← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يقُومُون (٤٧) إذا كان الإمامُ فى المسجِدِ أو قَرِيبًا منه. وإنْ لم يكنْ في مَقَامِه. قال أحمدُ، في روَايَةِ الأثْرَمِ: أذْهَبُ إلى حديثِ أبي هُرَيْرَة: خرَج علينا رسولُ اللهِ ﷺ وقد أقَمْنَا الصُّفُوفَ (٤٨). إسْنَادٌ جيدٌ؛ الزُّهْرِيُّ عن أبِى سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ. وقال، في رِوايَةِ أبي داوُد، سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: يَنْبَغِي أنْ تُقَامَ الصفوفُ قبلَ أنْ يَدخُلَ الإِمامُ، فلا يَحْتَاجُ أنْ يَقِفَ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كانَت الصلاةُ تُقَامُ لِرسولِ اللهِ ﷺ ، فيأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهم قبلَ أنْ يقومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ. رواهُ مُسْلِمٌ (٤٩). فإنْ أُقِيمَتْ، والإِمامُ في غيرِ المسجدِ، ولم يَعْلَمُوا قُرْبَه، لم يقومُوا؛ لما رَوَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". مُتَّفَقٌ عليه (٥٠). وللبُخَارِيِّ (٥١): "قَدْ خَرَجْتُ". وخرجَ عَلِيٌّ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، والناسُ يَنْتَظِرُونَهُ قيَامًا للصلاةِ، فقال: "مَالِى أرَاكُمْ سامِدِينَ؟ " (٥٢).

стр. 632

فصل: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ، يَلْتَفِتُ عن يَمِينِه، فَيَقُولُ: اسْتَوُوا. رَحِمَكُم اللهُ. وعن يَسَارِهِ كذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن الحديثِ، وعن محمد بنِ مُسْلِمٍ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أنَسِ بنِ مالكٍ يومًا، فقال: هل تَدْرِى لمَ صُنِعَ هذا العُودُ؟ قُلْتُ: لا واللهِ. فقال: لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا قامَ إلى الصلاةِ أخذَهُ بيَمِينِه، فقال: "اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكُمْ". ثُمَّ أخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وقال: "اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكُمْ". [رَوَاهُ أبو داوُد] (٥٣). وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥٤). ١٤٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ) وجُمْلَتُهُ أنَّ الصلاةَ لا تَنْعَقِدُ إلا بقولِ: "اللهُ أكبرُ". عند إمامِنَا، ومالكٍ. وكان ابن مَسْعود، وطَاوُس، وأيُّوبُ (١)، ومالكٌ، والثورِيُّ، والشافِعِيُّ، يقولُون: افْتِتَاحُ الصلاةِ التَّكْبِيرُ. وعلى هذا عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ في القَدِيمِ والحديثِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال: تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: اللهُ الأكبرُ. لِأنَّ الأَلِفَ والَّلامَ لم تُغَيِّرْه عن بِنْيَتِه ومعْناهُ، وإنَّما أفادت التعرِيفَ. وقال أبو حنيفَة: تَنْعقِدُ بِكُل اسْمٍ لِلّهِ تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ: اللهُ عَظِيمٌ. أو كَبِيرٌ، أوْ جَلِيلٌ. وسبحان اللهِ. والحْمَدُ لِلّهِ. ولا إنهَ إلَّا اللهُ. ونحوِه. قال الحَاكِمُ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّه تعالى على

стр. 633

وَجْهِ التعظِيمِ، أشْبَهَ قولَه: اللهُ أكبرُ. واعْتَبَر ذلك بالخُطْبَةِ، حيثُ لم يَتَعَيَّنْ لَفْظُهَا. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ". رواهُ أبو داوُد (٢). وقال لِلْمُسِىءِ في صلاتِهِ: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى حديثِ رِفاعَةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ امْرِىءٍ حَتَّى يَضَعَ الوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، فَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ" (٤). وكانَ النَّبِىُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاةَ بِقولِهِ: "اللهُ أكْبَرُ". لم يُنْقَلْ عنه عُدُولٌ عن ذلك حتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وهذا يَدُلُّ على أنه لا يَجُوزُ العُدُولُ عنهُ، وما قالَه أبو حنيفَة يُخَالِفُ دَلَالَةَ الأخْبارِ، فلا يُصارُ إليه، ثم يَبْطُلُ بِقولِهِ (٥): اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى. ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الخُطْبَةِ، لأنَّه لم يَرِدْ عن النَّبِىِّ ﷺ فيها لفظٌ بعَيْنِهِ في جميعِ خُطَبِهِ، ولا أمْرٌ به، ولا يُمْنَعُ من الكلام فيها والتَّلَفُّظِ بما شَاء من الكلامِ المُبَاحِ، والصلاةُ بِخِلافِه، وما قالهُ الشافعيُّ عُدُول عن المَنْصُوصِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اللهُ العَظِيمُ.

стр. 634

وقولُهم: لم تُغَيِّرْ (٦) بِنْيَتَه ولا مَعنَاه. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه نَقَلَه عن التَّنْكِيرِ إلى التَعْرِيفِ، وكانَ مُتَضَمِّنًا لإضْمَارٍ أو تَقْدِيرٍ. فزالَ، فإنَّ قولَهُ "اللهُ أكْبَرُ" التَّقْدِيرُ: من كُلِّ شيءٍ. ولم يردْ في كلامِ اللهِ تعالَى، ولا في كلامِ رسولِهِ ﷺ ولا في المتعَارَفِ في كلامِ الفُصَحَاءِ إلَّا هكذا، فإطْلَاقُ لفظِ التَّكبِيرِ يَنْصَرِفُ إليها دونَ غيرِها، كما أنَّ إطلاقَ لفظِ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلى قولِ "بسْمِ اللهِ" دُونَ غيرِه، وهذا يَدُلُّ على أَنَّ غيرَها ليس مِثْلًا لها. فصل: وَالتَّكْبِيرُ رُكْنٌ في الصلاةِ، لا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا بِه، سواءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أو سَهوًا، وهذا قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرِ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، والحَكَمُ، والأوزاعِيُّ: مَنْ نَسِىَ تكبِيرَةَ الافْتِتَاحِ، أجْزأتْهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكبِيرُ". يَدُلُّ على أنَّه لا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدُونِه. فصل: ولا يصِحُّ التَّكْبِيرُ إلا مُرَتَّبًا، فإنْ نَكَسَهُ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه (٧) لا يكونُ تَكْبِيرًا. ويَجِبُ على المُصَلِّى أنْ يُسْمِعَهُ نَفْسَهُ إمَامًا كان (٨) أوْ غيرَهُ، إلَّا أنْ يكونَ بهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ، أو ما يَمْنَعُهُ (٩) السَّمَاعَ، فَيَأْتِى بهِ بحَيثُ لو كان سَمِيعًا [أو لا عارضَ] (١٠) به سَمِعَهُ، ولأنَّه (١١) ذِكْرٌ مَحَلَّه اللسان، ولا يكونُ كلامًا بدُونِ الصَّوْتِ، والصوتُ ما يتَأَتَّى سَمَاعُه، وأقْربُ السامعين إليه نَفْسُه، فمتى لم يَسْمَعْهُ لم يعلمْ أنه أتَى بالقَوْلِ، ولا فَرْقَ بين الرَّجُلِ والمرأةِ فيما ذكَرْناهُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلإِمَام أن يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ، بحيثُ يَسْمَعُ المأمومونَ

стр. 635

لِيُكَبِّرُوا، فإنَّهُم لا يجوزُ لهم التَّكْبِيرُ إلَّا بعدَ تكبِيرِه، فإنْ لم يُمْكِنْهُ إسْمَاعَهم، جَهَرَ بعضُ المأْمُومِين لِيُسْمِعَهم، أو لِيُسْمِعَ مَن لا يَسْمَعُ الإِمامَ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكر خلْفَهُ، فإذا كبَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ كبَّرَ أبو بكر؛ لِيُسْمِعَنَا. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). فصل: ويُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، ولا يَمُدُّ في غيرِ موضِعِ المَدِّ، فإنْ فَعَلَ بحيثُ تَغَيَّرَ المعنى، مثلَ أنْ يَمُدَّ الهَمْزَةَ الأُولَى، فَيَقُولُ: آللهُ. فَيَجْعَلُها اسْتِفْهَامًا، أو يَمُدَّ أكْبار. فَيزِيد ألِفًا، فيصِيرَ جَمْعَ كُبَر، وهو الطَّبْلُ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ المَعْنَى يَتَغَيَّرُ به. وإنْ قال: اللهُ أكْبَرُ وأَعْظَمُ وأَجَلُّ. ونَحْوَه، لم يُسْتَحَبَّ. نَصَّ عليه (١٣)، وانْعَقَدَتِ الصلاةُ بالتَّكْبِيرَةِ الأُولَى. فصل: ولا يُجْزِئُه التَّكْبِيرُ بِغيرِ العربِيَّةِ مع قُدْرَتِهِ عليها. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وأبو يوسف، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١٤). وهذا قد ذكرَ اسْمَ رَبِّهِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَعْدِلْ عنها، وهذا يَخُصّ ما ذَكرُوه (١٥). فإنْ لم يُحْسِن العربِيَّةَ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بها، فإنْ خَشِىَ فواتَ الوقتِ كَبَّرَ بَلُغَتِه. ذكَرَه القَاضِي في "المُجَرَّدِ" (١٦). وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ. وقال القاضي، في

