أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القِصاصِ في السِّنِّ؛ للآيةِ وحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ (١)، ولأنَّ القِصاصَ فيها مُمْكِنٌ، لأنَّها مَحْدُودةٌ في نَفْسِها، فوَجَبَ فيها القِصاصُ كالعَيْنِ. وتُؤْخَذُ الصَّحيحةُ بالصَّحيحةِ، وتُؤْخَذُ المَكْسُورةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ بعضَ حَقِّه، وهل يأخذُ مع القِصاصِ أرْشَ الباقِى؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهما فيما مَضَى.
فصل: ولا يُقْتَصُّ إلَّا من سِنِّ مَنْ أثْغَرَ، أي سَقَطَتْ رَوَاضِعُه، ثم نَبَتَتْ. يقال لمن سَقَطَتْ رَواضِعُه: ثُغِرَ، فهو مَثْغُورٌ. فإذا نَبَتَتْ قِيلَ: أثْغرَ. لُغَتان. وإن قُلِعَ سِنُّ مَنْ لم يُثْغِرْ، لم يُقْتَصَّ من الجانِى في الحالِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها تَعُودُ بحُكْمِ العادةِ، فلا يُقْتَصُّ منها كالشَّعْرِ، ثم إن عادَ بَدَلُ السِّنِّ في مَحَلِّها مثلُها على صِفَتِها، فلا شىءَ على الجانِى، كما لو قَلَعَ شَعْرةً ثم نَبَتَتْ. وإن عادَتْ مائلةً عن مَحَلِّها، أو مُتَغيِّرةً عن صِفَتِها، كان عليه حُكومةٌ؛ لأنَّها لو لم تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ، فإذا عادت ناقصةً ضَمِنَ ما نَقَصَ. [وإن عادتْ قصيرةً، ضَمِنَ مَا نَقَصَ] (٢) منها بالحِسابِ، ففى ثُلُثِها ثُلثُ دِيَتِها، وفي رُبْعِها رُبْعُها، وعلى هذا. وإن عادَتْ والدَّمُ يَسِيلُ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَلَ بفِعْلِه. وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ العلمِ بالطِّبَّ، فإن قالوا: قد يُئِسَ من عَوْدِها. فالمَجْنِىُّ عليه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ أو دِيَةِ السِّنِّ. فإن مات المَجْنِىُّ عليه قبلَ الإِيَاسِ من عَوْدِها، فلا قِصاصَ؛ لأنَّ الاسْتِحْقاقَ له غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهةً في دَرْئِهِ، وتجبُ الدِّيَةُ؛ لأنَّ القَلْعَ مَوْجودٌ، والعَوْدَ مشكوكٌ فيه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا مات قبلَ مَجِىءِ وَقْتِ عَوْدِها، أنْ (٣) لا يَجِبَ شيءٌ؛ لأنَّ العادةَ عَوْدُها، فأشْبَه ما لو حَلَقَ شَعْرَه فماتَ قبلَ نَباتِه. فأمَّا إن قَلَعَ سِنَّ مَنْ قد أثْغَرَ، وَجَبَ القِصاصُ له في الحالِ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدَمُ عَوْدِها. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال القاضي: يُسْأَلُ أهْلُ الخِبْرةِ، فإن قالوا: لا تَعُودُ. فله
стр. 6092
القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها. إلى وقتٍ ذكَرُوه، لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوقتُ. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ العَوْدَ، فأشْبَهَتْ سنَّ مَنْ لم يُثْغِرْ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها [إن لم] (٤) تَعُدْ بعدُ (٥)، فلا كَلامَ، وإن عادَتْ، لم يَجِبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قولَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَسْقُطُ الأرْشُ؛ لأنَّ هذه السِّنَّ لا تُسْتَخْلَفُ عادةً، فإذا عادَتْ كانت هِبَةً مُجَدَّدَةً، ولذلك لا يُنْتَظَرُ عَوْدُها في الضَّمانِ. ولَنا، أنَّها سِنٌّ عادَتْ، فسَقَطَ الأرْشُ، كسِنِّ مَنْ لم يُثْغِرْ، ونُدْرَةُ وُجُودِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِها إذا وُجِدَتْ، فعلَى هذا إن كان أخَذَ الأرْشَ، رَدَّه، وإن كان اسْتَوْفَى القِصاصَ، لم يَجُزْ قَلْعُ هذه قِصاصًا؛ لأنَّه لم يَقْصِد العُدْوانَ. وإن عادَتْ سِنُّ الْجانِى دُونَ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُقْلَعُ؛ لئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بسِنٍّ واحدةٍ، وإنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٦). والثانى، تُقْلَعُ وإن عادَتْ مَرَّاتٍ؛ لأنَّه قَلَعَ سِنَّه وأعْدَمَهَا، فكان له إعْدامُ سِنِّه. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْنِ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا، فاقْتَصَّ منه، ثم عادت سِنُّ الْمجنِىِّ عليه، فقَلَعَها الجانِى ثانيةً، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّ سِنَّ المجْنِىِّ عليه لمَّا عادَتْ، وَجَبَ للجانِى عليه دِيَةُ سِنِّه، فلما قَلَعَها، وَجَبَ [على الجانى] (٧) دِيَتُها للمَجْنِىِّ عليه، فقد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيتَقَاصَّانِ.
١٤٥٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَسَرَ بَعْضَهَا، بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِى مِثْلَهُ)
وجملتُه أنَّ القِصاصَ جارٍ في بعضِ السِّنِّ؛ لأنَّ الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ سِنَّ جاريةٍ، فأمَرَ النَّبِىُّ
стр. 6093
- ﷺ بالقِصاصِ (١). ولأنَّ ما جَرَى القِصاصُ في جُمْلَتِه، جَرَى في بعضِه إذا أمْكنَ، كالأُذُنِ، فيُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ والثُّلثُ بالثُّلثِ، وكلُّ جُزْءٍ بمثلِه، ولا يُؤْخَذُ ذلك بالمِساحةِ، كيْلا يُفْضِىَ إلى أخْذِ جميعِ سِنِّ الجانِى ببعض سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ويكونُ القِصاصُ بالمِبْرَدِ؛ ليُؤْمَنَ أخْذُ الزِّيادةِ، فإنَّا لو أخَذْناها بالكَسْرِ، لم نَأْمَنْ أن تَنْصَدِعَ، أو تَنْقَلِعَ، أو تَنْكَسِرَ من غير موضِعِ القِصاصِ. ولا يُقْتَصُّ حتى يقولَ أهلُ الخِبْرةِ: إنَّه يُؤْمَنُ انْقِلاعُها، أو السَّوادُ (٢) فيها؛ لأنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يَمْنَعُ القِصاصَ في الأعْضاءِ، كما لو قُطِعَتْ يَدُه من غيرِ مَ فْصِلٍ . فإن قيل: فقد أجَزْتُم القِصاصَ في الأطْرافِ مع تَوَهُّم سِرَايَتِها إلى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ منه لِتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ إلى بعضِ العُضْوِ؟ قُلْنا: وَهَمُ السِّرَايةِ إلى النَّفْسِ لا سَبِيلَ إلى التَّحَرُّزِ منه، فلو اعْتَبَرْناه في المَنْعِ، لَسَقَطَ القِصاصُ في الأطْرافِ بالكُلِّيَّةِ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، وأمَّا (٣) السِّرايةُ إلى بعضِ العُضْوِ، فتارةً نقولُ إنَّما يَمْنَعُ (٤) القِصاصَ فيها احتمالُ الزِّيادةِ في الفِعْلِ، لا في السِّرايةِ، مثل مَنْ يَسْتَوْفِى من (٥) بعضِ الذِّراعِ، فإنَّه يَحْتَملُ أن يَفْعَلَ أكثرَ ممَّا فُعِلَ به، وكذلك من كَسَرَ سِنًّا ولم يَصْدَعْها، فكَسَرَ المُسْتَوْفِى سِنَّهُ وصَدَعَها، أو قَلَعَها، أو كَسَرَ أكثرَ ممَّا كَسَرَ، فقد زاد على المِثْلِ، والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثلةَ. وتارةً نقولُ: إنَّ السِّرَايةَ في بعضِ العُضْوِ إنَّما تمْنَعُ (٦) إذا كانت ظاهرةً، ومثل هذا يَمْنَعُ في النَّفْسِ، ولهذا مَنَعْناه من الاسْتيفاءِ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومةٍ، وفى وَقْتِ إفْراطِ الحَرارةِ أو البُرُودةِ (٧)، تَحَرُّزًا من السِّرَايةِ.
فصل: ومَنْ قَلَعَ سِنًّا زائدةً، وهى التي تَنْبُتُ فَضْلةً في غيرِ سَمْتِ الأسْنانِ، خارِجةً
стр. 6094
عنها، إمَّا إلى داخلِ الفَمِ، وإمَّا إلى الشَّفَةِ، وكانت (٨) للجانى مثلُها في مَوْضِعِها، فللمَجْنِىِّ عليه القِصاصُ، أو أخْذُ حُكومةٍ في سِنِّه. وإن لم يكُنْ له مثلُها في مَحَلِّها، فليس للمَجْنِىِّ عليه إلَّا الحُكومةُ. وإن كانت إحْدَى الزَّائِدَتينِ أكبرَ من الأخْرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُؤْخَذُ الكُبْرَى بالصُّغْرَى؛ لأنَّ الحُكومةَ فيها أكبرُ، فلا يُقْلَعُ بها ما هو أقَلُّ قيمةً منها. والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّهما سِنَّانِ (٩) مُتَساوِيانِ (١٠) في الموضعِ، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ منهما بالأُخْرَى، كالأصْلِيَّتَيْنِ، ولأنَّ قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١١). عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ. وإن قُلْنا: يَثْبُتُ القِياسُ (١٢) في الزَّائدتَيْنِ بالاجْتِهادِ، فالثابتُ بالاجْتِهادِ مُعْتَبَرٌ بما ثَبَتَ بالنَّصِّ، واختلافُ القِيمَةِ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ جَرَيانِه بين العَبِيِد، وبين الذَّكَرِ والأُنْثى، في النَّفسِ والأطْرافِ، على أنَّ كِبَرَ السِّنِّ لا يُوجِبُ كَثْرةَ قِيمَتِها، فإنَّ السِّنَّ الزَّائدةَ نَقْصٌ وعَيْبٌ، وكثرةُ العيبِ زِيادةٌ في النَّقْصِ، لا فى القِيمَةِ، ولأنَّ كِبَرَ السِّنِّ الأصْلِيَّة لا يَزيدُ قِيمَتَها، فالزائدةُ كذلك.
فصل: ويُؤْخَذُ اللِّسانُ باللِّسانِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١١). ولأنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، فاقْتُصَّ منه، كالعَيْنِ. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا. ولا يُؤْخَذُ لِسانُ ناطِقٍ بلسانِ أخْرَسَ؛ لأنَّه أفْضَلُ منه. ويُؤْخَذُ الأخْرَسُ بالنَّاطقِ؛ لأنَّه بعضُ حَقِّه. ويُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ ببعضٍ؛ لأنَّه أمْكَنَ القِصاصُ في جَمِيعه، فأمْكَنَ في بعضِه، كالسِّنِّ، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، ويُؤْخَذُ منه بالحِسابِ.
فصل: وتُؤْخَذُ الشَّفَةُ بالشَّفَةِ، وهى ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّيْنِ عُلْوًا وسُفْلًا (١٣)؛ لقولِ
стр. 6095
اللَّه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ولأنَّ له حدًّا يَنْتَهِى إليه، يُمْكِنُ القِصاصُ منه، فوَجَبَ، كاليَدَيْنِ.
١٤٥١ - مسألة؛ قال: (ولَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، ولَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ)
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّ إحْداهما تُؤْخَذُ بالأُخْرَى؛ لأنَّهما يَسْتَوِيانِ في الخِلْقةِ والمَنْفَعَةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تَخْتَصُّ باسمٍ، فلا تُؤْخَذُ إحْداهما بالأُخْرَى، كاليَد مع الرِّجْلِ. فعلَى هذا كلُّ ما انْقَسَمَ إلى يَمِينٍ ويَسارٍ، كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والأذُنَيْنِ والمَنْخِرَيْنِ والثَّدْيَيْنِ والأَلْيَتَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ، لا تُؤْخَذُ إحْداهما بالأُخْرَى.
فصل: وما انْقَسَمَ إلى أعْلَى وأسْفَلَ، كالجَفْنَيْنِ والشَّفَتَيْنِ، لا يُؤْخَذُ الأعْلَى بالأسْفَلِ، ولا الأسْفَلُ بالأعْلَى؛ لما ذكرْنا. ولا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ بإصْبَعٍ، إلَّا أن يَتَّفِقَا في الاسمِ والمَوْضِعِ. ولا تؤخذُ أْنْمُلَةٌ بأْنْمُلةٍ، إلَّا أن يَتَّفِقا في ذلك. ولا تُؤْخَذُ عُلْيَا بسُفْلَى ولا وُسْطَى، والوُسْطَى والسُّفْلَى لا تُؤْخَذَان بغيرِهما. ولا تُؤْخَذُ السِّنُّ بالسنِّ إلَّا أن يتَّفِقَ مَوْضِعُهما واسْمُهما. ولا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ ولا سِنٌّ أصْلِيَّةٌ بزائدةٍ، ولا زائدةٌ بأصْلِيَّةٍ، ولا زَائدةٌ بزائدةٍ في غيرِ مَحَلِّها؛ لما ذكرْناه.
فصل: وما لا يَجوزُ أخْذُه قِصاصًا، لا يجوزُ بتَرَاضِيهما واتِّفاقِهما عليه (١)؛ لأنَّ الدِّماءَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ (٢) والبَذْلِ، ولذلك لو بَذَلَها له ابتداءً، لا يَحِلُّ له (٣) أخْذُها، ولا يَحِلُّ لأحدٍ قَتْلُ نَفْسِه، ولا قَطْعُ طَرَفِه، فلا يَحِلُّ لغيرِه ببَذْلِه، فلو ترَاضَيا على قَطْعِ إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الْأُخْرَى، فقَطَعها المُقْتَصُّ، سَقَطَ القَوَدُ؛ لأنَّ القَوَدَ سَقَطَ في الأُولَى بإسْقاطِ صاحِبها، وفى الثانية بإذْنِ صاحِبها في قَطْعِها، ودِياتُهما مُتَساوِيةٌ. وهذا
стр. 6096
قول أبى بكرٍ. وكذلك (٤) قال: لو قَطَعَ المُقْتَصُّ اليَدَ الأُخْرَى عُدْوانًا، لَسَقَطَ القِصاصُ؛ لأنَّهما تَساوَيا في الألَمِ والدِّيَةِ والاسْمِ، فتَقاصَّا وتساقَطَا، ولأنَّ إيجابَ القِصاصِ يُفْضِى إلى قَطْعِ يَدَىْ كلِّ واحدٍ منهما، وإذْهابِ مَنْفَعةِ الجِنْسِ، وإلْحاقِ الضَّرَرِ العظيمِ بهما جميعا. ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ لوُضُوحهِ. وكلُّ واحدٍ من القَطْعَيْنِ (٥) مَضْمُونٌ (٦) بسِرَايتِه (٧)؛ لأنَّه عُدْوانٌ. وقال ابنُ حامدٍ: إن كان أخَذَها عُدْوانًا، فلكلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على صاحِبه، وإن أخَذَها بتَراضِيهِما، فلا قِصاصَ في الثانيةِ؛ لرِضَا صاحِبها ببَذْلِها، وإذْنِه في قَطْعِها، وفى وُجُوبِه في الأولَى وجهان؛ أحدهما، يَسْقُطُ؛ لما ذكَرْنا. والثانى، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه رَضِىَ بتَرْكِه بعِوَضٍ لم يَثْبُتْ له (٨)، فكان له الرُّجُوعُ إلى حَقِّه، كما لو باعَه سِلْعةً بخَمْرٍ وقَبَّضَه إيَّاه. فعلى هذا، له القِصاصُ إلَّا أنَّه لا يَقْتَصُّ إلَّا بعدَ انْدِمالِ الأُخْرَى، وللجانِى دِيَةُ يَدِه. فإذا وَجَبَ للمَجْنِى عليه دِيَةُ يَدِه، وكانت الدِّيَتانِ واحدةً، تَقاصَّا، وإن كانت إحْداهما أكثرَ (٩) من الأُخْرَى، كالرَّجُلِ مع المرأةِ، وجَبَ الفَضْلُ (١٠) لصاحِبِه.
