم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها، لكن (٣٢)

стр. 5820

يُسْتَحَبُّ ذلك، ليُعْلَمَ خُلُوُّها من الحَمْلِ، فيكونَ أحْوَطَ للمُشْتَرِى، وأقْطَعَ للنِّزاعِ. قال أحمدُ: وإن كانتْ (٣٣) لِامرأةٍ، فإنِّى أُحِبُّ أن لا تَبِيعَها حتى تَسْتَبْرِئَها بحَيْضةٍ، فهو أحْوَطُ لها. وإن كان يَطَؤُها، وكانت آيِسَةً، فليس عليه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّ انْتِفاءَ الحَمْلِ مَعْلُومٌ. إن كانتْ ممَّن تَحْمِلُ، وَجَبَ عليه اسْتِبْراؤُها. وبه قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يجبُ عليه اسْتِبْراؤُها. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ باعَ جارِيةً كان يَطَؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها (٣٤). ولأنَّ الاسْتِبْراءَ على المُشْتَرِى، فلا يجبُ على البائعِ، فإنَّ الاسْتِبْراءَ في حَقِّ الحُرَّةِ آكَدُ، ولا يجبُ قبلَ النكاحِ وبعدَه، كذلك لا يجبُ في الأمَةِ قبلَ البَيْعِ وبعدَه. ولَنا، أنَّ عمرَ أنْكَرَ على عبدِ الرحمن بن عَوْفٍ بَيْعَ جاريةٍ كان يَطَؤُها [قبلَ اسْتِبْرائِها، فرَوَى عبدُ اللَّه بن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، قال: باع عبدُ الرحمن بنُ عَوفٍ جارِيةً كَان يَقَعُ عليها] (٣٥) قبلَ أن يَسْتَبْرئَها، فظَهَرَ بها حَمْلٌ عندَ الذي اشْتراها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال له عمرُ: كُنْتَ تَقَعُ عليها؟ قال: نعم. قال: فبِعْتَها قبلَ أن تَسْتَبْرِئَها؟ قال: نعم. قال: ما كُنْتَ لذلك بخَلِيقٍ. قال: فدَعا القافةَ، فنَظَرُوا إليه، فأَلْحَقُوه به (٣٤). ولأنَّه يجبُ على المُشْترِى الاسْتِبْراءُ لحِفْظِ مائِه، فكذلك البائعُ، ولأنَّه قبلَ الاسْتِبْراءِ مَشْكُوكٌ في صِحَّةِ البَيْعِ وجَوازِهِ، لِاحْتمالِ أن تكونَ أُمَّ ولدٍ، فيجبُ الاسْتِبْراءُ لإِزالةِ الاحْتمالِ، فإن خالَفَ وباعَ، فالبيعُ (٣٦) صحيحٌ في الظاهرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الحملِ، ولأنَّ عمرَ وعبدَ الرحمنِ، لم يَحْكُما بفَسادِ البيعِ في الأمَةِ التي باعَها قبلَ اسْتِبْرائِها (٣٧) إلَّا بلَحاقِ الوَلَدِ به، ولو كان البيعُ باطلًا قبلَ ذلك، لم يَحْتَجْ إلى ذلك. وذكر أصحابُنا الرِّوايتَيْن في كلِّ

стр. 5821

أمَةٍ يَطَؤُها، من غيرِ تَفْريقٍ بين الآيِسَةِ وغيرِها. والأوْلَى أن ذلك لا يجبُ في الآيِسَةِ؛ لأنَّ عِلَّةَ الوُجُوبِ احْتمالُ الحَمْلِ، وهو وَهْمٌ بعيدٌ، والأصْلُ عَدَمُه، فلا نُثْبِتُ به حُكْمًا بمُجَرَّدِه. فصل: وإذا اشْتَرَى جارِيةً، فظَهَرَ بها حَمْلٌ، لم يَخْلُ من أحْوالٍ خمسة؛ أحدها، أن يكونَ البائعُ أقَرَّ بوَطْئِها عندَ البيعِ أو قبلَه، وأتَتْ [بوَلدٍ لدُونِ] (٣٨) السِّتّةِ أشْهُرٍ، أو يكونَ البائعُ ادَّعَى الولَدَ، فصَدَّقَه المُشْتَرِى، فإنَّ الوَلَدَ يكونُ للبائعِ، والجارِيةُ أُمُّ وَلَدٍ له، والبَيعُ باطِلٌ. الحال الثاني، أن يكونَ أحَدُهما اسْتَبْرَأها، ثم أتَتْ بوَلَدٍ لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينَ وَطِئَها المُشْترِى، فالوَلَدُ للمُشْتَرِى، والجاريةُ أمّ ولدِه (٣٩). الحال الثالث، أن تَأْتِىَ به لأكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ بعدَ اسْتِبْراءِ أحَدِهما لها، ولأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ وَطِئَها المُشْترِى، فلا يَلْحَقُ نَسَبُه بواحدٍ منهما، ويكون مِلْكًا للمُشْترِى، ولا يَمْلِكُ فَسْخَ البَيْعِ؛ لأنَّ الحَمْلَ تَجَدَّدَ في مِلْكِه ظاهرًا. فإن ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما، فهو للمُشْترِى؛ لأنَّه وُلِدَ في مِلْكِه مع احْتمالِ كَوْنِه منه، وإن ادَّعاه البائعُ وحدَه، فصَدّقَه المُشْترِى، لَحِقَه، وكان البيعُ باطلًا، وإن كَذّبَه، فالقولُ قولُ المُشْترِى في مِلْكِ الولدِ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ إليه ظاهرًا، فلم تُقْبَلْ دَعْوَى البائعِ فيما يُبْطِلُ حَقَّه، كما لو أقَرَّ بعدَ البيعِ أنَّ الجارِيةَ مَغْصُوبةٌ أو مُعْتَقةٌ. وهل يَثْبُتُ نَسَبُ الولدِ من البائعِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ؛ لأنَّه نَفْعٌ للولَدِ من غيرِ ضَرَرٍ على المُشْترِى، فيُقْبَلُ قولُه فيه، كما لو أقَرَّ لوَلَدِه بمالٍ. والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على المُشْترِى، فإنَّه لو أعْتَقَه كان أبوه أحَقَّ بمِيراثِه منه، ولذلك لو أقَرَّ عَبْدانِ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه أخو صاحِبهِ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. الحال الرابع، أن تأتِىَ به بعد سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ وَطِئَها المُشْترِى قبلَ اسْتِبْرائِها، فنَسَبُه لاحِقٌ بالمُشْترِى (٤٠)، فإن ادَّعاه البائعُ، فأقَرَّ له المُشْترِى، لَحِقَه، وبَطَلَ

стр. 5822

البيعُ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ المُشْترِى. وإن ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه من الآخَرِ، عُرِضَ على الْقافةِ، فأُلْحِقَ بمن ألْحَقَتْه به، لحديثِ عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ كَوْنَه من كلِّ واحدٍ منهما. وإن ألْحَقَتْه القافةُ بهما لَحِقَهما (٤١)، ويَنْبَغِى أن يَبْطُلَ البيعُ، وتكونَ أُمَّ ولدٍ للبائعِ؛ [لأنَّنا نتبيَّنُ أنَّها] (٤٢) كانت حامِلًا منه قبلَ بَيْعِها. الحال الخامس، إذا أتَتْ به لأقلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ باعَها، ولم يكُنْ أقَرَّ بوَطْئِها، فالبيعُ صحيحٌ في الظاهرِ، والوَلَدُ مملوكٌ للمُشْترِى، فإن ادَّعاه البائعُ، فالحكمُ فيه كما ذكرْنا في الحالِ الثالثِ، سَواءً. ١٣٦٣ - مسألة؛ قال: (وتَجْتَنِبُ الزَّوْجَةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطِّيبَ، والزِّينَةَ، والْبَيْتُوتَةَ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا، والْكُحْلَ بالإِثْمِدِ، والنِّقَابَ) هذا يُسَمَّى الإِحْدادُ، ولا نَعْلَمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا في وُجُوبِه على المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها، إلَّا عن الحسنِ، فإنَّه قال: لا يجبُ الإِحْدادُ. وهو قولٌ شَذَّ به عن أهلِ العلمِ، وخالَفَ به السُّنَّةَ، فلا يُعَرَّجُ عليه، ويَسْتَوِى في وُجُوبِه الحُرَّةُ والأمَةُ، والمُسْلِمةُ والذِّمِّيَّةُ، والكبيرةُ والصغيرةُ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا إحْدادَ على ذِمِّيَّةٍ ولا صغيرةٍ؛ لأنَّهما غيرُ مُكَلَّفَتَيْنِ. ولَنا، عُمومُ الأحاديثِ التي سنذْكرُها، ولأنَّ غيرَ المُكَلَّفةِ تُساوِى المُكلَّفةَ في اجْتنابِ المُحَرَّماتِ، كالخَمْرِ والزِّنَى، وإنَّما يَفْتَرِقانِ في الإِثْمِ، فكذلك الإِحْدادُ، ولأنَّ حُقُوقَ الذِّمِّيَّةِ في النِّكاحِ كحُقوقِ المُسْلِمةِ، فكذلك (١) فيما عليها. فصل: ولا إحْدادَ على (١) غيرِ الزَّوْجاتِ، كأُمِّ الولدِ إذا مات سَيِّدُها. قال ابن المُنْذِرِ: لا أعْلَمُهُم يَخْتَلِفُون في ذلك وكذلك الأمَةُ التي يَطَؤُها سَيِّدُها، إذا مات عنها، ولا المَوْطُوءةُ بشُبْهةٍ، [ولا المَزْنِيُّ] (٢) بها؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ

стр. 5823

تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أرْبعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا" (٣). ولا إحْدادَ على الرَّجْعِيَّةِ. بغير خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّها في حُكمِ الزَّوجاتِ، لها أن تتَزَيَّنَ لزَوْجِها، وتَسْتَشْرِفَ له، ليَرْغَبَ فيها، وتَنْفُقَ عندَه، كما تَفْعَلُ في صُلْبِ النكاحِ. ولا إحْداد على المَنْكُوحةِ نِكاحًا فاسِدًا؛ لأنَّها ليست زَوْجةً على الحقيقةِ، ولا لها مَن كانتْ تَحِلُّ له ويَحِلُّ لها، فتَحْزَنَ على فَقْدِه. فصل: وتَجْتَنِبُ الحادَّةُ ما يَدْعُو إلى جِماعِها (٤)، ويُرَغِّبُ في النَّظَرِ إليها، ويُحَسِّنُها، وذلك أربعةُ أشْياء؛ أحدها، الطِّيبُ، ولا خِلافَ في تَحْرِيمِه عندَ مَنْ أوْجَبَ الإِحْدادَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَمَسُّ طِيبًا، إلَّا عِنْدَ أدْنَى طُهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِها بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أو أَظْفارٍ (٥) ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورَوَتْ زينبُ بنتُ أُمِّ سَلَمةَ، قالت: دَخَلْتُ على أُمِّ حَبِيبةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حين تُوُفِّىَ أبُوها أبو سُفْيانَ، فدَعَتْ بطِيبٍ فيه صُفْرةٌ، خَلوقٌ أَو غيرُه، فدَهَنَتْ منه جارِيةً، ثم مَسَّتْ بعارِضِها، ثم قالت: واللَّه مالِى بالطِّيبِ مِن حَاجةٍ، غيرَ أنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيالٍ (٧)، إِلَّا على

стр. 5824

زَوْجٍ، أرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". مُتَّفَقٌ عليه (٨). ولأنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوةَ، ويَدْعُو إلى المُباشرةِ. ولا يَجُوزُ لها اسْتِعْمالُ الأدْهانِ المُطَيّبةِ، كدُهْنِ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والياسَمِينِ والْبَانِ، وما أشْبَهه؛ لأنَّه اسْتِعمالٌ للطِّيبِ. فأمَّا الادِّهانُ بغير المُطَيَّبِ (٩)، كالزَّيْتِ والشَّيْرَجِ والسَّمْنِ، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّه ليس بِطِيبٍ. الثاني، اجْتِنابُ الزِّينةِ، وذلك واجبٌ في قولِ عامةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ. وجماعةُ أهلِ العلمِ يَكْرَهُون ذلك، ويَنْهَوْنَ عنه، وهو ثلاثة أقسامٍ؛ أحدها، الزِّينةُ في نَفْسِها، فيَحْرُمُ عليها أن تَخْتَضِبَ، وأن تُحَمِّرَ وَجْهَها بالكَلْكُون (١٠)، وأن تُبَيِّضَه بأَسْفِيدَاجِ (١١) العَرايسِ، وأن تَجْعَلَ عليه صَبِرًا يُصَفِّرُه، وأن تَنْقُشَ وَجْهَها ويَدَيْها، وأن تُحَفِّفَ وَجْهَها، وما أَشْبهه ممَّا يُحَسِّنُهَا، وأن تَكْتَحِلَ بالإِثْمِد مِن غيرِ ضَرُورةٍ؛ وذلك لما رَوَتْ أُمُّ سَلَمةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُها، لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيابِ، ولَا المُمَشَّقَ، ولَا الحَلْىَ، ولَا تَخْتَضِبُ، ولَا تَكْتَحِلُ". روَاه النَّسائِيُّ، وأبو داودَ (١٢). ورَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "لَا تَحِدُّ الْمَرْأةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ

стр. 5825

أيَّامٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإنَّهَا (١٣) تَحِدُّ أرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ولا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، ولا تَكْتَحِلُ، ولَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا عِنْدَ أدْنَى طُهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا، بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أو أظْفارٍ". مُتَّفَقٌ عليه (١٤). وعن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: جاءتِ امْرَأةٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ ابْنَتِى تُوُفِّىَ عنها زَوْجُها، وقد اشْتَكَتْ عَيْنُها، أفتَكْحَلُها؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا". مَرَّتَيْنِ أو ثلاثًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٥). وروَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالتْ: دَخَلَ علىَّ رسولُ اللَّه ﷺ ، حين تُوُفِّىَ أبو سَلَمةَ، وقد جَعَلْتُ على عَيْنَيَّ صَبِرًا، فقال: "مَاذَا يَا أُمَّ سَلَمةَ؟ ". قلتُ: إنَّما هو صَبِرٌ، ليس فيه طِيبٌ. قال: "إنَّهَ يَشِبُ الوَجْهَ (١٦)، لَا تَجْعَلِيهِ إلَّا باللَّيْلِ، وتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِى بالطِّيبِ، وَلَا بالحِنَّاءِ، فإنَّه خِضَابٌ". قالتْ: قلتُ: بأَيِّ شيءٍ أمْتَشِطُ؟ قال: "بالسّدْرِ، تُغَلِّفِينَ بِه رَأْسَكِ" (١٧). ولأنَّ الكُحْلَ مِن أبْلَغِ الزِّينةِ، والزِّينةُ تَدْعُو إليها، وتُحَرِّكُ الشَّهْوةَ، فهى كالطِّيبِ وأبْلَغُ منه. وحُكِىَ عن بعضِ الشَّافعيَّةِ، أنَّ للسَّوْداءِ أن تَكْتَحِلَ. وهو مُخالِفٌ للخبرِ والمَعْنَى، فإنَّه يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها. وإن اضْطُرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحْلِ بالإِثْمِدِ للتَّدَاوِى، فلها أن تَكْتَحِلَ ليلًا، وتَمْسَحَه نهارًا. ورَخَّصَ

стр. 5826

فيه عند الضَّرُورةِ عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بنت أَسِيد (١٨)، عن أُمِّها، أنَّ زَوْجَها تُوُفِّىَ، وكانت تَشْتَكِى عَيْنَيْها، فتَكْتَحِلُ بالجِلاءِ، فأَرْسَلَتْ مَوْلاةً لها إلى أُمِّ سَلَمةَ، تَسْألُها عن كُحْلِ الجِلَاءِ، فقالت: لا تَكْتَحِلِى إلَّا لما لا (١٩) بُدَّ منه، يَشْتَدُّ عليك، فتَكْتَحِلِينَ بالليلِ، وتَغْسِلِينَه بالنهار. روَاه أبو داودَ، والنَّسَائِيُّ (٢٠). وإنَّما مُنِعَ من الكُحْلِ بالإِثْمِدِ، لأنَّه الذي تَحْصُلُ به الزِّينةُ، فأمَّا الكُحْلُ بالتُّوتِيَا (٢١) والعَنْزَرُوتِ (٢٢) ونحوهما، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّه لا زِينَةَ فيه، بل يُقَبِّحُ العَيْنَ، ويَزِيدُها مَرَهًا (٢٣). ولا تُمْنَعُ من جَعْلِ الصَّبِرِ على غيرِ وَجْهِها من بَدَنِها؛ لأنَّه إنَّما مُنِعَ منه في الوَجْهِ لأنَّه يُصَفِّرُه، فيُشْبِهُ الخِضَابَ، ولهذا قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّهُ يَشِبُّ الوَجْهَ" ولا تُمْنَعُ من التَّنْظِيفِ بتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحَلْقِ الشَّعَرِ المَنْدُوبِ إلى حَلْقِه، [ولا من] (٢٤) الاغْتِسالِ بالسِّدْرِ، والامْتِشاط به (٢٥)، لحديثِ أُمِّ سَلَمةَ، ولأنَّه يُرَادُ للتَّنْظِيفِ لا لِلطِّيبِ. القسم الثاني، زِينَةُ الثِّيابِ، فتَحْرُمُ عليها الثِّيابُ المُصَبَّغةُ للتَّحْسِينِ، كالمُعَصْفَرِ، والمُزَعْفَرِ، وسائرِ الأحْمَرِ، وسائرِ المُلَوَّنِ للتَّحْسينِ، كالأزْرَقِ الصافِى، والأخْضَرِ الصَّافِى، والأصْفَرِ، فلا يجوزُ لُبْسُه؛ لقولِ النَّبِيِّ: "لا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا" (٢٦). وقولُه: "لا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ

стр. 5827

الثِّيَابِ، وَلا المُمَشَّقَ". فأمَّا ما لا يُقْصَدُ بصَبْغهِ حُسْنُه، كالكُحْلِيِّ، والأَسْوَدِ، والأخْضَرِ المُشْبَعِ، فلا تُمْنَعُ منه؛ لأنَّه ليس بزِينةٍ. وما صُبِغَ غَزْلُه ثم نُسِجَ، فيه احْتمالان؛ أحدهما، يَحْرُمُ لُبْسُه؛ لأنَّه أرْفَعُ وأحْسَنُ، ولأنَّه مَصْبوغٌ للحُسْنِ، فأشْبَهَ ما صُبِغَ بعدَ نَسْجِه. والثانى، لا يَحْرُمُ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ في حديثِ أُمِّ سَلَمةَ: "إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ" (٢٧). وهو ما صُبِغَ غَزْلُه قبلَ نَسْجِه. ذكَرَه القاضِى، ولأنَّه لم يُصْبَغْ وهو ثَوْبٌ، فأشْبَهَ ما كان حَسَنًا من الثِّيابِ غيرَ مَصْبُوغٍ. والأوَّلُ أصَحُّ، وأمَّا العَصْبُ، فالصحيحُ أنَّه نَبْتٌ تُصْبَغُ به الثِّيابُ. قال صاحب "الرَّوْضِ الأُنُفِ" (٢٨): الوَرْسُ والعَصْبُ نَبْتانِ (٢٩) باليَمَنِ، لا يَنْبُتانِ إلَّا به. فأرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ للحادَّةِ (٣٠) في لُبْسِ ما صبِغَ بالعَصْبِ؛ لأنَّه في معنى ما صُبِغَ لغيرِ التَّحْسِينِ، أمَّا ما صُبِغَ غَزْلُه للتَّحْسِينِ، كالأحْمَرِ والأصْفَرِ، فلا معنى لتَجْوِيزِ لُبْسِه، مع حُصُولِ الزِّينةِ بصَبْغِه، كحُصُولِها بما صُبِغَ بعد نَسْجِه. ولا تُمْنَعُ من حِسَانِ الثِّيابِ غيرِ المَصْبُوغةِ، وإن كان رَقِيقًا، سواءٌ كان من قُطْنٍ أو كَتَّانٍ أو إبْريسَمٍ (٣١)؛ لأنَّ حُسْنَه من أصْلِ خِلْقَتِه، فلا يلزمُ تغييرُه، كما أنَّ المرأةَ إذا كانت حَسَنةَ الخِلْقةِ، لا يَلْزَمُها أن تُغَيِّرَ لَوْنَها، وتُشَوِّهَ نَفْسَها. القسم الثالث، الحَلْىُ، فيَحْرُمُ عليها لُبْسُ الحَلْيِ كلِّه، حتى الخاتَمِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلا الحَلْىَ". وقال عَطاءٌ: يُباحُ حَلْىُ الفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ النَّهْىَ عامٌّ، ولأنَّ الحَلْىَ يَزِيدُ حُسْنَها، ويَدْعُو إلى مُباشَرَتِها، قالت امرأةٌ: (٣٢): وما الحَلْىُ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيصَةٍ ... تُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرَا

стр. 5828

فصل: والثالث ممَّا تَجْتَنِبُه الحادّةُ النِّقابُ، وما في معناه، مثل البُرْقُعِ ونحوه؛ لأنَّ المُعْتَدَّةَ مُشَبَّهةٌ بالْمُحرِمةِ والْمُحْرِمَةُ تُمْنَعُ من ذلك، وإذا احتاجتْ إلى سَتْرِ وَجْهِها، أَسْدَلَتْ (٣٣) عليه كما تفعلُ المُحرِمَةُ. فصل: والرَّابع المَبِيتُ في غيرِ مَنْزِلِها، وممَّن أَوْجَبَ على المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها (٣٤) الاعْتِدادَ في مَنْزِلِها، عمرُ، وعثمانُ، رَضِىَ اللَّه عنهما. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وأُمِّ سَلَمةَ. وبه يقولُ مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. قال (٣٥) ابنُ عبدِ البَرِّ: وبه يقول جماعةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، بالحجازِ، والشامِ، والعراقِ، ومصرَ. وقال جابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ: تَعْتَدُّ حيث شاءتْ. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم. قال ابنُ عباسٍ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ عِدَّتَها عندَ أهلِه، وسَكَنَتْ في وَصِيَّتِها، وإن (٣٦) شاءت خِرَجَتْ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ (٣٧). قال عَطاءٌ: ثم جاء المِيراثُ، فنَسَخَ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حيثُ شاءَتْ. رواهما أبو داودَ (٣٨). ولَنا، ما روت فُرَيْعَةُ بنت مالكِ بن سِنَان، أختُ أبى سعيدٍ الخُدْرِيِّ (٣٩)، أنَّها جاءتْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فأخْبَرَتْه أنَّ زَوْجَها خَرَجَ في طَلَبِ أعْبُدٍ له، فقَتَلُوه بطَرَفِ القَدُومِ (٤٠)، فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ أن أرْجِحَ إلى أهْلِى، فإنَّ زَوْجِى لم يَتْرُكْنِى في مَسْكَنٍ يَمْلِكُه، ولا نَفَقةٍ. قالت: فقال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 5829

"نَعَمْ". قالتْ: فخَرَجْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرةِ أو في المَسْجِدِ، دَعانِى، أو أمَرَ لي فدُعِيتُ له، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "كَيْفَ قُلْتِ؟ " فرَدَّدْتُ عليه القِصَّةَ، فقال: "امْكُثِى في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أجَلَهُ". فاعْتَدَدْتُ فيه أرْبعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، فلمَّا كان عثمانُ بن عَفّان، أرْسَلَ إليَّ، فسألَنِى عن ذلك، فأخْبَرْتُه فاتَّبَعَه، وقَضَى به. رواه مالكٌ، في مُوَطَّأهِ (٤١)، والأثْرَمُ، وهو حديثٌ صحيحٌ، قَضَى به عثمانُ في جَماعةِ الصحابةِ فلم يُنْكِرُوه. إذا (٤٢) ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجبُ الاعْتِدادُ في المَنْزِلِ الذي مات زَوْجُها وهى ساكِنَةٌ به، سواءٌ كان مَمْلوكًا لزَوْجِها، أو بإجَارةٍ، أو عارِيَّةٍ؛ لأنَّ النَّبِيِّ ﷺ قال للفُرَيْعَةِ (٤٣): "امْكُثِى في بَيْتِكِ". ولم تكُنْ في بيتٍ يَمْلِكُه زَوْجُها، وفى بعضِ ألفاظِه: "اعْتَدِّى فِي الْبَيْتِ الَّذِى أتَاكِ فِيه نَعْىُ زَوْجِكِ". وفى لفظ: "اعْتَدِّى حَيْثُ أتَاكِ الْخَبَرُ". فإنْ أتاها الخبرُ في غيرِ مَسْكَنِها، رَجَعَتْ إلى مَسْكَنِها فاعْتَدَّتْ فيه. وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيُّ: لا تَبْرَحُ من مكانِها الذي أتاها فيه نَعْىُ زَوْجِها، اتِّباعًا لِلَفْظِ الخَبَرِ الذي رَوَيْناه. ولَنا، قولُه ﵇: "امْكُثِى في بَيْتِكِ". واللفظُ الآخرُ قَضِيّةٌ في عَيْنٍ، والمُرَادُ به هذا، فإنَّ قَضَايَا الأعْيانِ لا عُمُومَ لها، ثم لا يُمْكِنُ حَمْلُه على العُمُومِ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُها (٤٤) الاعْتِدادُ في السُّوقِ والطَّرِيقِ والبَرِّيَّةِ، إذا أتاها الخَبَرُ وهى فيها. فصل: فإن خافَتْ هَدْمًا أو غَرَقًا أو عَدُوًّا أو نحوَ ذلك، أو حَوَّلَها صاحبُ المَنْزلِ

стр. 5830

لكونِه عارِيَّةً رَجَعَ فيها، أو بإجَارةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُها، أو مَنَعَها السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أو امْتَنَعَ من إجَارَتِه، أو طَلَبَ به أكثرَ من أُجْرَةِ المِثْلِ، أو لم (٤٥) تَجِدْ ما تَكْتَرِى به، أو لم تجدْ إلَّا من مالِها، فلها أن تَنْتَقِلَ؛ لأنَّها حالُ عُذْرٍ، ولا يَلْزَمُها بَذْلُ (٤٦) أجْرِ المَسْكَنِ، وإنَّما الواجبُ عليها فِعْلُ السُّكْنَى، لا تَحْصِيلُ المَسْكَن، وإذا تَعَذَّرَتِ السُّكْنَى، سَقَطَتْ، ولها أن تَسْكُنَ حيثُ شاءتْ. ذكرَه القاضي. وذكر أبو الخَطَّابِ، أنَّها تَنْتَقِلُ إلى أقْرَبِ ما يُمْكِنُها النُّقْلةُ إليه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى مَوْضعِ الوُجوبِ (٤٧)، فأشْبَهَ مَنْ وَجَبَتْ عليه الزَّكاةُ في مَوْضعٍ لا يَجدُ فيه أهْلَ السُّهْمانِ، فإنَّه ينقُلُها إلى أقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهم فيه. ولَنا، أنَّ الواجِبَ سَقَطَ لعُذْرٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ له بِبَدَلٍ، فلا يجبُ، كما لو سَقَطَ الحجُّ للعَجْزِ عته وفَواتِ شَرْطٍ، والمُعْتَكِف إذا لم يَقْدِرْ على الاعْتكافِ في المَسْجِدِ، ولأنَّ ما ذكَرُوه إثباتُ حُكْمٍ بلا نَصٍّ، ولا مَعْنَى نَصٍّ، فإنَّ مَعْنَى الاعْتِدادِ في بَيْتِها لا يُوجَدُ في السُّكْنَى فيما قَرُبَ منه، ويُفارِقُ أهْلَ السُّهمانِ؛ فإنَّ القَصْدَ نَفْعُ الأقْرَبِ، وفى نَقْلِها إلى أقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُه نَفْعُ الأَقْرَبِ، فوَجَبَ لذلك. فصل: قال أصحابُنا: ولا سُكْنَى للمُتَوَفَّى عنها، إذا كانت حائِلًا. رِوايةً واحدةً. وإن كانت حاملًا، فعلى روايتَيْنِ وللشافعيِّ في سُكْنَى المُتَوَفَّى عنها قَوْلان. وَجْهُ الوُجُوبِ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. فنُسِخَ (٤٨) بعضُ المُدَّةِ، وبَقِىَ باقِيها على الوُجُوب. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أمَرَ فُرَيْعَة بالسُّكْنَى في بيتِها، من غيرِ استئذانِ الوَرَثةِ، ولو لم تجبِ السُّكْنَى، لم يكُنْ لها أن تَسْكُنَ إلَّا بإذْنِهِم، كما أنَّها ليس لها أن تتَصَرَّف في شيءٍ من مالِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِهِم. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى إنَّما جَعَل للزَّوْجةِ ثُمْنَ التَّرْكَةِ أو رُبْعَها،

стр. 5831

وجَعَلَ باقِيَها لسائرِ الوَرَثةِ، والمَسْكَنُ من التَّرِكةِ، فوَجَبَ أن لا يُسْتَحَقَّ منه أكْثَرُ من ذلك، ولأنَّها بائِنٌ من زَوْجِها، فأشْبَهتِ المُطَلَّقةَ ثلاثًا، وأمَّا إذا كانت حامِلًا، وقُلْنا: لها السُّكْنَى. فلأنَّها حامِلٌ من زَوْجِها، فوَجَبَ لها السكنَى. قياسًا على المُطَلَّقةِ. فأما الآيةُ التي احْتَجُّوا بها، فإنَّها مَنْسُوخةٌ، وأمَّا أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ فُرَيْعَةَ بالسُّكْنَى، فقَضِيّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَملُ أنَّه ﵇ عَلِمَ أنَّ الوارثَ يَأْذَنُ في ذلك، أو بكَوْنِ الأمْرِ يَدُلُّ على وُجُوبِ السُّكْنَى عليها، ويَتَقَيّدُ ذلك بالإِمْكانِ، وإذْنُ الوارثِ من جُمْلةِ ما يَحْصُلُ الإِمكانُ (٤٩) به، فإذا قُلْنا: لها السُّكْنَى. فهى أحَقُّ بسُكْنَى المسكنِ الذي كانت تَسْكُنُه من الوَرَثةِ والغُرَماءِ، من رأسِ مالِ المُتَوَفَّى، ولا يُبَاعُ في دَيْنِه بَيْعًا يَمْنَعُها السُّكْنَى فيه (٤٩)، حتى تَقْضِىَ العِدَّةَ، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وجمهورُ العلماءِ، وإن تَعَذَّرَ ذلك (٥٠) المسكنُ، فعلى الوارثِ أن يَكْتَرِىَ لها مَسْكَنًا من مالِ المَيِّتِ، فإن لم يَفْعَلْ، أجْبَرَه الحاكمُ، وليس لها أن تَنْتَقِلَ من مَسْكَنِها إلَّا لِعُذْرٍ، كما ذكرْنا. وإن اتَّفَقَ الوارثُ والمرأةُ على نَقْلِها عنه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ هذه السُّكْنَى يتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللَّه تعالى، لأنَّها تَجِبُ للعِدَّةِ، والعِدَّةُ يتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللهِ تعالى، فلم يَجُزِ اتِّفاقُهما على إبْطالِها، بخلافِ سُكْنَى النّكاحِ؛ فإنَّها حَقٌّ لهما، ولأنَّ السُّكْنَى ههُنا من الإِحْدادِ، فلم يَجُز الاتِّفاقُ على تَرْكِها، كسائرِ خِصالِ الإِحْدادِ. ليس لهم أن يُخْرِجُوها، إلَّا أن تَأْتِىَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥١). وهى أن تُطِيلَ (٥٢) لِسانَها على أحْمائِها وتُؤْذِيَهُم بالسَّبِّ ونحوِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وهو قولُ الأكْثَرِينَ. وقال ابنُ مسعودٍ، والحسنُ (٤٩): هي الزِّنَى لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ

стр. 5832

نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥٣). وإخْراجُهُنَّ هو الإِخْراجُ لإِقامةِ حَدِّ الزِّنَى، ثم تُرَدُّ إلى مَكانِها. ولَنا، أنَّ الآيةَ تَقْتَضِى الإِخْراجَ عن السُّكْنَى، وهذا لا يتَحَقَّقُ فيما قالاه. وأمَّا الفاحِشَةُ فهى اسْمٌ للزِّنَى وغيرِه من الأقوالِ الفاحِشَةِ، يقال: أفْحَشَ فلانٌ في مَقالِه. ولهذا رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قالتْ له عائشةُ: يا رسولَ اللَّه، قلتَ لفلانٍ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ". فلما دَخَلَ ألَنْتَ له القولَ. فقال: "يا عَائِشَةُ، إنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ" (٥٤). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَرَثةَ يُخْرِجُونَها عن ذلك المَسْكَنِ، إلى مسكنٍ آخَرَ من الدارِ إن كانَتْ كبيرةً تَجْمَعُهم، فإن كانتْ لا تجمعُهم، أو لم يُمْكِنْ نَقْلُها إلى غيرِه في الدارِ، أو لم (٥٥) يتَخَلَّصُوا من أذاها بذلك، فلهم نَقْلُها. وقال بعضُ أصْحابِنا: يَنْتَقِلُونَ هم عنها؛ لأنَّ سُكْناها واجبٌ في المكانِ، وليس بواجبٍ عليهم. والنَّصُّ يَدُلُّ على أنَّها تُخْرَجُ، فلا يُعَرَّجُ (٥٦) على ما خالَفَه، ولأنَّ الفاحِشةَ منها، فكان الإِخْراجُ لها. وإن كان أحْماؤُها هم الذين يُؤْذُونَها، ويُفْحِشُونَ عليها، نُقِلُوا هم دُونَها، فإنَّها لم تَأْتِ بفاحِشَةٍ، فلا تُخْرَجُ بمُقْتَضَى النَّصِّ، ولأنَّ الذَّنْبَ لهم فيُخَصُّون (٥٧) بالإِخْراجِ. وإن كان المَسْكنُ لغير المَيِّتِ فتَبَرَّعَ صاحِبُه بإسْكانِها فيه، لَزِمَها الاعْتِدادُ به، وإن أبَى أن يُسْكِنَها إلَّا بأُجْرَةٍ، وجَبَ بَذْلُها من مالِ المَيِّتِ، إلَّا أن يتَبَرَّعَ إنسانٌ ببَذْلِها، فيَلْزَمُها (٥٨) الاعْتِدادُ به، فإن حَوَّلَها مالِكُ (٥٩)

стр. 5833

المكانِ، أو طَلَبَ أكثرَ من أُجْرَةِ (٦٠) المِثْلِ، فعلى الوَرَثةِ إسْكانُها إن كان للمَيِّتِ تَركِةٌ يُسْتَأْجَرُ لها به مَسْكَنٌ؛ لأنَّه حَقٌّ لها يُقَدَّمُ على المِيراثِ، فإن اخْتارت النُّقْلةَ عن هذا المسْكنِ الذي يَنْقُلُونَها إليه، فلها ذلك؛ لأنَّ سُكْناها به حَقٌّ لها، وليس بواجبٍ عليها، فإنَّ المسكنَ الذي كان يَجِبُ عليها السُّكْنَى به، هو الذي كانت تَسْكُنُه حين مَوْتِ زَوْجِها، وقد سَقَطَتْ عنها السُّكْنَى به، وسَواءٌ كان المسكنُ الذي كانتْ به لأَبَوَيْها، أو لأحَدِهما، أو لغيرِهم. وإن كانت تَسْكُنُ في [دارٍ لها] (٦١)، فاخْتارتِ الإِقامةَ فيها، والسكنَى بها، مُتَبَرِّعةً أو بأُجْرةٍ تَأْخُذُها من التَّرِكةِ، جاز، ويَلْزَمُ الوَرَثةَ بَذْلُ الأُجْرةِ إذا طَلَبَتْها، وإن طَلَبَتْ أن تُسْكِنَها غيرَها، وتَنْتَقِلَ عنها، فلها ذلك؛ لأنَّه ليس عليها أن تُؤْجِرَ دارَها ولا تُعِيرَها، عليهم إسْكانُها. فصل: فأمَّا إذا قُلْنا: ليس لها السُّكْنَى. فتَطَوَّعَ الوَرَثةُ بإسْكانِها في مَسْكنِ زَوْجِها، أو السُّلْطانُ، أو أجْنَبِيٌّ، لَزِمَها الاعْتِدادُ به، وإن مُنِعَتِ السُّكْنَى به، أو طَلَبُوا منها الأُجْرةَ، فلها أن تَنْتقِلَ عنه (٦٢) إلى غيرِه، كما ذكرْنا فيما إذا أخْرَجَها المُؤْجِرُ عندَ انْقِضاءِ الإِجَارةِ، وسَواءٌ قَدَرَتْ على الأُجْرةِ، أو عَجَزَتْ عنها؛ لأنَّه إنَّما تَلْزَمُها السُّكْنَى لا تَحْصِيلُ المَسْكَنِ. وإن كانت في مَسْكَنٍ لِزَوْجِها، فأَخْرَجَها الوَرَثةُ منه، وبَذَلُوا لها مَسْكَنًا آخَرَ، لم تَلْزمْها السُّكْنَى به (٦٣). وكذلك إن أُخْرِجَتْ من المسْكنِ الذي هي به، أو خَرَجَتْ لأيِّ عارِضٍ كان، لم تَلْزَمْها السُّكْنَى في موضعٍ مُعَيَّنٍ سِوَاهُ، سَواءٌ بَذَلَه الورثةُ أو غيرُهم؛ لأنَّها إنَّما يَلْزَمُها الاعْتِدادُ في بَيْتِها الذي كانت فيه، لا في غيرِه. وكذلك إذا قُلْنا: لها السُّكْنَى. فتعَذَّرَ سُكْناها في مَسْكَنِها، وبُذِلَ لها سِواهُ. وإن طَلَبَتْ مَسْكَنًا سِوَاهُ، لَزِمَ الوَرثةَ تَحْصِيلُه، بأُجْرَةٍ أو بغيرِها، إن خَلَّفَ المَيِّتُ تَركِةً تَفِى

стр. 5834

بذلك، ويُقَدَّمُ ذلك على الميراثِ؛ لأنَّه حَقٌّ على الميِّتِ، فأشْبَهَ الدَّيْنَ؛ فإن كان على الميِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مالَه، ضَرَبَتْ بأُجْرةِ المسكنِ [مع الغُرْماءِ] (٦٤)؛ لأنَّ حَقَّها مُساوٍ لحُقُوقِ الغُرَماءِ، وتَسْتَأْجِرُ بما يُصِيبُها مَوْضِعًا تَسْكُنُه. وكذلك الحكمُ في المُطَلَّقةِ إذا حُجِرَ على الزَّوجِ قبلَ أن يُطَلِّقَها، ثم طَلَّقَها، فإنَّها تَضْرِبُ بأجرةِ المسكنِ لمُدَّةِ العِدَّةِ مع الغُرماءِ، إذا كانت حاملًا. فإن قيل: فَهلَّا قَدَّمْتُم حَقَّ الغُرَماءِ؛ لأنَّه أسْبَقُ؟ قُلنا: لأنَّ حَقَّها ثَبَتَ عليه بغيرِ اخْتيارِها، فشارَكتِ الغُرَماءَ فيه، كما لو أتْلَفَ المُفْلِسُ مالًا لإِنسانٍ أو جَنَى عليه، وان مات، وهى في مَسْكَنِه، لم يَجُزْ إخْراجُها منه؛ لأنَّ حَقَّها تعَلَّقَ بعينِ المَسْكَنِ قبلَ تعَلُّقِ حُقُوقِ الغُرَماءِ بعَيْنِه، فكان حَقُّها مُقَدَّمًا كحَقِّ المُرْتَهِنِ. وإن طلبَ الغُرماءُ بَيْعَ هذا المسكنِ، وتُتْرَكُ السُّكْنَى لها مُدَّةَ العِدَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّها إنَّما تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى إذا كانت حاملًا، ومُدَّةُ الحَمْلِ مَجْهُولةٌ، فتَصِيرُ كما لو باعَها واسْتَثْنَى نَفْعَها مُدَّةً مجهولةً. وإن أراد الورثةُ قِسْمةَ مَسْكَنِها على وَجْهٍ يَضُرُّ بها في السُّكْنَى، لم يكُنْ لهم ذلك. وإن أرادوا التَّعْلِيمَ بخُطُوطٍ، من غَيْرِ نَقْضٍ ولا بِناءٍ، جاز؛ لأنَّه لا ضَرَرَ عليها فيه. فصل: وإذا قُلْنا: إنها تَضرِبُ مع الغُرَماءِ بقَدْرِ مُدَّةِ عِدَّتِها. فإنَّها تَضْرِبُ بمُدَّةِ عادَتِها في وَضْعِ الحَمْلِ، إن كانتْ حاملًا، وإن كانَتْ مُطلَّقةً من ذَواتِ القُرُوءِ، وقلْنا: لها السُّكْنَى، ضَرَبَتْ بمُدَّةِ عادَتِها في القُرُوءِ، فإن لم تكُنْ لها عادةٌ، ضَرَبَتْ بغالبِ عاداتِ النِّساءِ، وهو تِسْعَةُ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثلاثةُ أشْهُرٍ، لكلِّ قُرْءٍ شَهْرٌ، أو بما (٦٥) بَقِىَ من ذلك، إن كان قد مَضَى من مُدَّةِ حَمْلِها شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تأخِيرُ القِسْمةِ لحَقِّ الغُرَماءِ، فإذا ضَرَبَتْ بذلك، فوافَق الصَّوابَ، ولم (٦٦) تَزِدْ ولم تَنْقُصْ،