стр. 636

"الجامِعِ" (١٧): لا يُكَبِّرُ بغيرِ العربيَّةِ، ويكونُ حُكْمُه حُكْمَ الأخْرَسِ، كمن عَجَزَ عن القراءةِ بالعربِيَّةِ لا يُعَبِّرُ عنها بغيرِها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ للَّه (١٨)، وذكرُ اللهِ تعالى يَحْصُلُ بكُلِّ لسانٍ، وأمَّا القُرْآنُ فإنَّه عربيٌّ، فإذا عَبَّرَ عنه بغيرِ العربيةِ لم يكُنْ قُرْآنًا، والذِّكْرُ لا يخْرُجُ بذلك (١٩) عن كَوْنِه ذِكْرًا. فصل: فإنْ كان أخْرسَ أو عاجزًا عن التَّكْبِيرِ بِكُلِّ لسانٍ، سَقَطَ عنه، وقال القاضي: عليه تَحْرِيكُ لسَانِه؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِتَحْرِيكِ لسانِه، فإذا عَجَزَ عن أحَدِهِما لَزِمَه الآخَرُ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه قولٌ عَجَزَ عنه، فلم يَلْزَمْه تَحْرِيكُ لسانِه في مَوْضِعِه كالقِرَاءَةِ، وإنَّمَا يَلْزَمُه (٢٠) تَحْرِيكُ لسانِهِ بِالتَّكْبِيرِ مع القُدْرَةِ عليهِ ضرورةً بِوَقْفِ التَّكْبِيرِ عليها، فإذا سَقَطَ التَّكبِيرُ سَقَطَ ما هو مِن ضرورَتِه، كمَن سَقَطَ عنهُ القيامُ، سقطَ عنهُ النُّهُوضُ إليه، وإنْ قَدَرَ عليهِ. ولأنَّ (٢١) تَحْريكَ اللِّسَانِ مِنْ غيرِ نُطْقٍ عَبَثٌ لم يَرِد الشَّرْعُ به، فلا يَجُوزُ في الصَّلاةِ، كالعَبَثِ بسَائِرِ جَوَارِحِه. فصل: وعليه أنْ يأتِىَ بالتكبِيرِ قائِمًا. فإن انْحَنَى إلى الرُّكُوعِ بحيثُ يَصِيرُ راكعًا قبلَ إنْهَاءِ التَّكْبِيرِ، لم تَنْعَقِدْ صلاتُه، إلَّا أنْ تكونَ نَافِلَةً؛ لِسُقُوطِ القيامِ فيها. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَنْعَقِدَ أيضًا؛ لأنَّ صِفَةَ الرُّكُوعِ غيرُ صِفَةِ القُعُودِ، ولم يَأْتِ التكبِيرَ قائمًا ولا قاعدًا. ولو كان مِمَّنْ تَصِحُّ صلاته قاعدًا، كان عليه الإِتْيَانُ بالتَّكْبِيرِ قبلَ وُجُودِ الرُّكُوعِ منه. وقال القاضي: إنْ كَبَّر في الفَرِيضَةِ، في حالِ انْحِنَائِهِ إلى الرُّكُوعِ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا؛ لأنَّها امْتَنَعَ وُقُوعُها فَرْضًا، وأمْكَنَ جَعْلُها نَفْلًا، فأشْبَهَ مَن أحْرَمَ بفَرِيضَةٍ، فبانَ أنَّه لم يَدْخُلْ وقْتُها.

стр. 637

فصل: ولا يُكَبِّرُ المَأْمُومُ حتى يَفْرُغَ إمامُه مِن التَّكْبِيرِ. وقال أبو حنيفَةَ: يُكَبِّرُ معه، كما يَرْكَعُ معه. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه، فإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). والرُّكُوعُ مِثْلُ ذلك، فإنَّه إنَّما يَرْكَعُ بعدَه، إلَّا أنَّه لا تَفْسُدُ صلاتُه بالرُّكُوعِ معه، لِأنَّه قد دَخل في الصلاةِ، وههُنا بخِلَافِهِ. فإنْ كَبَّرَ قبلَ إمَامِه، لم يَنْعَقِدْ تَكْبِيرُه، وعليه اسْتِئْنَافُ التَّكْبِيرِ بعدَ تكبيرِ الإِمامِ. فصل: والتَّكْبِيرُ مِن الصلاةِ. وقال أصْحابُ أبِى حنيفَةَ. ليس هو منها؛ بدَلِيلِ إضَافَتِهِ إليهَا، بقَوْلِه: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ"، ولا يُضافُ الشىءُ إلى نَفْسِه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في الصلاةِ: "إنَّمَا هِىَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [وأبو داود] (٢٣). وما ذكَرُوهُ غَلَطٌ؛ فإنَّ أَجْزَاءَ الشيءِ

стр. 638

تُضافُ إليه، كيَدِ الإِنْسَانِ ورَأْسِه وأطْرَافِه. ١٤١ - مسألة؛ قال: (وَيَنْوِى بِهَا المَكْتُوبَةَ، يَعْنِى بِالتَّكْبِيرَةِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الأُمَّةِ في وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ، وأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا) والأصْلُ فيه قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. (١) والإِخلاصُ عَمَلُ القَلْب، وهو النِّيَّةُ، وإرَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ دونَ غيرِهِ، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا [لِكُلِّ امْرِىءٍ] (٢) مَا نَوَى". ومعنى النِّيَّةِ القَصْدُ، ومَحَلُّهَا القلبُ. وإنْ لَفَظَ بِما نَوَاهُ، كان تَأْكِيدًا (٣). فإنْ كانت الصلاةُ مَكْتُوبَةً، لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الصلاةِ بعَيْنِهَا؛ ظُهْرًا، أو عَصْرًا، أو غَيْرَهما، فيَحْتاجُ إلى نِيَّةِ شَيْئَيْنِ؛ الفِعْلِ، والتَّعْيِينِ. واخْتَلَفَ أصحابُنا في نيَّةِ الفَرْضِيَّةِ؛ فقال بعضُهم: لا يَحْتَاجُ إليها، لأنَّ التَّعْيِينَ يُغْنى عنها؛ لكَوْنِ الظُّهْرِ مثلا لا يكونُ إلَّا فَرْضًا مِن المُكَلَّفِ. وقال ابن حامِدٍ: لا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ؛ لأن المُعَيَّنةَ قد تكونُ نَفْلًا، كظُهْرِ الصَّبِيِّ والمُعَادَةِ، فَيَفْتَقِرُ إلى ثلاثة أشياء؛ الفِعْلِ، والتَّعْيِينِ، والفَرْضِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ هذا كلامُ الْخِرَقِيِّ؛ لقولِه: "يَنْوى بهَا المَكتُوبَةَ" أي الواجبةَ المُعَيَّنَةً. والألِفُ واللَّامُ هنا للمَعْهُودِ، أي أنَّها المكتوبَةُ الحاضِرَةُ. وقال القاضي: ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى التَّعْيِينِ؛ لأنَّه إذا نَوَى المَفْروضَةَ انْصَرَفَت النِّيَّةُ إلى الحَاضِرَةِ. والصَّحِيحُ أنَّه لَا بُدَّ مِن التَّعْيِينِ، والألِفُ واللَّامُ هنا للْمَعْهُودِ، كما ذكرنا، والحُضُورُ لا يكفِى عن النَّيِّةِ؛ بِدَلِيلِ أنَّه لم يُغْنِ عن نيَّةِ المكتوبةِ، وقد يَكُونُ عليهِ صلواتٌ، فلا تَتَعَيَّنُ إحْدَاهُنَّ بدُونِ التَّعْيِينِ.

стр. 639

فأَمَّا الفَائِتَةُ، فَإنْ عَيَّنَهَا بِقَلْبِهِ أنَّها ظُهْرُ اليومِ، لم يَحْتَجْ إلى نِيَّةِ القَضاءِ، ولا الأداءِ، بل لو نَوَاها أدَاءً، فبانَ أنَّ وقتها قد خَرَجَ وَقَعَتْ قضاءً مِن غيرِ نِيَّتِه (٤). ولو ظَنَّ أنَّ الوقتَ قد خَرَجَ، فَنَوَاها قَضَاءً، فبان أنَّها في وقْتِها، وقعتْ أَدَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كالأسِيرِ إذَا تَحَرَّى وَصَامَ شَهْرًا، يُريدُ بهِ شهرَ رمضانَ، فوَافَقَهُ، أو مَا بعدَه، أجزأهُ. وإنْ ظنَّ أن عليهِ ظُهْرًا فَائِتَةً، فقضاهَا في وقتِ ظُهْرِ اليومِ، ثم تَبَيَّنَ أنَّه لا قضاءَ عليه، فهل يُجْزِئُهُ عن ظُهْرِ اليومِ؟ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحدُهما، يُجْزِئهُ؛ لأَنَّ الصلاةَ مُعَيَّنَةٌ، وإنما أخطأ في نِيَّةِ الوقتِ، فلم يُؤَثِّرْ، كما إذا اعْتَقَدَ أن الوقتَ قد خرج، فبانَ أنه لم يَخْرُجْ، أو كما لو نَوَى ظُهْرَ أمس، وعليهِ ظُهْرُ يومٍ قبلَه. والثَّانِي، لا يُجْزِئُهُ؛ لأنَّه لم يَنْوِ عَيْنَ الصلاةِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى قَضَاءَ عصرٍ، لم يُجْزِئْهُ عن الظُّهْرِ. ولو نَوَى ظُهْرَ اليومِ في وقتها، وعليهِ فائِتَةٌ، لم يُجْزِئْه عنها، ويَتَخرَّجُ فيها كالتى قبلها. فأمَّا ان كانتْ عليهِ فوائِتُ، فنَوَى صلاةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم يُجْزِئهُ عن واحِدَة منها؛ لعَدَم التَّعْيِينِ. ولو نَسِىَ صلاةً مِنْ يومٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لزمَهُ خمس صلواتٍ؛ لِيَعْلَمَ أنَّه أدَّى الفَائِتَةَ ولو نَسِىَ صلاةً لا يَدْرِى أظُهْرٌ هي أمْ عصرٌ، لَزِمَتْه (٥) صلاتانِ، فإنْ صلَّى واحِدَةً ينوِى أنَّها الفَائِتَةَ، لم يُجْزِئْهُ؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ. فصل: فأما النَّافِلَةُ، فَتَنْقَسِمُ إلى مُعَيَّنَةٍ، كصلاةِ الكُسُوفِ، والاسْتِسْقَاءِ، والتَّراوِيحِ، والوتْرِ، والسُّنَّنِ الرَّوَاتِبِ، فَيفْتقِرُ إلى التَّعْيِينِ أيضًا، وإلى مُطْلَقَةٍ، كصلاةِ الليلِ، فَيُجْزِئُهُ نِيَّةُ الصلاةِ لا غَيْرُ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فيها. فصل: وإذا دَخَلَ في الصلاةِ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بين إتْمَامِهَا وقَطْعِهَا، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جازِمٌ، ومع التَّرَدُّدِ لا يحْصُلُ الجَزْمُ. وانْ تلَبَّسَ بها بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثم نَوَى قَطْعَها، أو الخُرُوجَ (٦) منها، بَطَلَتْ. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وقالَ أبو