فصل: وإذا قال المُقْتَصُّ للْجانِي: أَخْرِجْ يَمِينَكَ لأَقْطَعَها. فأخْرَجَ يَسارَه، فقَطَعَها، فعلى قولِ أبى بكرٍ، يُجْزِئُ ذلك، سَواءٌ قَطَعَها عالِمًا بها أو غيرَ عالمٍ. وعلى قوْلِ ابن حامدٍ، إن أخْرَجَها عَمْدًا عالمًا بأنَّها يَسارُه، وأنَّها لا تُجْزِئُ، فلا ضَمانَ على قاطِعِها ولا قَوَدَ؛ لأنَّه بذَلَها بإخْراجِه لها لا (١١) على سَبِيلِ العِوَضِ، وقد يقومُ الفِعْلُ في
стр. 6097
ذلك مَقامَ النُّطْقِ، بدليلِ أنَّه لا فَرْقَ بين قَوْلِه: خُذْ هذا فكُلْه. وبين اسْتِدْعاءِ ذلك منه، فيُعْطِيه إيَّاه. ويفارِقُ هذا ما لو قَطَعَ يَدَ إنسانٍ وهو ساكِتٌ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه البَذْلُ، ويُنْظَرُ في المُقْتَصِّ، فإن فَعَلَ ذلك عالِمًا بالحالِ (١٢)، عُزِّرَ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ اللَّه تعالى. وهل يَسْقُطُ القِصاصُ في الْيَمِينِ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، يسقطُ؛ لأنَّ قاطِعَ اليَسارِ تَعَدَّى بقَطْعِها، ولأنَّه قَطَعَ إحْدَى يَدَيْه، فلم يَمْلِكْ قَطْعَ اليَدِ الأُخْرَى، كما لو قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ اليُسْرَى مَكان يَمِينِه، فإنَّه لا يَمْلِكُ قَطْعَ يَمِينِه. والوَجْهُ الثاني، أنَّه لا يَسْقُطُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وفَرّقُوا بين القِصاصِ وقَطْعِ السارِقِ من ثلاثة أوْجُه؛ أحدها، أنَّ الحَدَّ مَبْنِىٌّ على الإِسْقاطِ، بخلافِ القِصاصِ. والثانى، أنَّ (١٣) اليَسارَ لا تُقْطَعُ في السَّرِقةِ وإن عُدِمَتْ يَمينُه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ مَنْفَعةَ الجِنْسِ في الحَدِّ، بخِلافِ القِصاصِ. والثالث، أنَّ اليَدَ لو سَقَطَتْ بأكِلَةٍ (١٤) أو قِصاصٍ، سَقَطَ القَطْعُ في السَّرِقةِ، فجاز أن يَسْقُطَ بقَطْعِ (١٥) اليَسارِ، بخلافِ القِصاصِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ، ويَنْتَقِلُ إلى البَدَلِ، لكن لا تُقْطَعُ يَمِينُه حتى تَنْدَمِلَ يَسارُه؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى ذهابِ نَفْسِه. فإن قيل: أليس لو قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ ويَسارَ آخرَ، لم يُؤَخَّرْ أحَدُهما إلى انْدِمالِ الآخَرِ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أنَّ القَطْعَيْنِ مُسْتَحقَّانِ قِصاصًا، فلهذا جَمَعْنا بينهما، وفي مَسْأَلَتِنا أحَدُهما غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلم نَجْمَعْ بينهما، فإذا انْدَمَلَتِ الْيَسارُ قَطَعْنا اليَمِينَ، فإن سَرَى قَطْعُ اليسارِ إلى نَفْسِه، كانت هَدْرًا، ويجبُ في تَرِكَتِه دِيَةُ اليَمِينِ (١٦)؛ لتَعَذُّرِ الاسْتِيفاءِ فيها بمَوْتِه. وإن قال المُقْتَصُّ منه: لم أعْلَمْ أنَّها اليَسارُ، أو ظَنَنْتُ أنَّها تُجْزِئُ عن اليَمِينِ. نَظَرْتَ في المُسْتَوْفِى، فإن عَلِمَ أنَّها يَسارُه، وأنَّها لا تكونُ قِصاصًا، ضَمِنَها بدِيَتِها ويُعَزَّرُ. وقال بعضُ الشافعيةِ: عليه القِصاصُ؛ لأنَّه قَطَعَها مع العِلْمِ بأنَّه
стр. 6098
ليس له قَطْعُها. ولَنا، أنَّه قَطَعَها ببَذْلِ صاحبِها، فلم يجبْ عليه القِصاصُ، كما لو عَلِمَ باذِلُها. وإن كان جاهِلًا، فلا تَعْزِيرَ عليه، وعليه الضَّمانُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّه بذَلَها له (١٧) على وَجْهِ البَذْلِ، فكانتْ مَضْمُونةً عليه، ولأنَّها مَضْمُونةٌ لو كان القاطِعُ عالمًا بها، وما وَجَبَ ضَمانُه في العَمْدِ، وَجَبَ في الخَطإِ، كإتْلافِ المالِ، والقِصاصُ باقٍ له في اليَمِينِ، ولا تُقْطَعُ حتى تَنْدَمِلَ الْيَسارُ، فإذا انْدَمَلَتْ، فله قَطْعُ الْيَمِينِ (١٨)، فإن عَفَا، وَجَبَ بَدَلُها، ويتقاصَّان، وإن سَرَتِ اليَسارُ إلى نفسِه، كانت مَضْمونةً بالدِّيَةِ الكاملةِ، وقد تعذَّرَ قَطْعُ اليَمِينِ (١٨)، ووَجَبَ له نِصْفُ الدِّيَةِ، فيتقاصَّان به، ويَبْقَى نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثةِ الجانِى. وإن اخْتَلَفَا في بَذْلِها، فقال الجانِى: إنَّما بذَلْتُها بَدَلًا عن اليَمِينِ. وقال المَجْنِىُّ عليه: بذَلْتَها بغيرِ (١٩) عِوَضٍ. أو قال: أخْرَجْتُها دَهْشَةً. فقال: بل عالِمًا. فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، ولأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانَ لا يَبْذُلُ طَرَفَه للقَطْعِ تَبَرُّعًا، مع أنَّ عليه قَطْعًا مُسْتَحقًّا. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وإن كان باذِلُ اليَسارِ مجنونًا مثل أن يُجَنَّ بعدَ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، فعلى قاطِعِها ضَمانُها بالقِصاصِ إن كان عالِمًا، وبالدِّيَةِ إن كان مُخْطِئًا؛ لأنَّ بَذْلَ المجنونِ ليس بشُبْهةٍ. وإن كان مَنْ له القِصاصُ مجنونًا، ومَن عليه القِصاصُ عاقِلًا، فأخْرَجَ إليه يَسارَه أو يَمِينَه فقَطَعها، ذَهَبَتْ هَدْرًا؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ، ولا يجوزُ البَذْلُ له، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أتْلَفَها ببَذْلِ صاحِبها، لكنْ إن كان المقطوعُ اليُمْنَى، وقد (٢٠) تعَذَّرَ استيفاءُ القِصاصِ فيها لتَلَفِها، فيكونُ للمَجْنُونِ دِيَتُها. وإن وَثَبَ المجنونُ عليه فقَطَعَ يَدَه التي لا قِصاصَ فيها، فعلى عاقِلَتِه دِيتُها، وله القِصاصُ في الأُخْرَى، وإن قَطَعَ الأُخْرَى، فهو مُسْتَوْفٍ حَقَّه، في أحَدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّ حَقَّه مُتَعَيِّنٌ فيها، فإذا أخَذَها قَهْرًا، سَقَطَ حَقُّه، كما لو أتْلَفَ وَدِيعَتَه. والثاني، لا يَسْقُطُ حقُّه، وله عَقْلُ يَدِه، وعَقْلُ يَدِ الجاني على عاقِلَتِه؛
стр. 6099
لأنَّ المجنونَ لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ. ويُفارِقُ الوَدِيعةَ إذا أتْلَفها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، وليس لها بَدَلٌ إذا تَلِفَتْ بذلك، واليَدُ بخِلافِه، فإنَّها لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، كانتْ عليه دِيتُها، وكذلك الصغيرُ، وكذلك الحُكْمُ فيهما إذا قَتَلَا قاتِلَ أبِيهما عَمْدًا، وإن اقْتَصَّا من الجانِى ما لا تَحْمِلُه عاقِلَتُه، كما دُونَ الثُّلثِ، كقَطْعِ إصْبَعٍ ونحوِها، سَقَطَ حَقُّهُما؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِى الدِّيَةَ في ذِمَّتِهما، ولهما في ذِمَّةِ الجانِى مثلُ ذلك، فيتقاصَّان. وإن كانت دِيَتُهما مُخْتلِفةً، كالمسلمِ والذِّمِّىِّ، والرجلِ والمرأةِ، فإن قُلْنا: يكُونان مُسْتَوْفِيَيْنِ لحَقِّهِما بالقَطْعِ. لم يَبْقَ لهما حَقٌّ، كما لو أتْلَفَا وَدِيعَتَهُما. وإن قُلْنا: لا يكونان مُسْتَوْفِيَيْنِ. يُقاصُّ من الدِّيَتَيْنِ بقَدْرِ الأدْنَى منهما، ووَجَبَ الفَضْلُ للصَّبِىِّ والمجنونِ. وإن كانت الجنايةُ عليهما أو على وَلِيِّهما خطأً تحملُه العاقِلَةُ، فاسْتَوْفَيا القِصاصَ، لم يَسْقُطْ حَقُّهما، وَجْهًا واحدًا، وكانت دِيَةُ مَن اسْتَوْفَيَا منه على عاقِلَتِهما مُؤَجَّلةً، ودِيَةُ الجنايةِ عليهما أو على ولِيِّهما على عاقِلةِ الجانِى مُؤَجَّلَةً.
فصل: وسِرَايةُ القَوَدِ غيرُ مَضْمُونةٍ. ومعناه أنَّه إذا قَطَعَ طَرَفًا يجبُ القَوَدُ فيه، فاسْتَوْفَى منه المَجْنِىُّ عليه، ثم ماتَ الجانِى بسِرَايةِ الاسْتِيفاءِ، لم يَلْزَم المُسْتَوْفِىَ شيءٌ. وبهذا قال الحسنُ، وابن سِيرِينَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وقال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُو بن دِينار، والحارثُ العُكْلِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِيُّ وأبو حنيفةَ: عليه الضمانُ. قال (٢١) أبو حنيفةَ: عليه كمالُ الدِّيَةِ في مالِه. وقال غيرُه: هي على عاقِلَتِه؛ لأنَّه فَوَّتَ نَفْسَه، ولا يَسْتَحِقُّ إلَّا طَرَفَه، فلَزِمَتْه دِيَتُه، كما لو ضَرَبَ (٢٢) عُنُقَه، ولأنَّها سِرَايةُ قَطْعٍ مَضْمُونٍ، فكانت مَضْمُونةً، كسِرَايةِ الجِنايةِ، والدَّليلُ على أنَّه مَضْمونٌ، [أنه مضمونٌ] (٢٣) بالقَطْعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه في
стр. 6100
مُقابَلَتِه. ولَنا، أنَّ عمرَ، وعَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنهما، قالا (٢٤): مَنْ مات مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ لا دِيَةَ له، الحَقُّ قتلَه. روَاه سعيدٌ بمعناه (٢٥). ولأنَّه قَطْعٌ مُسْتَحَقٌ مُقَدّرٌ، فلا تُضْمَنُ سِرَايَتُه، كقَطْعِ السارقِ. وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه ليس ما فَعَلَه مُسْتَحَقًّا. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين سِرايَتِهِ إلى النَّفْسِ، بأن يَمُوتَ منها، أو إلى ما دُونَها، مثل أن يَقْطَعَ إصْبَعًا فتَسْرِىَ إلى كَفِّه.
فصل: وسِرَايةُ الجِنايةِ مَضْمونةٌ بلا خلافٍ؛ لأنَّها أثَرُ الجِنايةِ، والجِنايةُ مَضْمونةٌ، فكذلك أثَرُها. ثم إن سَرَتْ إلى النَّفْسِ، وما لا يُمْكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثل أن يَهْشِمَه في رَأْسِه فيَذْهَبَ ضَوْءُ عَيْنَيْه، وَجَبَ القِصاصُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفْسِ، وفى ضَوْءِ العينِ خِلافٌ قد ذكَرْناه فيما تقَدَّمَ. وإن سَرَتْ إلى ما يُمْكِنُ مُباشرَتُه بالإِتْلافِ، مثل إن قَطَعَ إصْبَعًا، فتآكَلَتْ أُخْرَى وسَقَطَتْ من مَفْصِلٍ، ففيه القِصاصُ أيضًا، في قولِ إمامِنا، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بن الحسنِ. وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا قِصاصَ في الثانية، وتجِبُ دِيَتُها؛ لأنَّ ما أمْكَنَ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّرَايةِ، كما لو رَمَى سَهْمًا فمَرَقَ منه إلى آخَرَ. ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجِنايةِ، وَجَبَ بالسِّرَايةِ، كالنَّفْسِ وضَوْءِ العَيْنِ، ولأنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأشْبَهَ ما ذكَرْنا (٢٦). وفارَقَ ما ذكَرُوه؛ فإنَّ ذلك فِعْلٌ وليس بسِرَايةٍ، ولأنَّه لو قَصَدَ ضَرْبَ رَجُلٍ فأصابَ آخَرَ، لم يَجِب القِصاصُ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فقَطَعَ سَبَّابَتَه، وجَبَ القِصاصُ، ولو ضَرَبَ إبْهامَه فمَرَقَ إلى سَبَّابَتِه، وجَبَ القِصاصُ فيهما، فافْتَرقَا. ولأنَّ الثانيةَ تَلِفَتْ بفِعْلٍ أوْجَبَ القِصاصَ، فوَجَبَ القِصاصُ فيها، كما لو رَمَى إحْداهما فمَرَقَ إلى الأُخْرَى. فأمَّا إن قَطَعَ إصْبَعًا، فشَلَّتْ إلى جانِبِها أُخْرَى، وَجَبَ
стр. 6101
القِصاصُ في المَقْطُوعةِ حَسْبُ والأرْشُ (٢٧) في الشَّلَّاءِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ فيهما، ويَجِبُ أرْشُهُما جميعًا؛ لأنَّ حُكْمَ السِّرَايةِ لا يَنْفَرِدُ عن الجِنايةِ، بدليلِ ما لو سَرَتْ إلى النَّفْسِ، فإذا لم يَجِبِ القصاصُ في إحْداهما، لم يَجِبْ في الأُخْرَى. ولَنا، أنَّها جِنايةٌ مُوجِبةٌ للقِصاصِ لو لم تَسْرِ، فأوْجَبَتْه إذا سَرَتْ، كالتى تَسْرِى إلى سُقُوطِ أُخْرَى، وكما لو قَطَعَ يَدَ حُبْلَى فسَرَى إلى جَنِينِها. وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه (٢٨). وفارَقَ الأصْلَ؛ لأنَّ السِّرَايةَ مُقْتَضِيةٌ للقِصاصِ، كاقْتِضاءِ الفِعْلِ له، فاسْتَوَى حُكْمُهما، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّ ما ذكَره (٢٨) غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ القَطْعَ إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، سَقَطَ القِصاصُ في القَطْعِ، ووَجَبَ في النَّفْسِ، فخالَفَ حكمُ الجِنايةِ حكمَ السِّرَايةِ، فسَقَطَ ما قاله. إذا ثَبَتَ هذا، فإن الأرْشَ يَجِبُ في مالِه، ولا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه جِنايةُ عَمْدٍ، وإنَّما لم يَجِبِ القِصاصُ فيه لعَدَمِ المُماثلةِ في القَطْعِ (٢٩) والشَّلَلِ، فإذا قَطَعَ إصْبَعَه فشَلَّتْ أصابِعُه الباقِيةُ وكَفُّه، فعَفَا عن القِصاصِ، وَجَبَ له نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن اقْتَصَّ من الإِصْبَعِ، فله في الأصابعِ الباقيةِ أربعونَ من الإِبِلِ، ويَتْبَعُها ما حاذَاها من الكَفِّ، وهو أرْبَعةُ أخماسِه، فيَدْخُلُ أرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمْسُ الكَفِّ فيه وَجْهان؛ أحدهما، يَتْبَعُها في الأرْشِ، فلا (٣٠) شىءَ فيه. والثانى، فيه الحكومةُ؛ لأنَّ ما يُقابِلُ الأرْبَعَ تَبِعَها في الأرْشِ؛ لِاسْتِوائِهِما في الحُكْمِ، وحُكْمُ التي اقْتصَّ منها مُخالِفٌ لحُكْمِ الأرْشِ، فلم يَتْبَعْها.