стр. 5835

اسْتَقَرَّ الحُكْمُ، وتَسْتَأْجِرُ بما يَحْصُلُ لها مَكانًا تَسْكُنُه. وإذا تَعذّرَ ذلك، سَكَنَتْ حيث شاءتْ. وإن كانت المُدَّةُ أقَلَّ ممَّا ضَرَبَتْ به، مثل أن وضَعَتْ حَمْلَها (٦٧) لِستَّةِ أشْهُرٍ، أو ترَبَّصَتْ ثلاثةَ قُرُوءٍ في شَهْرَيْنِ، فعليها رَدُّ الفَضْلِ، وتَضْرِبُ فيه بحِصَّتِها منه. وإن طالتِ العِدَّةُ أكثرَ من ذلك، مثل أن وَضَعَتْ حَمْلَها في عامٍ، أو رأتْ ثلاثةَ قُرُوءٍ في نِصْفِ عامٍ، رَجَعَتْ بذلك على الغُرَماءِ، كما يَرْجِعُون عليها في صُورةِ النَّقْصِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَرْجِعَ به، ويكونَ في ذِمَّةِ زَوْجِها؛ لأنَّنا قَدَّرْنا ذلك مع تَجْوِيزِ الزِّيادةِ، فلم تكُنْ لها الزِّيادةُ عليه. فصل: وللمُعْتَدَّةِ الخروجُ في حوائِجِها نَهارًا، سَواءٌ كانت مُطَلَّقةً أو مُتَوفًّى عنها (٦٨)؛ لما رَوَى جابرٌ، قال: طَلُقَتْ خالَتِى ثَلاثًا، فخرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَها، فلَقِيَها رَجُلٌ، فنَهاها، فذكَرَتْ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "اخْرُجِى، فَجُذِّى نَخْلَكِ، لَعَلّكِ أنْ تَصَدَّقِى (٦٩) مِنْه، أو تَفْعَلِى خَيْرًا". روَاه النَّسائِيُّ، وأبو داودَ (٧٠). ورَوَى مُجاهِدٌ، قال: اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يومَ أُحُد، فجاءتْ نِساؤُهم رسولَ اللَّه ﷺ ، وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّه، نَسْتَوْحِشُ بالليلِ، أفَنَبِيتُ عندَ إِحْدانَا، فإذا أصْبَحْنَا بادَرْنَا إلى بُيُوتِنا؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حَتَّى إذَا أرَدْتُنَّ النَّوْمَ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلى بَيْتِها" (٧١). وليس لها المَبِيتُ في غيرِ بَيْتِها، ولا الخروجُ ليلًا، إلَّا لِضَرُورةٍ؛ لأنَّ

стр. 5836

الليلَ مَظِنَّةُ الفَسَادِ، بخلافِ النهارِ، فإنَّه مَظِنةُ قَضَاءِ الحَوائجِ والمَعَاشِ، وشِرَاءِ ما يُحْتاجُ إليه. وإن وَجَبَ عليها حَقٌّ لا يمكنُ اسْتيفاؤُه إلَّا بها، كاليَمِينِ والحَدِّ، وكانت ذاتَ خِدْرٍ، بَعَثَ إليها الحاكمُ مَنْ يَسْتَوْفِى الحَقَّ منها في مَنْزِلِها، وإن كانت بَرْزَةً (٧٢)، جاز إحْضارُها لِاسْتِيفائِه، فإذا فَرَغَتْ رَجَعَتْ إلى مَنْزِلِها. فصل (٧٣): والأمَةُ كالحُرَّةِ في الإِحْدادِ والاعْتِدادِ في المَنْزلِ، إلَّا أنَّ سُكْناها في العِدّةِ كسُكْناها في حَياةِ زَوْجها، للسَّيِّدِ إمْساكُها نَهارًا، وإرْسالُها ليلًا، فإن أرْسَلهَا ليلًا ونهارًا، اعْتَدّتْ زَمانَها كلَّه في المنزلِ، وعلى الوَرَثةِ إسْكانُها (٧٤) فيهما (٧٥)، كالحُرَّةِ سَواءً. فصل: والبَدَوِيَّةُ كالحَضَرِيَّةِ في الاعْتِدادِ في مَنْزِلها الذي مات زَوْجُها وهى ساكِنَةٌ فيه، فإن انْتقَلتِ الحِلَّةُ، انْتَقَلَتْ معهم؛ لأنها لا يُمْكِنُها المُقامُ وحدَها، وإن انتقلَ غيرُ أهْلِها، لَزِمَها المُقامُ معهم (٧٦)، وإن انْتقَل أهْلُها، انتَقَلتْ معهم، إلَّا أن يَبْقَى من الحِلَّةِ من لا تَخَافُ على نَفْسِها معهم، فتكونَ مُخَيَّرةً بين الإِقامةِ والرَّحِيلِ. وإن هَرَبَ أهْلُها، فخافَتْ، هَرَبَتْ معهم، وإن أمِنَتْ أقامَتْ لِقَضاءِ العِدَّةِ في مَنْزِلِها. فصل: فإن مات صاحبُ السَّفِينةِ وامرأتُه في السَّفِينةِ، ولها مسكنٌ في البَرِّ، فحُكْمُها حكمُ المُسافِرَةِ في البَرِّ، على ما سنذكُرُه، وإن لم يَكُنْ لها مسكنٌ سِوَاها، وكان لها (٧٧) فيها (٧٨) بَيْتٌ يُمْكِنُها السُّكْنَى فيه، بحيثُ لا تَجْتَمِعُ مع الرِّجالِ، وأمْكَنها المُقامُ فيه، بحيثُ تَأْمَنُ على نَفْسِها ومعها مَحْرَمُها، لَزِمَها أن تَعْتَدَّ به، فإن كانت

стр. 5837

ضَيِّقةً، وليس معها مَحْرَمُها، أو لا يُمْكِنُها الإِقامةُ فيها إلَّا بحيثُ تَخْتَلِطُ بالرِّجالِ، لَزِمَها الانْتِقالُ عنها (٧٩) إلى موضعٍ سِوَاها. ١٣٦٤ - مسألة؛ قال: (والْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، تَتَوَقَّى الطِّيبَ، والزِّينَةَ، والكُحْلَ بالْإِثْمِدِ) اخْتَلفَتِ الرِّواية عن أحمدَ، في وُجُوبِ الإِحْدادِ على المُطلَّقةِ البائِنِ؛ فعنه، يجبُ عليها. وهو قولُ سعيد بن المُسَيَّبِ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. والثانية، لا يجبُ عليها. وهو قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ونحوُه قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا" (١). وهذه عِدَّةُ الوَفاةِ، فيَدُلُّ على أنَّ الإِحْدادَ إنَّما يَجِبُ في عِدَّةِ الوَفاةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ عن غيرِ وَفاةٍ، فلم يَجِبْ عليها الإِحْدادُ، كالرَّجْعِيّةِ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ، ولأنَّ الإِحْدادَ في عِدَّةِ الوفاةِ لإِظْهارِ الأسَفِ على فِرَاقِ زَوْجِها ومَوْتِه، فأمَّا الطَّلاقُ فإنَّه فارَقَها باخْتيارِ نَفْسِه، وقَطَعَ نِكاحَها، فلا معنى لتَكْلِيفها الحُزْنَ عليه، ولأنَّ المُتَوَفَّى عنها لو أتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَ الزَّوجَ، وليس له مَنْ يَنْفِيه، فاحْتِيطَ عليها بالإِحْدادِ، لئلَّا يَلْحَقَ بالميِّتِ مَنْ ليس منه، بخلافِ المُطَلَّقةِ، فإنَّ زَوْجَها باقٍ، فهو يحْتاطُ عليها بنَفْسِه، ويَنْفِى وَلَدَها إذا كان من غيرِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّها مُعْتَدَّةٌ بائنٌ من نكاحٍ، فلَزِمَها الإِحْدادُ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها؛ وذلك لأنَّ العِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكاحَ، فحَرَّمَتْ (٢) دَوَاعِيَه. ويُخَرَّجُ على هذا الرجْعِيَّةُ، فإنَّها زَوْجَةٌ، والمَوْطوءةُ بشُبْهةٍ ليست مُعتّدةً من نِكاحٍ، فلم تَكْمُلِ الحُرْمَةُ. فأمَّا الحديثُ، فإنَّما مَدْلُولُه تحريمُ الإِحْدادِ على مَيِّتٍ غيرِ الزَّوجِ، ونحنُ نَقُولُ

