← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ في جِنايَتِه، والجِنايةِ عليه، إلَّا إبراهيمَ النَّخَعِىَّ، فإنَّه قال في المُكاتَبِ: يُودَى بقَدْرِ ما أدَّى من كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ. ورُوِىَ في ذلك شيءٌ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقد رَوَى أبو داودَ، في "سُنَنِه"، والإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال (٤): ثنا هشامُ بن أبي عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنى يَحْيَى بن أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ في المُكاتَبِ يُقْتَلُ، أنَّه يُودَى ما أدَّى (٥) مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ. قال الخَطَّابىُّ (٦): وإذا صَحَّ الحديثُ، وجَبَ القولُ به، إذا لم يكُنْ مَنْسُوخًا أو مُعارَضًا بما هو أَوْلَى منه. ١٤٧٥ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الْجَنِينِ إذَا سَقَطَ [مِنَ الضَّرْبَةِ] (١) مَيِّتًا، وكَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، غُرَّةٌ، عَبْدٌ أو أمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَأَنَّهَ سَقَطَ حَيًّا) يقال: غُرَّةٌ عَبْدٌ بالصِّفَةِ. وغُرَّةُ عَبْدٍ بالإِضافةِ. والصِّفَةُ أحْسَنُ؛ لأنَّ الغُرَّةَ اسمٌ للعَبْدِ نَفْسِه، قال مُهَلْهِلٌ (٢): كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ (٣) في هذه المسألةِ فصولٌ خمسةٌ:

стр. 6197

أحدها: أنَّ في جَنِينِ الحُرَّةِ المسلمةِ غُرَّةً. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم عمرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه اسْتشارَ الناسَ في إمْلَاصِ المَرْأةِ (٤)، فقال المُغيرةُ بن شُعْبةَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى فيه بغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أمَةٍ. قال: لَتأْتِيَنَّ بمن يَشْهَدُ (٥) معك. فشَهِدَ له محمدُ بن مَسْلَمةَ (٦). وعن أبي هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ، أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أو أمَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرِثَها ولَدُها ومَن مَعَهم. مُتَّفَقٌ عليه (٧). والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ؛ سُمِّيا بذلك لأنَّهما من أنْفَسِ الأمْوالِ، والأصْلُ في الغُرَّةِ الخِيَارُ. فإن قيل: فقد رُوِىَ في هذا الخبرِ: أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ. قُلْنا: هذا لا يَثْبُتُ، روَاه عيسى بن يُونُسَ، ووَهِمَ (٨) فيه. قالَه أهْلُ النَّقْلِ. والحديثُ الصحيحُ المُتّفَقُ عليه إنَّما فيه: عَبْدٍ أو أمَةٍ. فأمَّا قولُ الْخِرَقِىِّ: مِنْ حُرَّةٍ مسلمةٍ. فإنَّما أراد أنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ لا يكونُ إلَّا حُرًّا مسلِمًا، فمتى كان الجنينُ حرًّا مسلِمًا، ففيه الغُرَّةُ، وإن كانت أمُّهُ كافرةً أو أمَةً، مثل أن يتزَوَّجَ المسلمُ كِتابِيّةً، فإنَّ جَنِينَها منه محكومٌ بإسْلامِه، وفيه الغُرَّةُ، ولا يَرِثُ منها شيئًا؛ لأنَّه مسلمٌ، وولدُ (٩) السَّيِّدِ من أمَتِه [وولدُ المَغْرُورِ] (١٠) من أمَةٍ حُرٌّ. كذلك لو وُطِئَتِ الأمَةُ

стр. 6198

بشُبْهةٍ، فوَلَدُها حُرٌّ، وفيه الغُرَّةُ. فأمَّا إن كان الجنينُ مَحْكُومًا برِقِّه، لم تَجِبْ فيه الغُرَّةُ، وسيأتي بيانُ حُكْمِه. وأمَّا جَنِينُ الكِتابيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ إذا كان محكومًا بكُفْرِه، ففيه عُشْرُ دِيَةِ أُمِّه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأَبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِر: ولم أحْفَظْ عن غيرِهم خِلافَهُم. وذلك لأنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ مَضْمُونٌ بعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فكذلك جَنِينُ الكافِرَةِ، إلَّا أنَّ أصْحابَ الرَّأْىِ يَرَوْنَ أنَّ (١١) دِيَةَ الكافِرَةِ كدِيَةِ المُسْلمةِ، فلا يتَحَقَّقُ عندَهم بينهما اخْتِلافٌ، فإن كان أبَوَا الجَنِينِ كافِرَيْنِ مُخْتَلِفًا دِينُهُما، كوَلَدِ الكِتابِىِّ (١٢) من المَجُوسِيَّةِ، والْمَجُوسِىِّ من الكتابِيَّةِ، اعْتَبَرْناه بأكثرِهما دِيَةً، فنُوجِبُ فيه عُشْرَ دِيةِ كِتابِيَّةٍ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ولَدَ المسلمِ (١٣) من الكافِرَةِ مُعْتبَرٌ بأكْثَرِهما دِيَةً، كذا ههُنا. ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بين كَوْنِ الجَنِينِ ذكَرًا أو أُنْثَى؛ لأنَّ السُّنَّةَ لم تُفَرِّقْ بينهما. وبه يقولُ الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وعامَّةُ أهلِ العلمِ. ولو ضَرَبَ بَطْنَ كِتابِيَّةٍ حاملٍ (١٤) من كتابىٍّ، فأسْلَمَ أحَدُ أبَوَيْه، ثم أسْقَطَتْه، ففيه الغُرَّةُ. في قول ابنِ حامدٍ، والقاضِى. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الضَّمانَ مُعْتَبَرٌ بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ، والجَنِينُ مَحْكُومٌ بإسْلامِه عندَ اسْتِقْرارِها. وفى قولِ أبى بكرٍ، وأبى الخَطَّابِ: فيه عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ لأنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ الغُرَّةِ. وإن ضَرَبَ بَطْنَ أمَةٍ فأُعْتِقَتْ، ثم أَلْقَتِ الجَنِينَ، فعلى قولِ ابنِ حامدٍ والقاضى، فيه غُرَّةٌ. وفى قولِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ كَوْنِه عَبْدًا. ويُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِه (١٥) صارَ حُرًّا؛ لأنَّ الظاهِرَ تَلَفُه بالجِنَايةِ، وبعدَ تَلَفِه لا يُمْكِنُ تَحْرِيرُه. وعلى قولِ هذَيْنِ، يكونُ الواجِبُ فيه لسَيِّدِه. وعلى قولِ ابن حامدٍ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ من الغُرَّةِ أو عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّ الغُرّةَ إن كانتْ الأكثرَ (١٦)،

стр. 6199

لم يَسْتَحِقَّ الزِّيادةَ، لأنَّها زادَتْ بالحُرِّيَّةِ الحاصِلةِ بزَوالِ مِلْكِه، وإن كانت أقَلَّ، لم يكُنْ له أكثرُ منها؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بإعْتاقِه، فلا يَضْمَنُ له، كما لو قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فأعْتَقَه سَيِّدُه ثم مات بسِرَايةِ الجِنايةِ، كان له أقَلُّ الأمْرَيْنِ (١٧) من دِيَةِ حُرٍّ أو نِصْفِ قِيمَتِه، وما فَضَلَ عن حَقِّ السَّيِّدِ لوَرَثَةِ الجَنِينِ. فأمَّا إن ضرب بطنَ الأمَةِ, فأعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَها وحْدَه، نَظَرْتَ؛ فإنْ أسْقَطَتْهُ (١٨) حَيًّا لوَقْتٍ يعيشُ مثلُه، ففيه دِيَةُ حُرٍّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن كان لوَقْتٍ [لا] (١٩) يعيشُ مثلُه، ففيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ على قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، عليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه. وإن أسْقَطَتْه مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ كَوْنَه حيًّا حالَ إعْتاقِه. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ عليه الغُرَّةُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ حَياتِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ أُمَّهُ. الفصل الثاني: أنَّ الغُرّةَ إنَّما تَجِبُ إذا سَقَطَ من الضَّرْبةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأنْ يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ، أو [بِبَقائِها مُتَأَلِّمةً] (٢٠) إلى أن يَسْقُطَ. ولو قَتَلَ حامِلًا لم يَسْقُطْ جَنِينُها، أو ضرب مَن [في] جَوْفِها حركةٌ أو انْتِفاخٌ، فسَكَّنَ الحَرَكَةَ وأَذْهَبَها، لم يَضْمَنِ الجَنِينَ. وبهذا قال مالكٌ، وقَتادةُ، والأوْزَاعىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عليه غُرَّةً (٢١)؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه قَتَلَ الجَنِينَ، فلَزِمَتْه الغُرّةُ، كما لو أَسْقَطَتْ. ولَنا، أنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الوَلَدِ إلَّا بخُرُوجِه، ولذلك لا تَصِحُّ له وَصِيَّةٌ ولا مِيراثٌ، ولأنَّ الحَرَكةَ يجوزُ أن تكون لرِيحٍ في البَطْنِ سَكَنَتْ، ولا يَجِبُ الضَّمَانُ بالشَّكِّ. وأمَّا إذا ألْقَتْه مَيِّتًا، فقد تحَقَّقَ، والظَّاهِرُ تَلَفُه من الضَّرْبةِ (٢٢)، فيَجِبُ

стр. 6200

ضَمانُه، سواءٌ ألْقَتْه في حَياتِها، أو بعدَ مَوْتِها. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن ألقَتْه بعدَ مَوْتِها، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى أعْضائِها، وبمَوْتِها سَقَطَ حكمُ أعْضائِها. ولَنا، أنَّه جَنِينٌ تَلِفَ بجنايَتِه، وعُلِمَ ذلك بخُرُوجِه، فوَجَبَ ضَمانُه، كما لو (٢٣) سَقَطَ في حَياتِها، ولأنَّه لو سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَه، فكذلك إذا سَقَطَ مَيِّتًا، كما لو أسْقَطَتْه في حياتِها، وما ذكَرُوه ليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لَكان إذا سَقَطَ مَيِّتًا (٢٣) ثم ماتَتْ، لم يَضْمَنْه كأعْضائِها، ولأنَّه آدَمِىٌّ مَوْرُوثٌ، فلا يَدْخُلُ في ضَمانِ أُمِّه، كما لو خَرَجَ حَيًّا. فأمَّا إن ظَهَرَ بعضُه من بَطْنِ أُمِّه، ولم يَخْرُجْ باقِيه، ففيه الغُرَّةُ. وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَجِبُ الغُرَّةُ حتى تُلْقِيَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أوْجَبَ الغُرَّةَ في الجَنِينِ الذي ألْقَتْه المرأةُ؛ وهذه لم تُلْقِ شيئًا، فأشْبَهَ ما لو لم يَظْهَرْ منه شيءٌ. ولَنا، أنَّه قاتلٌ لجَنِينِها، فلَزِمَتْه الغُرَّةُ، كما لو ظَهَرَ جَمِيعُه، ويُفارِقُ ما لو لم يَظْهَرْ منه شيءٌ، فإنَّه (٢٤) لم يُتَيَقَّنْ قَتْلُه ولا وُجُودُه. وكذلك إن ألْقَتْ يَدًا، أو رِجْلًا، أو رَأسًا، أو جُزْءًا من أجْزاءِ الآدَمِىِّ، وجَبَتِ الغُرَّةُ؛ لأنَّا تيَقَّنَّا أنَّه من جَنِينٍ. وإن ألْقَتْ رأسَيْنِ، أو أرْبَع أيْدٍ، لم يَجِبْ أكثرُ من غُرَّةٍ؛ لأنَّ ذلك يجوزُ أن يكونَ من جَنِينٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون من جَنِينَيْنِ، فلم تَجِبِ الزِّيادةُ مع الشَّكِّ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ؛ ولذلك (٢٥) لم يَجِبْ ضَمانُه إذا لم يَظْهَرْ، فإنْ أسْقَطَتْ ما ليس فيه صُورَةُ آدَمِىٍّ، فلا شىءَ فيه، لأنَّا (٢٦) لا نَعْلَمُ أنَّه جَنِينٌ. وإن ألْقَتْ مُضْغَةً، فشَهِدَ ثِقاتٌ من القَوابلِ أنَّ فيه صُورَةً خَفِيَّةً، ففيه غُرَّةٌ، وإن شَهِدَتْ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ لو بَقِىَ تَصَوَّرَ، ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهُما، لا شىءَ فيه؛ لأنَّه لم يُتَصَوَّرْ، فلم يَجِبْ فيه، كالعَلَقةِ، ولأنَّ الأصْلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ، فلا نَشْغلُها بالشَّكِّ. والثانى، فيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ،

