← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

يوم يَأْتِيها الخَبَرُ. ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعمرَ بن عبد العزيز. ويُرْوَى عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادةَ، وعَطاءٍ الخُراسانيِّ، وخِلَاسِ بن عمرٍو، أنَّ عِدَّتَها من يوم يأْتِيها الخبرُ؛ لأنَّ العِدَّةَ اجْتِنابُ أشياءَ، وما (٣) اجْتَنَبَتْها. ولَنا، أنَّها لو كانت حاملًا، فوَضَعَتْ حَمْلَها غيرَ عالمةٍ بفُرْقةِ زَوْجِها، لَانْقَضَتْ عِدّتُها، فكذلك سائرُ أنواعِ العِدَدِ، ولأنَّه زمانٌ عَقِيبَ الموتِ أو الطَّلاقِ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ به، كما لو كان حاضِرًا، ولأنَّ القَصْدَ غيرُ مُعْتَبَرٍ في العِدَّةِ، بدِليلِ أنَّ الصَّغيرةَ والمَجْنونةَ تَنْقَضِى عِدّتُهُما من غيرِ قَصْدٍ، ولم يُعْدَمْ ههُنا إلَّا (٤) القَصْدُ، وسواءٌ في هذا اجْتَنَبَتْ ما تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّاتُ، أو لم تَجْتَنِبْه، فإنَّ الإِحْدادَ الواجبَ ليس بشَرْطٍ في العِدَّةِ، فلو تَرَكَتْه قَصْدًا، أو عن غيرِ قَصْدٍ، لَانْقَضَتْ عِدَّتُها، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥). وقال: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٦). وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦). وفى اشْتِراطِ الإِحْدادِ مُخالَفَةُ هذه النُّصُوصِ، فوَجَبَ أن لا يُشْتَرَطَ.

стр. 5847

كتاب الرَّضاع الأصلُ في التحريمِ بالرَّضاعِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١). ذكرهم (٢) اللهُ سبحانه في جُمْلَةِ المُحَرَّماتِ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما روَت عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ الرَّضاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفظٍ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". روَاه النَّسَائِيُّ (٣). وعن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ في بِنْتِ حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِى، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِىَ ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). في أخبارٍ كثيرة، نَذْكُر أكْثَرَها إن شاء اللَّه تعالى في تَضاعِيفِ الباب. وأجْمَعَ عُلَماءُ الأُمَّةِ على التَّحْريمِ بالرَّضَاعِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ تَحْريمَ الأُمِّ والأُخْتِ ثَبَتَ بنَصِّ الكتابِ، وتَحْريمَ البِنْتِ ثَبَتَ بالتَّنْبِيه، فإنَّه إذا حُرِّمَتِ الأُخْتُ فالبِنْتُ أوْلَى، وسائِرُ المُحَرَّماتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بالسُّنَّةِ. وتَثْبُتُ المَحْرَمِيَّةُ، لأنَّها فَرْعٌ على التَّحْرِيمِ إذا كان بِسَبَبٍ مُباحٍ، فأمَّا بَقِيَّةُ أحْكامِ النَّسَبِ؛ من النفقةِ، والعِتْقِ، ورَدِّ الشهادةِ، وغيرِ ذلك، فلا يتَعَلَّقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه في جميعِ أحْكامِه، وإنَّما يُشَبَّه به فيما نصَّ عليه فيه. ١٣٦٧ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (والرَّضاعُ الَّذِى لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ، أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا)

стр. 5848

في هذه المسألة مسألتان: إحداهما، أنَّ الذي يتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ خَمْسُ رَضْعاتٍ فصاعدًا. هذا الصَّحِيحُ في المذهبِ. ورُوِىَ هذا عن عائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وابن الزُّبَيرِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ. وهو قولُ الشافعيِّ. وعن أحمدَ روايةٌ ثانية (١)، أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ. ورُوِىَ (٢) ذلك عن عليٍّ، وابن عباسٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وزَعَمَ اللَّيْثُ أنَّ المسلمينَ أجْمَعُوا على أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ في المَهْدِ ما يُفْطِرُ به الصائِمُ. واحْتَجُّوا بقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣). وقولِه ﵇: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". وعن عُقْبةَ بن الحارثِ، أنَّه تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنتَ أبي إهَابٍ، فجاءتْ أمَةٌ سَوْدَاءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكُما. فذكَرْتُ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكُما! ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). [ولأن ذلك] (٥) فِعْلٌ يتَعَلَّقُ به تَحْريمٌ مُؤَبّدٌ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، كتَحْرِيمِ أُمَّهاتِ النِّساءِ، ولا يَلْزَمُ اللِّعانُ؛ لأنَّه قولٌ. والرِّواية الثالثة (٦)، لا يَثْبُتُ التحريمُ إلَّا بثلاثِ رَضَعاتٍ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ،

стр. 5849

وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ ولا الْمَصَّتانِ". وعن أُمِّ الفَضْلِ بنت الحارثِ، قالتْ: قال نَبيُّ اللهِ ﷺ : "لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلاجَةُ (٧) وَلا الإِمْلَاجَتانِ". روَاهما مسلمُ (٨). ولأنَّ ما يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ والتَّكْرارُ، يعتبرُ فيه الثلاثُ. ورُوِىَ عن حَفْصةَ: لا يُحَرِّمُ دون عَشْرِ رَضَعاتٍ (٩). ورُوِىَ ذلك عن عائشةَ (١٠)؛ لأنَّ عُرْوةَ رَوَى في حديثِ سَهْلةَ بنت سُهَيْلٍ: فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ فيما بَلَغَنا: "أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ، فيُحَرَّمُ بلَبَنِهَا". ووَجْهُ (١١) الأُولَى، ما رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: أُنْزِلَ في القرآن "عَشْرُ رَضعاتٍ مَعْلُومات يُحَرِّمْنَ" (١٢). فنُسِخَ من ذلك خَمْسٌ، وصار إلى خَمْسِ رضعاتٍ مَعْلُومات يُحَرِّمْن، فتُوُفِّىَ رسولُ اللَّه ﷺ والأمْرُ على ذلك. روَاه مسلمٌ (١٣).

стр. 5850

ورَوَى مالكٌ (١٤)، [عن الزُّهْرِيِّ] (١٥)، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلةَ بنت سُهَيْلٍ: "أرْضِعِى سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فيَحْرُمُ بلَبَنِها". والآيةُ فَسَّرَتْها السُّنَّةُ، وبَيَّنتِ الرَّضاعةَ المُحَرِّمةَ، وصَرِيحُ ما رَوَيْناه يَخُصُّ مَفْهُومَ ما رَوَوْهُ، فنَجْمَعُ بين الأخْبارِ، ونَحْمِلُها على الصَّرِيحِ الذي رَوَيْناه. فصل: وإذا وَقَعَ الشَّكُّ في وُجُودِ الرَّضاعِ، أو في عَدَدِ الرَّضاعِ المُحَرِّمِ، هل كَمَلَا أو لا؟ لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ؛ لأنَّ الأصْل عَدَمُه، فلا نَزُولُ عن اليَمينِ بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في وُجُودِ الطَّلاقِ أو عَدَدِه (١٦). المسألة الثانية: أن تكونَ الرَّضَعاتُ مُتَفَرِّقاتٍ. وبهذا قال الشافعيُّ. والمَرْجِعُ في مَعْرِفةِ الرَّضعةِ إلى العُرْفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بها مُطْلَقًا، ولم يَحُدَّها بزَمَنٍ ولا مِقْدارٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّه رَدَّهُم إلى العُرْفِ، فإذا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ، وقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا باخْتِيارِه، كان ذلك رَضْعةً، فإذا عاد، كانت رَضْعةً أُخْرَى. فأمَّا إن قَطَعَ لضِيقِ نَفَسٍ، أو للانْتِقالِ من ثَدْيٍ إلى ثَدْيٍ، أو لشيءٍ يُلْهِيه، أو قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، نَظَرْنا؛ فإن لم يَعُدْ قَرِيبًا فهى رَضْعةٌ، وإن عاد في الحالِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّ الأُولَى رَضْعةٌ، فإذا عاد فهى رَضْعَةٌ أُخْرَى. وهذا اخْتيارُ أبي بكرٍ، وظاهرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ حَنْبلٍ؛ فإنه قال: أما تَرَى الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ من الثَّدْىِ، فإذا أدْرَكه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْىِ ليَتَنَفَّسَ أو يَسْتَرِيحَ، فإذا فعل ذلك فهى رَضْعةٌ. وذلك لأنَّ الأُولَى رَضْعةٌ لو لم يَعُدْ، فكانت رَضْعةً وإن عاد، كما لو قَطَعَ باخْتِيارِه. والوَجْهُ الآخرُ، أنَّ جَمِيعَ ذلك رَضْعةٌ. وهو مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا فيما إذا قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، ففيه وَجهْان؛ لأنَّه لو حَلَفَ: لا أكَلْتُ اليومَ إلَّا أكْلَةً واحدةً. فاسْتَدامَ الأكْلَ زَمَنًا، أو قطع لشُرْبِ ماءٍ (١٧) أو انْتِقالٍ

стр. 5851

من لَوْنٍ إلى لَوْنٍ، أو انْتظارٍ لما يُحْمَلُ إليه من الطَّعامِ، لم يُعَدَّ إلَّا أكْلةً واحدةً، فكذا ههُنا. والأَوّلُ أوْلَى (١٨)؛ لأنَّ اليَسِيرَ من السَّعُوطِ والوَجُورِ رَضْعةٌ، فكذا هذا (١٩). ١٣٦٨ - مسألة؛ قال: (وَالسَّعُوطُ كَالرَّضَاعِ، وكَذلِكَ الْوَجُورُ) معنى السَّعُوطِ: أن يُصَبَّ اللَّبَنُ في أنْفِه من إنَاءٍ أو غيرِه. والوَجُورُ: أن يُصَبَّ في حَلْقِه صَبًّا من (١) غيرِ الثَّدْىِ. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ في التَّحْريمِ بهما، فأصَحُّ الرّوايتَيْنِ أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ بذلك، كما يثبتُ بالرَّضاعِ. وهو قولُ الشَّعْبيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وبه قال مالكٌ في الوَجُورِ. والثانية، لا يَثْبُتُ بهما التحريمُ. وهو اختيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ داودَ، وقولُ عَطاءٍ الخُرَاسانيِّ في السَّعُوطِ؛ لأنَّ هذا ليس برَضاعٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللَّه تعالى ورسولُه بالرَّضاعِ، ولأنَّه حَصَلَ من غير ارْتِضاعٍ، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَ من جُرْحٍ في بَدَنِه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وأَنْبَتَ اللَّحْمَ". روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّ هذا يَصِلُ به اللَّبَنُ إلى حيث يَصِلُ بالارْتِضاعِ، [ويَحْصُلُ به من إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ ما يَحْصُلُ من الارْتِضاعِ] (٣)، فيَجِبُ أن يُسَاوِيَه في التَّحْرِيمِ، والأنْفُ سَبِيلٌ [لفِطْرِ الصائِمِ] (٤). فكان سَبيلًا للتَّحْرِيمِ، كالرَّضاعِ بالفَمِ. فصل: وإنَّما يُحَرِّمُ من ذلك مثلُ الذي يُحَرِّمُ بالرَّضاعِ، وهو خَمْسٌ في الرِّوايةِ المشهورة، فإنَّه فَرْعٌ على الرَّضاعِ، فيَأْخُذُ حُكْمَه، فإن ارْتَضَعَ وكمَّلَ الخَمْسَ بسَعُوطٍ

стр. 5852

أو وَجُورٍ، أو أُسْعِطَ (٥) أو أُوجِرَ (٦)، وكَمَّلَ الخَمْسَ برَضاعٍ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، لأنَّا جعلْناه كالرَّضَاعِ في أصْلِ التَّحْريمِ، فكذلك في إكْمالِ العَدَدِ، ولو حَلَبَتْ في إناءٍ دَفْعةً واحدةً، ثم سَقَتْه غُلامًا في خَمْسةِ أوْقاتٍ، فهو خَمْسُ رَضَعاتٍ، فإنَّه لو أكَلَ من طعامٍ خَمْسَ دَفَعاتٍ (٧) مُتَفَرِّقاتٍ، لكان قد أكَلَ خمْسَ أكلاتٍ. وإن حَلَبَتْ في إناءٍ خَمْسَ (٨) حَلباتٍ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، ثم سُقِيَهُ دَفْعةً واحدةً، كان (٩) رَضْعةً واحِدةً، كما لو جُعِلَ الطَّعامُ في إناءٍ واحدٍ في خمسةِ أوْقاتٍ، ثم أكَلَه دَفْعةً واحدةً، كان أكْلةً واحدةً. وحُكِىَ عن الشافعيِّ قولٌ في الصُّورتَيْنِ عكسُ ما قُلْنا (١٠) اعْتبارًا [لخُرُوجِه منها؛ لأنَّ الاعْتبارَ] (١١) بالإِرْضاعِ (١٢)، والوَجُورُ فَرْعُه. ولَنا، أنَّ الاعتبارَ بِشُرْبِ الصَّبِيِّ له؛ لأنَّه المُحَرِّمُ، ولهذا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ به من غير رَضاعٍ، ولو ارْتَضَعَ بحيثُ يَصِلُ إلى فِيهِ، ثم مَجَّهُ، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ، فكان الاعْتبارُ به، وما وُجِدَ منه إلَّا دَفْعةً واحدةً، فكان رَضْعةً واحدةً، وإن سَقَتْه في أوقاتٍ، فقد وُجِدَ في خَمْسةِ أوقاتٍ، فكان خَمْسَ رَضَعاتٍ، فأمَّا إن سَقَتْه اللَّبَنَ المجموعَ جَرْعةً بعدَ جَرْعةٍ مُتَتابعة، فظاهِرُ قولِ (١٣) الخِرَقِيِّ أنَّه رَضْعةٌ واحدةٌ؛ لِاعْتِبارِه خَمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، ولأنَّ المَرْجِعَ في الرَّضْعةِ إلى العُرْفِ، وهم لا يَعُدُّونَ هذا رَضَعَاتٍ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الآكِلُ الطعامَ لُقْمةً بعد لُقْمةٍ، فإنَّه لا يُعَدُّ أكَلَات. ويَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ على ما إذا قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ الرَّضاعَ، على ما قَدَّمْنا. فصل: وإن عَمِلَ اللَّبَنَ جُبْنًا ثم أطْعَمَه الصَّبِيَّ، ثَبَتَ به التَّحْرِيمُ. وبهذا قال

