← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

خَلِفَةً، وتَغْلِيظُها في الذَّهَبِ والوَرِقِ أن يَنْظُرَ قِيمَةَ أسْنانِ الإِبِلِ غيرَ مُغَلَّظةٍ، وقِيمَتَها مُغَلّظةً، ثم يَحْكُمَ بزِيادةِ ما بينهما، كأنَّ قِيمَتَها مُخَفَّفةً سِتَّمائةٍ، وفى العَمْدِ ثَمانمائةٍ، وذلك ثُلُثُ الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ. وعند مالكٍ تُغَلَّظُ على الأبِ والأُمِّ والجَدِّ، دُونَ غيرِهم. واحْتَجَّا على صِفَةِ التَّغْليظِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه أخَذَ مِن قَتادةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه حين حَذَفَه بالسَّيْفِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعةً، وأَرْبَعين خَلِفَةً، ولم يَزِدْ عليه في العَدَدِ شيئًا (٢٢). وهذه قِصّةٌ اشْتَهَرتْ فلم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا، ولأنَّ ما أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ أَوْجَبَه في الأسْنانِ دُونَ القَدْرِ، كالضَّمانِ، ولا يُجْمَعُ بين تَغْلِيظَينِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ التغْليظَ بالضَّمانِ إذا اجْتَمَعَ سَبَبانِ تَداخلا (٢٣)، كالحَرَمِ والإِحْرامِ في قَتْلِ الصَّيْدِ، وعلى أنَّه لا يُغَلَّظُ بالإِحْرامِ، أنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بتَغْلِيظِه. واحْتَجَّ أصحابُنا بما رَوَى ابنُ أبي نَجِيحٍ، أنَّ امرأةً وُطِئَتْ في الطَّوافِ (٢٤)، فقَضَى عثمانُ، رَضِىَ اللهُ عنه فيها بسِتَّةِ آلافٍ وألْفَيْنِ تَغْلِيظًا للحَرَمِ (٢٥). وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن قَتَلَ في الحَرَمِ، أو ذا رَحِمٍ، أو في الشَّهْرِ الحرامِ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ (٢٦). وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا في الشهرِ الحرامِ، وفى البَلَدِ الحرامِ. فقال: دِيَتُه اثْنَا عَشَرَ ألفًا، وللشَّهْرِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ (٢٧). وهذا ممَّا يَظْهَرُ ويَنْتَشِرُ. ولم يُنْكَرْ، فيَثْبُتُ إجْماعًا. وهذا فيه الجَمْعُ بين تَغْلِيظاتٍ ثلاثٍ، ولأنَّه قولُ التابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ.

стр. 6162

واحْتَجُّوا على التَّغْلِيظِ في العَمْدِ، أنَّه (٢٨) إذا غُلِّظَ الخَطَأُ مع العُذْرِ فيه، ففى العَمْدِ مع عَدَمِ العُذْرِ أوْلَى. وكلُّ مَن غَلَّظَ الدِّيَةَ، أوْجَبَ التَّغْلِيظَ في بَدَلِ الطَّرَفِ، بهذه الأسبابِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ تَغْليظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كالعَمْدِ. وظاهرُ كلام الْخِرَقِىِّ، أنَّ الدِّيَةَ لا تُغَلَّظُ بشيءٍ من ذلك. وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبي حنيفةَ، والْجُوزَجَانىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن الفُقَهاءِ السَّبْعةِ (٢٩)، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وغيرِهم (٣٠)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٣١). لم يَزِدْ على ذلك. "وعَلَى أهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقالٍ" (٣٢). وفي حديثِ أبي شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "وَأَنْتُمْ يَا خُزَاعةُ قَدْ قَتَلْتُم هذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وأَنَا واللهِ عاقِلُهُ، مَنْ (٣٢) قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ ذلِكَ، فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ" (٣٣). وهذا القَتْلُ كان بمَكَّةَ في حَرَمِ اللَّه تعالى، فلم يَزِدِ النَّبِىُّ ﷺ على الدِّيَةِ، ولم يُفَرِّقْ بين الحَرَمِ وغيرِه، وقولُ اللَّه : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣٤). يَقْتَضِى أنَّ الدِّيَةَ واحدةٌ في كلِّ مكانٍ، وفى (٣٥) كلِّ حالٍ، ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أخَذَ من قَتادَةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه، ولم يَزِدْ على مائةٍ. ورَوَى الجُوزَجانىُّ، بإسْنادِه عن أبي الزِّنَادِ، أنَّ عمرَ بن عبد العزيزِ، كان يَجْمَعُ الفُقَهاءَ، فكان [ممَّا أحْيَى] (٣٦) من تلك السُّنَنِ بقولِ فُقَهاءِ المَدِينةِ السَّبْعةِ ونُظَرَائِهِم، أنَّ ناسًا كانوا يقولون: إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ في

стр. 6163

الشهرِ الحرامِ أرْبعةَ آلافٍ، فتكونُ سِتَّةَ عَشَرَ ألف دِرْهمٍ، فألْغَى عمرُ، ﵀، ذلك بقَوْلِ الفُقَهاءِ، وأثْبَتَها اثْنَى عَشرَ ألْفَ دِرْهَمٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، والبَلَدِ الحرامِ، وغيرِهِما. قال ابنُ المُنْذِرِ: وليس بثابِتٍ ما رُوِىَ عن الصَّحابةِ في هذا. ولو صَحَّ فقولُ عمرَ يُخالِفُه، وقولُه أوْلَى من قولِ مَنْ خالَفَه، وهو أصَحُّ في الرِّوايةِ، مع مُوافَقَتِه الكِتابَ والسُّنَّةَ والقِياسَ. فصل: ولا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بمَوْضِعٍ غيرِ الحَرَمِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بالقَتْلِ في المدينةِ. على قولِه القديمِ؛ لأنَّها مكانٌ يَحْرُمُ صَيْدُه، فأشْبَهتِ الحَرَمَ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للمَناسِكِ، فأشْبَهَتْ سائرَ البُلْدانِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَرَمِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أىُّ بَلَدٍ هذَا؟ ألَيْسَتِ البَلْدَةَ الحَرَامَ (٣٧)؟ " قال: "فَإنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، في بَلَدِكُم هذَا" (٣٨). وهذا يَدُلُّ على أنَّه أعْظَمُ البِلَادِ حُرْمَةً، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ أعْتَى النَّاسِ

стр. 6164

عَلَى اللهِ، رَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ بِذَحْلِ (٣٩) الْجَاهِلِيَّةِ" (٤٠). وتَحْرِيمُ الصَّيْدِ ليس هو العِلَّةَ في التَّغْليظِ، وإن كان من جُمْلَةِ المُؤثِّرِ، فقد خالَفَ تَحْرِيمَ الحَرَمِ، فإنَّه لا يَجِبُ الجَزَاءُ على مَنْ قَتَلَ فيه صَيْدًا. ولا يَحْرُمُ الرَّعْىُ (٤١) فيهِ، ولا الاحْتِشاشُ منه، ولا ما يُحْتاجُ إليه من الرَّحْلِ والعارِضَةِ والقائمةِ وشِبْهِه. ١٤٦٤ - مسألة؛ قال: (والْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ، ولَا الْعَمْدَ، ولَا الصُّلْحَ، ولَا الاعْتِرَافَ، ومَا دُونَ الثُّلُثِ) في هذه المسألة خمسُ مَسائلَ: الأولى: أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَبْدَ. يَعْنِى إذا قَتَلَ العَبْدَ قاتِلٌ، وجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتلِ، ولا شىءَ على عاقِلَتِه، خطَأً كان أو عَمْدًا. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، والنَّخَعِيِّ، والْبَتِّىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبي لَيْلَى، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَجِبُ بقَتْلِه القِصاصُ والكَفّارةُ، فحَمَلَتِ العاقِلةُ بَدَلَه، كالحُرِّ، وعن الشافعىِّ كالمَذْهبَيْنِ، ووافَقَنا أبو حَنِيفةَ في دِيَةِ أطْرَافِه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلةُ عَمْدًا، ولَا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، لَا اعْتِرافًا" (١). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا عليه، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا،

стр. 6165

فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّ الواجِبَ فيه قِيمةٌ تَخْتَلِفُ باخْتلافِ صِفاتِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كسائرِ القِيَمِ، ولأنَّه (٢) حَيَوانٌ لا تَحْمِلُ العاقلةُ قِيمةَ أطْرافِه، فلم تَحْمِل الواجِبَ في نَفْسِه، كالفَرَسِ. وبهذا فارَقَ الحُرَّ (٣). المسألة الثانية: أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ، سواءٌ كان ممَّا يَجِبُ القِصاصُ فيه، أو لا يَجِبُ. ولا خِلافَ في أنَّها لا تَحْمِلُ دِيَةَ ما يَجِبُ فيه القِصاصُ، وأكثرُ أهْلِ العلمِ على أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ بكلِّ حالٍ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّها تَحْمِلُ الجِناياتِ التي لا قِصاصَ فيها، كالمأْمُومةِ والجائِفَةِ. وهذا قولُ قَتادةَ؛ لأنَّها جِنايةٌ لا قِصاصَ فيها، فأشْبَهَتْ (٤) جِنَايةَ الخَطَإِ. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، ولأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، فلا تَحْمِلُها العاقِلةُ، كالمُوجِبَةِ (٥) للقِصاصِ، وجِنَايَةِ الأَبِ على ابْنِه، ولأنَّ حَمْلَ (٦) العاقلةِ إنَّما يَثْبُتُ في الخَطَإِ، لِكَوْنِ الجانِي مَعْذُورًا، تَخْفيفًا عنه، ومُواساةً له، والعامِدُ غيرُ مَعْذُورٍ، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفيفَ ولا المُعَاوَنةَ، فلم يُوجَدْ فيه المُقْتَضِى. وبهذا فارَقَ العَمْدُ الخطأَ. ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحْمِلُه العاقِلةُ. فصل: وإن اقْتَصَّ بحَدِيدةٍ مَسْمُومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه (٧) ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، أشْبَهَ عَمْدَ الخَطَإِ. والثانى، لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه قَتَلَه بآلةٍ يَقْتُلُ مثلُها غالِبًا، فأشْبَهَ مَنْ لا قِصَاصَ له. ولو وَكَّلَ في (٦) اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم عَفَا عنه، فقَتَلَه الوَكِيلُ من غيرِ عِلْمٍ بعَفْوِه، فقال القاضي: لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه عَمَدَ قَتْلَه. وقال أبو الخطَّابِ: تَحْمِلُه العاقلةُ (٨)؛ لأنَّه لم يَقْصِد الجِنايةَ، ومثلُ هذا يُعَدُّ خَطأً، بدليلِ ما لو قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ (٦) مُسْلِمًا يَظُنُّه

стр. 6166

حَرْبِيًّا، فإنَّه عَمَدَ قَتْلَه، وهو أحَدُ نَوْعَىِ الخَطَإِ. وهذا أصَحُّ. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كهذَيْن. فصل: وعَمْدُ الصَّبِىِّ والمجنونِ خَطَأٌ تَحْمِلُه العاقِلَةُ. وقال الشافعيُّ، في أحدِ قَوْلَيْه: لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه عَمْدٌ يجوزُ تَأْدِيبُهما عليه، فأشْبَهَ القَتْلَ من البالِغِ. ولَنا، أنَّه لا يتَحَقَّقُ منهما كمالُ القَصْدِ، فتَحْمِلُه العاقِلَةُ، كشِبْهِ العَمْدِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجِبُ القِصاصَ، لأجْلِ العُذْرِ، فأشْبَهَ الخطأَ وشِبْهَ العَمْدِ. وبهذا فارَقَ ما ذكَرُوه، ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بشِبْهِ العَمْدِ. المسألة الثالثة: أنَّها لا تَحْمِلُ الصُّلْحَ. ومعناه أن يَدَّعِىَ عليه القَتْلَ، فيُنْكِرَه ويُصالِحَ المُدَّعِى على مالٍ، فلا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه مالٌ ثَبَتَ (٩) بمُصالَحتِه واخْتِيارِه، فلم تحْمِلْه العاقِلةُ، كالذى ثَبَتَ باعْتِرافِه. وقال القاضي: معناه أنْ يُصالِحَ الأوْلِياءُ عن دَمِ العَمْدِ إلى الدِّيَةِ. والتَّفْسيرُ الأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذا عَمْدٌ، فيُسْتَغْنَى عنه بذِكْرِ العَمْدِ. وممَّن قال: لا تَحْمِلُ العاقِلةُ الصُّلْحَ. ابنُ عباسٍ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعيُّ. وقد ذكَرْنا حديثَ ابن عبَّاسٍ فيه، ولأنَّه لو حَمَلَتْه العاقِلَةُ، أدَّى إلى أن يُصالِحَ بمالِ غيرِه، ويُوجِبَ عليه حَقًّا بقَوْلِه. المسألة الرابعة: أنَّها لا تَحْمِلُ (١٠) الاعْتِرافَ. وهو أن (١١) يُقِرَّ الإِنْسانُ على نَفْسِه بقَتْلٍ خَطَإٍ، أو شِبْهِ عَمْدٍ، فتَجِبُ الدِّيَةُ عليه، ولا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا. وبه قال ابنُ عباسٍ، والشَّعْبِىُّ، والحسنُ، وعمرُ بن عبد العزيز، والزُّهْرِىُّ، وسليمانُ بن موسى، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقد ذكَرْنا حديثَ ابنِ عباسٍ فيه، ولأنَّه لو وَجَبَ عليهم، لوَجَبَ بإقْرارِ