стр. 6201

أشْبَهَ ما لو تَصَوَّرَ. وهذا يَبْطُلُ بالنُّطْفَةِ والعَلَقَةِ. الفصل الثالث: أنَّ الغُرَّةَ عَبْدٌ أو أمَةٌ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال عُرْوَةُ، وطاوسٌ، ومُجاهدٌ: عَبْدٌ أو أمَةٌ أو فَرَسٌ؛ لأنَّ الغُرَّةَ اسْمٌ لذلك، وقد جاء في حديثِ أبى هُرَيْرةَ، قال (٢٧): قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ في الْجَنِينِ بغُرّةٍ عَبْدٍ أو أَمَةٍ أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ (٢٨). وجَعَلَ ابنُ سِيرِينَ مكانَ الفَرَسِ مائةَ شاةٍ، ونحوَه قال الشَّعْبِىُّ؛ لأنَّه رُوِىَ في حديثٍ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه جَعَلَ في ولَدِها مائةَ شاةٍ. روَاه أبو داودَ (٢٩). ورُوِىَ عن عبدِ الملكِ بن مَروانَ، أنَّه قَضَى في الْجَنِينِ إذا أُمْلِصَ (٣٠) بعِشْرِينَ دينارًا، فإذا كان مُضْغَةً فأرْبَعينَ، فإذا كان عَظْمًا فسِتِّين، فإذا كان العَظْمُ قد كُسِىَ لَحْمًا فثمانِين، فإن تَمَّ خَلْقُه وكُسِىَ شَعْرُه فمائةَ دِينارٍ. وقال (٣١) قَتادةُ: إذا كان عَلَقةً فثُلثُ غُرَّةٍ، وإذا كان مُضْغةً فثُلُثَىْ غُرَّةٍ. ولَنا، قَضاءُ رسولِ اللَّه ﷺ في إمْلَاصِ المَرأةِ بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وسُنَّةُ رسولِ اللَّه ﷺ قاضِيَةٌ على ما خَالَفَها (٣٢). وذِكْرُ الفَرَسِ والبَغْلِ في الحديثِ وَهَمٌ انْفَرَدَ به عِيسَى بن يُونُسَ، عن سائرِ الرُّوَاةِ، فالظَّاهرُ أنَّه وَهِمَ فيه، وهو مَتْرُوكٌ في البَغْلِ بغير خِلافٍ، فكذلك (٣٣) في الفَرَسِ، وهذا الحديثُ الذي ذكَرْناه أصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وهو مُتَّفَقٌ عليه، وقد قال به أكثرُ أهلِ العلمِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما خالَفَه. وقولُ عبدِ المَلكِ بن مَرْوانَ (٣٤)، تَحَكُّمٌ بتَقْدِيرٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، وكذلك قَتادةُ، وقولُ رسول اللَّه ﷺ أحَقُّ

стр. 6202

بالاتِّباعِ من قولِهما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه تَلْزَمُه الغُرَّةُ، فإن أراد دَفْعَ بَدَلِها، ورَضِىَ المَدْفُوعُ إليه، جاز؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، فجازَ ما تَراضَيا عليه، وأيُّهما امْتَنَعَ من قَبُولِ البَدَلِ، فله ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ فيها، فلا يُقْبَلُ بَدَلُها إلَّا برِضَاهما. وتَجِبُ الغرةُ سليمةً (٣٥) من العُيُوبِ، وإن قَلَّ العَيْبُ؛ لأنَّه حَيَوانٌ وجَبَ بالشَّرْعِ، فلم يُقْبَلْ فيه المَعِيبُ، كالشَّاةِ في الزَّكاةِ، ولأنَّ الغُرَّةَ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس من الخِيارِ. ولا يُقْبَلُ فيها هَرِمَةٌ، ولا ضَعِيفةٌ، ولا خُنْثَى، ولا خَصِىٌّ، وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ. ولا يتَقَدّرُ سِنُّها (٣٦)، في ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشافعىِّ: لا يُقْبَلُ فيها مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى من يَكْفُلُه (٣٧) ويَحْضُنُه، وليس من الخِيارِ. وذكَرَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ، أنَّه لا يُقْبَلُ فيها غُلَامٌ بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنةً؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ على النِّساءِ، ولا ابْنَةُ عِشْرِينَ؛ لأنَّها تتَغَيّرُ. وهذا تَحَكُّمٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فيجبُ أن لا يُقْبَلَ. وما ذكَرُوه من الحاجَةِ إلى الكَفالةِ باطِلٌ بمَن له فَوْقَ السَّبْعِ، ولأنَّ بُلُوغَه قِيمَةَ الكَبِيرِ مع صِغَرِه، يَدُلُّ على أنَّه خِيارٌ، ولم يَشْهَدْ لما ذكَرُوه نَصٌّ، ولا له نَظِيرٌ يُقاسُ عليه، والشَّابُّ البالِغُ أكْمَلُ من الصَّبِىِّ عَقْلًا وبِنْيةً، وأَقْدَرُ على التَّصرُّفِ، وأنْفَعُ [في الخِدْمةِ] (٣٨)، وقَضاءِ الحاجةِ، وكَوْنُه لا يَدْخُلُ على النساءِ، إن (٣٩) أُرِيدَ به النِّساءُ الأجْنَبِيَّاتُ، فلا (٤٠) حاجة إلى دُخُولِه عليهِنَّ، وإن أُرِيدَ به سَيِّدَتُه، فليس بصَحِيحٍ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤١). ثم لو لم يَدْخُلْ على النِّساءِ،

стр. 6203

لَحَصَلَ من نَفْعِه أضْعافُ ما يَحْصُلُ من دُخُولِه، وفَوَاتُ شيءٍ إلى ما هو أنْفَعُ منه لا يُعَدُّ فَوَاتًا، كمن اشْتَرَى بدِرْهَمٍ ما يُساوِى عَشرةً، لا يُعَدُّ فَواتًا ولا خُسْرانًا، ولا يُعْتَبَرُ لَوْنُ الغُرَّةِ. وذُكِرَ عن أبي عَمْرِو بن العَلَاءِ، أنَّ الغُرَّةَ لا تكونُ إلَّا بَيْضاءَ، ولا يُقْبَلُ عَبْدٌ أسْوَدُ، ولا جارِيةٌ سَوْداءُ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وأطْلَقَ مع غَلَبةِ السَّوادِ على عَبِيدِهِم وإمَائِهِم، ولأنَّه حيوانٌ يَجِبُ دِيَةً، فلم يُعْتَبَرْ لَوْنُه، كالإِبِلِ في الدِّيَةِ. الفصل الرابع: أنَّ الغُرَّةَ قِيمَتُها نِصْفُ عُشْرِ الدِّيةِ، وهى خَمْسٌ من الإِبِلِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وزَيْدٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ورَبِيعةُ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولأنَّ ذلك أقَلُّ ما قَدَّرَه الشَّرْعُ في الجِناياتِ، وهو أرْشُ المُوضِحَةِ ودِيَةُ السِّنِّ، فرَدَدْناه إليه. فإن قِيلَ: فقد وَجَبَ في الأُنْمُلَةِ ثَلاثةُ أبْعِرَةٍ وثُلُثٌ، وذلك دُونَ ما ذكَرْتُمُوه (٤٢). قُلْنا: الذي نَصَّ عليه صاحبُ الشَّريعةِ ﷺ غُرَّةً قِيمَتُها أرْشُ المُوضِحَةِ، وهو خَمْسٌ من الإِبلِ. وإذا كان أبوَا الْجَنِينِ كِتابِيَّيْنِ، ففيه غُرَّةٌ قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ الواجبةِ في المسلمِ. وفى جَنِينِ المَجُوسِيَّةِ غُرَّةٌ قيمتُها أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وإذا تعَذَّرَ وُجُودُ غُرَّةٍ بهذه الدَّرَاهمِ، وجَبَتِ الدَّراهمُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ. وإذا اتَّفَقَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ من الأُصُولِ كلِّها، بأن تكونَ قِيمَتُها خَمْسًا من الإِبلِ وخَمْسينَ دينارًا أو سِتَّمائة دِرْهمٍ، فلا كَلامَ، وإن اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الإِبلِ، فنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ من غيرِها، مثل أن كانت قِيمَةُ الإِبلِ أرْبَعِينَ دينارًا أو أربعمائة دِرْهَمٍ، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّها تُقَوَّمُ بالإِبلِ؛ لأنَّها الأصْلُ. وعلى قولِ غيرِه من أصحابِنا، تُقَوّمُ بالذَّهَبِ أو الوَرِقِ، فيُجْعَلُ (٤٣) قِيمَتُها خمسينَ دِينارًا أو سِتَّمائة دِرْهَمٍ، فإن اخْتَلَفا، قُوِّمَتْ على أهْلِ الذَّهَبِ به، وعلى أهْلِ الوَرِقِ به، فإن كان من أهْلِ الذَّهبِ والوَرِقِ جميعًا، قَوّمَها مَنْ هي عليه بما شاء منهما؛ لأنَّ الْخِيَرَةَ إلى الجانِى في دَفْعِ ما شاءَ من الأصُولِ. ويَحْتَمِلُ أن تُقَوَّمَ بأدْناهما على كلِّ حالٍ؛ لذلك.

стр. 6204

وإذا لم يَجِدِ الغُرَّةَ، انْتَقَلَ إلى خَمْسٍ من الإِبلِ. على قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وعلى قولِ غيرِه، يَنْتَقِلُ إلى خَمْسِينَ دينارًا أو سِتِّمائة دِرْهَمٍ. الفصل الخامس: أنَّ الغُرَّةَ مَوْرُوثةٌ عن الجَنِينِ، كأنَّه سَقَطَ حَيًّا؛ لأنَّها دِيَةٌ له، وبَدَلٌ عنه، فيَرِثُها ورَثَتُه، كما لو قُتِلَ بعدَ الوِلادَةِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال اللَّيْثُ: لا تُورَثُ، بل تكونُ بَدَلَه لأُمِّه؛ لأنَّه كعُضْوٍ من أعضائِها، فأشْبَهَ يَدَها. ولَنا، أنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ حُرٍّ، فوَجَبَ أن تكونَ مَوْرُوثةً عنه، كما لو ولَدَتْه حيًّا ثم مات، وقولُه: إنَّه عُضْوٌ من أعضائِها. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان عُضْوًا لَدَخَلَ بَدَلُه في دِيَةِ أُمِّه، كيَدِها، ولما مُنِعَ (٤٤) القِصاصُ من أُمِّه، وإقَامُة الحَدِّ عليها من أجْلِه، ولَما وَجَبَتِ الكَفَّارةُ بقَتْلِه، ولَما صَحَّ عِتْقُه دُونَها، ولا عِتْقُها دُونَه، ولا تَصَوُّرُ حياتِه بعدَ مَوْتِها، ولأنَّ كلَّ نَفْسٍ تُضْمَنُ بالدِّيَةِ تُورَثُ، كَدِيَةِ الحَىِّ. فعلى هذا، إذا أسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ثم ماتَتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها من الغُرَّةِ (٤٥)، ثم يَرِثُها ورَثَتُه (٤٦). وإن (٤٧) أسْقَطَتْهُ (٤٨) حيًّا، ثم مات قَبْلَها، ثم ماتتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها من دِيَتِه، ثم يَرِثُها ورَثَتُها. وإن ماتتْ قبلَه، ثم ألْقَتْه مَيِّتًا، لم يَرِثْ أحَدُهما صاحِبَه. وإن خَرَجَ حَيًّا، ثم ماتتْ قبلَه ثم مات، أو ماتتْ ثم خَرَجَ حَيًّا ثم مات، وَرِثَها، ثم يَرِثُه ورَثَتُه. وإن اخْتَلَفَ وُرّاثُهُما (٤٩) في أَوَّلِهما مَوْتًا، فحُكْمُهما حُكْمُ الغَرْقَى. على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه (٥٠). ويَجىءُ على قَوْلِ الْخِرَقِىِّ في المسألةِ التي ذكَرَها، إذا ماتتِ امرأةٌ وابْنُها، أن يَحْلِفَ ورَثَةُ كلِّ واحدٍ منهما ويَخْتَصُّوا بمِيراثِه، وإن ألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أو حَيًّا ثم مات، ثم ألْقَتْ

стр. 6205

آخرَ حَيًّا، ففى المَيِّتِ غُرَّةٌ، وفى الحىِّ الأوَّلِ دِيَةٌ كاملةٌ (٥١)، إذا كان سُقُوطُه لوقتٍ يعيشُ مثلُه، ويَرِثُهما الآخَرُ، ثم يَرِثُه (٥٢) ورَثَتُه إن مات. وإن كانت الأمُّ قد ماتتْ بعدَ الأوَّلِ وقبلَ الثاني، فإنَّ دِيَةَ الأوَّلِ تَرِثُ منها الأُمُّ والجنينُ الثاني، ثم إذا ماتتِ الأمُّ، وَرِثَها الثاني، ثم يَصِيرُ مِيرَاثُه لوَرَثَتِه. وإن ماتتِ الأمُّ بعدَهُما، ورِثَتْهُما جميعًا. فصل: وإذا ضَرَبَ بَطْنَ امْرأةٍ، فألْقَتْ أجِنَّةً، ففى كلِّ واحدةٍ غُرَّةٌ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم. وذلك لأنَّه ضمَانُ آدَمِىٍّ، فتَعَدَّدَ بتَعَدُّدِه، كالدِّيَاتِ. وإن ألْقَتْهُم أحْياءَ في وقتٍ يعيشُونَ في مثلِه ثم ماتوا، ففى كلِّ واحدٍ (٥٣) دِيَةٌ كاملةٌ. وإن كان بعضُهم حَيًّا فمات، وبعضُهم مَيِّتًا، ففى الْحَىِّ دِيَةٌ، وفى المَيِّتِ غُرَّةٌ. فصل: وتَحْمِلُ (٥٤) العاقلةُ دِيَةَ الْجَنينِ إذا ماتَ مع أُمِّه. نَصَّ عليه أحمدُ، إذا كانت الجِنايةُ عليها خطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ؛ لما رَوَى المُغِيرةُ بن شُعْبةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى في الْجَنينِ بغُرَّةٍ، عَبْدٍ أو أمةٍ، على عَصَبةِ القاتلةِ. وإن كان قَتْلُ الأُمِّ عَمْدًا، أو مات الجَنِينُ وحدَه، لم تَحْمِلْه العاقلةُ. وقال الشافعيُّ: تَحْمِلُه العاقلةُ على كلِّ حالٍ، بِناءً على قولِه: إنَّ العاقلةَ تَحْمِلُ القليلَ والكثيرَ. والجنايةُ على الجنينِ ليستْ بعَمْدٍ؛ لأنَّه لا يتَحَقَّقُ وجُودُه ليكونَ مَقْصُودًا بالضَّرْبِ. ولَنا، أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ ما دُونَ الثُّلُثِ، على ما ذكَرْناه، وهذا دُونَ الثُّلثِ. وإذا مات (٥٥) من جِنايةِ (٥٦) عَمْدٍ، فِديَةُ أُمِّه على قاتِلِها، فكذلك دِيَتُه؛ لأنَّ الجِنايةَ لا يَحْمِلُ بعضَ دِيَتِها الجانى وبعضَها غيرُه، فيكونُ الجميعُ