стр. 5853

الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُحَرَّمُ به؛ لزوالِ الاسمِ. وكذلك على الرِّوايةِ التي تقولُ: لا يثبتُ التَّحْريمُ بالوَجُورِ. لا يَثْبُتُ ههُنا بَطَرِيقِ الأَوْلَى. ولَنا (١٤)، أنَّه واصِلٌ من الحَلْقِ، يَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ، فحَصَلَ به التَّحْرِيمُ، كما لو شَرِبَه. فصل: فأمَّا الحُقْنةُ، فقال أبو الخَطَّابِ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ؛ أنَّها لا تُحَرِّمُ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. وقال ابنُ حامدٍ، وابنُ أبي مُوسَى: تُحَرِّمُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه سَبِيلٌ يَحْصُلُ بالواصلِ منه الفِطْرُ، فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كالرَّضَاعِ. ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضاعٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّى، فلم ينْشُرِ الحُرْمَةَ، كما لو قَطَّرَ في إحْلِيلِه، ولأنَّه ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فلم يَجُزْ إثْباتُ حُكْمِه فيه، ويُفارِقُ فِطْرَ الصائمِ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه إنْباتُ اللَّحْمِ، ولا إنْشازُ العَظْمِ، وهذا لا يُحَرِّمُ فيه إلَّا ما أَنْبَتَ اللَّحَمَ وأنْشَزَ العَظْمَ، ولأنَّه وَصَلَ اللَّبَنُ إلى الباطِنِ من غيرِ الحَلْقِ، أشْبَهَ ما لو وَصَلَ من جُرْحٍ. ١٣٦٩ - مسألة؛ قال: (واللَّبَنُ الْمَشُوبُ كَالمَحْضِ) المَشُوبُ: المُخْتَلِطُ بغيرِه. والمَحْضُ: الخالِصُ الذي لا يُخالِطُه سِوَاه. وسَوَّى الخِرَقيُّ بينهما، سَواءٌ شِيبَ بطَعامٍ أو شَرَابٍ أو غيرِه (١). وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو بكر: قياسُ قولَ أحمدَ، أنَّه لا يُحَرِّمُ؛ لأنَّه وَجُورٌ. وحُكِىَ عن ابنِ حامدٍ [أنَّه قال: (٢) إن كان الغالبُ اللَّبَنَ حَرَّمَ، وإلَّا فلا: وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّ الحُكْمَ للأَغْلَبِ، ولأنَّه يَزُولُ بذلك الاسمُ والمَعْنَى المُرَادُ به. ونحوُ هذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ، وزادُوا، فقالوا: إن كانت النارُ قد مَسَّتِ اللَّبَنَ حتى أنْضَجَتِ الطعامَ، أو حتى تغيَّرَ، فليس برَضاعٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اللَّبَنَ متى كان ظاهِرًا، فقد حَصَلَ شُرْبُه، ويَحْصُلُ

стр. 5854

منه إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ، فحَرَّمَ، كما لو كان غالِبًا، وهذا فيما إذا كانت صِفاتُ اللَّبَنِ باقِيَةً، فأمَّا إن صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يتَغَيَّرْ به، لم يَثْبُتْ به التَّحْريمُ؛ لأنَّ هذا ليس بلَبَنٍ مَشُوبٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّى، ولا إنْباتُ اللَّحْمِ ولا إنشازُ العَظْمِ. وحُكِىَ عن القاضي، أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ به. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ أَجْزاءَ اللَّبنِ حَصَلَتْ في بَطْنِه (٣)، فأشْبَهَ ما لو كان لَوْنُه ظاهِرًا. ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُه فيه. فصل: وإن حُلِبَ من نِسْوَةٍ، وسُقِيَهُ الصَّبِيّ، فهو كما لو ارْتَضَعَ من كلِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لو شِيبَ بماءٍ أو عَسَلٍ، لم يَخْرُجْ عن كَوْنِه رَضاعًا مُحَرِّمًا، فكذلك إذا شِيبَ بلَبَنٍ آخَرَ. ١٣٧٠ - مسألة؛ قال: (ويُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ، كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ) المنصوصُ عن أحمدَ، في روايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ، أنَّه يَنْشُرُ الحُرْمةَ. وهو اخْتيارُ أبي بكرٍ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، والأوْزَاعيِّ، وابنِ القاسمِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الخَلَّالُ: لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ. وتَوَقّفَ عنه أحمدُ، في رِوايةِ مُهَنَّا. وهو مَذَهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لَبَنٌ ممَّن ليس بمَحَلٍّ للوِلادةِ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْرِيمُ. كَلَبنِ الرَّجُلِ. ولَنا، أنَّه وُجِدَ الارْتِضاعُ، على وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ويُنْشِزُ العَظْمَ، من امرأةٍ، فأثْبَتَ التَّحْريمَ، كما لو كانت حَيّةً، ولأنَّه لا فارِقَ بين شُرْبِه في حَياتِها ومَوْتِها إلَّا الحياةُ والمَوْتُ أو النّجاسَةُ، وهذا لا أثَرَ له، فإنَّ اللَّبَنَ لا يَمُوتُ، والنَّجاسةُ لا تَمْنَعُ، كما لو حُلِبَ في وِعَاءٍ نَجِسٍ، ولأنَّه لو حُلِبَ منها في حَياتِها، فشَرِبَه بعدَ مَوْتِها، لنَشَرَ الحُرْمةَ، وبَقاؤُه في ثَدْيِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُرْمةِ؛ لأنَّ ثَدْيَها لا يَزِيدُ على الإِناءِ في عَدَمِ الحياةِ، وهى لا تَزِيدُ على عَظْمِ المَيْتَةِ في ثُبُوتِ النَّجاسةِ.

стр. 5855

فصل: ولو حَلَبَتِ المرأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صبيٌّ، نَشَرَ الحُرْمةَ. في قولِ كلِّ مَنْ جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ. ١٣٧١ - مسألة؛ قال: (وإذَا حَبِلَتْ (١) مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِها بِهِ، فثابَ لها لَبَنٌ، فأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، في حَوْلَينِ، حُرِّمَتْ عَلَيْه، وبَناتُها مِنْ أَبِى هذَا الحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وبَنَاتُ أبى هذَا الْحَمْلِ مِنْهَا ومِنْ غَيْرِهَا. وإنْ أرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنةً لها، ولِزَوْجِهَا؛ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِى هُوَ مِنْهُ) وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ إذا حَمَلَتْ من رَجُلٍ، وثابَ لها لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، صار الطِّفْلُ المُرْتَضِعُ ابْنًا للمُرْضِعَةِ، بغير خلافٍ، وصار أيضًا ابْنًا لمن يُنْسَبُ الحَمْلُ إليه، فصار في التحريمِ وإباحةِ الخَلْوةِ ولدًا (٢) لهما، وأَوْلادُه من الْبَنِينِ والْبَناتِ أولادَ أوْلادِهما، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُهُم، وجميعُ أوْلادِ المُرْضِعةِ من زَوْجِها ومن غيرِه، وَجميعُ أولادِ الرَّجُلِ الذي انْتَسَبَ الحملُ إليه من المُرْضِعةِ ومن غيرِها، إخْوَةَ المُرْتَضِعِ، وأخَواتِه، وأولادُ أوْلادِهما (٣) أولادَ إخْوَتِه وأخَواتِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُهم، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدّتَه وأَبُوها جَدَّه، وإخْوَتُها أخْوالَه، وأخَواتُها خالاتِه، وأبو الرجلِ جَدَّه، وأُمُّهُ جَدَّتَه، وإخْوَتُه أعْمامَه، وأخَواتُه عَمَّاتِه، وجميعُ أقارِبِهما يُنْسَبُون (٤) إلى المُرْتَضِع كما يُنْسَبُون (٤) إلى وَلَدِهما من النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي ثابَ للمرأةِ مخلوقٌ من ماءِ الرَّجُلِ والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحْريمَ إليهما، ونَشَر الحُرْمةَ إلى الرَّجُلِ وإلى أقارِبِه، وهو الذي

стр. 5856

يُسَمَّى لَبَن الفَحْلِ. وفى التَّحْريمِ به اختلافٌ، ذكرْناه في بابِ ما يَحْرُمُ نِكاحُه (٥)، والجَمْعُ بينه، والحُجَّة القاطِعةُ فيه، ما روَت عائشةُ، أن أفْلَحَ أخا أبي القُعَيْسِ، اسْتَأْذَنَ عليَّ بعدما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فقلتُ: واللهِ لا آذَنُ له حتى أسْتَأْذِنَ رسولَ اللَّه ﷺ ، [فإنَّ أخا أبى القُعَيْسِ ليس هو أَرْضَعَنِى، ولكنْ أَرْضَعَتْنِى امرأةُ أبي القُعَيْسِ. فدَخَلَ عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ ] (٦)، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِى، ولكن أرْضَعَتْنِى امرأتُه. قال: "ائْذَنِى لَه، فَإنَّه عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ". قال عُرْوَةُ: فبذلك كانت عائشةُ تَأْخُذُ بقولِ: "حَرِّمُوا مِن الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وسُئِلَ ابنُ عباسٍ، عن رَجُل تَزَوَّجَ امرأتَيْنِ، فأرْضَعَتْ إحداهُما جارِيةً، والأُخْرَى غُلامًا، هل يتَزَوَّجُ الغلامُ الجارِية (٨)؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (٩). قال مالكٌ: اخْتُلِفَ قديمًا في الرَّضاعةِ من قِبَلِ الأبِ، ونَزَلَ برجالٍ من أهلِ المدينةِ في أزْواجِهِم؛ منهم محمدُ بن المُنْكَدرِ، وابنُ أبي حَبِيبَةَ، فاسْتَفْتَوْا في ذلك، فاخْتُلِفَ عليهم، ففَارَقُوا زَوْجَاتِهِم. فأمَّا الولدُ (١٠) المُرْتَضِعُ (١١)، فإنَّ الحُرْمَةَ تَنْتَشِر إليه وإلى أوْلادِه وإن نَزَلُوا، ولا تَنْتَشِرُ إلى مَنْ في دَرَجَتِه من إخْوانِه (١٢) وأخَواتِه، ولا إلى أعْلَى منه، كأَبِيه وأُمِّه وأعْمامِه وعَمّاتِه وأخْوالِه وخالاتِه وأجْدادِه وجَدّاتِه، فلا يَحْرُمُ على المُرْضِعةِ

стр. 5857

نِكاحُ أبي الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ، ولا أخِيه، ولا عَمِّه، ولا خالِه، ولا يَحْرُمُ على زَوْجِها نِكاحُ أُمِّ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالَتِه، ولا بأْسَ أن يتزَوَّجَ أوْلادُ المُرْضِعةِ، وأولادُ زَوْجِها، إخْوةَ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ وأخَواتِه. قال أحمدُ: لا بأس أن يتزَوَّجَ الرجلُ أُخْتَ أخيهِ (١٣) من الرَّضاعِ، ليس بينهما رَضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرَّضَاعُ بين الجارِيةِ وأخيه (١٤). إذا ثبت هذا، فإنَّ من شَرْطِ تَحْريمِ الرَّضاعِ أن يكونَ في الحَوْلَيْنِ. وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ، رُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ (١٥)، وابنِ عمرَ، وابن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُرَيْرةَ. وأزْواجِ النَّبيِّ ﷺ سِوَى عائِشَةَ. وإليه ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والأَوْزَاعِيُّ، والشَّافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، ورِوَاية عن مالكٍ، ورُوِىَ عنه، إن زادَ شَهْرًا جازَ، ورُوِىَ شَهْران. وقال أبو حنيفة: يُحَرِّمُ الرَّضاعُ في ثلاثينَ شَهْرًا؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٦). ولم يُرِدْ بالْحَمْلِ حَمْلَ الأحْشاءِ؛ لأنَّه يكونُ سَنَتَيْنِ فَعُلِمَ أنَّه أراد الحَمْلَ في الفِصَالِ. وقال زُفَرُ: مُدّةُ الرَّضاعِ ثَلاثُ سِنِين. وكانت عائشةُ تَرَى رَضاعةَ الكَبِيرِ تُحَرِّمُ. ويُرْوَى هذا عن عَطاءٍ، واللَّيْثِ، وداودَ؛ لما رُوِىَ أنَّ سَهْلةَ بنت سُهَيْلٍ قالتَ: يا رسولَ اللَّه، إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا ولَدًا، فكان يَأْوِى مَعِى ومع أبي حذيفةَ في بيتٍ واحدٍ، ويَرَانِى فُضُلًا (١٧)، وقد أَنْزَلَ اللَّه فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيف تَرَى فيه؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَرْضِعِيه". فأرْضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكان بَمنْزِلةِ وَلَدِها. فبذلك كانت عائشةُ تَأْخُذُ، تأمرُ بناتَ أخَواتِها، وبناتَ إخْوَتها يُرْضِعْنَ مَنْ أحَبَّتْ عائشةُ أن يَرَاها، ويَدْخُلَ عليها، وإن كان كبيرًا خَمْسَ رَضْعاتٍ، وأبَتْ ذلك أُمُّ سَلَمةَ، وسائرُ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أن يَدْخُلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحَدٌ من الناس، حتى يَرْضَعَ في