стр. 6167

غيرِهم، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ شَخْصٍ على غيرِه، ولأنَّه يُتَّهَمُ في أن يُواطِئَ مَنْ يُقِرُّ له بذلك ليَأْخُذَ الدِّيَةَ مِن عاقِلَتِه، فيُقاسِمَه إيَّاها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه ما اعْتَرفَ به، وتَجِبُ الدِّيَةُ عليه حالَّةً في مالِه، في قولِ أكْثَرِهم. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ: لا يَلْزَمُه شيءٌ، ولا يَصِحُّ إقْرارُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على غيرِه لا على نَفْسِه، ولأنَّه لم يَثْبُتْ مُوجَبُ إقْرارِه، فكان باطِلًا، كما لو أقَرَّ على غيرِه بالقَتْلِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١٢). ولأنَّه مُقِرٌّ على نَفْسِه بالجِنَايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فصَحَّ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بإتْلافِ مالٍ، أو بما لا تَحْمِلُ دِيَتَه العاقِلَةُ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمُونٌ، فيَضْمَنُ إذا اعْتَرفَ به، كسائرِ المَحَالِّ، وإنَّما سَقَطَتْ عنه الدِّيَةُ في مَحَلِّ الوِفَاقِ، لتَحَمُّلِ العاقِلَةِ لها، فإذا لم تَحْمِلْها، وجَبَتْ عليه، كجِنَايةِ المُرْتَدِّ. المسألة الخامسة: أنَّها لا تَحْمِلُ ما دُونَ الثُّلُثِ. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وعبدُ العزيز (١٣) بن أبي سَلَمةَ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، وقال: لا تَحْمِلُ الثُّلثَ أيضًا. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: تحْمِلُ السِّنَّ، والمُوضِحَةَ، وما فَوْقَهما (١٤)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الغُرَّةَ التي في الجَنِينِ على العاقِلةِ (١٥)، وقِيمَتُها نِصْفُ عُشرِ الدِّيَةِ، ولا تَحْمِلُ ما دُونَ ذلك؛ لأنَّه ليس فيه أرْشٌ مُقَدَّرٌ. والصَّحِيحُ عن الشافعيِّ، أنَّها تحْمِلُ الكَثِيرَ والقليلَ؛ لأنَّ مَنْ حَمَلَ الكثيرَ حَمَلَ القليلَ، كالجانِى في العَمْدِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَضَى في الدِّيَةِ أن لا يُحْمَلَ منها شيءٌ حتى تَبْلُغَ عَقْلَ المَأْمُومةِ (١٦). ولأنَّ مُقْتَضَى الأصْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ على الجانِى؛

стр. 6168

لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، وبَدَلُ مُتْلَفِه، فكان عليه، كسائرِ المُتْلَفاتِ والجِناياتِ، وإنَّما خُولِفَ في الثُّلثِ فصاعدًا، تَخْفيفًا على (١٧) الجانِى، لكَوْنِه كثيرًا يُجْحِفُ به، قال النَّبِىُّ ﷺ : "الثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١٨). ففى ما دُونَه يَبْقَى على قَضِيَّةِ الأصْلِ ومُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وهذا حُجَّةٌ على الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الثُّلثَ كثيرًا، فأمَّا دِيَةُ الجَنِينِ، فلا تَحْمِلُها العاقِلَةُ، إلَّا إذا مات مع أُمِّه. من الضَّرْبةِ؛ لكَوْنِ دِيَتِهما جميعًا مُوجَبُ جِنايةٍ، تَزِيدُ على الثُّلثِ، وإن سَلَّمنا وُجُوبَها على العاقِلَةِ، فلأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ كاملةٌ. فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذا بَلَغَ الثُّلُثَ. وهو قولُ مَنْ سَمَّيْنَا في المسألةِ التي قبلَ هذا. وحُكِىَ عن الشافعيِّ، أنَّه قال في القديمِ: لا تَحْمِلُ ما دُونَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى ضَمانِ الأمْوالِ، بدليلِ أنَّه لا تَجِبُ فيه كَفَّارَةٌ. ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولأنَّ الواجِبَ دِيَةُ جِنايةٍ على حُرٍّ تَزِيدُ على الثُّلثِ، فحَمَلَتْها العاقِلَةُ، كدِيَةِ النَّفْسِ، ولأنَّه (١٩) كثيرٌ يَجِبُ ضَمانًا لحُرٍّ، أشْبَهَ ما ذكَرْنا. وما ذكَرَه (٢٠) يَبْطُلُ بما إذا جَنَى على الأطْرافِ بما يُوجِبُ الدِّيَةَ، أو زِيادَةً عليها. فصل: وتَحْمِلُ العاقِلَةُ دِيَةَ المرأةِ. بغير خلافٍ بينهم فيها. وتَحْمِلُ من جِرَاحِها ما بَلَغَ أرْشُه ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، كدِيَةِ أنْفِها، وما دون ذلك كدِيَةِ (٢١) يَدِها، لا تَحْمِلُه العاقلةُ. وكذلك الحُكْمُ في ديةِ الكِتَابِىِّ. ولا تَحْمِلُ دِيَةَ المَجُوسِىِّ؛ لأنَّها دُونَ الثُّلثِ، ولا دِيَةَ الجَنِينِ إن مات مُنْفَرِدًا، أو مات قبلَ مَوْتِ أُمِّه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه دُونَ الثُّلثِ. وإن مات مع أُمِّه، حَمَلتْهما (٢٢) العاقلةُ. نَصَّ عليه؛ لأنَّ وُجُوبَ دِيَتِهما

стр. 6169

حَصَلَ في حالٍ واحدةٍ، بجِنايةٍ واحدةٍ، مع زِيادَتِهِما على الثُّلثِ، فحَمَلَتْهُما العاقلةُ، كالدِّيَةِ الواحدةِ. فصل: وإن كان الجانِى ذِمِّيًّا، فعَقْلُه على عَصَبَتِه من أهْلِ دِيَتِه المُعاهدينَ. في إحْدى الرِّوايتَيْنِ. وهو قولُ الشافعيِّ. وفي الأُخْرَى، لا يتَعاقَلُونَ؛ لأنَّ المُعاقَلةَ (٢٣) تَثْبُتُ في حَقِّ المُسْلِمِ على خِلافِ الأصْلِ، تَخْفيفًا عنه، ومَعُونةً له، فلا يُلْحَقُ به الكافِرُ، لأنَّ المسلمَ أعْظَمُ حُرْمةً، وأحَقُّ بالمُواساةِ والمَعُونةِ من الذِّمِّىِّ، ولهذا وجَبَتِ الزَّكاةُ على المسلمينَ مُواساةً لفُقَرائِهِم، ولم تَجِبْ على أهلِ الذِّمَّةِ لفُقَرائِهم، فتَبْقَى في حَقِّ الذِّمِّىِّ على الأصْلِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّهم عَصَبَةٌ يَرِثُونه، فيَعْقِلُون عنه، كعَصَبةِ المُسْلمِ من المسلمينَ، ولا (٢٤) يَعْقِلُ عنه عَصَبَتُه المسلمونَ؛ لأنَّهم لا يَرِثُونَه، ولا الحَرْبِيُّون؛ لأنَّ المُوالاةَ والنُّصْرَةَ مُنْقَطِعةً بينهم. ويَحْتَمِلُ أن يَعْقِلُوا عنه، إذا قُلْنا: إنَّهم يَرِثُونَه. لأنَّهم أهْلُ دِينٍ واحدٍ، يَرِثُ بعضُهم بعضًا. ولا يَعْقِلُ يَهُودِىٌّ عن نَصْرانِيٍّ، ولا نَصْرانِىٌّ عن يَهُودِيٍّ؛ لأنَّهم لا مُوالاةَ بينهم، وهم أهْلُ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يتَعاقَلَا، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في تَوارُثِهما. فصل: وإن تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، أو تَهَوّدَ نَصْرانىٌّ، وقُلْنا: إنَّه يُقَرُّ عليه. عَقَلَ عنه عَصَبَتُه من أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَ إليه. وهل يَعْقلُ عنه الذين انْتَقلَ عن دِينِهم؟ على وَجْهَيْنِ. وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ. لم يَعْقِلْ عنه أحَدٌ؛ لأنَّه كالمُرْتَدِّ، والمُرْتَدُّ لا يَعْقِلُ عنه أحَدٌ؛ لأنَّه ليس بمُسْلمٍ فيَعْقِلُ عنه المسلمونَ، ولا ذِمِّىٍّ فيَعْقِلُ عنه أهلُ الذِّمَّةِ، وتكونُ جِنايَتُه في مالِه. وكذلك كلُّ مَنْ لا تَحْمِلُ عاقِلَتُه جِنايَتَه، يكونُ مُوجَبُها في مالِه، كسائرِ الجِناياتِ التي لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ. فصل: ولو رَمَى ذِمِّىٌّ صَيْدًا، ثم أسْلمَ، ثم أصابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا فقَتَلَه، لم يَعْقِلْه (٢٥)

стр. 6170

المسلمونَ؛ لأنَّه لم يَكُنْ مُسْلِمًا حالَ رَمْيِه، ولا المُعاهدُونَ؛ لأنَّه قَتَلَه وهو مسلمٌ، فيكونُ في مالِ الجانِى. وهكذا لو رَمَى وهو مسلمٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم قَتَلَ السَّهْمُ إنسانًا، لم يَعْقِلْه أحَدٌ. ولو جَرَحَ ذِمِّىٌّ ذِمِّيًّا، ثم أسلمَ الجارِحُ، ومات المجروحُ، وكان أرْشُ جِراحِه يَزِيدُ على الثُّلثِ، فعَقْلُه على عَصَبَتِه من أهلِ الذِّمَّةِ، وما زاد على أرْشِ الجُرْحِ لا يَحْمِلُه أحَدٌ، ويكونُ في مالِ الجانِى؛ لما (٢٦) ذكرنا. وإن لم يَكُنْ أرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فجميعُ الدِّيَةِ على الجانِى. وكذلك الحُكْمُ إذا جَرَحَ مسلمٌ (٢٧) ثم ارْتَدَّ. ويَحْتَمِلُ أن تَحْمِلَ الدِّيَةَ كلَّها العاقلةُ في المسْألتَيْنِ؛ لأنَّ الجنايةَ وُجِدَتْ وهو ممَّن تَحْمِلُ العاقلةُ جِنايَتَه، ولهذا وجَبَ القِصاصُ في المسألةِ الأولى إذا (٢٨) كان عَمْدًا. ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْمِلَ العاقلةُ شيئًا؛ لأنَّ الأرْشَ إنَّما يَسْتَقِرُّ بانْدِمالِ الجُرْحِ أو سِرَايَتِه. فصل: إذا تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً، فأَوْلَدَها أولادًا، فولاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم، فإن جَنَى أحَدُهُم، فالعَقْلُ على مَوْلَى أُمِّه؛ لأنَّه عَصَبَتُه ووَارِثُه، فإن أُعْتِقَ أَبُوه، ثم سَرَتِ الجنايةُ، أو رُمِىَ بسَهْمٍ فلم يَقَع السَّهْمُ حتى أُعْتِقَ أبوه، لم يَحْمِلْ عَقْلَه أحَدٌ؛ لأنَّ مَوالِى الأُمِّ قد زال ولاؤُهم عنه قبلَ قَتْلِه، ومَوالِى الأَبِ لم يَكُنْ لهم عليه ولاءٌ حالَ جِنَايَتِه، فتكونُ الدِّيَةُ عليه في مالٍ، إلَّا أن يكونَ أرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ مُنْفَرِدًا، فيُخَرَّجُ فيه مثلُ ما قُلْنَا في المسألةِ التي قبلَها. فصل: وإن جَنَى الرجلُ على نَفْسِه خطأً، أو على أطْرافِه، ففيه رِوَايتانِ. قال القاضي: أظْهَرُهما أنَّ على عاقِلَتِه دِيَتَه لوَرَثَتِه إن قَتَلَ نفسَه، أو أرْشَ جُرْحِه لنفسِه إذا كان أكثرَ من الثُّلثِ. وهذا قولُ الأوْزاعيِّ، وإسحاقَ؛ لما رُوِىَ أنَّ رَجُلًا ساقَ حِمارًا