стр. 6206

على القاتِلِ، كما لو (٥٧) قَطَعَ عَمْدًا، فسَرَتِ الجِنايةُ إلى النَّفْسِ. ١٤٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا، فَفِيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) وجُمْلتُه (١) أنَّه إذا كان جَنِينُ الأمَةِ مَمْلُوكًا، فسَقَطَ من الضَّرْبةِ مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمةِ أُمِّه. هذا قولُ الحسنِ، وقَتادةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وبنَحْوِه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ. وقال زَيْدُ بن أسْلَمَ: يَجِبُ فيه نِصْفُ (٢) عُشْرِ غُرَّةٍ، وهو خمسةُ دنانِيرَ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه: يَجِبُ فيه نصفُ عُشْرِ قِيمَتِه إن كان ذكَرًا، وعُشْرُ قِيمَتِه إن كان أُنْثَى؛ لأنَّ الغُرَّةَ الواجبةَ (٣) في جَنِينِ الحُرَّةِ هي (٤) نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ، وعُشْرُ دِيَةِ الأُنْثَى، وهذا مُتْلَفٌ، فاعْتِبارُه بنَفْسِه أَوْلَى من اعْتِبارِه بأُمِّه، ولأنَّه جَنِينٌ مَضْمونٌ، تَلِفَ بالضَّرْبةِ، فكان فيه نِصْفُ عُشْرِ الواجبِ فيه إذا كان ذكَرًا كبيرًا، أو عُشْرُ (٥) الواجبِ إذا كان أُنْثَى، كجَنِينِ الحُرَّةِ. وقال محمدُ بن الحسنِ: مذهبُ أهلِ المدينةِ يُفْضِى إلى أن يَجِبَ في الْجَنِينِ المَيِّتِ أكْثَرُ من قِيمَتِه إذا كان حَيًّا. ولَنا، أنَّه جَنِينٌ مات بالجِنايةِ في بَطْنِ أُمِّه، فلم يَخْتَلِفْ ضَمانُه [بالذُّكُوريَّةِ والأُنُوثيَّة] (٦)، كجَنِينِ الحُرَّةِ، ودَلِيلُهُم نَقْلِبُه عليهم، فنقولُ: جَنِينٌ مَضْمُونٌ، تَلِفَ بالجِنايةِ، فكان الواجبُ فيه عُشْرَ ما يَجِبُ في أُمِّه، كجَنِينِ الحُرَّةِ. وما ذكَرُوه من مُخالفةِ الأصْلِ، مُعارضٌ بأنَّ مَذْهَبَهم يُفْضِى إلى تَفْضِيلِ الأُنْثَى على الذَّكَرِ، وهو

стр. 6207

خلافُ الأُصُولِ، ولأنَّه لو اعْتُبِرَ بنَفْسِه، لَوَجَبَتْ قِيمَتُه كلُّها، كسائرِ المَضْموناتِ بالقِيمَةِ، ولأنَّ مُخالَفَتَهم أشَدُّ من مُخالَفَتِنا؛ لأنَّنا اعْتَبَرْناه إذا كان مَيِّتًا بأُمِّه، وإذا كان حَيًّا بنَفْسِه، فجاز أن تَزِيدَ قِيمةُ المَيِّتِ على الحَىِّ مع اختلافِ الجِهَتَيْنِ، كما جاز أن يَزِيدَ البعضُ على الكُلِّ في أنَّ مَنْ قَطَعَ أَطْرافَ إنسانٍ الأَرْبَعةَ كان الواجبُ عليه أكثرَ من دِيَةِ النَّفْسِ كلِّها (٧)، وهم فَضّلُوا الأُنْثَى على الذَّكَرِ مع اتِّحادِ الجِهَةِ، وأَوْجَبُوا فيما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ عُشْرَ قِيمَتِه تارَةً، ونِصْفَ عُشْرِها أُخْرَى، وهذا لا نَظِيرَ له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ قِيمَةَ أُمِّه مُعْتَبَرةٌ يومَ الجِنَايةِ عليها (٨). وهذا مَنْصوصُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصحابِه: تُقَوَّمُ حين أسْقَطَتْ؛ لأنَّ الاعْتبارَ في ضَمانِ الجِنَايةِ بالاسْتِقْرارِ. ويتَخَرَّجُ لنا وَجْهٌ كذلك. ولَنا، أنَّه لم يتَخَلَّلْ بين الجِنايةِ وحالِ الاسْتِقْرارِ ما يُوجِبُ تَغْيِيرَ بَدَلِ النَّفْسِ، فكان الاعْتبارُ بحالِ الجِنَايةِ، كما لو جَرَحَ عَبْدًا، ثم نَقَصَتِ السُّوقُ؛ لكَثْرةِ الجَلَبِ، ثم مات، فإنَّ الاعْتبارَ بقِيمَتِه يومَ الجِنايَةِ، ولأنَّ قِيمَتَها تتَغَيَّرُ بالجِنايةِ وتَنْقُصُ، فلم تُقَوّمْ في حالِ نَقْصِها الحاصلِ بالجِنايةِ، كما لو قَطعَ يَدَها فماتتْ من سِرَايَتِها، أو قطَعَ يَدَهَا فمَرِضَتْ بذلك، ثم انْدَمَلَتْ جِرَاحَتُها. فصل: ووَلَدُ المُدَبَّرةِ والمُكاتَبَةِ والمُعْتَقةِ بصِفَةٍ، وأُمِّ الوَلَدِ إذا حَمَلَتْ من غيرِ مَوْلاها، حُكْمُه حكمُ ولَدِ الأمَةِ؛ لأنَّه مملوكٌ، ولا تَحْمِلُ العاقلةُ شيئًا من ذلك؛ لأنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ عَبْدًا بحالٍ. فأمَّا جَنِينُ المُعْتَقِ بعضُها، فهو كهىَ، فيه من الحُرِّيَّةِ مثلُ ما فيها، فإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فنِصْفُه حُرٌّ، فيه نِصْفُ غُرَّةٍ لوَرَثَتِه، وفى النِّصفِ الباقى نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لسَيِّدِه. فصل: وإن وَطِىءَ أمَةً بشُبْهةٍ، أو غُرَّ بأمَةٍ فتَزَوَّجَها وأحْبَلَها، فضَرَبها ضارِبٌ، فألْقَتْ جَنِينًا، فهو حُرٌّ، وفيه غُرّةٌ مَوْرُوثةٌ عنه لوَرَثَتِه، وعلى الواطئِ عُشْرُ (٩) قِيمَتِها

стр. 6208

لسيِّدِها؛ لأنَّه لولا اعْتِقادُ الحُرِّيَّةِ، لكان هذا الجَنِينُ مَمْلوكًا لسَيِّدِه، على ضارِبِه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، فلما انْعَتَقَ بسَبَبِ الوَطْءِ، فقد حال بين سَيِّدِها وبينَ هذا القَدْرِ، فألْزَمْناه ذلك للسَّيِّدِ، سواءٌ كان بقَدْرِ الغُرَّةِ أو أكثرَ منها، أو أقَلَّ. فصل: إذا سَقَطَ جَنِينُ ذِمِّيَّةٍ، قد وَطِئَها مسلمٌ وذِمِّىٌّ في طُهْرٍ واحدٍ، وجَبَ فيه اليَقِينُ، وهو ما في جَنِينِ الذِّمِّىِّ، فإنْ أُلْحِقَ بعدَ ذلك بالذِّمِّىِّ، فقد وَفَّى ما عليه، وإن أُلْحِقَ بمسلمٍ، فعليه تَمامُ الغُرَّةِ. وإن ضَرَبَ بَطْنَ نَصْرانيَّةٍ، فأسْقطَتْ، وادَّعَتْ أو ادَّعَى ورَثَتُه أنَّه من مسلمٍ حَمَلَتْ به من وَطْءِ شُبْهَةٍ أو زِنًى، فاعْتَرفَ الجانِى، فعليه غُرَّةٌ كاملةٌ. وإن كان ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فاعْتَرَفَ أيضًا، فالغُرَّةُ عليها، وإن أنْكَرَتْ، حَلَفَتْ، وعليها ما في جَنِينِ الذِّمِّيَّيْنِ، والباقِى على الجانِى؛ لأنَّه ثَبَتَ باعْتِرافِه، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا. وإن اعْتَرفتِ العاقلةُ دون الجانِى، فالغُرَّةُ عليها مع دِيَةِ أُمِّه. وإن أنْكَرَ الجانِى والعاقلةُ، فالقولُ قولُهم، مع أَيْمانِهِم أنَّنا لا نَعْلَمُ أنَّ هذا الجَنِينَ من مسلمٍ، ولا تَلْزَمُهُم اليَمِينُ على البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على النَّفْىِ في فِعْلِ الغَيْرِ، فإذا حَلَفُوا، وجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّىٍّ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ ولَدَها تابِعٌ لها، ولأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ. وإن كان ممَّا لا تَحْمِلُه العاقلةُ، فالقولُ قولُ الجانِى وحدَه مع يَمِينِه. ولو كانت النَّصْرانيةُ امرأةَ مُسْلِمٍ، فادَّعَى الجانِى أنَّ الجَنِينَ من ذِمِّىٍّ بوَطْءِ شُبْهَةٍ أو زِنًى، فالقولُ قولُ ورَثَةِ الْجَنِينِ؛ لأنَّ الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بإسْلامِه، فإنَّ الوَلدَ للفِرَاشِ. فصل: وإذا كانت الأمَةُ بين شرِيكَيْنِ، فحَمَلَتْ بمَمْلُوكٍ، فضَرَبَها أحَدُهُما (١٠)، فأسْقطَتْ، فعليه كَفَّارةٌ؛ لأنَّه أتْلَفَ آدَمِيًّا، ويَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ويَسْقُطُ ضَمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه. وإن أعْتَقَها الضارِبُ بعدَ ضَرْبِها، وكان مُعْسِرًا، ثم أسْقطَتْ، عَتَقَ نَصِيبُه منها ومِن ولَدِها، وعليه لشَرِيكِه نِصْفُ عُشْرِ قيمَةِ الأُمِّ، وعليه نصفُ غُرَّةٍ من أجْلِ النِّصْفِ الذي صار حُرًّا، يُورَثُ

стр. 6209

عنه، بمَنْزِلةِ مالِ الجنينِ، تَرِثُ أُمُّه منه (١١) بقَدْرِ ما فيها من الحُرِّيَّةِ. والباقِى لباقِى ورَثَتِه. هذا قولُ القاضِى، [وقياسُ قولِ ابنِ حامدٍ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وقياسُ] (١٢) قولِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، لا يَجِبُ على الضاربِ ضَمانُ ما أعْتَقَه؛ لأنَّه حينَ الجِنايةِ لم يكُنْ مَضْمُونًا عليه، والاعْتِبارُ في الضَّمانِ بحالِ الجِنايةِ، وهى الضَّرْبُ، ولهذا اعْتَبَرْنا قِيمَةَ الأُمِّ حالَ الضَّرْبِ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. وهذا أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الإِتْلافَ حَصَلَ بفِعْلٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَ حَرْبِيًّا فأسْلَمَ، ثم مات بالسِّرَايةِ، ولأنَّ مَوْتَه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد حَصَلَ بالضَّرْبِ، فلا يتَجَدَّدُ ضَمانُه بعدَ مَوْتِه، والأصْلُ بَراءةُ ذِمَّتِه. وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليها وإلى جَنِينِها، وفى الضَّمانِ الوَجْهان؛ فعلى قولِ القاضِى، في الْجَنِينِ غُرَّةٌ مَوْرُوثةٌ عنه. وعلى قياسِ قولِ أبى بكرٍ، عليه (١٣) ضَمانُ نَصِيبِ شَرِيكِه من الْجَنِينِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ولا يَضْمَنُ أُمَّه؛ لأنَّه قد ضَمِنَها بإعْتاقِها، فلا يَضْمَنُها بتَلَفِها. وإن كان المُعْتِقُ الشَّرِيكَ الذي لم يضْرِبْ، وكان مُعْسِرًا، فلا ضَمانَ على الشَّرِيكِ في نَصِيبِه؛ لأنَّ العِتْقَ لم يَسْرِ إليه، وعليه في نَصِيبِ شَرِيكِه من الْجَنِينِ نِصْفُ غُرَّةٍ، يَرِثُها ورَثَتُه على قولِ القاضِى. وعلى قياسِ قولِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، يكونُ لسَيِّدِه اعْتبارًا بحالِ الجِنايةِ. وكذلك الحكمُ في ضَمانِ الأُمِّ إذا ماتتْ من الضَّرْبةِ. وإن كان (١٤) المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليهما، وصارا حُرَّيْنِ، وعلى المُعْتقِ ضَمانُ نِصْفِ الأُمِّ، ولا يَضْمَنُ نِصْفَ الْجَنِينِ؛ لأنَّه يَدْخُلُ في ضَمانِ الأُمِّ، كما يَدْخُلُ في بَيْعِها، وعلى الضاربِ ضَمانُ الْجَنِينِ بغُرَّةٍ مَوْرُوثةٍ عنه، على قولِ القاضِى. وعلى قياسِ قولِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ الشَّريكِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، وليس عليه ضَمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه حالَ الجِنايةِ عليه. وأمَّا ضَمانُ الأُمِّ، ففى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيها دِيَةُ حُرَّةٍ، لسَيِّدِها منها أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من دِيَتِها أو قِيمَتِها. وعلى الآخَرِ، يَضْمَنُها