فصل: ولا يجوزُ القِصاصُ في الطَّرَفِ إلَّا بعدَ انْدِمالِ الجُرْحِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ
стр. 6102
يَرَى الانْتِظارَ بالجُرْحِ حتى يَبْرَأَ. ويتَخَرَّجُ لنا، أنَّه يجوزُ الاقْتِصاصُ قبلَ البُرْءِ، بِناءً على قولِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، يَفْعَلُ به (٣١) كما فَعَلَ. وهذا قولُ الشافعىِّ، قال: ولو سأَلَ القَوَدَ ساعةَ قُطِعَت إصْبَعُه، أقَدْتُه؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَجُلًا طَعَنَ رجلًا بقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقِدْنِي. قال: "حَتَّى تَبْرَأَ". فأبَى، وعَجَّلَ، فاسْتَقادَ له رسولُ اللَّه ﷺ ، فعِيبَتْ رِجْلُ المُسْتَقِيدِ، وبَرأَتْ رجلُ المُسْتَقادِ منه. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَيْسَ لَكَ شَىْءٌ، إنَّكَ (٣١) عَجِلْتَ". رَوَاه سعيدٌ مُرْسَلًا (٣٢). ولأنَّ القِصاصَ من الطَّرَفِ لا يَسْقُطُ بالسِّرَايةِ، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه في الحالِ، كما لو بَرَأَ. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ : نَهَى أن يُسْتَقَادَ من الجارِحِ (٣٣) حتى يَبْرَأَ المَجْرُوحُ. ورواه الدَّارَقُطْنِىُّ (٣٤)، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ . ولأنَّ الجُرْحَ لا يُدْرَى أَقَتْلٌ هو أم ليس بقَتْلٍ، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ ليُعْلَمَ ما حُكْمُه؟ فأمَّا حَدِيثُهم، فقد روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ، وفى سِياقِه، فقال: يا رسولَ اللَّه، عَرَجْتُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى، فأبْعَدَكَ اللهُ، وبَطَلَ عَرَجُكَ". ثم نَهَى أن يُقْتَصَّ من جُرْحٍ حتى يَبْرَأَ صاحِبُه. وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبُولُها، وهى متأَخِّرَةٌ عن الاقْتِصاصِ، فتكونُ ناسِخةً له. وفى نفسِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ اسْتِقادَتَه (٣٥) قبلَ البُرْءِ مَعْصِيَةٌ؛ لقَوْلِه: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى". وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ، وهو مَبْنَى (٣٦) الخِلافِ.
فصل: فإن اقْتَصَّ قبلَ الانْدِمالِ، هُدِرَتْ سِرَايةُ الجِنايةِ. وقال أبو حنيفةَ،
стр. 6103
والشافعيُّ: بل هي مَضْمُونةٌ؛ لأنَّها سِرَايةُ جِنَايةٍ، فكانت مَضْمُونةً، كما لو لم يَقْتَصَّ. ولَنا، الخبرُ المذكورُ، ولأنه اسْتَعْجَلَ ما لم يكُنْ له اسْتِعْجَالُه، فبَطَلَ حَقُّه، كقاتِلِ مَوْرُوثِه، وبهذا فارَقَ مَنْ لم يَقْتَصَّ. فعلى هذا، لو سَرَى القَطْعانِ جميعًا، فمات الجاني والمُسْتَوْفِى، فهما هَدْرٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ ضَمانُ كلِّ واحدٍ منهما؛ [لأنَّ سِرَايةَ كلِّ واحدٍ منهما] (٣٧) مَضْمونةٌ، ثم يتقاصَّان فيَسْقُطانِ. وقال الشافعيُّ: إن ماتَ المَجْنِىُّ عليه أَوَّلًا، ثم مات الجانِى، كان قِصاصًا به (٣٨)؛ لأنَّه مات من سِرَايةِ القَطْعِ، فقد مات بفِعْلِ المَجْنِىِّ عليه، وإن مات الجانِى، فكذلك في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يكونُ مَوْتُ الجانِى هَدْرًا، ولوَلِىِّ المَجْنِى عليه نِصْفُ الدِّيَةِ. فأمَّا إن سَرَى أحدُ القَطْعَيْنِ دون صاحِبِه، فعندَنا هو هَدْرٌ، لا ضَمانَ فيه. وعند أبى حنيفةَ، يجبُ ضَمانُ سِرَايتِه. وعندَ الشافعىِّ، إن سَرَتِ الجِنايةُ فهى مَضْمُونةٌ، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ ضَمانُه. ومَبْنَى ذلك على ما تقَدَّمَ من الخِلافِ.
فصل: وإن انْدَمَلَ جُرْحُ الجِنايةِ، فاقْتَصَّ منه، ثم انْتَقَضَ فسَرَى، فسِرَايَتُه مَضْمُونةٌ، وسِرَايةُ الاسْتِيفاءِ غيرُ مَضْمُونةٍ؛ لأنَّه اقْتَصَّ بعدَ جَوازِ الاقْتِصاصِ. فعلى هذا، لو قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، فبَرَأ، فاقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المَجْنِىِّ عليه، فمات، فلوَلِيِّه قَتْلُ الجانِى، لأنَّه مات من جِنَايَتِه، وإن عَفَا إلى الدِّيَةِ، فلا شىءَ له، لأنَّه اسْتَوْفَى بالقَطْعِ ما قِيمَتُه دِيَةٌ وهو يَدَاه، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ أيضًا شيءٌ؛ لأنَّ القِصاصَ قد سَقَطَ بَمْوتِه، والدِّيَةُ لا يُمْكِنُ إِيجابُها؛ لما ذكرْنا. وإن كان المَقْطُوعُ بالجِنايةِ يَدًا، فوَلِيُّه بالخِيارِ بين القِصاصِ في النَّفْسِ وبين العَفْوِ إلى نِصْفِ الدِّيَةِ. ومتى سَقَطَ القِصاصُ بمَوْتِ الجانِى أو غيرِه، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ في تَركَةِ الجانِى، أو مالِه إن كان حَيًّا.
стр. 6104
فصل: ولو قَطَعَ كِتَابِىٌّ يَدَ مسلمٍ، فبَرَأ واقْتَصَّ (٣٩)، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المُسْلِمِ فمات، فلوَلِيِّه قَتْلُ الكِتَابِىِّ، والعَفْوُ إلى أرْشِ الجُرْحِ، وفى قَدْرِه وَجْهان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدِه بالقِصاصِ، وبَدَلُها نِصْفُ دِيَتِهِ، فبَقِىَ له نِصْفُها، كما لو كان القاطِعُ مُسْلِمًا. والثانى، له ثلاثةُ أرْباعِها؛ لأنَّ يَدَ اليَهُودِىِّ تَعْدِلُ نِصْفَ دِيَتِه، وذلك رُبْعُ دِيَةِ المسلمِ، فقد اسْتَوْفَى رُبْعَ دِيَتِه، وبَقِىَ له ثلاثةُ أرْباعِها. وإن كان قَطَعَ يَدَىِ المسلمِ، فاقْتَصَّ منه، ثم مات المسلمُ، فعَفَا وَلِيُّه إلى مالٍ، انْبَنَى على الوَجْهَيْنِ؛ إن قُلْنا: تُعْتَبَرُ قِيمةُ اليَهُودِىِّ. فله ههُنا نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن قُلْنا: الاعتبارُ بقِيمَةِ يَدِ المسلمِ. فلا شىءَ له ههُنا؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدَيْه، وهما جَمِيعُ دِيَتِهِ. ولو كان القَطْعُ في يَدَيْه ورِجْلَيْه، فعَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له شيءٌ، وجهًا واحدًا؛ لأنَّ دِيَةَ ذلك دِيَةُ مسلمٍ. ولو كان الجانِى امرأةً على رجلٍ، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا سَواءً؛ لأنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
فصل: إذا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ من الكُوعِ، ثم قَطَعَها آخَرُ من المَرْفِقِ، فمات بسِرَايَتِهما، فلوَلِيِّه قَتْلُ القاطِعَيْنِ، وليس له أن يَقْطَعَ طَرَفَيْهِما، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، له قَطْعُ يَدِ القاطعِ من الكُوعِ. فإن قَطَعَها، ثم عَفَا عنه، فله نِصْفُ الدِّيَةِ، وأمَّا الآخَرُ، فإن كانتْ يَدُه مَقْطوعةً من الكُوعِ، فقَطَعَها من المَرْفِقِ، ثم عَفَا، فله دِيَةٌ، [إلَّا قَدْرَ] (٤٠) الحكومةِ في الذِّرَاعِ. ولو كانت يَدُ القاطعِ من المَرْفِقِ صَحِيحةً، لم يَجُزْ قَطْعُها، رِوَايةً واحدةً؛ لأنَّه يأخُذُ صَحِيحةً بمَقْطُوعةٍ. وإن قَطَعَ أيْدِيَهما، وهما صَحِيحَتانِ، أو قَطَعَ رَجُلانِ يَدَيْهِ، فقَطَعَ يَدَيْهِما، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فمات من قَطْعِهِما، فليس لوَلِيِّه العفوُ على الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى ما قِيمَتُه دِيَةٌ. وإن اختار قَتْلَهُما، فله ذلك.
стр. 6105
فصل (٤١): ولا يجوزُ أن يقْتَصَّ من حامِلٍ قبلَ وَضْعِها، سواءٌ كانت حامِلًا وقتَ الجنايةِ، أو حَمَلَتْ بعدَها قبلَ الاسْتِيفاءِ، وسواءٌ كان القِصاصُ في النَّفْسِ أو في الطَّرَفِ؛ أمَّا في النَّفْسِ فلِقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٤٢). وقَتْلُ الحاملِ قتلٌ لغيرِ القاتلِ، فيكونُ إسْرافًا. ورَوَى ابن ماجَه (٤٣)، بإسنادِه عن عبدِ الرحمنِ بن غَنْمٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن جَبَلٍ، وأبو عُبَيْدةَ بن الجَرَّاحِ، وعُبَادةُ بن الصامِتِ، وشَدَّادُ بن أوْسٍ، قالوا: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ عَمْدًا، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ مَا في بَطْنِها إنْ كَانَتْ حَامِلًا، وحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا، وإنْ زَنَتْ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بطْنِها، وحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَها". وهذا نَصٌّ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال للْغامِدِيَّةِ المُقِرَّةِ بالزِّنَى: "ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِي بَطْنِكِ". ثم قال لها: "ارْجِعِى حَتَّى تُرْضِعِيهِ" (٤٤). ولأنَّ هذا إجْماعٌ من أهلِ العلمِ لا نعلمُ بينهم فيه اخْتِلافًا. وأمَّا القِصاصُ في الطَّرفِ، فلأنَّنا مَنَعْنا الاسْتِيفاءَ فيه خَشْيةَ السِّرَايةِ إلى الجانِى، أو إلى زِيادَةٍ في حَقِّه، فَلأَنْ نَمْنَعَ منه خَشْيةَ السِّرايةِ إلى غيرِ الجانِى، وتَفْوِيتِ (٤٥) نَفْسٍ مَعْصُومةٍ، أَوْلَى وأَحْرَى، ولأنَّ في القِصاصِ منها قَتْلًا لغيرِ الجانِى، وهو حَرامٌ. وإذا وضَعَتْ، لم تُقْتَلْ حتى تَسْقِىَ الوَلَدَ اللِّبَأَ؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يَعِيش إلَّا به في الغالِبِ، ثم إن لم يَكُنْ للوَلَدِ مَنْ يُرْضِعُه، لم يَجُزْ قَتْلُها حتى يَجِىءَ أوَانُ فِطَامِه؛ لما ذكرْنا من الخَبَرَيْنِ، ولأنَّه لمَّا أُخِّرَ الاسْتِيفاءُ لحِفْظهِ وهو حَمْلٌ، فَلأنْ يُؤَخَّرَ لحِفْظِه بعدَ وَضْعِه أَوْلَى، إلَّا أن يكونَ القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ، ويكونَ الغالبُ بقاءَها، وعَدَمَ ضَرَرِه بالاسْتِيفاءِ منها، فيُسْتَوْفَى. وإن وُجِدَ له مُرْضِعَةٌ راتِبةٌ، جاز قَتْلُها؛ لأنَّه يَسْتَغْنِى بلَبَنِها، وإن كانتْ مُتَرَدِّدةً، أو
стр. 6106
جماعةً يَتَنَاوَبْنَه، أو أمْكَنَ أن يُسْقَى من لَبَنِ شاةِ أو نحوِها، جاز قَتْلُها. ويُسْتَحَبُّ للوَلِىِّ تَأْخِيرُها؛ لما على الوَلدِ من (٤٦) الضَّرَرِ، لِاخْتِلافِ اللَّبَنِ عليه، وشُرْبِ لَبَنِ البَهِيمةِ.
