← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

الجُرْحِ. ولا يَمْتَنِعُ وُجوبُ القِصاصِ في النَّفْسِ، مع أنَّه لا يَجِبُ كمالُ الدِّيَةِ بالعَفْوِ عنه، كما لو قَطَعَ يَدًا، فانْدَمَلَتْ واقْتصَّ منها، ثم انتقَضَتْ وسَرَتْ إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ، وليس له العَفْوُ إلَّا على نِصْفِ الدِّيَةِ. وإن قَطَعَ يَدَه من نِصْفِ السَّاعِدِ، فعَفَا عن القِصاصِ، ثم سَرَى، فعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يَسْقُطُ القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ، فهو كالجائِفةِ. ومَنْ جَوَّزَ له القِصاصَ من الكُوعِ، أسْقَطَ القِصاصَ في النَّفْسِ، كما لو كان القَطْعُ من الكُوعِ. وقال المُزَنيُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ عن دِيَةِ الجُرْحِ قبلَ انْدِمالِه، فلو قَطَعَ يدًا، فعَفَا عن دِيَتِها وقِصاصِها، ثم انْدَمَلَتْ، لم تَسْقُطْ دِيَتُها، وسَقَطَ قِصاصُها؛ لأنَّ القِصاصَ قد وَجَبَ فيها، فصَحَّ العَفْوُ عنه، بخلافِ الدِّيَةِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ دِيَةَ الجُرْحِ إنَّما وجَبَتْ بالجِنايةِ، إذْ هي السَّبَبُ، ولهذا لو جَنَى على طَرَفِ عَبْدٍ ثم باعَه قبلَ بُرْئِه (٣٢)، كان أرْشُ الطَّرَفِ لبائِعِه لا لمُشْتَرِيه، وتَأْخِيرُ المُطالبةِ به لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ الوُجُوبِ، وامْتِناعُ صِحَّةِ العَفْوِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لا تُمْلَكُ المُطَالَبةُ به، ويَصِحُّ العَفْوُ عنه، كذا ههُنا. فصل: فإن قَطَعَ يَدَه، فعَفَا عنه، ثم عاد الجانِي فقَتَلَه، فلِوَلِيِّه القِصاصُ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ. وقال (٣٣) بعضهُم: لا قِصاصَ؛ لأنَّ العَفْوَ حَصَلَ عن بَعْضِه، فلا يُقْتَلُ به، كما لو سَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه. ولَنا، أن القَتْلَ انْفَرَدَ عن القَطْعِ، فعَفْوُه عن القَطْعِ لا يَمْنَعُ ما يَلْزَمُ بالقَتْلِ، كما لو كان القاطِعُ غيرَه. وإن اختار الدِّيَةَ، فقال القاضي: ان كان العَفْوُ عن الطَّرَفِ إلى غيرِ دِيَةٍ، فله بالقَتْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ، ولأنَّ القَتْلَ إذا تَعَقَّبَ الجِنايةَ قبلَ الانْدِمالِ، كان كالسِّرَايةِ، ولذلك لو لم يَعْفُ لم يَجِبْ أكثرُ من دِيَةٍ، والقَطْعُ يَدْخُلُ في القَتْلِ في الدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ؛ ولذلك لو أراد القِصاصَ كان له أن يَقْطَعَ ثم يَقتُلَ، ولو صار الأمرُ إلى الدِّيةِ لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ. وقال أبو الخَطَّابِ: له العَفْوُ إلى دِيَةٍ كاملةٍ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ

стр. 6127

الشافعيِّ؛ لأنَّ القَطْعَ مُنْفَرِدٌ عن القَتْلِ (٣٤)، فلم يَدْخُلْ حكمُ أحَدِهما في الآخَرِ، كما لو انْدَمَلَ، ولأنَّ القَتْلَ مُوجِبٌ للقَتْلِ (٣٥)، فأوْجَبَ الدِّيَةَ كاملةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْه عَفْوٌ. وفارَقَ السِّرايةَ، فإنَّها لم تُوجِبْ قَتْلًا، ولأنَّ السِّرَايةَ عُفِىَ عن سَبَبِها، والقَتْلُ لم يُعْفَ عن شيءٍ منه، ولا عن سَبَبِه، وسَواءٌ فيما ذكَرْنا كان العافِي عن الجُرْحِ أخَذَ دِيَةَ [طَرفِه أو لم] (٣٦) يَأْخُذْها. فصل: وإن قَطَعَ إصْبَعًا، فعَفَا المَجْنِيُّ عليه عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجِنايةُ إلى الكَفِّ، ثم انْدَمَلَ الجُرْحُ، لم يَجِب القِصاصُ؛ لما ذكَرْنا في النَّفْسِ، ولأنَّ القِصاصَ سَقَطَ في الإِصْبَعِ بالعَفْوِ، فصارت اليَدُ ناقِصةً لا تُؤْخَذُ بها الكاملةُ. ثم إن كان العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ [دِيَةُ الْيَدِ] (٣٧) كلِّها، وإن كان على غيرِ مالٍ، خُرِّجَ فيه من الخِلافِ ما ذكَرْنا فيما إذا قَطَعَ يَدًا فعَفَا المَجْنِي عليه، ثم سَرَى إلى نَفْسِه. فعلى هذا، تَجِبُ ههُنا دِيَةُ الكَفِّ إلَّا (٣٨) دِيَةَ الإِصْبَعِ. ذكَره أبو الخَطَّابِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ. وقال القاضي: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه (٣٩) لا يَجِبُ شيءٌ. وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ؛ لأنَّ العَفْوَ عن الجِنايةِ عَفوٌ عن ما يَحْدُثُ منها (٤٠)، وقد قال القاضي: إنَّ القياسَ فيما إذا قَطَعَ اليَدَ، ثم سَرَى إلى النَّفْسِ، أن يَجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، فيَلْزَمُه أن يقولَ مثلَ ذلك ههُنا. فصل: فإن قال: عَفَوْتُ عن الجنايةِ، وما يَحْدُثُ منها، صَحَّ عَفْوُه، ولم يَكُنْ له في سِرَايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ في ظاهرِ (٤١) كلامِ أحمدَ. وسواءٌ عَفَا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوصِيَّةِ،

стр. 6128

وممَّن قال بصِحَّةِ عَفْوِ المَجْرُوحِ عن دَمِه؛ مالكٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والأوْزاعيُّ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إذا قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها. ففيه قَوْلان؛ أحدهما (٤٢)، أنَّه وَصِيَّةٌ، فَيُبْنَى على الوَصِيَّةِ للقاتلِ، وفيها (٤٣) قَوْلان؛ أحدهما، لا يَصِحُّ، فتَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ. والثاني، يَصِحُّ، فإن خَرَجَتْ من الثُّلثِ سَقَطَ، وإلَّا سَقَطَ منها ما خَرَجَ من الثُّلثِ، ووَجَبَ الباقي. والقولُ الثاني، ليس بوَصِيَّةٍ؛ لأنَّه إسْقاطٌ في الحَياةِ، فلا يَصِحُّ، وتَلْزَمُه دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ. ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، فسَقَطَ، كما لو أسْقَطَ الشُّفْعةَ بعدَ البَيْعِ، إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين أن يَخْرُجَ من الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ؛ لأنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، في إحْدَى الرِّوْايتَيْنِ، أو أحَدُ شَيْئينِ، في الرِّوايةِ الأُخْرَى، فما تَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ، ولا تَعَيَّنتِ الوَصِيَّةُ بمالٍ، ولذلك صَحَّ العَفْوُ من المُفْلِسِ إلى غيرِ مالٍ. وأمَّا جِنايةُ الخَطَإِ، فإذا عَفَا (٤٤) عنها وعمَّا يَحْدُثُ منها، اعْتُبِرَ خُرُوجُها من الثُّلُثِ، سواءٌ عَفَا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوَصِيَّةِ أو الإِبْراءِ أو غيرِها، فإن خَرَجَتْ من الثُّلثِ، صَحَّ عَفْوُه في الجميعِ، وإن لم تَخْرُجْ من الثُّلثِ، سَقَطَ عنه من دِيَتِها ما احْتَمَلَه الثُّلثُ. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ونحوَه قال عمرُ بن عبد العزيزِ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ههُنا بمالٍ. فصل: فإن اخْتَلَفَ الجانِي والوَلِيُّ أو المَجْنِيُّ عليه. فقال الجانِي: عَفَوْتَ مُطْلقًا. وقال المَجْنِيُّ عليه: بل عَفَوْتُ إلى مالٍ. أو قال: عَفَوْتَ عن الجِنايةِ وما يَحْدُثُ منها. قال: بل عَفوْتُ عنها دون ما يَحْدُثُ منها. فالقولُ قولُ المجْنِيِّ عليه أو وَلِيِّه إن كان الخِلافُ معه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العَفْوِ عن الجميعِ، وقد ثَبَتَ العَفْوُ عن البعضِ بإقْرارِه، فيكونُ القولُ في عَدَمِ سِواهُ (٤٥) قولَه.

стр. 6129

١٤٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَتْلِ، فَأحَبَّ الأَوْلِيَاءُ أنْ يَقْتُلُوا الْجَمِيعَ، فَلَهُمْ ذلِكَ، وإنْ أحَبُّوا أنْ يَقْتُلُوا الْبَعْضَ، ويَعْفُوا عَنِ الْبَعْضِ، وَيأْخُذُوا الدِّيَةَ مِنَ الْبَاقِينَ، فَلَهُمْ ذلِكَ) أمَّا قَتْلُهُم للجميعِ، فقد ذكَرناه فيما مَضَى، وأمَّا إنْ أحَبُّوا قَتْلَ البعضِ فلهم ذلك، لأنَّ كلَّ مَنْ لهم قَتْلُه فلهم الْعَفْوُ عنه، كالمُنْفَرِدِ، ولا يَسْقُطُ القِصاصُ عن البعض بعَفْوِ البعضِ؛ لأنَّهما شَخْصانِ، فلا يَسْقُطُ القِصاصُ عن أحَدِهما بإسْقاطِه عن الآخَرِ، كما لو قَتَلَ كلُّ واحدٍ رَجُلًا. وأمَّا إذا اختارُوا أخْذَ الدِّيَةِ من القاتِلِ، أو من بعضِ القَتَلةِ، فإنَّ لهم هذا من غيرِ رِضَى الجانِي. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس للأوْلِياءِ إلَّا القَتْلُ، إلَّا أن يَصْطَلِحَا على الدِّيَةِ برِضَى الجانِي. وعن مالكٍ، روايةٌ أُخْرَى، كقَوْلِنا. واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١). والمَكْتُوبُ لا يُتَخَيَّرُ فيه، ولأنَّه مُتْلَفٌ يَجِبُ به البَدَلُ، فكان بَدَلُه مُعَيَّنًا، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). قال ابنُ عباسٍ: كان في بَنِى إسرائيلَ القِصاصُ، ولم يَكُنْ فيهم الدِّيَةُ، فأنْزَلَ اللهُ تعالى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. الآية، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. فالعَفْوُ أن تُقْبَلَ في العَمْدِ الدِّيةُ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَتْبَعُ الطَّالِبُ بمَعْرُوفٍ (٢)، ويُؤَدَّى إليه المَطْلُوبُ ﴿بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. ممَّا كتبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ. رَوَاه البُخَارِىُّ (٣). ورَوَى أبو هُريرةَ، قال: قام رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "مَنْ قُتِلَ