стр. 5838

به، ولهذا جاز الإِحْدادُ ههُنا بالإِجْماعِ، فإذا قُلْنا: يَلْزَمُها الإِحدادُ، لَزِمَها شَيْئان؛ تَوَقِّى الطِّيبِ، والزِّينةِ في نَفْسِها، على ما قَدَّمنا فيهما (٣)، ولا تُمْنَعُ من النِّقابِ، ولا من الاعْتِدادِ في غير مَنْزِلها، ولذلك أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فاطمةَ بنت قيسٍ، أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتومٍ (٤). على ما سنذكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى. فصل: وإذا كانت المَبْتُوتةُ حامِلًا، وَجَبَ لها السُّكْنَى، رِوَايةً واحدةً. ولا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فيه. وإن لم تكنْ حاملًا، ففيها رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يجبُ لها ذلك. وهو قولُ ابن عباسٍ، وجابرٍ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ (٥)، وعمرُو بن مَيْمُون، وعِكْرِمةُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. والثانية، يجبُ لها ذلك، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، والقاسمِ، وسالمٍ، وأبي بكرِ بن عبدِ الرحمنِ، وخَارِجةَ بن زيدٍ، وسليمانَ بن يَسَارٍ، ومالكٍ، والثَّوْريِّ، والشافعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٧). فأوْجَبَ لهن السكنَى مُطْلَقًا ثم خَصَّ الحامِلَ بالإِنْفاقِ عليها. ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنت قَيْسٍ، أن أبا عمرِو بن حَفْصٍ طَلَّقَها الْبَتَّةَ، وهو غائِبٌ، فأَرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فتَسَخَّطَتْه، فقال: واللَّه ما لَكِ علينا من شيءٍ. فجاءتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال لها: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ولَا سُكْنَى". فأمَرَها أن تَعْتَدَّ في بيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثم قال: "إنَّ تِلْكَ امْرَأةٌ يَغشَاهَا

стр. 5839

أصْحَابِى. اعْتَدِّى فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). فإن قيل: فقد أنْكَرَ عليها عمر، وقال: مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتابَ رَبِّنَا، وسُنّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ، لا نَدْرِى أصَدَقَتْ أم كَذَبَتْ. وقال عروةُ: لقد عابَتْ عائشةُ (٨) ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت (٩): إنَّها كانتْ في مكانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ على ناحِيَتِها. وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ الناسَ، إنَّها كانت لَسِنَةً، فوُضعَتْ على يَدَىِ ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى. قُلْنا: أمَّا مُخَالفةُ الكِتابِ، فإنَّ فاطمةَ لمَّا أنْكَرُوا عليها، قالت: بَيْنِى وبينكم كِتابُ اللَّه، قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١٠). فأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بعد الثَّلاث؟ فكيف تَقُولُون: لا نَفَقةَ لها، إذا لم تكنْ حامِلًا فعَلامَ تَحْبِسُونها؟ فكيف تُحْبَسُ امرأةٌ بغير نَفَقةٍ؟ وأمَّا قولهم: إنَّ عمرَ قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد أنْكَرَ أحمدُ هذا القولَ عن عمرَ، قال: ولكنَّه قال: لا نُجِيزُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ. وهذا مُجْمَعٌ على خِلافِه، وقد أخَذْنا بخبرِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبروايةِ عائشةَ وأزْواجِ رسولِ اللَّه ﷺ في كثيرٍ من الأحْكامِ، وصار أهلُ العلمِ إلى خبرِ فاطمةَ هذا في كثيرٍ من الأحكامِ، مثل سُقُوطِ نَفَقةِ المَبْتُوتةِ إذا لم تكُنْ حاملًا، ونَظَرِ المرأةِ إلى الرجالِ، وخِطْبَةِ الرَّجُلِ على خِطْبةِ أخِيه إذا لم تكُنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ. وأمَّا تَأْوِيلُ من تَأَوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشيءٍ، فإنَّها تُخالِفُهُم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِق المُتَأَوِّلُون على شيءٍ، وقد رُدَّ على من رَدَّ عليها، فقال مَيْمُونُ بن مهرانَ لسعيدِ بن المُسَيَّبِ، لما قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ الناسَ: لئن كانتْ إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّه ﷺ ما فَتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لَنا في

стр. 5840

رسولِ اللَّه ﷺ أُسْوَةً حَسَنَةً، مع أنَّها أحْرَمُ الناسِ عليه، ليس له عليها رَجْعةٌ، ولا بينهما مِيراثٌ. وقولُ عائشةَ: إنها كانت في مكانٍ وَحْشٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ بغيرِ ذلك، فقال: "يا ابْنةَ آلِ قَيْسٍ، إنَّما السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا كَانَ لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ". هكذا روَاه الحُمَيْديُّ (١١)، والأثْرَمُ (١٢). ولأنَّه لو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ أو غيرُها (١٣) من التَّأْويلِ، ما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ. ثم فاطمةُ صاحِبةُ القِصَّةِ، وهى أعْرَفُ بنَفسِها وبحالِها، وقد أنْكَرَتْ على مَنْ أنْكَرَ عليها، ورَدَّتْ على من رَدَّ خَبَرَها، أو تأَوَّلَه بخلافِ ظاهِرِه، فيجبُ تَقْدِيمُ قَوْلِها؛ لِمَعْرِفَتِها بنَفْسِها، ومُوافَقَتِها ظاهِرَ الخبرِ، كما في سائرِ ما هذا سَبِيلُه. فصل: قال أصحابُنا: ولا يتعَيَّنُ المَوْضِعُ الذي تَسْكُنُه في الطَّلاقِ، سَواءٌ قُلْنا: لها السُّكْنَى. أو لم نَقُلْ، بل يتَخَيَّرُ الزَّوجُ بين إقْرارِها في المَوْضعِ الذي طَلَّقَها فيه، وبين نَقْلِها إلى مسكنِ مِثْلِها، والمُسْتَحَبُّ إقْرارُها، لقولِه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. ولأنَّ فيه خُرُوجًا من الخلافِ، فإنَّ الذين ذكرْنا عنهم أنَّ لها السُّكْنَى، يَرَوْنَ وُجُوبَ الاعْتِدادِ عليها في منزلِها، فإن كانتْ في بَيْتٍ يَمْلِكُ الزوجُ سُكْناه، ويَصْلُحُ لمِثْلِها، اعْتَدَّتْ فيه، فإن ضاق عنهما، انْتَقَلَ عنها وتَرَكَه لها، لأنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْناها في الموضعِ الذي طَلَّقَها فيه، وإن اتَّسَعَ الموضعُ لهما، وفى الدارِ موضعٌ لها مُنْفَرِدٌ، كالحُجْرةِ أو عُلْوِ الدارِ أو سُفْلِها، وبينهما بابٌ مُغْلَقٌ، سَكَنَتْ فيه، وسكنَ الزَّوْجُ في الباقِى، لأنَّهما كالحُجْرَتَينِ المُتَجاوِرَتَيْنِ، وإن لم يكُنْ بينهما بابٌ مُغْلَقٌ، لكن لها موضعٌ تَتَسَتَّرُ فيه، بحيث لا يَراها، ومعها مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ به، جاز؛ لأنَّ مع المَحْرَمِ يُؤْمَنُ الفَسادُ، ويُكْرَهُ في الجملةِ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ النَّظَرُ، وإن لم يكُنْ معها مَحْرَمٌ، لم يَجُزْ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ

стр. 5841

بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ؛ فَإنَّ ثالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" (١٤). وإن امْتَنعَ من إسْكانِها، وكانت ممَّن لها عليه السُّكْنَى، أجْبَرَه الحاكمُ، فإن كان الحاكمُ مَعْدُومًا، رَجَعَتْ على الزَّوْجِ، وإن كان الحاكمُ موجودًا، فهل تَرْجِعُ؟ على رِوايتَيْنِ. وإن كان الزَّوجُ حَاضِرًا، ولم يَمْنَعْها من المَسْكنِ، فاكْتَرَتْ لِنَفْسِها مَوْضِعًا، أو سَكَنَتْ في موضعٍ تَمْلِكُه، لم تَرْجِعْ بالأُجْرةِ؛ لأنَّها تَبَرَّعَتْ بذلك، فلم ترجِعْ به على أحدٍ. وإن عَجَزَ الزَّوجُ عن إسْكانِها؛ لِعُسْرَتِه، أو غَيْبَتِه، أو امْتَنَعَ من ذلك مع قُدْرَتِه، سَكَنَتْ حيثُ شاءتْ. وكذلك المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها، إذا لم يُسْكِنْها وَرَثَتُه؛ لأنَّه إنَّما تَلْزَمُها السُّكْنَى في مَنْزِله لتَحْصِينِ مائِه، فإذا لم تَفْعَلْ، لم يَلْزَمْها ذلك. ١٣٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ، فتُوُفِّىَ عَنْهَا (١) زَوْجُها، وَهِىَ بالْقُرْبِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِىَ الْعِدَّةَ، فَإنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، فَإنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِىَ عَلَيْهَا (٢) مِنْ عِدَّتِها شيْءٌ، أتَتْ بِهِ في مَنْزِلِها) (٣) وجملتُه أنَّ الْمُعْتَدَّةَ من الوفاةِ ليس لها أن تَخْرُجَ إلى الحَجِّ، ولا إلى (٤) غيرِه. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والقاسمُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والثَّوْرِيُّ. وإن خَرَجَتْ، فمات زَوْجُها في الطَّريقِ، رَجَعَتْ إن كانت قَرِيبةً؛ لأنَّها في حُكْمِ الإِقامةِ، وإن تباعَدَتْ، مَضَتْ في سَفَرِها. وقال مالكٌ: تُرَدُّ ما لم تُحْرِمْ. والصَّحِيحُ أنَّ البعيدةَ لا تُرَدُّ؛ لأنَّه يَضُرُّ بها، وعليها مَشَقَّةٌ، ولا بُدَّ لها (٥) من سَفَرٍ وإن رَجَعَتْ. قال القاضي: يَنْبَغِى أن يُحَدَّ القَرِيبُ

