← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

١٣٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تزَوَّجَ امْرَأةً (١)، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِىَ أُخْتِى مِنَ الرَّضَاعةِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأةُ، فَلَا مَهْرَ لَهَا (٢)، وإنْ أكْذَبَتْهُ (٣)، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) وجملتُه أنَّ الزَّوْجَ إذا أقَرَّ أنَّ زَوْجَتَه أُخْتُه من الرَّضاعةِ (٤)، انْفَسَخَ نِكاحُه، ويُفَرَّقُ بينهما. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وَهِمْتُ، أو أخْطَأْتُ. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ قولَه ذلك يتَضَمَّنُ أنَّه لم يَكُنْ بينهما نِكاحٌ، ولو جَحَدَ النِّكاحَ، ثم أقَرَّ به، قُبِلَ، كذلك (٥) ههُنا. ولَنا، أنَّه أقرَّ بما يتَضَمَّنُ تَحْرِيمَها عليه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه، كما لو أقَرَّ بالطَّلاقِ ثم رَجَعَ، أو أقَرَّ أنَّ أمَتَه أخْتُه من النَّسَبِ، وما قاسُوا عليه غيرُ مُسَلَّمٍ، وهذا الكلامُ في الحُكْمِ، فأمَّا فيما بَينَه وبينَ رَبِّه، فيَنْبَنِى ذلك على عِلْمِه بصِدْقِه، [فإن عَلِمَ] (٦) أنَّ الأمْرَ كما قال، فهى مُحَرَّمةٌ عليه، ولا نِكاحَ بينهما، وإن عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، وقولُه كَذِبٌ لا يُحَرِّمُها عليه؛ لأنَّ المُحَرِّمَ حَقِيقةُ الرَّضاعِ، لا القَوْلُ. وإن شَكَّ في ذلك، لم تَزُلْ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وقِيلَ في حِلِّها له إذا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه رِوَايتان. والصَّحيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ قَوْلَه ذلك إذا كان كَذِبًا، لم يُثْبِتِ التَّحْريمَ، كما لو قال لها وهى أكْبَرُ منه: هي ابْنَتِى من الرَّضاعةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وصَدَّقَتْه المرأةُ، فلا شىءَ لها؛ لأنَّهما اتَّفَقَا على أنَّ (٧) النِّكاحَ فاسدٌ من أصْلِه (٨)، لا يُسْتَحَقُّ فيه مَهْرٌ، فأشْبَهَ ما لو ثَبَتَ ذلك ببَيِّنَةٍ، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ

стр. 5882

قولُها؛ لأنَّ قولَه غيرُ مَقْبُولٍ عليها في إسْقاطِ (٩) حُقُوقِها، فلَزِمَه إقْرارُه فيما هو حَقٌّ له، وهو تَحْرِيمُها عليه، وفَسْخُ نِكَاحِه، ولم يُقْبَلْ قولُه فيما عليه من الْمَهْرِ. فصل: وإن قال: هي عَمّتِى، أو خالَتِى أو ابْنَةُ أخِى أو أُخْتِى أو أُمِّى من الرَّضَاعِ. وأمْكَن صِدْقُه، فالحكمُ فيه كما لو قال: هي أُخْتِى. وإن لم يُمْكِنْ صِدْقه، مثل أن يقولَ لأصْغَرَ منه أو لمثله: هذه (١٠) أُمِّى. أو لأكْبَرَ منه أو لِمثْلِه (١١): هذه ابنتِى. لم تَحْرُمْ عليه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: تَحْرُمُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ (١٢) بما يُحَرِّمُها عليه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو أمْكَنَ. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بما تحَقَّقَ (١٣) كَذِبُه فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: أَرْضَعَتْنِى وإيَّاها حَوَّاءُ. أو كما لو قال: هذه حَوَّاء. وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بهذه الصُّوَرِ، ويُفارقُ ما (١٤) إذا أمْكَنَ، فإنَّه لا يتَحَقَّقُ كَذِبُه، والحكمُ في الإقْرارِ بقَرابةٍ من النَّسَبِ تُحَرِّمُها عليه، كالحُكْمِ في الإِقْرارِ بالرَّضَاعِ؛ لأنَّه في معناه. فصل: إذا ادَّعَى أنَّ زَوْجَته أخْتُه من الرَّضاعِ، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَتْ بذلك أُمُّه أو ابْنَتُه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّ شَهادَةَ الوالدةِ لوَلَدِها [والوَلَدِ لوَالدِه] (١٥) غيرُ مَقْبُولةٍ. وإن شَهِدَتْ بذلك أُمُّها أو ابْنَتُها، قُبِلَتْ. وعنه، لا يُقْبَلُ؛ بناءً على شَهادةِ الوالدِ على ولَدِه والولدِ على والدِه. وفى ذلك رِوَايتان. وإن ادَّعَتْ ذلك المرأةُ، وأنْكَرَه الزَّوجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أو ابْنَتُها، لم تُقْبَلْ، وإن شَهِدَتْ لها أُمُّ الزَّوجِ أو ابنتُه، فعلى رِوَايتَيْن. ١٣٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِىَ الَّتِى قَالَتْ: هُوَ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَأْكْذَبَها، ولَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ما وَصَفَتْ، فَهِىَ زوْجَتُهُ فِي الحُكْمِ)

стр. 5883

وجملتُه أنَّ المرأةَ إذا أقَرَّت أنَّ (١) زَوْجَها أخُوها من الرَّضاعةِ، فأكْذَبَها، لم يُقْبَلْ قولُها في فَسْخِ النِّكاحِ؛ لأنَّه حَقٌّ عليها، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّها تُقِرُّ بأنَّها لا تَسْتَحِقُّه، فإن كانتْ قد قَبَضَتْه، لم يكُنْ للزَّوْج أخْذُه منها؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه حَقٌّ لها، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فأقَرَّتْ أنَّها كانت عالِمةً بأنَّها أُخْتُه وبتَحْرِيمها (٢) عليه، ومُطَاوِعةً له في الوَطْءِ، فلا مَهْرَ لها أيضًا، لإِقْرارِها بأنَّها زانِيةٌ مُطاوِعةٌ، وإن أنْكَرَتْ شيئًا من ذلك، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، وهى زَوْجَتُه في ظاهرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ قَوْلَها عليه (٣) غيرُ مَقْبُولٍ، فأمَّا فيما (١) بينَها وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَتْ صِحَّةَ ما أقَرَّتْ به، لم يَحِلَّ لها مُساكَنَتُه وتَمْكِينُه من وَطْئِها، وعليها أن تَفِرَّ منه، وتَفْتَدِىَ نَفْسَها بما أمْكَنَها؛ لأنَّ وَطْأَه لها زِنًى، فعليها التَّخَلُّصُ منه مَهْما أمْكَنَها، كما قُلْنا في التي عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، وجَحَدَها ذلك. وينبغى أن يكونَ الواجبُ لها من المَهْرِ بعدَ الدُّخولِ أقَلَّ الأمْرَيْنِ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقلَّ، فلا يُقْبَلُ قولُها في وُجُوبِ زائدٍ عليه، وإن كان الأقَلُّ مَهْرَ المثلِ، لم تَسْتَحِقَّ أكثرَ منه؛ لِاعْتِرافِها بأنَّ اسْتِحْقاقَها له بوَطْئِها لا بالعَقْدِ، فلا تَسْتَحِقُّ أكثرَ منه. وإن كان إقرارُها بأخُوَّتِه قبلَ النِّكاحِ, لم يَجُزْ لها نِكاحُه، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُها عن إقْرارِها، في ظاهرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ إقْرارَها لم يُصادِفْ زَوْجِيّةً عليها يُبْطِلُها، فقُبِلَ إقرارُها على نَفْسِها بتَحْرِيمِه عليها. وكذلك لو أقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هذه أخْتُه من الرَّضاعِ، أو مُحَرَّمةٌ عليه برَضاعٍ أو غيرِه، وأمْكَن صِدْقُه، لم يَحِلَّ له تَزَوُّجُها (٤) فيما بعدَ ذلك، في ظاهرِ الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِى على عِلْمِه بحَقِيقةِ الحالِ، على ما ذكَرْناه. فصل: وإن ادَّعَى أحدُ الزَّوْجَيْنِ على الآخر، أنَّه أقَرَّ أنَّه (٥) أخُو صاحِبِه من

стр. 5884

الرَّضَاعِ، فأنكَرَ، لم يُقَبَلْ في ذلك شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرداتِ؛ لأنَّها شهادةٌ على الإِقْرارِ، والإِقْرارُ ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يحْتَجْ فيه إلى شَهادَةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلم يُقْبَلْ ذلك، بخِلافِ الرَّضاعِ نَفْسِه. فصل: كَرِهَ أبو عبدِ اللَّه الارْتِضاعَ بلَبَنِ الفُجُورِ والمُشْرِكاتِ. وقال عمرُ بن الخطابِ، وعمرُ بن عبد العزيز، رَضِىَ اللَّه عنهما: اللَّبَنُ يُشْبِهُ (٦)، فلا تَسْقِ (٧) من يَهُودِيّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا زَانِيَةٍ (٨). ولا يَقْبَلُ (٩) أهلُ الذِّمّةِ المُسْلِمةَ، ولا يَرَى شُعُورَهُنَّ. ولأنَّ لَبَنَ الفاجرةِ رُبَّما أَفْضَى إلى شَبَهِ المُرْضِعةِ في الفُجُورِ، ويَجْعَلُها أُمًّا لوَلَدِه، فَيَتَعَيّرُ بها، ويتَضَرّرُ طَبْعًا وَتَعَيُّرًا، والارْتِضاعُ من المُشْرِكة يَجْعَلُها أُمًّا، لها حُرْمةُ الأمِّ مع شِرْكِها، ورُبَّما مالَ إليها في مَحَبَّةِ دِينِها. ويُكْرَه الارْتِضاعُ بلَبَنِ الحَمْقاءِ، كيلا يُشْبِهَها الوَلَدُ في الحُمْقِ، فإنَّه يُقال: إنَّ الرَّضاعَ يُغَيِّرُ الطِّباعَ. واللَّه تعالى أعلمُ.

стр. 5885

كتاب النَّفَقات نَفَقةُ الزَّوْجةِ واجبةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (١). ومعنى: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّقَ عليه. ومنه قولُه سُبْحانه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٢). أي: يُوَسِّعُ لِمَن (٣) يَشَاءُ، ويُضَيِّقُ على مَنْ يشاء. وقال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ فما رَوَى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خَطَبَ الناسَ، فقال: "اتّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُم، أخذْتُمُوهُنَّ بأمَانةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ [بِكَلِمةِ اللهِ] (٥)، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكُسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ". رواه مسلمٌ، وأبو داودَ (٦)، ورواه التِّرْمِذِىُّ (٧)، بإسنادِه عن عمرِو بن الأحْوَصِ، وقال (٨): "ألا إنَّ لَكُم على نِسَائِكُم حَقًّا، ولِنِسائِكُم عَلَيْكُمْ حقًّا؛ فأمَّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، ألَا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ

стр. 5886

تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كُسْوَتِهِنَّ وطَعَامِهِنَّ". وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وجاءت هِنْدُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّه، إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى من النَّفَقةِ ما يَكْفِينِى ووَلَدِى. فقال: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وفيه دلالةٌ على وُجُوبِ النَّفقةِ لها على زَوْجِهِا، وأنَّ ذلك مُقَدّرٌ بكِفَايَتِها، وأنَّ نَفَقةَ ولَدِه عليه دُونَها مُقَدّرٌ بكِفايَتِهم، وأنَّ ذلك بالمَعْرُوفِ، وأنَّ لها أن تَأخُذَ ذلك بنَفْسِها من غير عِلْمِه إذا لم يُعْطِها إيَّاه. وأمَّا الإِجماعُ، فاتَّفَقَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ نَفَقاتِ الزَّوجاتِ على أزْواجِهِنَّ، إذا كانوا بالِغينَ، إلَّا النَّاشِزَ منهُنَّ. ذكَره ابنُ المُنْذِرِ، وغيرُه. وفيه ضَرْبٌ من العِبْرةِ، وهو أنَّ المرأةَ مَحْبُوسةٌ على الزَّوْجِ، يَمْنَعُها من التَّصَرُّفِ والاكْتِسابِ، فلا بُدَّ من أن يُنْفِقَ عليها، كالعَبْدِ مع سَيِّدِه. ١٣٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رَحِمَه اللهُ تعالى: (وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، مَالَا غِنًى (١) بِهَا عَنْهُ (٢)، وكُسْوَتُها) وجملةُ الأمْرِ أنَّ المرأةَ إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها إلى الزَّوجِ، على الوَجْهِ الواجبِ عليها، فلها عليه جميعُ حاجَتِها؛ من مَأْكولٍ، ومَشْروبٍ (٢)، ومَلْبُوسٍ، ومَسْكنٍ. قال أصحابُنا: ونَفَقَتُها مُعْتَبَرةٌ بحالِ الزَّوْجينِ جميعًا؛ فإن كانا مُوسِرَيْنِ، [فعليه لها] (٣) نفقةُ المُوسِرِينَ،