стр. 6130

لَهُ (٤) قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، [إمَّا أن يُودَى، وإمَّا] (٥) يُقَادُ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وروى أبو شُرَيْجٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ثُمَّ أنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ، قَدْ قَتَلْتُم هذَا القَتِيلَ، وأنَا واللهِ عَاقِلُهُ، فمَنْ قَتَلَ بَعْدَه قَتِيلًا فَأَهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وَإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ". روَاه أبو داودَ، وغيرُه (٧). ولأنَّ القَتْلَ المَضْمُونَ إذا سَقَطَ فيه القِصاصُ من غيرِ إبْراءٍ، ثَبَتَ المالُ، كما لو عَفَا بعضُ الوَرَثَةِ، ويُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّ بَدَلَها يَجِبُ من جِنْسِها، وههُنا يَجِبُ في الخَطَإِ وعَمْدِ الخَطَإِ من غيرِ الجِنْس، فإذَا رَضِىَ في العَمْدِ ببَدَلِ الخَطَإِ، كان له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ حَقِّه، ولأنَّ القاتِلَ أمْكَنَه إحْياءُ نَفْسِه ببَذْلِ الدِّيَةِ، فلَزِمَه. ويَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه بما إذا كان رأسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، أو يَدُ القاطِعِ أنْقَصَ، فإنَّهم سَلَّمُوا فيهما. فصل: واخْتلَفتِ الرِّوايةُ في مُوجَبِ العَمْدِ، فرُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ مُوجَبَه القِصاصُ عَيْنًا؛ لقولِه ﵇: "مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَهُو قَوَدٌ" (٨). ولِمَا ذكَرُوه في دلِيلِهم. ورُوِىَ أنَّ مُوجَبَه أحدُ شَيْئينِ؛ القِصاصِ، أو الدِّيَةِ؛ لما ذكَرْناه قبلَ هذا، ولأنَّ الدِّيَةَ أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ، فكانت بَدَلًا عنها، لا عن بَدَلِها، كالقِصاصِ. وأمَّا الخبرُ، فالمُرادُ به وُجوبُ القَوَدِ، ونحنُ نقولُ به، ويُخالِفُ القَتْلُ سائِرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّ بَدَلَها لا يخْتلفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، والقَتْلُ بخِلافِه. وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتَيْنِ. فإذا قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ عَيْنًا، فله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والعَفْوُ مُطْلَقًا، فإذا

стр. 6131

عَفَا مُطْلَقًا، لم يَجِبْ شيءٌ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ، وقال بعضُهم: تَجِبُ الدِّيَةُ، لئلَّا يُطَلَّ (٩) الدَّمُ. وليس بشيءٍ؛ لأنَّه لو عَفَا عن الدِّيَةِ بعدَ وُجُوبِها، صَحَّ عَفْوُه، وإن عَفَا عن القِصاصِ بغيرِ مالٍ، لم يَجِبْ شيءٌ، فأمَّا إن عَفَا عن الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ عَفْوُه؛ لأنَّها لم تَجِبْ. وإن قُلْنا: الواجبُ أحَدُ شَيْئينِ لا بعَيْنِه. فعَفَا عن القِصاصِ مُطْلَقًا، أو إلى الدِّيَةِ، وجَبَتِ الدِّيَةُ؛ لأنَّ الواجِبَ غيرُ مُعَيَّنٍ، فإذا تَرَكَ أحَدَهما وجَبَ (١٠) الآخَرُ، وإن اختارَ الدِّيَةَ، سَقَطَ القِصاصُ، وإن اختار القِصاصَ، تعَيَّنَ. وهل له بعد ذلك العَفْوُ على الدِّيَةِ؟ قال القاضي: له ذلك؛ لأنَّ القِصاصَ أعْلَى، فكان له الانْتِقالُ إلى الأدْنَى، ويكونُ بدَلًا عن القِصاصِ، وليست (١١) التي وجَبَتْ بالقَتْلِ، كما قُلْنا في الرِّوايةِ الأُولَى: إنَّ الواجِبَ القِصاصُ عَيْنًا، وله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ. ويَحْتَملُ أنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَها باخْتِيارِه القَوَدَ فلم يَعُدْ إليها. فصل: وإذا جَنَى عَبْدٌ على حُرٍّ جِنايةً مُوجِبَةً للقِصاصِ، فاشْترَاه المَجْنِيُّ عليه بأرْشِ الجنايةِ، سَقَطَ القِصاصُ؛ لأنَّ عُدُولَه إلى الشِّراءِ (١٢) اختيارٌ للمالِ، ولا يَصِحُّ الشِّراءُ؛ لأنَّهما إن لم يَعْرِفَا قَدْرَ الأرْشِ فالثَّمنُ مَجْهُولٌ، وإن عَرَفَا عَدَدَ الإِبلِ وأسْنانَها فصِفَتُها مَجْهولةٌ، والجَهْلُ بالصِّفَةِ كالجَهْلِ بالذَّاتِ في فَسَادِ البَيْعِ؛ ولذلك لو باعَه شَيئًا بِحِمْلِ جَذَعٍ غيرِ مَعْرُوفِ الصِّفَةِ، لم يَصِحَّ، وإن قَدَّرَ الأرْشَ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ وباعَه به، صحَّ. فصل: (١٣) إذا وَجَبَ القِصاصُ لصغيرٍ، لم يَجُزْ لوَلِيِّه العَفْوُ إلى غيرِ مالٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه. وإن أحَبَّ العَفْوَ إلى مالٍ، وللصَّبِيِّ كِفايةٌ من غيرِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ

стр. 6132

فيه تَفْوِيتَ حَقِّه من غيرِ حاجةٍ. فإن كان فقيرًا مُحْتاجًا، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لحاجَتِه إلى المالِ لِحِفْظِه. قال القاضي: هذا أصَحُّ. والثاني، لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ قِصاصِه، وأمَّا حاجَتُه فإنَّ نَفقَتَه في بيتِ المالِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ وُجُوبَ النَّفَقةِ في بيتِ المالِ لا يُغْنِيه إذا لم يَحْصُلْ، فأمَّا إن كان مُسْتَحِقُّ القِصَاصِ مَجْنُونًا فقيرًا، فلِوَلِيِّه العَفْوُ على المالِ؛ لأنَّه ليست حالةً معتادةً يُنْتَظَرُ فيها إفاقَتُه (١٤). فصل: ويَصِحُّ عَفْوُ المُفْلِسِ والمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ عن القِصاصِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ. وإن أراد المُفْلِسُ القِصاصَ، لم يكُنْ لغُرَمائِه إجْبارُه على تَرْكِه. وإن أحَبَّ العَفْوَ عنه إلى مالٍ، فله ذلك؛ لأنَّ فيه حَظًّا للغُرَماءِ. وإنْ أراد العَفْوَ على غيرِ (١٥) مالٍ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْنِ؛ إن قُلْنا: الواجِبُ القِصاصُ. فله ذلك؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له مالٌ يتَعَلَّقُ به حَقُّ الغُرَماءِ. وإن قُلْنا: الواجبُ أحَدُ شَيْئَيْنِ. لم يَمْلِكْ؛ لأنَّ المالَ يَجِبُ بقَوْلِه: عَفَوْتُ عن القِصاصِ. فقَوْلُه: على غيرِ مالٍ. إسْقاطٌ له بعدَ وُجُوبِه وتَعْيِينِه، ولا يَمْلِكُ ذلك. وهكذا الحكمُ في السَّفِيهِ ووَارِثِ المُفْلِسِ. وإن عَفَا المَرِيضُ على غيرِ مالٍ، فذكَرَ القاضِي في موضعٍ، أنَّه يَصِحُّ، سواءٌ خَرَجَ من الثُّلثِ أو لم يَخْرُجْ. وذكر أنَّ أحمدَ نَصَّ على هذا. وقال في مَوْضعٍ: يُعْتَبَرُ خُرُوجُه من ثُلثِه، ولعلَّه يَنْبَنِي على الرِّوايتَيْنِ في مُوجَبِ العَمْدِ، على ما مَضَى. فصل: وإذا قُتِلَ مَنْ لا وارِثَ له، فالأمرُ إلى السُّلطانِ؛ فإن أحَبَّ القِصاصَ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ على مالٍ فله ذلك، وإن أحَبَّ العَفْوَ إلى غيرِ مالٍ لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ ذلك للمسلمينَ، ولا حَظَّ لهم في هذا. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّهم لا يَرَوْنَ العَفْوَ على مالٍ إلَّا برِضَى الجانِي. فصل: وإذا اشْتَرَكَ الجماعةُ في القَتْلِ، فعَفَا عنهم إلى الدِّيَةِ، فعليهم دِيَةٌ واحدةٌ، وإن

стр. 6133

عَفَا عن بعضِهم، فعلى المَعْفُوِّ عنه قِسْطُه (١٦) من الدِّيَةِ؛ لأنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ المَحَلِّ، وهو واحدٌ، فتكونُ دِيَتُه واحدةً، سواءٌ أتْلَفَه واحدٌ أو جماعةٌ. وقال ابنُ أبي مُوسَى: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ على كلِّ واحدٍ دِيَةً كاملةً؛ لأنَّ له قَتْلَ كلِّ واحدٍ منهم، فكان على كلِّ واحدٍ منهم دِيةُ نَفْسٍ كاملةٍ، كما لو قَلَعَ الأَعْوَرُ عينَ صحيحٍ، فإنَّه تَجِبُ عليه دِية عَيْنِه، وهو دِيَةٌ كاملةٌ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الواجِبَ بَدَلُ المُتْلَفِ، فلا يخْتلِفُ باخْتلافِ (١٧) المُتْلَفِ، ولذلك لو قَتَلَ عَبْدٌ قِيمَتُه ألْفانِ حُرًّا، لم يَمْلِك العَفْوَ على أكْثَرَ من الدِّيَةِ، وأمَّا القِصاصُ، فإنَّه عُقُوبةٌ على الفِعْلِ، فيتَعَدَّدُ بتَعَدُّدِه. ١٤٥٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا (١) قُتِلَ مَنْ لِلْأَوْلِيَاءِ أنْ [يُقِيدُوا بِهِ] (٢)، فَبَذَلَ الْقَاتِلُ أكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى أنْ لَا يُقَادَ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ قَبُولُ ذلِكَ) وجملتُه أنَّ مَن له القِصاصُ، له أن يُصالحَ عنه بأكْثرَ من الدِّيَةِ، وبقَدْرِها وأقَلَّ منها، لا أعْلمُ فيه خِلافًا؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ؛ فَإنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شَاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ، ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وثلَاثِينَ جَذَعةً، وأرْبَعِينَ خَلِفَةً (٣)، وَمَا صَالَحُوا (٤) عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُم". وذلك لتَشْدِيدِ الْعَقْلِ (٥). روَاه التِّرْمِذِيُّ (٦)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وروَيْنا أنَّ هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَبَذَلَ سعيدُ بن العاصِ والحسنُ والحسينُ لابنِ المَقْتُولِ سَبْعَ

стр. 6134

دِياتٍ، لِيَعْفُوَ عنه، فأبَى ذلك، وقَتَلَه (٧). ولأنَّه عِوَضٌ عن غيرِ مالٍ، فجاز الصُّلْحُ عنه بما اتَّفَقُوا عليه، كالصَّداقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، ولأنَّه صلحٌ عمَّا لا يَجْرِى فيه الرِّبَا، فأشْبَهَ الصُّلْحَ عن العُرُوضِ. ١٤٥٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَمْسَكَ رَجُلًا وقَتَلَه آخَرُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ، وحُبِسَ الْمَاسِكُ حَتَّى يَمُوتَ) يقال: أَمْسَكَ ومَسَكَ ومَسَّكَ. وقد جَمَعَ الخِرَقِيُّ بين اللُّغَتَيْنِ، فقال: إذا أمْسَكَ، وحُبِس الماسِك. وهو اسمُ الفاعلِ من مَسَكَ مُخَفَّفًا. ولا خِلافَ في أنَّ القاتِلَ يُقْتَلُ؛ لأنَّه قَتَلَ مَن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ, وأمَّا المُمْسِكُ، فإنْ لم يَعْلَمْ أنَّ القاتِلَ يَقْتُلُه، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه مُتَسَبِّبٌ، والقاتلُ مباشرٌ، فيسْقُطُ (١) حكمُ المُتَسَبِّبِ به. وإن أمْسَكَه له لِيَقْتُلَه، مثل أن ضَبَطَه له حتى ذَبَحَه (٢). فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ فيه عن أحمدَ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه يُحْبَسُ حتى يَمُوتَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعةَ. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ أيضًا. وهو قولُ مالكٍ. قال سليمانُ بن (٣) مُوسَى: الاجتماعُ فينا أن يُقْتَلَا (٤)؛ لأنَّه لو لم يُمْسِكْه، ما قَدَرَ على قَتْلِه، وبإمْساكِه تمَكَّنَ من قَتْلِه، فالقَتْلُ حاصِلٌ بفِعْلِهِما، فيكونان شَرِيكَيْنِ فيه، فيَجِبُ عليهما القِصاصُ، كما لو جَرَحَاه. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعَاقَبُ، ويَأْثَمُ، ولا يُقْتَلُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ، مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ" (٥). والمُمْسِكُ غيرُ قاتِلٍ، ولأنَّ الإِمْساكَ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَتْ معه المُباشَرةُ،