стр. 640

حنيفَةَ: لا تَبْطُلُ بذلكَ؛ لأنَّها عبادَةٌ صَحَّ دخولُه فيها، فلم تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الخروجِ منها، كالحَجِّ. ولَنا، أنَّه قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قبلَ إتْمَامِ صلاتِهِ، ففَسَدَتْ، كما لو سَلَّمَ يَنْوِى الخروجَ منها، ولأنَّ النِّيَّةَ شرطٌ في جَمِيعِ الصلاةِ، وقد قَطَعَها بما حَدَثَ، ففَسَدَتْ لذهابِ شَرْطِها، وفارَقَتِ الحَجَّ؛ فإنَّه لا يَخْرُجُ منه بِمَحْظُورَاتِهِ، ولا بِمُفْسِدَاتِه، بخِلَافِ الصلاةِ. فأمَّا إنْ تَرَدَّدَ في قَطْعِها، فقال ابنُ حامدٍ: لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه دَخَلَ فيها بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشكِّ وَالتَّرَدُّدِ، كسائِرِ العباداتِ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُلَ. وهو مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ، ومع التَّرَدُّدِ لا يكونُ مُسْتَدِيمًا لها، فأَشْبَهَ ما لو نَوَى قَطْعَها. فصل: والوَاجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دونَ حَقِيقَتِهَا، بمعنَى أنَّه لَا يَنْوِى قَطْعَها. ولو ذَهَلَ عنها وعَزَبَتْ عنه فِي أثناءِ الصلاةِ، لم يُؤَثِّرْ ذلكَ في صِحَّتِهَا؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ من هذا غيرُ ممكن، ولأنَّ النِّيَّةَ لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُها في أثناءِ العبادةِ، بدَلِيلِ الصومِ وغيرِه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، ولَهُ حُصَاصٌ (٧)، فَإِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطرُ بَيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَظَلَّ أحَدُكُم أنْ لَا يَدْرِى كَمْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عليهِ (٨). ورَوَاهُ مالكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٩). ورُوِىَ عن عمرَ،

стр. 641

رَضىَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ صلَّى صلاةً فلم يَقْرَأْ فيها، فَقِيلَ له: إنَّكَ لم تَقْرَأْ. فقال: إنِّي جَهَّزْتُ جيشًا لِلْمُسْلِمِينَ، حتى بَلَغْتُ بِهِ وَادِى القُرَى (١٠). فصل: فإنْ شَكَّ في أثناءِ الصلاةِ، هل نَوَى أو لا؟ أو شَكَّ في تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، أسْتَأْنَفها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شكَّ فيه، فإِنْ ذَكَرَ أنَّه كان قد نَوَى أو كَبَّرَ قَبلَ قَطْعِها، أو أخَذَ في عَمَلٍ، فله البِناءُ؛ لِأنَّه لم يُوجَدْ مُبْطِلٌ لها. وإنْ عَمِلَ فيها عَمَلًا مع الشَّكِّ، فقال القاضي: تَبْطُلُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا العَمَلَ عَرِىَ عن النِّيَّةِ وحُكْمِها، فإنَّ اسْتِصْحَابَ حُكْمِهَا مع الشكِّ لا يُوجَدُ. وقالَ ابنُ حامدٍ: لا تبطُلُ، ويَبْنِى أيضًا؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ، بدَلِيلِ ما لو لم يُحْدِثْ عملًا، فإنَّه يَبْنِي، ولو زَالَ حُكْمُ النِّيَّةِ لَبَطلَتِ الصلاةُ، كما لو نَوَى قَطْعَها. وإنْ شكَّ هل نَوَى فَرْضًا أوْ نَفْلًا؟ أَتمَّها نَفْلًا، إلَّا أنْ يَذْكُرَ أنَّه نَوَى الفَرْضَ قبلَ أنْ يُحْدِثَ عَمَلًا. وإنْ ذَكَرَ ذلكَ بعدَ إحْدَاثِ عَمَلٍ، خُرِّج فيهِ الوَجْهَانِ المَذْكُورَانِ في التي قَبْلَها. فإنْ شكَّ، هل أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أو عَصْرٍ؟ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ما لو شَكَّ في النِّيَّةِ؛ لأنَّ التَّعْيينَ شَرْطٌ، وقد زَالَ بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُتِمَّهَا نَفْلًا، كما لو أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فبَانَ أنَّه قبلَ وَقْتِه. فصل: وإذا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثم نَوَى نَقْلَهَا إلى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ الأُولَى، لأنَّه قَطَعَ نِيَّتَهَا، ولم تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لأنَّه لم يَنْوِهَا من أوَّلِها. فإنْ نَقَلَهَا إلى نَفْلٍ لغيرِ غَرَضٍ، فقال القاضي: لا يَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وقال في "الجَامِعِ": يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ. وقال أبو الخَطَّاب: يُكْرَهُ، ويَصِحُّ؛ لأنَّ النَّفْلَ يَدْخُلُ فِي نِيَّةِ الفَرْضِ، بِدَلِيلِ ما لو أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فبانَ أنه لم يَدْخُلْ وقتُهُ، وصِحَّةِ نَقْلِها إذا كان لِغَرَضٍ. وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَيْنِ. فأمَّا إنْ نَقَلَها لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مثل مَنْ أحْرَمَ بها مُنْفَرِدًا، فحَضَرَتْ جماعةٌ، فَجَعَلَهَا نفلًا ليُصَلِّي فَرْضَهُ في جماعَةٍ. فقال أبو الخَطَّاب: تَصِحُّ من غيرِ كَرَاهَةٍ. وقال القاضي: فيه رِوايَتان: إحداهُما: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَنْوِ النَّفْلَ مِن أوَّلِها.

стр. 642

والثَّانِيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه لِفَائِدَةٍ، وهى تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ في الجماعةِ مُضَاعَفَةَ الثَّواب (١١)، بِخِلَافِ مَن نَقَلَهَا لغيرِ غَرَضٍ، فإنَّهُ أبْطَلَ عَمَلَهُ لغيرِ سَبَبٍ ولا فائدَةٍ. ١٤٢ - مسألة؛ قال: (وإنْ تَقَدَّمَتِ النِّيَّةُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وبَعْدَ دُخولِ الوَقْتِ مَا لَمْ يَفْسَخُهَا، أَجْزَأَهُ) قال أصحابُنا: يجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على التَّكْبِيرِ بِالزَّمَنِ اليَسِيرِ، وإنْ طال الفَصْلُ أو فَسَخَ نِيَّتَهُ بذلك، لم يُجْزِئْهُ. وحَمَلَ القاضي كلامَ الْخِرَقِيِّ على هذا، وفَسَّرَهُ به. وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفَة. وقال الشافِعِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ: يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ للتَّكْبِيرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١). فقولُهُ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حَالٌ لهم في وقتِ العبادَة، فإنَّ الحال صِفَةُ (٢) هَيْئَةِ الفَاعِلِ وقتَ الفِعْلِ، والإِخْلَاصُ هو النِّيَّةُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". ولأنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فلم يَجُزْ أنْ تَخْلُوَ العبادةُ عنها، كسائِرِ شُرُوطِها. ولَنا، أنَّها عِبَادَةٌ فجَازَ تَقْدِيمُ نِيَّتِها عليها، كالصومِ، وتَقْدِيمُ (٣) النِّيَّةِ على الفِعْلِ لا يُخْرِجُهُ عن كَوْنِهِ مَنْويًّا، ولا يُخْرجُ الفاعلَ عن كَوْنِهِ مُخْلِصًا، بدلِيلِ الصومِ، والزكاةِ إذا دَفَعَها إلى وَكِيلِهِ، كسائِرِ الأفعالِ في أَثْنَاءِ العِبَادَةِ. ١٤٣ - مسألة؛ قال: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، أوْ إلَى حَذُوِ مَنْكِبَيْهِ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا في اسْتِحْبابِ رَفْعِ اليدينِ عندَ افْتِتَاحِ الصلاةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لم (١) يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرْفَعُ يديهِ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ. وقد ذَكَرْنَا حديثَ أبي حُمَيْد (٢)، ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا

стр. 643

افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَعَ يديهِ حتى يُحَاذِىَ بهما مَنْكِبَيْهِ، وإذا أراد أنْ يَرْكَعَ، وبعدما يَرْفَعُ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، ولا يَرْفَعُ بين السَّجْدتَينِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وهو مُخَيَّرٌ في رَفْعِهِما إلى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ أو (٤) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ومَعْناهُ أن يَبْلُغَ بأطْرافِ أصابعهِ ذلك الموضِعَ، وإنَّمَا خُيِّرَ لأنَّ كِلَا الأمْرَيْنِ مَرْوِيٌّ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فالرَّفْعُ إلى حَذْوِ المَنْكِبَيْنِ؛ في حديثِ أبي حُمَيْدٍ وابْن عمر، رَوَاهُ عَلِيٌّ وأبو هُرَيْرةَ، وهو قولُ الشافعيِّ وإسحاق، والرَّفْعُ إلى حَذْوِ الأُذُنَيْنِ. رَوَاهُ وَائِلُ بن حُجْر، ومالكُ بن الحُوَيْرِثِ، رواهُ مُسْلِمٌ (٥)، وقال بهِ ناسٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، ومَيْلُ أحمدَ إلى