стр. 6210

بقِيمَتِها لسيِّدِها، كما تقَدَّمَ في (١٥) مَن قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، ثم أُعْتِقَ وماتَ. فصل: ولو ضَرَبَ بَطْنَ أمَتِه، ثم أعْتَقَها، ثم أَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، لم يَضْمَنْه. في قياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّ جِنايَتَه لم تَكُنْ مَضْمونةً في ابْتدائِها، فلم يَضْمَنْ سِرَايتَها، كما لو خَرَجَ مُرْتَدًّا فأسْلَمَ، ثم مات، ولأنَّ مَوْتَ الْجَنِينِ يَحْتَمِلُ أنَّه حَصَلَ بالضَّرْبةِ في مَمْلُوكِه. ولم يتَجَدَّدْ بعدَ العِتْقِ ما يُوجِبُ الضَّمانَ. وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، عليه غُرَّةٌ، لا يَرِثُ منها شيئًا؛ لأنَّ اعْتِبارَ الجِنَايةِ بحالِ اسْتِقْرارِها. ولو كانت الأمَةُ لشَرِيكَيْنِ، فضَرَباها، ثم أعْتَقاها معًا، فوَضَعَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فعلى قولِ أبى بكرٍ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لشَرِيكِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جَنَى على الْجَنِينِ، ونِصْفُه له، فسَقَطَ عنه ضَمانُه، ولَزِمَه (١٦) ضَمانُ نِصْفِه الذي لشَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قِيمةِ أُمِّه، اعْتبارًا بحالِ الجِنايةِ. وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الغُرَّةِ، للأُمِّ منها الثُّلثُ، وباقِيها للوَرَثةِ، ولا يَرِثُ القاتلُ منها شيئًا. فصل: إذا ضَرَبَ ابنُ المُعْتَقَةِ الذي أَبُوه عَبْدٌ بَطْنَ امرأةٍ، ثم أُعْتِقَ أَبُوه، ثم أَسْقَطَتْ جَنِينًا وماتَتْ، احْتَمَلَ أن تكونَ دِيَتُهُما في مالِ الجانِى، على ما تقَدَّمَ ذِكْرُه. واحْتَمَل أن تكونَ الدِّيَةُ على مَوالِى (١٧) الأُمِّ وعَصَباتِه، في قياسِ قولِ أبى بكرٍ، اعْتبارًا بحالِ الجِنايةِ. وعلى قياسِ قولِ ابنِ حامدٍ، على مَوَالى (١٧) الأبِ وأقارِبه، اعْتبارًا بحالِ الإِسْقاطِ. وإن ضَرَبَ ذِمِّىٌّ بَطْنَ امْرَأتِه الذِّمِّيَّةِ، ثم أسلمَ، ثم أسْقَطَتْ، لم تَحْمِلْه عاقلتُه. وإن ماتتْ معه فكذلك؛ لأنَّ عاقِلَتَه المسلمينَ لا يَعْقِلُونَ عنه؛ لأنَّه كان حين الجِنايةِ ذمِّيًّا، وأهْلُ الذمةِ لا يَعْقِلُون عنه؛ لأنَّه حينَ الإِسْقاطِ مُسْلِمٌ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عَقْلُه، في قياسِ قولِ أبى بكرٍ، على عاقِلَتِه من أهلِ الذِّمَّةِ، اعْتبارًا بحالِ الجنايةِ، ويكونَ في الْجَنِينِ ما

стр. 6211

تَجِبُ فيه غُرَّةً كاملةً، ويكون عَقْلُه وعَقْلُ أُمِّه على عاقِلَتِه المسلمين، اعْتبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ. ١٤٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا، فأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِن الضَّرْبَةِ، فَفِيه دِيَةُ حُرٍّ إنْ كَانَ حُرًّا، أو قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مَمْلوكًا، إذَا كَانَ سُقُوطُه لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَهُوَ أن يَكُونَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَصَاعِدًا) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ في الْجَنينِ، يَسْقُطُ حَيًّا من الضَّرْبِ، دِيَةً كاملةً، منهم؛ زيدُ بن ثابتٍ، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ وذلك لأنَّه مات من جِنايَتِه بعدَ ولَادَتِه، في وقتٍ يعيشُ لِمِثْلِه، فأشْبَهَ قَتْلَه بعدَ وَضْعِه. وفى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصُولٍ: أحدها: أنَّه إنَّما يُضْمَنُ بالدِّيَةِ إذا وضَعَتْه حَيًّا، ومتى عُلِمَتْ حَياتُه، ثَبَتَ له هذا الحكمُ، سواءٌ ثَبَتَتْ باسْتِهْلالِه، أو ارْتِضاعِه، أو بِنَفَسِهِ، أو عُطَاسِه، أو غيرِه من الأَماراتِ التي تُعْلَمُ بها حَياتُه. هذا ظاهِرُ قولِ الْخِرَقِىِّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَثْبُتُ له حكمُ الحياةِ إلَّا بالاسْتِهْلالِ. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وإسحاقَ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، وابنِ عباسٍ، والحسنِ بن عليٍّ، وجابرٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ، وَرِثَ ووُرِثَ" (١). مَفْهُومُه أنَّه لا يَرِثُ إذا لم يَسْتَهِلَّ. والاسْتِهْلالُ: الصِّيَاحُ. قاله ابنُ عباسٍ، والقاسمُ، والنَّخَعِىُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها" (٢). فلا يجوزُ غيرُ ما قالَه رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 6212

والأصْلُ في تَسْمِيَةِ الصِّياحِ اسْتِهْلالًا، أنَّ مِن عادَةِ الناسِ أنَّهم إذا رَأَوُا الهلالَ صاحُوا، وأَرَاهُ (٣) بعضُهم بعضًا، فسُمِّىَ صِياحُ المَوْلودِ اسْتِهْلالًا؛ لأنَّه في ظُهُورِه بعدَ خَفائِه كالهِلالِ، وصِياحُه كصِيَاحِ من يَتَراءَاهُ. ولَنا، أنَّه عُلِمَتْ حَياتُه، فأشْبَهَ المُسْتَهِلَّ، والخبرُ يَدُلُّ بمَعْناه وتَنْبِيهِه على ثُبُوتِ الحكمِ في سائِرِ الصُّوَرِ؛ لأنَّ شُرْبَه اللَّبَنَ أدَّلُ على حَياتِه من صِياحِه، وعُطاسُه صَوْتٌ منه فهو (٤) كصِيَاحِه، وأمَّا الحَرَكةُ والاخْتِلاجُ المُنْفَرِدُ، فلا يَثْبُتُ به حُكْمُ الحياةِ؛ لأنَّه قد يتَحَرّكُ بالاخْتِلاجِ وسَبَبٍ آخرَ، وهو خُرُوجُه من مَضِيقٍ، فإنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّما (٥) إذا عُصِرَ ثم تُرِكَ، فلم تَثْبُتْ بذلك حَياتُه. الفصل الثاني: أنَّه إنَّما يَجِبُ ضَمانُه إذا عُلِمَ مَوْتُه بسببِ الضَّرْبةِ، ويَحْصُلُ ذلك بسُقُوطِه في الحالِ ومَوْتِه، [أو بقائِه] (٦) مُتَأَلِّمًا (٧) إلى أن يَمُوتَ، أو بقاءِ أُمِّه مُتألِّمةً إلى أن تُسْقِطَه، فيُعْلَمَ بذلك مَوْتُه بالجِنايةِ، كما لو ضَرَبَ رَجُلًا فمات عَقِيبَ ضَرْبِه، أو بَقِىَ ضَمِنًا (٨) حتى مات. وإن ألْقَتْه حَيًّا، فجاء آخَرُ فقَتَلَه، وكان فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فعلى الثاني القِصاصُ إذا كان عَمْدًا، أو الدِّيَةُ (٩) كاملةً، وإن لم يَكُنْ فيه حياةٌ مُسْتَقِرةٌ، بل كانت حَرَكَتُه كحَرَكةِ المَذْبُوحِ، فالقاتلُ هو الأوَّلُ، وعليه الدِّيَةُ كاملةً، وعلى الثاني الأدَبُ. وإن وقَعَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثم بَقِىَ زَمَنًا سالِمًا لا أَلَم به، لم يَضْمَنْه الضارِبُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لم يَمُتْ من جِنايَتِه. الفصل الثالث: أنَّ الدِّيَةَ الكاملةَ إنَّما تَجِبُ فيه إذا كان سُقُوطُه لسِتَّةِ أشْهُرٍ

стр. 6213

فصاعدًا، فإن كان لدُونِ ذلك، ففيه غُرَّةٌ، كما لو سَقَطَ مَيِّتًا (١٠). وبهذا قال الْمُزَنىُّ. وقال الشافعيُّ: فيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّنا عَلِمْنا حياتَه، وقد تَلِفَ من جِنايَتِه. ولَنا، أنَّه لم تُعْلَمْ فيه حَياةٌ يُتَصَوَّرُ (١١) بَقاؤُه بها، فلم تَجِبْ فيه دِيَةٌ، كما لو ألْقَتْه مَيِّتًا، وكالمَذْبُوحِ. وقولُهم: إنَّنا عَلِمْنا حياتَه. قُلْنا: وإذا سَقَطَ مَيِّتًا وله سِتَّةُ أشْهُرٍ، فقد عَلِمْنا حياتَه أيضًا. فصل: وإذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ أنَّه ضَرَبَها، فأسْقَطَتْ جَنِينَها، فأنْكَرَ الضَّرْبَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الضَّرْبِ. وإن أقَرَّ بالضَّرْبِ، أو قامَتْ به بَيِّنةٌ، وأنْكَرَ أن تكونَ أسْقَطَتْ، فالقولُ قولُه أيضًا مع يَمِينِه أنَّه (١٢) لا يَعْلَمُ أنَّها أسْقَطَتْ، ولا تَلْزَمُه اليمينُ على الْبَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ (١٣) فِعْلِ الغَيْرِ، والأصْلُ عَدَمُه. وإن ثَبَتَ الإِسْقاطُ والضَّرْبُ بَبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، فادَّعَى أنَّها أسْقَطَتْه من غيرِ ضَرْبةٍ، نَظَرْنا؛ فإنْ كانت أسْقَطَتْ عَقِيبَ ضَرْبِه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه منه، لوُجُودِه عَقِيبَ شيءٍ يَصْلُحُ أن يكونَ سَبَبًا له. وإن ادَّعَى أنَّها ضَرَبَتْ نَفْسَها، أو شَرِبَتْ دواءً، أو فَعَلَ ذلك غيرُها، فحَصَلَ الإِسقاطُ به، فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإن أسْقَطَتْ بعدَ الضَّرْبِ بأيَّامٍ، نَظَرْنا؛ فإن كانتْ مُتَأَلِّمةً إلى حينِ الإِسْقاطِ، فالقولُ قولُها، وإن لم تَكُنْ مُتألِّمةً، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، كما لو ضَرَبَ إنْسانًا فلم يَبْقَ مُتأَلِّمًا ولا ضَمِنًا، ومات بعدَ أيَّامٍ. وإن اخْتلَفا في وُجُودِ التَّأَلُّمِ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. وإن كانت مُتألِّمةً في بعضِ المُدَّةِ، فادَّعَى أنَّها بَرَأتْ، وزال ألَمُها، وأنْكَرَتْ ذلك، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُه. وإن ثَبَتَ إسْقاطُها من الضَّرْبةِ، فادَّعَتْ سُقُوطَه حَيًّا، وأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أن