стр. 5858

المَهْدِ، وقُلْنَ لعائشةَ: واللهِ (١٨) ما نَدْرِى، لعَلَّها رُخْصةٌ من النَّبِيِّ ﷺ لسالمٍ دُون الناسِ. روَاه النَّسَائِيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (١٩). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٢٠). فجعل تمامَ الرَّضاعةِ حَوْلَيْنِ، فيَدُلُّ على أنَّه لا حُكْمَ لها بعدَهما. وعن عائشةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ دَخَل عليها وعندَها رَجُلٌ، فتَغيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّه أخِى مِن الرَّضَاعةِ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجاعَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢١). وعن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يُحَرِّمُ مِن الرَّضَاعِ، إلَّا مَا فَتَقَ الْأمْعَاءَ، وكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ". أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ (٢٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعند هذا يتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِ أبي حُذَيْفةَ على أنَّه خاصٌّ له دُونَ الناسِ، كما قال سائرُ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ . وقولُ أبي حنيفةَ، تَحَكُّمٌ يُخالِفُ ظاهِرَ الكِتابِ وقولَ الصحابةِ، فقد روَيْنا عن عليٍّ وابنِ عباسٍ، أنَّ المُرَادَ بالحَمْلِ حَمْلُ البَطْنِ. وبه اسْتَدَلَّ عليٌّ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحملِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وقد دَلَّ على هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٢٣). فلو حُمِلَ على ما قاله أبو حنيفةَ، لَكان مُخالِفًا لهذه

стр. 5859

الآيةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فالاعْتبارُ بالعامَيْنِ لا بالفِطَامِ، فلو فُطِمَ قبلَ الحَوْلَيْنِ، ثم ارْتَضَعَ فيهما، لَحَصَلَ التَّحْريمُ، ولو لم يُفْطَمْ حتى تجاوَزَ الحَوْلينِ، ثم ارْتَضَع بعدَهما قبلَ الفِطامِ. لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ. وقال ابنُ القاسمِ، صاحبُ مالكٍ: لو ارْتَضَعَ بعدَ الفِطامِ في الحَوْلَيْنِ، لم تُحَرِّمْ (٢٤)؛ لقولِه ﵇: "وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ". ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. ورُوِىَ عنه ﵇: "لَا رَضاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ" (٢٥). والفِطامُ مُعْتَبَرٌ بمُدَّتِه لا بِنَفْسِه، قال أبو الخَطَّاب: لو ارْتَضَعَ بعَد الحَوْلَينِ بساعةٍ، لم يُحَرِّمْ. وقال القاضي: لو شَرَعَ في الخامسةِ، فحالَ الحَوْلُ قبلَ كَمالِها، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ ما وُجِدَ من الرَّضْعةِ في الحَوْلَيْنِ كافٍ في التَّحْريمِ، بدَلِيلِ ما لو انْفَصَلَ ممَّا بعدَه، فلا يَنْبَغِى أن يَسْقُطَ حكمٌ بإيصالِ (٢٦) ما لا أثَرَ له به. واشْتَرطَ (٢٧) الخِرَقِيُّ في نَشْرِ الحُرْمةِ بينَ المُرْتَضعِ وبين الرَّجُلِ الذي ثابَ اللَّبَنُ بوَطْئِه، أن يكونَ لبنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ (٢٨) إلى الواطئ، إمَّا لكَوْنِ الوَطْءِ في نكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، أو بِشُبْهةٍ (٢٩)، فأمَّا لَبَنُ الزَّانِى أو النَّافِى للوَلَدِ باللِّعانِ، فلا يَنْشُرُ الحُرْمةَ بينهما، في مَفْهومِ كلامِ الْخِرَقِيِّ. وهو قولُ أبي عبدِ اللَّه ابن حامدٍ، ومذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: تَنْتَشِرُ الحُرْمةُ بينهما؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمةَ، فاسْتَوَى في ذلك مُباحُه ومَحْظُورُه (٣٠)، كالوَطْءِ، يُحَقِّقُه أنَّ الواطئَ حَصَلَ منه لَبَنٌ ووَلَدٌ، ثم إنَّ الوَلَدَ يَنْشُرُ الحُرْمةَ بينه وبينَ الواطئِ، كذلك اللَّبَنُ، ولأنَّه رَضَاعٌ ينْشُرُ الحُرْمةَ إلى المُرْضِعةِ، فنَشَرها إلى الواطئِ، كصُورَةِ

стр. 5860

الإِجْماعِ. وَوَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّ التَّحْريمَ بينهما فَرْعٌ لحُرْمةِ الأُبُوَّةِ، فلمَّا لم (٣١) تَثْبُتْ حُرْمةُ الأُبُوَّةِ، لم يَثْبُتْ ما هو فَرْعٌ لها. ويفارِقُ تَحْريمَ ابْنَتِه من الزِّنَى؛ لأنَّها من نُطفَتِه حقيقةً، بخلافِ مَسْأَلَتِنا. ويفارقُ تَحْريمَ المُصاهَرةِ؛ فإنَّ التَّحْريمَ ثَمَّ لا يَقِفُ على ثُبُوتِ النَّسَبِ، ولهذا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِه وابْنَتُها من غير نَسَبٍ، وتَحْرِيمُ الرَّضاعِ مَبْنيٌّ على النَّسَبِ، ولهذا قال ﵇: "يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (٣٢). فأمَّا المُرْضِعةُ، فإنَّ الطِّفْلَ المُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عليها، ومَنْسُوبٌ إليها عندَ الجميعِ. وكذلك يَحْرُمُ جميعُ أوْلادِها، وأقارِبها الذين يَحْرُمُون على أولادِها، على هذا المُرْتَضِع، كما في الرَّضَاعِ باللَّبَنِ (٣٣) المُباحِ. وإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حَرُمَتْ على المُلاعِنِ، بغير خِلافٍ أيضًا؛ لأنَّها رَبِيبَتُه، فإنَّها بِنْتُ امْرَأتِه من الرَّضاعِ، وتَحْرُمُ على الزَّانِى، عندَ مَنْ يَرَى تَحْريمَ المُصَاهَرةِ، وكذلك يَحْرُمُ بناتُها وبناتُ المُرْتَضِعِ من الغِلْمانِ لذلك. فصل: وإذا وَطِئَ رَجُلانِ امرأةً، فأتَتْ بوَلَدٍ، فأَرْضَعَتْ بلَبَنِه طِفْلًا، صار ابْنًا لمن ثَبَتَ نَسَبُ (٣٤) المَوْلُودِ منه، سَواءٌ ثَبَتَ نَسَبُه منه بالْقافةِ أو بغيرِها. وإن ألْحَقَتْه القافةُ بهما، صار المُرْتَضِعُ ابْنًا لهما، فالمُرْتَضِعُ في كلِّ موضعٍ تَبَعٌ للمُناسِبِ، فمتى لَحِقَ المُناسِبُ بشَخْصٍ، فالمُرْتَضِعُ مثلُه، وإن انْتَفَى المُناسِبُ عن أحَدِهما، فالمُرْتضِعُ مثلُه، لأنَّه بلَبَنِه ارْتَضَعَ، وحُرْمَتُه فَرْعٌ على حُرْمَتِه. وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُه منهما؛ لتَعَذُّرِ الْقافةِ، [أو لِاشْتِباهِه] (٣٥) عليهم، ونحوِ ذلك، حَرُمَ عليهما، تَغْلِيبًا للحَظْرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ منهما، ويَحْتَمِلُ أن يكَونَ ابنَ (٣٦) أحدِهما، فيحْرُمُ عليه أقارِبُه دُونَ أقارِبِ الآخَرِ، وقد اختَلَطَتْ أُخْتُه بغيرِها، فحَرُمَ الجَمِيعُ، كما لو عَلِمَ أخْتَه بعَيْنِها، ثم

стр. 5861

اخْتَلَطتْ (٣٧) بأجْنَبِيَّاتٍ. وإن انْتَفَى عنهما جميعًا، بأن تَأْتِىَ به لدونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْئِهِما (٣٨)، أو لأكثرَ من أرْبعِ سِنِينَ، أو لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ من وَطْءِ أحَدِهما، أو لأكثرَ من أربعِ سِنِينَ من وَطْءِ الآخَرِ، انْتَفَى المُرْتَضِعُ عنهما أيضًا؛ فإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حَرُمَتْ عليهما تحريمَ المُصَاهَرَةِ، ويَحْرُمُ أولادُها عليهما أيضًا؛ لأنَّها ابْنةُ مَوْطُوءٍ بهما (٣٩)، فهى رَبِيبَةٌ لهما. فصل: ولا تَنْتَشِرُ الحُرْمةُ بغيرِ لَبَنِ الآدَمِيَّةِ بحالٍ، فلو ارْتَضَعَ اثْنانِ من لَبَنِ بَهِيمةٍ، لم يَصِيرَا أخَويْنِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولو ارْتَضَعا من رَجُلٍ، لم يَصِيرَا أخَوَيْنِ، ولم تَنْتَشِر الحُرْمةُ بينَه وبينَهما، في قول عامَّتِهم. وقال الْكَرَابِيسِيُّ (٤٠): يتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ؛ لأنَّه لَبَنُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ لَبَنَ الآدَمِيَّةِ (٤١). وحُكِىَ عن بعضِ السَّلَفِ، أنَّهما إذا ارْتَضَعا من لَبَنِ بهيمةٍ، صارا أخَوَيْنِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ هذا لا (٤٢) يتعَلَّقُ به تَحْريمُ الأُمُومةِ، فلا يَثْبُتُ به تَحْريمُ الأُخُوَّةِ، لأنَّ الأُخُوَّةَ فَرْعٌ على الأُمُومةِ، وكذلك لا يتَعَلَّقُ به تَحْريمُ الأُبوَّةِ لذلك، ولأنَّ هذا اللَّبَنَ لم يُخْلَقْ لغِذَاءِ المَوْلُودِ، فلم (٤٣) يتَعَلَّقْ به التَّحْرِيمُ، كسائرِ الطَّعامِ. فإن ثابَ لخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ، لم يَثْبُتْ به التَّحْريمُ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ كَوْنُه امرأةً، فلا يثْبُتُ التَّحْريمُ مع الشَّكِّ. وقال ابنُ حامدٍ: يَقِفُ الأمرُ حتى يَنْكَشِفَ أمرُ الخُنْثَى.

стр. 5862

فعلى قولِه يثْبُتُ التَّحْريمُ، إلَّا أن يتَبَيَّنَ كَوْنُه رَجُلًا؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ كَوْنَه مُحَرِّمًا. فصل: وإن ثابَ لامْرأةٍ لَبَنٌ من غيرِ وَطْءٍ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا، نَشَرَ الحُرْمةَ، في أظْهَرِ الرِّوايتَيْنِ. وهو قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وكلِّ مَنْ يَحْفَظُ عنه ابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٤٤). ولأنَّه لَبَنُ امرأةٍ فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كما لو ثاب بوَطْءٍ، ولأنَّ الْبانَ النِّساءِ خُلِقَتْ (٤٥) لغِذَاءِ الأطْفالِ، وإن كان هذا نادِرًا، فجِنْسُه مُعْتادٌ. والرّواية الثانية، لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ؛ لأنَّه نادِرٌ، لم تَجْرِ العادةُ به لِتَغْذِيةِ الأطْفالِ، فأشْبهَ لبنَ الرِّجالِ. والأَوَّلُ أصَحُّ. فصل: إذا كان لرجلٍ خَمْسُ أُمّهاتِ أَوْلادٍ، له منهنَّ لَبَنٌ، فارْتَضَعَ طِفْلٌ من كلِّ واحدةٍ منهنَّ رَضْعةً، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له، وصارَ المَوْلَى أبًا له. وهذا قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّه ارْتَضَعَ من لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ. وفيه وجهٌ آخَرُ، لا تَثْبُتُ الأُبُوَّةُ؛ لأنَّه رَضاعٌ لم يُثْبتِ الأُمُومةَ، فلم يُثْبِتِ الأُبُوَّةَ، كالارْتِضاعِ بلَبَنِ الرَّجُلِ. والأَوّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الأُبُوَّةَ إنَّما تَثْبُتُ لكَوْنِه رَضَعَ من لَبَنِه، لا لكَوْنِ المُرْضِعةِ أُمًّا له. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كهذَيْن. وإذا (٤٦) قُلْنا بثُبُوتِ الأُيُوَّةِ، حَرُمَتْ عليه المُرْضِعاتُ؛ لأنَّه رَبِيبُهُنَّ، وهُنَّ مَوْطُوءاتُ أبِيه. وإن كان لِرَجُلٍ خَمْسُ بناتٍ، فأَرْضَعْن طِفْلًا، كلُّ واحدةٍ رَضْعةً، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له. وهل يَصِيرُ الرجلُ جَدًّا له، وأَوْلادُه أخْوالًا له وخالاتٍ (٤٧)؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يَصِيرُ جَدًّا، وأخُوهُنَّ خالًا؛ لأنَّه قد (٤٨) كَمَلَ للمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعاتٍ من لَبَنِ بَناتِه أو أخَواتِه، فأشْبَهَ ما لو كان من واحدةٍ.