стр. 644

الأَوَّلِ أكثرُ، قال الأثْرَمُ: قَلتُ لأبِي عبدِ اللهِ: إلى أيْنَ يَبْلُغُ بِالرَّفْعٍ؟ قال: أمَّا أنا فأذْهَبُ إلى المَنْكِبَيْنِ؛ لحديثِ ابْنِ عمرَ، ومَنْ ذهبَ إلى أنْ يَرْفَعَ يديْه إلى حَذْوِ أُذُنَيْه فحسنٌ. وذلك لأنَّ رُوَاةَ الأوَّلِ أكثرُ وأقْرَبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وجَوَّزَ الآخَرَ لأنَّ صِحَّةَ رِوَايَتِه تَدُلُّ على أنَّهُ كان يَفْعَلُ هذا مَرَّةً وهذا مَرَّةً. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَمُدَّ أصَابِعَهُ وَقْتَ الرفْعِ، ويَضُمَّ بعضَها إلى بَعْضٍ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرة، أن النَّبِيَّ ﷺ كان إذا دَخَلَ في الصلاةِ رَفَعَ يدَيْهِ مَدًّا (٦). وقال الشَّافِعيُّ: السُّنَّةُ أنْ يُفَرِّقَ أصابعَهُ؛ [لِمَا رَوَى أبو هُرَيْرة] (٧)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَنْشُرُ أصابعَه للتَّكْبِيرِ (٨). ولَنا، ما ذَكَرْنَاه، وحَدِيثُهُمْ قال التِّرْمِذِيُّ: هذا خَطَأٌ، والصَّحِيحُ ما رَوَيْنَاهُ (٩). ثم لو صَحَّ كان مَعْنَاهُ مَدَّ أصابعَه. قال أحمدُ: أهلُ العربيةِ قالوا: هذا الضَّمُّ. وضَمَّ أصَابِعَهُ. وهذا النَّشْرُ. ومَدَّ أصَابِعَهُ. وهذا التَّفْرِيقُ. وفَرَّقَ أصَابِعَهُ. ولأَنَّ النَّشْرَ لا يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ كنَشْرِ الثَّوْبِ، ولهذا يُسْتَعْمَلُ في الشىءِ الواحِدِ، ولا تَفْريقَ فيه. فصل: ويَبْتَدِئُ رَفْعَ يَدَيْه مع ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، ويكونُ انْتِهَاؤُهُ مع انْقِضَاءِ تَكْبِيرِه، ولَا يَسْبِقُ أحَدُهما صاحبه، فإذا انْقَضَى التَّكْبِيرُ حَطَّ يديْه، فإنْ نَسِىَ رَفْعَ اليَدَيْنِ حتى فَرَغَ مِن التَّكْبِيرِ، لم يَرْفَعْهما؛ لأنَّهُ سُنَّةٌ فاتَ مَحَلُّها. وإنْ ذَكَرَه

стр. 645

في أثْناءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لأنَّ مَحَلَّهُ باقٍ. فإِنْ لم يُمْكِنْهُ رَفْعُ يدَيْهِ إلى المَنْكِبَيْنِ رَفَعَهُما قَدْرَ ما يُمْكِنُه. وإنْ أمْكَنَهُ رَفْعُ إحْدَاهما دُونَ الأُخْرَى رَفَعَها؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١٠). وإنْ لم يُمْكِنْه رَفْعُهما إلَّا بِالزِّيَادَةِ على المَسْنُونِ رَفَعَهما؛ لأنَّه يَأْتى بالسُّنَّةِ وَزِيَادةٍ مَغْلُوبٍ عليها. وقولُ الشافعيِّ كقولِنا في هذا ال فصلِ جَمِيعِه. فصل: وإنْ كانتْ يَداه في ثَوْبِه، رفَعَهُما بِحيثُ يُمْكِنُ؛ لِما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الشتاءِ، فرأيْتُ أصحابَه يَرْفَعُونَ أيدِيَهم في ثيابِهِم في الصلاةِ. وفي رِوَايَةٍ، قال: ثم جئتُ في زمانٍ فيه بَرْدٌ شديدٌ فرأَيْتُ الناسَ عَليْهِم جُلُّ الثِّيَابِ، تَتَحَرَّكُ أَيْدِيهم تحتَ الثيابِ. رَوَاهُما أبو داوُد (١١). وفي رِوَايَةٍ؛ فرَأَيْتُهم يرفعون أيدِيَهم إلى صُدُورِهم (١٢). فصل: والإِمامُ والمَأْمُومُ والمُنْفَرِدُ في هذا سواءٌ، وكذلك الفريضَةُ وَالنَّافِلَةُ، لأنَّ الأخبارَ لا تَفْرِيقَ فيها. فأمَّا المرأةُ، فذَكر القاضي فيها روَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ إحْدَاهما، تَرْفَعُ؛ لِمَا رَوَى الخَلَّالُ، بِإسْنَادِهِ عن أُمِّ الدَّرْدَاء (١٣)، وحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ (١٤)، أنَّهُمَا كانَتَا تَرْفَعَانِ أيْدِيَهما. وهو قولُ طاوُس، ولأن مَنْ شُرِعَ في حَقِّهِ التَّكْبِيرُ شُرِعَ في حقِّهِ الرَّفْعُ كالرَّجُلِ، فعلى هذا ترْفَعُ قَلِيلًا. قال أحمد: رَفْعٌ دُونَ الرَّفْعِ. والثَّانِيَةُ، لا يُشْرَعُ؛ لِأنَّه في مَعْنَى التَّجَافِى، ولا يُشْرَعُ ذلك لها، بل تَجْمَعُ نَفْسَها في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وسَائِرِ صلاتِها.

стр. 646

١٤٤ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى كُوعِهِ اليُسْرَى (١)) أمَّا وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاةِ، فمِن سُنَّتِها في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عَلِىّ، وَأبِى هُرَيْرَة، والنَّخَعِىِّ، وأبِى مِجْلَز، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْر، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وحَكَاه ابنُ المُنْذِرِ عن مالكٍ. وظَاهِرُ مَذْهَبِه الذي عليه أصحابُه إرْسَالُ اليَدَيْنِ، ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ. ولَنا، ما رَوَى قَبِيصَةُ بنُ هُلْب (٢)، عن أبيه، قال، كان رسولُ اللهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ. رَوَاهُ التِّرمِذِىُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ، وعليه العمَلُ عندَ أهلِ العِلْمِ مِنْ أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، والتَّابِعِينَ، ومَنْ بَعْدَهُم. وعن أبي حازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: كان الناسُ يُؤْمَرُونَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ اليُمْنَى على ذراعِه اليُسْرَى في الصلاةِ. قال أبو حازِمٍ: لا أَعْلَمُهُ إلَّا يَنْمِى (٤) ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ . رواه البُخارِيُّ (٥). وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بهِ وهو واضِعٌ شِمَالَهُ على يَمِينِهِ فأخَذَ يَمِينَهُ فَوَضَعَها عَلَى شِمَالِهِ. رواه أبو داوُد (٦). ورَوَاهُمَا الأثرَمُ. وفى "المُسْنَدِ" (٧)، عن غُطَيْفٍ (٨)، قال: ما نسِيتُ من الأشياءِ فلم أنْسَ أني رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ واضِعًا يَمِينَهُ على شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 647

ويُسْتَحَبُّ أنْ يضعَها على كُوعِه، وما يُقَارِبُه؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّه وَصَفَ صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وقال في وَصْفِهِ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى [والرُّسْغِ والسَّاعِد] (٩). ١٤٥ - مسألة؛ قال: (ويَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَوْضِعِ وَضْعِهما، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَضَعُهُما تحتَ سُرَّتِه. رُوِىَ ذلكَ عن عَلِيٍّ، وأبي هُرَيْرةَ، وأبي مِجْلَز، والنَّخَعِىِّ، والثوريِّ، وإسحاقَ (١)؛ لِما رُوِىَ عن عَلِيٍّ رَضِىَ اللهُ عنه، قال: مِن السُّنَّةِ وضْعُ اليَمينِ (٢) على الشِّمالِ تَحتَ السُّرَّةِ. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُد (٣). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولِأنه قولُ مَن ذَكَرْنَا من الصحابةِ. وعن أحمدَ؛ أنه يَضَعُهُمَا فوقَ السُّرَّةِ. وهو قولُ سَعيد بنِ جُبَيْر، والشافعىِّ؛ لِمَا رَوَى وائِلُ بنُ حُجْر قال: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى فوضعَ يَدَيْهِ على صَدْرِهِ، إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى (٤). وعنه أنه مُخَيَّرٌ في ذلكَ؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌّ، وَالأمْرُ في ذلك وَاسِعٌ. ١٤٦ - مسألة؛ قال: (ويَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ) وجُمْلَتُهُ أنَّ الاسْتِفْتَاحَ مِن سُنَنِ الصلاةِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، وكان مالكٌ

стр. 648

لا يَرَاه، بل يُكَبِّرُ وَيَقْرَأُ؛ لمَا رَوَى أنَسٌ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ يَفْتَتِحُونَ الصلاةَ بالحمدِ لِلّهِ رَبّ العَالَمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، أن النَّبِىَّ ﷺ كان يَسْتَفْتِحُ بما سنَذْكُرُه، وعَمِلَ به الصحابةُ، رَضِىَ اللَّه عنهم، وكان عمرُ يَسْتَفْتِحُ به (٢) صلاتَه، يَجْهَرُ بهِ لِيَسْمَعَهُ الناسُ، وعبدُ اللَّه بن مسعودٍ، وحديثُ أنَسٍ أرَادَ به القراءةَ، كما جاءَ في حديثِ أبي هريرةَ: إنَّ اللهَ تعالى قال: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِى وبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ" (٣). وفَسَّرَ ذلك بالفاتحةَ. وهذا مِثْلُ قولِ عائشةَ: كان النَّبِىُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). ويَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ على هذا؛ لأنه قد ثَبَتَ عن الذين روَى عنهم (٥) أنَسٌ الاسْتِفْتَاحُ بما ذكرنَاهُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ أحمدَ ذهبَ إلى الاسْتِفْتَاحِ بِهذا الذي

стр. 649

ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ، وقال: لو أنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ مِن الاسْتِفْتَاحِ، كان حسنًا. أو قال: جائزًا. وهذا (٦) قولُ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، منهم عمرُ بنُ الخطابِ، وَابنُ مسعودٍ، والثَّوْرىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال التِّرمِذِىُّ (٧): وعليه العَمَلُ عندَ [أهلِ العِلْمِ] (٨) مِن التَّابِعِينَ، وغيرِهم. وذهب الشَّافعىُّ، وابن المُنْذِرِ، إلى الاسْتِفْتَاحِ بِما [رُوِىَ عن عَليٍّ] (٩)، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ كَبَّرَ، ثم قال: "وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِى ونُسُكِى ومَحْيَاىَ ومَمَاتِى لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ (١٠) أَنْتَ المَلِكُ لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، أنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِى، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى، فَاغْفِرْ لِى ذُنُوبِى جَميعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِى لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِى لِأَحْسَنِهَا إلَّا أنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَها، لَا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَها إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإلَيْكَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١). وأبو داوُد، والنَّسَائِىُّ (١٢). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا كَبَّرَ فى الصلاةِ أَسْكَتَ (١٣) إسْكَاتَةً. حَسِبْتُه قال: هُنَيْهَةً. بين التَّكْبِيرِ والقراءَةِ،