стр. 5887

وإن كانا مُعْسِرَيْنِ، فعليه نفقةُ المُعْسِرِينَ، وإن كانا مُتَوَسِّطَيْنِ، فلها عليه نفقةُ المُتَوَسِّطِينَ، وإن كان (٤) أحَدُهما مُوسِرًا، والآخرُ مُعْسِرًا، فعليه نفقةُ المُتوسِّطِينَ، أيُّهما كان المُوسِرَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُعْتَبَرُ حالُ المرأةِ على قَدْرِ كِفايَتِها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥). والمَعْرُوفُ الكِفايةُ، ولأنَّه سَوَّى بين النَّفقةِ والكُسْوَةِ، والكُسْوةُ على قَدْرِ حالِها، فكذلك النَّفقةُ، وقال النَّبِىُّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ" (٦). فاعْتَبَرَ كِفَايَتَها دون حالِ زَوْجِها، ولأنَّ نَفَقَتَها واجبةٌ لدَفْعِ حاجَتِها، فكان الاعْتبارُ بما تَنْدَفِعُ به حاجَتُها، دُونَ حَالِ مَن وَجَبَتْ عليه، كَنَفَقَةِ المماليكِ، ولأنَّه واجبٌ للمرأةِ على زَوْجِها بحُكْمِ الزَّوْجِيّةِ لم يُقَدَّرْ، فكان مُعْتَبَرًا بها، كمَهْرِها وكُسْوَتِها. وقال الشافعيُّ: الاعتبارُ بحالِ الزَّوجِ وَحْدَه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٧). ولَنا، أنَّ فيما ذكرْناه جَمْعًا بين الدَّلِيلَيْنِ، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّيْنِ، ورِعايةً لكِلَا الجانِبَيْنِ، فيكونُ أَوْلَى. فصل: والنَّفَقةُ مُقَدَّرةٌ بالكفايةِ، وتَخْتَلِفُ باخْتلافِ مَنْ تَجِبُ له النَّفقةُ في مِقْدارِها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال القاضي: هي مُقدَّرةٌ بمقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ في القِلَّةِ والكَثْرةِ، والواجبُ رِطْلانِ من الخُبْزِ في كلِّ يومٍ، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ، اعْتبارًا بالكَفَّاراتِ، وإنَّما يخْتلِفانِ في صِفَتِه وجَوْدَتِه؛ لأنَّ المُوسِرَ والمُعْسِرَ سَواءٌ في قَدْرِ المأكُولِ، ومَا (٨) تَقُومُ به البِنْيةُ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ في جَوْدَتِه، فكذلك النَّفقةُ الواجبةُ. وقال الشافعيُّ: نَفَقةُ المُقْتِرِ مُدٌّ بمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ لأنَّ (٩) أقَلَّ ما يُدْفَعُ في (٩)

стр. 5888

الكَفَّارة إلى الواحدِ مُدٌّ. واللَّه سبحانَه اعْتبرَ الكَفَّارةَ بالنَّفقةِ على الأهْلِ، فقال سبحانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١٠). وعلى المُوسِرِ مُدَّانِ؛ لأنَّ أكثرَ ما أوْجَبَ اللَّه سبحانه للواحدِ مُدَّيْنِ في كَفَّارةِ الأَذَى، وعلى المُتَوَسِّطِ مُدٌّ ونِصْفٌ، نِصْفُ (١١) نَفَقةِ المُوسِرِ (١٢) ونِصْفُ نَفَقةِ الفَقِيرِ (١٣). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". فأمَرَها بأَخْذِ ما يَكْفِيها من غير تَقْدِيرٍ، ورَدَّ الاجتهادَ في ذلك إليها، ومن المعْلومِ أن قَدْرَ كِفَايَتِها لا يَنْحَصِرُ في المُدَّيْنِ، بحيث لا يَزِيدُ عنهما ولا يَنْقُصُ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "ولَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْقُهنَّ وكُسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ" (١٤). وإيجابُ أقَلَّ من الكِفايةِ من الرِّزْقِ تَرْكٌ للمَعْرُوفِ، وإيجابُ قَدْرِ الكِفايةِ، وإن كان أقَلَّ من مُدٍّ أو من رَطْلَىْ خُبْزٍ، إنْفاقٌ (١٥) بالمَعْرُوفِ، فيكونُ ذلك هو الواجبَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ. واعْتبارُ النَّفقةِ بالكَفَّارةِ في القَدْرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الكَفَّارةَ لا تخْتلفُ باليَسارِ والإِعْسارِ، ولا هي مُقَدَّرَةٌ بالكِفَايَةِ (١٦)، وإنَّما اعْتَبرَها الشَّرْعُ بها في الجِنْسِ دُونَ القَدْرِ، ولهذا لا يَجِبُ فيها الأُدْمُ (١٧). فصل: ولا يجبُ فيها الحَبُّ. وقال الشافعيُّ: الواجبُ فيها الحَبُ، اعتبارًا بالإِطْعامِ في الكَفَّارةِ، حتى لو دَفَعَ إلها دَقِيقًا أو سَوِيقًا أو خُبْزًا، لم يَلْزَمْها قَبُولهُ، كما لا

стр. 5889

يَلْزَمُ ذلك المسكينَ في الكَفَّارةِ. قال بعضُهم: يَجِىءُ على قولِ أصحابِنا، أنَّه لا يجوزُ وإن تَرَاضَيا؛ لأنَّه بَيْعُ حِنْطَةٍ بجِنْسِها (١٨) مُتَفاضِلًا. ولَنا، قولُ ابن عباسٍ، في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخُبْزُ والزَّيْتُ. وعن ابن عمرَ: الخبزُ والسَّمْنُ، والخبزُ والزيتُ، والخبزُ والتمرُ، ومن أفْضَلِ ما تُطْعِمُونهنَّ الخبزُ واللَّحْمُ. ففَسَّرَ إطعامَ الأهْلِ بالخُبْزِ مع غيرِه من الأُدْمِ. ولأنَّ الشرعَ وَرَدَ بالإِنْفاقِ مُطْلَقًا من غيرِ تَقْيِيدٍ ولا تَقْدِيرٍ، فوَجَبَ أن يُرَدَّ إلى العُرْفِ، كما في القَبْضِ والإِحْرازِ، وأهلُ العُرْفِ إنَّما يتَعارَفُونَ فيما بينهم في الإِنْفاقِ على أَهْلِيهِم الخُبْزَ والأُدْمَ، دُونَ الحَبِّ، والنَّبِىُّ ﷺ وصحابَتُه إنَّما كانوا يُنْفِقُون ذلك، دون ما ذكَرُوه، فكان ذلك هو الواجبَ، ولأنَّها نفقةٌ قَدَّرَها الشَّرعُ بالكِفَايةِ، فكان الواجبُ الخُبْزَ، كنَفَقةِ العَبيدِ (١٩)، ولأنَّ الحَبَّ تَحْتاجُ فيه إلى طَحْنِه وخَبْزِه، فمتى احْتاجَتْ إلى تَكَلُّفِ ذلك من مالِها لم تَحْصُل الكفايةُ بنَفقَتِه، وفارَقَ الإِطْعامَ في (٢٠) الكفَّارةِ، فإنَّها (٢١) لا تُقَدّرُ بالكِفايةِ، ولا يجبُ فيها الأُدْمُ. فعلى هذا لو طَلَبَتْ مكانَ الخُبْز دَرَاهِمَ، أو حَبًّا، أو دَقِيقًا، أو غيرَ ذلك، لم يَلْزَمْه بَذْلُه، ولو عَرَضَ عليها بَدَلَ الواجبِ لها، لم يَلْزَمْها قَبُولُه؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، فلا يُجْبَرُ واحدٌ منهما على قَبُولِه (٢٢)، كالبَيْعِ. وإن تراضَيا على ذلك، جازَ؛ لأنَّه طعامٌ وَجَبَ في الذِّمَّةِ، لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فجازتِ المُعاوَضةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ، ويُفارِقُ الطَّعامَ في الكَفَّارةِ؛ لأنَّه حَقُّ اللَّه تعالى، وليس هو لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فيَرْضَى بالعِوَضِ عنه. وإن أعْطاها مكانَ الخُبْزِ حَبًّا، أو دقيقًا، جاز إذا تراضَيا عليه؛ لأنَّ هذا ليس بُمعَاوَضةٍ حقيقةً، فإنَّ الشارِعَ لم يُعَيِّنِ (٢٣) الواجبَ بأكثرَ من الكِفايةِ، فبأىِّ شيءٍ (٢٤) حَصَلَتِ

стр. 5890

الكفايةُ، كان ذلك هو الواجبَ، وإنَّما صِرْنا إلى إيجابِ الخُبْزِ عندَ الاختلافِ، لِتَرَجُّحِه بكَوْنِه القُوتَ المُعْتادَ. فصل: ويُرْجَعُ في تَقْدِيرِ الواجبِ إلى اجتهادِ الحاكمِ، أو نائبِه، إن لم يتَراضَيَا على شيءٍ، فيَفْرِضُ للمرأةِ (٢٥) قَدْرَ كِفايَتِها من الخُبْزِ والأُدْمِ، فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحت المُوسِرِ (٢٦) قَدْرَ حاجَتِها، من أرْفَعِ خُبْزِ البلدِ الذي يأكُله أمثالُهما، وللمُعْسِرَةِ تحت المُعْسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِها، من أدْنَى خُبْزِ البَلَدِ، وللمُتَوَسِّطةِ تحتَ المتوسِّطِ (٢٧) من أوْسَطِه، لكل أحدٍ على حَسبِ حالِه، على ما جَرَتْ به العادَةُ في حَقِّ أمثالِه. وكذلك الأُدْمُ للمُوسِرَةِ تحتَ المُوسرِ قدرَ حاجَتِها من أرْفَعِ الأُدْمِ، من اللَّحْمِ والأُرْزِ واللَّبَنِ، وما يُطْبَخُ به اللَّحْمُ، والدُّهْنُ على اختلافِ أنواعِه في بُلْدانِه؛ السمنُ في موضعٍ، والزيتُ في آخرَ، والشَّحْمُ (٢٨)، والشَّيْرَجُ (٢٩) في آخَرَ. وللمُعْسِرةِ تحتَ المُعْسِرِ من الأُدْمِ أدْوَنَه، كالباقِلَّا، والخَلِّ، والبَقْلِ، والكَامَخِ (٣٠)، وما جَرَتْ به عادةُ أمثالِهم، وما يُحْتاجُ إليه من الدُّهْنِ، وللمُتَوَسِّطةِ تحتَ المُتَوسِّطِ أَوْسَطَ ذلك، من الخُبْزِ، والأُدْمِ، كلٌّ على حَسبِ عادَتِه. وقال الشافعيُّ: الواجبُ من جِنْسِ قُوتِ البَلْدةِ (٣١)، لا يَخْتَلِفُ باليَسارِ والإِعْسارِ سِوَى المِقْدارِ. والأُدْمُ هو الدُّهْنُ خاصَّةً؛ لأنَّه أصْلَحُ للأبْدانِ، وأجَوْدُ [في المُؤْنَةِ] (٣٢)؛ لأنَّه لا يحتاجُ إلى طَبْخٍ وكُلْفةٍ، ويُعْتَبرُ الأُدْمُ بغالبِ عادَةِ أهلِ البَلَدِ، كالزَّيْتِ بالشامِ، والشَّيْرَجِ بالعِراقِ، والسَّمْنِ بخُرَاسانَ. ويُعْتَبرُ

стр. 5891

قَدْرُ الأُدْمِ بالقُوتِ، فإذا قيل: إنَّ الرَّطْلَ تَكْفِيه الأُوقِيّةُ من الدُّهْنِ. فَرَضَ ذلك. وفى كلِّ يومِ جُمُعةٍ رِطْلَ لَحْمٍ، فإنْ (٣٣) كان في مَوْضِع (٣٤) يرْخُصُ اللَّحْمُ، زادَها على الرَّطْلِ شيئًا. وذكَرَ القاضي في الأُدْمِ مثلَ هذا. وهذا مُخالِفٌ لقَوْلِ اللَّه : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. ولقولِ النَّبىِّ ﷺ : "ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهنَّ بِالْمَعْرُوفِ". ومتى أنْفَقَ المُوسِرُ نفقةَ المُعْسِرِ، فما أنْفَقَ من سَعَتِه، ولا رَزَقَها بالمَعْرُوفِ. وقد فَرَّقَ اللهُ بينَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ في الإِنْفاقِ، وفى (٣٥) هذا جَمْعٌ بين ما فَرَّقَ اللَّه تعالى، وتَقْدِيرُ الأُدْمِ بما ذكَرُوه تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، وخِلافُ العادةِ والعُرْفِ بينَ النَّاسِ في إنْفاقِهم، فلا يُعَرَّجُ على مثلِ هذا، وقد قال ابنُ عمرَ: من أفْضَلِ ما تُطعِمُونَ أهْلِيكم، الخُبْزُ واللَّحْم. والصحيحُ ما ذَكَرْناه، من رَدِّ النَّفقةِ المُطْلَقةِ في الشَّرعِ إلى العُرْفِ فيما بينَ النَّاس في نَفَقاتِهم، في حَقِّ المُوسِرِ والمُعْسِرِ والمُتَوسِّطِ، كما رَدَدْناهُم في الكُسْوَةِ إلى ذلك، ولأنَّ النَّفقةَ من مُؤْنةِ المرأةِ على الزَّوْجِ، فاخْتَلف جِنْسُها بالْيَسارِ (٣٦) والإِعْسارِ، كالكُسْوَةِ. فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ والعَبْدِ حُكْمُ المُعْسِرِ؛ لأنَّهما ليسا (٣٧) بأَحْسَنَ حالًا منه. ومَنْ نِصْفُه حُرٌّ، إن كان مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ المُتوسِّطِ؛ لأنَّه مُتَوَسِّطٌ، نِصْفُه مُوسِرٌ، ونصفُه مُعْسِرٌ. فصل: ويجبُ للمرأةِ ما تَحْتاجُ إليه، من المِشْطِ، والدُّهْنِ لرَأْسِها، والسِّدْرِ، أو نحوِه ممَّا تَغْسِلُ به رَأْسَها، وما يعودُ بنَظافَتِها؛ لأنَّ ذلك يُرادُ للتَّنْظِيفِ، فكانَ عليه، كما أنَّ على المُسْتأْجِرِ كَنْسَ الدارِ وتَنْظِيفَها. فأمَّا الخِضَابُ، فإنَّه إن لم يَطْلُبْه الزَّوجُ