فصل: وإذا ادَّعَتِ الحَمْلَ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تُحْبَسُ حتى يتَبَيَّنَ حَمْلُهَا؛ لأنَّ للحَمْلِ أماراتٍ خَفِيَّةً، تَعْلَمُها من نَفْسِها، ولا يَعْلَمُها غيرُها، فوَجَبَ أن يُحْتَاطَ للحَمْلِ، حتى يتَبَيَّنَ انْتِفاءُ ما ادَّعَتْه، ولأنَّه أمْرٌ يَخْتَصُّها، فقُبِلَ قَوْلُها فيه، كالحَيْضِ. والثانى، ذكَرَه القاضي، أنَّها تُرَى أَهْلَ الخِبْرَةِ، فإن شَهدْنَ بحَمْلِها أُخِّرَتْ، وإن شهدنَ ببَراءَتِها لم تُؤَخَّر؛ لأنَّ الحَقَّ حالٌّ عليها، فلا يُؤَخَّرُ بمُجَرَّدِ دَعْواها.
فصل: وإن اقْتَصَّ من حاملٍ فقد أَخْطَأَ، وأخْطَأَ السُّلْطانُ الذي مَكَّنَه من الاسْتِيفاءِ، وعليهما الإِثْمُ إن كانا عالِمَيْنِ، أو كان منهما تَفْرِيطٌ، وإن عَلِمَ أحَدُهُما أو فَرَّطَ، فالإِثْمُ عليه، ثم نَنْظُرُ؛ فإن لم تُلْقِ الولَدَ، فلا ضَمَانَ فيه؛ لأنَّا لم نَتَحَقَّقْ وُجُودَه وحَياتَه، وإن انْفَصَلَ مَيِّتًا أو حَيًّا لوَقْتٍ لا يَعِيشُ في مثلِه، ففيه غُرّةٌ، وإن انْفَصَلَ حيًّا لوقتٍ يعيشُ مثلُه، ثم ماتَ من الجِنايةِ، وجَبَتْ فيه دِيَةٌ. وعلى مَنْ يَجِبُ ضَمانُه؟ نَنْظُرُ؛ فإن كان الإِمامُ والوَلِىُّ عالِمَيْنِ بِالحَمْلِ وتَحْريمِ الاسْتِيفاءِ، أو جاهِلَيْنِ بالأمْرَيْنِ، أو بأحَدِهما، أو كان الولِىُّ عالمًا بذلك دُونَ المُمَكِّنِ له من الاسْتيفاءِ، فالضَّمانُ عليه وَحْدَه؛ لأنَّه مُباشِرٌ، والحاكمُ المُمَكِّنُ له صاحبُ سَبَبٍ، ومتى اجْتَمَعَ المباشرُ مع المُتَسَبِّبِ، كان الضمانُ على المُباشِرِ دونَ المُتَسَبِّبِ، كالحافرِ مع الدَّافعِ، وإن عَلِمَ الحاكمُ دُونَ الوَلِىِّ، فالضمانُ على الحاكمِ وحدَه؛ لأنَّ المُباشِرَ مَعْذُورٌ، فكان الضَّمانُ على المُتسَبِّبِ، كالسَّيِّدِ إذا أمَرَ عَبْدَه بالقَتْلِ، والعَبْدُ أَعْجَمِىٌّ لا يَعْرِفُ تَحْريمَ القَتْلِ، وكَشُهُودِ القِصاصِ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ بعد الاسْتِيفاءِ. وقال القاضي: إن كان أحَدُهما عالمًا وحدَه، فالضَّمانُ عليه وحدَه، وإن كانا عالِمَيْنِ، فالضمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه الذي يَعْرِفُ الأحكامَ، والوَلِىُّ إنَّما يَرْجِعُ إلى حُكْمِه واجْتهادِه،
стр. 6107
وإن كانا جاهِلَيْنِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، الضمانُ على الإِمامِ، كما (٤٧) لو كانا عالِمَيْنِ. والثانى، على الوَلِىِّ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: الضَّمانُ على الحاكمِ، ولم يُفَرِّقْ. وقال المُزَنِىُّ: الضَّمانُ على الوَلِىِّ في كلِّ حالٍ؛ لأنَّه المُباشِرُ، والسَّبَبُ غيرُ مُلْجِىءٍ، فكان الضَّمانُ عليه، كالحافرِ مع الدَّافعِ، وكما لو أمَرَ من يَعْلَمُ تَحْريمَ القَتْلِ به فقَتَلَ. وقد ذكرْنا ما يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ. واللهُ أعلمُ.
١٤٥٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ الْقَاطِعُ سَالِمَ الطَّرَفِ، والمَقْطُوعَةُ شَلَّاءَ، فَلَا قَوَدَ)
لا نعلمُ أحدًا من أهلِ العلمِ قال بوُجُوبِ قَطْعِ يَدٍ أو رِجْلٍ أو لِسانٍ صحيحٍ بأشَلَّ، إلَّا ما حُكِىَ عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ ذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما مُسَمًّى باسْمِ صاحِبِه، فيُؤْخَذُ به، كالأُذُنَيْنِ. ولَنا، أنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها سِوَى الجمالِ، فلا يُؤْخَذُ بها ما فيه نَفْعُه (١)، كالصَّحِيحةِ (٢) لا تؤْخَذُ بالقائمةِ (٣)، وما ذُكِرَ له قِياسٌ، وهو لا يقولُ بالقياسِ، وإذا لم يُوجِبِ القِصاصَ في العَيْنَيْنِ مع قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٤). لأجْلِ تَفَاوُتِهِما في الصِّحَّةِ والعَمَى، فلأَنْ لا يُوجبَ (٥) ذلك فيما لا نَصَّ فيه أَوْلَى.
فصل: وإن قَطَعَ أُذُنًا شَلَّاءَ، أو أنْفًا أشَلَّ، فهل يُؤْخَذُ به الصَّحِيحُ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يُؤْخَذُ به، كسائرِ الأعْضاءِ. والثانى، يُؤْخَذُ به؛ لأنَّ نَفْعَه لا يَذْهَبُ بشَلَلِه، فإنَّ نَفْعَ الأُذُنِ جَمْعُ الصَّوْتِ، ورَدُّ الهَوَامِّ، وسَتْرُ مَوْضِعِ السَّمْعِ، ونَفْعَ الأَنْفِ جَمْعُ الرِّيحِ، ورَدُّ الهَواءِ والهَوَامِّ (٦)، فقد ساوَى الصَّحِيحَ في الجمالِ والنَّفْعِ،
стр. 6108
فوَجَبَ أخْذُ كلِّ واحدٍ منهما بالآخَرِ، كالصَّحِيحِ بالصَّحِيحِ، بخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ. وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن.
فصل: ولا تُؤْخَذُ يَدٌ كامِلةُ الأصابعِ بناقِصَةِ الأصابعِ، فلو قَطعَ مَنْ له خَمْسُ أصابِعَ يَدَ مَنْ له أَرْبَعٌ أو ثلاثٌ، أو قَطعَ مَنْ له أرْبَعُ أصابعَ يَدَ مَنْ له ثلاثٌ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأنَّها فَوْقَ حَقِّه. وهل له أن يَقْطعَ من أصابعِ الجانِى بعَدَدِ أصابِعِه؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهما فيما إذا قَطعَ من نِصْفِ الكَفِّ. وإن قَطَعَ ذُو اليَدِ الكاملةِ يَدًا فيها إصْبَعٌ شَلَّاءُ وباقِيها صِحاحٌ، لم يَجُزْ أخْذُ الصَّحِيحةِ بها؛ لأنَّه أخْذُ كامِلٍ بناقِصٍ. وفى الاقْتِصاصِ من الأصابعِ الصِّحاحِ وَجْهان، فإن قُلْنا: له أن يَقْتَصَّ. فله الحُكومةُ في الشَّلَّاءِ، وأَرْشُ ما تَحْتَها من الكَفِّ. وهل يَدْخُلُ ما تحت الأصابعِ الصِّحاحِ في قِصَاصِها، أو تَجِبُ فيه حُكومةٌ؟ على وَجْهَيْنِ.
فصل: وإن قَطَعَ اليَدَ الكاملةَ ذُو يَدٍ فيها إصْبَعٌ زائدٌ، وَجَبَ القِصاصُ فيها. ذكره أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّ الزَّائدةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في المَعْنَى، يُرَدُّ بها المَبيعُ، فلا (٧) يَمْنَعُ وجودُها القِصاصَ منها، كالسَّلْعةِ فيها والخُراجِ. واخْتار القاضي أنَّها لا تُقْطَعُ بها. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها زِيادةٌ. فعلى هذا، إن كان للمَجْنِىِّ عليه أيضًا إصْبَعٌ زائدةٌ في مَحَلِّ الزَّائدةِ من الجانِى، وَجَبَ القِصاصُ؛ لِاسْتِوائِهما، وإن كانت في غيرِ مَحَلِّها، أو لم يَكُنْ للمَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زائدةٌ، لم تُؤْخَذْ يَدُ الجانِى. وهل يَمْلِكُ قَطْعَ الإِصْبَعِ (٨)؟ نَنْظُرُ؛ فإن كانت الزَّائدةُ مُلْصَقَة بأحَدِ الأصابعِ، فليس له قَطْعُ تلك الأصابعِ، لأنَّ في قَطْعِها إضْرارًا بالزَّائدةِ. وهل له قَطْعُ الأصابعِ الأرْبعِ؟ على وَجْهَين. وإن لم تكُنْ ملصقةً بواحدةٍ منهنَّ، فهل له قطعُ الخَمْسِ؟ على وَجْهين. وإن كانت الزَّائدةُ ثابتةً في إصْبعٍ في أُنْمُلَتِها العُلْيَا، لم يَجُزْ قَطْعُها. وإن كانت نابِتَةً في
стр. 6109
السُّفْلَى أو الوُسْطَى، فله قطعُ ما فَوْقَها من الأنامِلِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. ويَأْخُذُ (٩) أرْشَ الأنْمُلَةِ التي تَعَذَّرَ قَطْعُها، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَتْبَعُ ذلك خُمْس الكَفِّ.
فصل: وإن قَطَعَ ذويَدٍ لها أظْفارٌ يَدَ مَنْ لا أظفارَ له، لم يَجُز القِصاصُ؛ لأنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذُ بالنَّاقصةِ. وإن كانت المقطوعةُ ذاتَ أظْفارٍ، إلَّا أنها خَضْراءُ، أو مُسْتَحْشِفَةٌ، أخَذْنا بها السَّلِيمةَ؛ لأن ذلك عِلَّةٌ ومَرَضٌ، والمَرَضُ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ أنَّا نأخُذُ الصَّحِيحَ بالسَّقِيمِ.
١٤٥٣ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ الْقَاطِعُ أشَلَّ، والْمَقْطُوعَةُ سَالِمَةً، فَشَاءَ الْمَظْلُومُ أخْذَهَا، فَذلِكَ لَهُ، ولَا شَىْءَ لَهُ غَيْرُهَا. وإنْ شَاء عَفَا، وأخَذَ دِيَةَ يَدِهِ)
أمَّا إذا اخْتار الدِّيَةَ، فله دِيَةُ يَدِه، لا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه عَجَزَ عن اسْتِيفاءِ حَقِّه على الكَمالِ بالقِصاصِ، فكانتْ له الدِّيَةُ، كما لو لم يكُنْ للقاطعِ يَدٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وإن اختارَ القِصاصَ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرةِ، فإن قالوا: إنَّه إذا قُطِعَ لم تَنْسدَّ العُرُوقُ، ودَخَلَ الهواءُ إلى البَدَنِ فأفْسَدَه. سَقَطَ القِصَاصُ؛ لأنَّه لا يجوزُ أخْذُ نَفْسٍ بطَرَفٍ. وإن أُمِنَ هذا، فله القِصاصُ؛ لأنَّه رَضِىَ بدُونِ حَقِّه، فكان له ذلك، كما لو رَضِىَ المُسْلِمُ بالقِصاصِ من الذِّمِّىِّ، والرَّجُلُ من المرأةِ، والجُرُّ من العبدِ، وليس له مع القِصاصِ أرْشٌ؛ لأنَّ الشَّلَّاءَ كالصَّحِيحةِ في الخِلْقةِ، وإنَّما نَقَصَتْ في الصَّفَةِ، فلم يكُنْ له أرْشٌ، كالصُّوَرِ التي ذكَرْناها. وقال أبو الخَطَّابِ: عندِى له أرْشٌ مع القِصاصِ. على قياسِ قولِه في عَيْنِ الأعْوَرِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ إلْحاقَ هذا الفَرْعِ بالأُصُولِ المُتَّفَقِ عليها، أَوْلَى من إلْحاقِه بفَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فيه، خارجٍ عن الأُصُولِ، مُخالِفٍ للقِياسِ.
فصل: وتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ بالشَّلَّاءِ، إذا أُمِنَ في الاسْتِيفاءِ الزِّيادةُ. وقال أصحابُ
стр. 6110
الشافعىِّ، لا تُؤْخَذُ بها، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ الشَّلَلَ (١) عِلَّةٌ (٢)، والعِلَلُ يَخْتلِفُ تأثِيرُها في البَدْنِ، فلا تَتَحَقَّقُ المُماثَلةُ بينهما. ولَنا، أنَّهما مُتَماثِلانِ في ذاتِ العُضْوِ وصِفَتِه، فجاز أخْذُ إحْداهما بالأُخْرَى، كالصَّحِيحةِ بالصَّحِيحةِ.
فصل: وتُؤْخَذُ النَّاقِصةُ بالنَّاقِصةِ، إذا تساوَتَا فيه، بأن يكونَ المَقْطوعُ من يَدِ الجانِى كالمَقْطوعِ من يَدِ المَجْنِىِّ عليه؛ لأنَّهما تساوَتَا في الذَّاتِ والصِّفَةِ. فأمَّا إن اختَلَفا، فكان المقطوعُ من يَدِ أحدِهما الإِبْهامَ، ومن الأُخْرَى إصْبَعَ غيرِها، لم يَجُزِ القِصاصُ؛ لأنَّ فيه أخْذَ إصْبَعٍ بغيرِها. وإن كانت يَدُ أحَدِهما ناقصةً إصْبعًا، والأُخْرَى ناقصةً تلك الإِصْبَعَ وأُخْرَى (٣)، جاز أخْذُ النَّاقِصةِ إصْبَعَيْنِ بالنَّاقصةِ إصْبَعًا. وهل له أرْشُ إصْبَعِه الزَّائدةِ؟ فيه وَجْهان. ولا يجوزُ أخْذُ الأُخْرَى بها؛ لأنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذُ بالنَّاقصةِ.
فصل: ويجوزُ أخْذُ النَّاقصةِ بالكاملةِ؛ لأنَّها دون حَقِّه. وهل له أخْذُ دِيَةٍ لأصابعِ النَّاقصةِ؟ على وَجْهَين؛ أحدهما، له ذلك. وهو قولُ الشافعىِّ، واختيارُ ابنِ حامدٍ. والثانى، ليس له مع القِصاصِ أرْشٌ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى الجَمْعِ بين قِصاصٍ (٤) ودِيَةٍ في عُضْوٍ واحدٍ. وقال القاضي: قِياسُ قولِه سُقُوطُ القِصاصِ، كقولِه في مَن قُطِعَتْ يَدهُ من نِصْفِ الذِّرَاعِ، وليس كذلك؛ لأنَّه يَقْتَصُّ من مَوْضِعِ الجِنايةِ، ويَضَعُ الحَدِيدَةِ في مَوْضع وضَعها الجانى، فمَلَكَ ذلك، كما لو جَنَى عليه فوقَ المُوضِحَةِ، أو كان رأَسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، أو أخَذَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحةِ. ويُفارِقُ القاطِعَ من نِصْفِ الذراعِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِصاصُ من مَوْضِعِ الجنايةِ. هكذا حكاه الشَّرِيفُ، عن أبي بكرٍ.