стр. 6171

فضَرَبه بِعَصًا كانت معه، فطارَتْ منها شَظِيَّةٌ، فأصابتْ (٢٩) عَيْنَه ففَقَأتْها (٣٠)، فجَعَلَ عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، دِيَتَه على عاقِلَتِه، وقال: هي يَدٌ من أيْدِى المسلمينَ، لم يُصِبْها اعْتِداءٌ على أحدٍ (٣١). ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا في عَصْرِه. ولأنَّها جنايةُ خَطإٍ، فكان عَقْلُها على عاقِلَتِه، كما لو قَتَلَ غيرَه. فعلى هذه الرِّوايةِ، إن كانت العاقِلةُ الوَرَثةَ، لم يَجِبْ شيءٌ؛ لأنَّه لا يَجِبُ للإِنسانِ شيءٌ على نَفْسِه، وإن كان بعضُهم وارِثًا، سَقَطَ عنه ما يُقابِلُ نَصِيبَه، وعليه ما زاد على نَصِيبِه، وله ما بَقِىَ إن كان نَصِيبُه من الدِّيَةِ أكثرَ من الواجِبِ عليه. والرِّواية الثانية، جِنايَتُه هَدْرٌ. وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ، منهم؛ رَبِيعةُ، ومالكٌ، والثَّوْرىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهى أصَحُّ؛ لأنَّ عامِرَ بن الأَكْوعِ بارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَر، فرَجَعَ سَيْفُه على نَفْسِه، فمات (٣٢)، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى فيه بِدِيَةٍ ولا غيرِها، ولو وجَبَتْ لبَيَّنَه النَّبِىُّ ﷺ . ولأنَّه جَنَى على نفسِه، فلم يَضْمَنْه غيرُه، كالعَمْدِ، ولأنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ على العاقلةِ إنَّما كان مُواساةً للجانِى، وتَخْفيفًا عنه، وليس على الجانِى ههُنا شيءٌ يَحْتاجُ إلى الإِعانةِ والمُواساةِ فيه، فلا وَجْهَ لإِيجابِه. ويُفارِقُ هذا ما إذا كانت الجِنايةُ على غيرِه، فإنَّه لو لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، لأَجْحَفَ به وُجُوبُ الدِّيَةِ لكَثْرَتِها. فأمَّا إن كانت جنايتُه (٣٣) على نَفْسِه شِبْهَ عَمْدٍ، فهل تَجْرِى مَجْرَى الخَطإِ؟ على وَجْهَيْن: أحدهما، هي كالخَطإِ؛ لأنَّها تُساوِيه فيما إذا كانتْ

стр. 6172

على غيرِه. والثانى، لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه لا عُذْرَ له، فأشْبَهَ العَمْدَ المَحْضَ. فصل: وأمَّا، خَطأُ الإِمامِ والحاكمِ في غيرِ الحُكْمِ والاجْتهادِ، فهو على عاقِلَتِه. بغيرِ خِلافٍ، إذا كان ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، وما حَصَلَ باجْتِهادِه، ففيه رِوَايتانِ؛ إحداهما، على عاقِلَتِه أيضًا؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه بَعَثَ إلى امْرأةٍ ذُكِرَتْ بسُوءٍ، فأجْهضَتْ جَنِينَها، فقال عمرُ لعلىٍّ: عَزَمْتُ عليك، لا تَبْرَحْ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ (٣٤). ولأنَّه جانٍ، فكان خَطَأُه على عاقِلَتِه، كغيرِه. والثانية، هو (٣٥) في بيتِ المالِ. وهو مذهبُ الأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ الخطأَ يَكْثُرُ في أحْكامِه واجْتهادِه، فإيجابُ عَقْلِه على عاقِلَتِه يُجْحِفُ بهم، ولأنَّه نائِبٌ عن اللَّه تعالى في أحْكامِه وأفْعالِه، فكان أرْشُ جِنَايتِه في مالِ اللَّه سبحانه. وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. ١٤٦٥ - مسألة؛ قال: (وإذا جَنَى الْعَبْدُ، فَعَلَى سَيِّدِه أنْ يَفْدِيَهُ أوْ يُسَلِّمَهُ، فَإنْ كَانَت الْجِنَايَةُ أكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدهِ أكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ) هذا في الجنايةِ التي تُودَى (١) بالمالِ، إمَّا لكَوْنِها لا تُوجِبُ إلَّا المال، وإمَّا لكَوْنِها مُوجبةً للقِصاصِ، فعَفَا عنها إلى المالِ، فإنَّ جِنايةَ العَبْدِ تتَعَلَّقُ برَقَبتِه إذ لا يَخْلُو من أن تتعلَّقَ برَقَبَتِه، أو ذِمَّتِه، أو ذِمَّةِ سَيِّدِه، أو لا يَجِبَ شيءٌ، ولا يُمْكِنُ إلغاؤُها؛ لأنَّها جِنايةُ آدَمِىٍّ، فيَجِبُ اعْتِبارُها كجِنايةِ الحُرِّ، ولأنَّ جِنايةَ الصغيرِ والمجنونِ غيرُ مُلْغاةٍ، مع عُذْرِه، وعَدَمِ تَكْلِيفِه، فجِنايةُ العَبْدِ أَوْلَى، ولا يُمْكِنُ تعَلُّقُها بذِمَّتِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إلْغائِها، أو تأْخِيرِ حَقِّ المَجْنِىِّ عليه إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ، فتَعَيَّنَ تعَلُّقُها برَقَبةِ العَبْدِ، ولأنَّ الضَّمانَ مُوجَبُ جِنايَتِه، فتتعَلَّقُ برَقَبتِه، كالقِصاصِ. ثم لا

стр. 6173

يَخْلُو أرْشُ الجِنايةِ من أن يكونَ بقَدْرِ قِيمَتِه فما دُونَ، أو أكثرَ؛ فإن كان بقَدْرِها فما دُونَ، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بين أن يَفْدِيَه بأرْشِ جِنايَتِه، أو يُسَلِّمَهُ إلى وَلِىِّ الجِنايةِ فيَمْلِكَه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وإسْحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعُرْوةَ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّه إن دَفَعَ أرْشَ الجِنايَةِ، فهو الذي وجَبَ للمَجْنِىِّ عليه، فلم يَمْلِكِ المُطالبةَ بأكثرَ منه، وإن سَلَّمَ العَبْدَ، فقد أدَّى المَحَلَّ الذي تعَلَّقَ الحَقُّ به، ولأنَّ حَقَّ المجنِىِّ عليه لا يتعلَّقُ بأكثرَ من الرَّقبةِ، وقد أدَّاها. وإن طالبَ الْمَجنِىُّ عليه بتَسْلِيمِه إليه، وأبَى ذلك سَيِّدُه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لما ذكَرْنا. وإن دَفَعَ السَّيِّدُ عبدَه، فأبَى الجانِى قَبُولَه، وقال: بِعْهُ، وادْفَعْ إلىَّ ثَمَنَه. فهل يَلْزَمُ السَّيِّدَ ذلك؟ على رِوَايتَيْن. وأمَّا إن كانت الجِنايةُ أكثرَ من قِيمَتِه، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّ سَيِّدَه مُخَيَّرٌ (٢) بين أن يَفْدِيَه بقِيمَتِه أو أرْشِ جِنايتِه، وبينَ أن يُسَلِّمَه؛ لأنَّه إذا (٣) أدَّى قِيمَتَه، فقد أدَّى قَدْرَ الواجبِ عليه، فإنَّ حَقَّ الْمَجنِىِّ عليه لا يَزِيدُ على العَبْدِ، [فإذا أدَّى قِيمَتَه، فقد أدَّى الواجبَ عليه] (٤)، فلم يَلْزَمْه أكثرُ من ذلك، كما لو كانت الجِنايةُ بقَدْرِ قِيمَتِه. والرِّواية الثانية، يَلْزَمُه تسْلِيمُه، إلَّا أن يَفْدِيَه بأرْشِ (٥) جِنايَتِه بالِغةً ما بَلَغَتْ. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّه ربما إذا (٣) عُرِضَ للبَيْعِ رَغِبَ فيه راغبٌ بأكثرَ من قِيمَتِه، فإذا أمْسَكَه فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادةَ على الْمَجنِىِّ عليه. وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتَيْنِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ الشَّرْعَ قد جَعَلَ له فِداءَه، فكان له فداؤُه، فكان الواجبُ قَدْرَ قِيمَتِه، كسائرِ المُتْلَفاتِ. فصل: فإن كانت الجنايةُ مُوجِبةً للقِصاصِ، فعَفَا وَلِىُّ الجنايةِ على أنْ يَمْلِكَ العبدَ، لم يَمْلِكْه بذلك؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْه بالجنايةِ، فلأَن لا يَمْلِكَه بالعَفْوِ أَوْلَى، ولأنَّه أحدُ مَنْ

стр. 6174

عليه قصاصٌ (٦)، فلا يَمْلِكُه بالعَفْوِ، كالحُرِّ، ولأنَّه إذا عَفَا عن القِصاصِ. انْتقَلَ حَقُّه إلى المالِ، فصار كالجانِى جنايةً مُوجِبَةً للمالِ. وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَمْلِكُه؛ لأنَّه مملوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلافَه، فاسْتَحقَّ إبْقاءَه على مِلْكِه، كعَبْدِه الجانِى عليه. فصل: قال أبو طالبٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يقول: إذا أمَرَ غُلامَه فجَنَى، فعليه (٧) ما جَنَى، وإن كان أكثرَ من ثَمَنِه، إن قَطعَ يَدَ (٨) حُرٍّ، فعليه دِيَةُ يَدِ (٩) الحُرِّ، وإن كان ثَمَنُه أقَلَّ، وإن أمَرَه سَيِّدُه أن يَجْرَحَ رَجُلًا، فما جَنَى، فعليه قِيمَةُ جنايَتِه، وإن كانتْ أكثرَ من ثَمَنِه؛ لأنَّه بأَمْرِه. وكان علىٌّ وأبو هُرَيْرةَ يقولان: إذا أمَرَ عبدَه أن يَقْتُلَ، فإنَّما هو سَوْطُه، يُقْتَلُ (١٠) المَوْلَى، ويُحْبَسُ العَبْدُ (١١). وقال أحمدُ: حدَّثنا بَهْزٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بن سَلَمةَ، حدَّثنا قتادةُ، عن خِلاسٍ، أنَّ عَلِيًّا قال: إذا أمَرَ الرجلُ عبدَه فقَتَلَ، إنَّما هو كسَوْطِه أو كسَيْفِه، يُقْتَلُ المَوْلَى، والعَبْدُ يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ (١١). ولأنَّه فَوَّتَ شيئًا بأمْرِه، فكان على السَّيِّدِ ضَمانُه، كما لو اسْتَدانَ بأَمْرِه. فصل: فإن جَنَى جِنَاياتٍ، بعضَها بعدَ بعضٍ، فالجانِى بين أوْلِياءِ الجِناياتِ بالحِصَصِ. وبهذا قال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ورَبِيعةُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشافعيُّ ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه قال: يُقْضَى به (١٢) لآخِرِهِم. وبه قال الشَّعْبِىُّ، وقتادةُ؛ لأنَّها

стр. 6175

جِنايةٌ (١٣) ورَدَتْ على مَحَلٍّ مُسْتَحِقٍّ، فقُدِّمَ صاحِبُها على المُسْتَحِقِّ قبلَه، كالجِنايةِ على المَمْلُوكِ الذي لم يَجْنِ. وقال شريحٌ، في عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثم آخَرَ، [ثم آخَرَ] (١٤)، فقال شُرَيحٌ: يُدْفَعُ إلى الأوَّلِ، إلَّا أن يَفْدِيَه مَوْلاه، ثم يُدْفَعُ إلى الثاني، ثم يُدْفَعُ إلى الثالثِ، إلَّا أن يَفْدِيَه الأوْسَطُ. ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ تعَلُّقِ الحَقِّ به، فتَساوَوْا في الاسْتِحقاقِ، كما لو جَنَى عليهم دَفْعةً واحدةً، بل لو قُدِّمَ بعضُهم، كان الأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّهُ أسْبَقُ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على المِلْكِ، فإنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه أقْوَى، بدليلِ أنَّهما لو وُجِدَا دَفْعةً واحدةً، قُدِّمَ حَقُّ (١٥) المَجْنِىِّ عليه، ولأنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه ثَبَتَ بغيرِ رِضَى صاحِبِه عِوَضًا، وحَقَّ المالِكِ ثَبَتَ برِضَاه أو بغيرِ عِوَضٍ، فافْتَرَقَا. فصل: وإن أعْتَقَ السَّيِّدُ عبدَه الجانِى، عَتَقَ، وضَمِنَ ما تَعَلّقَ به من الأرْشِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الجِنايةِ على مَنْ تَعَلّقَ حَقُّه به، فلَزِمَه غَرَامَتُه، كما لو قَتَلَه. ويَنْبَنِى قَدْرُ الضَّمانِ على الرِّوايتَيْنِ، فيما إذا اختارَ إمْساكَه بعدَ الجِنايةِ؛ لأنَّه امْتَنَعَ من تَسْلِيمِه بإعْتاقِه، فهو بمنزلةِ امْتِناعِه من تَسْلِيمِه باخْتِيارِ فِدَائِه. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، أنَّه إن أعْتَقَه، عالِمًا بجِنايتِه، فعليه الدِّيَةُ، يَعْنِى دِيةَ المَقْتُولِ، وإن لم يَكُنْ عالِمًا بجنايتِه، فعليه قِيمَةُ العَبْدِ؛ وذلك لأنَّه إذا أعْتَقَه مع العلمِ، كان مُخْتارًا لفِدائِه، بخِلافِ ما إذا لم يَعْلَمْ، فإنَّه لم يَخْتَرِ الفِداءَ؛ لعَدَمِ عِلْمِه به، فلم يَلْزَمْه أكثرُ من قِيمةِ ما فَوَّتَه. فصل: فإنْ باعَه، أو وَهَبَه، صَحَّ بَيْعُه؛ لما ذكَرْنا في البَيْعِ، ولم يَزُلْ تَعَلُّقُ الجِنايةِ عن رَقَبَتِه، فإن كان المُشْتَرِى عالمًا بحالِه، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دخَلَ على بَصِيرةٍ، ويَنْتَقِلُ