стр. 5863

والآخرُ، لا يَثْبُتُ ذلك؛ لأنَّ كَوْنَه جَدًّا فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِه أُمًا، وكَوْنَه خالًا فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِه أُمًّا، ولم يَثْبُتْ ذلك، فلا يثْبُتُ الفَرْعُ. وهذا الوجهُ يتَرَجَّحُ في هذه المسألةِ؛ لأنَّ الفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقةٌ، بخلافِ التي قبلَها. فإن قُلْنا: يَصِيرُ أخُوهُنَّ خالًا. لم تَثْبُت الخُئُولةُ في حَقِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لم يَرْتَضِعْ (٤٩) من لَبَنِ أخَواتِها خَمْسَ رَضَعاتٍ، ولكن يَحْتَمِلُ التَّحْريمَ؛ لأنَّه قد اجْتَمَع من اللَّبَنِ المُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعاتٍ. ولو كَمَلَ للطِّفلِ (٥٠) خَمْسُ رَضَعاتٍ من أُمِّه وأُخْتِه وابْنَتِه وزَوْجَتِه وزَوْجةِ أبِيه، من كلِّ (٥١) واحدةٍ رَضْعةٌ، خُرِّجَ علي الوَجْهَيْنِ. فصل: إذا كان لِامرأةٍ لَبَنٌ من زَوْجٍ، فأرْضَعَتْ به (٥١) طِفْلًا ثلاثَ رَضعاتٍ، وانْقَطَعَ لَبَنُهَا، فتزَوَّجَتْ آخرَ، فصار لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ منه الصَّبِيَّ رَضْعَتَيْنِ، صارت أُمًّا له، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه عندَ القائِلينَ بأنَّ الخَمْسَ مُحَرِّماتٌ، ولم يَصِرْ واحدٌ من الزَّوْجَيْنِ أبًا له؛ لأنَّه لم يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضاعِ من لَبَنِه، ويَحْرُمُ على الرَّجُلَينِ؛ بكَوْنِه (٥٢) رَبِيبَها، لا لكَوْنِه وَلَدَهُما (٥٣). ١٣٧٢ - مسألة؛ قال: (ولَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا، وهِىَ تُرْضِعُ مِنْ لَبَنِ وَلَدِهِ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ مُرْضَعٍ، فأَرْضَعَتْه، فحَرُمَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بآخَرَ، ودَخَلَ بِهَا وَوَطِئَها، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أوْ مَاتَ عَنْها، لَمْ يَجُزْ أنْ يتَزَوَّجَها الأوَّلُ؛ لأنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْأبْنَاءِ لَمَّا أرْضَعَتِ الصَّبِيَّ الَّذِى تزَوَّجَتْ بِهِ) هذه المسألةُ من فروع المسألةِ التي قبلَها، وهو أنَّ المُرْتَضِعَ يَصِيرُ ابْنًا للرَّجُلِ الذي ثابَ اللَّبَنُ بوَطْئِه. فهذه المرأةُ لمَّا تَزَوَّجَتْ صَبِيًّا، ثم أرْضَعَتْه بلَبَنِ مُطَلِّقِها، صار ابْنًا

стр. 5864

لمُطَلِّقِها فحَرُمَتْ عليه؛ لأنَّها أُمُّه، وبانَتْ منه، وكانت زَوْجةً له، فصارتْ زَوْجةً لِابْنِ مُطَلِّقِها، فَحَرُمَتْ على الأوَّلِ على التَّأْبِيدِ؛ لكَوْنها صارَتْ من حَلائلِ أَبْنائِه. ولو تزَوَّجَتِ امرأةً صَبِيًّا، فوَجَدَتْ به عَيْبًا، ففَسَختْ نِكاحَه، ثم تزَوَّجَتْ كبيرًا، فصارَ لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به الصَّبِيَّ خَمْسَ رَضَعاتٍ، حَرُمَتْ على زَوْجِها؛ لأنَّها صارت من حَلائلِ أبْنائِه. ولو زَوّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِه أو أمَتَه بصَبِيٍّ مَمْلوكٍ، فأرْضَعَتْه بلَبَنِ سَيِّدِها خَمْسَ رَضَعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وحَرُمَتْ على سَيِّدِها على التَّأْبيدِ؛ لأنَّها صارَتْ من حلائلِ أبنائِه. فإن كان الصَّبِيُّ حُرًّا، لم يُتَصَوَّرْ هذا الفَرْعُ، ولم (١) يَصِحَّ نِكاحُه؛ لأنَّ مِن شَرْطِ جَوَازِ نِكاحِ الحُرِّ الأمَةَ، خَوْفَ العَنَتِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الطِّفْلِ، فإن تَزَوَّجَ بها كان النكاحُ فاسِدًا، وإن أرْضَعَتْه، لم تَحْرُمْ على سَيِّدِها؛ لأنَّه ليس بزَوْجٍ في الحقيقةِ. فصل: وإذا طَلَّقَ الرجلُ زَوْجَتَه، ولها منه لَبَنٌ، فتَزَوَّجَتْ آخَرَ، لم يَخْلُ من خمسةِ أحْوالٍ؛ أحدها، أن يَبْقَى لَبَنُ الأوَّلِ بحالِه، لم يَزِدْ ولم يَنْقُصْ، ولم تَلِدْ من الثاني، فهو للأوَّلِ، سَواءٌ حَمَلَتْ من الثاني أو لم تَحْمِلْ. لا (٢) نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، ولم يتَجَدَّدْ ما يَجْعَلُه من الثاني، فبَقِىَ للأوَّلِ. الثاني، أن لا تَحْمِلَ من الثاني، [فهو للأوَّلِ] (٣)، سَواءٌ زاد أو لم يَزِدْ، أو انْقَطَعَ ثم عاد أو لم يَنْقَطِعْ. الثالث، أن تَلِدَ من الثاني، فاللَّبَنُ له خاصّةً. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه [من أهلِ العلمِ] (٤). وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، سَواءٌ زادَ أو لم يَزِدْ، انْقَطَعَ أو اتَّصَلَ؛ لأنّ لَبَنَ الأوَّلِ يَنْقَطِعُ بالوِلادةِ من الثاني، فإنَّ حاجةَ المولودِ إلى اللَّبَنِ تَمْنَعُ كونَه لغيرِه. الحال الرابع، أن يكونَ لَبَنُ الأوَّلِ باقيًا، وزادَ بالحَمْلِ من الثاني، فاللَّبَنُ منهما جميعًا، في قولِ أصحابِنا

стр. 5865

وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ من الثاني. وقال الشافعيُّ: إن لم يَنْتَهِ الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ منه اللبنُ، فهو للأوَّلِ، فإن بَلَغَ إلى حالٍ ينزلُ به (٥) اللبنُ، فزَادَ به، ففيه قَوْلان؛ أحدهما، هو (٦) للأوَّلِ. والثاني، هو لهما. ولَنا، أنَّ زِيادَتَه عندَ حُدُوثِ الحَمْلِ ظاهِرٌ في أنَّها منه، وبقاءُ [لَبَنِ الأوَّلِ] (٧) يَقْتَضِى كَوْنَ أصْلِه منه، فيَجِبُ (٨) أن يُضافَ إليهما، كما لو كان الوَلَدُ منهما. الحال الخامس، انْقَطَعَ من الأوَّلِ، ثم ثابَ بالحَمْلِ من الثاني. فقال أبو بكر: هو منهما. وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ، إذا انْتَهَى الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبنُ؛ وذلك لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، فلما عاد بحُدُوثِ الحَمْلِ، فالظاهرُ أنَّ لَبَنَ الأوَّلِ ثابَ بِسَبَبِ الحمْلِ الثاني، فكان مُضافًا إليهما، كما لو لم يَنْقَطِعْ. واخْتار أبو الخَطَّابِ أنَّه من الثاني. وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّ لَبَنَ الأوَّلِ انْقَطَعَ، فزَال حُكْمُه بانْقِطاعِه، وحَدَثَ بالحَمْلِ من الثاني، فكان له، كما لو لم يكُنْ لها لَبَنٌ من الأوَّلِ. وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ من الثاني. وهو القولُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا يَقْتَضِى اللَّبَنَ، وإنَّما يَخْلُقُه اللَّه تعالى للوَلَدِ عندَ وُجُودِه لحاجَتِه إليه، والكلامُ عليه قد سَبَقَ. ١٣٧٣ - مسألة؛ قال: (ولَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وصَغِيرَةً، فلَمْ يَدْخُلْ بالْكَبِيرَةِ حَتَّى أرْضَعَتِ الصَّغِيرَةَ في الْحَوْلَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ. وإنْ كَانَ قَدْ (١) دَخلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، ويَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ) نَصَّ أحمدُ على هذا كلِّه. في هذه المسألة فصولٌ أربعة:

стр. 5866

الأوَّل: أنَّه متى (٢) تزوَّجَ كبيرةً وصَغِيرةً، فأَرْضَعَتِ الكبيرةُ الصَّغيرةَ قبلَ دُخُولِه بها، فَسَدَ نكاحُ الكبيرةِ في الحالِ، وحَرُمَتْ على التَّأْبيدِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: نكاحُ الكبيرةِ ثابتٌ، وتُنْزَعُ منه الصغيرةُ. وليس بصحيحٍ؛ فإنَّ الكبيرةَ صارتْ من أُمَّهاتِ النِّساءِ، فتَحْرُمُ أبدًا؛ لقول اللَّه سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٣). ولم يَشْتَرِطْ دُخُولَه بها، فأمَّا الصغيرةُ، ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، نِكاحُها ثابتٌ؛ لأنَّها رَبِيبَةٌ، ولم يَدْخُلْ بأُمِّها، فلا تَحْرُمُ؛ لقولِ اللَّه سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). والرِّواية الثانية، يَنْفَسِخُ نِكاحُها. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّهما صارتَا (٤) أُمًّا وبِنْتًا، واجْتَمَعَتَا في نِكاحِه، والجَمْعُ بينهما مُحَرَّمٌ، فانْفَسَخَ نِكاحُهُما، كما لو صارَتا أخْتَيْنِ، وكما لو عَقَدَ عليهما بعدَ الرَّضاعِ عَقْدًا واحدًا. ولَنا، أنَّه أمْكَن إزالةُ الجَمْعِ بانْفِساخِ نِكاحِ الكبيرةِ، وهى أَوْلَى به؛ لأنَّ نِكاحَها مُحَرَّمٌ على التَّأْبيدِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُهُما به، كما لو ابْتَدأ العَقْدَ على أُخْتِه وأجْنَبِيةٍ، ولأنَّ الجمعَ طَرَأ على نكاحِ الأُمِّ والبنتِ، فاخْتصَّ الفَسْخُ بنكاحِ الأُمِّ، كما لو أسْلَم وتَحْته امرأةٌ وبِنْتُها. وفارَقَ الأُخْتَيْنِ؛ لأنَّه ليست أحداهُما أوْلَى بالفَسْخِ من الأُخْرَى، وفارَقَ ما لو ابْتَدأ العَقْدَ عليهما؛ لأنَّ الدَّوامَ أقْوَى من الابْتِداءِ. الفصل الثاني: أنَّه (٥) إن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتا جميعًا على الأبَدِ، وانْفَسَخَ نِكاحُهُما؛ لأنَّ الكبيرةَ صارت من أُمَّهاتِ النِّساءِ، والصغيرةَ رَبيبةٌ قد دَخَلَ بأُمِّها، فَتَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وإن كان الرَّضاعُ بلَبَنِه، صارت الصغيرةُ بِنْتًا مُحَرَّمةً