стр. 6135

كان الضَّمانُ على المُباشِرِ، كما لو لم يَعْلَم المُمْسِكُ أنَّه يَقْتُلُه. ولَنا، ما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٦)، بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ، وقَتَلَه الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذي قَتَلَ، ويُحْبَسُ الَّذِي أمْسَكَ". ولأنَّه حَبَسَه إلى المَوْتِ، فيُحْبَسُ الآخَرُ إلى المَوْتِ، كما لو حَبَسَه عن الطَّعامِ والشَّرابِ حتى مات، فإنَّنا نَفْعَلُ به ذلك حتى يَمُوتَ. فصل: وإن اتَّبَعَ رَجُلًا ليَقْتُلَه، فهَرَبَ منه، فأدْرَكه آخَرُ، فقَطَعَ رِجْلَه، ثم أدْرَكه الثاني فقَتَلَه، نَظَرْتَ؛ فإن كان قَصْدُ الأَوَّلِ حَبْسَه بالقَطْعِ ليَقْتُلَه الثاني، فعليه القِصاصُ في القَطْعِ، وحُكْمُه في القِصاصِ في النَّفْسِ حُكْمُ المُمْسِكِ؛ لأنَّه حَبَسَه على القَتْلِ، وإن لم يَقْصِدْ حَبْسَه، فعليه القَطْعُ دُونَ القَتْلِ، كالذى أمْسَكَه غيرَ عالمٍ. وفيه وجهٌ آخَرُ، ليس عليه إلَّا القَطْعُ بكلِّ حالٍ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه الحابسُ له بفِعْلِه، فأشْبَهَ الحابِسَ بإمْساكِه. فإن قيل: فلِمَ اعْتَبَرْتُمْ قَصْدَ الإِمْساكِ ههُنا، وأنتم لا تَعْتَبِرُونَ إرادةَ القَتْلِ في الجارحِ؟ قُلْنا: إذا مات من الجُرْحِ، فقد مات من سِرَايَتِه وأثَرِه، فنَعْتَبِرُ قَصْدَ الجُرْحِ الذي هو السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الأثَرِ، وفي مسأَلَتِنا إنَّما كان مَوْتُه بأمْرٍ غيرِ السِّرَايةِ، والفِعْلُ مُمَكِّنٌ له عليه (٧)، فاعْتُبِرَ قَصْدُه لذلك الفِعْلِ، كما لو أمْسَكَه. ١٤٥٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا، وَكَانَ الْعَبْدُ أعْجَمِيًّا، لَا يَعْلَمُ أن القَتْلَ مُحَرَّمٌ، قُتِلَ السَّيِّدُ، وإنْ كَانَ يَعْلَمُ خَطَرَ القَتْلِ، قُتِلَ العَبْدُ، وأُدِّبَ السَّيِّدُ) إنَّما ذكَرَ الْخِرَقِيُّ (١) كَوْنَه أعْجَمِيًّا، وهو الذي لا يُفْصِحُ، ليَتَحَقَّقَ منه الجَهْلُ، وإِنَّما يكون الجَهْلُ (١) في حَقِّ من نَشَأَ في غيرِ بلادِ الإِسْلامِ، فأمَّا مَن أقَامَ في بلادِ الإِسلامِ

стр. 6136

بين أهْلِهِ، فلا يَخْفَى عليه تَحْرِيمُ القَتْلِ، ولا يُعْذَرُ في فِعْلِه، ومتى كان العبدُ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ القَتْلِ، فالقِصاصُ عليه، ويُؤَدَّبُ سَيِّدُه؛ لأمْرِه بما أفْضَى إلى القَتْلِ، بما يَرَاه الإِمامُ من الحَبْسِ والتَّعْزِيرِ. وإن كان غيرَ عالمٍ بخَطَرِه، فالقِصاصُ على سَيِّدِه، ويُؤَدَّبُ العَبْدُ. قال أحمدُ: يُضْرَبُ ويُؤَدَّبُ. ونَقَلَ عنه أبو طالبٍ، قال: يُقْتَلُ المَوْلَى (٢)، ويُحْبَسُ العَبْدُ حتى يَمُوتَ؛ لأنَّ العَبْدَ سَوْطُ المَوْلَى وسَيْفُه. كذا قال علىٌّ، وأبو هُرَيرةَ. وقال علىٌّ، رَضى اللهُ عنه: يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ. وممَّن قال بهذه الجملةِ الشافعيُّ. ومِمَّنْ قال: إنَّ السَّيِّدَ يُقْتَلُ؛ عَلِىٌّ، وأبو هُرَيْرةَ. وقال قَتادةُ: يُقْتَلانِ جميعًا. وقال سليمانُ بن مُوسَى: لا يُقْتَلُ الآمِرُ، ولكنْ يَديهِ، ويُعاقَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يُباشِرِ القَتْلَ، ولا ألْجأَ إليه، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو عَلِمَ العَبْدُ خَطَرَ القَتْلِ. ولَنا، أن العَبْدَ إذا كان غيرَ عالمٍ بخَطَرِ القَتْلِ، فهو مُعْتَقِدٌ إباحَتَه، وذلك شُبْهةٌ تَمْنَعُ القِصاصَ، كما لو اعْتَقَده صَيْدًا فرَماه، فبان إنْسانًا، ولأنَّ حِكْمةَ القِصاصِ الرَّدْعُ والزَّجْرُ، ولا يَحْصُلُ ذلك في مُعْتَقِدِ الإِبَاحةِ، وإذا لم يَجِبْ عليه، وَجَبَ على السَّيِّدِ، لأنَّه آلةٌ له، لا يُمْكِنُ إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَبَ على المُتَسَبِّبِ به، كما لو أنْهَشَه حَيّةً أو كَلْبًا، أو ألْقاه في زُبْيَةِ أسَدٍ فأكَلَه. ويُفارِقُ هذا ما إذا عَلِمَ خَطَرَ القَتْلِ، فإنَّ القِصاصَ على العَبْدِ؛ لإِمْكانِ إيجابِه عليه، وهو مباشِرٌ له، فانْقَطَعَ حُكْمُ الآمِرِ، كالدافعِ مع الحافرِ، ويكونُ على السَّيِّدِ الأدَبُ؛ لِتَعَدِّيه بالتَّسَبُّبِ إلى القَتْلِ. فصل: ولو أمَرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يعلمُ خَطَرَ القَتْلِ، فقَتَلَ، فالحُكْمُ فيه [كالحكمِ في العَبْدِ] (٣)، يُقْتَلُ الآمِرُ دُوَنَ المُباشِرِ. ولو أمَرَه بزِنًى، أو سَرِقةٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على الآمِرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلَّا على المُباشِرِ، والقِصاصُ يجبُ بالتَّسَبُّبِ، ولذلك وجَبَ على المُكْرَهِ والشُّهُودِ في القِصاصِ. فصل: ولو أمَرَ السّلْطانُ رَجُلًا، فقَتَلَ آخَرَ، فإن كان القاتِلُ يعلمُ أنَّه

стр. 6137

لا يَسْتَحقُّ قَتْلَه، فالقِصاصُ عليه دُونَ الآمِرِ؛ لأنَّه غيرُ مَعْذُورٍ في فِعْلِه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ" (٤). وعنه ﵇ أنَّه قال: "مَنْ أمَرَكُمْ مِنَ الْوُلاةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، فَلَا تُطِيعُوهُ" (٥). فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أمَرَه غيرُ السلطانِ. وإن لم يَعْلَمْ ذلك، فالقِصاصُ على الآمِرِ دُونَ المَأْمورِ؛ لأنَّ المأمورَ مَعْذُورٌ، لوُجُوبِ طاعةِ الإِمامِ فيما ليس بمَعْصِيَةٍ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَأْمُرُ إلَّا بالحَقِّ. وإن أمَرَه غيرُ السلطانِ من الرَّعِيَّةِ بالقَتْلِ، فقَتَلَ، فالْقَوَدُ على المأمورِ بكلِّ حالٍ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه طاعَتُه، وليس له القَتْلُ بحالٍ، بخلافِ السلطانِ، فإنَّ إليه القَتْلَ للرِّدَّة، والزِّنَى، وقَطْعِ الطريقِ إذا قَتَلَ القاطعُ، ويَسْتَوْفِى القِصاصَ للناسِ، وهذا ليس إليه شيءٌ من ذلك. وإن أكْرَهَه السُّلطانُ على قَتْلِ أحدٍ، أو جَلْدِه بغير حَقٍّ، فماتَ، فالقِصاصُ عليهما. وإن وجَبَتِ الدِّيَةُ، كانت عليهما. فإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ جَوازَ القَتْلِ دُونَ المأْمورِ، كمُسْلِمٍ قتَل ذِمِّيًّا، أو حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا، فقَتَلَه، فقال القاضي: الضَّمانُ عليه دُونَ الإِمامِ؛ لأنَّ الإِمامَ أمَرَه بما أدَّى اجْتِهادُه إليه، والمأمورُ لا يَعْتَقِدُ جوازَه، فلم يكُنْ له أن يَقْبَلَ أمْرَه، فإذا قَتَلَه، لَزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه قَتَلَ مَنْ لا يَحِلُّ له قَتْلُه. ويَنْبَغِى أن يُفَرَّقَ بين الْعَامِّىِّ والمُجْتَهِدِ؛ فإن كان مُجْتَهِدًا، فالحكمُ فيه على ما ذكَره القاضِى، وإن كان مُقَلِّدًا، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ له تَقْلِيدَ الإِمامِ فيما رَآه. وإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، والقاتلُ يعْتقِدُ حِلَّه، فالضَّمانُ على الآمرِ، كما لو أمَرَ السَّيِّدُ الذي لا يَعْتَقِدُ تَحْريمَ القَتْلِ به. واللَّه أعلم.

стр. 6138

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الثاني عشر دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 6139

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6140

المغْني

стр. 6141

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 6142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الدِّياتِ الأصْلُ في وُجُوبِ الدِّيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. الآية (١). وأما السُّنَّةُ، فرَوَى أبو بكرٍ بن محمدِ بن عمرِو بن حَزْمٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَتَبَ لعمرِو بن حَزْمٍ كتابًا إلى أهْلِ اليَمَنِ، فيه الفَرَائِضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، وقال فيه: "وإنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ". روَاه النَّسَائِىُّ، في "سُنَنِه"، ومالكٌ، في "مُوَطَّإِه" (٢). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو كتابٌ مشهورٌ عند أهْلِ السِّيَرِ (٣)، معروفٌ (٤) عند أهلِ العلمِ مَعْرِفَةً يَسْتَغْنِى بشُهْرَتِها عن الإِسْنادِ؛ لأنَّه أشْبَهَ التَّواتُرَ (٥)، في مَجِيئِه في أحاديثَ كثيرةٍ. تأْتِى في مواضِعِها من البابِ، إن شاءَ اللهُ. وأجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على وُجُوبِ الدِّيَةِ في الجُمْلةِ.