стр. 6214

تَقُومَ لها بَيِّنَةٌ باسْتِهْلالِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ ذلك. وإن ثَبَتَتْ حياتُه، فادَّعَتْ أنَّه لوَقْتٍ يعيشُ مِثْلُه، وأنْكَرَها، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ ذلك لا يُعْرَفُ إلَّا من جِهَتِها، ولا يُمْكِنُ إقامةُ الْبَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قَوْلُها فيه، كانْقِضاءِ عِدَّتِها، ووُجُودِ حَيْضِها وطُهْرِها. وإن أقامَتْ بَيِّنَةً باسْتِهلالِه، وأقامَ الجانِى بَيِّنَةً بعَدَمِ اسْتِهلالِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ، فتُقَدَّمُ على النَّافِيَةِ؛ لأنَّ المُثْبِتةَ معها زِيادَةُ علمٍ. وإن ادَّعَتْ أنَّه مات عَقِيبَ (١٤) إسْقاطِه، وادَّعَى أنَّه عاش مُدّةً، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ حياتِه. وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الجانِى؛ لأنَّ معها زِيادةَ عِلْمٍ. وإن ثَبَتَ أنَّه عاشَ مُدَّةً، فادَّعَتْ أنَّه بَقِىَ مُتَألِّمًا حتى مات، وأنْكَرَ ذلك، فالقولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ التَّألُّمِ. وإن أقاما بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُها؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلْمٍ. ويُقْبَلُ في اسْتهلالِ الْجَنِينِ، وسُقُوطِه، وبَقائِهِ مُتألِّمًا، وبَقاءِ أُمِّه مُتَألِّمةً، قولُ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه ممَّا لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ، فإنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَشْهَدُ الولادةَ إلَّا النِّساءُ، والاسْتِهلالُ يَتَّصِلُ بها، وهُنَّ يَشْهَدْنَ حالَ المرأةِ وولادَتَها، وحالَ الطِّفْلِ، ويَعْرِفْنَ عِلَلَه وأمْراضَه، وقُوَّتَه وضَعْفَه، دُونَ الرِّجالِ. وإن اعْتَرفَ الجانِى باسْتِهلالِه، أو ما يُوجِبُ فيه دِيَةً كاملةً، لم تَحْمِلْه (١٥) العاقلةُ، وكانت الدِّيَةُ في مالِ الْجانِى؛ لأنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ اعْترافًا. وإن كان ممَّا تَحْمِلُ العاقلةُ (١٦) فيه الغُرَّةَ، فعلى العاقلةِ غُرَّةٌ، وباقِى الدِّيَةِ في مالِ القاتلِ. فصل: وإن انْفَصَلَ منها جَنِينَانِ، ذَكَرٌ وأُنْثَى، فاسْتَهَلَّ أحَدُهُما، واتَّفَقُوا على ذلك، واخْتَلَفُوا في المُسْتَهِلِّ، فقال الجانِى: هو الأُنْثَى. وقال وارِثُ الْجَنِينِ: هو الذَّكَرُ، فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاسْتِهلالِ من الذَّكَرِ، وبَرَاءَةُ ذِمَّتِه من الزَّائِد على دِيَةِ الأُنْثَى، فإن كان لأحَدِهِما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها، وإن كان (١٧) لكلِّ

стр. 6215

واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، وجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لأنَّ الْبَيِّنَةَ قد قامتْ باسْتِهْلالِه، والبَيِّنَةُ المُعارِضةُ لها نافيةٌ له، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْىِ. فإن قيلَ: فيَنْبَغِى أن تَجِبَ دِيَةُ الذَّكَرِ والأُنْثَى. قُلْنا: لا تَجِبُ دِيَةُ الأُنْثَى؛ لأنَّ المُسْتَحِقَّ لها لم يَدَّعِها، وهو مُكَذِّبٌ للبَيِّنَةِ الشَّاهدةِ بها. وإن ادَّعَى الاسْتِهْلالَ منهما، ثَبَتَ ذلك بالبَيِّنَتَيْنِ. وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فاعْتَرفَ الجانِى باسْتِهْلالِ الذَّكَرِ، فأنْكَرَتِ العاقلةُ، فالقولُ قولُهم مع أَيْمانِهِم، فإذا حَلَفُوا، كانت عليهم دِيَةُ الأُنْثَى وغُرَّةٌ، إن كانت تَحْمِلُ الغُرَّةَ، وعلى الضَّارِبِ تَمامُ دِيَةِ الذكرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باعْتِرافِه. وإن اتّفَقُوا على أنَّ أحَدَهُما اسْتَهَلَّ، ولم يُعْرَفْ بعَيْنِه، لَزِمَ العاقلةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها مُتَيَقَّنَةٌ، وتَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ مَشْكُوكٌ فيه، والأصْلُ بَراءةُ الذِّمَّةِ منه، فلم يَجِبْ بالشَّكِّ، ويَجِبُ الغُرَّةُ في الذي لم يَسْتَهِلَّ. فصل: إذا ضَرَبَها، فألْقَتْ يَدًا، ثم ألْقَتْ جَنِينًا، فإن كان إلْقاؤُهما مُتَقارِبًا، أو بَقِيَتِ المرأةُ مُتألِّمةً إلى أن ألْقَتْه، دَخَلَتِ اليَدُ في ضَمانِ الْجَنِينِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الضَّرْبَ قَطَعَ يَدَه، وسَرَى إلى نَفْسِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه، ثم إن كان الجَنِينُ سَقَطَ مَيِّتًا، أو حيًّا لوَقْتٍ (١٨) لا يَعِيشُ لمِثْلِه، ففيه غُرَّةٌ، وإن ألْقَتْه حَيًّا لوَقتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ، وإن بَقِىَ حَيًّا فلم يَمُتْ، فعلى الضارِبِ ضَمانُ اليَدِ بدِيَتِها، بمنزلةِ من قَطَعَ يَدَ رجلٍ فانْدَمَلَتْ. وقال القاضِى، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُسْأَلُ القَوابلُ، فإن قُلْنَ: إنها يَدُ مَنْ لم تُخْلَقْ فيه الحياةُ. ففيها نِصْفُ الغُرَّةِ، وإن قُلْنَ: يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فيه (١٩) الحياةُ. ففيها نِصْفُ الدِّيَةِ. ولَنا، أنَّ الْجَنِينَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بَقاءُ الحياةِ فيه إذا كان حَيًّا قبلَ وِلادَتِه بمُدَّةٍ طويلةٍ، أقلُّها شَهْرَانِ، على ما دَلَّ عليه حديثُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، في أنَّه تُنْفَخُ فيه الرُّوحُ بعدَ أرْبَعةِ أشْهُرٍ (٢٠)، وأقَلُّ ما يَبْقَى بعدَ ذلك شَهْرَان؛ لأنَّه لا يَحْيَى إذا وضَعَتْه لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ، والكلامُ مَفْرُوضٌ فيما

стр. 6216

إذا لم يتَخَلَّلْ بينَ الضَّرْبةِ والإِسْقاطِ مُدّةٌ تُزِيلُ ظَنَّ سُقُوطِه بها، فيُعْلَمُ حينئذٍ أنَّها كانتْ بعدَ وُجُودِ الحياةِ فيه، وأمَّا إن ألْقَتِ الْيدَ، وزال الألَمُ، ثم ألْقَتِ الجَنِينَ، ضَمِنَ الْيَدَ وحدَها، بمنزلةِ مَنْ قَطَعَ يَدًا فانْدَمَلَتْ، ثم مات صاحِبُها، ثم نَنْظُرُ؛ فإن ألْقَتْه مَيِّتًا، أو حَيًّا (٢١) لوقتٍ لا يعيشُ لمِثْلِه (٢٢)، ففى الْيَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لأنَّ في جَمِيعه غُرّةً، ففى يَدِه نِصْفُ دِيَتِه، وإن ألْقَتْه حيًّا لوقتٍ يعيشُ لمِثْلِه (٢٢)، ثم ماتَ، أو عاشَ، وكان بين إلْقاءِ اليَدِ وبين إلْقائِه مُدّةٌ يَحْتَمِلُ أن تكونَ الحياةُ لم تُخْلَقْ [فيه قبلَها] (٢٣)، أُرِىَ القَوَابِلَ ههُنا، فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَنْ لم تُخْلَقْ فيه (٢٤) الحياةُ. وجَبَ نصفُ غُرَّةٍ، وإن قُلْنَ (٢٥): إنَّها يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فيه الحياةُ، ومَضَى له سِتَّةُ أشْهُرٍ. ففيه نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن قُلْنَ (٢٦): إنَّها يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فيه (٢١) الحياةُ، ولم تَمْضِ له سِتَّةُ أشْهُرٍ. وجَبَ فيه نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لأنَّها يَدُ مَنْ لا يَجِبُ فيه أكثرُ من غُرَّةٍ، فأشْبَهتْ يَدَ مَنْ لم يُنْفَخْ فيه رُوحٌ، وإن أشْكَلَ الأمْرُ عليهِنَّ، وجَبَ نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ. ١٤٧٨ - مسألة؛ قال: (وعَلَى كُلِّ مَنْ ضَرَبَ مِمَّنْ ذَكَرْتُ، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ حَيًّا أوْ مَيِّتًا) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ

стр. 6217

يُوجِبُ (١) على ضارِبِ بَطْنِ المرأةِ تُلْقِى جَنِينًا الرَّقَبةَ مع الغُرَّةِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُوجِبِ الكَفَّارةَ حين أوْجَبَ الغُرَّةَ (٢). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). وهذا الْجَنِينُ، إن كان من مُؤْمِنَيْنِ، أو أحَدُ أبَوَيْه مُؤْمنًا (٤)، فهو مَحْكُومٌ بإيمانِه تَبَعًا، يَرِثُه ورَثَتُه المؤمنونَ، ولا يَرِثُ الكافِرُ منه شيئًا، وإن كان من أهلِ الذِّمَّةِ، فهو من قومٍ بيننا وبينَهم مِيثاقٌ، ولأنَّه نَفْسٌ مَضْمُونٌ بالدِّيَةِ، فوَجَبَتْ (٥) فيه الرَّقبةُ كالكبيرِ، وتَرْكُ ذِكْرِ الكَفَّارةِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَها، كقولِه ﵇: "في النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٦). وذَكَرَ الدِّيَةَ في مَواضِعَ، ولم يَذْكُرِ الكَفَّارةَ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بدِيَةِ المَقْتُولةِ على عاقلةِ القاتلةِ (٧)، ولم يَذْكُرْ كَفّارَةً، وهى واجِبَةٌ، كذا ههُنا، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الآيةَ أغْنَتْ عن ذِكْرِ الكَفَّارةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فاكْتُفِىَ بها. وإن أَلْقَتِ المَضْرُوبَةُ أَجِنَّةً (٨)، ففى كلِّ جَنِينٍ كَفَّارةٌ، كما أنَّ في كلِّ جَنِينٍ غُرَّةً أو دِيَةً. وإن اشْتَركَ جماعةٌ في ضَرْبِ امْرأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا، فَدِيَتُه أو الغُرَّةُ عليهم بالحِصَصِ، وعلى كلِّ واحدٍ منهم كَفَّارةٌ، كما إذا قَتَلَ جماعةٌ رَجُلًا واحِدًا. وإن ألْقَتْ أجِنَّةً، فدِيَاتُهم عليهم بالحِصَصِ، وعلى كلِّ واحدٍ في كلِّ جَنِينٍ كَفَّارةٌ، فلو ضَرَبَ ثَلَاثةٌ بَطْنَ امرأةٍ، فألْقَتْ ثلاثةَ أجِنَّةٍ، فعليهم تِسْعُ كَفَّاراتٍ، على كلِّ واحدٍ ثلاثةٌ.

стр. 6218

١٤٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَرِبَتِ الْحَامِلُ دَوَاءً، فَألْقَتْ بِهِ (١) جَنِينًا، فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لَا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا، وتَعْتِقُ رَقَبَةً) ليس في هذه الجملة اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ نَعْلَمُه، إلَّا ما كان من قولِ مَنْ لم يُوجِبْ عِتْقَ الرَّقَبةِ، على ما قَدَّمْنا، وذلك لأنَّها أسْقَطَتِ الْجَنِينَ بفِعْلِها وجنايَتِها، فلَزِمَها ضَمانُه بالغُرَّةِ، كما لو جَنَى عليه غيرُها، ولا تَرِثُ من الغُرَّةِ شيئًا؛ لأَنَّ القاتلَ لا يَرِثُ المَقْتُولَ، وتكونُ الغُرَّةُ لسائرِ ورَثَتِه، وعليها عِتْقُ رَقَبةٍ؛ لما (٢) قَدَّمْنا. ولو كان الجانِى المُسْقِطُ للجَنينِ أبَاه، أو غيرَه من ورَثَتِه، فعليه غُرَّةٌ، لا يَرِثُ منها شيئًا، ويَعْتِقُ رقَبةً. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ، وغيرِهِما. فصل: وإن جَنَى على بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها، ففيه ما نَقَصَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن أبي بكرٍ، أنَّ فيه عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّه (٣) جِنايةٌ على حَيَوانٍ ملكَ (٤) بَيْعَه أَسْقَطَتْ جَنِينَه، أشْبَهَ جَنِينَ الأمَةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجنايةَ على الأمَةِ تُقَدَّرُ من قِيمَتِها، ففى يَدِها نِصْفُ قِيمَتِها، وفي مُوضِحَتِها نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِها، فقُدِّرَ (٥) جَنِينُها من قِيمَتِها، كبعضِ أعْضائِها، والبَهِيمةُ إنَّما يَجِبُ في الجنايةِ عليها قَدْرُ نَقْصِها، فكذلك في جَنِينِها، ولأنَّ الأمَةَ آدَمِيَّةٌ، أُلْحِقَتْ بالأَحْرارِ في تَقْدِيرِ أعْضائِها من دِيَتِها، والبَهِيمةُ بخِلافِ ذلك. ١٤٨٠ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالمَنْجَنِيقِ، فَرَجَعَ الْحَجَرُ، فقَتَلَ