стр. 5867

عليه لوَجْهينِ؛ لكونِها بِنْتَه، ورَبِيبَتَه التي دَخَلَ بأُمِّها. الفصل الثالث: أنَّ عليه نِصْفَ مَهْرِ الصَّغيرةِ؛ لأنَّ نِكاحَها انْفَسَخَ قبلَ دُخُولِه بها من غير جِهَتِها، والفَسْخُ إذا جاء من أجْنَبِىٍّ كان كطَلاقِ الزَّوْجِ في وُجُوبِ الصَّداقِ عليه، ولا مَهْرَ للكبيرةِ إن لم يكُنْ دَخَلَ بها؛ لأنَّ فَسْخَ نِكاحِها بسَبَبٍ من جِهَتها، فسَقَطَ صَداقُها، كما لو ارْتَدَّتْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، لم يَسْقُطْ مَهْرُها؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بدُخُولِه بها اسْتِقْرارًا لا يُسْقِطُه شيءٌ، ولذلك لا يَسْقُطُ برِدَّتِها ولا بغيرِها. الفصل الرابع: أنَّه يَرْجِعُ على الكبيرةِ بما لَزِمَه من صَداقِ الصغيرةِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وحُكِىَ عن بعضِ أصْحابِه، أنَّه يَرْجِعُ بجميعِ صَداقِها؛ لأنَّها أتْلَفَتِ البُضْعَ، فوَجَبَ ضَمانُه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إِن كانت المُرْضعةُ أرادت الفَسادَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ الصَّداقِ، وإلَّا فلا يَرْجِعُ (٦) بشيءٍ. وقال مالكٌ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ. وَلنا، على أنَّه يَرْجِعُ عليها بالنِّصْفِ (٧)، أنَّها قَرَّرَتْه عليه، وألْزَمَتْه إيَّاه، وأتْلَفَتْ عليه ما في مُقابَلَتِه، فوَجَبَ عليها (٨) الضَّمانُ، كما لو أتْلَفَتْ عليه المَبِيعَ. ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ ما ضُمِنَ في العَمْدِ ضُمِنَ في الخَطَإِ، كالمالِ، ولأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَه، وقَرَّرَتْ عليه نِصْفَ الصَّداقِ، [فلَزِمَها ضَمانُه] (٩)، كما لو قَصَدَتِ الإِفْسادَ. ولَنا، على أنَّ الزَّوْجَ إنَّما يَرْجِعُ بالنصفِ، أنَّ الزَّوْجَ لم يَغْرَمْ إِلَّا النِّصْفَ، فلم يَجِبْ له أكثرُ ممَّا غَرِمَ، ولأنَّه بالفَسْخِ رجَع (١٠) إِليه بَدَلُ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يَجِبْ له بَدَلُ ما أخَذَ بَدَلَه مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ خُرُوجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوجِ لا قِيمةَ له، وإنَّما ضَمِنَتِ المرضعةُ ههُنا لمَّا أَلْزَمَتِ الزَّوجَ ما كان مُعَرَّضًا للسُّقُوطِ بسَبَبٍ يُوجَدُ من الزَّوْجةِ، فلم يَرْجِعْ ههُنا بأكثرَ ممَّا ألْزَمَتْه.

стр. 5868

فصل: والواجبُ نِصْفُ المُسَمَّى، لا نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ بما غَرِمَ، والذي غَرِمَ نِصْفُ ما فَرَضَ لها، فرَجَعَ به. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المثلِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فكان الاعْتبارُ بقِيمَتِه، دُونَ ما مَلَكَه به، كسائرِ الأعْيانِ. ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزوجِ لا قِيمَةَ له، بدليلِ ما لو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكاحُها بإرْضاعِه، فإنَّها لا تَغْرَمُ له شيئًا، وإنَّما الرُّجُوع ههُنا بما غَرِمَ، فلا يَرْجِعُ بغيرِه، ولأنَّه لو رَجَعَ بقِيمةِ المُتْلَفِ، لرَجَعَ بمَهْرِ المِثْلِ كلِّه، ولم (١١) يَخْتَصَّ بنِصْفِه؛ لأنَّ التَّلَفَ لم يخْتصَّ بالنِّصْفِ، ولأنَّ شُهُودَ الطَّلاقِ قبلَ الدُّخُولِ إذا رَجَعُوا، لَزِمَهُم نِصْفُ المُسَمَّى، كذا ههُنا. فصل: وكلُّ امرأةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُها إذا أَرْضَعَتْ زَوْجَتَه الصغيرةَ، أَفْسَدَتْ نِكاحَه، وحَرَّمَتْها عليه، ولَزِمَها نِصْفُ الصَّدَاقِ، فإنْ أَرْضَعَتْها أُمُّه، صارت أُخْتَه، وإن أَرْضَعَتْها جَدَّتُه، صارت عَمَّتَه أو خالَتَه، [وإن أرْضَعَتْها بِنْتُه، صارت بِنْتَ بِنْتِه] (١٢)، وإنْ أرْضَعَتْها أخْتُه، صارت بِنْتَ أُخْتِه. وكل امرأة تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِها عليه (١٣)، إذا أرْضَعَتْها بلَبَنِ زَوْجِها، حَرَّمَتْها عليه، وعليها نِصْفُ مَهْرِها، كامرأةِ ابْنِه، وامرأةِ أبيه، وامرأةِ أخِيه، وامرأةِ جَدِّه؛ لأنَّها إن أَرْضَعَتْها امرأةُ أبِيه بلَبَنِه، صارت أخْتَه، وإن أرْضَعَتْها امرأةُ ابنِه، صارت بِنْتَ ابْنِه، وإن أرضَعتْها امرأةُ أخِيه، صارت بنتَ أخِيه، وإن أرْضَعتْها امرأةُ جَدِّه بلَبَنِه، صارت عَمَّتَه أو خالَتَه. وإن أرْضعَتْها امرأةُ أحدِ هؤلاءِ بلَبَنِ غيرِه، لم تَحْرُمْ عليه؛ لأنَّها صارتْ رَبِيبةَ زَوْجِها. وإن أرضعتها مَنْ لا تُحَرَّمُ بِنْتها، كعَمَّتِه وخالَتِه، لم تُحَرِّمْها عليه. ولو تزَوَّجَ ابنةَ عَمِّه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صغيرًا، انْفَسَخَ النكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعَتِ الزَّوْجَ صارَ عَمَّ زَوْجَتِه، وإن أرْضَعتِ الزَّوجةَ صارَتْ عَمّةً (١٤)، وإن أرْضَعَتْهُما جميعًا صار كلُّ واحدٍ منهما عَمَّ الآخَرِ.

стр. 5869

وإن تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صغيرًا، انْفَسَخَ النكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعتِ الزَّوجَ صار خالًا لها، وإن أرْضَعتِ الزَّوجةَ صارتْ عَمَّتَه. وإن تزَوَّجَ ابنةَ خالِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما (١٥) الزَّوْجَ صار عَمَّ زَوْجَتِه، وإن أرْضَعَتْها (١٦) صارتْ خالَتَه. وإن تزَوَّجَ ابنةَ خالَتِه (١٧)، فأرْضَعتِ الزَّوجَ صار خالَ زَوْجَتِه، وإن أرضعَتْها (١٨) صارتْ خالةَ زَوْجِها. فصل: وإن تزَوَّجَ كبيرةً، ثم طَلَّقَها، فأرْضَعَتْ صغيرةً بلَبَنِه، صارتْ بِنْتًا له، وإن أرضَعَتْها بلبنِ غيرِه صارت رَبِيبةً، فإنَّ كان قد دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتِ الصغيرةُ على التَّأبِيدِ، وإن كان لم يَدْخُلْ بها لم تَحْرُمْ (١٩)؛ لأنَّها رَبِيبةٌ لم يَدْخُلْ بأُمِّها. وإن تزَوَّجَ صغيرةً، ثم طَلَّقها، فأرْضَعَتْها امرأةٌ، حَرُمَتِ المُرْضِعةُ على التَّأْبِيد؛ لأنَّها من أُمَّهاتِ نِسائِه. وإن تزَوَّجَ كبيرةً وصغيرةً، ثم طَلَّقَ الصغيرةَ، فأرْضَعَتْها الكبيرةُ، حَرُمَتِ الكبيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، فإنْ (٢٠) كان لم يَدْخُلْ بها، فلا مَهْرَ لها، وله نِكاحُ الصَّغيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، وتَحْرُمُ هي والصَّغيرةُ على التَّأْبِيدِ. وإن طَلَّقَ الكبيرةَ وحدَها قبلَ الرَّضاعِ، فأَرْضَعَتِ الصَّغيرةَ، ولم يكُن دَخَلَ بالكبيرةِ، ثَبَتَ نِكاحُ الصَّغِيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، حَرُمَتِ الصغيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ويَرْجِعُ على الكبيرةِ بنِصْفِ صَداقِها. وإن طَلَّقَهما جميعًا، فالحكمُ في التَّحْريمِ على ما مَضَى. ولو تزَوَّجَ رجلٌ كبيرةً، وَآخرُ صغيرةً، ثم طَلَّقاهُما، ونَكَحَ كلُّ واحدٍ منهما زَوْجةَ الآخَرِ، ثم أرضَعَتِ (٢١) الكبيرةُ الصَّغيرةَ، حَرُمَتْ عليهما الكبيرةُ،

стр. 5870

وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإن كان زَوْجُ الصغيرةِ دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتْ عليه، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإلَّا فلا. فصل: وان أرْضَعَتْ بنتُ الكبيرةِ الصَّغيرةَ، فالحُكْمُ في التَّحْريمِ والفَسْخِ حُكْمُ ما لو أرْضَعَتْها الكبيرةُ؛ لأنَّها صارت جَدَّتَها، والرجوعُ بالصَّداقِ على المُرْضِعةِ التي أفْسَدَتِ النكاحَ. وإن أرْضَعَتْها أُمُّ الكبيرةِ، انْفَسَخَ نِكاحُهُما معا؛ لأنَّهما صارتا أُخْتَيْنِ، فإن كان لم يَدْخُلْ بالكبيرةِ، فله أن يَنْكِحَ مَنْ شاء منهما، ويَرْجِعَ على المُرْضِعةِ بنِصْفِ صَدَاقِهِما، وإن كان قد دَخَلَ بالكبيرةِ، فله نِكاحُها؛ لأنَّ الصغيرةَ لا عِدَّةَ عليها، وليس نِكاحُ الصَّغيرةِ حتى تَنْقَضِىَ عِدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها قد صارَتْ أخْتَها، فلا يَنْكِحُها في عِدَّتِها. وكذلك الحكمُ إن أرْضَعَتْها جَدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها تَصِيرُ عَمَّةَ الكبيرةِ أو خالَتَها، والجمعُ بينهما مُحَرَّمٌ. وكذلك الحكمُ (٢٢) إن أرْضَعَتْها أخْتُها أو زوجةُ أخِيها بلَبَنِه؛ لأنَّها صارتْ بنِتَ أُخْتِ الكبيرةِ أو بنتَ أخِيه. وكذلك إن أرْضَعتْها بنتُ أخِيها أو بنتُ أُخْتِها. ولا يَحْرُمُ في شيءٍ من هذا واحدةٌ منهنَّ (٢٣) على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّه تَحْريمُ جَمْعٍ، إلَّا إذا أرْضَعَتْها بنتُ الكبيرةِ وقد دَخَلَ بأُمِّها. فصل: ومَنْ أفْسَدَ نِكاحَ امرأةٍ بالرَّضاعِ قبلَ الدُّخُولِ، غَرِمَ نِصْفَ صَداقِها، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فنَصَّ (٢٤) أحمدُ على أنَّه يُرْجَعُ عليه بالمَهْرِ كلِّه. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ كلَّه على زَوْجِها, فتَرْجِعُ بما لَزِمَه، كنِصْفِ المَهْرِ في غير (٢٥) المَدْخُولِ بها. والصَّحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، أنَّه لا يَرْجِعُ على المُرْضِعَةِ بعدَ الدُّخولِ بشيءٍ؛ لأنَّها لم تُقَرِّرْ على الزَّوجِ شيئًا، ولم تُلْزِمْه إيَّاه، فلم يَرْجِعْ عليها بشيءٍ، كما لو أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِها، ولأنَّه لو مَلَكَ الرُّجوعَ بالصَّداقِ بعدَ الدخولِ، لَسَقَطَ إذا