стр. 5842

بما لا تُقْصَرُ فيه الصَّلاةُ، والبعيدُ ما تُقْصَرُ فيه؛ لأنَّ ما لا تُقْصَرُ الصلاةُ فيه أحكامُه أحكامُ الحَضَرِ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى القَصْرَ إلَّا في مَسِيرَةِ ثلاثةِ أيامٍ. [فقال: متى كان بينَها وبينَ مَسْكَنِها دُون ثلاثةِ أيَّامٍ، فعليها الرُّجُوعُ إليه، وإن كان فوق ذلك لَزِمَها المُضِيُّ إلى مَقْصِدِها، والاعْتدادُ فيه إذا كان بينَها وبينه دُونَ ثلاثةِ أيَّامٍ] (٦)، وإن كان بينَه وبينَها ثلاثةُ أيامٍ، وفي مَوْضِعِها الذي هي به مَوْضِعٌ يُمْكِنُها الإِقامةُ فيه، لَزِمهَا الإِقامةُ، وإن لم يُمْكِنْها الإِقامةُ، مَضَتْ إلى مَقصِدِها. وقال الشافعيُّ: إن فارَقَتِ البُنْيانَ، فلها الخيارُ بين الرُّجُوعِ والتَّمامِ؛ لأنَّها صارت في مَوْضعٍ أَذِنَ لها زَوْجُها فيه، وهو السَّفَرُ، فأشْبَهَ ما لو كانت قد بَعُدَتْ. ولَنا، على وُجُوبِ الرُّجوعِ إذا كانت قَرِيبةً، ما رَوَى سعيدٌ (٧)، ثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ قال: تُوُفِّىَ أزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حاجَّاتٌ أو مُعْتَمِراتٌ، فرَدَّهُنَّ عمرُ من ذِى الْحُلَيْفةِ، حتى يَعْتَدِدْنَ [في بُيُوتِهِنَّ] (٨). ولأنَّه (٩) أمْكَنَها الاعْتِدادُ في مِنزلِها قبلَ أن يَبْعُدَ سَفَرُها، فَلَزِمَها، كما لو لم تُفارِق البَنْيانَ. وعلى أنَّ البعيدةَ لا يَلْزَمُها الرُّجوعُ، أنَّ (١٠) عليها مَشَقّةً، وتَحْتاجُ إلى سَفرٍ في رُجُوعِها، فأشْبَهتْ مَن بَلَغَتْ مَقْصِدَها. وإن اخْتارَتِ البعيدةُ الرُّجوعَ، فلها ذلك إذا كانتْ تَصِلُ إلى منزلِها قبلَ انقضاءِ عِدّتِها، ومتى كان عليها في الرُّجوعِ خَوْفٌ أو ضَرَرٌ، فلها المُضِيُّ في سَفَرِها، كما لو أبْعَدَتْ (١١). ومتى رَجَعَتْ،

стр. 5843

وقد بَقِىَ عليها شيءٌ (١٢) من عِدَّتِها، لَزِمَها أن تَأْتِىَ به في مَنْزِلِ زَوْجِها، بلا خلافٍ نعْلمُه بينَهم في ذلك؛ لأنَّه أمْكَنَها الاعْتِدادُ فيه، فلَزمَها، كما لو لم تُسافِرْ منه. فصل: ولو كانتْ عليها حِجَّةُ الإِسْلامِ، فمات زَوْجُها، لَزِمَتْها العِدَّةُ في مَنْزِلِها وإن فاتَها الحجُّ؛ لأنَّ العِدَّةَ في المنزلِ تَفُوتُ، ولا بَدَلَ لها، والحجُّ يُمْكِنُ الإِتْيانُ به في غيرِ هذا العامِ. وإن مات زَوْجُها بعدَ إحْرامِها بحجِّ الفَرْضِ، أو بحجٍّ (١٣) أَذِنَ لها زَوْجُها فيه، نَظَرْتَ؛ فإن كان وَقْتُ الحجِّ مُتَّسِعًا، لا تخافُ فوتَه، ولا فوتَ الرُّفْقةِ، لَزِمَها الاعْتِدادُ في منزِلِها؛ لأنَّه أمْكَن الجمعُ بين الحَقَّيْنِ، فلم يَجُزْ إسقاطُ أحَدِهما، وإن خَشِيَتْ فَواتَ الحجِّ، لَزِمَها المُضِيُّ فيه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُها المُقامُ وإن فاتَها الحجُّ؛ لأنَّها مُعْتَدَّةٌ، فلم يَجُزْ لها أن تُنْشِئَ سَفَرًا، كما لو أحْرَمَتْ بعدَ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها. ولَنا، أنَّهما عِبادَتانِ اسْتَوَيَا في الوُجُوبِ، وضِيقِ الوَقْتِ، فوَجَبَ تَقْديمُ الأسْبَقِ منهما، كما لو كانت العِدَّةُ أسْبَقَ، ولأنَّ الحجَّ آكَدُ؛ لأنَّه أحَدُ أركانِ الإِسْلامِ، والمَشَقَّةُ بتَفْوِيتِه تَعْظُمُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كما لو مات زوجُها بعدَ أن بَعُدَ سَفَرُها إليه. وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ بعدَ مَوْتِ زوجِها، وخَشِيَتْ فَواتَه، احْتَمَلَ أن يجوزَ لها المُضِيُّ إليه؛ لما في بقائِها في الإِحْرامِ من المَشَقَّةِ، واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَها الاعْتِدادُ في منزِلِها؛ لأنَّ العِدَّةَ أسْبَقُ، ولأنَّها فَرَّطَتْ وغَلَّظَتْ على نَفْسِها، فإذا قَضَتِ العِدَّةَ، وأمْكَنها السَّفَرُ إلى الحجِّ، لَزِمَها ذلك، فإن أدْرَكَتْه، وإلَّا تحَلَّلَتْ بعملِ عُمْرةٍ، وحكْمُها فى القضاءِ حُكْمُ مَنْ فاتَه الحجُّ. وإن لم يُمْكِنْها السَّفَرُ، فحُكْمُها حكمُ المُحْصَرِ (١٤)، كالتى يَمْنَعُها زَوجُها من السَّفَرِ. وحكمُ الإِحْرامِ بالعُمْرةِ كذلك، إذا خَيفَ فواتُ الرُّفْقةِ أو لم يُخَفْ. فصل: وإذا أَذِنَ لها زوجُها للسَّفَرِ لغيرِ النُّقْلةِ، فَخَرَجَتْ، ثم مات زوجُها،

стр. 5844

فالحُكْمُ في ذلك كالحُكْمِ في سَفَرِ الحجِّ، على ما ذكرْنا من التَّفْصيلِ. وإذا مَضَتْ إلى مَقْصِدِها، فلها الإِقامةُ حتى تَقْضِىَ ما خَرَجَتْ إليه، وتَنْقَضِىَ حاجَتُها من تِجارةٍ أو غيرِها. وإن كان خُرُوجُها لنُزْهةٍ أو زيارةٍ، أو لم (١٥) يكُنْ قَدَّرَ لها مُدَّةً، فإنَّها تُقِيمُ إقامةَ المُسافرِ ثلاثًا، وإن كان (١٦) قَدّرَ لها مُدّةً، فلها إقامَتُها؛ لأنَّ سَفَرَها بحُكْمِ إذْنِه، فكان لها إقامةُ ما أَذِنَ لها فيه، فإذا مَضَتْ مُدَّتُها، أو قَضَتْ حاجَتَها، ولم يُمْكِنْها الرُّجوعُ؛ لخَوْفٍ أو غيرِه، أتَمَّتِ العِدَّةَ في مكانِها، وإن أمْكنها الرُّجوعُ، لكن لا يُمْكِنُها الوُصولُ إلى منزِلها حتى تَنْقَضِىَ عِدّتُها، لَزِمَتْها الإِقامةُ في مكانِها؛ لأنَّ الاعْتدادَ وهى مُقِيمةٌ أَوْلَى من الإِتْيانِ بها في السفرِ. وإن كانت تَصِلُ وقد بَقِىَ من عِدَّتِها شيءٌ، لَزِمَها العَوْدُ؛ لتأْتِىَ بالعِدَّةِ في مكانِها. فصل: وإن أَذِنَ الزَّوجُ لها في الانْتِقالِ إلى دارٍ أُخْرَى، أو بلدٍ آخَرَ، فمات قبلَ انْتقالِها، لَزِمهَا الاعْتِدادُ في الدَّارِ التي هي بها؛ لأنَّها بَيْتُها، وسواءٌ مات قبلَ نَقْلِ مَتاعِها أو بعدَه؛ لأنَّها مَسْكَنُها، ما (١٧) لم تَنْتَقِلْ عنه. وإن مات بعَد انْتقالِها إلى الثانيةِ، اعْتَدَّتْ فيها؛ لأنَّها مَسْكَنُها، وسواءٌ كانتْ قد نَقَلَتْ مَتاعَها، أو لم تَنْقُلْه. وإن مات وهى بينهما، فهى مُخَيَّرةٌ؛ لأنَّها لا مَسْكَنَ لها منهما، فإنَّ الأُولَى قد خَرَجَتْ عنها مُنْتَقِلةً، فخَرَجَتْ عن كَوْنِها مَسْكنًا لها، والثانية لم تَسْكُنْ بها، فهما سَواءٌ. وقيل: يَلْزَمُها الاعْتدادُ في الثانيةِ؛ لأنَّها المسكنُ الذي أَذِنَ لها زوجُها في السُّكْنَى به. وهذا يُمْكنُ في الدارَيْنِ، فأمَّا إذا كانا بَلَدينِ، لم يَلْزَمْها الانْتِقالُ إلى البلدِ الثاني بحالٍ؛ لأنَّها إنَّما كانت تَنْتقِلُ لغَرَضِ زَوْجِها في صُحْبَتِها إيَّاه، وإقامَتِها معه، فلو ألْزَمْناها ذلك بعدَ مَوْتِه، لَكَلّفْناها السّفَرَ الشاقَّ، والتَّغَرُّبَ عن وَطَنِها وأهْلِها، والمُقامَ مع غيرِ مَحْرَمِها، والمُخاطرةَ بنَفْسِها، مع فواتِ الغَرَضِ، وظاهرُ حالِ الزَّوجِ أنَّه لو عَلِمَ أنَّه يَموتُ، لَما