стр. 5892

منها، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه يُرادُ للزِّينةِ، وإن طَلَبه منها، فهو عليه. وأمَّا الطِّيبُ، فما يُرادُ منه لقَطْعِ السُّهُولةِ، كدَواءِ العَرَقِ، لَزِمَه؛ لأنَّه يُرادُ للتَّنْظِيفِ (٣٨)، وما يُرادُ منه للتَّلَذُّذِ والاسْتِمْتاعِ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ حَقٌّ له، فلا يجبُ عليه ما يَدْعُوه إليه. ولا يجبُ عليه شِراءُ الأَدْوِيةِ، ولا أجْرةُ الطَّبيبِ؛ لأنَّه يرادُ لإِصْلاحِ الجِسْمِ، فلا يلزمُه، كما لا يَلْزَمُ المُسْتأجِرَ بِناءُ ما يَقَعُ من الدارِ، وحِفْظُ أصُولِها، وكذلك أجْرَةُ الحَجَّامِ والفاصِدِ. فصل: وتجبُ عليه كُسْوَتُها، بإجماعِ أهلِ العلمِ؛ لما ذكَرْنا من النُّصوصِ، ولأنَّها لا بُدَّ منها على الدَّوامِ، فلَزِمَتْه، كالنَّفقةِ، وهى مُعْتَبَرةٌ بكِفايَتِها، وليست مُقَدّرةً بالشرعِ (٣٩)، كما قُلْنا في النَّفَقةِ. ووافَقَ أصحابُ الشافعىِّ على هذا، ويُرْجَعُ في ذلك إلى اجْتِهادِ الحاكِم، فيَفْرِضُ لها على قَدْرِ كِفايَتِها، على قَدْرِ يُسْرِهما وعُسْرِهما، وما جَرَتْ عادةُ أمثالِهما به، من الكُسْوةِ، فيَجْتَهِدُ الحاكمُ في ذلك عندَ نُزُولِ الأمرِ، كنحوِ اجْتِهادِه في المُتْعةِ للمُطَلَّقةِ، وكما قُلْنا في النَّفقةِ، فيَفْرِضُ للمُوسِرَةِ تحتَ المُوسِرِ من أرْفَعِ ثيابِ البَلَدِ، من الكَتَّانِ والخَزِّ والإِبْرِيسَمِ، وللمُعْسِرَةِ تحتَ المُعْسرِ، غَلِيظَ (٤٠) القُطْنِ والكَتَّانِ، وللمُتَوَسِّطةِ تحتَ المُتوسِّطِ، المُتَوسِّطَ (٤١) من ذلك، فأقَلُّ ما يجبُ من ذلك قَمِيصٌ, وسَرَاوِيلُ، ومَقْنَعةٌ، ومَدَاسٌ، وجُبّةٌ للشِّتاءِ، ويَزِيدُ من عَدَدِ الثّيابِ ما جَرَتِ العادةُ بِلُبْسِه، ممَّا لا غِنَى عنه, دُونَ ما للتَّجَمُّلِ والزِّينةِ، والأصلُ في هذا قولُ اللَّه : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكُسْوَتُهُنَّ بالْمَعْرُوفِ". والكُسْوةُ بالمعروفِ هي الكُسْوةُ التي جَرَتْ عادةُ أمثالِها بلُبْسِه، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ لِهنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".

стр. 5893

فصل: وعليه لها ما تحْتاجُ إليه للنَّوْمِ، من الفِرَاشِ واللِّحافِ والوِسادَةِ، كلٌّ (٤٢) على حَسبِ عادَتِه؛ فإن كانتْ ممَّن عادَتُه النَّومُ في الأَكْسِيةِ والبِساطِ، فعليه لها لنَوْمِها ما جَرَتْ عادَتُهم به، ولجُلُوسِها بالنَّهارِ البِسَاطُ، والزِّلِّىُّ (٤٣)، والحَصِيرُ الرفيعُ أو الخَشِنُ، المُوسِرُ على حسبِ يَسارِه (٤٤)، والمعسرُ على قَدْرِ إعسارِه، على حسبِ العَوَائدِ. فصل: ويجبُ لها مَسْكنٌ، بدليل قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤٥). فإذا وَجَبَتِ السُّكْنَى للمُطَلَّقةِ، فلِلَّتِى (٤٦) في صُلْبِ النكاحِ أَولَى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤٧). ومن المعروفِ أن يُسْكِنَها في مَسْكَنٍ، ولأنَّها لا تَسْتَغْنِى عن المَسْكَنِ للاسْتِتارِ عن العُيُونِ، وفى التَّصَرُّفِ، والاسْتِمْتاعِ، وحِفْظِ المَتْاعِ، ويكونُ المسكنُ على قَدْرِ يَسارِهما وإعْسارِهما؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. ولأنَّه واجبٌ لها لمَصْلَحَتِها في الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفقةِ والكُسْوَةِ. فصل: فإن كانت المرأةُ ممَّن لا تَخْدِمُ نَفْسَها؛ لكَوْنِها من ذَوِى الأقْدارِ، أو مريضةً، وجَبَ لها خادِمٌ، لقولِه تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ومن العِشْرَةِ بالمعروفِ، أن يُقِيمَ لها خادِمًا، ولأنَّه ممَّا تحْتاجُ إليه في الدَّوامِ، فأشْبَهَ النَّفقةَ. ولا يجبُ لها أكثرُ من خادِمٍ واحدٍ؛ لأنَّ المُسْتَحَقَّ خِدْمَتُها في نَفْسِها، ويَحْصُلُ ذلك بواحدٍ. وهذا قولُ مالكٍ, والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. إلَّا أنَّ مالكًا قال: إن كان لا يَصْلُحُ

стр. 5894

للمرأةِ (٤٨) إلَّا أكثرُ من خادِمٍ، فعليه أن يُنْفِقَ على أكثرَ من واحدٍ. ونحوَه قال أبو ثَوْرٍ: إذا احْتَمَلَ الزَّوْجُ ذلك، فَرَضَ لخادِمَيْنِ. ولَنا، أنَّ الخادِمَ الواحدَ يَكْفِيها لنَفْسِها، والزِّيادةُ تُرادُ لحِفْظِ مِلْكِها، أو للتَّجَمُّلِ، وليس عليه ذلك. إذا ثبت هذا، فلا يكونُ الخادِمُ إلَّا ممَّن يَحِلُّ له النَّظَرُ إليها، إمَّا امرأةٌ، وإمَّا ذو رَحمٍ مَحْرَمٌ؛ لأنَّ الخادِمَ يَلْزَمُ المَخْدُومَ في غالبِ أحْوالِه (٤٩)، فلا يَسْلَمُ من النَّظَرِ. وهل يجوزُ أن يكونَ من أهلِ الكِتابِ؟ فيه وَجْهان. الصَّحيحُ منهما جَوازُه؛ لأنَّ اسْتِخدامَهُم مباحٌ، وقد ذكرْنا فيما مَضَى أنَّ الصحيحَ إباحةُ النَّظَرِ لهم. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّ في إباحةِ نَظَرِهم (٥٠) اخْتلافًا، وتَعافُهم النَّفْسُ، ولا يتَنَظّفونَ من النَّجاسةِ، ولا يلْزمُ الزَّوجَ أن يُمَلِّكَها خادِمًا؛ لأنَّ المقْصودَ الخِدْمةُ، فإذا حَصَلَتْ من غير تَمْليكٍ، جاز كما أنَّه إذا أسْكنهما دارًا بأُجْرَةٍ جاز، ولا يَلْزَمُه تَمْلِيكُها مَسْكنًا، فإن مَلَّكَها الخادِمَ، فقد زاد خيرًا، وإن أخْدَمَها مَنْ يُلازِمُ خِدْمَتها من غيرِ تمليكٍ، جاز، سَواءٌ كان له، أو اسْتَأْجَرَه، حُرًّا كان أو عَبْدًا. وإن كان الخادِمُ لها، فرَضِيَتْ بخِدْمَتِه لها، ونَفَقَتُه على الزَّوْجِ، جاز. وإن طَلَبَتْ منه أجْرَ (٥١) خادِمِها فوافَقَهَا، جاز. وإن قال: لا أُعْطِيكِ أجْرَ هذا، ولكن أنا آتِيكِ بخادِمٍ سِواهُ. فله ذلك إذا أتَاها بمَنْ يَصْلُحُ لها (٥٢). وإن قالتْ: أنا أخْدِمُ نَفْسِى، وآخُذُ أجْرَ (٥٣) الخادِمِ. لم يَلْزَم الزَّوجَ قَبُولُ ذلك؛ لأنَّ الأجْرَ عليه، فتَعْيِينُ الخادِمِ إليه، ولأنَّ في إخْدامِها تَوْفِيرَها على حُقُوقِه، وتَرْفِيهَها، ورَفْعَ قَدْرِها، وذلك يَفُوتُ بخِدْمَتِها لنَفْسِها. وإن قال الزَّوجُ: أنا أخْدِمُكِ بنَفْسِى. لم يَلْزَمْها؛ لأنَّها تَحْتَشِمُه، وفيه غَضاضةٌ عليها، لكَوْنِ زَوْجِها خادِمًا وفيه وجهٌ اخرُ، أنَّه يَلْزَمُها الرِّضَى به؛ لأنَّ الكِفايةَ تَحْصُلُ به.

стр. 5895

فصل: وعلى الزَّوْجِ نَفَقةُ الخادِمِ، ومُؤْنَتُه من الكُسْوةِ والنَّفقةِ، مثل ما لِامرأةِ المُعْسِرِ، إلَّا أنَّه لا يجبُ لها المِشْطُ، والدُّهْنُ لرأسِها، والسِّدْرُ؛ لأنَّ ذلك يُرادُ للزِّينةِ والتَّنْظيفِ، ولا يُرادُ ذلك من الخادِمِ، لكنْ إن احتاجَتْ إلى خُفٍّ لِتَخْرُجَ إلى شراءِ الحَوائجِ، لَزِمَه ذلك. ١٣٨٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَنَعَها [مَا يَجِبُ لَها] (١)، أوْ بَعْضَهُ، وقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أخَذَتْ مِنْهُ مِقْدَارَ حَاجَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قال النَّبِىُّ ﷺ لِهنْد حِينَ قالتْ (٢): إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، ولَيْسَ يُعْطِينِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى. فَقَال: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" (٣)) وجملتُه أنَّ الزَّوْجَ إذا لم يَدْفَعْ إلى زوجتِه (٤) ما يجبُ لها عليه من النَّفَقةِ والكُسْوةِ، أو دَفَعَ إليها أقَلَّ من كِفايَتِها، فلها أن تَأْخُذَ من مالِه الواجبَ أو تَمامَه، بإذْنِه وبغيرِ إذْنِه؛ بدليلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ لِهنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". وهذا إذنٌ لها في الأخْذِ من مالِه بغيرِ إذْنِه، [ورَدٌّ لها] (٥) إلى اجتهادِها في قَدْرِ كِفايتِها وكفايةِ ولَدِها، وهو مُتَناوِلٌ لأخْذِ تَمامِ الكفايةِ، فإنَّ ظاهِرَ الحديثِ دَلَّ على أنَّه قد كان (٦) يُعْطِيها بعضَ الكِفايةِ، ولا يُتَمِّمُها لها، فرخَّصَ النَّبِىُّ ﷺ لها في أخْذِ تَمامِ الْكِفايةِ بغيرِ عِلْمِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، فإنَّ النَّفَقةَ لا غِنًى عنها، ولا قَوَامَ إلَّا بها، فإذا لم يَدْفَعْها الزَّوْجُ ولم تأخُذْها، أفْضَى إلى ضَياعِها وهلاكِها، فرَخَّصَ لها في أخْذِ قَدْرِ نَفَقتِها، دَفْعًا لحاجَتِها، ولأنَّ النَّفَقةَ تتَجَدَّدُ بتَجدُّدِ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فتَشُقُّ المُرافَعةُ إلى الحاكمِ،

стр. 5896

والمُطالَبةُ بها في كلِّ الأوقاتِ، فلذلك رَخَّصَ لها في أخْذِها بغيرِ إذْنِ مَنْ هي عليه. وذكر القاضي بينَها وبين (٧) الدَّيْنِ فَرْقًا آخرَ، وهو أنَّ نَفَقةَ الزَّوجةِ تَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِها عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، ما لم يكُن الحاكمُ (٨) فَرَضَها لها، فلو لم تأْخُذْ حَقَّها، أفْضَى إلى سُقُوطِها، والإِضْرارِ بها، بخلافِ الدَّيْنِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ عندَ أحدٍ بتَرْكِ المُطالبةِ به (٩)، فلا يُؤَدِّى تَرْكُ الأخْذِ إلى الإِسْقاطِ. فصل: ويجبُ عليه دَفْعُ نَفَقتِها إليها في صَدْرِ نهارِ كلِّ يومٍ إذا طَلَعتِ الشمسُ، لأنَّه أَوَّلُ وقتِ الحاجةِ، فإن اتَّفَقَا على تأْخِيرِها جاز؛ لأنَّ الحقَّ لها، فإذا رَضِيَتْ بتأخِيرِه جاز، كالدَّيْنِ. وإن اتّفَقَا على تَعْجِيلِ نَفَقةِ عامٍ أو شهرٍ، أو أقَلَّ من ذلك أو أكثرَ، أو تَأخِيرِه، جاز؛ لأنَّ الحقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، فجاز من تَعْجيلِه وتأخيرِه ما اتَّفَقا عليه، كالدَّيْنِ. وليس بين أهلِ العلمِ في هذا خلافٌ عَلِمْناه. فإن سَلَّمَ إليها نَفَقةَ يومٍ، ثم ماتَتْ فيه، لم يَرْجِعْ عليها بها (١٠)؛ لأنَّه دَفَعَ إليها ما وَجَبَ عليه دَفْعُه إليها، وإن أبانَها بعدَ وُجُوبِ الدَّفْعِ إليها، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها فيه، ولها مُطالَبَتُه بها؛ لأنَّها قد وَجَبَتْ، فلم تَسْقُطْ بالطلاقِ، كالدَّيْنِ. وإن عَجَّلَ لها نفقَةَ شهرٍ أو عامٍ، ثم طَلَّقها، أو ماتتْ قبلَ انْقِضائِه، أو بانَتْ بفَسْخٍ أو إسلامِ أحدِهما أو رِدَّتِه، فله أن يَسْتَرْجعَ نفقةَ سائرِ الشَّهْرِ. وبه قال الشافعيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَسْتَرْجِعُها؛ لأنَّها صِلَةٌ، فإذا قَبَضَتْها، لم يكُنْ له الرُّجوعُ فيها، كصَدَقةِ التَّطَوُّعِ. ولَنا، أنَّه سَلَّمَ إليها النفقةَ سَلَفًا عمَّا يجبُ في الثاني، فإذا وُجِدَ ما يَمْنَعُ الوُجُوبَ، ثَبَتَ الرُّجوعُ، كما لو أسْلَفَها (١١) إيَّاها فنَشَزَتْ، أو عَجَّلَ الزَّكاةَ إلى السَّاعِى فَتلِفَ مالُه قبلَ