стр. 5871

كانت المرأةُ هي المُفْسِدَةَ للنِّكاحِ، كالنِّصْفِ قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّ خُروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، على ما ذكرناه فيما مَضَى، ولذلك لا يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وإنَّما رَجَعَ الزَّوجُ بنِصْفِ المُسَمَّى قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّها قَرَّرَتْه عليه، ولذلك يَسْقُطُ إذا كانتْ هي المُفْسِدَةَ لنِكاحِها (٢٦)، ولم يُوجَدْ ذلك ههُنا. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. ولأنَّه لو رَجَعَ بالمَهْرِ بعدَ الدُّخولِ، لم يَخْلُ إمَّا أن يكونَ رُجُوعُه ببَدَلِ البُضْعِ الذي فَوّتَتْه (٢٧)، أو بالمَهْرِ (٢٨) الذي أدَّاه، لا يجوزُ أن يكونَ بِبَدَلِ البُضْعِ (٢٩)؛ لأنَّه لو وَجَبَ بَدَلُه، [لوَجَبَ له] (٣٠) على الزَّوجةِ إذا فاتَ بفِعْلِها أو بقَتْلِها، ولَكان (٣١) الواجبُ له (٣٢) مَهْرُ مِثْلِها، ولا يجوزُ أن يَجِبَ له بَدَلُ ما أدَّاه إليها لذلك، ولأنَّها ما أوْجَبَتْه، ولا لها أثرٌ في إيجابِه ولا أدَائِه [ولا تَقْرِيرِه] (٣٣)، ولا نعلمُ بينهم خِلافًا في أنَّها إذا أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِها بعدَ الدخولِ، أنَّه لا يَسْقُطُ مَهْرُها، ولا يَرْجِعُ عليها (٣٤) بشيءٍ إن كان (٣٥) أدَّاه إليها، ولا في أنَّها إذا أفْسَدَتْه قبلَ الدُّخولِ أنَّه يَسْقُطُ صَداقُها، وأنَّه يَرْجِعُ عليها بما أعْطاها، فلو دَبَّتْ صغيرةٌ إلى كبيرةٍ، فارْتَضَعَتْ منها خَمْسَ رَضَعاتٍ وهى نائمةٌ، وهما زَوْجَتَا رَجُلٍ، انْفَسَخَ نكاحُ الكبيرةِ، وحَرُمَتْ على التَّاْبِيد، فإن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتِ الصغيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ولا مَهْرَ للصغيرةِ؛ لأنَّها فَسَخَتْ نِكاحَ نَفْسِها، وعليه مَهْرُ الكبيرةِ، يَرْجِعُ به على الصغيرةِ، عندَ أصْحابنا، ولا يَرْجِعُ

стр. 5872

به، على ما اخْتَرْناه، وإن لم يكُنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، فعليه نِصْفُ صَداقِها، يَرْجِعُ به على مالِ الصغيرةِ؛ لأنَّها فَسَخَتْ نِكاحَها. وإن ارْتضَعتِ الصَّغيرةُ منها رَضْعَتَيْنِ وهى نائمةٌ، ثم انْتَبَهتِ الكبيرةُ، فأتَمَّتْ لها ثلاثَ رَضَعاتٍ، فقد حَصَل الفَسادُ بفِعْلِهِما (٣٦)، فيتَقَسَّطُ (٣٧) الواجِبُ عليهما، وعليه مَهْرُ الكبيرةِ، وثلاثةُ أعْشارِ مَهْرِ الصَّغيرةِ، يَرْجِعُ به على الكبيرةِ، وإن لم يكُنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، فعليه خُمْسُ مَهْرِها، يَرْجِعُ به على الصَّغيرةِ. وهل يَنْفَسِخُ نِكاحُ الصغيرةِ؟ على رِوَايتَيْن. فصل: وإن أفْسَدَ النكاحَ جماعةٌ، تقَسَّطَ المَهْرُ عليهم، فلو جاء خَمْسٌ، فسَقَيْنَ زَوْجةً صغيرةً من لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُها، ولَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِها بينَهُنَّ. فإن سَقَتْها واحدةٌ شَرْبَتَيْنِ، وأخْرَى (٣٨) ثَلاثًا، فعلى الأُولَى الخُمْسُ، وعلى الثانية [خُمْسٌ وعُشْرٌ] (٣٩). وإن سَقَتْها واحدةٌ شَرْبَتَينِ، وسَقاها ثلاثٌ ثَلَاثَ شَرباتٍ، فعلى الأُولَى الخُمْسُ، وعلى كلِّ واحدةٍ من الثَّلاثِ عُشْرٌ. وإن كان له ثلاثُ نِسْوَةٍ كِبارٌ، وواحدةٌ صغيرةٌ، فأرْضَعَتْ كلُّ واحدةٍ من الثَّلاثِ الصَّغيرةَ أرْبَعَ رَضَعاتٍ، ثم حَلَبْنَ في إناءٍ، وسَقَيْنَه الصَّغيرةَ، حَرُمَ الكِبارُ، وانْفَسَخَ نِكاحُهُنَّ، فإن لم يكُنْ دَخَلَ بهِنَّ، فنِكاحُ الصَّغِيرةِ ثابتٌ، على إحدى الرِّوايتَيْنِ، وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ثُلُثُ صَدَاقِها، تَرْجِعُ به على ضَرَّتَيْها؛ لأنَّ فَسَادَ نِكاحِها حَصَلَ (٤٠) بفِعْلِها وفِعْلِهِما، فسَقَطَ ما قابَلَ فِعْلِهَا، وهو سُدُسُ الصَّداقِ، وبَقِىَ عليه الثلثُ، فرَجَعَ به على ضَرَّتَيْها، فإن كان صَدَاقُهُنَّ مُتَساوِيًا، سَقَطَ، ولم يَجِبْ شيءٌ؛ لأنَّه يتَقاصُّ ما لَها على الزَّوجِ، بما يَرْجِعُ به عليها، إذ لا فائِدَةَ في أن يَجِبَ لها عليه ما يَرْجِعُ به عليها، وإن

стр. 5873

كان مُخْتلِفًا، وهو من جِنْسٍ واحدٍ، تَقاصَّا منه بقَدْرِ أقَلِّهِما، ووَجَبَتِ الفَضْلَةُ (٤١) لصاحِبِها، وإن كان من أجْناسٍ، ثَبَتَ التَّراجُعُ، على ما ذكَرْنا. وإن كان قد دَخَلَ بإحْدَى الكِبارِ، حَرُمَتِ الصَّغيرةُ أيضًا، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ووَجَبَ لها نِصْفُ صَداقِها، تَرْجِعُ به عليهنَّ أثْلاثًا، وللَّتى (٤٢) دَخَلَ بها المَهْر كاملًا، وفى الرُّجُوعِ به ما أسْلَفْناه من الخِلافِ. وإن حَلَبْنَ في إناءٍ، فسَقَتْه إحْداهُنَّ الصغيرةَ (٤٣) خَمْسَ مَرَّاتٍ، كان صَدَاقَ ضَرّاتِها يَرْجِعُ به عليها، إن كان قبلَ الدُّخولِ بهِنَّ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَهُنَّ، ويَسْقُطُ مَهْرُها إن لم يكُنْ دَخَلَ بها، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، ولا تَرْجِعُ به على أحدٍ. وإن كانتْ كلُّ واحدةٍ من الكِبارِ أرْضَعَتِ الصَّغيرةَ خَمْسَ رَضعاتٍ، حَرُمَ الثَّلاثُ، فإن كان لم يَدْخُلْ بهنَّ، فلا مَهْرَ لَهُنَّ عليه، وإن كان دَخَلَ بهنَّ، فعليه لكلِّ واحدةٍ مَهْرُها، لا يَرْجِعُ به على أحدٍ، وتَحْرُمُ الصَّغِيرةُ، ويَرْجِعُ بما لَزِمَه من صَداقِها على المُرْضِعةِ الأُولَى؛ لأنَّها التي حَرَّمَتْها عليه، وفَسَخَتْ نِكاحَها. ولو أرْضَعَ الثَّلاثُ الصَّغيرةَ بلَبَنِ الزَّوجِ، فأرْضَعَتْها كلُّ واحدةٍ رَضْعَتَيْنِ، صارتْ بِنْتًا لزَوْجِهَا، في الصحيحِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُها، وَيرْجِعُ بنِصْفِ صَداقِها عليهنَّ، على المُرْضِعَتَيْنِ (٤٤) الأُولَيَيْنِ منه أرْبَعةُ أخْماسِه، وعلى الثالثةِ خُمْسُهُ؛ لأنَّ رَضْعَتَها الأُولَى حَصَلَ بها التَّحْريمُ، لِكَمالِ الخَمْسِ بها، والثانيةُ لا أثَرَ لها في التَّحْريمِ، فلم يَجِبْ عليها بها شيءٌ، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأكابِرِ، لأنَّهُنَّ لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ لها. ولو كان لِامْرَأتِه الكبيرةِ خَمْسُ بَناتٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ، فأرْضَعْنَ امرأتَه الصَّغيرةَ رَضاعًا تصيرُ به إحْداهُنَّ أُمًّا لها، لَحَرُمَتْ أمُّها، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وهلٍ يَنْفَسِخُ نِكاحُ الصَّغيرةِ؟ على رِوَايتَيْنِ. وإن أرْضَعَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ الصَّغيرةَ رَضْعةً، فالصَّحيحُ أنَّ الكبيرةَ لا تَحْرُمُ بهذا؛

стр. 5874

لأنَّ كَوْنَها جَدّةً يَنْبنِى (٤٥) على كَوْنِ ابْنَتِها أُمًّا، وما صارتْ واحدةٌ من بَناتِها أُمًّا، ويَحْتَملُ أن تَحْرُمَ؛ لأنَّه قد كَمَلَ لها من بَناتِها خَمْسُ رَضَعاتٍ. وكذلك الحُكْمُ لو أرْضَعَتْها بِنْتُها رَضْعةً، وبنتُ ابْنِها رَضْعةً، وبناتُ بناتِها ثلاثَ رَضَعاتٍ. ولو كمَلَ لها من زَوْجَتِه بلَبَنِه ومن أُمِّه وأُخْتِه وابْنَتِه وبنتِ (٤٦) ابْنِه خَمْسُ رَضَعاتٍ، فعلَى الوَجْهينِ؛ أصَحُّهما، لا يَثْبُتُ تَحْرِيمُها. وفى الآخرِ، يَثْبُتُ (٤٧). فعلى هذا الوَجْهِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُها، ويَرْجِعُ عليهِنَّ بما غَرِمَ من صَداقِها، على قَدْرِ رَضاعِهِنَّ. فإن قيل: فلِمَ لا يَرْجِعُ عليهنَّ على عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ؛ لكَوْنِ الرَّضاعِ مُفْسِدًا، فيَسْتَوِى قليلُه وكثيرُه، كما لو طَرَحَ النّجاسةَ جماعةٌ في مائعٍ في حالةٍ واحدةٍ؟ قُلْنا: لأنَّ التَّحْريمَ يتَعَلَّقُ بعَدَدِ الرَّضَعاتِ، فكان الضَّمانُ متعَلِّقًا بالعَدَدِ، بخلافِ النّجاسةِ، فإنَّ التَّنْجِيسَ لا يتعَلَّقُ بقَدْرٍ، فيَسْتَوِى قليلُه وكثيرُه؛ لكَوْنِ (٤٨) القليلِ والكثيرِ سواءً في الإِفْسادِ، فنَظِيرُ ذلك أن يَشْرَبَ في (٤٩) الرَّضْعةِ من إحْداهما أكثرَ ممَّا يَشْرَبُ من الأُخْرَى. فصل: إذا كانتْ له زوجةٌ أمَةٌ (٥٠)، فأرْضَعَتْ امْرَأتَه (٥١) الصَّغيرةَ، فحَرَّمَتْها عليه، وفَسَخَتْ نِكاحَها، كان ما لَزِمَه من صَداقِ الصَّغيرةِ له في رَقَبةِ الأمَةِ؛ لأنَّ ذلك من جِنَايَتِها. وإن أرْضَعَتْها أمُّ وَلَدِه، أفْسَدَتْ نِكاحَها، وحَرّمَتْها عليه؛ لأنَّها رَبِيبَةٌ دَخَلَ بأُمِّها، وتَحْرُمُ أُمُّ الوَلَدِ عليه أبدًا؛ لأنَّها من أُمَّهاتِ نِسائِه، ولا غَرَامةَ عليها؛ لأنَّها أفْسَدَتْ على سَيِّدِها، فإن كان قد كاتَبَها، رَجَعَ عليها؛ لأنَّ المُكاتَبَةَ يَلْزَمُها أَرْشُ جِنايَتِها. وإن أرْضَعَتْ أُمُّ ولَدِه امرأةَ ابْنِه بلَبَنِه، فَسَخَتْ نكاحَها وحَرَّمَتْها عليه؛ لأنَّها