стр. 5845

نَقَلَها، فصارت الحياةُ مَشْرُوطةً في النُّقْلةِ. فأمَّا إن انتقلتْ إلى الثانيةِ، ثم عادتْ إلى الأُولَى لِنَقْلِ مَتاعِها، فمات زَوْجُها وهى بها، فعليها الرُّجوعُ إلى الثانيةِ؛ لأنَّها صارتْ مَسْكَنَها بانْتِقالِها إليها، وإنَّما عادتْ إلى الأُولَى لحاجةٍ، والاعْتبار بمَسْكَنِها دُونَ مَوْضِعِها. وإن مات وهى في الثانية، فقالتْ: أَذِنَ لي زَوْجِى في السُّكْنَى بهذا المكانِ. وأنْكَرَ ذلك الورثةُ، أو قالتْ: إنَّما أَذِنَ لي زَوْجِى في الْمَجِىءِ إليه، لا في الإِقامةِ به. وأنكَرَ ذلك الورثةُ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها أعْرَفُ بذلك منهم. وكلُّ مَوْضعٍ قُلْنا: يَلْزَمُها السفرُ عن بَلَدِها. فهو مَشْروطٌ بوُجُودِ مَحْرَمِها مُسافِرًا معها، والأمْنِ على نَفْسِها؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ مِنْ أهْلِهَا" (١٨). أو كما قال. ١٣٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا وَهُوَ ناءٍ عَنْهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَ أو طَلَّقَ، إذَا صَحَّ ذلِكَ عِنْدَهَا، وإنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّةُ) هذا (١) المشهورُ في المذهب، وأنَّه متى مات زَوْجُها أو طَلَّقَها، فعدَّتُها من يومِ مَوْتِه وطَلَاقِه. قال أبو بكر: لا خِلافَ عن أبي عبدِ اللَّه أعْلَمُه، أنَّ العِدَّةَ تَجِبُ من حينِ المَوْتِ والطلاقِ، إلَّا ما روَاه إسحاقُ بن إبراهيمَ. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابن مسعودٍ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وجابرِ بن زيدٍ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، وطَاوُسٍ، وسليمانَ بن يَسَارٍ، وأبى قِلَابةَ، وأبى الْعالِيَةِ، والنَّخَعِيِّ، ونافعٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ: إن قامَتْ بذلك بَيِّنَةٌ، فكما ذكَرْنا (٢). وإلَّا فعدّتُها من

стр. 5846

يوم يَأْتِيها الخَبَرُ. ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعمرَ بن عبد العزيز. ويُرْوَى عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادةَ، وعَطاءٍ الخُراسانيِّ، وخِلَاسِ بن عمرٍو، أنَّ عِدَّتَها من يوم يأْتِيها الخبرُ؛ لأنَّ العِدَّةَ اجْتِنابُ أشياءَ، وما (٣) اجْتَنَبَتْها. ولَنا، أنَّها لو كانت حاملًا، فوَضَعَتْ حَمْلَها غيرَ عالمةٍ بفُرْقةِ زَوْجِها، لَانْقَضَتْ عِدّتُها، فكذلك سائرُ أنواعِ العِدَدِ، ولأنَّه زمانٌ عَقِيبَ الموتِ أو الطَّلاقِ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ به، كما لو كان حاضِرًا، ولأنَّ القَصْدَ غيرُ مُعْتَبَرٍ في العِدَّةِ، بدِليلِ أنَّ الصَّغيرةَ والمَجْنونةَ تَنْقَضِى عِدّتُهُما من غيرِ قَصْدٍ، ولم يُعْدَمْ ههُنا إلَّا (٤) القَصْدُ، وسواءٌ في هذا اجْتَنَبَتْ ما تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّاتُ، أو لم تَجْتَنِبْه، فإنَّ الإِحْدادَ الواجبَ ليس بشَرْطٍ في العِدَّةِ، فلو تَرَكَتْه قَصْدًا، أو عن غيرِ قَصْدٍ، لَانْقَضَتْ عِدَّتُها، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥). وقال: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٦). وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦). وفى اشْتِراطِ الإِحْدادِ مُخالَفَةُ هذه النُّصُوصِ، فوَجَبَ أن لا يُشْتَرَطَ.

стр. 5847

كتاب الرَّضاع الأصلُ في التحريمِ بالرَّضاعِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١). ذكرهم (٢) اللهُ سبحانه في جُمْلَةِ المُحَرَّماتِ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما روَت عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ الرَّضاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفظٍ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". روَاه النَّسَائِيُّ (٣). وعن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ في بِنْتِ حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِى، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِىَ ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). في أخبارٍ كثيرة، نَذْكُر أكْثَرَها إن شاء اللَّه تعالى في تَضاعِيفِ الباب. وأجْمَعَ عُلَماءُ الأُمَّةِ على التَّحْريمِ بالرَّضَاعِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ تَحْريمَ الأُمِّ والأُخْتِ ثَبَتَ بنَصِّ الكتابِ، وتَحْريمَ البِنْتِ ثَبَتَ بالتَّنْبِيه، فإنَّه إذا حُرِّمَتِ الأُخْتُ فالبِنْتُ أوْلَى، وسائِرُ المُحَرَّماتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بالسُّنَّةِ. وتَثْبُتُ المَحْرَمِيَّةُ، لأنَّها فَرْعٌ على التَّحْرِيمِ إذا كان بِسَبَبٍ مُباحٍ، فأمَّا بَقِيَّةُ أحْكامِ النَّسَبِ؛ من النفقةِ، والعِتْقِ، ورَدِّ الشهادةِ، وغيرِ ذلك، فلا يتَعَلَّقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه في جميعِ أحْكامِه، وإنَّما يُشَبَّه به فيما نصَّ عليه فيه. ١٣٦٧ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (والرَّضاعُ الَّذِى لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ، أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا)

стр. 5848

في هذه المسألة مسألتان: إحداهما، أنَّ الذي يتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ خَمْسُ رَضْعاتٍ فصاعدًا. هذا الصَّحِيحُ في المذهبِ. ورُوِىَ هذا عن عائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وابن الزُّبَيرِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ. وهو قولُ الشافعيِّ. وعن أحمدَ روايةٌ ثانية (١)، أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ. ورُوِىَ (٢) ذلك عن عليٍّ، وابن عباسٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وزَعَمَ اللَّيْثُ أنَّ المسلمينَ أجْمَعُوا على أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ في المَهْدِ ما يُفْطِرُ به الصائِمُ. واحْتَجُّوا بقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣). وقولِه ﵇: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". وعن عُقْبةَ بن الحارثِ، أنَّه تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنتَ أبي إهَابٍ، فجاءتْ أمَةٌ سَوْدَاءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكُما. فذكَرْتُ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكُما! ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). [ولأن ذلك] (٥) فِعْلٌ يتَعَلَّقُ به تَحْريمٌ مُؤَبّدٌ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، كتَحْرِيمِ أُمَّهاتِ النِّساءِ، ولا يَلْزَمُ اللِّعانُ؛ لأنَّه قولٌ. والرِّواية الثالثة (٦)، لا يَثْبُتُ التحريمُ إلَّا بثلاثِ رَضَعاتٍ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ،

стр. 5849

وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ولا الْمَصَّتانِ". وعن أُمِّ الفَضْلِ بنت الحارثِ، قالتْ: قال نَبيُّ اللهِ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلاجَةُ (٧) وَلا الإِمْلَاجَتانِ". روَاهما مسلمُ (٨). ولأنَّ ما يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ والتَّكْرارُ، يعتبرُ فيه الثلاثُ. ورُوِىَ عن حَفْصةَ: لا يُحَرِّمُ دون عَشْرِ رَضَعاتٍ (٩). ورُوِىَ ذلك عن عائشةَ (١٠)؛ لأنَّ عُرْوةَ رَوَى في حديثِ سَهْلةَ بنت سُهَيْلٍ: فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ فيما بَلَغَنا: "أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ، فيُحَرَّمُ بلَبَنِهَا". ووَجْهُ (١١) الأُولَى، ما رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: أُنْزِلَ في القرآن "عَشْرُ رَضعاتٍ مَعْلُومات يُحَرِّمْنَ" (١٢). فنُسِخَ من ذلك خَمْسٌ، وصار إلى خَمْسِ رضعاتٍ مَعْلُومات يُحَرِّمْن، فتُوُفِّىَ رسولُ اللَّه ﷺ والأمْرُ على ذلك. روَاه مسلمٌ (١٣).

стр. 5850

ورَوَى مالكٌ (١٤)، [عن الزُّهْرِيِّ] (١٥)، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلةَ بنت سُهَيْلٍ: "أرْضِعِى سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فيَحْرُمُ بلَبَنِها". والآيةُ فَسَّرَتْها السُّنَّةُ، وبَيَّنتِ الرَّضاعةَ المُحَرِّمةَ، وصَرِيحُ ما رَوَيْناه يَخُصُّ مَفْهُومَ ما رَوَوْهُ، فنَجْمَعُ بين الأخْبارِ، ونَحْمِلُها على الصَّرِيحِ الذي رَوَيْناه. فصل: وإذا وَقَعَ الشَّكُّ في وُجُودِ الرَّضاعِ، أو في عَدَدِ الرَّضاعِ المُحَرِّمِ، هل كَمَلَا أو لا؟ لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ؛ لأنَّ الأصْل عَدَمُه، فلا نَزُولُ عن اليَمينِ بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في وُجُودِ الطَّلاقِ أو عَدَدِه (١٦). المسألة الثانية: أن تكونَ الرَّضَعاتُ مُتَفَرِّقاتٍ. وبهذا قال الشافعيُّ. والمَرْجِعُ في مَعْرِفةِ الرَّضعةِ إلى العُرْفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بها مُطْلَقًا، ولم يَحُدَّها بزَمَنٍ ولا مِقْدارٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّه رَدَّهُم إلى العُرْفِ، فإذا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ، وقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا باخْتِيارِه، كان ذلك رَضْعةً، فإذا عاد، كانت رَضْعةً أُخْرَى. فأمَّا إن قَطَعَ لضِيقِ نَفَسٍ، أو للانْتِقالِ من ثَدْيٍ إلى ثَدْيٍ، أو لشيءٍ يُلْهِيه، أو قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، نَظَرْنا؛ فإن لم يَعُدْ قَرِيبًا فهى رَضْعةٌ، وإن عاد في الحالِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّ الأُولَى رَضْعةٌ، فإذا عاد فهى رَضْعَةٌ أُخْرَى. وهذا اخْتيارُ أبي بكرٍ، وظاهرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ حَنْبلٍ؛ فإنه قال: أما تَرَى الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ من الثَّدْىِ، فإذا أدْرَكه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْىِ ليَتَنَفَّسَ أو يَسْتَرِيحَ، فإذا فعل ذلك فهى رَضْعةٌ. وذلك لأنَّ الأُولَى رَضْعةٌ لو لم يَعُدْ، فكانت رَضْعةً وإن عاد، كما لو قَطَعَ باخْتِيارِه. والوَجْهُ الآخرُ، أنَّ جَمِيعَ ذلك رَضْعةٌ. وهو مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا فيما إذا قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، ففيه وَجهْان؛ لأنَّه لو حَلَفَ: لا أكَلْتُ اليومَ إلَّا أكْلَةً واحدةً. فاسْتَدامَ الأكْلَ زَمَنًا، أو قطع لشُرْبِ ماءٍ (١٧) أو انْتِقالٍ
следующие страницы →