стр. 6176

الخِيارُ في فِدائِه وتَسْلِيمِه إليه، كالسَّيِّدِ الأوَّلِ، وإن لم يَعْلَمْ، فله الخِيارُ بين إمْساكِه ورَدِّه، كسائرِ المَعِيبات (١٦). ١٤٦٦ - مسألة؛ قال: (والْعَاقِلَةُ الْعُمُومةُ، وأوْلَادُهُمْ وإنْ سَفَلُوا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ. والرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، الْأَبُ، وَالِابْنُ (١)، وَالإِخْوَةُ، وكُلُّ الْعَصَبَةِ مِنَ الْعَاقِلَةِ) العاقِلَةُ: مَنْ يَحْمِلُ العَقْلَ. والعَقْلُ: الدِّيَةُ، تُسَمَّى عَقْلًا؛ لأنَّها تَعْقِلُ لِسانَ وَلِىِّ (٢) المَقْتُولِ. وقيل: إنَّما سُمِّيَتِ العاقلةُ، لأنَّهم يمْنَعُونَ عن القاتِلِ، والعَقْلُ: المَنْعُ، ولهذا سُمِّىَ بعضُ العُلُومِ عَقْلًا؛ لأنَّه يمْنَعُ من الإِقْدامِ على المَضَارِّ. ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في (٣) أنَّ العاقلةَ العَصَباتُ، وأنَّ غَيْرَهم من الإِخْوَةِ من الأُمِّ، وسائرِ ذَوِى الأرْحامِ، والزَّوْجِ، وكُلِّ مَن عدَا العَصَباتِ، ليس (٤) هم من العاقلةِ. واخْتُلِفَ في الآباءِ والْبَنينَ، هل هم من الْعَاقِلَةِ أو لا. وعن أحمدَ في ذلك رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّ (٥) كلَّ العَصَبةِ من العاقلةِ، يَدْخُلُ فيه آباءُ القاتلِ، وأبناؤُه، وإخْوَتُه، وعُمُومَتُه، وأبناؤُهم. وهذا اختيارُ أبي بكرٍ، والشريفِ أبى جعفرٍ. وهو مذهبُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لما رَوَى عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأةِ بينَ عَصَبَتِها، مَنْ كانوا، لا يَرِثُونَ منها شيئًا إلَّا ما فضَلَ عن وَرَثَتِها، وإن قُتِلَتْ فعَقْلُها بين ورَثَتِها. روَاه أبو داودَ (٦). ولأنَّهم عَصَبةٌ، فأشْبَهُوا الإِخْوةَ، يُحَقِّقُه أنَّ العَقْلَ موضوعٌ

стр. 6177

على التَّناصُرِ، وهم من أهْلِه، ولأنَّ العَصَبةَ في تَحَمُّلِ العَقْلِ كهُمْ في المِيراثِ، في تقْديمِ الأَقْرَبِ فالأَقربِ، وآباؤُه وأبناؤُه أحَقُّ العَصَباتِ بميراثِه، فكانوا أوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه. والرِّواية الثانية، ليس آباؤُه وأبناؤُه من العاقلةِ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال (٧): اقْتَتلَتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بحجَرٍ (٨)، فقَتَلَتْها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقَضَى [رسولُ اللَّه ﷺ ] (٩) بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرِثَها ولَدُها ومَنْ معهم. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وفي روايةٍ: ثم ماتتِ القاتلةُ، فجعل النَّبِىُّ ﷺ مِيراثَها لِبَنِيها، والعَقْلَ على العَصَبةِ. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (١١). وفي روايةٍ عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: فجَعَلَ رسولُ اللَّه ﷺ دِيَةَ المَقْتُولةِ على عاقِلَتِها، وبَرَّأَ زَوْجَها ووَلَدَها. قال: فقالتْ عاقِلَةُ المَقْتُولةِ: ميراثُها لنا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مِيرَاثُها لِزَوْجِها ووَلَدِهَا". رواه أبو داودَ (١١). إذا ثبَتَ هذا في الأوْلادِ، قِسْنَا عليه الوالدَ؛ لأنَّه في مَعْناه، ولأنَّ مالَ ولَدِه ووالِدِه كمالِه، ولهذا لم تُقْبَلْ شهادَتُهما له، ولا شَهادَتُه لهما، ووَجَبَ على كلِّ واحدٍ منهم (١٢) الإِنْفاقُ على الآخَرِ إذا كان مُحْتاجًا، والآخَرُ مُوسِرًا، وعَتَقَ (١٣) عليه إذا مَلَكَه، فلا تَجِبُ في مالِه دِيَةٌ، كما لم يَجِبْ في مالِ القاتِلِ. وظاهرُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ في الإِخْوَةِ رِوَايتَيْنِ، كالوَلَدِ والوالِدِ، وغيرُه من أصحابِنا يَجْعَلُونَهم من العاقلةِ بكلِّ حالٍ، ولا أعلمُ فيه عن غيرِهم خِلافًا. فصل: فإن كان الولَدُ ابنَ ابنِ عَمٍّ، أو كان الوالِدُ [أو الولدُ] (١٤) مَوْلًى أو عَصَبةَ

стр. 6178

مَوْلًى، فإنَّه يَعْقِلُ، في ظاهرِ كلامِ أحمدَ. قالَه القاضي. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَعْقِلُ؛ لأنَّه والِدٌ أو ولَدٌ، فلم يَعْقِلْ، كما لو لم يَكُنْ كذلك. ولَنا، أنَّه ابنُ ابنِ عَمٍّ، أو مَوْلًى، فيَعْقِلُ، كما لو لم يَكُنْ ولَدًا؛ وذلك لأنَّ هذه القَرابةَ أو الوَلاءَ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ مُنْفَرِدًا، فإذا وُجِدَ مع ما لا يَثْبُتُ به الحُكْمُ أثْبَتَه، كما لو وُجِدَ مع الرَّحِمِ المُجَرَّدِ، ولأنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه مع القَرَابةِ الأُخْرَى، بدليلِ أنَّه يَلِى نِكاحَها، مع أنَّ الابنَ لا يَلِى النِّكاحَ عندَهم. فصل: وسائرُ العَصَباتِ من العاقلةِ بَعُدُوا أو قَرُبُوا من النَّسَبِ، والمَوْلَى وعَصَبَتُه، ومَوْلَى المَوْلَى وعَصَبَتُه، وغيرُهم. وبهذا قال عمرُ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ. ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّهم عَصَبةٌ يَرِثُونَ المالَ إذا لم يَكُنْ وارِثٌ أقْرَبَ منهم، فيَدْخُلُونَ في العَقْلِ، كالقَرِيبِ، ولا يُعْتَبرُ أن يكونُوا وارِثِينَ في الحالِ، بل متى كانوا يَرِثُونَ لولا الحَجْبُ عَقَلُوا (١٥)؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بالدِّيَةِ بين عَصَبةِ المرأةِ مَن كانوا، لا يَرِثُونَ منها إلَّا ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها؛ ولأنَّ المَوالِى من العَصَباتِ، فأشْبَهُوا المُناسبينَ. فصل: ولا يَدْخُلُ في العَقْلِ مَنْ ليس بعَصَبةٍ، ولا يَعْقِلُ المَوْلَى من أسْفَلَ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يَعْقِلُ؛ لأنَّهما شَخْصانِ يَعْقِلُ أحَدُهما صاحِبَه، فيَعْقِلُ الآخَرُ عنه، كالأخَوَيْنِ. ولنا، أنَّه ليس بعَصَبةٍ له ولا وارِثٍ، فلم يَعْقِلْ عنه، كالأجْنَبِيِّ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالذَّكَرِ مع الأُنْثَى، والكَبِيرِ مع الصغيرِ، والعاقِلِ مع المَجْنُونِ. فصل: ولا يَعْقِلُ مَوْلَى المُوالاة، وهو الذي يُوالِى رَجُلًا يَجْعَلُ له وَلاءَه ونُصْرَتَه، ولا الحَلِيفُ، وهو الرجلُ يُحالِفُ آخَرَ (١٦) على أن يتَناصَرَا على دَفْعِ الظُّلْمِ، ويتَضَافَرَا على

стр. 6179

مَنْ قَصَدَهما أو قَصَدَ أحَدَهُما، ولا العَدِيدُ، وهو الذي لا عَشِيرةَ له، يَنْضَمُّ إلى عَشيرةٍ، فيَعُدُّ نَفْسَه معهم. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْقِلُ مَوْلَى المُوالاةِ ويَرِثُ. وقال مالكٌ: إذا كان الرجلُ في غير (١٧) عَشِيرَتِه، فعَقْلُه على القومِ الذي هو معهم. ولَنا، أنَّه مَعْنًى يتَعَلّقُ بالتَّعْصِيبِ (١٨)، فلا يُسْتَحَقُّ بذلك، كوِلايةِ النِّكاحِ. فصل: ولا مَدْخَلَ لأَهْلِ الدِّيوانِ في المُعاقَلَةِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يتَحَمَّلُونَ (١٩) جَمِيعَ الدِّيَةِ، فإن عُدِمُوا فالأقارِبُ حينئذٍ يَعْقِلُونَ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جَعَلَ الدِّيةَ على أهْلِ الدِّيوانِ في الأَعْطِيةِ في ثلاثِ سِنِينَ (٢٠). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بالدِّيَةِ على [عَصَبةِ القاتِلَةِ] (٢١)، ولأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَحقُّ به الميراثُ، فلم يُحْمَلْ به (٢٢) العَقْلُ، كالجِوَارِ واتِّفاق المَذاهِبِ، وقَضَاءُ النبيِّ ﷺ أَوْلَى من قَضَاءِ عمرَ، على أنَّه إن صَحَّ ما ذُكِرَ عنه، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا عَشِيرةَ القاتِلِ. فصل: ويَشْتَرِكُ في العَقْلِ الحاضِرُ والغائبُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالكٌ: يَخْتَصُّ به الحاضِرُ؛ [لأنَّ التَّحَمُّلَ] (٢٣) بالنُّصْرَةِ، وإنَّما هي بين الحاضِرِينَ، ولأنَّ في قِسْمَتِه على الجَمِيعِ مَشَقَّةٌ. وعن الشافعيِّ كالمَذْهبَيْن. ولَنا، الخبرُ، وأنَّهم اسْتَوَوْا في التَعْصِيبِ والإِرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحَمُّلِ العَقْلِ، كالحاضِرِينَ، ولأنَّه مَعْنًى يتعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فاسْتَوَى فيه الحاضِرُ والغائبُ، كالمِيراثِ والوِلايةِ. فصل: ويَبْدَأُ في قِسْمَتِه بين العاقلةِ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، يُقْسَمُ على الإِخْوَةِ وبَنِيهِم،

стр. 6180

والأعْمامِ وبَنِيهِم، ثم أعْمامِ الأَبِ، ثم بَنِيهِم، ثم أعْمامِ الجَدِّ، ثم بَنِيهِم، كذلك أبدًا، حتى إذا انْقَرَضَ المُناسِبُونَ، فعلى المَوْلَى المُعْتِقِ، ثم على عَصَباتِه، ثم على مَوْلَى المَوْلَى، ثم على عَصَباتِه، الأقْرَبِ فالأقربِ، كالمِيراثِ سواءً. وإن قُلْنا: الآباءُ (٢٤) والأبْناءُ من العاقلةِ، بُدِئَ بهم؛ لأنَّهم أقْرَبُ. ومتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ قَوْمٍ للعَقْلِ، لم يَعْدُهم إلى مَنْ بَعْدَهم؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بالتَّعْصِيبِ، فقُدِّمَ (٢٥) الأقْرَبُ فالأقربُ، كالمِيراثِ ووِلايةِ النِّكاحِ. وهل يُقَدّمُ مَنْ يُدْلِى بالأَبَوَيْنِ على مَنْ يُدْلِى بالأبِ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، يُقَدّمُ؛ لأنَّه يُقَدَّمُ في المِيراثِ، فقُدِّمَ في العَقْلِ، كتَقْدِيمِ الأخِ على ابْنِه. والثاني، يَسْتَوِيانِ؛ لأنَّ ذلك يُسْتَفادُ بالتَّعْصِيبِ، ولا أثَرَ للأُمِّ في التَّعْصِيبِ. والأوّلُ أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ قَرابةَ الأُمِّ تُؤَثِّرُ في التَّرْجيحِ والتَّقْديمِ وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ، لاجْتماعِ القَرَابَتَيْنِ على وَجْهٍ لا تَنْفَرِدُ كلُّ واحدَةٍ بحُكْمٍ، وذلك لأنَّ القَرابتَيْنِ تَنْقَسِمُ إلى ما تَنْفَرِدُ [كلُّ واحدةٍ] (٢٦) منهما بحُكْمٍ، كابْنِ العَمِّ إذا (٢٧) كان أخًا من أُمٍّ، فإنَّه يَرِثُ بكلِّ واحدةٍ من القَرابتَيْنِ مِيراثًا مُنْفَردًا، يَرِثُ السُّدُسَ بالأخُوَّةِ، ويَرِثُ بالتَّعْصِيبِ ببُنُوَّةِ العَمِّ، وحَجْبُ إحْدَى (٢٨) القَرابتَيْنِ لا يُؤَثِّرُ في حَجْبِ الأُخْرَى، فهذا لا يُؤَثِّرُ في قُوَّةٍ ولا تَرْجيحٍ، ولذلك لا يُقَدَّمُ ابنُ العَمِّ الذي هو أخٌ من أُمٍّ على غيرِه، ومالا يَنْفَرِدُ كلُّ واحدٍ (٢٩) منهما بحُكْمٍ (٣٠)، كابْنِ العَمِّ من أبَوَيْنِ مع ابْنِ عَمٍّ من أبٍ، لا تَنْفَرِدُ إحْدَى (٢٨) القَرابتَيْنِ بميراثٍ عن الأُخْرَى، فتُؤَثِّرُ في التَّرْجيحِ وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ، ولذلك أثَّرتْ في التَّقْديمِ (٣١) في الميراثِ، فكذلك في غيرِه. وبما ذكَرْناه قال الشافعيُّ. وقال أبو