стр. 6143

١٤٦٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَدِيَةُ الحُرِّ المُسْلِم مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الإِبِلَ أصْلٌ في الدِّيَةِ، وأنَّ دِيَةَ الحُرِّ المسلمِ مائةٌ من الإِبِلِ. وقد دَلَّتْ عليه الأحاديثُ الواردةُ؛ منها حديثُ عمرِو بن حَزْمٍ، وحديثُ عبدِ اللَّه بن عَمْرو (١) في دِيَةِ خَطَإِ العَمْدِ، وحديثُ ابنِ مسعودٍ في دِيَةِ الخَطَإِ، وسنذكرُها (٢) إن شاء اللهُ. وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّ الأصْلَ في الدِّيَةِ الإِبِلُ لا غيرُ. وهذا إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عن أحمدَ، ﵀، ذكر ذلك أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ طَاوُسٍ، والشافعىِّ، وابن المُنْذِرِ. وقال القاضي: لا يخْتلِفُ المذهبُ أَنَّ أُصولَ الدِّيَةِ الإِبلُ والذَّهَبُ والوَرِقُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فهذه خَمْسَةٌ لا يخْتلِفُ المذهبُ فيها. وهذا قولُ عمرَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وفُقَهاءِ المدينةِ السَّبْعةِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأبو يوسفَ ومحمدٌ؛ لأنَّ عمرَو بن حَزْمٍ رَوَى في كتابِه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليمنِ: "وأنَّ فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وعَلَى أهْلِ الوَرِقِ (٣) ألْفُ دِينَارٍ". روَاه النَّسَائِىُّ (٤). ورَوَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا من بَنِى (٥) عَدِىٍّ قُتِلَ، فجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ دِيَتَه اثْنَى عشرَ ألْفًا. روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٦). ورَوَى الشَّعْبِىُّ، أنَّ عمرَ جَعَلَ على أهلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ. وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ قام خَطِيبًا، فقال: ألا إنَّ الإِبِلَ قد غَلَتْ. قال (٧): فقَوّمَ على أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَى عشرَ ألْفًا،

стр. 6144

وعلى أهل البَقَر مائتَىْ بَقَرة، وعلى أهلِ الشَّاةِ ألْفَىْ شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتَىْ حُلَّةٍ. رَوَاه أبو داودَ (٨). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والْعَصَا، مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ" (٩). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرّقَ (١٠) بين دِيَةِ العَمْدِ والْخَطَإِ، فغَلَّظَ بعضَها، وخَفَّفَ بعضَها (١١)، ولا يتَحَقَّقُ هذا في غيرِ الإِبِلِ، ولأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ حَقًّا لآدَمِىٍّ، فكان مُتَعَيِّنًا، كعِوَضِ الأمْوالِ. وحديثُ ابنِ عباسٍ يَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أوْجَبَ الوَرِقَ بَدَلًا عن الإِبلِ، والخِلافُ في كونِها أصْلًا. وحَدِيثُ عمرِو بن شُعَيْبٍ يَدُلُّ على أنَّ الأصْلَ الإِبِلُ، فكان (١٢) إيجابُه لهذه المَذْكُوراتِ على سَبِيلِ التَّقْوِيمِ، لغَلَاءِ الإِبِلِ، ولو كانت أُصُولًا بنَفْسِها، لم يكُنْ إيجابُها تَقْوِيمًا للإِبلِ، ولا كان لغَلاءِ الإِبلِ أثرٌ في ذلك، ولا لذِكْرِه مَعْنًى. وقد رُوِىَ أنَّه كان يُقَوِّمُ الإِبِلَ قبلَ أن تَغْلُوَ بثَمانِيةِ آلافِ (١٣) دِرْهَمٍ، ولذلك قيل: إنَّ دِيَةَ الذِّمِّىِّ أرْبعةُ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيتُه نِصْفُ الدِّيَةِ، فكان ذلك أرْبعةَ آلافٍ حين كانت الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافِ دِرْهَمٍ (١٤). فصل: فإذا قُلْنا: هي خمسةُ أصُولٍ، فإنَّ قَدْرَها من الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقالٍ، ومن الوَرِق اثنا عَشرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومن البَقَرِ والحُلَلِ مائتَانِ، ومن الشاةِ ألْفانِ (١٥)، ولم يخْتلِف القائِلُون بهذه الأصُولِ في قَدْرِها من الذَّهَبِ، ولا من سائِرِها، إلَّا الوَرِق، فإنَّ الثَّوْرِىِّ وأبا حنيفةَ وصاحِبَيْه قالوا: قَدْرُها عَشْرةُ آلافٍ من الوَرِقِ. وحُكِىَ ذلك عن ابن

стр. 6145

شُبْرُمَةَ؛ لما رَوَى الشَّعْبِىُّ، أنَّ عمرَ جَعَلَ على أهلِ الوَرِقِ عشرةَ آلافٍ. ولأنَّ الدِّينارَ مَعْدُولٌ في الشَّرْعِ بعَشْرةِ دَرَاهِم، بدليلِ أنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مثقالًا، ونِصابَ الفِضَّةِ مائتان (١٦). وبما ذكَرْناه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ في قولٍ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ؛ لما ذكَرْنا من حديثِ ابن عباسٍ، وحديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن عمرَ، ولأنَّ الدِّينارَ مَعْدُولٌ باثنى عشر دِرْهمًا، بدليلِ أنَّ عمرَ فرَضَ الجِزْيةَ على الغَنِىِّ أرْبعةَ دَنانِير أو ثمانيةً وأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وعلى المُتَوسِّطِ دِينارَيْن، أو أرْبعة وعِشْرين دِرْهَما، وعلى الفقيرِ دينارًا أو اثْنَىْ عشرَ دِرْهَمًا (١٧). وهذا أوْلَى ممَّا ذكَرُوه في نصابِ الزكاةِ، ولأنَّه (١٨) لا يَلْزَمُ أن يكونَ نِصابُ أحَدِهما مَعْدُولًا بنِصابِ الآخَرِ، كما أنَّ السَّائِمةَ من بَهِيمةِ الأنْعامِ ليس نِصابُ شيءٍ منها مَعْدُولًا بِنِصَابِ غيرِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس مع مَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ عشرةَ آلافٍ عن النبيِّ ﷺ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ولا مُرْسَلٌ، وحَدِيثُ الشعبيِّ عن عمرَ، يُخالِفُه حديثُ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه عنه. فصل: وعلى هذا، أىُّ شيءٍ أحْضَرَه مَنْ عليه الدِّيَةُ من القاتلِ أو العاقِلَةِ من هذه الأُصُولِ، لَزِمَ الوَلِىَّ أخْذُه، ولم يكُنْ له المُطالَبةُ بغيرِه، سواءٌ كان من أهْلِ ذلك النَّوعِ، أو لم يَكُنْ؛ لأنَّها أُصولٌ في قَضاءِ الواجِبِ، يُجْزِئُ واحدٌ منها، فكانت الْخِيَرَةُ إلى مَنْ وَجَبَتْ عليه، كخِصَالِ الكَفَّارَةِ، وكشَاتَىِ الجُبْرانِ في الزِّكاةِ مع الدَّرَاهِمِ. وإن قُلْنا: الأصْلُ الإِبلُ خاصَّةً. فعليه تَسْلِيمُها إليه سَلِيمةً من العُيُوبِ، وأيُّهما أراد العُدُولَ عنها إلى غيرِها، فلِلْآخَرِ مَنْعُه؛ لأنَّ الحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فيها، فاسْتُحِقَّتْ، كالمِثْلِ في المِثْلِيَّاتِ المُتْلَفةِ. وإن أعْوَزَتِ الإِبِلُ، ولم تُوجَدْ إلَّا بأكثرَ من ثمنِ المِثْلِ، فله العُدُولُ إلى ألْفِ

стр. 6146

دِينارٍ، أو اثْنَى عَشرَ ألْفَ دِرْهَمٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ القديمُ. وقال في الجَدِيد: تَجِبُ قِيمةُ الإِبِلِ، بالِغَةً ما بَلَغَتْ؛ لحدِيثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ عن عمرَ في تَقْوِيمِ الإِبِلِ، ولأَنَّ ما ضُمِنَ بنَوْعٍ من المالِ، وجَبَتْ قِيمَتُه، كذَواتِ الأمْثالِ، ولأنَّ الإِبِلَ إذا أجْزَأَتْ إذا قَلَّتْ قِيمَتُها، يَنْبَغِى أن تجبَ (١٩) وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها، كالدنانيرِ إذا غَلَتْ أو رَخُصَتْ. وهكذا يَنْبَغِى أن نَقُولَ إذا غَلَتِ الإِبِلُ كلُّها، فأمَّا إن كانت الإِبلُ مَوْجُودةً بِثَمَنِ مِثْلِها، إلَّا أنَّ هذا لم يَجِدْها، لكَوْنِها في غيرِ بَلَدِه، ونحو ذلك، فإن عمرَ (٢٠) قَوَّمَ الدِّيَةَ من الدَّراهمِ باثْنَى (٢١) عَشَرَ ألفًا وأَلْفِ دِينارٍ. فصل: وظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا تُعْتَبرُ قِيمةُ الإِبلِ، بل مَتَى وُجِدَتْ على الصِّفَةِ المَشْرُوطةِ، وجَبَ أخْذُها، قَلَّتْ قِيمَتُها أو كَثُرَتْ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وذَكَرَ أصحابُنا أنَّ ظاهرَ (٢٢) مذهبِ أحمدَ، أن تُؤْخَذَ مائةٌ، قِيمةُ كلِّ بَعِيرٍ منها مائِةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، فإن لم يَقْدِرْ علي ذلك، أدَّى اثْنَىْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهمٍ، أو ألْفَ (٢٣) دِينارٍ؛ لأنَّ عمرَ قَوَّمَ الإِبِلَ على أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ مِثْقالٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثْنَىْ عَشرَ ألْفًا، فدَلَّ على أنَّ ذلك قِيمَتُها، ولأنَّ هذه أبْدالُ مَحَلٍّ واحدٍ، فيَجِبُ أن تَتَساوَى في القِيمةِ، كالمِثْلِ والقِيمَةِ في بَدَلِ القَرْضِ، والمُتْلَفِ في المِثْلِيَّاتِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبلِ" (٢٤). وهذا مُطْلَقٌ فتَقْيِيدُه يُخالِفُ إطْلاقَه، فلم يَجُزْ إلَّا بدَليلٍ، ولأنَّها كانتْ تُؤْخَذُ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ وقِيمَتُها ثَمانِيةُ آلافٍ، وقولُ عمرَ في حديثِه: إنَّ الإِبِلَ قد غَلَتْ. فقَوَّمَها على أهْلِ الوَرِقِ اثْنَى عَشَرَ ألفًا، دَلِيلٌ على أنَّها في حالِ رُخْصِها أقلُّ قِيمَةً من ذلك، وقد كانتْ تُؤْخَذُ في عصرِ