стр. 6111
فصل: وإن كانتْ يَدُ القاطعِ والمَجْنِىِّ عليه كامِلَتَيْنِ، [و] في يَدِ المَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زائدةٌ، فعلى قولِ ابنِ حامدٍ، لا عِبْرَةَ بالزَّائدةِ؛ لأنَّها بمنزلةِ الخُرَاجِ والسَّلْعةِ. وعلى قولِ غيرِه، له قَطْعُ يَدِ الجانِى. وهل له حُكومةٌ في الزَّائدةِ؟ على وَجْهَيْنِ. وإن قَطَعَ مَنْ له خَمْسُ أصابعَ أصْلِيَّةٍ، كَفَّ مَنْ له أرْبَعُ أصابِعَ أصْلِيَّةٍ، وإصْبَعٌ زائدةٌ، أو قَطَعَ مَنْ له أرْبَعُ أصابعَ أصْلِيَّةٌ (٥) وإصْبَعٌ زائدةٌ، كَفَّ مَنْ له خَمْسُ أصابعَ أصْلَيةٍ، فلا قِصاصَ في الصُّورةِ الأُولَى؛ لأنَّ الأصْليَّةَ لا تُؤْخَذُ بالزَّائدةِ. وله القِصاصُ في الصُّورةِ الثانية، في قولِ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّ الزَّائدةَ لا عِبْرةَ بها. وقال غيرُه: إن لم تكُن الزَّائدةُ في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، فلا قِصاصَ أيضًا؛ لأنَّ الإصْبَعَيْنِ مُخْتلفانِ. وإن كانتْ في مَحَلِّ الأصْليَّةِ، فقال القاضي: يَجْرِى القِصاصُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، ولا شىءَ له لنَقْصِ الزَّائدةِ. وهذا فيه نَظَرٌ؛ فإنَّها متى كانت في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، كانت أصْلِيَّةً، لأنَّ الزَّائدةَ هي التي زادَتْ عن عَدَدِ الأصابعِ، أو كانتْ في غيرِ مَحَلِّ الأصابِعِ، وهذا له خَمْسُ أصابعَ في مَحَلِّها، فكانت كلُّها أصْلِيَّةً. فإن قالوا: معنى كَوْنِها زائدةً، أنَّها ضَعِيفةٌ مائلةٌ عن سَمْتِ الأصابعِ. قُلْنا: ضَعْفُها لا يُوجِبُ كَوْنَها زائدةً، كذَكَرِ العِنِّينِ، وأمَّا مَيْلُها عن سَمْتِ (٦) الأصابعِ، فإنَّها إن لم تكُنْ نابِتةً في مَحَلِّ الإِصْبَعِ المَعْدومةِ، فَسَدَ قولُهم إنَّها في مَحَلِّهَا، وإن كانت نابتةً في مَوْضِعِها، وإنَّما مالَ رأسُها واعْوَجَّتْ، فهذا مَرَضٌ لا يُخْرِجُها عن كَوْنِها أصْلِيَّةً.
فصل: وإذا قَطَعَ إصْبَعَه، فأصابَه من جُرْحِها أَكِلَةٌ في يَدِه، وسَقَطَتْ من مَفْصِلٍ، ففيها القِصاصُ. وإن بادَرَهَا صاحِبُها، فقَطَعَها من الكُوعِ، لئَلَّا تَسْرِىَ إلى سائرِ جَسَدِه، ثم انْدَمَلَ جُرْحُه، فعلى الجانِي القِصاصُ في الإِصْبَعِ، والحُكومةُ فيما تأكَّلَ من الكَفِّ، ولا شىءَ عليه فيما قَطَعَه الْمَجْنِىُّ عليه؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلِه. وإن لم
стр. 6112
يَنْدَمِلْ، ومات من ذلك، فالجانِى شَرِيكُ نفسِه، فيَحْتَمِلُ وُجوبَ القِصاصِ عليه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ بحالٍ؛ لأنَّ فِعْلَ المَجْنِى عليه (٧)، إنَّما قَصَدَ به المَصْلحةَ، فهو عَمْدُ الخَطَإِ، وشَرِيكُ الخاطىءِ لا قِصاصِ عليه، ويكونُ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن قَطَعَ المَجْنِىُّ عليه مَوْضِعَ الأكِلَةِ، نَظَرْتَ؛ فإن قَطَعَ لَحْمًا مَيِّتًا، ثم سَرَتِ الجنايةُ، فالقِصاصُ على الجانِى؛ لأنَّه سِرَايةُ جُرْحِه خاصَّةً، وإن كان في لَحْمٍ حَىٍّ، فمات، فالحكمُ فيه كما لو قَطَعَها خَوْفًا من سِرَايَتِها.
فصل: وإذا قَطَعَ أُنْمُلةً لها طَرَفانِ، إحْداهما زائدةٌ والأُخْرَى أصْلِيَّةٌ، فإن كانت أنْمُلةُ القاطِعِ ذاتَ طَرَفَيْنِ أيضًا، أُخِذَتْ بها، وإن لم تكُنْ ذاتَ طَرَفَيْنِ. قُطِعَتْ، وعليه حُكومةٌ في الزَّائدةِ. وإن كانت المَقْطوعةُ ذاتَ طرفٍ واحدٍ، وأُنْمُلةُ القاطِعِ ذاتُ طَرَفَيْنِ، أُخِذَتْ بها، في قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ غيرِه؛ لا قِصاصَ فيها، وله دِيَةُ أُنْمُلَتِه. وإن ذَهَبَ الطَّرَفُ الزَّائدُ، فله الاسْتِيفاءُ. وإن قال: أنا أصْبِرُ حتى يَذْهَبَ الزَّائدُ ثم أقْتَصُّ. فله ذلك؛ لأنَّ القِصاصَ حَقُّه، فلا يُجْبَرُ على تَعْجِيلِ اسْتِيفائِه.
فصل: ولو قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ثم قَطَعَ أُنْمُلةَ آخَرَ الوُسْطَى، ثم قَطَعَ السُّفْلَى من ثالثٍ، فللأَوَّلِ القِصاصُ من العُلْيَا، ثم للثاني أن يَقْتَصَّ من الوُسْطَى، ثم للثالثِ أن يَقْتَصَّ من السُّفْلَى، سواءٌ جاءُوا دَفْعةً واحدةً، أو واحدًا بعدَ واحدٍ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ إلَّا في العُلْيَا؛ لأنَّه لم يَجِبْ في غيرها حالَ الجِنايةِ، لتَعَذُّرِ اسْتِيفائِه، فلم يَجِبْ بعدَ ذلك كما لو كان غيرَ مُكَافىءٍ حالَ الجِنايةِ، ثم صار مُكافِئًا بعدَه. ولَنا، أنَّ تَعَذُّرَ القِصاصِ لاتصالِ مَحَلِّه بغيرِه لا يَمْنَعُه إذا زال الاتِّصالُ، كما لو جَنَتِ الحامِلُ. ويفارِقُ عَدَمَ التكافُؤِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ لَمَعْنًى فيه، وههُنا تعذَّرَ لِاتِّصالِ غيرِه به. فأمَّا إن جاء صاحِبُ الوُسْطَى أو السُّفْلَى يَطْلُبُ القِصاصَ قبلَ صاحبِ العُلْيا، لم يُعْطِه؛ لأنَّ في اسْتِيفائِه إتْلافَ أُنْمُلَةٍ لا يَسْتَحِقُّها، وقيل لهما:
стр. 6113
إمَّا أن تَصْبِرَا حتى تَعْلَما ما يكونُ من الأوَّلِ، فإن اقْتَصَ فلكما القِصاصُ، وإن عَفَا فلا قِصاصَ لكما، وإمَّا أن تَرْضَيَا بالعَقْلِ. فإذا جاء صاحبُ العُلْيَا فاقْتَصَّ، فللثانى الاقْتِصاصُ، وحكمُ الثالثِ مع الثاني كحُكمِ الثاني مع الأوَّلِ، وإن عَفَا، فلهما العَقْلُ، فإن قالا: نحن نَصْبِرُ وننْتَظِرُ (٨) بالقِصاصِ أن تَسْقُطَ العُلْيا بمَرَضٍ أو نحوه، ثم نقْتَصُّ. يُمْنَعا من ذلك. وإن قَطَعَ صاحبُ الوُسْطَى الوُسْطَى والعُلْيَا، فعليه دِيَةُ العُلْيا، تُدْفَعُ إلى صاحبِ العُلْيا. وإن قَطَعَ الإِصْبَعَ كلَّها، فعليه القِصاصُ في الأُنْمُلَةِ الثالثةِ، وعليه أرْشُ العُلْيَا للأوَّلِ، وأرشُ السُّفْلَى على الجانِى لصاحِبها، وإن عَفَا الجانِى عن قِصاصِها، وجَبَ أرْشُها، يَدْفَعُه إليه، ليَدْفَعه إلى المَجْنِىِّ عليه.
فصل: وإن قَطَعَ أُنْمُلَةَ رجلٍ العُلْيا، ثم قَطَعَ أُنْمُلَتَىْ آخرَ العُلْيَا والوُسْطَى من تلك الإِصْبَعِ، فللأَوَّلِ قَطْعُ العُلْيَا؛ لأنَّ حَقَّه أسبقُ، ثم يَقْطَعُ الثاني الوُسْطَى، ويأخذُ أرْشَ العُلْيا منه. فإن بادَرَ الثاني فقَطَعَ الأُنْمُلَتَيْنِ، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتَعَذَّرَ اسْتيفاءُ القِصاصِ للأوَّلِ، وله الأرْشُ على الجانِى. وإن كان قَطَعَ الأُنْمُلَتَيْنِ أوَّلًا، قَدَّمْنا صاحِبَهُما (٩) في القِصاصِ، [ووجَب لصاحب العُلْيَا أرْشُها] (١٠). وإن بادَرَ صاحِبُهما فقَطَعها، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتُقْطَعُ الوُسْطَى للأوَّلِ، ويأخُذُ الأرْشَ للعُلْيَا. ولو قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ولم يكُنْ للقاطِعِ عُلْيَا، فاسْتَوْفَى الجانِى من الوُسْطَى، فإن عَفَا إلى الدِّيَةِ، تقاصَّا وتساقَطا؛ لأنَّ دِيَتَهما واحدةٌ، وإن اخْتارَ الجانِى القِصاصَ، فله ذلك، ويَدْفَعُ أرْشَ العُلْيَا. ويجىءُ على قولِ أبى بكرٍ، أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لأنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، واسمُ الأُنْمُلَةِ يشْمَلُهما (١١)، فتَسَاقَطَا، كقولِه في إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى.
стр. 6114
١٤٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قُتِلَ وَلَهُ وَلِيَّانِ؛ بَالِغٌ، وطِفْلٌ أوْ غَائِبٌ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَقْدَمَ الْغائِبُ ويَبْلُغَ الطِّفْلُ)
وجملتُه أنَّ ورَثَةَ القَتِيلِ إذا كانوا أكثرَ من واحدٍ، لم يَجُزْ لبعضِهم اسْتِيفاءُ القَوَدِ إلَّا بإذْنِ الباقِينَ، فإن كان بعضُهم غائِبًا، انْتُظِرَ قُدُومُه، ولم يَجُزْ للحاضِرِ الاسْتِقْلالُ بالاسْتِيفاءِ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه، وإن كان بعضُهم صَغِيرًا أو مَجْنونًا، فظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، ﵀، أنَّه ليس لغيرِهما الاستِيفاءُ حتى يَبْلُغَ الصغيرُ ويُفِيقَ المَجْنُونُ. وبهذا قال ابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ أبي لَيْلَى، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، وإسْحاقُ، ويُرْوىَ ذلك (١) عن عمرَ بن عبد العزيزِ، ﵀. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى: للكِبارِ العُقَلاءِ اسْتِيفاؤُه. وبه قال حَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الحسنَ بنَ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قَتَلَ ابنَ مُلْجَمٍ قِصاصًا، وفى الوَرَثةِ صِغارٌ، فلم يُنْكَرْ ذلك (٢)، ولأنَّ وِلايةَ القِصَاصِ هي اسْتِحقاقُ اسْتِيفائِه، وليس للصَّغِيرِ هذه الوِلايةُ. ولَنا، أنَّه قِصاصٌ غير مُتَحَتِّمٍ، ثَبَتَ لجماعةٍ مُعَيَّنِينِ، فلم يَجُزْ لأحَدِهِم اسْتيفاؤُه اسْتقلالًا، كما لو كان بين حاضِرٍ وغائبٍ، أو أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ، فلم يَنْفَرِدْ به بعضُهم كالدِّيَةِ، والدليلُ على أنَّ للصغيرِ والمجنونِ فيه حقًّا أربعةُ أمور؛ أحدها، أنَّه لو كان مُنْفَرِدًا لَاسْتَحَقَّه، ولو نَافاه الصَّغَرُ مع غيرِه لَنَافاهُ مُنْفَرِدًا، كوِلايةِ النِّكاحِ. والثانى، أنَّه لو بَلَغَ لاسْتَحَقَّ (٣)، ولو لم يكَنْ مُسْتَحِقًا عندَ الموتِ لم يكُنْ مُسْتحِقًا بعدَه، كالرَّقِيقِ إذا عَتَقَ بعدَ مَوْتِ أبِيه. والثالث، أنَّه لو صار الأمرُ إلى المالِ، لاسْتَحَقَّ، ولو لم يكُنْ مُسْتَحِقًّا للقِصاصِ لَمَا اسْتَحَقَّ بدَلَه، كالأجْنَبِىِّ. والرابع، أنَّه لو مات الصغيرُ لَاسْتَحَقَّه ورَثَتُه، ولو لم يكُنْ حقًّا لم يَرِثْه، كسائرِ ما لم يَسْتَحِقَّه، فأمَّا ابنُ مُلْجَمٍ، فقد قيل:
стр. 6115
إنَّه قَتَلَه لِكُفْرِه (٤)، ولأنَّه (٥) قَتَلَ عَلِيًّا مُسْتَحِلًّا لِدَمِه، مُعْتَقِدًا كُفْرَه، مُتَقَرِّبًا بذلك إلى اللهِ تعالى. وقيل: قَتَلَه لِسَعْيِه في الأرْضِ بالفَسادِ، وإظْهارِ السِّلاحِ، فيكونُ كقاطِعِ الطَّرِيقِ إذا قَتَلَ. وقَتْلُه مُتَحَتِّمٌ، وهو إلى الإِمامِ، والحَسَنُ هو الإِمامُ، ولذلك لم يَنْتَظِر الغائِبِينَ من الوَرَثِةِ. ولا خِلافَ بيننا في وُجُوبِ انْتِظارِهم، وإن قُدِّرَ أنَّه قَتَلَه قِصاصًا، فقد اتفَقْنا على خِلَافِه، فكيف يَحْتَجُّ به بعضُنا على بعضٍ.