стр. 6181

حنيفةَ: يُسَوَّى (٣٢) بين القَرِيبِ والبَعِيدِ، ويُقْسَمُ على جَمِيعهِم؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ دِيةَ المَقْتُولةِ على عَصَبةِ القاتِلَةِ. ولَنا، أنَّه حُكْمٌ تعَلَّقَ بالتَّعْصِيبِ، فوَجَبَ أن يُقَدَّمَ فيه الأقْرَبُ فالأقْربُ، كالميراثِ، والخَبَرُ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّنا نَقْسِمُه على الجماعةِ إذا لم يَفِ به الأقْرَبُ، فنَحْمِلُه على ذلك. فصل: ولا يَحْمِلُ العَقْلَ إلَّا مَنْ يُعْرَفُ نَسَبُه من القاتلِ، أو يُعْلَمُ أنَّه مِن قَوْمٍ يَدْخُلُون كلُّهم في العَقْلِ، ومَنْ لا يُعْرَفُ ذلك منه لا يَحْمِلُ، وإن كان من قَبِيلَتِه، فلو كان القاتلُ قُرَشِيًّا، لم يَلْزَمْ قُرَيْشًا كلَّهم التَّحَمُّلُ، فإنَّ قُرَيشًا وإن كانوا كلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ قَبائِلَهُم تفَرَّقَتْ، وصار كلُّ قومٍ يُنْسَبُون (٣٣) إلى أبٍ يتَمَيَّزُونَ به، فيَعْقِلُ عنهم مَنْ يُشارِكُهُم في نَسَبِهِم إلى الأَبِ الأدْنَى، ألَا تَرَى أنَّ الناسَ كلَّهم بَنُو آدَمَ، فهم راجِعُونَ إلى أبٍ واحدٍ، لكن إن كان من فَخِذٍ واحدٍ (٣٤)، يُعْلَمُ أنَّ جَمِيعَهم يتَحَمَّلُون، وجبَ أن يَحْمِلَ جَمِيعُهم، سواءٌ عَرَفَ أحَدُهُم نَسَبَه أو لم يَعْرِفْ؛ للعِلْمِ بأنَّه مُتَحَمِّلٌ على أىِّ وَجْهٍ كان. وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُ القاتِلِ من أحدٍ، فالدِّيَةُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّ المسلمينَ يَرِثُونَه إذا لم يَكُنْ له (٣٥) وارِثٌ، بمعنى أنَّه يُؤْخَذُ مِيراثُه لبيتِ المالِ، فكذلك يَعْقِلُونَه على هذا الوَجْهِ. وإن وُجِدَ له مَنْ يَحْمِلُ بعضَ العَقْلِ، فالباقى في بيتِ المالِ كذلك. فصل: ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ، في أنَّ العاقلةَ لا تُكَلَّفُ من العَقْلِ (٣٦) ما يُجْحِفُ بها، ويَشُقُّ عليها؛ لأنَّه لازِمٌ لها من غيرِ جِنايَتِها على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والتَّخْفِيفِ عنه، فلا يُخَفَّفُ عن الجانِى بما يَثْقُلُ على غيرِه، ويُجْحِفُ به، كالزَّكاةِ،

стр. 6182

ولأنَّه لو كان الإِجْحافُ مَشْرُوعًا، كان الجانِى أحَقَّ به، لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، وجَزاءُ فِعْلِه، فإذا لم يُشْرَعْ في حَقِّه، ففى حَقِّ غيرِه أَوْلَى. واخْتَلَفَ أهْلُ العلمِ فيما يَحْمِلُه كلُّ واحدٍ منهم؛ فقال أحمدُ: يَحْمِلُونَ على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ. فعلى هذا لا يتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يُرْجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ على كلِّ واحدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِى. وهذا مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّقْديرَ لا يَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هذه المسألةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيها إلى اجْتهادِ الحاكمِ، كمَقادِيرِ النَّفَقاتِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَفْرِضُ على المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛ لأنَّه أقَلُّ مالٍ يتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ، فكان مُعْتَبرًا بها، ويَجِبُ على المُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثقالٍ؛ لأنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ، لكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فيه، وقد قالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: لا تُقْطَعُ اليَدُ (٣٧) في الشىءِ التَّافِه، وما دون رُبْعِ دِينارٍ لا قَطْعَ فيه (٣٨). وهذا اختيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: أكثرُ ما يُجْعَلُ على الواحدِ أرْبَعةُ دَرَاهِم، وليس لأقَلِّه حَدٌّ؛ لأنَّ ذلك مالٌ يَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ للقَرَابةِ، فلم يتَقَدَّرْ أقَلُّه، كالنَّفقةِ. قال: ويُسَوَّى بين الغَنِىِّ والمُتَوَسِّطِ لذلك. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لما ذكَرْنا من أنَّ التَّقْديرَ إنَّما يُصارُ إليه بتَوْقيفٍ، ولا تَوْقِيفَ فيه، وأنَّه يَخْتَلِفُ بالغِنَى والتَّوَسُّطِ، كالزَّكاةِ والنَّفَقةِ، ولا يخْتلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ لذلك (٣٩). واخْتَلَفَ القائِلُونَ بالتَّقْديرِ بنِصْفِ دِينارٍ ورُبْعِه؛ قال بعضُهم: يتَكَرَّرُ الواجِبُ في الأعْوامِ الثَّلاثةِ، فيكونُ الواجبُ فيها على الغَنِىِّ دِينارًا ونِصْفًا، وعلى المُتَوَسِّطِ ثلاثةَ أرْباعِ دينارٍ؛ لأنَّه حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالحَوْلِ على سبيلِ المُواساةِ، فيتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، كالزكاةِ. وقال بعضُهم: لا يتَكَرَّرُ؛ لأنَّ في إيجابِ

стр. 6183

زِيادةٍ (٤٠) على النِّصْفِ، إيجابًا لزِيادةٍ على أقَلِّ الزَّكاةِ، فيكون مُضِرًّا. ويُعْتَبَرُ الغِنَى والتَّوَسُّطُ عندَ رأسِ الحَوْلِ؛ لأنَّه حالُ الوُجُوبِ، فاعْتُبِرَ الحالُ عندَه، كالزكاةِ. وإن اجْتَمَعَ من عَدَدِ العاقلةِ في دَرَجةٍ واحدةٍ عَدَدٌ كثيرٌ، قُسِمَ الواجبُ على جَمِيعِهم. فيُلْزِمُ الحاكمُ كلَّ إنْسانٍ على حَسبِ ما يَراه وإن قَلَّ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَجْعَلُ على المُتَوَسِّطِ نِصْفَ ما على الغَنِىِّ، ويَعُمُّ بذلك جَمِيعَهم. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: يَخُصُّ الحاكمُ مَنْ شاءَ منهم، فيَفْرِضُ عليهم هذا القَدْرَ الواجِبَ، لئلَّا يَنْقُصَ عن القَدْرِ الواجِبِ، ويَصِيرَ إلى الشىءِ التَّافِه، ولأنَّه يَشُقُّ، فربَّما أَصابَ كلَّ واحدٍ قِيراطٌ، فيَشُقَّ جَمْعُه. ولَنا، أنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابةِ، فكانوا سواءً، كما لو قَلُّوا، وكالمِيراثِ. وأمَّا التّعَلُّقُ بمَشَقَّةِ الجَمْعِ فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ مَشَقَّةَ زِيادَةِ الواجِبِ أعْظَمُ من مَشَقَّةِ الجَمْعِ، ثم هذا تعَلُّقٌ بالحِكْمةِ من غير أصْلٍ يَشْهَدُ لها، فلا يُتْرَكُ لها الدَّلِيلُ، ثم هي مُعارَضَةٌ بخِفَّةِ الواجِبِ على كلِّ واحدٍ، وسُهُولةِ الواجِبِ عليهم، ثم لا يَخْلُو من أن يَخُصَّ الحاكمُ بعضَهم بالاجْتِهادِ أو بغير اجْتهادٍ، فإن خَصَّه بالاجْتهادِ [ففيه مَشَقَّةٌ عليه] (٤١)، وربَّما لم يَحْصُلْ له مَعْرِفةُ الأَوْلَى منهم بذلك، فيتَعَذَّرُ الإِيجابُ، وإن خَصَّه بالتَّحَكُّمِ أفْضَى إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ (٤٢) بين أن يُوجِبَ على إنسانٍ شَيْئًا بشَهْوَتهِ من غيرِ دليلٍ، وبين أن لا يُوجِبَ عليه، ولا نَظِيرَ له، وربَّما ارْتَشَى من بعضِهم واتُّهِمَ (٤٣)، وربَّما امْتَنَعَ مَنْ فَرَضَ عليه شيئًا (٤٤) من أدائِه؛ لكَوْنِه يَرَى مثلَه لا يُؤَدِّى شيئا مع التَّسَاوِى من كلِّ الوُجُوهِ. فصل: ومَنْ مات من العاقِلَةِ، أو افْتَقَرَ، أو جُنَّ، قبلَ الحَوْلِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ. لا

стр. 6184

نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه مالٌ يَجِبُ في آخرِ الحَوْلِ على سَبِيلِ المُواساةِ، فأشْبَهَ الزَّكاةَ، وإن وُجِدَ ذلك بعد الحَوْلِ، لم يَسْقُطِ الواجِبُ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه خَرَجَ عن (٤٥) أهْلِيَّةِ الوُجُوبِ، فأشْبَهَ ما لو مات قبلَ الحَوْلِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَدْخُلُه النِّيابةُ، لا يَمْلِكُ إسْقاطَه في حَياتِه، فأشْبَهَ الدُّيُونَ، وفارَقَ ما قبلَ الحَوْلِ، لأنَّه لم يَجِبْ، ولم يَسْتَمِرَّ الشَرْطُ إلى حينِ الوُجُوبِ. فأمَّا إن كان فَقِيرًا حالَ القَتْلِ، فاسْتَغْنَى عندَ الحَوْلِ، فقال القاضي: يَجِبُ عليه؛ لأنَّهُ وُجِدَ وَقْتَ الوُجُوبِ، وهو من أهْلِه. ويُخَرَّجُ على هذا مَن كان صَبِيًّا فبَلَغَ، أو مَجْنُونًا فأفَاقَ، عندَ الحَوْلِ، وَجَبَ عليه لذلك (٤٦). ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه لم يَكُنْ من أهْلِ الوُجُوبِ حالَةَ (٤٧) السَّبَبِ، فلم يَثْبُتِ الحكمُ فيه حالَةَ الشَّرْطِ، كالكافِرِ إذا مَلَكَ مالًا ثم أسْلمَ عندَ الحَوْلِ، لم تَلْزَمْه الزَّكاةُ فيه. ١٤٦٧ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ، وَلَا امْرَأَةٍ، ولَا صَبِىٍّ، ولَا زَائِلِ الْعَقْلِ، حَمْلُ شَىْءٍ مِنَ الدِّيَةِ) أكثرُ أهْلِ العلمِ، على أنَّه لا مدْخَلَ لأحَدٍ (١) من هؤلاءِ في تَحَمُّلِ العَقْلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المرأةَ، والصَّبِىَّ الذي لم يَبْلُغْ، لا يَعْقِلانِ مع العاقلةِ، وأجْمَعُوا على أنَّ الفقيرَ لا يَلْزَمُه شيءٌ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحَكَى بعضُ أصحابِنا، عن مالكٍ، وأبى حنيفةَ، أنَّ للفقيرِ مَدْخَلًا في التَّحَمُّلِ. وذكَرَه أبو الخَطَّابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّه من أهْلِ النُّصْرَةِ، فكان من العاقلةِ كالغَنِىِّ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ تَحَمُّلَ العَقْلِ مُواساةٌ، فلا يَلْزَمُ الفقيرَ