стр. 6147

رسولِ اللَّه ﷺ وأبى بكرٍ وصَدْرٍ من ولايةِ عمرَ، مع رُخْصِها وقِلَّةِ قِيمَتِها ونَقْصِها عن مائةٍ وعِشْرِينَ، فإيَجابُ ذلك فيها خِلافُ سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَّق بين دِيَةِ الخَطَإِ والعَمْدِ، فغَلَّظَ دِيَةَ العَمْدِ، وخَفَّفَ ديةَ الخطإِ، وأجْمَعَ عليه أهلُ العلمِ، واعْتِبارُها بقِيمَةِ واحدةٍ تَسْوِيَةٌ بينهما، وجَمْعٌ بين ما فرَّقَه الشارعُ، وإزالةٌ للتَّخْفِيفِ والتَّغْلِيظِ جَمِيعًا، بل هو تَغْليظٌ لِدِيَةِ الخَطَإِ؛ لأنَّ اعْتِبارَ ابنِ مَخَاضٍ بقِيمَةِ ثَنِيَّةٍ أو جَذَعَةٍ، يَشُقُّ جدًّا، فيكونُ تَغْلِيظًا [لِدِيَةِ الخَطَإِ] (٢٥)، وتَخْفِيفًا لدِيَةِ العَمْدِ، وهذا خلافُ ما قَصَدَه الشارِعُ، ووَرَدَ به، ولأنَّ العادةَ نَقْصُ قِيمَةِ بَنَاتِ الْمَخَاضِ عن قِيمةِ الحِقَاقِ والجَذَعاتِ، فلو كانت تُؤَدَّى على عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ بقِيمَةِ واحدةٍ، ويُعْتَبَرُ ذلك فيها، لَنُقِلَ، ولم يَجُز الإِخْلالُ به؛ لأنَّ ما وَرَدَ به الشَّرْعُ مُطْلَقًا إنَّما يُحْمَلُ على العُرْفِ والعادةِ، فإذا أُرِيدَ به ما يُخالِفُ الْعادةَ، وجَبَ بيانُه وإيضاحُه؛ لئَلَّا يكونَ تَلْبيسًا في الشَّرِيعةِ، وإيهامَهُم أنَّ (٢٦) حُكْمَ اللَّه خِلافُ ما هو حُكْمُه على الحقيقةِ، والنَّبِىُّ ﷺ بُعِثَ للبيانِ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢٧). فكيف يُحْمَلُ قولُه على الإِلْباسِ والإِلْغازِ! هذا ممَّا لا يَحِلُّ. ثم لو حُمِلَ الأمرُ على ذلك [لَكان ذِكْرُ] (٢٨) الأسْنانِ عَبَثًا غيرَ مُفِيدٍ، فإنَّ فائدَة ذلك إنَّما هو كَوْنُ اخْتِلافِ أسْنانِها مَظِنَّةَ اخْتلافِ القِيَمِ، فأُقِيمَ مُقامَه، ولأنَّ الإِبِلَ أصْلٌ في الدِّيَةِ، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها بغيرِها، كالذَّهَبِ والوَرِقِ، ولأنَّها أصْلٌ في الوُجُوبِ، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها، كالإِبلِ في السَّلَمِ وشاةِ الجُبْرانِ، وحديثُ عمرِو بن شُعَيْبٍ حُجَّةٌ لنا؛ فإنَّ الإِبلَ كانت تُؤْخَذُ قبلَ أن تَغْلُوَ ويُقَوِّمَها عمرُ، وقِيمَتُها أقَلُّ من اثْنَىْ عَشرَ ألفًا، وقد قيل: إن قِيمَتَها كانتْ ثمانيةَ آلافٍ. ولذلك قال عمرُ: دِيَةُ الكِتَابِىِّ أرْبعةُ آلافٍ (٢٩). وقولُهم: إنَّها أبْدالُ مَحَلٍّ

стр. 6148

واحدٍ. فلَنا أن نمْنَعَ، ونَقُولَ: البَدَلُ إنَّما هو الإِبلُ، وغيرُها مُعْتَبَرٌ بها. وإن سَلَّمْنا، فهو مُنْتَقِضٌ بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ تَساوِيهِما، ويَنْتَقِضُ أيضًا بِشَاةِ الجُبْرانِ مع الدَّرَاهِمِ. وأمَّا بَدَلُ القَرْضِ والمُتْلَفِ، فإنَّما هو المِثْلُ خاصَّةً، والقِيمةُ بَدَلٌ عنه، ولذلك لا تَجبُ إلَّا عندَ العَجْزِ عنه، بخلافِ مَسْألتِنا. فإن قيل: هذا حُجّةٌ عليكم؛ لقَوْلِكُم: إنَّ الإِبِلَ هي الأصْلُ، وغيرُها بَدَلٌ عنها. فيَجِبُ أن يُساوِيَها كالمِثْلِ والقِيمةِ. قُلْنا: إذا ثَبَتَ لنا هذا، يَنْبَغِى أن يُقَوَّمَ غيرُها بها، ولا تُقَوَّمُ هىَ بغيرِها؛ لأنَّ البَدَلَ يَتْبَعُ الأصْلَ، ولا يتْبَعُ الأصْلُ البَدَلَ، على أنَّا نقولُ: إنَّما صِيرَ إلى التَّقْدِيرِ بهذا؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَوَّمَها في وَقْتِه بذلك، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كيْلا يُؤَدِّىَ إلى التَّنازُعِ والاخْتلافِ في قِيمةِ الإِبِلِ الواجبةِ، كما قُدِّرَ لبنُ المُصَرَّاةِ بصاعٍ من التَّمْرِ، نَفْيًا للتَّنازُعِ في قيمتِه، فلا يُوجِبُ هذا أن يُرَدَّ الأصْلُ إلى التَّقْوِيمِ، فيُفْضِىَ إلى عَكْسِ حِكْمةِ الشَّرْعِ، ووُقُوعِ التَّنازُعِ في قِيمةِ الإِبِلِ مع وُجُوبِها بعَيْنِها، على أنَّ المُعْتَبَرَ في بَدَلَىِ القَرْضِ مُساواةُ المَحَلِّ (٣٠) المُقْرَضِ، فاعْتُبِرَ مُساواةُ كلِّ واحدٍ من بَدَلَيْه له. والدِّيَةُ غيرُ مُعْتَبَرةٍ بقِيمَةِ المُتْلَفِ، ولهذا لا تُعْتَبَرُ صِفاتُه. وهكذا قولُ أصحابِنا في تَقْوِيمِ البَقَرِ والشاةِ والحُلَلِ، يَجِبُ أن يكونَ مَبْلَغُ الواجبِ من كلِّ صِنْفٍ منها اثْنَىْ عَشرَ ألفًا، فتكونُ قِيمةُ كلِّ بَقَرةٍ أَو حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا، وقِيمةُ كلِّ شاةٍ سِتةَ دَراهِمَ، لتَتَساوَى (٣١) الأبْدالُ كلُّها، وكلُّ حُلَّةٍ بُرْدان (٣٢)، فيكون أَرْبَعَمائة بُرْدٍ. فصل: ولا يُقْبَلُ في الإِبلِ مَعِيبٌ، ولا أعْجَفُ، ولا يُعْتَبرُ فيها أن تكونَ من جِنْسِ إبِلِه، ولا إبِلِ بَلَدِه. وقال القاضي، وأصحابُ الشافعىِّ: الواجبُ عليه من جِنْسِ إبلِه،

стр. 6149

سواءٌ كان القاتِلَ أو العاقِلَةَ؛ لأنَّ وُجُوبَها على سَبِيلِ المُواساةِ، فيَجِبُ كَوْنُها من جِنْسِ مالِهم، كالزِّكاةِ، فإذا كان عندَ بعضِ العاقلةِ عِرَابٌ، وعندَ بعضِهم بَخَاتِىٌّ، أُخِذَ من كلِّ واحدةٍ من جِنْسِ ما عندَه، وإن كان عندَ واحدٍ صِنْفانِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُؤْخَذُ من كل صِنْفٍ بقِسْطِه. والثانى، يُؤْخَذُ من الأكثرِ، فإن اسْتَويَا، دَفَعَ من أيِّهما شاءَ. فإن دَفَعَ من غيرِ إبلِه خيرًا من إبلِه أو مِثْلَها، جاز، كما لو أخْرَجَ في الزَّكاةِ خيرًا من الواجِبِ، وإن كان أدْوَنَ، لم يُقْبَلْ، إلَّا أن يَرْضَى المُسْتَحِقُّ. وإن لم يَكُنْ له إبلٌ، فمن غالبِ إبلِ البَلَدِ، فإن لم يكُنْ في البَلَدِ إبلٌ، وجَبَ من غالبِ إبلِ أقْرَبِ البلادِ إليه. فإن كانتْ إبلُه عِجَافًا أو مِرَاضًا، كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ من صِنْفِ (٣٣) ما عندَه؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا تُؤْخَذُ فيه مَعِيبةٌ (٣٤)، كَقِيمةِ الثَّوْبِ المُتْلَفِ، ونحوَ هذا قال أصحابُنا في البَقَرِ والغَنَمِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٣٥). أطْلَقَ الإِبلَ، فمَن قيَّدَها احْتاجَ إلى دَلِيلٍ، ولأنَّها بَدَلُ المُتْلَفِ، فلم يَخْتَصَّ بجِنْسِ مالِه، كبَدَلِ سائرِ المُتْلَفاتِ، ولأنَّها حَقٌّ ليس سَبَبُه المالَ، فلم يُعْتَبَرْ كونُه من جِنْسِ مالِه، كالمُسْلَمِ فيه والقَرْضِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بالدِّيَةِ جَبْرُ المَفُوتِ، والجَبْرُ لا يَخْتَصُّ بجِنْسِ مالِ مَنْ وَجَبَ عليه. وفارَقَ الزَّكاةَ؛ فإنَّها وجَبَتْ على سَبِيلِ المُواساةِ، ليُشَارِكَ الفقراءُ الأغْنِياءَ فيما أنْعَمَ اللَّه تعالى به عليهم، فاقْتَضَى كَوْنَه من جِنْسِ أمْوالِهِم، وهذا بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا وَجْهَ لتَخْصِيصِه بمالِه. وقولُهم: إنَّها مُواساةٌ. غيرُ صَحِيحٍ، وإنَّما وَجَبَتْ جَبْرًا للفائِتِ، كبَدَلِ المالِ المُتْلَفِ، وإنَّما العاقِلةُ تُواسِى القاتِلَ فيما وجَبَ بجنايَتِه، ولهذا (٣٦) لا يَجِبُ من جِنْسِ أموالِهم إذا لم يكُونُوا ذَوِى إبلٍ، والواجبُ بجِنايَتِه إبلٌ مُطْلَقةٌ، فتُواسِيه في تَحَمُّلِها، ولأنَّها لو وَجَبَتْ من جِنْسِ مالِهم، لَوَجَبَتِ المَرِيضةُ من المِرَاضِ، والصغيرةُ من الصِّغارِ، كالزَّكاةِ.

стр. 6150

١٤٦١ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، فَهِىَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، حَالَّةً أَرْبَاعًا؛ خَمْسٌ وعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ العَمْدِ تَجِبُ في مالِ القاتلِ، لا تَحْمِلُها العاقِلةُ. وهذا قَضِيَّةُ الأصْلِ، وهو أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يَجِبُ على المُتْلِفِ، وأرْشُ الجِنايةِ على الْجانِى، قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يَجْنِى جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِه" (١). وقال لبعضِ أصحابِه، حين رأى معَه ولَدَه: "ابْنُكَ هذَا؟ ". قال: نعم. قال: "أمَا إنَّهُ لَا يَجْنِى عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِى عَلَيْهِ" (٢). ولأنَّ مُوجِبَ الجِنايةِ أثَرُ فِعْلِ الجانِى، فيَجِبُ أن يَخْتَصَّ بضَرَرِها، كما يخْتَصُّ بنَفْعِها، فإنَّه لو كَسَبَ كان كَسْبُه له دُونَ غيرِه، وقد ثَبَتَ حكمُ ذلك في سائرِ الجِناياتِ والأكْسابِ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصلُ في قَتْلِ الحُرِّ (٣) المَعْذُورِ فيه، لكَثْرةِ الواجِبِ، وعَجْزِ الجانِى في الغالِبِ عن تَحَمُّلِه، مع وُجُوبِ الكَفَّارةِ عليه، وقِيامِ عُذْرِه، تَخْفِيفًا عنه، ورِفْقًا به، والعامِدُ لا عُذْرَ له، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، ولا يُوجَدُ فيه المعنى المُقْتَضِى للمُواساةِ في الخطإِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تَجِبُ حالَّةً. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في ثلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ، فكانتْ مُؤَجَّلَةً، كدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ. ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ بالعَمْدِ المَحْضِ كان حالًّا،