فصل: وإن كان الوارِثُ واحِدًا صغيرًا، كصَبِىٍّ قُتِلَتْ اُّمُّه، وليست زَوْجةً لأبِيه، فالقِصاصُ له، وليس لأبِيه ولا غيرِه (٦) استيفاؤُه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: له اسْتِيفاؤُه. وكذلك الحكمُ في الوَصِىِّ والحاكمِ، في الطَّرَفِ دُونَ النَّفْسِ. وذكر أبو الخطَّابِ في موضعٍ في الأبِ رِوَايَتَيْنِ، وفي مَوْضِعٍ وَجْهَينِ، أحدهما، كقَوْلِهما (٧)؛ لأنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ، فكان للأبِ اسْتيفاؤُه، كالدِّيَةِ. ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ إيقاعَ الطَّلاقِ بزَوْجَتِه، فلا يَمْلِكُ استيفاءَ القِصاصِ له، كالوَصِىِّ، ولأنَّ القَصْدَ التَّشَفِّى ودَرْكُ الغَيْظِ، ولا يَحْصُلُ (٨) ذلك باسْتِيفاءِ الوَلِىِّ. ويُخالِفُ الدِّيَةَ، فإنَّ الغَرَضَ يَحْصُلُ باسْتِيفاءِ الأبِ له، فافْتَرقا، ولأنَّ الدِّيَةَ إنَّما يَمْلِكُ اسْتيفاءَها إذا تَعَيَّنَتْ، والقِصاصُ لا يَتَعَيَّنُ، فإنَّه يجوزُ العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والصُّلْحُ على مالٍ أكثرَ منها وأقَلَّ، والدِّيَةُ بخِلافِ ذلك.
فصل: وكلُّ موضعٍ وجَبَ تأْخيرُ الاسْتيفاءِ، فإنَّ القاتِلَ يُحْبَسُ حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويَعْقِلَ المجنونُ، ويَقْدَمَ الغائبُ، وقد حَبَسَ مُعاوِيةُ هُدْبةَ بن خَشْرَمٍ في قِصاصٍ حتى بَلَغَ ابنُ القَتِيلِ، في عَصْرِ الصَّحابةِ، فلم يُنْكَرْ ذلك، وبَذَلَ الحسنُ والحسينُ وسعيدُ بن
стр. 6116
العاصِ لِابْنِ القتيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ، فلم يَقْبَلْها (٩). فإن قيل: فلِمَ لا يُخْلَى سَبِيلُه كالمُعْسِرِ بالدَّيْنِ؟ قُلْنا: لأنَّ في تَخْلِيَتِه تَضْيِيعًا للحَقِّ، فإنَّه لا يُؤْمَنُ هَرَبُه، والفَرْقُ بينَه وبينَ المُعْسِرِ من وُجُوهٍ؛ أحدها، أنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ لا يَجِبُ مع الإِعْسارِ، فلا يُحْبَسُ بما لا يَجِبُ، والقِصاصُ ههُنا واجبٌ، وإنَّما تَعَذَّرَ المُسْتَوْفِى. الثاني، أنَّ المُعْسِرَ إذا حَبَسْناه تعَذَّرَ (١٠) الكَسْبُ لقَضاءِ الدَّيْنِ، فلا يُفِيدُ، بل يَضُرُّ من الجانبينِ، وههُنا الحَقُّ نفسُه يَفُوتُ بالتَّخْلِيةِ لا بالحَبْسِ. الثالث، أنَّه قد اسْتُحِقَّ قَتْلُه، وفيه تَفْوِيتُ نَفْسِه ونَفْعِه، فإذا تَعَذَّرَ تَفْوِيتُ نفسِه، جاز تَفْوِيتُ نَفْعِه لإِمْكانِه. فإن قيل: فلِمَ يُحْبَسُ من أجلِ الغائبِ، وليس للحاكمِ عليه وِلايةٌ إذا كان مُكَلَّفًا رشِيدًا، ولذلك لو وَجَدَ بعضَ مالِه مَغْصُوبًا لم يَمْلِكِ انْتِزاعَه؟ قُلْنا: لأنَّ في القِصاصِ حقًّا للمَيِّتِ، وللحاكمِ عليه وِلَايةٌ، ولهذا تَنْفُذُ وَصاياه من الدِّيَةِ، وتُقْضَى دُيُونُه منها، فنَظِيرهُ أن يَجِدَ الحاكمُ من تَرِكَةِ المَيِّتِ في يَدِ إنسانٍ شيئًا غَصْبًا، والوارثُ غائبٌ، فإنَّه يأخُذُه. ولو كان القِصاصُ [لِحَىِّ في] (١١) طَرَفِه، لم يتَعَرَّضْ لمن هو عليه. فإن أقامَ القاتِلُ كَفِيلًا بنَفْسِه ليُخْلَى سَبِيلُه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الكَفالةَ لا تَصِحُّ في القِصاصِ، فإنَّ فائِدَتَها اسْتِيفاءُ الحَقِّ من الكَفِيلِ إن تَعَذَّرَ إحضارُ المكفولِ به، ولا يُمْكِنُ استيفاؤُه من غيرِ القاتِلِ، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ به كالحَدِّ، ولأنَّ فيه تَغْرِيرًا بحَقِّ المُوَلَّى عليه، فإنَّه رُبَّما خلَّى سَبِيلَه فهَرَبَ، فضاعَ الحَقُّ.
فصل: فإن قَتَلَه بعضُ الأوْلياءِ بغيرِ إذْنِ الباقِينَ، لم يَجِبْ عليه قصِاصٌ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ، والقولُ الأخيرُ، عليه القِصاصُ؛ لأنَّه ممنوعٌ من قَتْلِه، وبعضُه غيرُ مُسْتَحَقٍّ له، وقد يَجِبُ القِصاصُ بإتْلافِ بعضِ النَّفْسِ، بدليلِ ما لو اشْتَركَ الجماعةُ في قَتْلِ واحدٍ. ولَنا، أنَّه مُشارِكٌ في اسْتِحقاقِ القَتْلِ، فلم يَجِبْ عليه
стр. 6117
القِصاصُ، كما لو كان مُشارِكًا في مِلْكِ الجارِيةِ ووَطْئِها، ولأنَّه مَحَلٌّ يَمْلِكُ بعضَه، فلم تجبِ العُقوبةُ المُقَدَّرَةُ باسْتِيفائِه كالأصْلِ. ويُفارِقُ إذا قَتَلَ الجماعةُ واحدًا، فإنَّا لا نُوجِبُ القِصاصَ بقَتْلِ بعضِ النَّفْسِ، وإنَّما نَجْعَلُ كلَّ واحدٍ منهم قاتِلًا لجميعِها، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَه عليه لقَتْلِه بعضَ النَّفْسِ، فمِن شَرْطِه (١٢) المُشارَكةُ لمَن فَعَلَهُ، كَفِعْلِه في العَمْدِ والعُدْوانِ، ولا يتَحَقَّقُ ذلك (١٣) ههُنا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ للوَلِىِّ الذي لم يَقْتُلْ قِسْطَه من الدِّيَةِ؛ لأنَّ حَقَّه من القِصاصِ سَقَطَ بغيرِ اخْتيارِه، فأشْبَهَ ما لو مات القاتِلُ أو عَفَا بعضُ الأوْلياءِ. وهل يَجِبُ ذلك على قاتلِ الجانِى، أو في تَرِكَةِ الجانِى؟ فيه وَجْهان. وللشافعىِّ قَوْلان؛ أحدهما، يَرْجِعُ على قاتلِ الجانِى؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّه، فكان الرُّجوعُ عليه بِعِوَضِ نَصيبِهِ، كما لو كانت له وَدِيعةٌ فأتْلَفَها. والثانى، يرجعُ في تَرِكَةِ الجانى، كما لو أتْلَفَه أجْنَبِىٌّ، أو عَفَا شَرِيكُه عن القِصاصِ. وقَوْلُنا: أتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّه، يَبْطُلُ بما إذا أتْلَفَ مُسْتَأْجِرَه أو غَرِيمَه أو امرأتَه، أو كان المُتْلَفُ أجْنَبِيًّا، ويُفارِقُ الوَدِيعةَ، فإنَّها مَمْلوكةٌ لهما، فوَجَبَ عِوَضُ مِلْكِه، أمَّا الجانى فليس بمَمْلُوكٍ للمَجْنِىِّ عليه، وإنَّما له عليه حَقٌّ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ غَرِيمَه. فعلى هذا، يَرْجِعُ ورَثَةُ الجانِى على قاتِله بدِيَةِ مُوَرِّثِهِم (١٤) إلَّا قَدْرَ حَقِّه منها. فعلى هذا، لو كان الجانِى أقَلَّ دِيَةً من قاتِلِه، مثل امرأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا له ابْنان، فقَتَلَها أحَدُهما بغيرِ إذْنِ الآخَرِ، فللآخرِ نِصْفُ دِيَةِ أبِيه في تَرِكَةِ المرأةِ التي قَتَلَتْه، ويَرْجِعُ ورَثَتُها بنِصْفِ دِيَتِها على قاتِلِها، وهو رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ. وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَرْجِعُ الابنُ الذي لم يَقْتُلْ على أخِيه بنِصْفِ دِيَةِ المرأةِ؛ لأنَّه لم يُفَوِّتْ على أخِيه إلَّا نِصْفَ المرأةِ، ولا يُمْكِنُ أن يَرْجِعَ على وَرَثةِ المرأةِ بشيءٍ؛ لأنَّ أخاه الذي قَتَلَها أتْلَفَ جميعَ الحَقِّ. وهذا يَدُلُّ على ضَعْفِ هذا الوَجْهِ. ومن فوائِدِه أيضًا، صِحّةُ إبْراءِ مَنْ حَكَمْنا بالرُّجوعِ عليه، ومِلْكُ مُطَالَبَتِه، فإن قُلْنا: يَرْجِعُ على وَرَثةِ الجانِى.
стр. 6118
صَحَّ إبْراؤُهم، ومَلَكُوا الرّجوعَ على قاتِلِ مَوْرُوثِهِم بقِسْطِ أخيه العافِى. وإن قُلْنا: يَرْجِعُ على [شَرِيكهِ. مَلَكَ مُطَالبتَه، وصَحَّ إبْراؤُه، ولم يكُنْ لوَرَثَةِ الجانِى مُطالبتُه بشيءٍ. ومنها أننا، إذا قُلْنا: يرجِعُ على] (١٥) تَرِكَةِ الجانِى. وله تَركِةٌ، فله الأخْذُ منها، سواءٌ أمْكَنَ وَرَثَتَه أن يَسْتَوْفُوا من الشَّرِيكِ، أو لم يُمْكِنْهم. وإن قُلْنا: يَرْجِعُ على شَرِيكِه. يكُنْ له مُطالَبَةُ ورَثةِ الجانِى، سواءٌ كان شَرِيكهُ مُوسِرًا أو مُعْسِرًا.
١٤٥٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ عَفَا مِنْ وَرَثَةِ المَقْتُولِ عَنِ الْقِصَاصِ، لَمْ يَكُنْ إلَى الْقِصَاصِ سَبِيلٌ، وإنْ كَانَ الْعَافِى زوْجًا أوْ زَوْجَةً)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إجازةِ العَفْوِ عن القِصاصِ، وأنَّه أَفْضَلُ. والأصْلُ فيه (١) الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى فى سِيَاق قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٣). قيل في تَفْسِيرِه: فهو كَفَّارةٌ للجانِى، بعفو صاحِب الحَقِّ عنه. وقيل: فهو كَفَّارةٌ للعافِى بصَدَقَتِه. وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ أنَسَ بن مالكٍ، قال: ما رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ رُفِعَ إليه شيءٌ فيه قِصَاصٌ، إلَّا أمَرَ فيه بالعَفْوِ. روَاه أبو داودَ (٤). وفي حَدِيثِه في قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بنت النَّضْرِ، حين كَسَرَتْ سِنَّ
стр. 6119
جارِيَةٍ، فأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بالقِصاصِ، فعَفَا القَوْمُ (٥) إذا ثَبَتَ هذا، فالقِصاصُ حَقٌّ لجميعِ الوَرَثةِ من ذَوِى الأنْسابِ والأسْبابِ، والرجالِ والنِّساءِ، والصغارِ والكبارِ، فمن عَفَا منهم صَحَّ عَفْوُه، وسَقَطَ القِصاصُ، ولم يَبْقَ لأحَدٍ إليه سَبِيلٌ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِىِّ. وقال الحسنُ، وقَتادةُ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ: ليس للنِّساءِ عَفْوٌ. والمشهورُ عن مالكٍ، أنَّه مَوْرُوثٌ للعَصَباتِ خاصَّةً. وهو وجهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه ثَبَتَ لدَفْعِ العارِ، فاخْتَصَّ به العَصَباتُ. كوِلاِيةِ النكاحِ. ولهم وجْهٌ ثالثٌ، أنَّه لِذَوِى الأنْسابِ دُونَ الزَّوْجَيْنِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ، فأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ بَيْنَ أنْ يَقتُلُوا، أوْ يأخُذُوا الْعَقْلَ" (٦). وأهلُه ذَوُو رَحِمِه. وذهب بعضُ أهلِ المدينةِ إلى أنَّ القِصاصَ لا يَسْقُطُ بعَفْوِ بعضِ الشُّرَكاءِ. وقيل: هو رِوايةٌ عن مالكٍ؛ لأنَّ حَقَّ غيرِ العافِى لا يَرْضَى بإسْقاطِه، وقد تُؤْخَذُ النَّفْسُ ببعضِ النَّفْسِ، بدليلِ قَتْلِ الجماعةِ بالواحدِ. ولَنا، عُمومُ قولِه ﵇: "فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ". وهذا عامٌّ في جميعِ أهْلِه، والمرأةُ من أهْلِه، بدليلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنِى مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِى (٧) أذَاهُ فِي أهْلِى، ومَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِى إلَّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِى إلَّا مَعِى". يُرِيدُ عائشةَ. وقال له أُسامةُ: يا رسولَ اللَّه، أهْلَكَ ولا نعلمُ إلَّا خيرًا (٨). ورَوَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، أنَّ عمرَ أُتِىَ برَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فجاء
стр. 6120
ورَثَةُ المَقْتُولِ ليَقْتُلُوه، فقالتِ امرأةُ المقْتولِ، وهى أخْتُ القاتل: قد عَفَوْتُ عن حَقِّى. فقال عمرُ: اللهُ أكبرُ، عَتَقَ الْقَتِيلُ. روَاه أبو داودَ (٩). وفي رِوايةٍ عن زَيْدٍ، قال: دَخَلَ رجلٌ على امْرأتِه، فوَجَدَ عندَها رَجُلًا، فقَتَلَها، فاسْتَعْدَى إخْوَتُها عمرَ، فقال بعضُ إخْوَتِها: قد تَصَدَّقْتُ. فقَضَى لسائِرِهِم بالدِّيَةِ (١٠). ورَوَى قتادةُ، أنَّ عمرَ رُفِعَ إليه رَجُلٌ قَتَلَ رجلًا، فجاء أولادُ المَقْتُولِ، وقد عَفَا بعضُهم، فقال عمرُ لابنِ مَسْعودٍ: ما تقول؟ قال: إنَّه قد أُحْرِزَ من القَتْلِ. فضَرَبَ على كَتِفِه، وقال: كُنَيْفٌ (١١) مُلِئَ عِلْمًا. والدليلُ على أنَّ القِصاصَ لجميعِ الوَرَثَةِ، ما ذكَرْناه في مسألةِ القِصاصِ بين الصَّغيرِ والكبيرِ، ولأنَّ من وَرِثَ الدِّيةَ وَرِثَ القِصاصَ، كالعَصَبةِ، فإذا عَفَا بعضُهم، صَحَّ عَفْوُه، كعَفْوِه عن سائرِ حُقُوقِه، وزَوَالُ الزَّوْجِيَّةِ لا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ القِصاصِ، كما لم يَمْنَع أسْتحقاقَ الدِّيَةِ، وسائرِ حُقُوقِه المَوْرُوثةِ. ومتى ثَبَتَ أنَّه حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بين جَمِيعِهم، سَقَطَ بإسْقاطِ مَنْ كان من أهْلِ الإِسْقاطِ منهم؛ لأنَّ حَقَّه منه له، فيَنْفُذُ تَصَرُّفُه فيه، فإذا سَقَطَ سَقَطَ جَمِيعُه؛ لأنَّه ممَّا لا يتَبَعَّضُ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، ولأنَّ القِصاصَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بينهم لا يتَبَعَّضُ، مَبْناهُ على الدَّرْءِ والإِسْقاطِ، فإذا أسْقَطَ بعضُهم، سَرَى إلى الباقى كالعِتْقِ، والمرأةُ أحَدُ المُسْتَحِقِّينَ، فسَقَطَ بإسْقاطِها كالرَّجُلِ. ومتى عَفَا أحَدُهم، فللباقِينَ حَقُّهُم من الدِّيَةِ سِواءٌ عَفَا مُطْلَقًا أو إلى الدِّيَةِ. وبهذا قال أبوِ حنيفةَ، والشافعيُّ. ولا أعلمُ لهما مُخالِفًا ممَّن قال بسُقُوطِ القِصاصِ؛ وذلك لأنَّ حَقَّه من القِصاصِ سَقَطَ بغيرِ رِضَاه، فثَبَتَ له البَدَلُ، كما لو وَرِثَ القاتلُ بعضَ دَمِه أو مات، ولِمَا ذكَرْنا من خَبَرِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه.