стр. 6185

كالزَّكاةِ، ولأنَّها وجَبَتْ على العاقلةِ تخْفيفًا عن القاتلِ، فلا يجوزُ التَّثْقِيلُ بها على مَنْ لا جِنايةَ منه، وفي إيجابِها على الفقيرِ تَثْقِيلٌ عليه، وتَكْلِيفٌ له ما لا يَقْدِرُ عليه، ولأنَّنا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَلَّفُ أحَدٌ من العاقلةِ ما يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ به، وتَحْمِيلُ الفَقِيرِ شَيْئًا منها يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ بمالِه، وربَّما كان الواجبُ عليه جَمِيعَ مالِه، أو أكثرَ منه، أو لا يكونُ له شيءٌ أصْلًا. وأمَّا الصَّبِىُّ والمجنونُ والمرأةُ، فلا يَحْمِلُون منها؛ لأنَّ فيها مَعْنَى التَّناصُرِ، وليس هم من أهْلِ النُّصْرَةِ. فصل: ويَعْقِلُ المريضُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمَانةِ، والشيخُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الهَرَمِ؛ لأنَّهما من أهْلِ النُّصْرةِ والمُواساةِ، وفي الزَّمِنِ والشَّيْخِ الفانِى وَجْهان؛ أحدهما، لا يَعْقِلانِ؛ لأنَّهما ليسا من أهْلِ النُّصْرةِ، ولهذا لا يَجِبُ عليهما الجِهادُ، ولا يُقْتَلانِ (٢) إذا كانا من أهْلِ الحَرْبِ، وكذلك يُخَرَّجُ في الأعْمَى؛ لأنَّه مِثْلُهما في هذا المعنى. والثاني، يَعْقِلُونَ؛ لأَنَّهم من أهلِ المُواساةِ، ولهذا تَجِبُ عليهم الزَّكاةُ. وهذا مُنْتَقِضٌ (٣) بالصَّبىِّ والمَجْنونِ. ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه كمَذْهَبِنَا. ١٤٦٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، أخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذلِك، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَىْءٌ) الكلامُ في هذه المسألة في فَصْلينِ: أحدهما: أنَّ مَنْ لا عاقِلةَ له، هل يُؤَدِّى من بيتِ المالِ أوْ لا؟ فيه (١) رِوَايتان. إحْداهما، يُؤَدَّى عنه. وهو مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى الأَنْصارِىَّ الذي قُتِلَ بخيبرَ من بيتِ المالِ (٢). ورُوِىَ أن رَجُلًا قُتِلَ في زِحَامٍ في زَمَنِ عمرَ،

стр. 6186

فلم يُعْرَفْ قاتِلُه، فقال علىٌّ لعمرَ: يا أمِيرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ (٣) دَمُ امرىءٍ مُسْلِمٍ. فأَدَّى دِيَتَه من بَيْتِ المالِ (٤). ولأنَّ المسلمين يَرِثُونَ مَنْ لا وارِثَ له، فيَعْقِلُونَ عنه (٥) عند عَدَمِ عاقِلَتِه، كعَصَباتِه ومَوَالِيه. والثانية، لا يَجِبُ ذلك؛ لأنَّ بَيْتَ المالِ فيه حَقٌّ للنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِينِ والفُقَراءِ ومن (٦) لا عَقْلَ عليه (٧)، فلا يَجُوزُ صَرْفُه فيما لا يَجِبُ عليهم، ولأنَّ العَقْلَ على العَصَباتِ، وليس بيتُ المالِ عَصَبةً، ولا هو كَعَصَبةِ هذا، فأمَّا قَتِيلُ الأنْصارِ، فغيرُ لازِمٍ؛ لأنَّ ذلك قَتِيلُ اليَهُودِ، وبيتُ المالِ لا يَعْقِلُ عن الكُفَّارِ بحالٍ، وإنَّما النَّبِىُّ ﷺ تَفَضَّلَ بذلك (٨) عليهم. وقَوْلُهم: إنَّهم يَرِثُونَه. قُلْنا: ليس صَرْفُه إلى بيتِ المالِ مِيراثًا، بل هو فَىْءٌ، ولهذا يُؤْخَذُ مالُ مَنْ لا وَارِثَ له من أهْلِ الذِّمَّةِ إلى بيتِ المالِ، ولا يَرِثُه المسلمونَ، ثم لا يَجِبُ العَقْلُ على الوارِثِ إذا لم يكُنْ له (٨) عَصَبةً، ويَجِبُ على العَصَبةِ وإن لم يكُنْ وارِثًا. فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، إذا لم يكُنْ له (٩) عاقلةٌ، أُدِّيَتِ الدِّيَةُ عنه كلُّها من بيتِ المالِ، وإن كان له عاقلةٌ لا تَحْمِلُ الجميعَ، أُخِذَ الباقِى من بيتِ المالِ. وهل تُؤَدَّى من بيتِ المالِ في دَفْعةٍ واحدةٍ، أو في ثلاثِ سِنِينَ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، في ثلاثِ سِنِينَ، على حَسبِ ما يُؤْخَذُ من العاقلةِ. والثاني، يُؤَدَّى دفعةً واحدةً. وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أدَّى دِيةَ الأنصارِىِّ دَفْعةً واحدةً، وكذلك عمرُ، ولأنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تُؤَدِّيه العاقلةُ، فيَجِبُ كلُّه في الحالِ، كسائرِ أبْدَالِ (١٠) المُتْلَفاتِ، وإنما أُجِّلَ على العاقلةِ تخفيفًا عنهم، ولا حاجَةَ إلى ذلك في بيتِ المالِ، ولهذا يُؤَدَّى الجَمِيعُ.

стр. 6187

الفصل الثاني: إذا لم يُمْكِن (١١) الأخْذُ من بيتِ المالِ، فليس على القاتِلِ شيءٌ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابتداءً، بدَليلِ أنَّه لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُم ولا رِضَاهُم بها، ولا تَجِبُ على غيرِ مَنْ وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِلُ، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحدٍ، كذا ههُنا. فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهِم، وسَقَطَ الباقِى، فلا يَجِبُ على أحدٍ، ويتَخَرّجُ أن تَجِبَ الدِّيَةُ على القاتلِ إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه. وهذا القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لعمومِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١٢). ولأنَّ قَضِيَّةَ الدَّليلِ وُجُوبُها على الجانِى جَبْرًا للمَحَلِّ الذي فَوَّتَه، وإنما سَقَطَ عن القاتلِ لقيامِ العاقلةِ مَقَامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُؤْخَذْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى الدَّليلِ، ولأنَّ الأمْرَ دائرٌ بين أن يُطَلَّ دَمُ المَقْتُولِ، وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأوَّلُ؛ لأنَّ فيه مُخالَفةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وقِياسِ أصُولِ الشريعةِ، فتَعَيَّنَ الثاني، ولأنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نَظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخطإِ له نَظائرُ، فإنَّ المُرْتَدَّ لمَّا لم يكُنْ له عاقلةٌ تَجبُ الدِّيَةُ في مالِه، والذِّمِّىَّ الذي لا عاقلةَ له تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَنْ رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الولاءُ لمَوالِى أُمِّه فَانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصاب بسَهْمٍ إنْسانًا فقَتَلَه، كانت الدِّيَةُ في مالِه؛ لتَعَذُّرِ حَمْلِ عاقِلَتِه عَقْلَه، كذلك ههُنا، فنُحرِّرُ (١٣) منه قِياسًا فنقولُ: قَتِيلٌ مَعْصُومٌ في دارِ الإِسلامِ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه (١٤)، فوَجَبَ على قاتِلِه، كهذه الصُّورةِ (١٥). وهذا أوْلَى من إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سَبيلَ إلى الأخْذِ من بيتِ المالِ، فتَضِيعُ الدِّماءُ، ويَفُوتُ

стр. 6188

حكمُ إيجابِ الدِّيَةِ. وقولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على العاقلةِ ابتداءً. مَمْنُوعٌ، وإنما تَجِبُ على القاتِلِ، ثم تتَحَمَّلُها العاقلةُ عنه. وإن سَلَّمْنا وجُوبَها عليهم ابتداءً، لكن مع وُجُودِهم، أمَّا مع عَدَمِهِم، فلا يُمْكِنُ القولُ بوُجُوبِها عليهم. ثم ما ذكَرُوه مَنْقُوضٌ بما أبْدَيْناه من الصُّوَرِ. فعلى هذا، تَجِبُ الدِّيَةُ على القاتلِ إن تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِها، أو باقِيها إن حَمَلَتِ العاقلةُ بعضَها. واللهُ أعلمُ. ١٤٦٩ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الْحُرِّ الْكِتَابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ المُسْلِمِ، ونِسَاؤُهُم، عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ) هذا ظاهرُ المذهبِ. وهو مذهبُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، وعَمْرِو بن شُعَيْبٍ. وعن أحمدَ، أنَّها ثُلثُ دِيَةِ المسلمِ. إلَّا أنَّه رَجَع عنها، فإنَّ صالِحًا رَوَى عنه، أنَّه قال: كنتُ أقولُ: إنَّ (١) دِيَةَ اليَهُودِىِّ (٢) والنَّصْرانىِّ أرْبَعةُ آلافٍ، وأنا اليوم أذْهَبُ إلى نِصْفِ دِيَةِ المسلمِ، حديثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وحديث عثمانَ الذي يَرْوِيه الزُّهْرِىُّ عن سالمٍ عن أبِيه. وهذا صَرِيحٌ في الرُّجُوعِ عنه. ورُوِىَ عن عمرَ وعثمانَ، أنَّ دِيَتَه أرْبَعةُ آلافِ دِرْهَمٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بن دينارٍ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لما رَوَى عُبادَةُ بن الصّامِتِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "دِيَةُ الْيَهُودِىِّ والنَّصْرَانىِّ، أرْبَعةُ آلَافٍ، أرْبَعةُ آلافٍ" (٣). ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، جَعَلَ دِيَةَ اليَهُودِىِّ والنَّصْرانىِّ أرْبعةَ آلافٍ، ودِيَةَ المَجُوسِىِّ ثمانمائة دِرْهَمٍ (٤). وقال عَلْقَمةُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: دِيَتُه كدِيَةِ المسلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، ومُعاوِيةَ،

стр. 6189

رَضِىَ اللهُ عنهم. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو قولُ سعيدِ بن المُسَيَّبِ والزُّهْرِىِّ؛ لما رَوَى عَمْرُو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "دِيَةُ الْيَهُودِىِّ والنَّصْرَانِىِّ مِثْلُ دِيَةِ المسْلِمِ" (٥). ولأنَّ اللَّه تعالى ذَكَرَ في كتابِه دِيَةَ المسلمِ، فقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٦). وقال في الذِّمِّىِّ مثلَ ذلك، ولم يُفَرِّقْ، فدَلَّ على أنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، ولأنَّه ذَكَرٌ حرٌّ مَعْصُومٌ، فتكْمُلُ دِيَتُه كالمُسْلِم. ولَنا، ما رَوَى عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ" (٧). وفي لفظٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى أن عَقْلَ [أهلِ الكتابِ] (٨) نِصْفُ عَقْلِ المسلمين (٩). رواه الإِمامُ أحمدُ (١٠). وفي لفظٍ: "دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ" (١١). قال الخَطَّابىُّ (١٢): ليس في دِيَةِ أهلِ الكِتابِ شيءٌ أثْبَتُ من هذا، ولا بَأْسَ بإسْنادِه. وقد قال به أحمدُ، وقولُ رسولِ اللَّه ﷺ أَوْلَى، ولأنَّه نَقْصٌ مُؤَثِّرٌ في الدِّيَةِ، فأثَّرَ في تَنْصِيفِها كالأُنُوثةِ. وأمَّا حَدِيثُ عُبادةَ، فلم يَذْكُرْه أصحابُ (١٣) السُّنَنِ، والظاهرُ أنَّه ليس

стр. 6190

بصَحِيحٍ. وأمَّا حديثُ عمرَ، فإنَّما كان ذلك حين كانت الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافٍ، فأوْجَبَ فيه نِصْفَها أرْبعةَ آلافٍ، ودليلُ ذلك ما رَوَى عمرُو بن شعيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: كانت قِيمَةُ الدِّيَةِ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ثمانمائةَ دِينَارٍ، أو ثمانيةَ آلافِ دِرْهمٍ، ودِيَةُ أهلِ الكتابِ يومئذٍ النِّصْفُ (١٤). فهذا بيانٌ وشَرْحٌ مُزِيلٌ للإِشكالِ، ففيه جَمْعٌ للأحاديثِ، فيكونُ دليلًا لنا، ولو لم يَكُنْ كذلك، لكان قولُ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمًا على قولِ عمرَ وغيرِه، بغير إشكالٍ، فقد كان عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، إذا بَلَغَه عن النَّبِيِّ ﷺ سُنّةٌ، تَرَكَ قولَه، وعَمِلَ بها، فكيف، يَسُوغُ لأحدٍ أن يَحْتَجَّ بقَوْلِه في تَرْكِ قولِ رسولِ اللَّه ﷺ ! فأمَّا ما احْتَجَّ به الآخَرُون، فإنَّ الصحيحَ من حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ ما رَوَيْناه، أخْرَجَه الأئِمَّةُ في كُتُبِهم، دُونَ ما رَوَوْه. وأمَّا ما رَوَوْه من أقْوالِ الصَّحابةِ، فقد رُوِىَ عنهم خِلافُه، فنَحْمِلُ قولَهم في إيجابِ الدِّيَةِ كاملةً على سبيلِ التَّغْلِيظِ. قال أحمدُ: إنَّما غَلَّظَ عثمانُ الدِّيَةَ عليه؛ لأنَّه كان عَمْدًا، فلما تَرَكَ القَوَدَ غَلَّظَ عليه. وكذلك حديثُ معاويةَ، ومثل هذا ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، حين انْتَحَرَ رَقِيقُ حاطبٍ ناقةً لرَجُلٍ مُزَنىٍّ، فقال عمرُ (١٥) لحاطِبٍ: إنِّي أرَاكَ تُجِيعُهم، لأُغْرِمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك. فأغْرَمَه مِثْلَىْ قِيمَتِها (١٦). فأمَّا دِياتُ نِسائِهِم، فعلى النِّصْفِ من دِياتِهم، لا نَعْلمُ في هذا خِلافًا. قال ابنُ المَنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ المرأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرجلِ. ولأنَّه لمَّا كان دِيَةُ نِساءِ المسلمين (١٧) على النِّصْفِ من دِيَاتِهم، كذلك نِساءُ أهلِ الكِتابِ على النِّصْفِ من دِيَاتِهم. فصل: وجِراحُهم (١٨) من دِيَاتِهِم كجِراحِ المسلمينَ من دِيَاتهِم، وتُغَلَّظُ دِيَاتُهم