стр. 6151

كالقِصاصِ، وأرْشِ أطْرافِ العَبْدِ، ولا يُشْبِهُ شِبْهَ العَمْدِ؛ لأنَّ القاتِلَ معذورٌ، لكَوْنِه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، وإنَّما أفْضَى إليه من غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَه الخطأَ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلةُ، ولأنَّ القَصْدَ التَّخْفيفُ عن (٤) العاقلةِ الذين لم تَصْدُرْ منهم جِنايةٌ، وحَملُوا أداءَ مالٍ مُواساةً، فالأرْفَقُ بحالِهم التَّخْفيفُ عنهم، وهذا موجودٌ في الخطَإِ وشِبْهِ العَمْدِ على السَّواءِ، وأمَّا العَمْدُ، فإنَّما يَحْمِلُه الجانِى في غيرِ حالِ العُذْرِ، فوَجَبَ أن يكونَ مُلْحَقًا ببَدَلِ سائرِ المُتْلَفاتِ، ويُتَصَوَّرُ الخِلافُ معه، فيما إذا قَتَلَ ابْنَه، أو قَتَلَ أجْنَبِيًّا، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ، لعَفْوِ بعضِهم، أو غيرِ ذلك. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ في مِقْدارِها، فرَوَى [جماعةٌ عن أحمدَ] (٥)، أَنَّها أَرْبَاعٌ, كما ذكَرَ الخِرَقِىُّ، وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وسليمانَ بن يَسارٍ، وأبى حنيفةَ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسْعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه. ورَوَى جماعةٌ عن أحمدَ، أَنَّها ثلاثون حِقّةً، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خَلِفَةً في بُطونِها أولادُها. وبهذا قال عَطاءٌ، ومحمدُ بن الحسنِ، والشافعيُّ. ورُوِى ذلك عن عمرَ، وزيدٍ، وأبى مُوسَى، والمُغِيرَةِ؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا، دُفِعَ إلَى أَوْلِياءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ (٦)، وإنْ شَاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ، وهِىَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وأَرْبَعُون خَلِفَةً، ومَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ". وذلك لتشْديدِ القَتْلِ. رَوَاه التِّرْمِذِىُّ (٧)، وقال: هو حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وعن عبدِ اللَّه بن عمرٍو، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الخَطإِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والْعَصَا، مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُون خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلَادُهَا". روَاه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهم (٨). وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ رَجُلًا يُقال له: قَتادَة، حَذَفَ ابنَه بالسَّيْفِ، فقَتَلَه، فأخَذَ عمرُ منه الدِّيَةَ؛

стр. 6152

ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأربعينَ خَلِفَةً. روَاه مالكٌ في "مُوَطَّإِهِ" (٩). ووَجْهُ الأُولَى (١٠)، ما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن السَّائبِ بن يَزِيدَ، قال: كانت الدِّيَةُ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ أَرْبَاعًا؛ خَمْسًا وعشرينَ جَذَعَةً، وخَمْسًا وعشرينَ حِقَّةً، وخمسًا وعشرينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخمسًا وعشرينَ بنتَ مَخَاضٍ (١١). ولأنَّه قولُ ابنِ مسعودٍ، ولأنَّه حَقٌّ يتَعَلَّقُ بجنسِ الحَيوانِ، فلا يُعْتَبرُ فيه الحَمْلُ، كالزَّكَاةِ والأُضْحِيَةِ. فصل: والخَلِفَةُ: الحامِلُ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "في بُطُونِهَا أوْلَادُها" تأكيدٌ، وقَلَّما تَحْمِلُ إلَّا ثَنِيَّةٌ، وهى التي لها خَمْسُ سِنِينَ ودَخَلَتْ في السَّادِسَةِ، وأىُّ ناقةٍ حَمَلَتْ فهى خَلِفَةٌ، تُجْزِئُ في الدِّيَةِ. وقد قيل: لا تُجْزِئُ إلَّا ثَنِيَّةٌ؛ لأنَّ في بعضِ ألفاظِ الحديثِ: "أَرْبَعُونَ خَلِفَةً، مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ عَامِهَا إلَى بَازِلٍ". ولأنَّ سائرَ أنواعِ الإِبِلِ مُقَدَّرَةُ السِّنِّ، فكذلك الخَلِفَةُ. والذي ذكَره القاضِى هو الأَوْلَى (١٢)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أطْلَقَ الخَلِفَةَ، والخَلِفَةُ هي الحامِلُ، فيَقْتَضِى أن تُجْزِئَ كلُّ حاملٍ. ولو أحْضَرَها خَلِفَةً، فأسْقَطتْ قبلَ قَبْضِها، فعليه بَدَلُها، فإنَّ أسْقَطتْ بعدَ قَبْضِها، أجْزَأتْ؛ لأنَّه بَرِئَ منها بدَفْعِها. فصل: فإن اخْتَلَفا في حَمْلِها، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبرَةِ، كما يُرْجَعُ في حَمْلِ المرأةِ إلى القَوابِلِ. وإنْ تَسَلَّمها الوَلِىُّ، ثم قال: لم تكُنْ حَوامِلَ، وقد ضَمَرتْ أجْوافُها، فقال الجانِى: بل قد ولَدَتْ عندَك. نَظَرْتَ؛ فإن قَبَضَها بقَوْلِ أهلِ الخِبْرةِ، فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأنَّ الظاهرَ إصابَتُهم، وإن قَبَضَها بغيرِ قَوْلِهم، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ. ١٤٦٢ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الْقَتْلُ شِبْهَ العَمْدِ (١)، فَكَمَا وَصَفْتُ فِي أَسْنَانِهَا، إلَّا أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا) وجملَتُه أنَّ القولَ في أسْنانِ دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ، كالقَوْلِ في دِيَةِ العَمْدِ، سواءٌ في اخْتلافِ

стр. 6153

الرِّوايتَيْنِ فيها، واخْتلافِ العُلَماءِ فيها، وقد سَبَقَ الكلامُ في ذلك، إلَّا أنَّها تُخالِفُ العَمْدَ في أمْرَيْنِ؛ أحدهما، أنَّها على العاقِلَةِ، في ظاهرِ المَذْهَبِ. وبه قال الشّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعيُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأَصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والحارثُ العُكْلىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، رأبو ثَوْرٍ: هي على القاتلِ في مالِه. واختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيز؛ لأنَّها مُوجِبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مُغلَّظَةٌ، فأشْبَهتْ دِيَةَ العَمْدِ. وهكذا يَجِبُ أن يكونَ مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه من بابِ العَمْدِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ بدِيَةِ المرأةِ علَى عاقِلَتِها. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ قِصَاصًا، فوَجَبَتْ دِيَتُه على العاقِلَةِ، كالخَطإِ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ؛ لأنَّه يُغلَّظُ من كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، وإرَادَتِه القَتْلَ، وَعَمْدُ الخَطإِ يُغلَّظُ من وَجْهٍ، وهو قَصْدُه الفِعْلَ، ويُخَفَّفُ (٣) مِن وَجْهٍ، وهو كَوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ (٤)، فَاقْتَضَى تَغْلِظَها من وَجْهٍ وهو الأسْنَانُ، وَتَخْفِيفَها من وَجْهٍ وهو حَمْلُ العاقِلَةِ لها وَتَأْجِيلُها. ولا أعلمُ في أنَّها تَجِبُ مُؤَجَّلةً خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ (٥)، وعُبَيْد اللَّه (٦) بن عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. [وقد حُكِىَ] (٧) عن قَوْمٍ من الْخَوارجِ، أَنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عن مَن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا. وتُخالِفُ الدِّيَةُ سائرَ

стр. 6154

المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها تَجِبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحِكْمةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِىَ عن عمرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما قَضَيَا بالدِّيَةِ على العاقلةِ في ثلاثِ سِنِينَ (٨). ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا. فصل: ويَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ ثُلُثُها، ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةِ من حينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: ابْتداؤُها من حينَ حَكَم الحاكمُ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ (٩) فيها، فكان ابتداؤُها من حين حَكَمَ الحاكمُ، كمُدَّةِ العُنَّةِ. ولَنا، أنَّه مالٌ مُؤَجّلٌ، فكان ابْتداءُ أجَلِه من حينِ وُجُوبِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ والسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ الخلافَ فيها، فإنَّ الخَوارِجَ لا يُعْتَدُّ بخِلافِهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ كان الواجبُ دِيَةَ نَفْسٍ، فابْتداءُ حَوْلِها من حينِ المَوْتِ، سواءٌ كان قَتْلًا مُوجِبًا، أو عن سِرَايةِ جُرْحٍ، وإن كان الواجبُ دِيةَ جُرْحٍ، نَظَرْتَ؛ فإن كان عن جُرْحٍ انْدَملَ من غيرِ سِرايَةٍ، مثل أن قَطَعَ يَدَه فبَرَأَتْ بعدَ مُدَّةٍ، فابتداءُ المُدَّةِ من حينِ القَطْعِ؛ لأنَّ تلك حالةُ الوُجُوبِ، ولهذا لو قَطَعَ يَدَه وهو ذِمِّىٌّ، فأسْلَم، ثم انْدَمَلَتْ، وجَبَ نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِيٍّ. وأمَّا إن كان الجُرْحُ سارِيًا، مثل أن قَطَعَ إصْبَعَه فسَرَى ذلك إلى كَفِّه، ثم انْدَمَلَ، فابْتِداءُ المُدّةِ من حينِ الانْدِمالِ؛ لأنَّها إذا سَرَتْ، فما اسْتَقَرَّ الأرْشُ إلَّا عندَ الانْدِمالِ. هكذا ذكَر القاضي، وأصحابُ الشافعىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ المُدَّةُ من حينِ الانْدِمالِ فيهما؛ لأنَّ الأرْشَ لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالانْدِمالِ فيهما. فصل: وإذا كان الواجِبُ دِيَةً فإنَّها تُقْسَمُ في ثلاثِ سِنِينَ، في كلِّ سَنَةٍ ثُلُثُها، سواءٌ كانت دِيَةَ النَّفْسِ أو دِيَةَ الطَّرَفِ، كدِيَةِ جَدْعِ الأنْفِ أو الأُذُنَيْنِ، أو قَطْعِ الذَّكَرِ أو الأُنْثيَيْنِ (١٠). وإن كان دُونَ الدِّيَةِ نَظَرْنا؛ فإن كان ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَدِيَةِ المَأْمُومِ أو

стр. 6155

الجائِفَةِ، وجَبَ في آخرِ السَّنَةِ الأُولَى، ولم يَجِبْ منه شيءٌ حالًّا؛ [لأن العاقِلَةَ [لا] تحملُ حالًّا] (١١). وإن كان نِصْفَ الدِّيَةِ أو ثُلُثَها، كدِيَةِ اليَدِ أو دِيَةِ المِنْخَرَيْنِ، وجَبَ الثُّلثُ في آخرِ السَّنةِ الأُولَى، والباقى في آخرِ السَّنةِ (١٢) الثَّانيةِ. وإن كان أكثرَ من الثُّلثَيْنِ، كدِيَةِ ثمانِ (١٣) أصابِعَ، وجَبَ الثُّلُثانِ في السَّنَتَيْنِ، والباقى في آخِرِ الثَّالثةِ. وإن كان أكثرَ من دِيَةٍ، مثل [أن ذَهَبَ] (١٤) سَمْعُ إنسانٍ وبَصَرُه (١٥)، ففى كلِّ سَنَةٍ ثُلثٌ؛ لأَنَّ الواجِبَ لو كان دُونَ الدِّيَةِ، لم يَنْقُصْ في السَّنةِ عن الثُّلثِ، فكذلك لا يَزِيدُ عليه إذا زاد على الثُّلثِ. وإن كان الواجبُ بالجنايةِ على اثْنَيْنِ، وجَبَ لكلِّ واحدٍ ثُلثٌ في كلِّ سَنَةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ له دِيَةٌ، فيَسْتَحِقُّ ثُلُثَها، كما لو انْفَرَدَ حَقُّه. وإن كان الواجبُ دونَ ثُلثِ الدِّيَةِ، كدِيَةِ الإِصْبَعِ، لم تَحْمِلْه العاقلةُ؛ لأنَّها لا تحْمِلُ ما دُونَ الثُّلثِ، ويَجِبُ حالًّا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تَحْمِلُه، فكان حالًّا، كالجِنايةِ على المالِ. فصل: وفى الدِّيَةِ النَّاقصةِ، كدِيَةِ المرأةِ والكِتَابِىِّ، وَجْهان؛ أحدهما، تقسمُ في ثلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها بَدَلُ النَّفْسِ، فأشْبَهتِ الدِّيَةَ الكاملةَ. والثانى، يَجِبُ منها في العامِ الأوَّلِ قَدْرُ ثُلثِ الدِّيَةِ الكاملةِ، وباقِيها في العامِ الثاني؛ لأنَّ هذه تَنْقُصُ عن الدِّيَةِ، فلم تُقْسَمْ في ثَلاثِ سِنِينَ، كأرْشِ الطَّرَفِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. وللشَّافعىِّ (١٦) كالوَجْهينِ. وإن كانت الدِّيَةُ لا تَبْلُغُ ثُلثَ الدِّيَةِ الكاملةِ، كدِيَةِ المَجُوسِىِّ، وهى (١٧) ثمانِمائةِ دِرْهَمٍ، ودِيَةِ الجَنِينِ، وهى خَمْسٌ من الإِبلِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ الثُّلثِ، فأشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ والمُوضِحَةِ، إلَّا أن يُقْتَلَ الجَنِينُ مع أُمِّه،