стр. 650

فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، [بأبي أنتَ وأُمِّى] (١٤)، أرَأَيْتَ إسْكاتَكَ (١٥) بين التَّكْبِيرِ والقراءَةِ، ما تقولُ؟ قال: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِى وبَيْنَ خَطَايَاىَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِى مِنْ خَطَايَاىَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِى مِنْ خَطَايَاىَ بِالثَّلْجِ وَالمَاءِ والبَرَدِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٦). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اسْتَفْتَحَ الصلاةَ، قال: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالَى جدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ". رَوَاهُ أبو داوُد، وابن ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (١٧). وعن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثْلُهُ. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (١٨). ورَوَاهُ أنَسٌ، وإسْنَادُ حَديثِه كلُّهم ثِقاتٌ. أخْرجَه (١٩) الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٠). وعَمِلَ بهِ السَّلَفُ، وكان عمرُ

стр. 651

رضىَ اللهُ عنهُ يَسْتَفْتِحُ بهِ بين يدىْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فرَوَى الأسْوَدُ (٢١)، أنه صلَّى خَلْفَ عمرَ، فَسَمِعَهُ كَبَّرَ، فقال: سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتبارَك اسمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ. فلذلِكَ اخْتَارَه أحمدُ، وجَوَّزَ الاسْتِفْتَاحَ بغيرِهِ، لكونِه قد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ ، إلَّا أنه قال في حديثِ عَلِيٍّ (٢٢): بعضُهم يقول: في صلاةِ الليلِ. ولأنَّ العَمَلَ به مَتْرُوكٌ، فإنَّا لا نَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَفْتِحُ به كُلِّه، وإنَّمَا يَسْتَفْتِحُونَ بأوَّلِه. فصل: قال أحمدُ: ولا يَجْهَرُ الإِمامُ بالافْتِتَاحِ. وعليهِ عامَّةُ أهْل العِلْمِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَجْهَرْ به، وَإنَّمَا جَهَرَ بهِ عمرُ، لِيُعَلِّمَ الناسَ. وإذا نَسِىَ الاسْتِفْتَاحَ، أو تَرَكَه عَمْدًا حتى شَرَعَ في الاسْتِعَاذَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لأنَّه سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّها. وكذلكَ إنْ نَسِىَ التَّعَوُّذَ حتى شَرَعَ في القراءَةِ، لم يَعُدْ إليه لذلك. ١٤٧ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) وجُمْلَةُ ذلكَ أنَّ الاسْتِعَاذَةَ قبلَ القراءَةِ في الصلاةِ سُنَّةٌ. وبذلك قال الحسنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعطاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: لا يَسْتَعِيذُ؛ لحديثِ أنَسٍ (١). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢). وعن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه كان إذا قام إلى الصلاةِ اسْتَفْتَحَ، ثم يقولُ: "أعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، ونَفْخِهِ، ونَفْثِهِ (٣) ". قال التِّرمِذِىُّ: هذا أَشْهَرُ حديثٍ في البابِ. وقال ابن المنذِرِ: جاء عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان يقولُ قبلَ القِرَاءَةِ: "أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ".

стр. 652

[وحَدِيثُ أَنَسٍ قد مَضَى جوابُهُ. وصِفَةُ الاسْتِعَاذَةِ: أن يقولَ: أعوذُ باللهِ مِن الشيطَانِ الرجِيمِ] (٤). وهذا قولُ أبى حنيفة والشَّافعيِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وعن أحمدَ أنَّه يقولُ؛ أعوذُ باللهِ السميعِ العَلِيمِ مِن الشَّيْطَانِ الرجِيمِ؛ لخبرِ أبى سَعِيدٍ، ولقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥). وهذا مُتَضَمِّنٌ لزِيَادَةٍ (٦). ونَقَلَ حنبلٌ عنه، أنَّه يَزِيدُ بعدَ ذلك: إنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ. وهذا كُلُّهُ وَاسِعٌ. وكَيْفَمَا اسْتَعَاذَ فهو حسنٌ. ويُسِرُّ الاسْتِعاذةَ، ولا يَجْهَرُ بها. لا أعْلَمُ فيه خِلافًا. ١٤٨ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) وجملةُ ذلكَ أنَّ قراءةَ الفاتحةِ واجِبَةٌ في الصلاةِ، ورُكْنٌ مِن أرْكانِها، لا تَصِحُّ إلَّا بها في المَشْهُورِ عن أحمدَ. نَقَلَه عنه الجماعةُ. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْريِّ، والشَّافعىِّ. وَرُوِىَ عن عمرَ بن الخطَّاب، وعُثمانَ بن أبي العاص، وخَوَّاتِ بن جُبَيْر (٧)، رَضِىَ اللَّه عنهم، أنَّهم قالوا: لا صلاةَ إلَّا بقراءةِ فاتحةِ الكتابِ. وَرُوِىَ عن أحمدَ رِوَاية أُخْرَى، أنها لا تَتَعَيَّنُ، وتُجْزِىءُ قراءةُ آيةٍ مِن القُرْآنِ، مِن أىِّ مَوْضِعٍ كان. وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ لِلمُسِىءِ في صَلَاتِهِ: "ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (٨). وقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ

стр. 653

الْقُرْآنِ﴾ (٩)، وقولُه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٩). ولأنَّ الفاتحةَ وسَائِرَ القُرْآنِ سواءٌ في سَائِرِ الأحكَامِ، فكذا في الصلاةِ. ولَنا، ما رَوَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صَلَاةَ لِمَن لم يقرأ بفاتِحةِ الكتابِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ولأنَّ القراءةَ رُكْنٌ في الصلاةِ، فكانتْ مُعَيَّنَةً كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وأمَّا خبرُهم، فقد رَوَى الشافِعِىُّ (١١)، بإِسْنادِهِ عن رِفَاعَةَ بن رافِعٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال للْأعرابىِّ: "ثُمَّ اقْرأْ بِأُمِّ القُرْآنِ، ومَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأَ". ثم نَحْمِلُهُ على الفاتحةِ، وما تَيَسَّرَ معها، مِمَّا زَادَ عليهَا، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لم يكن يُحْسِنُ الفاتِحةَ. وأمَّا الآيَةُ، فَتَحْتَمِلُ أنه أراد (١٢) الفاتحَة وما تَيَسَّرَ معها، ويَحْتَمِلُ أنها نَزَلَتْ قبلَ نُزُولِ الفاتحَةِ، لأنَّها نَزَلَتْ بمكةَ، والنَّبِىُّ ﷺ مأْمُورٌ بقِيامِ الليلِ، فنسَخهُ اللهُ تعالى عنه بها، والمعنَى الذي ذكروهُ أجْمَعْنَا على خلافِهِ، فإنَّ مَنْ تركَ الفاتحةَ كان مُسِيئًا، بِخِلَافِ بقِيَّةِ السُّوَرِ. ١٤٩ - مسألة؛ قال: (وَيَبْتَدِئُهَا (١) بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ قراءةَ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". مَشْرُوعَةٌ في الصلاةِ، في أوَّلِ الفاتحةِ، وأَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال مالكٌ،

стр. 654

والأوْزاعِيُّ: لا يقْرَؤُها في أوَّلِ الفاتحةِ؛ لحديثِ أنَسٍ (٢). وعنِ ابنِ عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: سَمِعَنِى أبي وأنا أقولُ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقال: أىْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ؟ إيَّاكَ والْحَدَثَ. قال: ولم أرَ أحَدًا (٣) مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كان أبْغَضَ إليهِ الحَدَثُ في الإِسْلَامِ - يعنِى منه. فإنِّي (٤) صَلَّيْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ ومع أبي بكرٍ [وعمرَ وعثمانَ] (٥)، فلم أسمعْ أحَدًا منهم يقولُها، فلا تَقُلْها، إذا صَلَّيتَ فقُلْ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ. أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٦)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولَنا، ما رَوَى نُعَيْم (٧) المُجَمِّر، أنَّه قال: صَلَّيْتُ وراءَ أبي هُرَيْرةَ، فَقَرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثم قَرأ بِأُمِّ القُرْآنِ، وقال: والذي نَفْسِى بِيَدِهِ، إنِّي لَأَشْبَهُكمْ صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ . أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ (٨). ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قرأ في الصلاةِ: بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرَّحِيمِ. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قرأ في الصلاةِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وعَدَّها آيةً، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، اثْنَيْنِ (٩). فأمَّا حديثُ أنَسٍ، فقد سَبَقَ جَوَابُه (١٠). ثم نَحْمِلُهُ على

стр. 655

أنَّ الذي كان يُسْمَعُ منهم: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وقَدْ جَاءَ مُصَرِّحًا بهِ. ورَوَى شُعْبَةُ، وشَيْبَانُ، عن قَتَادةَ قال: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وأبى بكرٍ، وعمرَ، فلم أَسْمَعْ أحدًا منهم يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وفى لَفْظٍ: فكلُّهم يُخْفِى بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وفى لَفْظٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كانَ يُسِرُّ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبا بكرٍ وعمرَ. رَوَاه ابْنُ شَاهِين (١١). وحديثُ ابْنِ عبدِ اللهِ بْنِ المُغَفَّلِ مَحْمُولٌ على هذا أيضًا، جَمْعًا بين الأخْبَارِ. ولأنَّ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يُسْتَفْتَحُ بها سائرُ السُّوَرِ، فاسْتِفْتَاحُ الفاتحةِ بها أوْلَى، لأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ وفاتحَتُه، وقد سَلَّم مالكٌ هذا، فإنَّه قال في قِيَامِ رمضانَ: لا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فِي أوَّلِ الفاتحةِ، ويَسْتَفْتِحُ بها بَقِيَّةَ السُّوَرِ. ١٥٠ - مسألة؛ قالَ: (وَلَا يَجْهَرُ بِهَا) يَعْنِى "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". ولا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ أنَّ الجَهْرَ بها غيرُ مَسْنُونٍ. قال التِّرمِذِىُّ (١): وعليهِ العَمَلُ عندَ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ومَن بَعْدَهُمْ مِن التَّابِعِينَ، منهم أبو بكرٍ وعمرَ وعُثْمَانَ. وعَلِىّ. وذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ، عن ابْنِ مسعودٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَمَّارٍ. وبه يقولُ الحَكَمُ وحَمَّادٌ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبَارَكِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن عَطاءٍ، وطَاوُس، ومُجَاهِدٍ، وسعيدِ بن جُبَيْر، الجَهْرُ بها. وهو مَذْهَبُ الشافِعيِّ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرة، أنَّه قَرأهَا (٢) في الصلاةِ. وقد صَحَّ عنه (٣) قال: ما أسْمَعَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكم، وما أخْفَى علينا أخْفَيْنَاهُ عليْكم.