стр. 5897

الحَوْلِ. وقولُهم: إنَّها صِلَةٌ. قُلْنا: بل هي عِوَضٌ عن التَّمْكينِ، وقد فاتَ (١٢) التَّمْكِينُ. وذكرَ القاضي، أنَّ زَوْجَ الوَثَنيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، إذا دَفَعَ إليها نَفقةَ سنَتَيْنِ، ثم بانَتْ بإسْلامِه، فإن لم يكُنْ أعْلَمَها أنَّها نَفقةٌ عَجّلَها لها (١٣)، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه تَطَوَّعَ بها، وإن أعْلَمَها ذلك، انْبَنَى على مُعَجِّلِ الزَّكاةِ إذا أعْلَمَ (١٤) الفقيرَ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلةٌ ثم تَلِفَ المالُ، وفي الرُّجُوعِ بها وَجْهان، كذلك ههُنا. وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ في سائرِ الصُّوَرِ مثلُ هذا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بدَفْعِ ما لا يَلْزَمُه مِن (١٥) غيرِ إعْلامِ الآخِذِ بتَعْجِيلِه، فلم يَرْجِعْ به، كمُعَجِّلِ الزكاةِ. ولو سَلَّمَ إليها نَفقةَ اليومِ، فسُرِقَتْ أو تَلِفَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُها؛ لأنَّه بَرِئَ من الواجِبِ بدَفْعِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِفَتِ الزَّكاةُ بعدَ قَبْضِ السَّاعِى لها، أو الدَّيْنَ بعد أخْذِ صاحِبِه له. فصل: وإذا دَفَعَ إليها نَفقتَها، فلها أن تتَصَّرفَ فيها بما أحَبَّتْ، من الصَّدَقةِ والهِبَةِ والمُعاوضةِ، ما لم يَعُدْ ذلك عليها بضَرَرٍ في بَدَنِها، وضَعْفٍ في جِسْمِها؛ لأنَّه حَقٌّ لها، فلها التصرُّفُ فيه بما شاءَتْ كالمَهْرِ، وليس لها التَّصَرُّفُ فيها على وَجْهٍ يَضُرُّ بها؛ لأنَّ فيه تَفْوِيتَ حَقِّه منها، ونَقْصًا في اسْتِمْتاعِه بها. فصل: وعليه دَفْعُ الكُسْوةِ إليها في كلِّ عامٍ مَرّةً؛ لأنَّه (١٦) العادةُ، ويكونُ الدَّفْعُ إليها في أَوَّلِه؛ لأنَّه أوَّلُ وقتِ الوُجُوبِ. فإن بَلِيَتِ الكُسْوةُ في الوقتِ الذي يَبْلَى فيه مثلُها، لَزِمَه أن يَدْفَعَ إليها كُسْوةً أُخْرَى؛ لأنَّ ذلك وقتُ الحاجةِ إليها، وإن بَلِيَتْ قبلَ ذلك، لكثرةِ دُخُولِها وخُرُوجِها واسْتِعْمالِها (١٧)، لم يَلْزَمْه إبْدالُها؛ لأنَّه ليس بوقتِ الحاجةِ إلى الكُسْوةِ في العُرْفِ. وإن مَضَى الزَّمانُ الذي تَبْلَى في مثله بالاسْتِعْمالِ المُعْتادِ ولم

стр. 5898

تَبْلَ، فهل يَلْزَمُه بَدَلُها؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَلْزمُه بدَلُها (١٨)؛ لأنَّها غيرُ مُحْتاجةٍ إلى الكُسْوةِ. والثانى، يَلْزمُه؛ لأنَّ الاعْتبارَ بمُضِىِّ الزَّمانِ دُونَ حَقيقةِ الحاجةِ، بدليلِ أنَّها لو بَلِيَتْ قبلَ ذلك لم يَلْزمْه بَدَلُها. ولو أُهْدِىَ إليها كُسْوةٌ، لم تَسْقُطْ كُسْوتُها. وإن أُهْدِىَ إليها طَعامٌ فأكَلَتْه، وبَقِىَ قُوتُها إلى الغدِ، لم يَسْقُطْ قُوتُها فيه. وإن كَسَاها، ثم طَلَّقَها قبلَ أن تَبْلَى، فهل له أن يَسْتَرْجِعَها؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّه دَفَعها للزَّمانِ المُسْتقْبَلِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ مُضِيِّهِ، كان له اسْتِرْجاعُها، كما لو دَفَعَ إليها نَفَقةَ مُدَّةٍ، ثم طَلَّقها قبلَ انْقضائِها. والثانى، ليس له الاسْتِرْجاعُ؛ لأنَّه دَفَعَ إليها الكُسْوةَ بعدَ وُجُوبِها عليه، فلم يكُنْ له الرُّجوعُ فيها، كما لو دَفَعَ إليها (١٩) النَّفَقةَ بعدَ وُجُوبِها ثم طَلَّقها قبلَ أكْلِها، بخلافِ النَّفَقةِ المُسْتَقْبَلةِ. فصل: وإذا دَفَعَ إليها كُسْوتَها، فأرادتْ بَيْعهَا، أو التَّصَدُّقَ بها، وكان ذلك يَضُرُّ بها، أو يُخِلُّ بتَجَمُّلِها بها، أو بسُتْرَتِها، لم تَمْلِكْ ذلك، كما لو أرادتِ الصَّدَقةَ بقُوتِها على وجهٍ يَضُرُّ بها، وإن لم يكُنْ في ذلك ضَرَرٌ، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّها تَمْلِكُها، فأشْبَهَتِ النَّفَقةَ، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ له اسْتِرْجاعَها لو طَلَّقَها، في أحدِ الوَجْهينِ، بخلافِ النَّفَقةِ. فصل: والذِّمِّيَّةُ كالمُسْلِمةِ في النَّفقةِ والمَسْكنِ والكُسْوةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وبه يقول مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لعُمومِ النُّصوصِ والمعنى. ١٣٨١ - مسألة؛ قال: (فَإذَا مَنَعَهَا، ولَمْ تَجِدْ مَا تَأْخُذُهُ، فَاخْتَارَتْ (١) فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا)

стр. 5899

وجملتُه أنَّ الرجلَ إذا مَنَعَ امرأتَه النَّفَقةَ، لعُسْرَتِه، وعَدَمِ ما يُنْفِقُه، فالمرأةُ مُخَيَّرةٌ بينَ الصَّبْرِ عليه، وبينَ فِرَاقِه. رُوِىَ (٢) نحوُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وأبى هُرَيْرةَ. وبه قال سعيدُ (٣) بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بن عبد العزيز، ورَبِيعةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، ويحيى القَطَّانُ، وعبدُ الرحمن بن مَهْدِيٍّ، والشَّافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وذهب عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمةَ، وأبو حنيفةَ وصاحِباه، إلى أنَّها لا تَمْلِكُ فِراقَه بذلك، ولكن يَرْفَعُ يَدَه عنها لتَكْتَسِبَ؛ لأنَّه حَقٌّ لها عليه، فلا يُفْسَخُ (٤) النِّكاحُ لعَجْزِه عنه، كالدَّيْنِ. وقال العَنْبَرِيُّ: يُحْبَسُ إلى أن يُنْفِقَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥). وليس الإِمْساكُ مع تَرْكِ الإِنْفاقِ إمْساكًا بمَعْروفٍ، فيتعَيَّنُ التَّسْرِيحُ. وروى سعيدٌ (٦)، عن سُفيانَ، عن ابن أبي الزِّنادِ، قال: سألتُ سعيدَ بن المُسَيَّبِ عن الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأتِه، أيُفَرَّقُ بينهما؟ قال: نعم. قلتُ (٧): سُنَّة؟ قال: سُنَّة. وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ عمرَ بن الخَطَّابِ كتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، فأمَرَهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى (٨).

стр. 5900

ولأنَّه إذا ثَبَتَ الفَسْخُ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ، والضَّرَرُ فيه أقَلُّ، لأنَّه إنَّما هو فَقْدُ لَذَّةٍ وشَهْوةٍ يقومُ البَدَنُ بدُونِه، فلأَنْ يَثْبُتَ بالعَجْزِ عن النَّفَقةِ التي لا يَقُومُ البَدَنُ إلَّا بها أوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى ثَبَتَ الإِعْسارُ بالنَّفَقةِ على الإِطْلاقِ، فللمرأةِ المُطالَبةُ بالفَسْخِ، من غيرِ إنْظارٍ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. وقال حَمَّادُ بن أبي سليمانَ: يُؤَجَّلُ سنةً قياسًا على العِنِّينِ. وقال عمرُ بن عبد العزيز: اضْرِبُوا له شَهْرًا أو شَهْرينِ. وقال مالكٌ: الشَّهر ونحوه. وقال الشافعيُّ في القولِ الآخَرِ: يُؤَجّلُ ثلاثًا؛ لأنَّه قَرِيبٌ. ولَنا، ظاهرُ حديثِ عمرَ، ولأنَّه معنًى يُثْبِتُ الفَسْخَ، ولم يَرِد الشَّرْعُ بالإِنْظارِ فيه، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ الفَسْخُ في الحالِ، كالعَيْبِ، ولأنَّ سَبَبَ الفَسْخِ الإِعْسارُ، وقد وُجِدَ، فلا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ. فصل: وإن لم يَجِد النَّفَقةَ إلَّا يَوْمًا بيَوْمٍ، فليس ذلك إعْسارًا يَثْبُتُ به الفَسْخُ؛ لأنَّ ذلك هو الواجبُ عليه، وقد قَدَرَ عليه. وإن وَجَدَ في أوَّلِ النَّهارِ ما يُغَدِّيها، وفي آخِرِه ما يُعَشِّيها، لم يكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها تَصِلُ إلى كِفَايَتِها، وما يَقُومُ به بَدَنُها. وإن كان صانِعًا يَعْمَلُ في الأُسْبوعِ ما (٩) يَبِيعُه في يومٍ بقَدْرِ كفايتِها في الأُسبوعِ كلِّه، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّ هذا يَحْصُلُ الكِفايةُ به (١٠) في جَمِيعِ زَمانِه. وإن تَعَذَّرَ عليه الكَسْبُ في بعض زَمانِه، أو تعذَّرَ البَيْعُ، لم يثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِراضُ إلى زَوالِ الْعارِضِ، وحُصُولِ الاكْتِسابِ. وإن عَجَزَ عن الاقْتِراضِ أيَّامًا يَسِيرةً لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّ ذلك يَزُولُ عن قُرْبٍ (١١)، ولا يكادُ يَسْلَمُ منه كثيرٌ من الناسِ. وإن مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوالُه في أيَّامٍ يَسِيرةٍ، لم يُفْسَخْ؛ لما ذكَرْناه. وإن كان ذلك يَطُولُ، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّ الضَّررَ الغالبَ يَلْحَقُها، ولا يُمْكِنُها الصبرُ. وكذلك إن كان لا يَجِدُ من النَّفَقةِ إلَّا يومًا دُونَ يومٍ، فلها الْفَسْخُ؛ لأنَّها لا يُمْكِنُها الصبرُ على هذا، ويكونُ بمَثابةِ مَنْ لا يَجِدُ إلَّا بعضَ القُوتِ. وإن أعْسَرَ ببعضِ نَفَقةِ المُعْسِرِ، ثَبَتَ لها الْخِيارُ؛ لأنَّ البَدَنَ لا يَقُومُ بما دُونَها.