стр. 6121
فصل: فإن قَتَلَه الشَّرِيكُ الذي لم يَعْفُ عالِمًا بعَفْوِ شَرِيكِهِ، وسُقُوطِ القِصاصِ (١٢) به، فعليه القِصاصُ، سواءٌ حَكَمَ به الحاكمُ أو لم يَحْكُمْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ. وهو الظاهرُ من مذهبِ الشافعيِّ. وقيل: له قولٌ آخرُ، لا يَجِبُ القِصاصُ؛ لأنَّ له فيه شُبْهَةً، لوُقُوعِ الخِلافِ فيه (١٣). ولَنا، أنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا مُكافِئًا له عَمْدًا، يَعْلَمُ أنَّه لا حَقَّ له فيه، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو حَكَمَ بالعَفْوِ حاكمٌ، والاخْتِلافُ لا يُسْقِطُ القِصاصَ، فإنَّه لو قَتَلَ مُسْلِمًا بكافرٍ، قَتَلْناهُ به، مع الاخْتِلافِ في قَتْلِه. وأمَّا إن قَتَلَه قبلَ العِلْمِ بالعَفْوِ، فلا قِصاصَ عليه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيْهِ: عليه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوانٌ لمَن لا حَقَّ له في قَتْلِه. ولَنا، أنَّه قَتَلَه مُعْتَقِدًا ثُبُوتَ حَقِّه فيه، مع أنَّ الأصْلَ بَقاؤُه، فلم يَلْزَمْه قِصَاصٌ، كالوَكيلِ إذا قَتَلَ بعدَ عَفْوِ المُوَكِّلِ قبلَ عِلْمِه بعَفْوِه. ولا فَرْقَ بينَ أن يكونَ الحاكمُ قد حَكَمَ بالعَفْوِ أو لم يَحْكُمْ به؛ لأنَّ الشُّبْهةَ مَوْجودةٌ مع انْتِفاءِ العِلْمِ مَعْدومةٌ عندَ وُجُودِه. وقال الشافعيُّ: متى قَتَلَه بعدَ حُكْمِ الحاكمِ، لَزِمَه القِصاصُ، عَلِمَ بالعَفْوِ أو لم يَعْلَمْ. وقد بَيَّنَّا الفَرْقَ بينهما. ومتى حَكَمْنا عليه بوُجُوبِ الدِّيَةِ؛ إمَّا لكَوْنِه مَعْذُورًا، وإمَّا للعَفْوِ عن القِصاصِ، فإنَّه يَسْقُطُ عنه منها ما قابَلَ حَقَّه على القاتِلِ قِصاصًا، ويَجِبُ عليه الباقِي، فإن كان الوَلِيُّ عَفَا إلى غيرِ مالٍ، فالواجبُ لوَرَثَةِ القاتلِ، ولا شىءَ عليهم، وإن كان عَفَا إلى الدِّيَةِ، فالواجبُ لوَرَثةِ القاتلِ، وعليهم نَصِيبُ العافِي من الدِّيَةِ. وقيل فيه: إنَّ حَقَّ العافِي، من الدِّيَةِ على القاتلِ. ولا (١٤) يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لم يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بعَيْنِه، وإنَّما الدِّيَةُ واجِبَةٌ في ذِمَّتِه، فلم تَنْتَقِلْ إلى القاتلِ، كما لو قَتَلَ غَرِيمَه.
فصل: فإن كان القاتلُ هو العافِي، فعليه القِصاصُ، سواءٌ عَفَا مُطْلقًا أو إلى مالٍ. وبهذا قال عِكْرِمَةُ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن الحسنِ:
стр. 6122
تُؤْخَذْ منه الدِّيَةُ، ولا يُقْتَلُ. وقال عمرُ بن عبد العزيزِ: الحُكْمُ فيه إلى السُّلْطانِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٥). قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وقتادةُ في تَفْسِيرِها: أي بعد أخْذِه الدِّيَةَ. وعن الحسنِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ (١٦) "، ولأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا مُكافِئًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يَكُنْ قَتَلَ.
فصل: وإذا عَفَا عن القاتِلِ مُطْلَقًا، صَحَّ، ولم تَلْزَمْه عُقُوبةٌ. وبهذا قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المَنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعيُّ: يُضْرَبُ، ويُحْبَسُ سَنَةً. ولَنا، أنَّه إنَّما كان عليه حَقٌّ واحدٌ، وقد أسْقَطَه مُسْتَحِقُّه، فلم يَجِبْ عليه شيءٌ آخَرُ، كما لو أسْقَطَ الدِّيَةَ عن القاتِلِ خَطَأً.
فصل: وإذا وَكَّلَ مَنْ يَسْتَوْفِي القِصاصَ، صَحَّ تَوْكِيلُه. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀. فإن وَكَّلَه، ثم غابَ، وعَفَا عن القِصاصِ، واسْتَوْفَى الوكيلُ، نَظَرْنا؛ فإن كان عَفْوُه بعدَ القَتْلِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ حَقَّه قد اسْتُوفِىَ، وإن كان قَتَلَه وقد عَلِمَ الوَكِيلُ به، فقد قَتَلَه ظُلْمًا، فعليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه ابتداءً. وإن قَتَلَه قبلَ العِلْمِ بعَفْوِ المُوَكِّلِ، فقال أبو بكر: لا ضَمانَ على الوكيلِ؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، فإنَّ العَفْوَ حَصَلَ على وَجْهٍ لا يُمْكنُ الوَكِيلَ اسْتِدْراكُه، فلم يَلْزَمْه ضَمانٌ، كما لو عَفَا بعدَ ما رَمَاه. وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ الضَّمانُ؟ فيه قَوْلان؛ أحدهما، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ عَفْوَه غيرُ صحيحٍ، لما ذكرْنا من حُصُولِه في حالٍ لا يُمْكِنُه اسْتِدْراكُ الفِعْلِ، فوَقَعَ القَتْلُ مُسْتَحَقًّا له، فلم يَلْزَمْه (١٧) ضَمانٌ، ولأنَّ العَفْوَ إحسانٌ، فَلا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمانِ. والثانى، عليه الضَّمانُ؛ لأنَّ قَتْلَ المَعْفُوِّ عنه حَصَلَ بأَمْرِه وتَسْلِيطِه، على وَجْهٍ لا ذَنْبَ للمُباشِرِ فيه،
стр. 6123
فكان الضَّمانُ على الآمِرِ، كما لو أمَرَ عَبْدَه الأعْجَمِيَّ بقَتْلِ مَعْصُومٍ. وقال غيرُ أبي بكرٍ: في صِحَّةِ العَفْوِ وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في الوكيلِ، هل يَنْعَزِلُ بعَزْلِ المُوَكِّلِ أو لا؟ وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَيْنِ. فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ العَفْوُ. فلا ضَمانَ على أحدٍ؛ لأنَّه قَتَلَ مَنْ يَجِبُ قَتْلُه بأمْرِ مُسْتَحِقِّه (١٨). وإن قُلْنا: يَصِحُّ العَفْوُ. فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّ الوَكِيلَ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ إباحةَ قَتْلِه بسَبَبٍ هو مَعْذُورٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ مَنْ يَعْتَقِدُه حَرْبِيًّا. وتجبُ الدِّيةُ على الوكيلِ؛ لأنَّه لو عَلِمَ لَوَجَبَ عليه القصِاصُ، فإذا لم يَعْلَمْ تعَلَّقَ به الضَّمانُ، كما لو قَتَلَ مُرْتَدًّا قد أسْلَمَ قبلَ عِلْمِه بإسْلامِه، ويَرْجِعُ بها على المُوَكِّلِ؛ لأنَّه غَرَّهُ بتَسْلِيطِه على القَتْلِ وتَفْرِيطِه (١٩) في تَرْكِ إعْلامِه بالعَفْوِ، فيَرْجِعُ عليه، كالغَارِّ في النِّكاحِ بحُرِّيةِ أمَةٍ، أو تَزَوُّجِ مَعِيبَةٍ. ويَحْتَملُ أن لا يَرْجِعَ عليه؛ لأنَّ العَفْوَ إحسانٌ منه، فلا يَقْتَضِي الرُّجوعَ عليه. فعلى هذا، تكونُ الديةُ على عاقِلَةِ الوَكِيلِ. وهذا اختيارُ أبى الخَطَّابِ؛ لأنَّ هذا جَرَىَ مَجْرَى الخَطإِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَعْتَقِدُه حَرْبِيًا. وقال القاضي: هو في مالِ الوَكِيلِ؛ لأنَّه عن عَمْدٍ مَحْضٍ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان عَمْدًا مَحْضًا لأوْجَبَ القِصاصَ، ولأنَّه يُشْتَرطُ في العَمْدِ المَحْضِ أن يكونَ عالِمًا بحالِ المَحَلِّ، وكَوْنِه مَعْصُومًا، ولم يُوجَدْ هذا. وإن قال: هو عَمْدُ الخَطَإِ. فعَمْدُ الخطإِ تَحْمِلُه العاقِلةُ. ذَكَرَه الْخِرَقِيُّ ودَلَّ عليه خَبَرُ المرأةِ التي قَتَلَتْ جَارَتَها (٢٠) وجَنِينَها بمِسْطَحٍ (٢١)، فقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها (٢٢). واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ (٢٣) على هذينِ الوَجْهَيْنِ، فعلَى قولِ
стр. 6124
القاضِي، إن كان المُوَكِّلُ عَفَا إلى الدِّيَةِ، فله الدِّيَةُ في تَرِكَةِ الجانِي، ولوَرَثةِ الجانِي مُطالَبَةُ الوَكِيلِ بدِيَتِهِ، وليس للمُوَكِّلِ مُطالبةُ الوكيلِ بشيءٍ. فإن قيل: فقد قُلْتُم فيما إذا كان القِصاصُ لأخَوَيْنِ فقَتَلَه أحَدُهما فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولأخيه مُطالَبَتُه به، في وَجْهٍ. قُلْنا: ثم أتْلَفَ حَقَّه، فرَجَعَ ببَدَلِه عليه، وههُنا أتْلَفَه بعدَ سُقُوطِ حَقِّ المُوَكِّل عنه، فافْتَرَقَا. وإن قُلْنا: إنَّ الوكيلَ يَرْجِعُ على المُوَكِّلِ. احْتَمَلَ أن تَسْقُطَ الدِّيَتانِ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في أن يأْخُذَها الورَثةُ من الوكيلِ، ثم يَدْفَعُونَها إلى المُوَكِّلِ، ثم يَرُدُّها (٢٤) المُوَكِّلُ إلى الوكيلِ، فيكونُ تَكْلِيفًا لكلِّ واحدٍ منهم بغيرِ فائدةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك؛ لأنَّ الدِّيَةَ الواجبةَ في ذِمَّةِ الوكيلِ لغيرِ من للوكيلِ (٢٥) الرُّجوعُ عليه، وإنَّما تَتَساقَطُ الدِّيَتانِ إذا كان لكلِّ واحدٍ من الغَرِيمَيْنِ على صاحِبِه مثلُ ما لَه عليه، ولأنَّه قد تكونُ الدِّيَتانِ مُخْتلِفتَيْنِ، بأن يكونَ أحَدُ المَقْتُولَيْنِ رَجُلًا والآخَرُ امرأةً، فعلى هذا يَأخُذُ ورَثَةُ الجانِي دِيَتَه من الوكيلِ، ويَدْفَعُون إلى الموكِّلِ دِيَةَ وَلِيِّه، ثم يَرُدُّ المُوَكِّلُ إلى الوكيلِ قَدْرَ ما غَرِمَه. وإن أحَالَ ورَثةُ الْجانِى [المُوَكِّلَ على] (٢٦) الوكيلِ (٢٧) بدِيَةِ ولِيِّهِمْ، صَحَّ. فإن كان الجاني أقَلَّ دِيَةً، مثل أن تكونَ امرأةٌ قَتَلَتْ رَجُلًا، فقَتَلَها الوكيلُ، فلِوَرَثَتِها إحالةُ المُوَكِّلِ بدِيَتِها؛ لأنَّه القَدْرُ الواجبُ لهم على الوكيلِ، فيَسْقُطُ عن الوكيلِ والمُوَكِّلِ جميعًا، ويَرْجِعُ المُوَكِّلُ على ورَثَتِها بنِصْفِ دِيَةِ وَلِيِّه. وإن كان الجانِي رَجُلًا قَتَلَ امرأةً، فقَتَلَه الوكيلُ، فلِوَرَثةِ الجانِي إحالةُ المُوَكِّلِ بدِيَةِ المرأةِ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ لا يَسْتَحِقُّ عليهم أكثرَ من دِيَتِها، ويُطالِبُونَ الوكيل بنِصْفِ دِيَةِ الْجِانِي، ثم يَرْجِعُ به على المُوَكِّلِ.