стр. 6156

فتَحْمِلُه العاقِلةُ؛ لأنَّها جِنايةٌ واحدةٌ، وتكونُ دِيَةُ الأُمِّ على الوَجْهينِ، فإن قُلْنا: هي في عامَيْنِ. كانت دِيَةُ الجَنِينِ واجبةً مع ثُلثِ دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الأوَّلِ؛ لأنَّها دِيَةٌ أُخْرَى. ويَحْتَملُ أن تَجِبَ مع باقِى دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الثاني. وإن قُلْنا: دِيَةُ الأُمِّ في ثَلاثِ سِنِينَ. فهل تَجِبُ دِيَةُ الجنينِ في ثَلاثةِ أعْوامٍ أوْ لا؟ على وَجْهينِ؛ فإذا قُلْنا بوُجُوبِها في ثلاثِ سِنِينَ، وجَبَتْ في السِّنِين التي وجَبَتْ فيها دِيَةُ الأُمِّ؛ لأنَّهما (١٨) دِيَتانِ لمُسْتَحِقَّيْنِ، فيَجِبُ في كلِّ سنةٍ ثُلثُ دِيَتِها (١٩) وثلثُ دِيَتِه. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في ثلاثِ سِنِينَ أُخْرَى؛ لِأنَّ تَلَفَهُما (٢٠) مُوجِبُ جِنايةٍ واحدةٍ. ١٤٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ القَتْلُ خَطَأً، كَانَ على (١) الْعَاقِلَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، تُؤَخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أخمَاسًا، عِشْرُونَ بناتِ مَخَاضٍ، وعِشْرُونَ بَنِى (٢) مَخَاضٍ، وعِشْرُونَ بَناتِ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في أنَّ دِيَةَ الخطَإِ أخْماسٌ (٣)، كما ذكَرَ الخِرَقِىُّ. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، والنَّخَعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عمرُ بن عبد العزيزِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، والزُّهْرِىُّ، واللَّيْثُ، ورَبيعِةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ: هي أخْماسٌ، إلَّا أنَّهم جَعَلُوا مَكان بَنِى مَخاضٍ بنى لَبُونٍ. وهكذا رَوَاه (٤) سعيدٌ، في "سُنَنِه"، عن النَّخَعِىِّ، عن ابنِ مسعودٍ. وقال الخَطَّابِىُّ (٥): رُوِىَ أنَّ (٦) النَّبِىَّ ﷺ

стр. 6157

وَدَى الذي قُتِلَ بخَيْبرَ بمائةٍ من إبِلِ الصَّدَقةِ (٧). وليس في أسْنانِ الصَّدَقةِ ابنُ مَخَاضٍ. ورُوِىَ عن عليٍّ، والحسنِ، والشَّعْبىِّ، والحارثِ العُكْلِىِّ، وإسْحاقَ، أنَّها أَرْباعٌ، كَدِيَةِ العَمْدِ سواءً. وعن زَيْدٍ، أَنَّها ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بنْتَ لَبُونٍ، وعشرون ابنَ لَبُونٍ، وعشرون بنتَ مَخَاضٍ. وقال طاوسٌ: ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بنتَ لَبُونٍ، وثلاثون بنتَ مَخَاضٍ، وعَشْرٌ (٨) بَنِى لَبُونٍ ذُكُور؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى أنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً، فَديَتُهُ مِنَ الْإِبلِ ثَلاثون بنتَ مَخَاضٍ، وثلاثون بنتَ لَبُونٍ، وثلاثون حِقَّةً، وعَشْرَةٌ بَنِى لَبُونٍ ذُكُور". روَاه أبو داودَ وابنُ ماجَه (٩). وقال أبو ثَوْرٍ: الدِّياتُ كلُّها أخْماسٌ، كَدِيَةِ الخطإِ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا تخْتلِفُ بالعَمْدِ والخَطإِ، كسائرِ المُتْلَفاتِ. وحُكِىَ عنه، أنَّ دِيَةَ العَمْدِ مُغَلَّظَةٌ، وديَةَ شِبْهِ العَمْدِ والخَطَإِ أخْماسٌ؛ لأنَّ شِبْهَ العَمْدِ تَحْمِلُه العاقلةُ، فكان أخْماسًا، كدِيَةِ الخَطَإِ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بَنِى مَخَاضٍ". روَاه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ، وابنُ ماجَه (١٠). ولأنَّ ابْنَ لَبُونٍ يَجِبُ على طَرِيقِ البَدَلِ عن ابْنَةِ مَخاضٍ في الزَّكَاةِ إذا لم

стр. 6158

يَجِدْها، فلا يُجْمَعُ بينَ (١١) البَدَلِ والمُبْدَلِ في واجِبٍ، ولأنَّ مُوجِبَهُما واحدٌ، فيَصِيرُ كأنَّه أوْجَبَ أربعينَ ابنةَ مَخَاضٍ، ولأنَّ ما قُلْناه الأقَلُّ، فالزِّيادةُ عليه لا تَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ، يَجِبُ على مَنِ ادَّعاه الدَّلِيلُ، فأمَّا دِيَةُ قَتِيلِ خَيْبَر، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّهم لم يَدَّعُوا على أهلِ خَيْبَرَ قَتْلَه إلَّا عَمْدًا، فتكونُ دِيَتُه دِيةَ العَمْدِ، وهى من (١٢) أسْنانِ الصَّدَقةِ، والخِلافُ في دِيَةِ الخَطَإِ. وقولُ أبي ثورٍ يُخالِفُ الآثارَ المَرْوِيّةَ التي ذكَرْناها، فلا يُعَوَّلُ عليه. فصل: ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ دِيَةَ الخطإِ على العاقلةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ. وقد ثَبَتَتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قَضَى بدِيَةِ الخَطإِ على العاقلةِ (١٣)، وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ به. وقد جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ دِيَةَ عَمْدِ الخطإِ على العاقلةِ، بما قد رَوَيْنا (١٤) من الأحاديثِ، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ العاقلةَ تَحْمِلُ ديَةَ الخطإِ، والمعنى في (١١) ذلك أنَّ جِناياتِ الخطإِ تَكْثُرُ، ودِيةَ الآدَمِىّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجانِى في مالِه يُجْحِفُ به، فاقْتَضَتِ الحِكْمةُ إيجابَها على العاقِلَةِ، على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والإِعانةِ له، تَخْفِيفًا عنه، إذْ (١٥) كان مَعْذُورًا في فِعْلِه، ويَنْفَرِدُ هو بالكَفَّارَةِ. فصل: ولا خِلافَ بينهم في أنَّها مُؤَجَّلةٌ في ثلاثِ سِنِينَ؛ فإنَّ عمرَ، وعليًّا، رَضِىَ

стр. 6159

اللَّه عنهما، جَعَلَا دِيَةَ الخطإِ على العاقلةِ في ثلاثِ سِنِينَ (١٦). ولا نَعْرِفُ لهما في الصحابةِ مُخالِفًا، واتَّبعَهُمْ على ذلك أهلُ العِلْمِ، ولأنَّه مالٌ يَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، فلم يَجِبْ حالًّا كالزَّكَاةِ، وكلُّ دِيةٍ تَحْمِلُها العاقلةُ، تَجِبُ مُؤَجَّلَةً؛ لما ذكرْنا، وما لا تَحْمِلُه العاقلةُ يَجِبُ حالًّا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلَزِمَ المُتْلِفَ حالًّا، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ. وفارَقَ الذي تَحْمِلُه العاقلةُ؛ فإنَّه يَجِبُ مُواساةً، فأَلْزِمَ التَّأْجِيل تَخْفِيفًا على مُتَحَمِّلِه، وعُدِلَ به عن الأَصْلِ في التَّأْجِيلِ، كما عُدِلَ به عن الأصْلِ في إلْزامِه غيرِ الجانِى. فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شيءٌ من الدِّيَةِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ من العاقلةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى بجَمِيعِها عليهم، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَهُ يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا، ولأنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه من الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إِيجابِ شيءٍ من الدِّيَةِ عليه. فصل: والكَفَّارَةُ في مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ. وقال أصحابُ الشافعىِّ، في أحدِ الوَجْهينِ: تكونُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّها تَكْثُر، فإيجابُها في مالِه يُجْحِفُ به. ولَنا، أنَّها كَفَّارَةٌ، فلا تَجِبُ على غيرِ مَنْ وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا، ولأنَّ الكفارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بِفِعْلِ غيرِه، ويُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يَحْصُلُ بها كيْفما كان، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقلةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ (١٨). وما ذكَرُوه لا أصْلَ له، ولا يَصِحُّ

стр. 6160

قِياسُه على الدِّيَةِ لوُجُوهٍ؛ أحدها، أنَّ الدِّيَةَ لم تَجِبْ في بيتِ المالِ؛ لأنَّها إنَّما وجَبَتْ على العاقلةِ، ولا يجوزُ أن يَثْبُتَ حُكْمُ الفَرْعِ مُخالِفًا لحُكْمِ الأصْلِ. الثاني، أنَّ الدِّيَةَ كَثِيرةٌ، فإيجابُها على القاتلِ يُجْحِفُ به، والكَفَّارةُ بخِلافِها. الثالث، أنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ مُواساةً للقاتلِ، وجُعِلَ حَظُّ القاتلِ من الواجبِ الكَفَّارةَ، فإيجابُها على غيرِه يَقْطَعُ المُواساةَ، ويُوجِبُ على غيرِ الجانِى أكْثرَ ممَّا وجَبَ عليه، وهذا لا يجوزُ. فصل: ذكَر أصحابُنا أنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بثلاثةِ أشياء؛ إذا قَتَلَ في الحَرَمِ، والشُّهُورِ الحُرُمِ، وإذا قَتَلَ مُحْرِمًا. وقد نَصَّ أحمدُ، ﵀، على التَّغْليظِ على مَن قَتَلَ مُحْرِمًا في الحَرَمِ وفى الشَّهْرِ الحرامِ، فأمَّا إن قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فقال أبو بكرٍ: تُغَلَّظُ دِيَتُه. وقال القاضي: ظاهرُ كلامِ أحمدَ أَنَّها لا تُغلَّظُ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ بالحَرَمِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، وذِى الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وفى التغليظِ بالإِحْرامِ وَجْهانِ. وممَّن رُوِىَ عنه التَّغْليظُ؛ عُثمانُ، وابنُ عباسٍ، والسَّعِيدان (١٩)، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والشَّعْبىُّ (٢٠)، ومُجاهِدٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وجابرُ بن زَيْدٍ، وقَتادةُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. واخْتَلَفَ القائلُونَ بالتَّغْليظِ في صِفَتِه؛ فقال أصحابُنا: تُغَلَّظُ، لكلِّ واحدٍ من الحُرُماتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعتِ الحُرُماتُ الثَّلاثُ، وجَبَتْ دِيَتانِ. قال أحمدُ، في رِوايةِ ابن منصورٍ، في مَن قَتَلَ مُحْرِمًا في الحَرَمِ، وفى الشَّهر الحرامِ: فعليه أَرْبَعةٌ وعِشْرُونَ ألفًا. وهذا قولُ التَّابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: صِفَةُ التَّغْلِيظِ، إيجابُ دِيَةِ العَمْدِ في الخَطَإِ لا غيرُ، ولا يُتَصَوَّرُ التَّغْليظُ في غيرِ الخَطَإِ، ولا يُجْمَعُ بين تَغْلِيظَيْنِ. وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه يُغَلِّظُ في العَمْدِ، فإذا قَتَلَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا، فعليه [ثلاثون حِقَّةً، و] (٢١) ثلاثونَ جَذَعةً، وأَرْبَعُونَ