стр. 5901

وإن أعْسَرَ بما زاد على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ تلك الزِّيادةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصبرُ عنها، ويَقُومُ البَدَنُ بما دُونَها. وإن أعْسَرَ بنَفَقةِ الخادِمِ، لم يَثْبُتْ لها خِيارٌ؛ لما ذكَرْنا، وكذلك إن أعْسَرَ بالأُدْمِ. وإن أعْسَرَ بالكُسْوةِ، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّ الكُسْوةَ لا بُدَّ منها، ولا يُمْكِنُ الصبرُ عنها، ولا يقومُ البَدَنُ بدُونِها. وإن أعْسَرَ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ (١٢)، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لها الْخِيارُ؛ لأنَّه ممَّا (١٣) لا بُدَّ منه، فهو كالنَّفَقةِ والكُسْوةِ. والثاني، لا خِيارَ لها؛ لأنَّ البِنْيَةَ تَقُومُ بدُونِه. وهذا الوَجْهُ هو (١٣) الذي ذكره (١٤) القاضِى. وإن أعْسَرَ بالنَّفَقةِ الماضِيَةِ، لم يكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها دَيْنٌ يَقُومُ البَدَنُ بدونها (١٥)، فأشْبَهتْ سائِرَ الدُّيونِ. الحال (١٣) الثاني، أن يَمْتنِعَ من الإِنْفاقِ مع يَسارِه؛ فإن قَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ منه قَدْرَ حاجَتِها، ولا خِيارَ لها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمر هِنْدًا بالأخْذِ، ولم يَجْعَلْ لها الفَسْخَ، وإن لم تَقْدِرْ، رافَعَتْه إلى الحاكمِ، فيأمُرُه بالإِنْفاقِ، ويُجْبِرُهُ عليه، فإنْ (١٦) أبَى حَبَسَهُ، فإن صَبَرَ على الحَبْسِ، أخَذَ الحاكمُ النَّفَقةَ من مالِه، فإن لم يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أو عَقارًا، باعَها (١٧) في ذلك. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: النَّفَقةُ في مالِه من الدَّنانِيرِ والدّرَاهِمِ، ولا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بتَسْليمٍ؛ لأنَّ بَيْعَ مالِ الإِنْسانِ لا يَنْفُذُ إلَّا بإذْنِه، أو إذْنِ (١٨) وَلِيِّه، ولا وِلايةَ على الرَّشِيدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لِهنْدٍ: "خُذِى ما يَكْفِيكِ". ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ ذلك مالٌ له، فتُؤْخَذُ منه النَّفَقةُ، كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وللحاكمِ ولايةٌ عليه إذا امْتَنَعَ، بدليلِ وِلايَتِه على دَرَاهِمِه ودَنانيرِه. وإن تَعَذَّرَتِ النَّفَقةُ في

стр. 5902

حالِ غَيْبتِه، وله وَكِيلٌ، فحُكْمُ وكيلِه حُكْمُه في المُطالَبةِ والأخْذِ من المالِ عندَ امْتِناعِه، وإن لم يكُنْ له وكيلٌ، ولم تَقْدِر المرأةُ على الأخْذِ، أخَذَ لها الحاكمُ من مالِه، ويجوزُ بَيْعُ عَقارِه وعُرُوضِه في ذلك، إذا لم تَجِدْ ما تُنْفِقُ سِوَاهُ. ويُنْفقُ على المرأةِ يومًا بَيوْمٍ. وبهذا قال الشافعيُّ، ويحيى بن آدَم. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَفْرِضُ لها في كلِّ شَهْرٍ. ولَنا، أنَّ هذا تَعْجِيلٌ للنَّفَقةِ قبلَ وُجُوبِها، فلم يَجُزْ، كما لو (١٩) عَجَّلَ لها نَفَقةً زِيادةً على (٢٠) شهرٍ. فصل: وإن غَيَّبَ مالَه، وصَبَرَ على الحَبْسِ، ولم يَقْدِر الحاكمُ له على مالٍ يَأْخُذُه، أو لم (٢١) يَقْدِرْ على أخْذِ النَّفَقةِ من مالِ الغائبِ، فلها الْخِيارُ في الفَسْخِ، في ظاهرِ قولِ الْخِرَقِيِّ، واخْتيارِ أبى الخَطَّابِ. واخْتارَ القاضي أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الفَسْخَ في المُعْسِرِ لعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يُوجَدْ ههُنا، ولأنَّ المُوسِرَ في مَظِنَّةِ إمْكانِ الأخْذِ من مالِه، وإذا امْتَنَعَ في يومٍ، فربَّما لا [يمتنعُ في] (٢٢) الغَدِ، بخلافِ المُعْسِرِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رضى اللَّه عنه، كَتَبَ في رجالٍ غابُوا عن نِسائِهِم، فأمَرَهُم أن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا. وهذا إجْبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامْتِناعِ من الإِنْفاقِ، ولأنَّ الإِنْفاقَ عليها من مالِه مُتَعَذِّرٌ (٢٣)، فكان لها الخِيارُ، كحالِ الإِعْسارِ، بل هذا أوْلَى بالفَسْخِ، فإنَّه إذا جازَ الفَسْخُ على المَعْذورِ، فعلى غيرِه أَوْلَى، ولأنَّ في الصَّبْرِ ضَرَرًا أمْكَنَ إزالَتُه بالفَسْخِ، فوَجَبَتْ إزالتُه، ولأنَّه نوعُ تَعَذُّرٍ يُجَوِّزُ الفَسْخَ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ بين المُوسِرِ والمُعْسِرِ، كأداءِ (٢٤) ثمنِ المَبِيعِ، فإنَّه لا فَرْقَ في جوازِ الفَسْخِ بينَ (٢٥) أن يكونَ المَشْترِى مُعْسِرًا، وبينَ أن يَهْرُبَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، وعَيْبُ الإِعْسارِ إنَّما جَوَّزَ

стр. 5903

الفَسْخَ لتَعَذُّرِ الإِنْفاقِ، بدليلِ أنَّه لو اقْتَرضَ ما يُنْفِقُ عليها، أو تَبَرَّعَ له إنسانٌ بدَفْعِ ما يُنْفِقُه، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ. وقولُهم: إنَّه يَحْتَمِلُ أن يُنْفِقَ فيما بعدَ هذا. قُلْنا: وكذلك المُعْسِرُ، يَحْتَمِلُ أن يُغْنِيَه اللهُ، وأن يَقْتَرِضَ، أو يُعْطَى ما يُنْفِقُه، فاسْتَوَيَا. فصل: ومَنْ وَجَبَتْ عليه نَفَقةُ امرأتِه، وكان له عليها دَيْنٌ، فأراد أن يَحْتَسِبَ عليها بدَيْنِه مَكانَ نَفَقَتِها، فإن كانتْ مُوسِرَةً، فله ذلك؛ لأنَّ مَنْ عليه حَقٌّ فله أن يَقْضِيَه من أي أمْوالِه شاءَ، وهذا من مالِه، وإن كانت مُعْسِرَةً، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ إنَّما يَجِبُ في الفاضلِ من قُوتِه، وهذا لا يَفْضُلُ عنها، ولأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بإنْظارِ المُعْسِرِ، بقولِه سُبْحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢٦). فيَجِبُ إنْظارُها بما عليها. فصل: كلُّ مَوْضعٍ ثَبَتَ لها الفَسْخُ لأجْلِ النَّفَقةِ، لم يَجُزْ (٢٧) إلَّا بحُكْمِ الحاكمِ (٢٨)؛ لأنَّه فَسْخُ مُخْتَلَفٌ فيه، فافتَقَرَ إلى الحاكمِ، كالفَسْخِ بالعُنَّةِ (٢٩)، ولا يجوزُ له التَّفْرِيقُ إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه لحَقِّها، فلم يَجُزْ من غيرِ طَلَبِها، كالفَسْخِ للعُنَّةِ. فإذا فَرَّقَ الحاكمُ بينهما، فهو فَسْخٌ لا رَجْعةَ له فيه. وبهذا قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: هو تَطْلِيقةٌ، وهو أحَقُّ بها إن أيْسَرَ في عِدَّتِها؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ لِامْتناعِه من الواجبِ عليه لها، فأشْبه تَفْرِيقَه بين المُولِى وامْرأتِه إذا امْتَنَعَ من الفَيْئةِ والطَّلاقِ. وَلنا، أنَّها فُرْقةٌ لعَجْزِه عن الواجِبِ لها عليه، أشْبهَتْ فُرْقةَ العُنَّةِ. فأمَّا إن أجْبَرَه الحاكمُ على الطَّلاقِ، فطَلَّقَ أقَلَّ من ثلاثٍ، فله الرَّجعةُ عليها ما دامتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها وهو مُعْسِرٌ، أو امْتَنَعَ من الإِنْفاقِ عليها، ولم يُمْكِن الأخْذُ من مالِه، فطَلَبتِ المرأةُ الفَسْخَ، فلِلحاكمِ الفَسْخُ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ له باقٍ، أشْبَهَ ما قَبْلَ الطَّلاقِ.

стр. 5904

فصل: وإن رَضِيَتْ بالمُقامِ معه مع عُسْرَتِه أو تَرْكِ إنْفاقِه، ثم بَدَا لها الفَسْخُ، أو تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عالِمةً بحالِه، راضيةً بعُسْرَتِه، وتَرْكِ إنفاقِه، أو شَرَطَ عليها أن لا يُنْفِقَ عليها، ثم عَنَّ لها الفَسْخُ، فلها ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال القاضي: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، ليس لها الفَسْخُ، ويَبْطُلُ خِيارُها في المَوْضِعَيْنِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بعَيْبِه، ودَخَلَتْ في العَقْدِ عالمةً به، فلم تَمْلِكِ الفَسْخَ، كما لو تزَوَّجَتْ عِنِّينًا عالمةً بعُنَّتِه، أو قالت بعدَ العَقْدِ: قد رَضِيتُ به عِنِّينًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ النَّفقةِ يتَجَدَّدُ في كلِّ يومٍ، فيتجَدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ حَقِّها فيما لم يَجِبْ لها، كإسْقاطِ شُفْعَتِها قبلَ البَيْعِ، ولذلك لو أسْقَطَت النَّفقةَ المُسْتَقْبلَةَ لم تَسْقُطْ، ولو أسْقَطَتْها أو أسْقَطَتِ المَهْرَ قبلَ النكاحِ لم يَسْقُطْ، وإذا لم يَسْقُطْ وُجُوبُها، لم يَسْقُطِ الفَسْخُ الثابِتُ به. وإن أعْسَرَ بالمَهْرِ، وقُلْنا: لها الفَسْخُ لإِعْسارِه به. فرَضِيَتْ بالمُقامِ، لم يكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّ وُجُوبَه لم يتَجَدَّدْ، بخِلافِ النفقةِ، ولو تَزَوَّجَتْه، عالمةً بإعْسارِه بالمَهْرِ، راضيةً بذلك، فيَنْبغِى أن لا تَمْلِكَ الفَسْخَ بإعْسارِه به؛ لأنَّها (٣٠) رَضِيَتْ بذلك في وقتٍ لو أسْقَطَتْه فيه سَقَطَ. فصل: إذا رَضِيَتْ بالمُقامِ مع ذلك، لم يَلْزَمْها التَّمْكِينُ من الاسْتِمتاعِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ إليها (٣١) عِوَضَه، فلم يَلْزَمْها تَسْلِيمُه، كما لو أعْسَرَ المُشْتَرِى بثَمَنِ المَبِيعِ، لم يجبْ تَسْلِيمُه إليه، وعليه تَخْلِيةُ سَبِيلِها، لتَكْتَسِبَ لها، وتُحَصِّلَ ما تُنْفِقُه على نَفْسِها؛ لأنَّ في حَبْسِها بغيرِ نَفَقةٍ إضْرارًا بها. ولو كانتْ مُوسِرَةً، لم يكُنْ له حَبْسُها؛ لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ حَبْسهَا إذا كَفَاها (٣٢) المُؤْنةَ، وأغْناها عَمَّا لا بُدَّ لها منه، ولحاجَتِه إلى الاسْتِمتاعِ الواجبِ عليها، فإذا انْتَفَى الأمْرانِ، لم يَمْلِكْ حَبْسَها. فصل: ومَنْ تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجبَ لامْرأةٍ (٣٣) مُدَّةً، لم يَسْقُطْ بذلك، وكانتْ (٣٤) دَيْنًا

стр. 5905

في ذِمّتِه، سواءٌ تَرَكَها (٣٥) لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايتَيْنِ. وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى: تَسْقُطُ نفقتُها، ما لم يكُنِ الحاكمُ قد فَرَضَها لها. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها نفقةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِب، ولأنَّ نَفَقةَ الماضى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، فتَسْقُطُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رجالٍ غابُوا عن نسائِهِم، يأمُرُهُم بأنْ (٣٦) يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى. ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ (٣٧) الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيُونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه نَفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يزولُ ما وَجَبَ بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها. ولأنَّها عِوَضٌ واجبٌ، فأشْبَهتِ الأُجْرةَ. وفارَقَ نفقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبُر فيها اليَسارُ من المُنْفِقِ والإِعسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجبَتْ لِتَزْجِيَةِ (٣٨) الْحالِ، فإذا مَضَى زَمَنُها (٣٩) اسْتَغْنَى عنها، فأشْبهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بيَسارِه، وهذه بخِلافِ ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن (٤٠) تَرَكَ الإِنْفاقَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفَقةُ بكَمالِها، وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه [إلَّا] نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأنَّ الزَّائدَ سَقَطَ بإعْسارِه. فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ النَّفقةِ، ما وَجَبَ منها وما يَجِبُ في المُسْتقبلِ، إذا قُلْنا: إنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. وقال الشافعيُّ: يَصِحُّ ضَمانُ ما وَجَبَ، وفي ضَمانِ المُسْتقبلِ وَجْهان، بِناءً على أنَّ النَّفقةَ هل تَجِبُ بالعَقْدِ أو بالتَّمْكِينِ؟ ومَبْنَى الخلافِ على ضَمانِ