стр. 656

مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن أنَسٍ، أنَّه صلَّى وجَهَرَ بِبسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقال: أقْتَدِى بصَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٥). ولِمَا تَقَدَّمَ من حديثِ أُمِّ سَلَمَة وغيرِه، ولأنَّها آيةٌ مِن الفاتحَةِ، فيجْهَرُ بها الإِمامُ في صلاةِ الجَهْرِ، كسائِرِ آياتِها. ولَنا، حديثُ أنَسٍ (٦)، وعبدِ اللَّه بنِ المُغَفّلِ (٧). وعن عائشَةَ، رَضىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْتَتِحُ الصلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقراءَةَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بِيْنِى وبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْن، ولِعَبْدِى مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قالَ اللَّه: حَمِدَنِى عَبْدِى". وذكرَ الخَبَر. أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٩). وهذا يدُلُّ على أنَّه لم يَذْكُرْ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ولم يَجْهَرْ بها. وحديثُ أبي هُرَيْرَة الذي احْتَجُّوا به ليس فيه أنَّه جَهَرَ بها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْمعَ منه حالَ الإِسْرَارِ، كما سَمِعَ الاسْتِفْتَاحَ والاسْتِعَاذَةَ مِن النَّبِيِّ ﷺ ، مع إسْرَارِهِ بهما، وقد رَوَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُسْمِعُهُم الآيةَ أحْيَانًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وحدِيثُ أُمِّ سَلَمَة ليس فيه أنَّه جَهَرَ بها، وسائِرُ

стр. 657

أخْبَارِ الجَهْرِ ضعيفَةٌ؛ فإنَّ رُوَاتَها هم رُوَاةُ الإِخْفَاءِ، وإسْنَادُ الإِخْفَاءِ صَحِيحٌ ثَابتٌ بغيرِ خلَافٍ فيه، فَدَلَّ على ضَعْفِ رِوَايةِ الجَهْرِ، وقد بَلَغَنَا أنَّ الدَّارَقُطْنِىّ قال: لم يَصِحَّ في الجَهْرِ حديثٌ. فصل: واخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ عن أحمدَ؛ هل هي آيَةٌ مِن الفاتِحةِ يَجِبُ قراءَتُها في الصلاةِ، أو لا؟ فَعَنْه أنَّها مِن الفاتحَةِ. وذهب إليهِ أبو عبد اللَّه ابن بَطَّةَ، وأبو حَفْص. وهو قولُ ابْنِ المُبَارَكِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبِى عبيدٍ. قال ابْنُ المُبارَكِ: مَنْ تَرَكَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد تَرَكَ مائةً وثلاثَ عشرةَ آيةً. وكذلك قال الشَّافِعِىُّ: هي آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ؛ لحديثِ أُمِّ سَلَمَة (١١). ورَوَى أبو هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا قَرَأْتُم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَاقرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فَإنَّهَا أُمُّ الكِتَابِ، وإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِى، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ مِنْهَا (١٢) ". ولأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أثْبَتُوهَا في المصاحفِ بِخَطِّها (١٣)، ولم يُثْبِتُوا بين الدَّفَّتَيْنِ سِوَى القُرْآنَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها ليست من الفاتحَةِ، ولا آيةً مِن غيرِها، ولا يجِبُ قِرَاءَتُها في الصلاةِ. وهى المَنْصُورَةُ عند أصحابِه، وقولُ أبي

стр. 658

حنيفةَ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، وعَبْدِ اللَّه بِن مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ (١٤). واخْتَلَفَ (١٥) عن أحمدَ فيها، فقِيل عنه: هي آيَةٌ مُفْرَدَةٌ كانت تَنْزِلُ بين سُورَتَيْنِ، فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ. وعنهُ: إنَّما هي بَعْضُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَّمْلِ. كذلكَ قال عبدُ اللَّه بن مَعْبَدٍ، والأوْزاعِيُّ: ما أَنْزَلَ اللهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَّا في سُورَةِ النَّمْلِ (١٦): ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١٧). والدَّلِيلُ على أنَّها ليست مِن الفاتحَةِ، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يقولُ: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِى وبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. قالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى. فإذَا قالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قالَ اللهُ: أثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى. فَإذَا قالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قالَ اللهُ: مَجَّدَنِى عَبْدِى. فَإذَا قَالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِى، ولِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ. قال: هَذَا لِعَبْدِى، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٨). فلو كانت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةً لَعَدَّها (١٩)، وبدأ بها، ولم يَتَحَقَّق التَّنْصِيفُ، لأنَّ آياتِ الثَّنَاءِ تكونُ أرْبَعًا ونِصْفًا، وآياتِ الدُّعَاءِ [اثْنَتَيْنِ ونِصْفًا] (٢٠). وعلى ما ذَكَرْنَاه يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ. فإنْ قيل: فقد رَوَى عبدُ اللهِ بن زِيَاد بن سَمْعَانَ (٢١): "يقولُ

стр. 659

عبدِى إذَا افْتَتَحَ الصلاةَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فيَذْكُرُنِى عَبْدِى". قُلْنا: ابْنُ سَمْعانَ مَتْرُوكُ الحديثِ، لا يُحْتَجُّ بِهِ. قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٢). واتِّفَاقُ الرُّوَاةِ على خِلَافِ رِوَايَتِهِ أوْلَى بِالصَّوَابِ. وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قالَ: "سُورَةٌ هِىَ ثَلَاثُونَ آيةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وَهِىَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٢٣) ". وهى ثَلَاثُونَ آيةً سِوَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأجْمعَ الناسُ على أنَّ سُورَةَ الكَوْثَرِ ثَلَاثُ آياتٍ، بِدُونِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولو كانتْ منها لَكانتْ أرْبَعًا، ولأنَّ مَوَاضِعَ الآىِ تَجْرِى مَجْرَى الآى أنْفُسِها، في أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، ولم يُنقَلْ في ذلك تَوَاتُرٌ (٢٤). فأمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلمةَ فمِن رَأْيها، ولا يُنْكَرُ الاختلافُ في ذلك. على أَنَّنَا نقولُ: هي آيَةٌ مُفْرَدَةٌ للْفَصْلِ بين السُّوَرِ. وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ موقُوفٌ عليهِ، فَإنّه مِنْ رِوايَةِ أبي بكرٍ الحَنَفِيِّ، عن عبد الحميد بن جعفَرٍ، عن نُوحِ بنِ أبي بلالٍ، (٢٥) قال أبو بكْر: [رَاجَعْتُ فيه نُوحًا، فَوَقَفَه] (٢٦). وهذا يَدُلُّ على أَنَّ رَفْعَهُ كان وَهَمًا مِن عبد الحميد. وأَمَّا إثْبَاتُها بين السُّوَرِ في المُصْحَفِ، فللْفَصْلِ بينها، ولذلكَ أُفْرِدَتْ سَطْرًا على حِدَتِها (٢٧).

стр. 660

فصل: يَلْزَمُهُ أن يَأْتِىَ بِقِرَاءَةِ الفاتحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غيرَ مَلْحُونٍ فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، فإنْ تَرَكَ تَرْتِيبَها، أو شَدَّةً مِنها، أو لحَنَ لحنًا يُحِيلُ المعنَى، مثلَ أَنْ يَكْسِرَ كافَ ﴿إِيَّاكَ﴾، أو يَضُمَّ تَاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يَفْتَحَ أَلِفَ الوصلِ في ﴿اهْدِنَا﴾، لم يُعْتَدَّ بقِرَاءَتِهِ، إلَّا أن يكونَ عاجزًا عن غيرِ هذا. ذَكَرَ القاضي نحوَ هذا في "المُجَرَّدِ"، وهوَ مَذهَبُ (٢٨) الشافعيِّ. وقال القاضي في "الجامعِ": لا تبْطُلُ بِتَرْكِ شَدَّةٍ؛ لأنَّها غيرُ ثابِتَةٍ في خَطِّ المُصْحَفِ، وإنَّما (٢٩) هي صِفَةٌ لِلْحَرْفِ، ويُسَمَّى تَارِكُها قَارِئًا. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الحَرْفَ المُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، بِدَلِيلِ أنَّ شَدَّةَ راء ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أُقِيمَتْ مقامَ اللَّامِ، وشَدَّةَ ذالِ ﴿الَّذِينَ﴾ أُقِيمَتْ مَقَامَ اللَّامِ أيضًا، فإذا أَخَلَّ بها أَخَلَّ بِالحَرْفِ ومَا يَقُومُ مَقَامَه، وغَيَّرَ المَعْنَى، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أنَّه أظْهَرَ المُدْغَمَ، مِثْلَ مَن يقولُ "الْرَحْمن" مُظْهِرًا لِلَّامِ، فهذا تَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه إنَّما تَرَكَ الإِدْغَامَ، وهوَ مَعْدُودٌ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ المعنَى. قال: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ، أنَّه إذا لَيَّنَهَا، ولم يُحَقِّقْهَا على الكَمَالِ، أنَّه لا يُعِيدُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك لا يُحِيلُ المعنَى، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الناسِ. ولَعَلَّهُ إنَّما أرادَ في "الجامع" هذا المعنَى، فيكونُ قَوْلُه مُتَّفِقًا. ولا يُسْتَحَبُّ المُبَالَغَةُ في التَّشْدِيدِ، بحيثُ يَزِيدُ على قدرِ حَرْفٍ سَاكِنٍ؛ لِأنَّها في كُلِّ مَوْضِعٍ أُقِيمَتْ مَقَامَ حرفٍ ساكنٍ؛ فإذا زَادَها على ذلك زادَهَا عَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، فيكونُ مَكْرُوهًا. وفى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاثُ شَدَّاتٍ، وفيما عَدَاها إِحْدَى عشرةَ شَدَّةً (٣٠)، بِغيرِ اخْتِلَافٍ. فصل: وأقَلُّ مَا يُجْزِئُ فيها قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، يُسْمِعُها نَفْسَه، أو يكون بحيث يَسْمَعُها لو كان سَمِيعًا، كما قُلْنَا في التَّكْبِيرِ، فَإنَّ مَا دُونَ ذلك ليس بِقِرَاءَةٍ. والمُسْتَحَبُّ أنْ يَأْتِىَ بها مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً، يَقِفُ فيها عند كل آيَةٍ، ويُمَكِّنَ حُرُوفَ

стр. 661

المَدِّ وَاللِّينِ، ما لم يُخْرِجْه ذلك إلى التَّمْطِيطِ؛ لِقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٣١). ورُوِىَ عن (٣٢) أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عن قِرَاءَةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قالتْ: كان يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٣٣). وعن أنَسٍ، قال: كانتْ قِرَاءَةُ رسولِ اللهِ ﷺ مَدًّا ثم قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يَمُدُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، ويَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. أخْرَجَه البُخَارِيُّ (٣٤). فإن انْتَهَى ذلك إلى التَمْطِيطِ والتَّلْحِينِ كان مَكْرُوها؛ لِأنَّه رُبَّمَا جَعَلَ الحَرَكَاتِ حُرُوفًا. قال أحمدُ: يُعْجِبُنِى مِن قِرَاءَةِ القُرآنِ السَّهْلَةُ. وقال: قولُهُ: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ (٣٥) ". قال: يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ مِن غيرِ تَكَلُّفٍ. وقد رُوِىَ في خَبَرٍ آخر (٣٦): "أحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً، مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِراءَتَهُ رَأَيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ (٣٧) ". وَرُوِى: "إنَّ هَذَا القُرَآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَاقْرَأُوهُ بِحُزْنٍ" (٣٨).