فصل: وإذا جَنَى على الإِنسانِ فيما دُونَ النَّفْسِ جنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، فعَفَا عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجنايةُ إلى نَفْسِه، فمات، لم يَجِبِ القِصاصُ. وبهذا قال
стр. 6125
أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ واجبٌ؛ لأنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، ولم يَعْفُ عنها. ولَنا، أنَّه يتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ في النَّفْسِ دُونَ ما عَفَا عنه، فسَقَطَ في النَّفْسِ، كما لو عَفَا بعضُ الأوْلياءِ، ولأنَّ الجِنايةَ إذا لم يكنْ فيها قِصاصٌ مع إمْكانِه، لم يَجِبْ في سِرَايتِها، كما لو قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ ثم أسْلَم ثم مات منها ثَمَّ (٢٨)، يُنْظَرُ (٢٩)؛ فإن كان عَفَا على مالٍ، فله الدِّيةُ كاملةً، وإن عَفَا على غيرِ مالٍ، وجَبَتِ الدِّيَةُ إلَّا أرْشَ الجُرْحِ (٣٠) الذي عَفَا عنه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تجبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، وحَقُّه في النَّفْسِ لا فيما عَفَا عنه، وإنَّما سَقَطَ القِصاصُ للشُّبْهةِ. وإن قال: عَفَوْتُ عن الجنايةِ. لم يَجِبْ شيءٌ؛ لأنَّ الجِنايةَ لا تَخْتَصُّ بالقَطْعِ. وقال القاضي، فيما إذا عَفَا عن القَطْعِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَجِبُ شيءٌ. وبه قال أبو يوسفَ ومحمدٌ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَضْمُونٍ، فكذلك سِرَايَتُه. ولَنا، أنَّها سِرَايةُ جِنايةٍ أوْجَبَتِ الضَّمانَ، فكانت مَضْمُونةً، كما لو لم يَعْفُ، وإنَّما سَقَطَتْ دِيَتُها بعَفْوِه عنها، فيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بما عَفَا عنه دُونَ غيرِه، والمَعْفُوُّ عنه نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجِنايةَ أوْجَبَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ، فإذا عَفَا، سَقَطَ ما وَجَبَ دون ما لم يَجِبْ، فإذا صارت نَفْسًا، وجَبَ بالسِّرَايةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، ولم يَسْقُطْ أرْشُ الجُرْحِ فيما إذا لم يَعْفُ، وإنَّما تَكَمَّلتِ الدِّيَةُ بالسِّرَايةِ.
فصل: فإن كان الجُرْحُ لا قِصاصَ فيه، كالجائفةِ ونحوها، فعَفَا عن القِصاصِ فيه، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلِوَلِيِّه القِصاصُ؛ لأنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ في الجُرْحِ، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عنه، وإنَّما وَجَبَ القِصاصُ بعدَ عَفْوِه، وله (٣١) العَفْوُ عن القِصاصِ، وله كمالُ الدِّيَةِ. وإن عَفَا عن دِيَةِ الجُرْحِ، صَحَّ، وله بعدَ السِّرايةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أرْشَ
стр. 6126
الجُرْحِ. ولا يَمْتَنِعُ وُجوبُ القِصاصِ في النَّفْسِ، مع أنَّه لا يَجِبُ كمالُ الدِّيَةِ بالعَفْوِ عنه، كما لو قَطَعَ يَدًا، فانْدَمَلَتْ واقْتصَّ منها، ثم انتقَضَتْ وسَرَتْ إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ، وليس له العَفْوُ إلَّا على نِصْفِ الدِّيَةِ. وإن قَطَعَ يَدَه من نِصْفِ السَّاعِدِ، فعَفَا عن القِصاصِ، ثم سَرَى، فعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يَسْقُطُ القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ، فهو كالجائِفةِ. ومَنْ جَوَّزَ له القِصاصَ من الكُوعِ، أسْقَطَ القِصاصَ في النَّفْسِ، كما لو كان القَطْعُ من الكُوعِ. وقال المُزَنيُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ عن دِيَةِ الجُرْحِ قبلَ انْدِمالِه، فلو قَطَعَ يدًا، فعَفَا عن دِيَتِها وقِصاصِها، ثم انْدَمَلَتْ، لم تَسْقُطْ دِيَتُها، وسَقَطَ قِصاصُها؛ لأنَّ القِصاصَ قد وَجَبَ فيها، فصَحَّ العَفْوُ عنه، بخلافِ الدِّيَةِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ دِيَةَ الجُرْحِ إنَّما وجَبَتْ بالجِنايةِ، إذْ هي السَّبَبُ، ولهذا لو جَنَى على طَرَفِ عَبْدٍ ثم باعَه قبلَ بُرْئِه (٣٢)، كان أرْشُ الطَّرَفِ لبائِعِه لا لمُشْتَرِيه، وتَأْخِيرُ المُطالبةِ به لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ الوُجُوبِ، وامْتِناعُ صِحَّةِ العَفْوِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لا تُمْلَكُ المُطَالَبةُ به، ويَصِحُّ العَفْوُ عنه، كذا ههُنا.
فصل: فإن قَطَعَ يَدَه، فعَفَا عنه، ثم عاد الجانِي فقَتَلَه، فلِوَلِيِّه القِصاصُ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ. وقال (٣٣) بعضهُم: لا قِصاصَ؛ لأنَّ العَفْوَ حَصَلَ عن بَعْضِه، فلا يُقْتَلُ به، كما لو سَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه. ولَنا، أن القَتْلَ انْفَرَدَ عن القَطْعِ، فعَفْوُه عن القَطْعِ لا يَمْنَعُ ما يَلْزَمُ بالقَتْلِ، كما لو كان القاطِعُ غيرَه. وإن اختار الدِّيَةَ، فقال القاضي: ان كان العَفْوُ عن الطَّرَفِ إلى غيرِ دِيَةٍ، فله بالقَتْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ، ولأنَّ القَتْلَ إذا تَعَقَّبَ الجِنايةَ قبلَ الانْدِمالِ، كان كالسِّرَايةِ، ولذلك لو لم يَعْفُ لم يَجِبْ أكثرُ من دِيَةٍ، والقَطْعُ يَدْخُلُ في القَتْلِ في الدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ؛ ولذلك لو أراد القِصاصَ كان له أن يَقْطَعَ ثم يَقتُلَ، ولو صار الأمرُ إلى الدِّيةِ لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ. وقال أبو الخَطَّابِ: له العَفْوُ إلى دِيَةٍ كاملةٍ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ
стр. 6127
الشافعيِّ؛ لأنَّ القَطْعَ مُنْفَرِدٌ عن القَتْلِ (٣٤)، فلم يَدْخُلْ حكمُ أحَدِهما في الآخَرِ، كما لو انْدَمَلَ، ولأنَّ القَتْلَ مُوجِبٌ للقَتْلِ (٣٥)، فأوْجَبَ الدِّيَةَ كاملةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْه عَفْوٌ. وفارَقَ السِّرايةَ، فإنَّها لم تُوجِبْ قَتْلًا، ولأنَّ السِّرَايةَ عُفِىَ عن سَبَبِها، والقَتْلُ لم يُعْفَ عن شيءٍ منه، ولا عن سَبَبِه، وسَواءٌ فيما ذكَرْنا كان العافِي عن الجُرْحِ أخَذَ دِيَةَ [طَرفِه أو لم] (٣٦) يَأْخُذْها.
فصل: وإن قَطَعَ إصْبَعًا، فعَفَا المَجْنِيُّ عليه عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجِنايةُ إلى الكَفِّ، ثم انْدَمَلَ الجُرْحُ، لم يَجِب القِصاصُ؛ لما ذكَرْنا في النَّفْسِ، ولأنَّ القِصاصَ سَقَطَ في الإِصْبَعِ بالعَفْوِ، فصارت اليَدُ ناقِصةً لا تُؤْخَذُ بها الكاملةُ. ثم إن كان العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ [دِيَةُ الْيَدِ] (٣٧) كلِّها، وإن كان على غيرِ مالٍ، خُرِّجَ فيه من الخِلافِ ما ذكَرْنا فيما إذا قَطَعَ يَدًا فعَفَا المَجْنِي عليه، ثم سَرَى إلى نَفْسِه. فعلى هذا، تَجِبُ ههُنا دِيَةُ الكَفِّ إلَّا (٣٨) دِيَةَ الإِصْبَعِ. ذكَره أبو الخَطَّابِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ. وقال القاضي: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه (٣٩) لا يَجِبُ شيءٌ. وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ؛ لأنَّ العَفْوَ عن الجِنايةِ عَفوٌ عن ما يَحْدُثُ منها (٤٠)، وقد قال القاضي: إنَّ القياسَ فيما إذا قَطَعَ اليَدَ، ثم سَرَى إلى النَّفْسِ، أن يَجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، فيَلْزَمُه أن يقولَ مثلَ ذلك ههُنا.
فصل: فإن قال: عَفَوْتُ عن الجنايةِ، وما يَحْدُثُ منها، صَحَّ عَفْوُه، ولم يَكُنْ له في سِرَايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ في ظاهرِ (٤١) كلامِ أحمدَ. وسواءٌ عَفَا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوصِيَّةِ،
стр. 6128
وممَّن قال بصِحَّةِ عَفْوِ المَجْرُوحِ عن دَمِه؛ مالكٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والأوْزاعيُّ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إذا قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها. ففيه قَوْلان؛ أحدهما (٤٢)، أنَّه وَصِيَّةٌ، فَيُبْنَى على الوَصِيَّةِ للقاتلِ، وفيها (٤٣) قَوْلان؛ أحدهما، لا يَصِحُّ، فتَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ. والثاني، يَصِحُّ، فإن خَرَجَتْ من الثُّلثِ سَقَطَ، وإلَّا سَقَطَ منها ما خَرَجَ من الثُّلثِ، ووَجَبَ الباقي. والقولُ الثاني، ليس بوَصِيَّةٍ؛ لأنَّه إسْقاطٌ في الحَياةِ، فلا يَصِحُّ، وتَلْزَمُه دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ. ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، فسَقَطَ، كما لو أسْقَطَ الشُّفْعةَ بعدَ البَيْعِ، إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين أن يَخْرُجَ من الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ؛ لأنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، في إحْدَى الرِّوْايتَيْنِ، أو أحَدُ شَيْئينِ، في الرِّوايةِ الأُخْرَى، فما تَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ، ولا تَعَيَّنتِ الوَصِيَّةُ بمالٍ، ولذلك صَحَّ العَفْوُ من المُفْلِسِ إلى غيرِ مالٍ. وأمَّا جِنايةُ الخَطَإِ، فإذا عَفَا (٤٤) عنها وعمَّا يَحْدُثُ منها، اعْتُبِرَ خُرُوجُها من الثُّلُثِ، سواءٌ عَفَا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوَصِيَّةِ أو الإِبْراءِ أو غيرِها، فإن خَرَجَتْ من الثُّلثِ، صَحَّ عَفْوُه في الجميعِ، وإن لم تَخْرُجْ من الثُّلثِ، سَقَطَ عنه من دِيَتِها ما احْتَمَلَه الثُّلثُ. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ونحوَه قال عمرُ بن عبد العزيزِ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ههُنا بمالٍ.
فصل: فإن اخْتَلَفَ الجانِي والوَلِيُّ أو المَجْنِيُّ عليه. فقال الجانِي: عَفَوْتَ مُطْلقًا. وقال المَجْنِيُّ عليه: بل عَفَوْتُ إلى مالٍ. أو قال: عَفَوْتَ عن الجِنايةِ وما يَحْدُثُ منها. قال: بل عَفوْتُ عنها دون ما يَحْدُثُ منها. فالقولُ قولُ المجْنِيِّ عليه أو وَلِيِّه إن كان الخِلافُ معه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العَفْوِ عن الجميعِ، وقد ثَبَتَ العَفْوُ عن البعضِ بإقْرارِه، فيكونُ القولُ في عَدَمِ سِواهُ (٤٥) قولَه.
стр. 6129
١٤٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَتْلِ، فَأحَبَّ الأَوْلِيَاءُ أنْ يَقْتُلُوا الْجَمِيعَ، فَلَهُمْ ذلِكَ، وإنْ أحَبُّوا أنْ يَقْتُلُوا الْبَعْضَ، ويَعْفُوا عَنِ الْبَعْضِ، وَيأْخُذُوا الدِّيَةَ مِنَ الْبَاقِينَ، فَلَهُمْ ذلِكَ)
أمَّا قَتْلُهُم للجميعِ، فقد ذكَرناه فيما مَضَى، وأمَّا إنْ أحَبُّوا قَتْلَ البعضِ فلهم ذلك، لأنَّ كلَّ مَنْ لهم قَتْلُه فلهم الْعَفْوُ عنه، كالمُنْفَرِدِ، ولا يَسْقُطُ القِصاصُ عن البعض بعَفْوِ البعضِ؛ لأنَّهما شَخْصانِ، فلا يَسْقُطُ القِصاصُ عن أحَدِهما بإسْقاطِه عن الآخَرِ، كما لو قَتَلَ كلُّ واحدٍ رَجُلًا. وأمَّا إذا اختارُوا أخْذَ الدِّيَةِ من القاتِلِ، أو من بعضِ القَتَلةِ، فإنَّ لهم هذا من غيرِ رِضَى الجانِي. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس للأوْلِياءِ إلَّا القَتْلُ، إلَّا أن يَصْطَلِحَا على الدِّيَةِ برِضَى الجانِي. وعن مالكٍ، روايةٌ أُخْرَى، كقَوْلِنا. واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١). والمَكْتُوبُ لا يُتَخَيَّرُ فيه، ولأنَّه مُتْلَفٌ يَجِبُ به البَدَلُ، فكان بَدَلُه مُعَيَّنًا، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). قال ابنُ عباسٍ: كان في بَنِى إسرائيلَ القِصاصُ، ولم يَكُنْ فيهم الدِّيَةُ، فأنْزَلَ اللهُ تعالى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. الآية، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. فالعَفْوُ أن تُقْبَلَ في العَمْدِ الدِّيةُ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَتْبَعُ الطَّالِبُ بمَعْرُوفٍ (٢)، ويُؤَدَّى إليه المَطْلُوبُ ﴿بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. ممَّا كتبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ. رَوَاه البُخَارِىُّ (٣). ورَوَى أبو هُريرةَ، قال: قام رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "مَنْ قُتِلَ
стр. 6130
لَهُ (٤) قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، [إمَّا أن يُودَى، وإمَّا] (٥) يُقَادُ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وروى أبو شُرَيْجٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ثُمَّ أنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ، قَدْ قَتَلْتُم هذَا القَتِيلَ، وأنَا واللهِ عَاقِلُهُ، فمَنْ قَتَلَ بَعْدَه قَتِيلًا فَأَهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وَإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ". روَاه أبو داودَ، وغيرُه (٧). ولأنَّ القَتْلَ المَضْمُونَ إذا سَقَطَ فيه القِصاصُ من غيرِ إبْراءٍ، ثَبَتَ المالُ، كما لو عَفَا بعضُ الوَرَثَةِ، ويُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّ بَدَلَها يَجِبُ من جِنْسِها، وههُنا يَجِبُ في الخَطَإِ وعَمْدِ الخَطَإِ من غيرِ الجِنْس، فإذَا رَضِىَ في العَمْدِ ببَدَلِ الخَطَإِ، كان له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ حَقِّه، ولأنَّ القاتِلَ أمْكَنَه إحْياءُ نَفْسِه ببَذْلِ الدِّيَةِ، فلَزِمَه. ويَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه بما إذا كان رأسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، أو يَدُ القاطِعِ أنْقَصَ، فإنَّهم سَلَّمُوا فيهما.
فصل: واخْتلَفتِ الرِّوايةُ في مُوجَبِ العَمْدِ، فرُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ مُوجَبَه القِصاصُ عَيْنًا؛ لقولِه ﵇: "مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَهُو قَوَدٌ" (٨). ولِمَا ذكَرُوه في دلِيلِهم. ورُوِىَ أنَّ مُوجَبَه أحدُ شَيْئينِ؛ القِصاصِ، أو الدِّيَةِ؛ لما ذكَرْناه قبلَ هذا، ولأنَّ الدِّيَةَ أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ، فكانت بَدَلًا عنها، لا عن بَدَلِها، كالقِصاصِ. وأمَّا الخبرُ، فالمُرادُ به وُجوبُ القَوَدِ، ونحنُ نقولُ به، ويُخالِفُ القَتْلُ سائِرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّ بَدَلَها لا يخْتلفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، والقَتْلُ بخِلافِه. وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتَيْنِ. فإذا قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ عَيْنًا، فله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والعَفْوُ مُطْلَقًا، فإذا