стр. 5906

ما لم يَجِبْ إذا كان مَآلُه إلى الوُجُوبِ، فعندنا يَصِحُّ، وعندَهم لا يَصِحُّ. وقد ذكَرْنا ذلك في باب الضَّمانِ (٤١). فصل: وإن أعْسَرَ بنَفَقةِ الْخادِمِ أو الأُدْمِ أو المَسْكنِ، ثَبَتَ ذلك في ذِمَّتِه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال القاضي: لا يَثْبُتُ؛ لأنَّه من الزَّوائدِ، فلم يثبُتْ في ذِمَّتِه، كالزَّائدِ عن الواجبِ عليه. ولَنا، أنَّها نفَقةٌ تجبُ على سَبِيلِ العِوَضِ، فتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، كالنَّفقةِ الواجبةِ للمرأةِ قُوتًا، وفارَقَ الزَّائدَ عن نَفَقةِ المُعْسِرِ (٤٢)، فإنَّه يَسقُطُ بالإِعْسارِ. فصل: وإذا أنْفَقتِ المرأةُ على نَفْسِها من مالِ زَوْجِها الغائبِ، ثم بانَ أنَّه قد مات قبلَ إنْفاقِها، حُسِبَ عليها ما أنْفَقَتْه من مِيراثِها، سَواءٌ أنْفقَتْه بنَفْسِها، أو بأمْرِ الحاكمِ. وبهذا قال أبو الْعالِيَةِ، ومحمدُ بن سِيرِينَ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهُم؛ لأنَّها أنْفَقتْ ما لا تَسْتَحِقُّ. وإن فَضَلَ لها شيءٌ، فهو لها. وإن فضلَ عليها شيءٌ، وكان لها صداقٌ أو دَيْنٌ على زَوْجِها، حُسِبَ منه، وإن لم يكنْ لها شيءٌ من ذلك، كان الفَضْلُ دَيْنًا عليها، واللهُ أعلم. فصل: وإن أعْسَرَ الزَّوجُ بالصَّداقِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أصَحُّها، ليس لها الفَسْخُ. وهو اختيارُ ابنِ حامدٍ. والثانى، لها الفَسْخُ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه أعْسَرَ بالعِوَضِ، فكان لها الرُّجوعُ في المُعَوَّضِ، كما لو أعْسَرَ بثَمَنِ مَبِيعِها. والثالث، إن أعْسَرَ قبلَ الدُّخولِ، فلها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى والمَبِيعُ بحالِه، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه قد اسْتُوْفِىَ، فأشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْترِى بعدَ تَلَفِ المَبِيعِ أو بعضِه. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ، فلم يُفْسَخِ النِّكاحُ للإِعْسارِ به، كالنَّفَقةِ الماضيةِ، ولأنَّ تأْخيرَه ليس فيه ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فأشْبَهَ نَفَقةَ الخادمِ والنفقةَ الماضيةَ، ولأنَّه لا

стр. 5907

نَصَّ فيه، ولا (٤٣) يَصِحُّ قِياسُه على الثَّمنِ في (٤٤) المَبِيعِ؛ لأنَّ الثمنَ كلُّ مَقْصُودِ البائعِ، والعادَةُ تَعْجيلُه، والصَّداقُ فَضْلةٌ (٤٥) ونِحْلةٌ، ليس هو المقْصودَ في النِّكاحِ، ولذلك لا يَفْسُدُ النكاحُ بِفَسادِه، ولا بتَرْكِ ذِكْرِه، والعادَةُ تأخِيرُه، ولأنَّ أكثرَ مَنْ يشْتَرِى بثَمَنٍ حالٍّ يكون مُوسِرًا به، وليس الأكثرُ أنَّ مَنْ تزَوَّجَ بمَهْرٍ يكون مُوسِرًا به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على النَّفَقةِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ لا تَنْدَفِعُ إلَّا بها، بخلافِ الصَّداقِ، فأشْبَهُ شيءٍ به النَّفَقةُ الماضيةُ. وللشافعيِّ نحوُ هذه الوُجُوهِ. وإذا (٤٦) قُلْنا: لها الفَسْخُ للإِعْسارِ به. فتَزَوَّجَتْه عالمةً بعُسْرَتِه، فلا خِيارَ لها، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّها رَضِيَتْ به كذلك. وكذلك إن عَلِمَتْ عُسْرَتَه بعدَ العَقْدِ، فرَضِيَت بالمُقامِ، سَقَطَ حَقُّها من الفَسْخِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حَقِّها بعدَ وُجُوبِه (٤٧)، فسَقَطَ، كما لو رَضِيَتْ بعُنَّتِه (٤٨). فصل: ونَفَقةُ الأمَةِ المُزَوَّجةِ حَقٌّ لها ولسَيِّدِها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْتَفِعُ جها، ولكلِّ واحدٍ منهما طَلَبُها إن امْتنعَ الزَّوجُ مِن أدائِها، ولا يَمْلِكُ واحدٌ منهما إسْقاطَها؛ لأنَّ في سُقُوطِها بإسْقاطِ أحَدِهما ضَرَرًا بالآخَر. وإن أعْسَرَ الزَّوجُ بها، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّه عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فَمَلَكَتِ الفَسْخَ، كالحُرَّةِ، وإن لم تَفْسَخْ، فقال القاضي: لسَيِّدِها الفَسْخُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في عَدَمِها، لما يتَعَلَّقُ بفَواتِها من فَواتِ مِلْكِه وتَلَفِه، فإن أنْفَقَ عليها سَيِّدُها مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فله الرُّجوعُ بها على الزَّوجِ، رَضِيَتْ بذلك أو كَرِهَتْ؛ لأنَّ الدَّيْنَ خالِصُ حَقِّه، لا حَقَّ لها فيه، وإنَّما تعَلّقَ حقُّها بالنَّفقةِ الحاضرةِ، لوُجُوبِ صَرْفِها إليها، وقَوَامِ بَدَنِها بها، بخلافِ الماضِيَةِ. وقال أبو الخَطَّاب، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس لسَيِّدِها الفَسْخُ لعُسْرَةِ زَوْجِها بالنَّفقةِ؛ لأنَّها حَقٌّ لها، فلم يَمْلِكْ سيِّدُها الفَسْخَ دُونَها، كالفَسْخِ للعَيْبِ، فإن كانت مَعْتُوهةً، أنْفَقَ المَوْلَى،

стр. 5908

وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا في ذِمّةِ الزَّوجِ، وإن كانت عاقلةً قال لها السَّيِّدُ: إن أرَدْتِ النَّفقة، فافْسَخِى النِّكاحَ، وإلَّا فلا نَفقَةَ لكِ عندى. فصل: وإن اختَلَفَ الزَّوجان في الإِنْفاقِ عليها، أو في تَقْبِيضِها نَفَقَتَها، فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ، والأصلُ معها. وإن اختَلَفا في التَّمْكِينِ المُوجبِ للنَّفَقةِ، أو في وَقْتِه، فقالتْ: كان ذلك من شهرٍ. فقال: بل مِن يومٍ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصلُ معه. وإن اخْتلَفا في يَسارِه، فادَّعَتْه المرأةُ (٤٩) ليَفْرِضَ لها نَفَقةَ المُوسِرِينَ، أو قالتْ: كُنْتَ مُوسرًا. وأنْكَرَ ذلك، فإن عُرِفَ له مالٌ، فالقولُ قولُها، وإلَّا فالقولُ قولُه. وبهذا كله قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن اخْتلَفا في فَرْضِ الحاكمِ للنَّفقةِ، أو في وَقْتِها، فقال: فَرَضَها منذُ شهرٍ. فقالتْ: بل منذُ عامٍ. فالقولُ قولُه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال (٥٠) مالكٌ: إن كان مُقِيمًا معها، فالقولُ قولُه، وإن كان غائِبًا عنها، فالقولُ قولُ المرأةِ من يوم رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكمِ. ولَنا، أنَّ قولَه يُوافِقُ الأصْلَ، فقُدِّمَ، كما لو كان مُقِيمًا معها، وكلُّ مَنْ قُلْنا (٥١): القولُ قولُه. فَلِخَصْمِه عليه اليَمِينُ؛ لأنَّها دَعَاوَى (٥٢) في المالِ، فأَشْبَهتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ولكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْه" (٥٣). وإن دَفَعَ الزَّوجُ إلى امرأتِه نَفقةً وكُسْوةً، أو بَعَثَ به إليها، فقالتْ: إنما فَعَلْتَ ذلك تَبَرُّعًا وهِبَةً. وقال: بل وفاءً للواجِبِ علىَّ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، أشْبَهَ ما لو قَضَى دَيْنَه واختَلَفَ هو وغَرِيمُه في نِيَّتِه. وإن طَلَّقَ امرأتَه، وكانت حامِلًا فوَضَعَتْ، فقال: طَلَّقْتُكِ حاملًا، فانْقَضَتْ عِدّتُكِ بوَضْعِ الحملِ، وانْقَطَعَتْ نَفَقَتُكِ ورَجْعَتُك.

стр. 5909

وقالتْ: بل بعدَ الوَضْعِ، فلِىَ النَّفقةُ، ولك الرَّجْعةُ. فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النَّفقةِ، وعَدَمُ المُسْقِطِ لها، وعليها العِدَّةُ، ولا رَجْعةَ للزَّوجِ؛ لإِقْرارِه بعَدمِها. وإن رجَعَ (٥٤) فصَدّقَها، فله الرَّجْعةُ؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ له بها. ولو (٥٥) قال: طَلَّقْتُكِ بعدَ الوَضْعِ، فلِىَ الرَّجْعةُ، ولك النَّفقةُ. وقالتْ: بل وأنا حامِلٌ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الرَّجْعةِ، ولا نَفقةَ لها، ولا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّها حَقٌّ للَّه (٥٦) تعالى، فالقولُ قولُها فيها. وإن عاد فصدَّقها، سَقَطَتْ رَجْعَتُه، ووَجَبَ لها النَّفقةُ. هذا في ظاهِرِ الحُكْمِ، فأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِى على ما يَعْلَمُه من حقيقةِ الأمْرِ دُونَ ما قالَه. فصل: وإن طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه، فادَّعتْ أنَّها حاملٌ، لتكونَ لها النَّفقةُ، أنْفَقَ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ، ثم تُرَى القَوَابِلَ بعد ذلك؛ لأنَّ الحملَ (٥٧) يَبِينُ بعدَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، إلَّا أن تَظْهَرَ براءَتُها من الحملِ بالحَيْضِ أو بغيرِه، فتَنْقَطِعَ نفقتُها، كما تَنْقطعُ إذا قال القوابلُ: ليست حامِلًا. ويَرْجِعُ عليها بما أنْفَقَ؛ لأنَّها أخَذَتْ منه ما لا تَسْتَحِقُّه، فرَجَعَ عليها، كما لو ادَّعَتْ عليه دَيْنًا وأخَذَتْه منه، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُها. وعن أحمدَ، روايةٌ أخْرَى: لا يَرْجِعُ عليها؛ لأنَّه أنْفَقَ عليها بحُكْمِ آثارِ النكاحِ، فلم يَرْجِعْ به، كالنَّفقةِ في النكاحِ الفاسدِ (٥٨) إذا تبَيَّنَ فسادُه. وإن عَلِمَتْ براءَتَها من الحملِ بالحَيْضِ، فكَتَمَتْه، فينْبَغِى أن يَرْجِعَ عليها، قولًا واحدًا؛ لأنَّها أخَذَتِ (٥٩) النَّفقةَ مع عِلْمِها بِبَراءتِه (٦٠) منها (٦١) كما لو أخَذَتْها من مالِه بغيرِ عِلْمِه. وإن ادَّعَتِ الرَّجْعِيَّةُ الحَمْلَ، فأنْفَقَ عليها أكثرَ من مُدَّةِ عِدَّتِها، رَجَعَ عليها بالزِّيادةِ، ويُرْجَعُ في مُدَّةِ العِدَّةِ إليها؛ لأنَّها أعْلَمُ بها، فالقولُ قولُها

стр. 5910

فيها مع يَمِينِها. فإن قالتْ: قد ارْتَفَعَ حَيْضِى، ولم أَدْرِ ما رَفَعَهُ. فعدَّتُها سَنَةٌ إن كانت حُرّةً. وإن قالتْ: قد انْقَضَتْ بثلاثةِ قُرُوءٍ. وذكَرَتْ آخِرَها، فلها النَّفقةُ إلى ذلك، ويَرْجِعُ عليها بالزَّائدِ. وإن قالتْ: لا أدْرِى متى آخِرُها. رَجَعْنا إلى عادَتِها، فحَسَبْنا لها بها. وإن قالتْ: عادَتِى تخْتلِفُ فتَطُولُ وتَقْصُرُ. انْقِضَتِ العِدّةُ (٦٢) بالأَقْصَرِ؛ لأنَّه الْيَقِينُ. وإن قالتْ: عادَتِى تخْتلِفُ، ولا أعلمُ. رَدَدْناها إلى غالبِ عاداتِ النِّساءِ، في كلِّ شَهْرٍ قُرْءٌ؛ لأنَّا رَدَدْنا المُتَحَيِّرةَ إلى ذلك في أحكامِها، فكذلك هذه. وإن بانَ أنَّها حامِلٌ من غيرِه، مثل أن تَلِدَه [لأكْثرَ من] (٦٣) أربعِ سِنِينَ، فلا نَفَقةَ عليه لمُدَّةِ حَمْلِها؛ لأنَّه من غيرِه. وإن كانتْ رَجْعِيَّةً، فلها النَّفَقةُ في مُدَّةِ عِدَّتِها، فإن كانت (٦٤) انْقَضَتْ قبلَ حَمْلِها، فلها النَّفَقةُ إلى انْقِضائِها، وإن حَمَلَتْ في أثْناء عِدَّتِها، فلها النَّفَقةُ إلى الوَطْءِ الذي حَمَلَتْ، ثم لا نَفقةَ لها حتى تَضَعَ حَمْلَهَا، ثم تكونُ لها النَّفقةُ في تمامِ عِدَّتِها. وإن وَطِئَها زوجُها (٦٥) في العِدَّةِ الرَّجْعيَّةِ، حَصَلَتِ الرَّجْعةُ. وإن قُلْنا: لا تَحْصُلُ. فالنَّسَبُ لاحِقٌ به، وعليه النَّفقةُ لِمُدَّةِ حَمْلِها. وإن وَطِئَها بَعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو وَطِئَ البائنَ، عالمًا بذلك وبتَحْرِيمه، فهو زِنًى، لا يَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، ولا نفقةَ عليه من أجْلِه. وإن جَهِلَ بَيْنُونَتَها، أو انْقِضاءَ (٦٦) عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، أو تَحْرِيمَ (٦٧) ذلك وهو ممَّن يَجْهَلُه، لَحِقَه نَسَبُه (٦٨)، وفي وُجُوبِ النَّفَقةِ عليه رِوَايتان. ١٣٨٢ - مسألة؛ قال: (ويُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ والِدَيْهِ، ووَلَدِهِ، الذُّكُورِ والْإِنَاثِ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وكَانَ (١) لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ)