стр. 6219

رَجُلًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي مَالِهِ) أمَّا عِتْقُ رَقَبةٍ على كلِّ واحدٍ منهم، فلا نعلمُ فيه خلافًا بين أهلِ العلمِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُشارِكٌ في إتلافِ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، والكَفَّارةُ لا تتَبَعَّضُ، فكَمَلتْ في حَقِّ كلِّ واحدٍ منهم، ثم لا يَخْلُو من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يَقْتُلَ واحدًا منهم. والثانى، أن يَقْتُلَ واحدًا من غيرِهم. [فإنْ كان الْمَقتولُ مِن غيرِهم] (١)، فعلى كلِّ واحدٍ عِتْقُ رقَبةٍ، كما ذكرْنا، والدِّيَةُ على عَواقِلِهِم أثْلاثًا؛ لأنَّ العاقلةَ تَحْمِلُ الثُّلثَ فما زاد، وسواءٌ (٢) قَصَدُوا رَمْىَ واحدٍ بعَيْنِه، أو رَمْىَ جَماعةٍ، أو لم يَقْصِدُوا ذلك، إلَّا أنَّهم إن لم يَقْصِدُوا قَتْلَ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، فهو خَطَأٌ دِيَتُه دِيَةُ الخطإِ، وإن قَصَدُوا رَمْىَ جماعةٍ أو واحدٍ بعَيْنِه، فهو شِبْهُ عَمْدٍ؛ لأنَّ قَصْدَ الواحِدِ بعَيْنِه بالمَنْجَنِيقِ لا يكادُ يُفْضِى إلى إتْلافِه، فتكونُ دِيَتُه مُغَلَّظةً على العاقِلَةِ، إلَّا أنَّها في ثلاثِ سِنِينَ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا تَحْمِلُ العاقلةُ دِيةَ شِبْهِ العَمْدِ، فلا تَحْمِلُه ههُنا. الثاني، أن يُصِيبَ رَجُلًا منهم، فعلى كلِّ واحدٍ كفَّارةٌ أيضًا، ولا تَسْقُطُ عَمَّنْ أصَابَه الحَجَرُ؛ لأنَّه شارَكَ في قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، والكَفَّارةُ إنَّما تَجِبُ لِحَقِّ اللَّه تعالى، فوَجَبَتْ عليه بالمُشارَكةِ في نَفْسِه، كوُجُوبِها بالمُشاركةِ في قَتْلِ غيرِه. وأمَّا الدِّيَةُ، ففيها (٣) ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحدها، أنَّ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهم ثُلثَ دِيَتِهِ لوَرَثةِ المَقْتُولِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُشارِكٌ في قَتْلِ نفسٍ مُؤْمنَةٍ خَطَأً، فلَزِمَتْه دِيَتُها، كالأجانبِ. وهذا يَنْبَنِى على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، في أنَّ جِنايةَ المَرْءِ على نفسِه أو أهْلِه خَطَأٌ يتَحَمَّلُ (٤) عَقْلَها عاقِلَتُه. الوَجْهُ الثاني، أنَّ (٥) ما قابَلَ فِعْلَ المقْتولِ ساقِطٌ، لا

стр. 6220

يَضْمَنُه أحدٌ؛ لأنَّه شارَكَ في إتْلافِ حَقِّه، فلم يَضْمَنْ ما قابَلَ فِعْلَه، كما لو شارَكَ في قَتْلِ بَهِيمَتِه أو عَبْدِه. وهذا الذي ذكَرَه القاضي في "المُجَرّدِ"، ولم يَذْكُرْ غيرَه. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. الثالث، أنْ يُلْغَى فِعْلُ المَقْتُولِ في نَفْسِه، وتَجِبَ دِيَتُه بكَمالِها على عاقلةِ الآخَرَيْن نِصْفَيْنِ. قال أبو الخَطَّابِ: هذا قِياسُ المَذْهَبِ، بِناءً على مسألةِ المُتَصَادِمَيْنِ. والذي ذكَرَه القاضي أحْسَنُ، وأصَحُّ في النَّظَرِ، وقد رُوِىَ نحوُه عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، في مسألة القارِصَةِ والقامِصَةِ والواقِصَةِ، قال الشَّعْبِىُّ: وذلك أنَّ ثلاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فأَرِنَّ (٦)، فرَكِبَتْ إحْداهُنَّ على عُنْقِ أُخْرَى، وقَرَصَتِ الثالثةُ المَرْكُوبةَ، فقَمَصَتْ، فسَقَطَتِ الرَّاكِبَةُ، فوُقِصَتْ عُنُقُها، فماتَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقَضَى بالدِّيَةِ أثْلاثًا على عَواقِلِهنَّ، وألْغَى الثُّلثَ الذي قابَلَ فِعْلَ الواقِصَةِ؛ لأنَّها أعانَتْ على قَتْلِ نَفْسِها (٧). وهذه شَبِيهةٌ بمَسْأَلَتِنا، ولأنَّ المَقْتُولَ مُشارِكٌ في القَتْلِ، فلم تكْمُلِ الدِّيَةُ على شَرِيكَيْه، كما لو قَتَلُوا واحدًا من غيرِهم. وإن رَجَعَ الحَجَرُ، فقَتَلَ اثنَيْنِ من الرُّماةِ، فعلَى الوَجْهِ الأوَّلِ، تَجِبُ دِيَتُهما على عواقِلِهما أثْلاثًا، وعلى كل واحدٍ كَفَّارَتانِ. وعلى الوَجْهِ الثاني، تَجِبُ على عاقلةِ الحَىِّ منهم، لكلِّ مَيِّتٍ ثُلثُ دِيَتِهِ، وعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ من المَيِّتَيْنِ ثُلثُ دِيَةِ صاحِبِه، ويُلْغَى فِعْلُه في نَفْسِه. وعلى الوَجْهِ الثالثِ، على عاقلةِ الحَىِّ لكلِّ واحدٍ من المَيِّتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، ويَجِبُ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ من المَيِّتَيْنِ نصفُ الدِّيةِ لِصَاحِبِه. ١٤٨١ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانُوا أكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ في أمْوَالِهِمْ) هذا هو الصَّحِيحُ في المذهبِ، سواءٌ كان المَقْتُولُ منهم أو مِن غيرِهم، إلَّا أنَّه (١) إذا كان منهم، يكونُ فِعْلُ المَقْتولِ في نفسِه هَدْرًا؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه لنفسِه شيءٌ، ويكونُ

стр. 6221

باقِى الدِّيَةِ في أمْوالِ شُرَكائِه حالًّا؛ لأنَّ التَّأْجيلَ في الدِّيَاتِ إنَّما يكونُ فيما تَحْمِلُه العاقلةُ، وهذا لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دُونَ الثُّلثِ، والقدرُ اللَّازمُ لكل واحدٍ دُونَ الثُّلثِ. وذكَرَ أبو بكرٍ فيها روايةً أُخْرَى، أنَّ العاقِلَة تَحْمِلُها؛ لأنَّ الجِنايةَ فِعْلٌ واحدٌ، أَوْجَبَ دِيةً تَزِيدُ على الثُّلثِ. والصحيحُ (٢) الأوَّلُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَخْتَصُّ بمُوجَبِ فِعْلِه دُونَ فِعْلِ شُرَكائِه، وحَمْلُ العاقلةِ إنَّما شُرِعَ للتَّخْفِيفِ عن الجانِى فيما يَشُقُّ ويَثْقُلُ، وما دُونَ الثُّلثِ يَسِيرٌ، على ما أسْلَفْناه، والذي يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ أقَلُّ من الثُّلثِ. وأمَّا قولُه: إنَّه فِعْلٌ واحدٌ. قُلْنا: بل هي أفْعالٌ؛ فإنَّ (٣) فِعْلَ كلِّ واحدٍ غيرُ فِعْلِ الآخَرِ، وإنَّما مُوجِبُ الجميعِ واحدٌ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه كلُّ واحدٍ جُرْحًا فَاتَتِ النَّفْسُ بجَمِيعِها. إذا ثَبَتَ هذا، فالضمانُ يتَعَلَّقُ بمَنْ مَدَّ الحِبالَ، ورَمَى الحَجَرَ، دُونَ مَنْ وَضَعَه في الكَفَّةِ، وأمْسَكَ الخَشَبَ (٤)، اعْتبارًا بالمُبَاشِرِ. كمَن وضَعَ سَهْمًا في قَوْسِ رَجُلٍ، ورَمَاهُ صاحِبُ القَوْسِ، فالضَّمانُ على الرَّامِى دُونَ الواضِعِ. فصل: إذا سَقَطَ رَجُلٌ في بِئْرٍ، فسَقَطَ عليه آخَرُ فقَتَلَه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَتَلَه فضَمِنَه، كما لو رَمَىَ عليه حَجَرًا، ثم يُنْظَر؛ فإن كان عَمَدَ رَمْىَ نَفْسِه عليه، وهو ممَّا يَقْتُلُ غالبًا، فعليه القِصاصُ، وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإن وَقَعَ خطأً، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه مُخَفَّفةً. وإن مات الثاني بوُقُوعِه على الأوَّلِ، فدَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه مات بفِعْلِه. وقد رَوَى علىُّ بن رَباحٍ اللَّخْمِىُّ، أنَّ رَجُلًا كان يَقُودُ أَعْمَى، فوَقَعَا (٥) في بِئْرٍ؛ خَرَّ البَصِيرُ، ووَقَعَ الأَعْمَى فوقَ (٦) البَصِيرِ، فقَتَلَه، فقَضَى عمرُ بعَقْلِ البَصِيرِ

стр. 6222

على الأَعْمَى، فكان الأَعْمَى يُنْشِدُ في المَوَاسِمِ (٧): يَا أَيُّها الناسُ لَقِيت مُنْكَرَا هل يَعْقِلُ الأَعْمَى الصَّحِيحَ المُبْصِرَا خَرَّا معًا كِلَاهما تَكَسَّرَا (٨) وهذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وشُرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ. ولو قال قائلٌ: ليس على الأَعْمَى ضَمانُ البَصِيرِ؛ لأنَّه الذي قادَه إلى المكانِ الذي وَقَعَا فيه، وكان سَبَبَ وُقُوعِه عليه، ولذلك لو فَعَلَه قَصْدًا لم يَضْمَنْه، بغير خِلافٍ، وكان عليه ضَمانُ الأعْمَى، ولو لم يكُنْ سَبَبًا لم يَلْزَمْه ضَمانٌ بقَصْدِه. لَكان له وَجْهٌ، إلَّا أنْ يكونَ مُجْمَعًا عليه، فلا تجوزُ مُخالَفةُ الإِجْماعِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما لم يَجِبِ الضَّمانُ على القائِدِ لوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه مَأْذُونٌ فيه من جِهَةِ الأَعْمَى، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو حَفَرَ له بِئْرًا في دارِه بإذْنِه، فتَلِفَ بها. الثاني، أنَّه فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، مَأْمُورٌ به، فأشْبَهَ ما لو حَفَرَ بِئْرًا في سابِلَةٍ يَنْتَفِعُ بها المسلمونَ، فإنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بها. فصل: فإن سَقَطَ رَجُلٌ في بئرٍ، فتَعَلَّقَ بآخَرَ، فوَقَعا معًا، فدَمُ الأوَّلِ هَدْرٌ؛ لأنَّه مات من فِعْلِه، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثاني إن مات؛ لأنَّه قَتَلَه بجَذْبَتِه. فإن تعَلَّقَ الثاني بثالثٍ، فماتوا جميعًا، فلا شىءَ على الثالثِ، وعلى عاقلةِ الثاني دِيَتُه (٩)، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه جَذَبَه وباشَرَه بالجَذْبِ، والمباشرةُ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ، كالحافرِ مع الدَّافعِ، والثانى دِيَتُه على عاقلةِ الأوَّلِ والثانى نِصْفَيْنِ؛ لأنَّ الأوَّلَ جَذَبَ الثاني الجاذِبَ للثالثِ، فصار مُشارِكًا للثانى في إتْلافِه. ودِيةُ الثاني على عاقلةِ الأوَّلِ، في أحدِ الوَجْهينِ؛