стр. 6191

باجْتماعِ الحُرُماتِ، عندَ مَنْ يَرَى تَغْلِيظَ دِيَاتِ المسلمينَ، [كَتغْليظِ دِيَاتِ المسلمين] (١٩). قال حربٌ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: فإن قَتَلَ ذِمِّيًّا في الحَرَمِ؟ قال: يُزَادُ أيضًا على قَدْرِه، كما يُزادُ على المسلمِ. وقال الأثْرَمُ: قيل لأبِى عبدِ اللَّه: جَنَى على مَجُوسىٍّ في عَيْنِه وفي يَدِه؟ قال: يكونُ بحِسَابِ دِيَتِه، كما أنَّ المسلمَ يُؤْخَذُ بالحِسابِ، فكذلك هذا. قيل: قَطَعَ يَدَه؟ قال: بالنِّصْفِ من دِيَتِه. ١٤٧٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ قُتِلُوا (١) عَمْدًا، أُضْعِفَتِ (٢) الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ المُسْلِمِ؛ لإِزَالَةِ الْقَوَدِ) هكذا حَكَمَ عثمانُ بن عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّه عنه. هذا يُرْوَى عن عُثمانَ، روَاه أحمدُ، عن عبدِ الرّزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمٍ عن أبِيه، أنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا من أهلِ الذِّمَّةِ، فرُفِعَ إلى عثمانَ، فلم يَقْتُلْه، وغَلَّظَ عليه ألْفَ دِينارٍ (٣). فصار إليه أحمدُ اتِّباعًا له. وله نظائِرُ في مَذْهَبِه؛ فإنَّه أوْجَبَ على الأَعْوَرِ لمَّا قَلَعَ عَيْنَ الصَّحِيحِ دِيَةً كامِلةً، حين دَرَأَ القِصاصَ عنه، وأوْجَبَ على سارِقِ التَّمْرِ مِثْلَىْ قِيمَتِه، حين دَرَأَ عنه القَطْعَ. وهذا حُكْم النَّبِيِّ ﷺ في سارِقِ التَّمْرِ (٤). فيَثْبُتُ مثلُه ههُنا. ولو كان القاتلُ ذِمِّيًّا، أو قَتَلَ ذِمِّىٌّ مُسْلِمًا، لم تُضعف الدِّيَةُ عليه؛ لأنَّ القِصاصَ عليه واجبٌ في المَوْضِعَيْنِ. وجمهورُ أهلِ العلمِ على أنَّ دِيَةَ الذِّمِّىِّ لا تُضاعَفُ بالعَمْدِ؛ لعُمُومِ الأثَرِ فيها، ولأنَّها دِيَةٌ واجبةٌ، فلم تُضاعَفْ، كدِيَةِ المُسْلمِ، أو كما لو كان القاتلُ ذِمِّيًّا. ولا فَرْقَ في الدِّيَةِ بين الذِّمِّىِّ وبينَ المُسْتَأْمنِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما كِتابىٌّ مَعْصُومُ الدَّمِ. وأمَّا

стр. 6192

المُرْتَدُّ والحَرْبِىُّ، فلا دِيَةَ لهما؛ لعَدَمِ العِصْمَةِ فيهما. ١٤٧١ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الْمَجُوسِىِّ ثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ونِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ) وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال أحمدُ: ما أقَلَّ ما اخْتُلِفَ في دِيَةِ الْمَجُوسِىِّ. وممَّن قال ذلك عمرُ، وعثمانُ، وابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ (١) عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّه قال: دِيَتُه نِصْفُ دِيَةِ المسلمِ، كدِيَةِ الكِتابىِّ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ" (٢). وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: دِيَتُه كدِيَةِ المسلمِ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ (٣) حُرٌّ مَعْصُومٌ، فأشْبَهَ المسلمَ. ولَنا، قولُ مَنْ سَمَّيْنَا من الصَّحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم في عَصْرِهِم مُخالِفًا، فكان إجْماعًا. وقوله: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ". يعني في أخْذِ جِزْيَتِهم، وحَقْنِ دِمَائِهم، بدليلِ أنَّ ذَبائِحَهُم ونِساءَهم لا تَحِلُّ لنا، ولا يجوزُ اعْتبارُه بالمسلمِ ولا الكتابىِّ، لنُقْصانِ دِيَتِه وأحكامِه عنهما، فيَنْبَغِى أن تَنْقُصَ دِيَتُه، كنَقْصِ المرأةِ عن دِيَةِ الرَّجُلِ، وسواءٌ كان المَجُوسِىُّ ذِمِّيًّا أو مُسْتأْمنًا؛ لأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ. ونِساؤُهم على النِّصْفِ من دِيَاتِهم بإجماعٍ. وجِراحُ كلِّ واحدٍ مُعْتَبَرةٌ من دِيَتِه. وإن قُتِلُوا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ على القاتلِ المُسْلِمِ؛ لإِزالةِ القَوَدِ. نَصَّ عليه أحمدُ، قِياسًا على الكتابىِّ. فصل: فأمَّا عَبَدَةُ الأوْثانِ، وسائرُ مَنْ لا كِتابَ له، كالتُّرْكِ، ومَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ، فلا ذِمَّةَ (٤) لهم، وإنَّما تُحْقَنُ دِماؤُهم بالأَمانِ، فإذا قُتِلَ مَنْ له أمانٌ منهم،

стр. 6193

فدِيَتُه دِيَةُ مَجُوسىٍّ؛ لأنَّها أقَلُّ الدِّياتِ، فلا تَنْقُصُ عنها، ولأنَّه كافِرٌ ذو عَهْدٍ، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُه، فأشْبَهَ الْمَجُوسِىَّ. فصل: ومَنْ لم تَبْلُغْه الدَّعْوةُ من الكُفَّارِ إن وُجِدَ، لم يَجُزْ قَتْلُه حتى يُدْعَى، فإن قُتِلَ قبلَ الدَّعْوةِ من غيرِ أن يُعْطَى أمانًا، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّه لا عَهْدَ له ولا أيْمانَ، فأشْبَهَ امرأةَ الحَرْبِىِّ وابنَه الصغيرَ، وإنَّما حَرُمَ قَتْله لتَبْلغه الدَّعْوةُ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُضْمَنُ بما يُضْمَنُ به أهْلُ دِينِه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ، أشْبَهَ مَنْ له أمانٌ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ فإنَّ هذا يَنْتَقِضُ بصِبْيانِ أهلِ الحَرْبِ ومَجانِينِهم، ولأنَّه كافرٌ لا عَهْدَ له، فلم يُضْمَنْ، كالصِّبْيانِ والْمَجانينِ. فأمَّا إن (٥) كان له عَهْدٌ، فله دِيَةُ أهْلِ دِينِه، فإن لم يُعْرَفْ دِينُه، ففيه دِيَةُ الْمَجُوسىِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد مَشْكُوكٌ فيه. ١٤٧٢ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ المرأةِ نصفُ دِيَةِ الرجلِ. وحكى غيرُهما عن ابنِ عُلَيَّةَ، والأصَمِّ، أنَّهما قالا: دِيَتُها (١) كَدِيَةِ الرَّجُلِ؛ لقولِه ﵇: "فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٢). وهذا قولٌ شاذٌّ، يُخالِفُ إجماعَ الصَّحابةِ، وسُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّ في كتابِ عَمْرِو بن حَزْمٍ: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ" (٣). وهو (٤) أخَصُّ ممَّا ذكَرُوه، وهما في كتابٍ واحدٍ، فيكونُ ما ذكَرْنا مُفسِّرًا لما ذكَرُوه، مُخَصِّصًا له، ودِيَةُ نساءِ كلِّ أهلِ دِينٍ على النِّصْفِ من دِيَةِ رِجالِهم، على ما قَدَّمْناهُ في مَوْضِعه.

стр. 6194

١٤٧٣ - مسألة؛ قال (١): (وتُساوِى جِرَاحُ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ، فَعَلَى النِّصْفِ) ورُوِىَ هذا عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، وعُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، والأعْرَجُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو قولُ فُقَهاءِ المدينةِ السَّبْعةِ، وجُمْهورِ أهلِ المدينةِ. وحُكِىَ عن الشافعيِّ في القديمِ. وقال الحسنُ: يَسْتَوِيانِ إلى النِّصْفِ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّها على النِّصْفِ فيما قَلَّ وكَثُرَ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والليثُ، وابنُ أبي لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه، وأبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ في ظاهرِ مَذْهَبِه. واختارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّهما شَخْصانِ تَخْتَلِفُ دِيَتُهما، فاخْتَلَفَ أرْشُ أطْرافِهِما، كالمسلمِ والكافرِ، ولأنَّها جِنايَةٌ لها أرْشٌ مُقَدَّرٌ، فكان من المرأةِ على النِّصْفِ من الرَّجُلِ، كاليَدِ. ورُوِىَ عن ابن مسعودٍ، أنَّه قال: تُعاقِلُ المرأةُ الرَّجُلَ إلى نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، فإذا زاد على ذلك، فهى على النِّصْفِ؛ لأنَّها (٢) تُساوِيه في المُوضِحَةِ. ولَنا، ما رَوَى عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا". أخْرَجه النَّسائِيُّ (٣). وهو نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما سِوَاه. وقال رَبِيعةُ: قلتُ لسعيدِ بن المُسَيَّبِ: كم في إصْبَعِ المرأةِ؟ قال: عَشْرٌ. قلتُ: ففى إصْبَعَيْنِ؟ قال: عِشْرُونَ. قلتُ: ففى ثلاثِ أصابِعَ؟ قال: ثلاثُون. قلت: ففى أرْبَعٍ؟ قال: عِشْرُونَ. قال: قلتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُها. قَلَّ عَقْلُها! قال: هكذا السُّنّةُ يا ابْنَ أخِى. وهذا مُقْتَضَى (٤) سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . روَاه سعيدُ بن مَنْصُورٍ. ولأنَّه إجماعُ الصَّحابةِ،

стр. 6195

رَضِىَ اللهُ عنهم، إذْ لم يُنْقَلْ عنهم خِلافُ ذلك، إلَّا عن عليٍّ، ولا نعلمُ ثُبُوتَ ذلك عنه، ولأنَّ ما دُونَ الثُّلُثِ يَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، بدليلِ الجَنِينِ، فإنَّه يَسْتَوِى فيه الذَّكرُ والأُنْثَى. فأمَّا الثُّلثُ نَفْسُه، فهل يَسْتَوِيان فيه؟ على رِوايتَيْنِ؛ إحْداهما، يَسْتَوِيان فيه؛ لأنَّه لم يَعْبُرْ (٥) حَدَّ القِلَّةِ، ولهذا صَحَّتِ الوَصِيَّةُ به. ورُوِىَ أنَّهما يَخْتَلِفانِ فيه. وهو الصحيحُ؛ لقولِه ﵇: "حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ". وحتى للغايةِ، فيَجِبُ أن تكونَ مُخالِفةً لما قَبْلَها، كقَوْلِ (٦) اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٧). ولأنَّ الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرةِ؛ لقولِه ﵇: "الثُّلُث، والثُّلُثُ (٨) كَثِيرٌ" (٩). فصل: فأمَّا دِيَةُ نِساءِ سائرِ أهلِ الأَدْيانِ، فقال أصحابُنا: يُساوِى دِياتُهُنَّ دِياتِ رِجالِهم إلى الثُّلُثِ؛ لعُمُوم قوله ﵇: "عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا". ولأنَّ الواجِبَ دِيَةُ امرأةٍ، فساوَتْ دِيةَ الرَّجُلِ من أهلِ دِينِها، كالمسلمين. ويَحْتَمِلُ أن تُساوِىَ المرأةُ الرجلَ إلى قَدْرِ ثُلُثِ دِيَةِ الرجلِ المسلمِ؛ لأنَّه القَدْرُ الكثيرُ (٨) الذي يَثْبُتُ فيه التَّنْصِيفُ في الأصْلِ، وهو دِيَةُ المسلمِ. ١٤٧٤ - مسألة، قال: (ودِيَةُ الْعَبْدِ والْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا، بَالِغَةً مَا بَلَغ ذلِكَ) وقد تقَدَّم شرحُ هذه المسألةِ فيما مَضَى (١). ولا فَرْقَ في هذا الحُكْمِ بين القِنِّ من العَبِيدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الْوَلَدِ. قال الخطابىُّ (٢): أجْمَعَ عَوَامُّ الفُقَهاءِ، على أنَّ