стр. 5911

الأصلُ في وُجُوبِ نَفَقةِ الوالِدينَ والمَوْلُودِينَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢). أوْجَبَ أجْرَ رَضاعِ الوَلَدِ على أبِيه، وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وقال سُبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٤). ومن الإحْسانِ الإِنْفاقُ عليهما عندَ حاجَتِهِما. ومن السُّنَّةِ قولُ النَّبِيِّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كسْبِهِ". رَواه أبو داودَ (٦). وأما الإِجْماعُ، فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، قال: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نَفَقةَ الوالِدَيْنِ الفَقِيرينِ اللَّذَيْن لا كَسْبَ لهما، ولا مالَ، واجِبَةٌ في مالِ الوَلَدِ، وأجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ على المَرْءِ نَفَقةَ أوْلادِه الأطْفالِ الذين لا مالَ لهم. ولأنَّ وَلَدَ الإِنْسانِ بَعْضُه، وهو بعضُ والِدِه، فكما يجبُ عليه أن يُنْفِقَ على نَفْسِه وأهْلِه، كذلك على بعضِه وأصْلِه. إذا ثبت هذا، فإنَّ الأُمَّ تجِبُ نَفَقتُها، ويجبُ عليها أن تُنْفِقَ على وَلَدِها إذا لم يكُنْ له أبٌ. وبهذا قال أبو حنيفة، والشَّافعىُّ. وحُكِىَ عن مالك، أنَّه لا نَفقةَ عليها، ولا لها؛ لأنَّها ليستْ عَصَبةً لوَلَدِها. ولَنا، قولُه سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ لِرَجُلٍ سَألَه: مَنْ أبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فالأقْرَبَ" رَواه أبو داودَ (٧)، ولأنَّها أحَدُ الوالِدَيْنِ، فأشْبَهَتِ الأبَ، [ولأنَّ بينهما قَرابةً تُوجِبُ رَدَّ الشهادةِ، وَوُجُوبَ العِتْقِ، فأشْبَهتِ الأبَ] (٨). فإن أعْسَرَ الأبُ، وجَبَتِ النَّفَقةُ على الأُمِّ، ولم تَرْجِعْ بها عليه إن أَيْسَرَ. وقال

стр. 5912

أبو يوسفَ ومحمدٌ: تَرْجِعُ عليه. ولَنا، أنَّ مَنْ وَجَبَ عليه الإِنْفاقُ بالقَرابةِ، لم يَرْجِعْ به، كالأبِ. فصل: ويجبُ الإِنْفاقُ على الأَجْدادِ والجَدَّاتِ وإن عَلَوْا، ووَلَدِ الوَلَدِ وإن سَفَلُوا. وبذلك قال الشافعيُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: لا تَجِبُ النَّفقةُ عليهم ولا لهم؛ لأنَّ الجَدَّ ليس بأبٍ حَقِيقِىٍّ. ولَنا، قولُه سبحانه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٩). ولأنَّه يَدْخُلُ في مُطْلَقِ اسمِ الوَلَدِ والوالِدِ (١٠)، بدليلِ أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١١). فيَدْخُلُ فيهم وَلَدُ البَنِين. وقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٩). وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١٢). ولأنَّ بينَهما قَرابةً تُوجِبُ العِتْقَ ورَدَّ الشَّهادةِ، فأشْبَهَ الوَلَدَ والوالِدَ القَرِيبَيْنِ. فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الإِنْفاقِ ثَلاثةُ شُرُوطٍ: أحدُها، أن يكونُوا فُقَراءَ، لا مالَ لهم، ولا كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ (١٣) به عن إنْفاقِ غيرِهم، فإن كانوا مُوسِرِينَ بمالٍ أو كَسْبٍ يسْتَغْنونَ به، فلا نفقةَ لهم؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، [والمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عن المُواساةِ] (١٤). الثاني، أن يكونَ لِمَنْ تَجِبُ عليه النَّفَقةُ ما يُنْفِقُ عليهم، فاضِلًا عن نَفَقةِ نَفْسِه، إمَّا من مالِه، وإمَّا من كَسْبِه. فأمَّا مَن لا يَفْضُلُ عنه شيءٌ، فليس عليه شيءٌ؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا كَانَ أحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأ بنَفْسِهِ، فَإنْ فَضَلَ، فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإنْ كَانَ فَضْلٌ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ" (١٥).

стр. 5913

وفى لَفْظٍ: "ابْدَأْ (١٦) بنَفْسِكَ، ثُمَّ بمَنْ تَعُولُ" (١٧). حديثٌ صحيحٌ. وروَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ رَجُلًا جاء إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، عندى [دِينارٌ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ". قال: عندى] (١٨) آخَرُ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ". قال: عندى آخرُ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ" (١٩). قال: عندى آخرُ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ". قال: عندى آخَرُ. قال: "أَنْتَ أَبْصَرُ" (٢٠). رواه أبو داودَ (٢١)، ولأنَّها مُواساةٌ، فلا تَجِبُ على المُحْتاجِ، كالزَّكاةِ. الثالث، أن يكونَ المُنْفِقُ وارِثًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٢٢). ولأنَّ بينَ المُتَوارِثين قرابةً تَقْتَضِى كَوْنَ الوارِثِ أحَقَّ بمالِ المَوْرُوثِ من سائرِ الناسِ، فيَنْبَغِى أن يَخْتَصَّ بوُجُوبِ صِلَتِه بالنَّفقةِ دُونَهم، فإن لم يكُنْ وارثًا لعَدَمِ القَرابةِ، لم تَجِبْ عليه النَّفَقةُ لذلك. وإن امْتَنَعَ المِيراثُ مع وُجُودِ القَرابةِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدها، أن يكونَ أحَدُهما رَقِيقًا، فلا نفقةَ لأحَدِهما على صاحِبه، بغيرِ خلافٍ (٢٣)؛ لأنَّه لا وِلايةَ بينهما ولا إرْثَ، فأشْبَهَا (٢٤) الأجْنَبِيَّيْنِ، ولأنَّ العَبْدَ لا مالَ له فتَجِبُ عليه النَّفَقةُ، وكسْبُه لسَيِّدِه، ونفَقَتُه على سَيِّدِه، فيَسْتَغْنِى بها عن نَفَقَةِ غيرِه. الثاني، أن يكون دِينُهما مختلِفًا، فلا نفقة لأحَدِهما على صاحِبِه. وذَكَر القاضي في عَمُودَىِ النَّسَبِ روايتين؛

стр. 5914

إحداهما، تجبُ النَّفقةُ مع اختلافِ الدِّينِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها نفقةٌ تَجِبُ مع اتِّفاقِ الدِّينِ، فتَجِبُ مع اخْتِلافِه، كنَفقةِ الزَّوجةِ والممْلوكِ (٢٥)، ولأنَّه يَعْتِقُ (٢٦) على قَرِيبِه، فيَجِبُ عليه الإِنْفاقُ عليه، كما لو اتَّفَقَ دِينُهما. ولَنا، أنَّها مُواساةٌ على سَبِيلِ البِرِّ والصِّلَةِ، فلم تَجِبْ مع اختلافِ الدِّينِ، كَنفقةِ غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، ولأنَّهما غيرُ مُتَوارِثَيْنِ، فلم يَجِبْ لأحَدِهما على الآخرِ نَفقةٌ (٢٧) بالقَرابةِ، كما لو كان أحَدُهما رقيقًا، وتُفارِقُ نَفَقةَ الزَّوْجاتِ؛ لأنَّها عِوَضٌ يَجِبُ مع الإِعْسارِ، فلم يُنافِها اخْتلافُ الدِّينِ، كالصَّداقِ والأُجْرةِ، وكذلك تجبُ مع الرِّقِّ فيهما أو في أحَدِهما، وكذلك نفقةُ الْمَماليكِ، والعِتْقُ عليه يَبْطُلُ بسائرِ (٢٨) ذَوِى الرَّحِم المَحْرَمِ، فإنَّهم يَعْتِقونَ مع اخْتلافِ الدِّينِ، [ولَا نَفقةَ لهم معه، ولأنَّ هذه صِلَةٌ ومُواساةٌ، فلا تَجِبُ مع اخْتلافِ الدِّينِ] (٢٩)، كأداءِ زَكاتِه إليه، وعَقْلِه عنه، وإرْثِه منه. الثالث، أن يكونَ القَريبُ مَحْجُوبًا عن الميراثِ بمَن هو أَقْرَبُ منه، فيُنْظَر؛ فإن كان الأقْرَبُ مُوسِرًا، فالنَّفقةُ عليه، ولا شىءَ على المَحْجُوبِ به، لأنَّ الأَقْرَبَ أَوْلَى بالميراثِ منه، فيكونُ أوْلَى بالإِنْفاقِ، وإن كان الأقربُ مُعْسِرًا، وكان مَنْ يُنْفِقُ عليه من عَمُودَىِ النَّسَبِ، وجَبَتْ نَفَقَتُه على المُوسِرِ. وذكَرَ القاضي، في أبٍ مُعْسِرٍ وجَدٍّ مُوسرٍ، أنَّ النَّفقةَ على الْجَدِّ. وقال، في أمٍّ مُعْسِرَةٍ وجَدَّةٍ مُوسِرةٍ: النَّفقةُ على الجَدَّةِ. وقد قال أحمدُ: لا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلى وَلَدِ ابنَتِه؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ ابْنى هذَا سَيِّدٌ" (٣٠). فسَمَّاه ابْنَه، وهو ابنُ ابْنَتِه، وإذا مُنِعَ من دَفْعِ الزَّكاةِ إليهم لقَرَابَتِهم، يَجِبُ أن تَلْزَمَه نَفَقَتُهم عندَ حاجَتِهم. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وإن كان من غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، لم تجبِ النَّفقةُ عليه إذا كان

стр. 5915

مَحْجُوبًا. قال القاضي، وأبو الخَطَّاب، في ابنٍ فقيرٍ وأخٍ مُوسِرٍ: لا نَفَقةَ عليهما؛ لأنَّ الابنَ لا نَفقةَ عليه لعُسْرَتِه، والأخَ لا نَفقةَ عليه لعَدَمِ إرْثِه، ولأنَّ قَرابَتَه ضعيفةٌ لا تَمْنَعُ شَهادَتَه له، فإذا لم يكُنْ وارِثًا لم تجبْ عليه النَّفقةُ، كذَوِى الرَّحِمِ. ويتَخَرّجُ في كلِّ وارِثٍ، لولا الحَجْبُ، إذا كان مَنْ يَحْجُبُه مُعْسِرًا وجهان؛ أحدهما، لا نَفقةَ عليه؛ لأنَّه ليس بوارِثٍ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. والثاني، عليه النَّفَقةُ؛ لوُجُودِ القَرابةِ المُقْتَضِيةِ للإِرْثِ والإِنفاقِ، والمانعُ من الإِرْثِ لا يَمْنَعُ من الإِنفاقِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ لا يُمْكِنُه الإِنْفاقُ، فوُجُودُه بالنِّسْبةِ إلى الإِنْفاقِ كعَدَمِه. فصل: فأمَّا ذَوُو الأرْحامِ الذين لا يَرِثُونَ بفَرْضٍ ولا تَعْصِيبٍ، فإن كانوا من غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، فلا نَفقةَ عليهم. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: الخالةُ والعَمَّةُ لا نَفقةَ عليهما. قال القاضي: لا نَفقةَ لهم رِوايةً واحدةً؛ وذلك لأنَّ قَرابَتَهُم ضعيفةٌ، وإنَّما يأخذون مالَه عند عَدَمِ الوارثِ، فهم كسائرِ المسلمينَ، فإنَّ المالَ يُصْرَفُ إليهم إذا لم يكُنْ للمَيِّتِ وارِثٌ، وذلك الذي يأخُذُه بيتُ المالِ، ولذلك يُقَدَّمُ الرَّدُّ عليهم. وقال أبو الخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فيهم روايةٌ أُخْرَى، أنَّ النَّفقة تَلْزَمُهُم عندَ عَدَمِ العَصَباتِ وذَوِى الفُرُوضِ؛ لأنَّهم وارِثُونَ في تلك الحال. قال ابنُ أبي موسى: هذا يتَوَجّهُ على معنَى قولِه، والأوَّلُ هو المنْصوصُ عنه. فأمَّا عَمودُ النَّسَبِ، فذكر القاضي ما يَدُلُّ على أنَّه يجبُ الإِنفاقُ عليهم، سَواءٌ كانوا من ذَوِى الأرْحامِ، كأبى (٣١) الأُمِّ وابنِ البِنْتِ، أو من غيرِهم، وسَواءٌ كانوا مَحْجُوبِينَ أو وارِثِينَ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ وذلك لأنَّ قَرابَتَهم قَرابةٌ جُزْئيّةٌ وبَعْضِيَّةٌ، وتَقْتَضِى رَدَّ الشَّهادةِ، وتَمْنَعُ جَرَيانَ القِصاصِ على الوالدِ بقَتْلِ الوَلَدِ وإن سَفَلَ، فأَوْجَبَتِ النَّفقةَ على كلِّ حالٍ، كقَرابةِ الأبِ الأَدْنَى. فصل: ولا يُشْتَرطْ في وُجُوبِ نَفقةِ الوالِدينَ والمولُودِينَ نَقْصُ الخِلْقةِ، ولا نقصُ الأحْكامِ، في ظاهرِ المَذْهَبِ، وظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ فإنَّه أوْجَبَ نفقَتَهم مُطْلقًا إذا