стр. 5875

صارَتْ أُخْتَه. وإن أرْضَعَتْ زوجةَ أبِيه بلَبَنِه، حَرَّمَتْها عليه؛ لأنَّها صارت بِنْتَ ابْنِه، ويَرْجِعُ الأبُ على ابْنِه بأقَلِّ الأمْرَينِ ممَّا غَرِمَه (٥٢) لِزَوْجَتِه أو قِيمَتِها؛ لأنَّ ذلك من جِنايةِ أُمِّ وَلَدِه. وإن أرْضَعَتْ واحدةً منهما بغيرِ لَبَنِ سَيِّدها، لم تُحَرِّمْها؛ لأنَّ كل واحدةٍ منهما صارت بِنْتَ أُمِّ وَلَدِه. ١٣٧٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ تزَوَّجَ بِكَبِيرَةٍ وَصَغِيرَتَيْنِ، فأرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَتَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ لِلْكَبِيرَةِ، ويَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ صَداقِ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَلَهُ أنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أمَّا تَحْريمُ الكبيرةِ فلأنَّها صارتْ من أُمَّهات النِّساءِ، وأمَّا انْفِساخُ نِكاحِ الصَّغيرَتَيْنِ، فلأنَّهما صارتا أُخْتَيْنِ، واجْتَمَعَتا في الزَّوْجِيَّةِ، فيَنْفَسِخُ نِكاحُهُما، كما لو ارْتَضَعَتَا (١) معًا، ولا مَهْرَ للكبيرةِ؛ لأنَّ الفَسَادَ جاء من قِبَلِها، ويَرْجِعُ عليها بنِصْفِ صَداقِ الصَّغيرتَيْنِ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَهما، وله أن يَنْكِحَ مَنْ شاء منهما؛ لأنَّ انْفِساخَ نكاحِهِما للجَمْعِ، ولا يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا. وهذا على الرّوايةِ التي قُلْنا: إنَّها إذا أرْضعَتِ الصَّغِيرةَ، اخْتَصَّ الفَسْخُ بالكبيرةِ. فأمَّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: يَنْفَسِخُ نِكاحُهُما معًا. فإنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الأخيرةِ من الصَّغيرتَيْنِ؛ لأنَّ الكبيرةَ لمَّا أرْضَعَتِ الأُولَى، انْفَسَخَ نِكاحُهُما، ثم أرْضَعَتِ (٢) الأُخْرَى، فلم تَجتَمِعْ معهما في النِّكاحِ، فلم يَنْفَسِخْ نِكاحُها. فأمَّا إن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتْ، وحَرُمَتِ الصَّغيرتانِ على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّهما رَبِيبَتانِ قد دَخَلَ بأُمِّهِما. فصل: فإن أرْضَعَتِ الصَّغيرتَيْنِ أجْنَبِيَّةٌ، انْفَسَخَ نِكاحُهما أيضًا. وهذا قولُ أبي حنيفةَ والْمُزَنِىِّ، وأحدُ (٣) قَوْلَىِ الشافعىِّ، وقال في الآخرِ: يَنْفَسِخُ نِكاحُ

стр. 5876

الأخيرةِ (٤) وحدَها؛ لأنَّ سَبَبَ البُطْلانِ حَصَلَ بها، وهو الجَمْعُ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ إحْدَى الأُخْتَيْنِ بعدَ الأُخْرَى. ولَنا، أنَّه جامِعٌ بين الأُخْتَيْنِ في النِّكاحِ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما، كما لو أرْضَعَتْهما معًا، وفارَقَ ما لو عَقَدَ على واحدةٍ بعدَ الأُخْرَى، فإنَّ عَقْدَ الثانيةِ لم يَصِحَّ، فلم يَصِرْ به جامِعًا بينهما، وههُنا حَصَلَ الجَمْعُ برَضاعِ الثانيةِ، ولا يُمْكِنُ القولُ بأنَّه لم يَصِحَّ، فحصَلَتَا معًا في نِكاحِه، وهما أخْتانِ لا مَحالَةَ. فصل: وإن أرضَعَتْهُما بنتُ الكبيرةِ، فالحُكْمُ في الفَسْخِ كما لو أرْضَعَتْهُنَّ (٥) الكبيرةُ نفسُها؛ لأنَّ الكبيرةَ تَصِيرُ جَدّةً لهما، ولكنَّ الرجوعَ يكونُ على المُرْضِعةِ المُفْسِدَةِ لنِكَاحِهِنَّ. ١٣٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كُنَّ (١) الْأَصَاغِرُ ثَلَاثًا، فَأرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الْكبِيرَةُ، وانْفَسَخَ نِكَاحُ المُرْتَضِعَتَيْنِ (٢) أوَّلًا، وثَبَتَ نِكَاحُ آخرِهِنَّ رَضَاعًا. فَإنْ أرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفرِدَةً، واثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذلِكَ معًا، حَرُمَتِ الْكبِيرَةُ، وانْفَسَخ نِكاحُ الْأَصَاغِرِ، وتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأصَاغِرِ. وإنْ كَانَ دَخَلَ بَالْكبِيرَةِ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأبَدِ) إنَّما حَرُمَتِ الكبيرةُ؛ لأنَّها صارتْ من أُمَّهاتِ النِّساءِ، وانْفَسَخَ نِكاحُ المُرْضَعَتَيْنِ أوَّلا؛ لأنَّهما صارَتَا أُخْتَيْنِ في نِكاحِه، وَثَبَتَ نِكاحُ الأخِيرَةِ (٣)؛ لأنَّ رَضاعَها بعدَ انْفِساخِ نِكاحِ الصَّغيرتَيْنِ اللَّتيْنِ قَبْلَها، فلم يُصادِفْ إخْوَتُها جَمْعًا في النِّكاحِ. وإن أرْضَعَتْ إحْداهُنَّ مُنْفرِدَةً، واثنَتَيْنِ بعدَ ذلك معًا، بأن تُلْقِمَ كلَّ واحدةٍ منهما ثَدْيًا،

стр. 5877

فيَمْتَصَّانِ معًا، أو تَحْلِبَ من لَبَنِها في إناءٍ فتَسْقِيَهما، انْفَسَخَ نِكاحُ الجميعِ؛ لأنَّهنُ صِرْنَ أخَواتٍ في نِكاحِه، وله أن يتزَوَّجَ مَنْ شاءَ من الأصاغِرِ؛ لأنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْريمُ جَمْعٍ، لا تحريمُ تَأْبِيدٍ، فإنَّهُنَّ رَبائِبُ (٤) لم يَدْخُلْ بِأُمّهِنَّ. وإن دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَ الكلُّ على الأبَدِ؛ لأنَّهُنَّ رَبائبُ مَدْخُولٌ بأمِّهِنَّ. هذا على الرِّوايةِ الأُولَى. وعلى الأُخْرَى، لمَّا أرْضَعَتِ الأُوَلى، انْفَسَخَ نِكاحُها ونِكاحُ الكبيرةِ؛ لأنَّها صارتْ أُمَّها، واجْتَمَعَتا في نِكاحِه، ثم أرْضَعَتِ (٥) الثانيةَ، فلم يَنْفَسِخْ نِكاحُها؛ لأنَّها مُنْفْرِدةٌ بالرَّضاعِ [في النكاحِ] (٦)، فلمَّا أرْضَعَتِ الثالثةَ، صارَتا أُخْتَيْنِ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما. فصل: فإن أرْضَعَتْهُنَّ بنتُ الكبيرةِ، فهو كما لو أرْضَعَتْهنَّ أُمُّها. وإنْ (٧) كان لها ثلاثُ بناتٍ، فأَرْضَعَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ زَوْجةً من الأصاغرِ، حَرُمَتِ الكبيرةُ بإرْضاعِ أُوَلاهنَّ، ويَرْجِعُ على مُرْضِعَتِها بما لَزِمَه من مَهْرِها؛ لأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَها، ولا يَنفَسِخُ نِكاحُ الأصاغرِ؛ لأنَّهُنَّ لم يَصِرْنَ أخواتٍ، وإنَّما هُنَّ بَناتُ (٨) خالاتٍ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، يَنْفَسِخُ نِكاحُ المُرْضَعَةِ الأُولَى؛ لِاجْتِماعِها مع جَدَّتِها في النكاحِ، ويَثْبُتُ نِكاحُ الأخِيرَتينِ، ويَرْجِعُ بما لَزِمَه من مَهْرِ التي فَسَدَ (٩) نِكاحُها على التي أرْضَعَتْها. وإن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَ الكلُّ عليه على الأبَدِ، ورَجَعَ على (١٠) كلِّ واحدةٍ بما لَزِمَه من مَهْرِ (١١) التي أرْضَعَتْها. وإن قُلْنا: إنَّه يَرْجِعُ بمَهْرِ الكبيرةِ. رَجَعَ به على المُرْضِعةِ الأُولَى؛ لأنَّها التي أفْسَدَتْ نِكاحَها.

стр. 5878

١٣٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَهِدَت امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ، حَرُمَ النِّكَاحُ إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً. وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ كَانَتْ مَرْضِيَّةً اسْتُحْلِفَتْ، فإنْ كَانَتْ كَاذِبةً، لم يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى تَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وذَهَبَ في ذلِكَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا (١)) وجملةُ ذلك أنَّ شَهادَةَ المرأةِ الواحدةِ مَقْبُولةٌ في الرَّضَاعِ، إذا كانتْ مَرْضِيَّةً. وبهذا قال طَاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وابنُ أبي ذِئْب، وسعيدُ بن عبد العزيزِ. وعن أحمد، روايةٌ أُخْرَى: لا يُقْبَلُ إلَّا شَهادَةُ امْرأتَيْنِ. وهو قولُ الحَكَمِ؛ لأنَّ الرِّجَالَ أكْمَلُ من النِّساءِ؛ ولا يُقْبَلُ [إلَّا شَهادَةُ] (٢) رَجُلَيْنِ، فالنِّساءُ أَوْلَى. وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ شَهادَةَ المرأةِ الواحدةِ مَقْبُولَةٌ، وتُسْتَحْلَفُ مع شَهادَتِها. وهو قولُ ابن عباسٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال، في امرأةٍ زَعَمَتْ أنَّها أرْضَعَتْ رَجُلًا وأهْلَه، فقال: إن كانتْ مَرْضِيَّةً، اسْتُحْلِفَتْ، وفارَقَ امْرَأتَه (٣). وقال: إن كانت كاذِبةً، لم يَحُلِ الحَوْلُ حتى تَبْيَضَّ ثَدْياها (٤). يعني يُصِيبُها فيها بَرَصٌ، عُقُوبةً على كَذِبِها. وهذا لا يَقْتَضِيه قِياسٌ، ولا يَهْتَدِى إليه رأىٌ، فالظَّاهرُ أنَّه لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا. وقال عطاءٌ، وقَتادةُ، والشافعيُّ: لا يُقْبَلُ من النِّساءِ أقَلُّ من أرْبَعٍ؛ لأنَّ كلَّ امرأتينِ كرَجُلٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجُلان، أو رَجُلٌ وامْرأتانِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٥). ولَنا، ما رَوَى عُقْبَةُ بن الحارثِ، قال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إهابٍ، فجاءت أمةٌ سَوْداءُ، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما. فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فذكَرْتُ

стр. 5879

ذلك له، فقال: "وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذلِكَ! ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى لفظٍ روَاه النَّسائِىُّ، قال: فأتَيْتُه من قِبَلِ وَجْهِه، فقلتُ: إنَّها كاذِبةٌ. قال: "كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمتْ أنَّها قَدْ أرضَعَتْكُما! خَلِّ سَبِيلَهَا". وهذا يَدُلُّ على الاكْتِفاءِ بالمَرْأةِ الواحدةِ. وقال الزُّهْرِىُّ: فُرِّقَ بين أهلِ أبْياتٍ في زَمَنِ عُثْمانَ بشَهادةِ امرأةٍ في الرَّضاعِ (٧). وقال الأوْزَاعِىُّ: فرقَ عثمانُ بينَ أرْبعةٍ وبينَ نِسائِهِم، بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ (٨) في الرَّضَاعِ (٧). [وقال الشَّعْبِىُّ: كانت القُضاةُ يُفَرِّقون (٩) بينَ الرجلِ والمرأةِ، بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ في الرَّضَاعِ] (١٠). ولأنَّ هذا شَهادَةٌ على عَوْرَةٍ، فيُقْبَلُ (١١) فيه (١٢) شَهادةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، كالولادَةِ. وعلى الشافعىِّ، بأنَّه مَعْنًى يُقْبَلُ فيه قولُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فيُقْبَلُ (١٣) فيه شهادةُ [المرأةِ المُنْفَرِدةِ، كالخَبَرِ. فصل: ويُقْبَلُ فيه شهادَةُ] (١٤) المُرْضِعةِ على فِعْلِ نَفْسِها؛ لما ذكَرْنا من حديثِ عُقْبةَ، [من أنَّ] (١٥) الأمَةَ السَّوْداءَ قالتْ: قد أرْضَعْتُكُما. فقَبِلَ النَّبِىُّ ﷺ شهادَتَها. ولأنَّه فِعْلٌ لا يَحْصُلُ لها به نَفْعٌ مَقْصُودٌ، ولا تَدْفَعُ عنها به ضَرَرًا، فقُبِلَتْ شَهادَتُها به، كفِعْلِ غيرِها. فإن قيل: فإنَّها تَسْتَبِيحُ الخَلْوةَ به، والسَّفَرَ معه، وتَصِيرُ مَحْرَمًا له. قُلْنا: ليس هذا من الأُمُورِ المَقْصُودةِ، التي تُرَدُّ بها الشَّهادةُ، ألَا تَرَى أنَّ