стр. 6223

لأنَّه هَلَكَ بجَذْبَتِه، وإن هَلَكَ بسُقُوطِ الثالثِ عليه، فقد هَلَكَ بجَذْبةِ الأوَّلِ وجَذْبةِ نَفْسِه للثالثِ، فسَقَطَ فعلُ نَفْسِه، كالمُصْطَدِمَيْنِ، وتَجِبُ دِيَته بكَمالِها على الأوَّلِ. ذكَرَه القاضي. والوجهُ الثاني، يَجِبُ على الأوَّلِ نِصْفُ دِيَتِهِ، ويُهْدَرُ نِصْفُها في مُقابلةِ فِعْلِ نَفْسِه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ويتخَرّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو وُجُوبُ نِصْفِ دِيَتِه على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه، كما قُلْنا فيما إذا رَمَى ثلاثةٌ بالمَنْجَنِيقِ، فقَتَلَ الحَجَرُ أحَدَهم. وأمَّا الأوَّلُ إذا مات بوُقُوعِهِما عليه، ففيه الأوْجُهُ الثلاثةُ؛ لأنَّه مات من جَذْبَتِه وجَذْبةِ الثاني للثالثِ، فتَجِبُ دِيَتُه كلُّها على عاقلةِ الثاني، ويُلْغَى (١٠) فِعْلُ نَفْسِه، على الوَجْهِ الأوَّلِ. وعلى الثاني، يُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِه المُقابلُ لفِعْلِ نَفْسِه، ويَجِبُ نِصْفُها على الثاني، وعلى الثالثِ، يَجِبُ نِصْفُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه. وإن جَذَبَ الثالثُ رابعًا، فمات جميعُهم بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، فلا شىءَ على الرَّابعِ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ شيئًا في نفسِه ولا غيرِه، وفى دِيَتِه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّها على عاقلةِ الثالثِ المُباشِرِ لجَذْبِه. والثانى، على عاقلةِ الأوَّلِ والثانِى والثالثِ؛ لأنَّه مات من جَذْبِ الثلاثةِ، فكانت دِيَتُه على عَواقِلِهم. وأمَّا الأوَّلُ فقد مات بجَذْبَتِه وجَذْبةِ الثاني وجذبةِ الثالثِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدها، أنَّه يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه، وتَجِبُ دِيَتُه على عاقلةِ الثاني والثالثِ نِصْفَيْنِ. الثاني، يَجِبُ (١١) على عاقِلَتِهما ثُلُثاها، ويَسْقُطُ ما قابَلَ فِعْلِ نَفْسِه، الثالث، يجبُ ثُلثُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه. وأمَّا الجاذِبُ الثاني، فقد مات بالأفْعالِ الثلاثةِ، وفيه هذه الأَوْجُهُ المَذْكُورةُ في الأوَّلِ سواءً. وأمَّا الثالثُ، ففيه مثلُ هذه الأوْجُهِ الثَّلاثةِ، ووَجْهانِ آخَرَانِ؛ أحدهما، أنَّ دِيَتَه بكَمالِها على الثاني؛ لأنَّه المُباشِرُ لجَذْبِه، فسَقَطَ فِعْلُ غيرِه بفِعْلِه. والثانى، أنَّ على عاقِلَتِه نِصْفَها، ويَسْقُطُ النِّصْفُ الثاني في مُقَابلَةِ فِعْلِه في نَفْسِه. فصل: وإن وقَعَ بعضُهم على بعضٍ، فماتُوا، نَظَرْتَ؛ فإن كان مَوْتُهُم بغيرِ وُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، مثل أن يكونَ البئرُ عَمِيقًا يموتُ الواقعُ فيه بنَفْسِ الوُقوعِ، أو كان فيه

стр. 6224

ماءٌ يُغْرِقُ الواقِعَ فيَقْتُلُه، أو أسَدٌ يأْكُلُهم، فليس على بعضِهم ضَمانُ بعضٍ؛ لعَدَمِ تأثيرِ فِعْلِ بعضِهم في هلاكِ بعضٍ، وإِن شَكَكْنا في ذلك، لم يَضْمَنْ بعضُهم بعضًا؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ فلا نَشْغَلُها بالشَّكِّ. وإن كان مَوْتُهُم بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ, فدَمُ الرَّابعِ هَدْرٌ؛ لأنَّ غيرَه لم يَفْعَلْ فيه شيئًا، وإنما هَلَكَ بفِعْلِه، وعليه دِيَةُ الثالثِ؛ لأنَّه قَتَلَه بوُقُوعِه عليه، ودِيَةُ الثاني عليه وعلى الثالثِ نِصْفَيْنِ، ودِيَةُ الأوَّلِ على الثَّلاثةِ أثْلاثًا. فصل: وإن هَلَكُوا بأمْرٍ في البئرِ، مثل أسَدٍ كان فيه، وكان الأوَّلُ جَذَبَ الثاني، والثانى جَذَبَ الثالثَ، والثالثُ جَذَبَ الرابعَ، فقَتَلَهُم الأسَدُ، فلا شىءَ على الرَّابعِ، ودِيَتُه على عاقلةِ الثَّالثِ، في أحدِ الوَجْهينِ، وفى الثاني، على عواقِلِ الثَّلاثةِ أثْلاثًا، ودَمُ الأوَّلِ هَدْرٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثاني. وأمَّا دِيَةُ الثالثِ، فعلى الثاني، في أحدِ الوَجْهينِ، وفى الآخَرِ، على الأوَّلِ والثانى نِصْفَيْنِ. وهذه المسألةُ تُسَمَّى مَسْأَلةَ الزُّبْيَةِ، وقد رَوَى حَنَشٌ الصَّنْعانىُّ، أنَّ قَوْمًا من أهْلِ اليمنِ، حَفَرُوا زُبْيَةً للأَسَدِ، فاجْتَمَعَ الناسُ على رأسِها، فهَوَى فيها واحدٌ، فجَذَبَ ثانِيًا، فجَذَبَ الثاني ثالثًا (١٢)، ثم جذَبَ الثالثُ رابعًا، فقَتَلَهُم الأسَدُ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقال: للأوَّلِ رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه هَلَكَ فَوْقَه ثلاثةٌ، وللثانى ثُلثُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه هَلَكَ فَوْقَه اثْنانِ، وللثالثِ نصفُ الدِّيَةِ، لأنَّه هَلَكَ فوقَه واحدٌ، وللرابع كمالُ الدِّيَةِ. وقال: فإنِّى أجْعَلُ الدِّيَةَ على مَنْ حَضَرَ (١٣) رَأْسَ البئرِ. فرُفِعَ ذلك إلى النِّبِىِّ ﷺ ، فقال: "هُوَ كَمَا قَالَ". روَاه سعيدُ بن منصورٍ (١٤). قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، وأبو الأَحْوَصٍ، عن سِمَاكِ بن

стр. 6225

حَرْبٍ، عن حَنَشٍ، بنَحْوِ هذا المعنى. قال أبو الخَطَّابِ: فذَهَبَ أحمدُ إلى ذلك تَوْقِيفًا على خِلافِ القِياسِ، والقِياسُ ما ذكَرْناه. فصل: ويجبُ الضَّمانُ بالسَّبَبِ، كما يجبُ بالمُباشرةِ، فإذا حَفَرَ بئرًا في طريقٍ لغيرِ مصلحةِ المسلمينَ، أو في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو وَضَعَ في ذلك حَجَرًا أو حديدةً، أو صَبَّ فيه ماءً، أو وضَعَ فيه (١٥) قِشْرَ (١٦) بِطِّيخٍ أو نحوَه، [فهَلَكَ به] (١٧) إنسانٌ أو دابةٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه فضَمِنَه، كما لو جَنَى عليه. رُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَرَ بئرًا، فوَقَعَ فيها رَجُلٌ فماتَ. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وبه قال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وإن وضَعَ رجلٌ حَجَرًا، وحَفَرَ آخرُ بئرًا، أو نَصَبَ سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فوَقَعَ في البئرِ، أو على السِّكِّينِ، فهَلَكَ، فالضَّمانُ على واضعِ الحَجَرِ دُونَ الحافرِ وناصِبِ السِّكّين؛ لأنَّ واضِعَ (١٥) الحَجَرِ كالدّافِعِ له، وإذا اجْتَمعَ الحافرُ والدافعُ فالضمانُ على الدَّافعِ وحْده. وبهذا قال الشافعيُّ. ولو وضَعَ رَجُلٌ (١٥) حَجَرًا، ثم حَفرَ عنْده آخَرُ بئرًا، أو نَصَبَ سكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فسَقَطَ عليهما، فهَلَكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الحكمُ كذلك؛ لما ذكَرْنا. واحْتَمَل أن يَضْمَنَ الحافر وناصبُ السِّكِّينِ؛ لأنَّ فِعْلَهُما مُتَأَخِّرٌ عن فِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو كان زِقٌّ فيه مائعٌ وهو واقِفٌ، فحَلّ وِكاءَه إنسانٌ، وأمالَه آخَرُ، فسالَ ما فيه، كان الضَّمانُ على الآخِرِ منهما. وإن وضَعَ إنسانٌ حَجَرًا أو حديدةً في مِلْكِه، أو حَفَرَ فيه بئرًا، فدَخَلَ إنسانٌ بغيرِ إِذْنِه، فهَلَكَ به، فلا ضَمانَ على المالكِ؛ لأنَّه لم يتَعَدَّ، وإنَّما الدَّاخلُ هَلَكَ بعُدْوانِ نَفْسِه، وإن وضَعَ حَجَرًا في مِلْكِه، ونَصَبَ أجْنَبِىٌّ فيه سِكِّينًا، أو حَفَرَ بئرًا بغيرِ إذْنِه، فعَثَرَ رجلٌ بالحَجَرِ، فوقَعَ على السِّكِّينِ أو في البئرِ، فالضَّمانُ على الحافرِ وناصِبِ السِّكِّينِ، لتَعَدِّيهِما، إذ (١٨) لم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بواضِعِ الحجرِ؛ لِانْتِفاءِ

стр. 6226

عُدْوانِه. وإن اشتركَ جماعةٌ في عُدْوانٍ (١٩) تَلِفَ به شيءٌ، فالضَّمانُ عليهم. وإن وضَعَ اثنانِ حَجَرًا، وواحدٌ حجَرًا، فعَثَرَ بهما إنسانٌ، فهَلَكَ، فالدِّيَةُ على عَواقِلِهم أثْلاثًا، في قياسِ المذهبِ. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأنَّ السَّببَ حَصَلَ من الثَّلاثةِ أثْلاثًا، فوَجَبَ الضَّمانُ عليهم وإن اخْتَلَفَتْ أفْعالُهم، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحَيْنِ، وجَرَحَه اثنان جُرْحَيْنِ، فمات بها (٢٠). وقال زُفَرُ: على الاثْنَيْنِ النِّصْفُ، وعلى واضعِ الحَجَرِ وحدَه النِّصْفُ؛ لأنَّ فِعْلَه مُساوٍ لفِعْلِهما. وإن حَفَرَ إنسانٌ بئرًا، ونَصَبَ آخَرُ فيها سِكِّينًا، فوقَعَ إنسانٌ في البئرِ على السِّكِّينِ، فمات، فقال ابنُ حامدٍ: الضَّمانُ على الحافرِ، لأنَّه بمَنْزِلةِ الدَّافعِ. وهذا قياسُ المسائلِ التي قبلها. وَنَصَّ أحمدُ، ﵀، على أنَّ الضَّمانَ عليهما. قال أبو بكرٍ: لأنَّهما في مَعْنَى المُمْسِكِ والقاتلِ، الحافرُ كالمُمْسِكِ، وناصبُ السِّكِّينِ كالقاتلِ، فيُخَرَّجُ مِن هذا أنْ يَجِبَ الضَّمانُ على جميعِ المُتَسَبِّبينَ في المسائلِ السَّابقةِ. فصل: وإن حَفَرَ بئرًا في مِلْكِ نفسِه، أو في ملكِ غيرِه بإذْنِه (٢١)، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بحَفْرِها (٢٢). وإن حَفَرها في مَواتٍ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بحَفْرِها. وكذلك إن وضَعَ حَجَرًا، أو نَصَبَ شَرَكًا، أو شَبَكةً، أو مِنْجَلًا، ليَصِيدَ بها. وإن فَعَلَ شيئًا من ذلك في طريقٍ ضَيِّقٍ، فعليه ضَمانُ ما (٢٣) هَلَكَ به؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ. وسواءٌ أَذِنَ له الإِمامُ فيه، أو لم يَأْذَنْ، فإنَّه ليس للإِمامِ الإِذْنُ فيما يَضُرُّ بالمسلمينَ، ولو فَعَلَ ذلك الإِمامُ لَضَمِنَ ما تَلِفَ به؛ لتَعَدِّيه. وإن كان الطريقُ واسِعًا، فحَفَرَ في مكانٍ

стр. 6227

منها (٢٤) يَضُرُّ بالمسلمينَ، فعليه الضَّمانُ؛ لذلك (٢٥). وإن حَفَرَ في مَوْضعٍ لا ضَرَرَ فيه، نَظَرْنا؛ فإن حَفَرَها لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سواءٌ حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ أو غيرِ إذْنِه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ للإِمامِ أن يَأْذَنَ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَليلِ أنَّه يجوزُ أن يَأْذَنَ في القُعُودِ فيه، ويُقْطِعَه لمن يَبِيعُ فيه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرٍ حَفَرَه في حَقٍّ مُشْتَركٍ، بغيرِ إذْنِ أهْلِه، لغيرِ مَصْلَحَتِهِم، فضَمِنَ، كما لو لم يَأْذَنْ له الإِمامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمامِ أن يَأْذَنَ في هذا، وإنَّما يَأْذَنُ في القُعُودِ؛ لأنَّ ذلك لا يَدُومُ، وتُمْكِنُ إزالَتُه في الحالِ، فأشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأنَّ القُعُودَ جائزٌ من غيرِ إذْنِ الإِمامِ، بخلافِ الحَفْرِ. [وإنْ حَفَرَ] (٢٦) البئرَ لِنَفْعِ المسلمينَ، مثل أن يَحْفِرَه ليَنْزِلَ فيه ماءُ المَطَرِ من الطريقِ، أو لتَشْرَبَ منه المارَّةُ، ونحوها (٢٧)، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه مُحْسِنٌ بفِعْلِه، غيرُ مُتَعَدٍّ بحَفْرِه، فأشْبَهَ باسِطَ الحَصِيرِ في المَسْجِدِ. وذكَرَ بعضُ أصحابِنا أنَّه لا يَضْمَنُ إذا كان بإذْنِ الإِمامِ، وإن كان بغيرِ إذْنِه، ففيه رِوَايتَان؛ إحداهما، لا يَضْمَنُ، فإنَّ أحمدَ قال، في روايةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ: إذا أحْدَثَ بئرًا لماءِ المَطرَ، ففيه نَفْعٌ للمسلمينَ، أرْجُو أن لا يَضْمَنَ. والثانية، يَضْمَنُ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّه افْتَأتَ على الإِمامِ. ولم يَذْكُرِ القاضي سِوَى هذه الرِّوايةِ، والصحيحُ هو الأوَّلُ؛ لأنَّ هذا ممَّا تَدْعُو الحاجةُ إليه، ويَشُقُّ اسْتِئْذانُ الإِمامِ فيه، وتَعُمُّ البَلْوَى به، ففى وُجُوبِ اسْتِئْذانِ الإِمامِ فيه تَفْوِيتٌ لهذه المصلحةِ العامَّةِ، لأنَّه لا يكادُ يُوجَدُ مَنْ يتَحَمّلُ كُلْفةَ اسْتِئْذانِه وكُلْفةَ الحَفْرِ معًا، فتَضِيعُ هذه المصلحةُ، فوَجَبَ إسْقاطُ اسْتِئْذانِه، كما في سائرِ المصالحِ العامَّةِ، من بَسْطِ حَصِيرٍ في مَسْجِدٍ، أو تَعْلِيقِ قنْدِيلٍ فيه، أو وَضْعِ سِرَاجٍ، أو رَمِّ (٢٨) شَعَثٍ فيه (٢٩). وحُكْمُ البِنَاءِ في الطريقِ، حكمُ الحَفْرِ