стр. 5916

كانوا فُقَراءَ وله ما يُنْفِقُ عليهم. وقال القاضي: لا يُشْتَرَطُ في الوالِدين. وهل يُشْتَرَطُ ذلك في الوَلَدِ؟ فكلامُ أحمدَ يقْتَضِى روايتَيْنِ؛ إحداهما، تلْزَمُ (٣٢) نَفقَتُه؛ لأنَّه فقيرٌ. والثانية، أنَّه (٣٣) إن كان يَكْتَسِبُ فيُنْفِقُ على نَفْسِه، لم تَلْزَمْ نفقَتُه. وهذا القولُ يَرْجِعُ إلى أنَّ الذي لا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَقُومُ به تَلْزَمُ نفقَتُه، روايةً واحدةً، سواءٌ كان ناقِصَ الأحْكامِ، كالصَّغيرِ والمجْنونِ، أو ناقِصَ الخِلْقةِ، كالزَّمِنِ، وإنَّما الرِّوايتان في مَن لا حِرْفةَ له ممَّن يَقْدِرُ على الكَسْبِ ببَدَنِه. وقال الشافعيُّ: يُشْتَرَطُ نُقْصانُه، إمَّا من طريقِ الحُكْمِ، أو من طريقِ الخِلْقَةِ. وقال أبو حنيفةَ: يُنْفَقُ على الغُلامِ حتى يَبْلُغَ، فإذا بَلَغَ صَحِيحًا، انْقَطَعتْ نَفَقَتُه، ولا تسقطُ نَفقةُ الجارِيةِ حتى تَتَزَوَّجَ (٣٤). ونحوَه قال مالكٌ، إلَّا أنَّه قال: يُنْفَقُ على النِّساءِ حتى يتَزَوَّجْنَ، ويَدْخُلَ بهنَّ الأزْواجُ، ثم لا نَفقةَ لَهُنَّ، وإن طُلِّقْنَ، ولو (٣٥) طُلِّقْنَ (٣٦) قبلَ البِنَاءِ بهِنَّ، فهُنَّ على نَفَقَتِهِنَّ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ". لم يَسْتَثْنِ منهم بالِغًا ولا صَحِيحًا، ولأنَّه والدٌ أو ولدٌ فقيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفقةَ على والِدِه أو وَلَدِه الغَنِىِّ، كما لو كان زَمِنًا أو مَكْفُوفًا، فأمَّا الوالدُ، فإنَّ أبا حنيفةَ وافَقَنا على وُجُوبِ نفَقَتِه صَحِيحًا إذا لم يكُنْ ذا كَسْبٍ، وللشافعىِّ في ذلك قَوْلان. ولَنا أنَّه والِدٌ مُحتاجٌ، فأشْبَهَ الزَّمِنَ. فصل: ومَن كان له أبٌ من أهلِ الإِنْفاقِ، لم تجِبْ نفَقَتُه على سِوَاهُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". فجعل النَّفقةَ على أبِيهِم دُونَها. ولا خِلافَ في هذا نَعْلَمُه، إلَّا أنَّ لأصحابِ الشافعىِّ، فيما إذا اجْتَمَعَ للفقيرِ أبٌ وابنٌ مُوسِرانِ، وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ النَّفقَةَ على الأبِ وحدَه. والثانى، عليهما جميعًا؛ لتَساوِيهما في القُرْبِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ مَنْصوصٌ عليها، فيَجِبُ اتِّباعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ ما عَدَاهُ.

стр. 5917

فصل: ويَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبيه، إذا احتاجَ إلى النكاحِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. ولهم في إعْفافِ الأبِ الصَّحيحِ وجهٌ آخرُ، أنَّه لا يَجِبُ. [وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعفافُ أَبيه، سواء وجَبَتْ نفَقَتُه أو لم تَجِبْ؛ لأنَّ ذلك من أعظمِ المَلَاذِّ، فلم تَجبْ للأبِ، كالحَلْواءِ، ولأنَّه أحدُ الأبوَيْنِ، فلم يَجِبْ] (٣٧) له ذلك (٣٨) كالأُمِّ. ولَنا، أنَّ ذلك ممَّا تَدْعُو حاجَتُه إليه، ويَسْتَضِرُّ بفَقْدِه، فلَزِمَ ابْنَه له، كالنَّفقةِ، ولا يُشْبِه الحَلْواءَ؛ لأنَّه لا يَسْتَضِرُّ بفَقْدِها، وإنَّما يُشْبِهُ الطَّعامَ والأُدْمَ، وأمَّا الأُمُّ فإنَّ [إعْفافُها إنّما هو تَزْوِيجُها] (٣٩) إذا طَلَبَتْ ذلك، وخَطَبَها كُفْؤُها، ونحن نقولُ بوُجُوبِ ذلك عليه، وهم يوافِقُونَنا في ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجِبُ إعفافُ مَنْ لَزِمَتْ نفَقَتُه من الآباءِ والأجْدادِ، فإن اجْتَمَعَ جَدَّانِ، ولم يُمْكِنْ إلَّا إعْفَافُ أحَدِهما، قُدِّمَ الأقْرَبُ، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما من جهةِ الأبِ والآخرُ من جهةِ الأمِّ، فيُقَدَّمُ الذي من جهةِ الأبِ وإن بَعُدَ؛ لأنَّه عَصَبةٌ، والشَّرْعُ قد اعْتَبَرَ جِهَتَه في التَّوْرِيثِ والتَّعْصِيبِ، فكذلك في الإِنْفاقِ والاسْتِحقاقِ. فصل: وإذا وَجَبَ عليه إعْفافُ أبِيه، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاء زَوَّجَه حُرَةً، وإن شاء مَلَّكه أمَةً، أو دَفَعَ إليه ما يتزَوَّجُ به حُرَّةً أو يَشْتَرِى به أمَةً، وليس للأبِ التَّخْييرُ عليه، إلَّا أنَّ الأبَ إذا عَيَّنَ امرأةً، وعَيَّنَ الابنُ أُخْرَى، وصَدَاقُهما واحدٌ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الأبِ؛ لأنَّ النكاحَ له، والمُؤْنةَ واحدةٌ، فقُدِّمَ قولُه كما لو عَيَّنَتِ البنتُ كُفْؤًا، وعَيَّنَ الأبُ كُفْؤًا، لقُدِّمَ (٤٠) تَعْيِينُها. وإن اخْتَلَفا في الصَّداقِ، لم يَلْزَم الابْنَ الأكْثَرُ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُ أقَلُّ ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ، ولكن ليس له أنْ يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه قَبِيحةً أو كبيرةً لا اسْتِمْتاعَ فيها، وليس له أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا عليه، وهو إرْقاقُ ولَدِه، والنَّقْصُ في اسْتِمْتاعِه.

стр. 5918

وإن رَضِىَ الأبُ بذلك لم يَجُزْ، لأنَّ الضررَ يَلْحَقُ بغيرِه، وهو الوَلَدُ، ولذلك لم يكُنْ للمُوسِرِ أن يتزوَّجَ أمَةً. وإذا زَوّجَه زوجةً أو مَلّكَه أمةً، فعليه نفقَتُه ونفقَتُها. ومتى أيْسَرَ الأبُ، لم يكُنْ للوَلَدِ اسْتِرْجاعُ ما دَفَعَه إليه، ولا عِوَضُ ما زَوَّجَه به؛ لأنَّه دَفَعَه إليه في حالِ وُجُوبه عليه، فلم يَمْلِك اسْتِرجاعَه، كالزَّكاةِ. وإن زَوّجَه أو مَلَّكَه أمةً (٤١) فطَلَّقَ الزَّوجةَ أو أعْتَقَ الأمَةَ، لم يكُنْ عليه (٤٢) أن يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه ثانيًا؛ لأنَّه فَوَّتَ ذلك على نَفْسِه. وإن ماتَتَا، فعليه إعْفافُه ثانيًا؛ لأنَّه لا صُنْعَ له في ذلك. فصل: قال أصحابُنا: وعلى الأبِ إعْفافُ ابْنِه إذا كانت عليه نفَقَتُه، وكان مُحْتاجًا إلى إعْفافِه. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا يَجِبُ ذلك عليه. ولَنا، أنَّه من عَمُودَىْ نَسَبِه، وتَلْزَمُه نفَقَتُه، فَلزِمَه (٤٣) إعْفافُه عندَ حاجَتِه إليه، كأبِيه. قال القاضي: وكذلك يجىءُ في كلِّ مَنْ لَزِمَتْه نفَقَتُه؛ من أخٍ، أو عَمٍّ (٤٤)، أو غيرِهم؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ في العَبْدِ: يَلْزَمُه أن يُزَوِّجَه إذا طَلَبَ ذلك، وإلَّا بِيعَ عليه. وكلُّ من لَزِمَه إعْفافُه، لَزِمَتْه نَفقةُ زَوْجَتِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ من الإِعْفافِ إلَّا بذلك. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَلْزَمُ الأبَ نَفَقةُ زَوْجةِ الابْنِ. وهذا محمولٌ على أن الابْنَ كان يَجِدُ نفَقَتَها. ١٣٨٣ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ الصَّبِىُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ) ظاهرُ المذهبِ أنَّ النَّفقةَ تجبُ على كلِّ وارثٍ لمَوْرُوثِه، إذا اجْتمَعتِ الشُّروطُ التي تقَدَّمَ [ذكْرُنا لها] (١). وبه قال الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، والحسنُ

стр. 5919

ابن (٢) صالحٍ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، في الصَّبِىِّ المُرْضَعِ لا أب له (٢) ولا جَدٌّ، نفقَتُه وأجْرُ رَضاعِه على الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. وكذلك رَوَى بكرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن أحمدَ: النَّفقةُ على العَصَباتِ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، وإسْحاقُ. وذلك لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَضَى على بَنِى عَمّ مَنْفُوس بنَفَقَتِه (٣). احْتَجَّ به أحمدُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِىَ عن عمرَ أنَّه حَبَسَ عَصَبةً يُنْفِقُونَ (٤) على صَبِىٍّ، الرجالَ دون النِّساءِ (٥). ولأنَّها مُواساةٌ ومَعُونةٌ تَخْتَصُّ القَرابةَ، فاختصَّتْ [بها العَصَباتُ] (٦)، كالعَقْلِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: تجبُ النَّفقةُ على كلِّ ذى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولا تجبُ على غيرِهم؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٧). وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا نَفقةَ إلَّا على المَوْلُودِينَ والوالِدينَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ [قال لرجلٍ] (٨) سأله: عندى دينارٌ؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: عندى آخَرُ؟ قال: "أَنْفِقْهُ على وَلَدِكَ" (٩). قال: عندى آخَرُ؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى أهْلِكَ" (١٠). قال: عندى آخَرُ؟ [قال: "أنْفِقْهُ عَلَى خادِمِكَ". قال: عِنْدِى آخَرُ؟ ] (٨). قال: "أنْتَ أعْلَمُ (١١) " (١٢). ولم يَأْمُرْه

стр. 5920

بإنْفاقِه على غيرِ هؤلاءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ بنَفقةِ الوَالدِين والمَوْلُودِينَ، ومَن سِوَاهم لا يَلْحَقُ بهم في الوِلادَةِ وأحْكامِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه (١٣) عليهم. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فأوْجَبَ على الأبِ نَفقةَ الرَّضاعِ، ثم عَطَفَ الوارِثَ عليه، فأوْجَبَ على الوارثِ مثلَ ما أوْجَبَ على الوالِدِ. ورُوِىَ أن رَجُلًا سألَ النَّبِىَّ ﷺ قال (١٤): مَنْ أبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ وَأبَاكَ، وأُخْتَكَ وأخَاكَ". وفى لفظٍ: "ومَوْلَاكَ الَّذِى هُوَ أدْناكَ، حَقًّا واجِبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا". روَاه أبو داودَ (١٥). وهذا نَصٌّ؛ لأنَّ (١٦) النَّبِىَّ ﷺ ألْزَمَه الصِّلَةَ والبِرَّ، والنَّفقةُ من الصِّلَةِ، جَعَلَها حقًّا واجبًا، وما احْتَجَّ به أبو حنيفةَ حُجّةٌ عليه، فإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في (١٧) كل ذِى رَحِمٍ، فيكونُ حُجَّةً عليه [في عدِادِ] (١٨) الرَّحِم المَحْرَمِ، وقد اخْتَصَّتْ بالوارِثِ في الإِرْثِ فكذلك في الإِنْفاقِ. وأما خَبَرُ أصحابِ الشافعىِّ، فقَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يكُنْ له غيرُ من أُمِرَ بالإِنْفاقِ عليه، ولهذا لم يَذْكُرِ الوالِدَ والأجْدادَ وأولادَ الأولادِ. وقولهم: لا يَصِحُّ القِياسُ. قُلْنا: إنَّما أثْبَتْناه بالنَّصِّ، ثم إنَّهم قد أَلْحَقُوا أولادَ الأولادِ بالأولادِ، مع التفاوُتِ، فبَطَلَ ما قالُوه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالوارثِ بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ، لعُمُومِ الآية، ولا يتَناوَلُ ذَوِى الأرْحامِ، على ما مَضَى بَيانُه، فإن كان اثنان يَرِثُ أحَدُهما الآخَرَ ولا يَرِثُه الآخرُ، كالرَّجُلِ مع عَمَّتِه أو ابْنَةِ عَمِّه وابنةِ أخِيه، والمرأةِ مع ابْنةِ بِنْتِها وابْنِ (١٩) بِنْتِها، فالنَّفقةُ على الوارِثِ دون المَوْرُوثِ. نَصَّ
следующие страницы →