стр. 662

فصل: فإنْ قَطَعَ قراءَةَ الفاتحَةِ بِذِكْرٍ؛ مِنْ دُعَاء، أو قِرَاءَةٍ، أو سُكُوتٍ يَسِيرٍ، أو فَرَغَ الإِمامُ مِن الفاتحَةِ في أثْنَاءِ قراءَةِ المَأْمُومِ، قال: آمِينَ. ولا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ؛ لقولِ أحمدَ: إذَا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ سألَ، وإذا مَرَّتْ بهِ آيَةُ عذابٍ اسْتَعَاذَ. وإنْ كَثُرَ ذلك اسْتَأْنَف قراءَتَها، إلَّا أن يكونَ السُّكُوتُ مَأْمُورًا بهِ، كالمَأْمُومِ يَشْرَعُ في قراءَة الفَاتِحَةِ، ثم يَسْمَعُ قراءَةَ الإِمامِ، فَيُنْصِتُ له، فإذا سَكَتَ الإِمَامُ أتَمَّ قِرَاءَتَها، وأجْزَأتْهُ (٣٩). أوْمَأَ إليهِ أحمدُ. وكذلك إنْ كان السُّكُوتُ نِسْيَانًا، أو نومًا، أو لانْتِقَالِهِ إلى غيرِها غَلَطًا، لم يَبْطُلْ، فمتى ذَكَرَ أتى بِمَا بَقىَ منها. فإنْ تَمَادَى فيما هو فيهِ بعدَ ذِكْرِهِ، أبْطَلَها، ولَزِمَه اسْتِئْنَافُها، كما لوِ ابْتدَأ بذلك. فإنْ نَوَى قَطعَ قراءَتِها، مِن غيرِ أن يَقْطَعَهَا، لم تَنْقَطِعْ؛ لأنَّ فِعْلَهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِه، والاعْتِبَارُ بالفِعْلِ لا بالنِّيَّةِ. وكذا إنْ سَكَتَ مع النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا؛ لِمَا ذكرنَاهُ مِن أنَّه لا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ، فوُجُودُها كعَدَمِها. وذكرَ القاضي في "الجامعِ"، أنَّه متى سَكَتَ مع النِّيَّةِ أبْطَلَهَا، ومتى عَدَلَ إلى قرَاءَةِ غيرِ الفاتحَةِ عَمْدًا، أو دُعَاءٍ غيرِ مأْمُورٍ به، بَطَلَتْ قراءَتُه. ولم يُفَرِّقْ بين قليلٍ وكثيرٍ (٤٠). وإنْ قَدَّمَ آيةً منها في غيرِ مَوْضِعِها عَمْدًا، أبطَلَها. وإنْ كان غَلَطًا، رَجَعَ إلى موضِعِ الغَلَطِ فأتمَّها. والأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللهُ، ما ذكَرْنَاه؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ في القراءَةِ وُجُودُها، لا نيَّتُهَا، فمتى قرأَهَا مُتَوَاصِلَةً تَوَاصُلًا قَرِيبًا صَحَّتْ، كما لو كان ذلكَ عن غَلَطٍ. فصل: ويجبُ قراءةُ الفاتحَةِ في كُلِّ ركْعَةٍ، في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ. وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ: أنَّها لا تَجِبُ إلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ مِن الصلاةِ. ونَحْوُه عن النَّخَعِىِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبى حنيفَةَ؛ لمَا رُوِىَ، عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: اقْرَأْ في الأُولَيَيْنِ، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْنِ. ولأنَّ القراءَةَ لو وَجَبَتْ في بقِيَّةِ الركعاتِ، لَسُنَّ الجَهْرُ بها في بعضِ الصَّلواتِ،

стр. 663

كالأُولَيَيْنِ. وعن الحسنِ: أنَّه إنْ قرأَ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، أجْزَأَهُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٤١). وعن مالكٍ، إنْ (٤٢) قرأَ في ثلاثٍ، أجْزَأَهُ؛ لأنها في (٤٣) مُعْظَمِ الصلاةِ. ولَنا، ما رَوَى أبو قَتَادةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقرأُ في الظهْرِ في الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وسُورَتَيْنِ، ويُطَوِّلُ الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا، وفى الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤٤). وقال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى" مُتَّفَقٌ عليه (٤٥). وعن أبِى سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (٤٦) ". وعنه، وعن عُبادَةَ، قالا: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكتابِ، في كُلِّ رَكْعَةٍ (٤٧). رَوَاهُما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشَّالَنْجِىُّ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَ المُسِىءَ في صَلَاتِهِ كيف يُصَلِّى الرَّكْعَةَ الأُولَى، ثُمَّ قَالَ:

стр. 664

"وَافْعَلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا (٤٨) ". فيتناولُ الأمْرَ بالقِراءةِ. وعن جابرٍ، قال: "مَنْ صلَّى رَكْعَةً، فلم يَقْرَأْ فيها [بِأُمِّ القرآنِ] (٤٩)، فَلَمْ يُصَلِّ. إلَّا خَلْفَ الإِمَامِ". رَوَاهُ مالكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٥٠). وحديثُ عَلِىٍّ يَرْوِيهِ الحَارِثُ الأعْوَرُ، قال الشَّعْبِىُّ: كان كَذَّابًا. ثم هو مِنْ قولِ عَلِيٍّ. وقد خالَفَهُ عمرُ، وجابرٌ، والإِسْرَارُ لا يَنْفِى الوُجُوبَ؛ بدَلِيلِ الأُولَيَيْنِ مِن الظهرِ والعصرِ. فصل: ولا تُجْزِئُهُ القراءَةُ بغيرِ العربيَّةِ، ولا إبْدَالُ لَفْظِها بِلَفْظٍ عربِىٍّ، سواءٌ أحْسَنَ قراءَتَها بالعربِيةِ أو لم يُحْسِنْ. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ ذلك. وقال بعضُ أصحابه: إنَّما يَجُوزُ لِمَن لم يُحْسِنِ العربيَّةَ. واحْتَجَّ بِقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٥١). ولا يُنْذَرُ كلُّ قومٍ إلَّا بِلِسَانِهم. (٥٢) ولَنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥٣). وقولُه تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٥٤). ولِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ؛ لفظُهُ، ومَعْنَاه، فإذا غُيِّرَ خَرَجَ عن نَظْمِه، فلم (٥٥) يَكُنْ قُرْآنًا ولا مِثْلَه، وإنَّما يكونُ تَفْسِيرًا له، ولو كان تَفْسِيرُه مِثْلَه لَما عَجَزُوا عنه لَمَّا تَحَدَّاهُمْ بالإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ (٥٦) مِثْلِه، أمَّا الإِنْذَارُ، فَإِنَّه إذا فَسَّرَهُ لهم كان الإِنْذَارُ بِالمُفَسَّرِ دُونَ التَّفْسِيرِ.

стр. 665

فصل: فإنْ لم يُحْسِن القراءةَ بالعربِيَّةِ، لَزِمَه التَّعَلُّمُ، فإنْ لم يَفْعَلْ مع القُدْرَةِ عليهِ، لم تَصِحَّ صلاتُه، فإِنْ لم يَقْدِرْ أو خَشِىَ فواتَ الوقتِ، وعَرَفَ مِن الفاتِحَةِ آيةً، كَرَّرَها سَبْعًا. قال القاضي: لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك؛ لأنَّ الآيةَ منها أقربُ إليها مِن غيرها. وكذلكَ إنْ أحسنَ منها أكْثَرَ مِن ذلك، كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَأْتِىَ بِبَقِيَّةِ الآىِ مِنْ غيرِها؛ لأنَّ هذه الآيَةَ يَسْقُطُ فَرْضُها بقِرَاءَتِها، فيعدِلُ عن تَكْرَارِها إلى غيرِها، كمَنْ وَجَدَ بعضَ الماءِ، فإنَّه يَغْسِلُ بهِ، ويَعْدِلُ إلى التَّيَمُّمِ. وذكر القاضي هذا الاحْتِمالَ في "الجَامِعِ". ولِأصحابِ الشافِعيِّ وَجْهَانِ، كما ذكَرْنَا. فأمَّا إنْ عَرَفَ بعضَ آيةٍ، لم يَلْزَمْهُ تكْرَارُها، وعَدَلَ إلى غيرِها، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ الذي لا يُحْسِنُ القُرْآنَ أنْ يقولَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وغيرَها (٥٧). وهى بَعْضُ آيةٍ، ولم يَأْمُرْهُ بتَكْرَارِها. وإنْ لم يُحْسِنْ شَيْئًا منها (٥٨)، وكان يَحْفَظُ غيرها مِن القرآنِ، قَرَأ منه بِقَدْرِها إنْ قَدَرَ، لا يُجْزِئُه غيرُه؛ لِما رَوَى أبو داوُد، عن رِفَاعَةَ بن رَافِعٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وهَلِّلْهُ، وكَبِّرْهُ" (٥٩). ولِأنَّه مِن جِنْسِها، فكان أوْلَى. ويَجِبُ أنْ يَقْرَأَ بِعَدَدِ آياتِها. وهل يُعْتَبَرُ أن يكونَ بعَدَدِ حُرُوفِهَا؟ فيهِ وجْهان: أحدهما، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّ الآيَات هي المُعْتَبَرَةُ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَكْفِى عددُ الحُرُوفِ دُونَها، فأشْبَهَ مَن فاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ، فلا يُعْتَبَرُ أنْ يكونَ القَضَاءُ في يومٍ على قَدْرِ ساعَاتِ الأدَاءِ. والثَّانِى، يَلْزَمُه ذلك؛ لِأنَّ الحَرْفَ مَقْصُودٌ؛ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الحَسَنَاتِ به، ويُخَالِفُ الصومَ، إذ لا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المقْدَارِ في