стр. 6196

المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ في جِنايَتِه، والجِنايةِ عليه، إلَّا إبراهيمَ النَّخَعِىَّ، فإنَّه قال في المُكاتَبِ: يُودَى بقَدْرِ ما أدَّى من كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ. ورُوِىَ في ذلك شيءٌ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقد رَوَى أبو داودَ، في "سُنَنِه"، والإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال (٤): ثنا هشامُ بن أبي عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنى يَحْيَى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ في المُكاتَبِ يُقْتَلُ، أنَّه يُودَى ما أدَّى (٥) مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ. قال الخَطَّابىُّ (٦): وإذا صَحَّ الحديثُ، وجَبَ القولُ به، إذا لم يكُنْ مَنْسُوخًا أو مُعارَضًا بما هو أَوْلَى منه. ١٤٧٥ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الْجَنِينِ إذَا سَقَطَ [مِنَ الضَّرْبَةِ] (١) مَيِّتًا، وكَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، غُرَّةٌ، عَبْدٌ أو أمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَأَنَّهَ سَقَطَ حَيًّا) يقال: غُرَّةٌ عَبْدٌ بالصِّفَةِ. وغُرَّةُ عَبْدٍ بالإِضافةِ. والصِّفَةُ أحْسَنُ؛ لأنَّ الغُرَّةَ اسمٌ للعَبْدِ نَفْسِه، قال مُهَلْهِلٌ (٢): كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ (٣) في هذه المسألةِ فصولٌ خمسةٌ:

стр. 6197

أحدها: أنَّ في جَنِينِ الحُرَّةِ المسلمةِ غُرَّةً. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم عمرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه اسْتشارَ الناسَ في إمْلَاصِ المَرْأةِ (٤)، فقال المُغيرةُ بن شُعْبةَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى فيه بغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أمَةٍ. قال: لَتأْتِيَنَّ بمن يَشْهَدُ (٥) معك. فشَهِدَ له محمدُ بن مَسْلَمةَ (٦). وعن أبي هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ، أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أو أمَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرِثَها ولَدُها ومَن مَعَهم. مُتَّفَقٌ عليه (٧). والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ؛ سُمِّيا بذلك لأنَّهما من أنْفَسِ الأمْوالِ، والأصْلُ في الغُرَّةِ الخِيَارُ. فإن قيل: فقد رُوِىَ في هذا الخبرِ: أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ. قُلْنا: هذا لا يَثْبُتُ، روَاه عيسى بن يُونُسَ، ووَهِمَ (٨) فيه. قالَه أهْلُ النَّقْلِ. والحديثُ الصحيحُ المُتّفَقُ عليه إنَّما فيه: عَبْدٍ أو أمَةٍ. فأمَّا قولُ الْخِرَقِىِّ: مِنْ حُرَّةٍ مسلمةٍ. فإنَّما أراد أنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ لا يكونُ إلَّا حُرًّا مسلِمًا، فمتى كان الجنينُ حرًّا مسلِمًا، ففيه الغُرَّةُ، وإن كانت أمُّهُ كافرةً أو أمَةً، مثل أن يتزَوَّجَ المسلمُ كِتابِيّةً، فإنَّ جَنِينَها منه محكومٌ بإسْلامِه، وفيه الغُرَّةُ، ولا يَرِثُ منها شيئًا؛ لأنَّه مسلمٌ، وولدُ (٩) السَّيِّدِ من أمَتِه [وولدُ المَغْرُورِ] (١٠) من أمَةٍ حُرٌّ. كذلك لو وُطِئَتِ الأمَةُ

стр. 6198

بشُبْهةٍ، فوَلَدُها حُرٌّ، وفيه الغُرَّةُ. فأمَّا إن كان الجنينُ مَحْكُومًا برِقِّه، لم تَجِبْ فيه الغُرَّةُ، وسيأتي بيانُ حُكْمِه. وأمَّا جَنِينُ الكِتابيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ إذا كان محكومًا بكُفْرِه، ففيه عُشْرُ دِيَةِ أُمِّه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأَبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِر: ولم أحْفَظْ عن غيرِهم خِلافَهُم. وذلك لأنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ مَضْمُونٌ بعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فكذلك جَنِينُ الكافِرَةِ، إلَّا أنَّ أصْحابَ الرَّأْىِ يَرَوْنَ أنَّ (١١) دِيَةَ الكافِرَةِ كدِيَةِ المُسْلمةِ، فلا يتَحَقَّقُ عندَهم بينهما اخْتِلافٌ، فإن كان أبَوَا الجَنِينِ كافِرَيْنِ مُخْتَلِفًا دِينُهُما، كوَلَدِ الكِتابِىِّ (١٢) من المَجُوسِيَّةِ، والْمَجُوسِىِّ من الكتابِيَّةِ، اعْتَبَرْناه بأكثرِهما دِيَةً، فنُوجِبُ فيه عُشْرَ دِيةِ كِتابِيَّةٍ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ولَدَ المسلمِ (١٣) من الكافِرَةِ مُعْتبَرٌ بأكْثَرِهما دِيَةً، كذا ههُنا. ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بين كَوْنِ الجَنِينِ ذكَرًا أو أُنْثَى؛ لأنَّ السُّنَّةَ لم تُفَرِّقْ بينهما. وبه يقولُ الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وعامَّةُ أهلِ العلمِ. ولو ضَرَبَ بَطْنَ كِتابِيَّةٍ حاملٍ (١٤) من كتابىٍّ، فأسْلَمَ أحَدُ أبَوَيْه، ثم أسْقَطَتْه، ففيه الغُرَّةُ. في قول ابنِ حامدٍ، والقاضِى. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الضَّمانَ مُعْتَبَرٌ بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ، والجَنِينُ مَحْكُومٌ بإسْلامِه عندَ اسْتِقْرارِها. وفى قولِ أبى بكرٍ، وأبى الخَطَّابِ: فيه عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ لأنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ الغُرَّةِ. وإن ضَرَبَ بَطْنَ أمَةٍ فأُعْتِقَتْ، ثم أَلْقَتِ الجَنِينَ، فعلى قولِ ابنِ حامدٍ والقاضى، فيه غُرَّةٌ. وفى قولِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ كَوْنِه عَبْدًا. ويُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِه (١٥) صارَ حُرًّا؛ لأنَّ الظاهِرَ تَلَفُه بالجِنَايةِ، وبعدَ تَلَفِه لا يُمْكِنُ تَحْرِيرُه. وعلى قولِ هذَيْنِ، يكونُ الواجِبُ فيه لسَيِّدِه. وعلى قولِ ابن حامدٍ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ من الغُرَّةِ أو عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّ الغُرّةَ إن كانتْ الأكثرَ (١٦)،

стр. 6199

لم يَسْتَحِقَّ الزِّيادةَ، لأنَّها زادَتْ بالحُرِّيَّةِ الحاصِلةِ بزَوالِ مِلْكِه، وإن كانت أقَلَّ، لم يكُنْ له أكثرُ منها؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بإعْتاقِه، فلا يَضْمَنُ له، كما لو قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فأعْتَقَه سَيِّدُه ثم مات بسِرَايةِ الجِنايةِ، كان له أقَلُّ الأمْرَيْنِ (١٧) من دِيَةِ حُرٍّ أو نِصْفِ قِيمَتِه، وما فَضَلَ عن حَقِّ السَّيِّدِ لوَرَثَةِ الجَنِينِ. فأمَّا إن ضرب بطنَ الأمَةِ, فأعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَها وحْدَه، نَظَرْتَ؛ فإنْ أسْقَطَتْهُ (١٨) حَيًّا لوَقْتٍ يعيشُ مثلُه، ففيه دِيَةُ حُرٍّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن كان لوَقْتٍ [لا] (١٩) يعيشُ مثلُه، ففيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ على قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، عليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه. وإن أسْقَطَتْه مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ كَوْنَه حيًّا حالَ إعْتاقِه. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ عليه الغُرَّةُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ حَياتِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ أُمَّهُ. الفصل الثاني: أنَّ الغُرّةَ إنَّما تَجِبُ إذا سَقَطَ من الضَّرْبةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأنْ يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ، أو [بِبَقائِها مُتَأَلِّمةً] (٢٠) إلى أن يَسْقُطَ. ولو قَتَلَ حامِلًا لم يَسْقُطْ جَنِينُها، أو ضرب مَن [في] جَوْفِها حركةٌ أو انْتِفاخٌ، فسَكَّنَ الحَرَكَةَ وأَذْهَبَها، لم يَضْمَنِ الجَنِينَ. وبهذا قال مالكٌ، وقَتادةُ، والأوْزَاعىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عليه غُرَّةً (٢١)؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه قَتَلَ الجَنِينَ، فلَزِمَتْه الغُرّةُ، كما لو أَسْقَطَتْ. ولَنا، أنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الوَلَدِ إلَّا بخُرُوجِه، ولذلك لا تَصِحُّ له وَصِيَّةٌ ولا مِيراثٌ، ولأنَّ الحَرَكةَ يجوزُ أن تكون لرِيحٍ في البَطْنِ سَكَنَتْ، ولا يَجِبُ الضَّمَانُ بالشَّكِّ. وأمَّا إذا ألْقَتْه مَيِّتًا، فقد تحَقَّقَ، والظَّاهِرُ تَلَفُه من الضَّرْبةِ (٢٢)، فيَجِبُ

стр. 6200

ضَمانُه، سواءٌ ألْقَتْه في حَياتِها، أو بعدَ مَوْتِها. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن ألقَتْه بعدَ مَوْتِها، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى أعْضائِها، وبمَوْتِها سَقَطَ حكمُ أعْضائِها. ولَنا، أنَّه جَنِينٌ تَلِفَ بجنايَتِه، وعُلِمَ ذلك بخُرُوجِه، فوَجَبَ ضَمانُه، كما لو (٢٣) سَقَطَ في حَياتِها، ولأنَّه لو سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَه، فكذلك إذا سَقَطَ مَيِّتًا، كما لو أسْقَطَتْه في حياتِها، وما ذكَرُوه ليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لَكان إذا سَقَطَ مَيِّتًا (٢٣) ثم ماتَتْ، لم يَضْمَنْه كأعْضائِها، ولأنَّه آدَمِىٌّ مَوْرُوثٌ، فلا يَدْخُلُ في ضَمانِ أُمِّه، كما لو خَرَجَ حَيًّا. فأمَّا إن ظَهَرَ بعضُه من بَطْنِ أُمِّه، ولم يَخْرُجْ باقِيه، ففيه الغُرَّةُ. وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَجِبُ الغُرَّةُ حتى تُلْقِيَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أوْجَبَ الغُرَّةَ في الجَنِينِ الذي ألْقَتْه المرأةُ؛ وهذه لم تُلْقِ شيئًا، فأشْبَهَ ما لو لم يَظْهَرْ منه شيءٌ. ولَنا، أنَّه قاتلٌ لجَنِينِها، فلَزِمَتْه الغُرَّةُ، كما لو ظَهَرَ جَمِيعُه، ويُفارِقُ ما لو لم يَظْهَرْ منه شيءٌ، فإنَّه (٢٤) لم يُتَيَقَّنْ قَتْلُه ولا وُجُودُه. وكذلك إن ألْقَتْ يَدًا، أو رِجْلًا، أو رَأسًا، أو جُزْءًا من أجْزاءِ الآدَمِىِّ، وجَبَتِ الغُرَّةُ؛ لأنَّا تيَقَّنَّا أنَّه من جَنِينٍ. وإن ألْقَتْ رأسَيْنِ، أو أرْبَع أيْدٍ، لم يَجِبْ أكثرُ من غُرَّةٍ؛ لأنَّ ذلك يجوزُ أن يكونَ من جَنِينٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون من جَنِينَيْنِ، فلم تَجِبِ الزِّيادةُ مع الشَّكِّ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ؛ ولذلك (٢٥) لم يَجِبْ ضَمانُه إذا لم يَظْهَرْ، فإنْ أسْقَطَتْ ما ليس فيه صُورَةُ آدَمِىٍّ، فلا شىءَ فيه، لأنَّا (٢٦) لا نَعْلَمُ أنَّه جَنِينٌ. وإن ألْقَتْ مُضْغَةً، فشَهِدَ ثِقاتٌ من القَوابلِ أنَّ فيه صُورَةً خَفِيَّةً، ففيه غُرَّةٌ، وإن شَهِدَتْ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ لو بَقِىَ تَصَوَّرَ، ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهُما، لا شىءَ فيه؛ لأنَّه لم يُتَصَوَّرْ، فلم يَجِبْ فيه، كالعَلَقةِ، ولأنَّ الأصْلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ، فلا نَشْغلُها بالشَّكِّ. والثانى، فيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ،
следующие страницы →