стр. 5880

رَجُلَيْنِ لو شَهِدَا أنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَه، وأعْتَقَ أمَتَه، قُبِلَتْ (١٦) شَهادتُهما، وإن كان يَحِلُّ لهما نِكاحُهما بذلك. فصل: ولا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على الرَّضاعِ إلَّا مُفَسَّرَةً، فلو قالتْ: أشْهَدُ أنَّ هذا ابنُ هذه من الرَّضاعِ. لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الرَّضَاعَ المُحَرِّمَ يَخْتَلِفُ الناسُ فيه، منهم مَن يُحَرِّمُ بالقليلِ (١٧)، ومنهم مَن يُحَرِّمُ بعدَ الحَوْلَيْنِ، فلَزِمَ الشاهِدَ تَبْيِينُ كَيْفِيَّتِه، ليَحْكُم الحاكمُ فيه باجْتِهادِه، فيَحْتاجُ الشَّاهِدُ أن يَشْهَدَ أنَّ هذا ارْتَضَعَ من ثَدْىِ هذه خَمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ (١٨)، خَلَصَ اللَّبَنُ فِيهنَّ (١٩) إلى جَوْفِه، في الحَوْلَيْنِ. فإن قيل: خُلُوصُ اللَّبَنِ إلى جَوْفِه لا طَرِيقَ لهم (٢٠) إلى مُشاهَدَتِه، فكيف تجوزُ الشَّهادَةُ؟ قلنا: إذا عَلِمَ أنَّ هذه المرأةَ ذاتُ لَبَنٍ، ورَأَى الصَّبِىَّ قد الْتَقَمَ ثَدْيَها، وحَرَّكَ فَمَه في الامْتِصاصِ، وحَلْقَه في (٢١) الاجْتِراعِ، حَصَلَ ظَنٌّ يَقْربُ إلى الْيَقِينِ أنَّ اللَّبَنَ قد وَصَلَ إلى جَوْفِه، وما يتَعَذّرُ الوُقُوفُ عليه بالمُشاهَدةِ، اكْتُفِىَ فيه بالظَّاهِرِ (٢٢)، كالشَّهادَةِ بالمِلْكِ، وثُبُوتِ الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ، والشَّهادَةِ على النَّسَبِ بالاسْتِفاضَةِ. ولو قال الشاهِدُ: أدْخَلَ رَأْسَه تحتَ ثِيابِها، والْتَقَمَ ثَدْيَها. لا (٢٣) يُقْبَلُ؛ لأنَّه قد يُدْخِلُ رأسَه ولا يَأْخُذُ الثَّدْىَ، وقد يأخذُ الثَّدْىَ ولا يَمُصُّ، فلا بُدَّ من ذِكْرِ ما يَدُلُّ عليه. وإن قال: أشْهَدُ أنَّ هذه أرْضَعَتْ هذا. فالظَّاهرُ أنَّه يُكْتَفَى به (٢٤) في ثُبُوتِ أصْلِ الرَّضَاعِ؛ لأنَّ المرأةَ التي قالتْ: قد أرْضَعْتُكُما. اكْتُفِىَ بقَوْلِها.

стр. 5881

١٣٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تزَوَّجَ امْرَأةً (١)، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِىَ أُخْتِى مِنَ الرَّضَاعةِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأةُ، فَلَا مَهْرَ لَهَا (٢)، وإنْ أكْذَبَتْهُ (٣)، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) وجملتُه أنَّ الزَّوْجَ إذا أقَرَّ أنَّ زَوْجَتَه أُخْتُه من الرَّضاعةِ (٤)، انْفَسَخَ نِكاحُه، ويُفَرَّقُ بينهما. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وَهِمْتُ، أو أخْطَأْتُ. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ قولَه ذلك يتَضَمَّنُ أنَّه لم يَكُنْ بينهما نِكاحٌ، ولو جَحَدَ النِّكاحَ، ثم أقَرَّ به، قُبِلَ، كذلك (٥) ههُنا. ولَنا، أنَّه أقرَّ بما يتَضَمَّنُ تَحْرِيمَها عليه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه، كما لو أقَرَّ بالطَّلاقِ ثم رَجَعَ، أو أقَرَّ أنَّ أمَتَه أخْتُه من النَّسَبِ، وما قاسُوا عليه غيرُ مُسَلَّمٍ، وهذا الكلامُ في الحُكْمِ، فأمَّا فيما بَينَه وبينَ رَبِّه، فيَنْبَنِى ذلك على عِلْمِه بصِدْقِه، [فإن عَلِمَ] (٦) أنَّ الأمْرَ كما قال، فهى مُحَرَّمةٌ عليه، ولا نِكاحَ بينهما، وإن عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، وقولُه كَذِبٌ لا يُحَرِّمُها عليه؛ لأنَّ المُحَرِّمَ حَقِيقةُ الرَّضاعِ، لا القَوْلُ. وإن شَكَّ في ذلك، لم تَزُلْ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وقِيلَ في حِلِّها له إذا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه رِوَايتان. والصَّحيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ قَوْلَه ذلك إذا كان كَذِبًا، لم يُثْبِتِ التَّحْريمَ، كما لو قال لها وهى أكْبَرُ منه: هي ابْنَتِى من الرَّضاعةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وصَدَّقَتْه المرأةُ، فلا شىءَ لها؛ لأنَّهما اتَّفَقَا على أنَّ (٧) النِّكاحَ فاسدٌ من أصْلِه (٨)، لا يُسْتَحَقُّ فيه مَهْرٌ، فأشْبَهَ ما لو ثَبَتَ ذلك ببَيِّنَةٍ، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ

стр. 5882

قولُها؛ لأنَّ قولَه غيرُ مَقْبُولٍ عليها في إسْقاطِ (٩) حُقُوقِها، فلَزِمَه إقْرارُه فيما هو حَقٌّ له، وهو تَحْرِيمُها عليه، وفَسْخُ نِكَاحِه، ولم يُقْبَلْ قولُه فيما عليه من الْمَهْرِ. فصل: وإن قال: هي عَمّتِى، أو خالَتِى أو ابْنَةُ أخِى أو أُخْتِى أو أُمِّى من الرَّضَاعِ. وأمْكَن صِدْقُه، فالحكمُ فيه كما لو قال: هي أُخْتِى. وإن لم يُمْكِنْ صِدْقه، مثل أن يقولَ لأصْغَرَ منه أو لمثله: هذه (١٠) أُمِّى. أو لأكْبَرَ منه أو لِمثْلِه (١١): هذه ابنتِى. لم تَحْرُمْ عليه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: تَحْرُمُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ (١٢) بما يُحَرِّمُها عليه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو أمْكَنَ. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بما تحَقَّقَ (١٣) كَذِبُه فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: أَرْضَعَتْنِى وإيَّاها حَوَّاءُ. أو كما لو قال: هذه حَوَّاء. وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بهذه الصُّوَرِ، ويُفارقُ ما (١٤) إذا أمْكَنَ، فإنَّه لا يتَحَقَّقُ كَذِبُه، والحكمُ في الإقْرارِ بقَرابةٍ من النَّسَبِ تُحَرِّمُها عليه، كالحُكْمِ في الإِقْرارِ بالرَّضَاعِ؛ لأنَّه في معناه. فصل: إذا ادَّعَى أنَّ زَوْجَته أخْتُه من الرَّضاعِ، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَتْ بذلك أُمُّه أو ابْنَتُه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّ شَهادَةَ الوالدةِ لوَلَدِها [والوَلَدِ لوَالدِه] (١٥) غيرُ مَقْبُولةٍ. وإن شَهِدَتْ بذلك أُمُّها أو ابْنَتُها، قُبِلَتْ. وعنه، لا يُقْبَلُ؛ بناءً على شَهادةِ الوالدِ على ولَدِه والولدِ على والدِه. وفى ذلك رِوَايتان. وإن ادَّعَتْ ذلك المرأةُ، وأنْكَرَه الزَّوجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أو ابْنَتُها، لم تُقْبَلْ، وإن شَهِدَتْ لها أُمُّ الزَّوجِ أو ابنتُه، فعلى رِوَايتَيْن. ١٣٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِىَ الَّتِى قَالَتْ: هُوَ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَأْكْذَبَها، ولَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ما وَصَفَتْ، فَهِىَ زوْجَتُهُ فِي الحُكْمِ)

стр. 5883

وجملتُه أنَّ المرأةَ إذا أقَرَّت أنَّ (١) زَوْجَها أخُوها من الرَّضاعةِ، فأكْذَبَها، لم يُقْبَلْ قولُها في فَسْخِ النِّكاحِ؛ لأنَّه حَقٌّ عليها، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّها تُقِرُّ بأنَّها لا تَسْتَحِقُّه، فإن كانتْ قد قَبَضَتْه، لم يكُنْ للزَّوْج أخْذُه منها؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه حَقٌّ لها، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فأقَرَّتْ أنَّها كانت عالِمةً بأنَّها أُخْتُه وبتَحْرِيمها (٢) عليه، ومُطَاوِعةً له في الوَطْءِ، فلا مَهْرَ لها أيضًا، لإِقْرارِها بأنَّها زانِيةٌ مُطاوِعةٌ، وإن أنْكَرَتْ شيئًا من ذلك، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، وهى زَوْجَتُه في ظاهرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ قَوْلَها عليه (٣) غيرُ مَقْبُولٍ، فأمَّا فيما (١) بينَها وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَتْ صِحَّةَ ما أقَرَّتْ به، لم يَحِلَّ لها مُساكَنَتُه وتَمْكِينُه من وَطْئِها، وعليها أن تَفِرَّ منه، وتَفْتَدِىَ نَفْسَها بما أمْكَنَها؛ لأنَّ وَطْأَه لها زِنًى، فعليها التَّخَلُّصُ منه مَهْما أمْكَنَها، كما قُلْنا في التي عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، وجَحَدَها ذلك. وينبغى أن يكونَ الواجبُ لها من المَهْرِ بعدَ الدُّخولِ أقَلَّ الأمْرَيْنِ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقلَّ، فلا يُقْبَلُ قولُها في وُجُوبِ زائدٍ عليه، وإن كان الأقَلُّ مَهْرَ المثلِ، لم تَسْتَحِقَّ أكثرَ منه؛ لِاعْتِرافِها بأنَّ اسْتِحْقاقَها له بوَطْئِها لا بالعَقْدِ، فلا تَسْتَحِقُّ أكثرَ منه. وإن كان إقرارُها بأخُوَّتِه قبلَ النِّكاحِ, لم يَجُزْ لها نِكاحُه، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُها عن إقْرارِها، في ظاهرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ إقْرارَها لم يُصادِفْ زَوْجِيّةً عليها يُبْطِلُها، فقُبِلَ إقرارُها على نَفْسِها بتَحْرِيمِه عليها. وكذلك لو أقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هذه أخْتُه من الرَّضاعِ، أو مُحَرَّمةٌ عليه برَضاعٍ أو غيرِه، وأمْكَن صِدْقُه، لم يَحِلَّ له تَزَوُّجُها (٤) فيما بعدَ ذلك، في ظاهرِ الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِى على عِلْمِه بحَقِيقةِ الحالِ، على ما ذكَرْناه. فصل: وإن ادَّعَى أحدُ الزَّوْجَيْنِ على الآخر، أنَّه أقَرَّ أنَّه (٥) أخُو صاحِبِه من

стр. 5884

الرَّضَاعِ، فأنكَرَ، لم يُقَبَلْ في ذلك شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرداتِ؛ لأنَّها شهادةٌ على الإِقْرارِ، والإِقْرارُ ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يحْتَجْ فيه إلى شَهادَةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلم يُقْبَلْ ذلك، بخِلافِ الرَّضاعِ نَفْسِه. فصل: كَرِهَ أبو عبدِ اللَّه الارْتِضاعَ بلَبَنِ الفُجُورِ والمُشْرِكاتِ. وقال عمرُ بن الخطابِ، وعمرُ بن عبد العزيز، رَضِىَ اللَّه عنهما: اللَّبَنُ يُشْبِهُ (٦)، فلا تَسْقِ (٧) من يَهُودِيّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا زَانِيَةٍ (٨). ولا يَقْبَلُ (٩) أهلُ الذِّمّةِ المُسْلِمةَ، ولا يَرَى شُعُورَهُنَّ. ولأنَّ لَبَنَ الفاجرةِ رُبَّما أَفْضَى إلى شَبَهِ المُرْضِعةِ في الفُجُورِ، ويَجْعَلُها أُمًّا لوَلَدِه، فَيَتَعَيّرُ بها، ويتَضَرّرُ طَبْعًا وَتَعَيُّرًا، والارْتِضاعُ من المُشْرِكة يَجْعَلُها أُمًّا، لها حُرْمةُ الأمِّ مع شِرْكِها، ورُبَّما مالَ إليها في مَحَبَّةِ دِينِها. ويُكْرَه الارْتِضاعُ بلَبَنِ الحَمْقاءِ، كيلا يُشْبِهَها الوَلَدُ في الحُمْقِ، فإنَّه يُقال: إنَّ الرَّضاعَ يُغَيِّرُ الطِّباعَ. واللَّه تعالى أعلمُ.

стр. 5885

كتاب النَّفَقات نَفَقةُ الزَّوْجةِ واجبةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (١). ومعنى: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّقَ عليه. ومنه قولُه سُبْحانه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٢). أي: يُوَسِّعُ لِمَن (٣) يَشَاءُ، ويُضَيِّقُ على مَنْ يشاء. وقال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ فما رَوَى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خَطَبَ الناسَ، فقال: "اتّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُم، أخذْتُمُوهُنَّ بأمَانةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ [بِكَلِمةِ اللهِ] (٥)، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكُسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ". رواه مسلمٌ، وأبو داودَ (٦)، ورواه التِّرْمِذِىُّ (٧)، بإسنادِه عن عمرِو بن الأحْوَصِ، وقال (٨): "ألا إنَّ لَكُم على نِسَائِكُم حَقًّا، ولِنِسائِكُم عَلَيْكُمْ حقًّا؛ فأمَّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، ألَا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ
следующие страницы →