стр. 666

الساعاتِ إلا بِمَشَقَّةٍ. فإنْ لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَها سَبْعًا. فإنْ لم يُحْسِنْ شيئًا مِن القرآنِ، ولا أمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ قبلَ خُرُوجِ الوقتِ، لَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ لِلَّهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ؛ لِمَا رَوَى أبو داوُد، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي لا أسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شيئًا مِنَ القُرْآنِ، فَعَلِّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى منه. فقال: "قُلْ (٦٠): سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ". قَالَ: هذا لِلَّهِ. فما لىَ؟ قَالَ: " تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى، وَارْحَمْنِى، وَارْزُقْنِى، وَاهْدِنِى، وَعَافِنِى" (٦١). ولا يَلْزَمُه الزِّيَادَةُ على الخَمْسِ الأُوَلِ؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ اقْتَصَرَ عليها، وإنَّمَا زَادَهُ عليها حين طَلَبَ الزِّيَادَةَ. وذكر بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَزِيدُ على هذهِ الخَمْس كَلِمَتَيْنِ، حتى تكونَ مَقَامَ سَبْعِ آياتٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَهُ ذلكَ جَوَابًا لقولِهِ: عَلَّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى. والسؤالُ كالمُعادِ (٦٢) في الجوابِ، فكأنَّهُ قال: يُجْزِئُكَ هذا. وتُفَارِقُ القِرَاءَةَ مِنْ غيرِ الفاتحَةِ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِنْ غيرِ الجِنْسِ، فأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ. فإنْ لم يُحْسِنْ هذه الكلماتِ كلَّها، قال ما يُحْسِنُ منها. ويَنْبَغِى أنْ يَلْزَمَه تَكْرَارُ ما يُحْسِنُ منها بقَدْرِها، كمَنْ يُحْسِن بعضَ الفاتحَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "فإنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وهَلِّلْهُ، وكَبِّرْهُ". رَوَاهُ أبو داوُد (٦٣). ١٥١ - مسألة؛ قال: (فإذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ) وجُمْلَتُه أنَّ التَّأْمِينَ عند فَرَاغِ الفاتحَةِ سُنَّةٌ لِلإِمَامِ والمَأْمُومِ. رُوِىَ ذلك عن ابْنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيرْ، وبه قال الثَّوْرِيُّ، وعطاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، ويحيى بنُ

стр. 667

يحيى، وإسحاقُ، وأبو خَيْثَمة، وابنُ أبي شَيْبَةَ (١)، وسليمانُ بن داوُد (٢)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُسَنُّ (٣) التَّأمِينُ لِلإِمَامِ؛ لمَا رَوَى مالكٌ (٤)، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "إذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ (٥) ". وهذا دليلٌ على أنَّه لا يقُولُها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : "إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا قال: "وَلَا الضَّالِّينَ". قَالَ: "آمِينَ"، ورَفَعَ بها صوتَه، رَوَاهُ أبو داوُد (٧)، ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٨)، وقال: ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. وقال: هو (٩) حديثٌ

стр. 668

حسنٌ، وقد (١٠) قال بلالٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَسْبِقْنِى بآمِينَ" (١١). وحديثُهم لا حُجَّةَ لهم فيه، وإنَّمَا قُصِدَ به تَعْرِيفُهم مَوْضِعَ تَأْمِينِهم، وهو عَقِيبَ قولِ الإِمَامِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. لأنَّهُ مَوْضِعُ تَأْمِينِ الإِمامِ، ليكونَ تَأْمِينُ الإِمامِ والمَأْمُومِين في وقتٍ وَاحِدٍ مُوَافِقًا لِتَأْمِينِ الملائكةِ، وقد جاءَ هذا مُصَرَّحًا به، كما قُلْنَا، وهو مَا رُوِىَ عنِ الإِمامِ أحمدَ، في "مُسْنَدِهِ" (١٢). عن أبي هُرَيْرة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا قال الإِمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا: آمِينَ. فإنَّ المَلَائِكَةَ تَقولُ: آمِين. وَالإِمَامُ يَقُولُ: آمِين. فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّفْظِ الآخَرِ: "إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ". يَعْنِى إذا شَرَعَ في التَّأْمِينِ. فصل: ويُسَنُّ أنْ يَجْهَرَ به الإِمامُ والمأْمُومُ فيما يُجْهَرُ فيه بالقراءَةِ، وإخْفَاؤُها فيما يُخْفَى فيهِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه: يُسَنُّ إخْفَاؤُها؛ لأنَّه دُعَاءٌ. فاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُه كالتَّشَهُّدِ. وَلنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "آمِين". وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، ولأنَّ النَّبِيِّ ﷺ أمَرَ بالتَّأْمِينِ عندَ تَأْمِينِ الإِمامِ، فلو لم يَجْهَرْ بهِ لم يُعَلِّقْ عليه، كحَالَةِ الإِخْفَاءِ (١٣). وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بآخِرِ الفاتحَةِ، فإنَّهُ دُعَاءٌ ويُجْهَرُ به، ودُعاءُ التَّشَهُّدِ تابِعٌ له. فَيَتْبَعُهُ في الإِخْفَاءِ، وهذا تَابِعٌ لِلْقرَاءةِ فَيَتْبَعُها في الجَهْرِ. فصل: فإنْ نَسِىَ الإِمَامُ التَّأْمِينَ أمَّنَ المأْمُومُ، ورَفَعَ صوتَه؛ ليُذَكِّرَ الإِمامَ، فيَأْتِىَ به، لأنَّه سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ إذا تَرَكَها الإِمامُ أتى بها المَأْمُومُ، كالاسْتِعَاذَةِ، وإنْ أَخْفَاها الإِمَامُ جَهَرَ بها المَأْمُومُ؛ لما ذَكَرْنَاهُ. وإنْ تَرَكَ التَّأْمِينَ نِسْيَانًا، أو عَمْدًا، حتى شَرَعَ في قراءَةِ السُّورَةِ، لم يأْتِ به؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحَلُّها.

стр. 669

فصل: في "آمِينَ" لُغَتَانِ؛ قَصْرُ الألفِ، ومَدُّهَا، مع التَّخْفِيفِ فيهما، قال الشَّاعرُ: تَبَاعَدَ مِنِّى فُطْحُلٌ إذ دَعَوْتُهُ ... أَمِينَ فزَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا (١٤) وأنْشدُوا في المَمْدُودِ: يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّى حُبَّهَا أبَدًا ... ويرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قال آمِينَا (١٥) ومعنَى "آمِينَ" اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لي. قالَه الحسنُ. وقيل: هو اسمٌ مِن أسْماء اللهِ . ولا يجُوزُ التَّشْدِيدُ فيها؛ لأنَّه [يُحِيلُ معناها] (١٦)، فيَجْعَلُه بمعنى قاصِدين، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١٧). فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَسْكُتَ الإِمامُ عَقِيبَ قراءةِ الفاتحَةِ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فيها، ويقرأُ فيها مَن خَلْفَهُ الفاتحةَ، كَيْلَا يُنَازِعُوه فيها. وهذا مَذْهبُ الأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعيِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَهُ مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولَنا، ما رَوَى أبو داوُد، وابنُ مَاجَه (١٨)، أنَّ سَمُرَةَ، حَدَّثَ، أنَّه حَفِظَ عن رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 670

سَكْتَتَيْنِ؛ سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسكتةً إذا فَرَغَ مِن قرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَأنْكَرَ عليهِ عِمْرانُ، فكَتَبَا في ذلكَ إلى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، فكان في كتابه إليهِما، أنَّ سَمُرَةَ قد حَفِظَ. قال أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمنِ: للإِمامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فيهما القراءَةَ بفاتحةِ الكتابِ، إذا دَخَلَ في الصلاةِ، وإذا قال ولا الضَّالِّينَ. وقالَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أمَّا أنا فأَغْتَنِمُ مِن الإمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فأقْرَأُ عندها، وحينَ يخْتِمُ السُّورةَ، فأقرا قبلَ أن يركَعَ. وهذا يَدُلُّ على اشْتِهَارِ ذلك فيما بينهم. رَوَاهُ الأثْرَمُ. ١٥٢ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً في ابْتِدائِهَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لا نَعْلَمُ بين أهلِ العِلْمِ خلافًا في أنَّه يُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مع الفَاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِن كل صلاةٍ، ويجْهَرُ بها فيما يجْهَرُ فيه بالفاتحة، [ويُسِرُّها فيما يُسِرُّها] (١) فيه. والأصلُ في هذا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّ أبا قَتَادَةَ رَوَى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يقرأُ في الركعتينِ الأُولَيَيْنِ مِن الظهرِ بفاتحةِ الكتابِ وسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا، وكان يقرأُ في الرَّكْعتينِ الأُولَيَيْنِ مِن العصرِ بفاتحةِ الكتابِ وسورتينِ، يُطَوِّلُ في الأُولى، ويُقَصِّرُ في الثانيةِ، وكانَ يُطوِّلُ في الأُولَى من صلاةِ الصبحِ، ويُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ. وفى رِوَايةٍ: في الظُّهْرِ كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَى أبو بَرْزَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَقْرَأُ في الصبح بالسِّتِّين (٣) إلى المائَة (٤). وقد اشْتَهَرَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ للسورةِ مع الفاتحَةِ في صلاةِ الجَهْرِ، ونُقِلَ نَقْلًا مُتَواترًا، وأمَرَ بهِ مُعَاذًا، فقال: "اقْرَأْ بالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وبِسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ
следующие страницы →