стр. 6161

خَلِفَةً، وتَغْلِيظُها في الذَّهَبِ والوَرِقِ أن يَنْظُرَ قِيمَةَ أسْنانِ الإِبِلِ غيرَ مُغَلَّظةٍ، وقِيمَتَها مُغَلّظةً، ثم يَحْكُمَ بزِيادةِ ما بينهما، كأنَّ قِيمَتَها مُخَفَّفةً سِتَّمائةٍ، وفى العَمْدِ ثَمانمائةٍ، وذلك ثُلُثُ الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ. وعند مالكٍ تُغَلَّظُ على الأبِ والأُمِّ والجَدِّ، دُونَ غيرِهم. واحْتَجَّا على صِفَةِ التَّغْليظِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه أخَذَ مِن قَتادةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه حين حَذَفَه بالسَّيْفِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأَرْبَعين خَلِفَةً، ولم يَزِدْ عليه في العَدَدِ شيئًا (٢٢). وهذه قِصّةٌ اشْتَهَرتْ فلم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا، ولأنَّ ما أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ أَوْجَبَه في الأسْنانِ دُونَ القَدْرِ، كالضَّمانِ، ولا يُجْمَعُ بين تَغْلِيظَينِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ التغْليظَ بالضَّمانِ إذا اجْتَمَعَ سَبَبانِ تَداخلا (٢٣)، كالحَرَمِ والإِحْرامِ في قَتْلِ الصَّيْدِ، وعلى أنَّه لا يُغَلَّظُ بالإِحْرامِ، أنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بتَغْلِيظِه. واحْتَجَّ أصحابُنا بما رَوَى ابنُ أبي نَجِيحٍ، أنَّ امرأةً وُطِئَتْ في الطَّوافِ (٢٤)، فقَضَى عثمانُ، رَضِىَ اللهُ عنه فيها بسِتَّةِ آلافٍ وألْفَيْنِ تَغْلِيظًا للحَرَمِ (٢٥). وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن قَتَلَ في الحَرَمِ، أو ذا رَحِمٍ، أو في الشَّهْرِ الحرامِ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ (٢٦). وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا في الشهرِ الحرامِ، وفى البَلَدِ الحرامِ. فقال: دِيَتُه اثْنَا عَشَرَ ألفًا، وللشَّهْرِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ (٢٧). وهذا ممَّا يَظْهَرُ ويَنْتَشِرُ. ولم يُنْكَرْ، فيَثْبُتُ إجْماعًا. وهذا فيه الجَمْعُ بين تَغْلِيظاتٍ ثلاثٍ، ولأنَّه قولُ التابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ.

стр. 6162

واحْتَجُّوا على التَّغْلِيظِ في العَمْدِ، أنَّه (٢٨) إذا غُلِّظَ الخَطَأُ مع العُذْرِ فيه، ففى العَمْدِ مع عَدَمِ العُذْرِ أوْلَى. وكلُّ مَن غَلَّظَ الدِّيَةَ، أوْجَبَ التَّغْلِيظَ في بَدَلِ الطَّرَفِ، بهذه الأسبابِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ تَغْليظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كالعَمْدِ. وظاهرُ كلام الْخِرَقِىِّ، أنَّ الدِّيَةَ لا تُغَلَّظُ بشيءٍ من ذلك. وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبي حنيفةَ، والْجُوزَجَانىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن الفُقَهاءِ السَّبْعةِ (٢٩)، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وغيرِهم (٣٠)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٣١). لم يَزِدْ على ذلك. "وعَلَى أهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقالٍ" (٣٢). وفي حديثِ أبي شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "وَأَنْتُمْ يَا خُزَاعةُ قَدْ قَتَلْتُم هذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وأَنَا واللهِ عاقِلُهُ، مَنْ (٣٢) قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ ذلِكَ، فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ" (٣٣). وهذا القَتْلُ كان بمَكَّةَ في حَرَمِ اللَّه تعالى، فلم يَزِدِ النَّبِىُّ ﷺ على الدِّيَةِ، ولم يُفَرِّقْ بين الحَرَمِ وغيرِه، وقولُ اللَّه : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣٤). يَقْتَضِى أنَّ الدِّيَةَ واحدةٌ في كلِّ مكانٍ، وفى (٣٥) كلِّ حالٍ، ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أخَذَ من قَتادَةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه، ولم يَزِدْ على مائةٍ. ورَوَى الجُوزَجانىُّ، بإسْنادِه عن أبي الزِّنَادِ، أنَّ عمرَ بن عبد العزيزِ، كان يَجْمَعُ الفُقَهاءَ، فكان [ممَّا أحْيَى] (٣٦) من تلك السُّنَنِ بقولِ فُقَهاءِ المَدِينةِ السَّبْعةِ ونُظَرَائِهِم، أنَّ ناسًا كانوا يقولون: إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ في

стр. 6163

الشهرِ الحرامِ أرْبعةَ آلافٍ، فتكونُ سِتَّةَ عَشَرَ ألف دِرْهمٍ، فألْغَى عمرُ، ﵀، ذلك بقَوْلِ الفُقَهاءِ، وأثْبَتَها اثْنَى عَشرَ ألْفَ دِرْهَمٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، والبَلَدِ الحرامِ، وغيرِهِما. قال ابنُ المُنْذِرِ: وليس بثابِتٍ ما رُوِىَ عن الصَّحابةِ في هذا. ولو صَحَّ فقولُ عمرَ يُخالِفُه، وقولُه أوْلَى من قولِ مَنْ خالَفَه، وهو أصَحُّ في الرِّوايةِ، مع مُوافَقَتِه الكِتابَ والسُّنَّةَ والقِياسَ. فصل: ولا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بمَوْضِعٍ غيرِ الحَرَمِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بالقَتْلِ في المدينةِ. على قولِه القديمِ؛ لأنَّها مكانٌ يَحْرُمُ صَيْدُه، فأشْبَهتِ الحَرَمَ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للمَناسِكِ، فأشْبَهَتْ سائرَ البُلْدانِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَرَمِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أىُّ بَلَدٍ هذَا؟ ألَيْسَتِ البَلْدَةَ الحَرَامَ (٣٧)؟ " قال: "فَإنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، في بَلَدِكُم هذَا" (٣٨). وهذا يَدُلُّ على أنَّه أعْظَمُ البِلَادِ حُرْمَةً، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ أعْتَى النَّاسِ

стр. 6164

عَلَى اللهِ، رَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ بِذَحْلِ (٣٩) الْجَاهِلِيَّةِ" (٤٠). وتَحْرِيمُ الصَّيْدِ ليس هو العِلَّةَ في التَّغْليظِ، وإن كان من جُمْلَةِ المُؤثِّرِ، فقد خالَفَ تَحْرِيمَ الحَرَمِ، فإنَّه لا يَجِبُ الجَزَاءُ على مَنْ قَتَلَ فيه صَيْدًا. ولا يَحْرُمُ الرَّعْىُ (٤١) فيهِ، ولا الاحْتِشاشُ منه، ولا ما يُحْتاجُ إليه من الرَّحْلِ والعارِضَةِ والقائمةِ وشِبْهِه. ١٤٦٤ - مسألة؛ قال: (والْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ، ولَا الْعَمْدَ، ولَا الصُّلْحَ، ولَا الاعْتِرَافَ، ومَا دُونَ الثُّلُثِ) في هذه المسألة خمسُ مَسائلَ: الأولى: أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَبْدَ. يَعْنِى إذا قَتَلَ العَبْدَ قاتِلٌ، وجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتلِ، ولا شىءَ على عاقِلَتِه، خطَأً كان أو عَمْدًا. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، والنَّخَعِيِّ، والْبَتِّىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبي لَيْلَى، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَجِبُ بقَتْلِه القِصاصُ والكَفّارةُ، فحَمَلَتِ العاقِلةُ بَدَلَه، كالحُرِّ، وعن الشافعىِّ كالمَذْهبَيْنِ، ووافَقَنا أبو حَنِيفةَ في دِيَةِ أطْرَافِه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلةُ عَمْدًا، ولَا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، لَا اعْتِرافًا" (١). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا عليه، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا،

стр. 6165

فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّ الواجِبَ فيه قِيمةٌ تَخْتَلِفُ باخْتلافِ صِفاتِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كسائرِ القِيَمِ، ولأنَّه (٢) حَيَوانٌ لا تَحْمِلُ العاقلةُ قِيمةَ أطْرافِه، فلم تَحْمِل الواجِبَ في نَفْسِه، كالفَرَسِ. وبهذا فارَقَ الحُرَّ (٣). المسألة الثانية: أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ، سواءٌ كان ممَّا يَجِبُ القِصاصُ فيه، أو لا يَجِبُ. ولا خِلافَ في أنَّها لا تَحْمِلُ دِيَةَ ما يَجِبُ فيه القِصاصُ، وأكثرُ أهْلِ العلمِ على أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ بكلِّ حالٍ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّها تَحْمِلُ الجِناياتِ التي لا قِصاصَ فيها، كالمأْمُومةِ والجائِفَةِ. وهذا قولُ قَتادةَ؛ لأنَّها جِنايةٌ لا قِصاصَ فيها، فأشْبَهَتْ (٤) جِنَايةَ الخَطَإِ. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، ولأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، فلا تَحْمِلُها العاقِلةُ، كالمُوجِبَةِ (٥) للقِصاصِ، وجِنَايَةِ الأَبِ على ابْنِه، ولأنَّ حَمْلَ (٦) العاقلةِ إنَّما يَثْبُتُ في الخَطَإِ، لِكَوْنِ الجانِي مَعْذُورًا، تَخْفيفًا عنه، ومُواساةً له، والعامِدُ غيرُ مَعْذُورٍ، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفيفَ ولا المُعَاوَنةَ، فلم يُوجَدْ فيه المُقْتَضِى. وبهذا فارَقَ العَمْدُ الخطأَ. ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحْمِلُه العاقِلةُ. فصل: وإن اقْتَصَّ بحَدِيدةٍ مَسْمُومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه (٧) ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، أشْبَهَ عَمْدَ الخَطَإِ. والثانى، لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه قَتَلَه بآلةٍ يَقْتُلُ مثلُها غالِبًا، فأشْبَهَ مَنْ لا قِصَاصَ له. ولو وَكَّلَ في (٦) اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم عَفَا عنه، فقَتَلَه الوَكِيلُ من غيرِ عِلْمٍ بعَفْوِه، فقال القاضي: لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه عَمَدَ قَتْلَه. وقال أبو الخطَّابِ: تَحْمِلُه العاقلةُ (٨)؛ لأنَّه لم يَقْصِد الجِنايةَ، ومثلُ هذا يُعَدُّ خَطأً، بدليلِ ما لو قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ (٦) مُسْلِمًا يَظُنُّه
следующие страницы →