стр. 6228

فيها، على ما ذكَرْنا من التَّفْصيلِ والخلافِ، وهو أنَّه متى بَنَى بناءً يَضُرُّ؛ إمَّا لكَوْنِه في طريقٍ ضَيِّقٍ، أو في واسعٍ يَضُرُّ بالمارَّةِ، أو بَنَى لنَفْسِه، فقد تَعَدَّى، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به، وإن بَنَى في طريقٍ واسعٍ، في مَوضعٍ لا يَضُرُّ البناءُ فيه، لِنَفْعِ المسلمينَ، كبِناءِ مَسْجِدٍ يُحْتاجُ إليه للصَّلاةِ فيه، في زاويةٍ ونحوها، فلا ضَمانَ عليه، وسواء في ذلك كلِّه أَذِنَ فيه الإِمامُ أو لم يَأْذَنْ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبرَ إذْنُ الإِمام في البِنَاءِ لِنَفْعِ المسلمينَ دُونَ الحَفْرِ؛ لأنَّ الحَفْرَ تَدْعُو الحاجةُ إليه لنَفْعِ الطريقِ، وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، بخِلافِ البِنَاءِ، فجَرَى حَفْرُها مَجْرَى تَنْقِيَتِها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ (٣٠) منها، وقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَا في حُفْرةٍ منها [لَيْملأَها ويُسَهِّلَها] (٣١) بإزالةِ الطِّينِ ونحوِه منها، وتَسْقِيفِ ساقيةٍ فيها، وَوَضْعِ حَجَرٍ في طِينٍ فيها ليَطَأَ الناسُ عليه أو يَعْبُرُوا عليه، فهذا كلُّه مُباحٌ، لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ به. لا أعلمُ فيه خِلافًا. وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ في بناءِ القَناطِرِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبرَ استِئْذانُ الإِمامِ؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا يَعُمُّ وُجُودُها، بخلافِ غيرِه. وإن سَقَّفَ مَسْجدًا، أو فَرَشَ بارِيَّةً (٣٢) فيه، أو نَصَبَ عليه بابًا، أو جَعَلَ فيه رَفًّا لِيَنْفَعَ (٣٣) أهْلَه، أو عَلَّقَ فيه قِنْدِيلًا، أو بَنَى فيه حائِطًا، فتَلِفَ به شيءٌ، فلا ضَمانَ عليه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن فَعَلَ شيئًا من ذلك بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ضَمِنَ، في أحدِ الوَجْهينِ. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ إذا لم يَأْذَنْ فيه الجِيرانُ. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ أحْسَنَ به، ولم يتَعَدَّ فيه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو أَذِنَ فيه الإِمامُ والجِيرانُ، ولأنَّ هذا مَأْذُونٌ فيه من جِهَةِ العُرْفِ، لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بالتبرُّعِ به من غيرِ اسْتِئْذانٍ، فلم يَجِبْ ضَمانٌ، كالمأذُونِ فيه نُطْقًا.

стр. 6229

فصل: وإن حَفَرَ العَبْدُ بِئرًا في مِلْكِ إنسانٍ، بغيرِ إذْنِه، أو في طريقٍ يتَضَرّرُ به، ثم أعْتَقَه سَيِّدُه، ثم تَلِفَ بها شيءٌ، ضَمِنَه العَبْدُ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: الضَّمانُ على سَيِّدِه؛ لأنَّ الجِنايةَ هي الحَفْرُ في حالِ رِقِّه، وكان ضَمانُ جِنايَتِه حينئذٍ على سَيِّدِه، فلا يَزُولُ ذلك بعِتْقِه، كما لو جَرَحَ في حالِ رِقِّه، ثم سَرَى جُرْحُه بعدَ عِتْقِه. ولَنا، أنَّ التَّلَفَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ بعدَ إعْتاقِه، فكان الضَّمان عليه، كما لو اشْتَرَى سَيْفًا في حالِ رِقِّه، ثم قَتَلَ به بعدَ عِتْقِه، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِتْلافَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ حالَ رِقِّه، وههُنا حَصَلَ بعدَ عِتْقِه. وكذلك القولُ في نَصْبِ حَجَرٍ أو غيرِه من الأسْبابِ التي يَجِبُ بها الضمانُ. فصل: وإن (٣٤) حَفَرَ إنسانٌ بئرًا في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينه وبينَ غيرِه، بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به (٣٥) جَمِيعَه. وهذا قياسُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ ما قابَلَ نَصِيبَ شَرِيكِه, فلو كان له شَرِيكانِ، لَضَمِنَ ثُلُثَىِ التَّالِفِ؛ لأنَّه تَعَدَّى في نَصِيبِ شَرِيكَيْه (٣٦). وقال أبو يوسفَ: عليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بجِهَتَيْنِ، فكان الضَّمانُ نِصْفَيْنِ، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحًا، وجَرَحَه آخَرُ جُرْحَيْنِ. ولَنا، أنَّه مُتَعَدٍّ بالحَفْرِ، فضَمِنَ الواقِعَ فيها، كما لو كان في مِلْكِ غيرِه، والشَّرِكَةُ أوْجَبَتْ تَعَدِّيه بجميعِ الحَفْرِ، فكان مُوجِبًا لجميعِ الضَّمانِ. ويَبْطُلُ ما ذكَرَه أبو يوسفَ، بما لو حَفَره في طرِيقٍ مُشْتَرَكٍ، فإنَّ له فيها حَقًّا، ومع ذلك يَضْمَنُ الجميعَ. والحكمُ فيما إذا (٣٧) أَذِنَ له بعضُ الشُّركاءِ في الحَفْرِ دُونَ بعضٍ، كالحُكْمِ فيما إذا حَفَرَ في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه؛ لكَوْنِه لا يُباحُ الحَفْرُ ولا التصرُّفُ حتى يَأْذَنَ الجميعُ. فصل: وإذا حَفَرَ بئرًا في مِلْكِ إنسانٍ، أو وَضَعَ فيه ما يتَعَلَّقُ به الضَّمانُ، فأبْرَأَه

стр. 6230

المالكُ من ضَمانِ ما يَتْلَفُ به، ففيه وَجْهان؛ أحدهما: يَبْرَأُ؛ لأنَّ المالِكَ لو أَذِنَ فيه ابْتِداءً لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، فإذا أبْرَأَه من الضَّمانِ، وأَذِنَ فيه، زال عنه الضَّمانُ، كما لو اقْتَرنَ الإِذْنُ بالحَفْرِ. والآخَرُ، لا يَنْتَفِى عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه سَبَبٌ مُوجِبٌ للضَّمانِ، فلا يَزُولُ حُكْمُه بالإِبْراءِ، كسائرِ الأسْبابِ، ولأنَّ حُصُولَ الضمانِ به لكَوْنِه تَعَدَّى بحَفْرِه (٣٨)، والإِبْراءُ لا يُزِيلُ ذلك، لأنَّ ما مَضَى لا يُمْكِنُ تغيِيرُه عن الصِّفَةِ التي وقَعَ عليها، ولأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ ليس يَحِقُّ للمالِكِ الإِبراءُ منه، كما لو أبْرَأه غيرُ المالِكِ، ولأنَّه إبراءٌ ممَّا لم يَجِبْ، فلم يَصِحّ، كالإِبْراءِ من الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ. فصل: وإن (٣٩) اسْتَأْجَرَ أجِيرًا، فحَفَرَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، وعَلِمَ الأَجِيرُ ذلك، فالضَّمانُ عليه وحدَه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بالحَفْرِ، وليس له فِعْلُ ذلك بِأُجْرَةٍ ولا غيرِها، فتعَلَّقَ الضَّمانُ به، كما لو أمَرَه غيرُه بالقَتْلِ فقَتَلَ. وإن لم يَعْلَم، فالضَّمانُ على المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه غَرَّه، فتعَلَّقَ الضَّمانُ به، كالإِثْمِ، وكذلك الحكمُ في البِناءِ ونحوه، ولو اسْتَأْجَرَ أجِيرًا ليَحْفِرَ له في مِلْكِه بئرًا، أو لِيَبْنِىَ (٤٠) له فيها بِناءً، فتَلِفَ الأجِيرُ بذلك، لم يَضْمَنْه المُسْتأْجِرُ، وبهذا قال عَطاءٌ، والزُّهْرىُّ، وقَتادةُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُشْبِهُ مَذْهَبَ الشافعىِّ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْبِئْرُ جُبَارٌ" (٤١). ولأنَّه لم يُتْلِفْه، وإنَّما فَعَلَ الأجِيرُ باخْتيارِ نَفْسِه فِعْلًا أفْضَى إلى تَلَفِه، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَه تَبَرُّعًا مِن عندِ نفسِه، إلَّا أن يكونَ الأجيرُ عَبْدًا استأجَرَه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه أو صَبِيًّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، فيَضْمَنَه (٤٢)؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ باسْتِعمالِه، مُتَسَبِّبٌ إلى إتْلافِ حَقِّ غيرِه. فصل: فإن حَفَرَ إنسانٌ في مِلْكِه بئرًا، فوَقَعَ فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فهَلَكَ به، وكان

стр. 6231

الدَّاخلُ دخَلَ بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمانَ على الحافرِ؛ لأنَّه لا عُدْوانَ منه. وإن دخَلَ بإذْنِه، والبئرُ بَيِّنَةٌ مَكْشُوفةٌ، والداخلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُها، فلا ضَمانَ أيضًا؛ لأنَّ الواقِعَ هو الذي أهْلَكَ نفسَه، فأشْبَهَ ما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا (٤٣)، فقَتَلَ [نَفْسَه بها] (٤٤) وإن كان الدَّاخلُ أعْمَى، أو كانت في ظُلْمةٍ لا يُبْصِرُها الدَّاخلُ، أو غَطَّى رَأْسَها (٤٥)، فلم يَعْلَم الدَّاخلُ بها حتى وقَعَ فيها، فعليه ضَمانُه. وبهذا قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ. وهو أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وقالوا (٤٦) في الآخَرِ: لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه هَلَكَ بفِعْلِ نَفْسِه (٤٧). ولَنا، أنَّه تَلِفَ بسَبَبِه، فضَمِنَه، كما لو قَدَّمَ له طَعامًا مَسْمُومًا فأكَلَه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه. وإن اخْتَلَفا، فقال صاحبُ الدارِ: ما أَذِنْتُ لك في الدخولِ. وادَّعَى وَلِىُّ الهالِكِ أنَّه أَذِنَ له، فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن قال: كانت مَكْشوفةً. وقال الآخَرُ: كانت مُغَطَّاةً. فالقولُ قولُ ولِىِّ الواقعِ؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، فإنَّ الظاهرَ أنَّها لو كانت مكْشُوفةً لم يَسْقُطْ فيها. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا تَشْتَغِلُ بالشَّكِّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغْطِيَتِها. فصل: وإذا بَنَى في مِلْكِه حائِطًا مائِلًا إلى الطريقِ، أو إلى مِلْكِ غيرِه، فتَلِفَ به شيءٌ، أو سَقَطَ (٤٨) على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بذلك، فإنَّه ليس له الانْتفاعُ بالبِنَاءِ في هَواءِ مِلْكِ غيرِه، أو هواءٍ مُشْتَرَكٍ، ولأنَّه يُعَرِّضُه للوُقُوعِ على غيرِه في غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو نَصَبَ فيه مِنْجَلًا يَصِيدُ به. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولا أعلمُ فيه خِلافًا. وإن بَنَاهُ في مِلْكِه مُسْتَوِيًا، أو مائِلًا إلى مِلْكِه، فسَقَطَ من غيرِ اسْتِهْدامٍ ولا مَيْلٍ، فلا ضَمانَ على صاحِبِه فيما تَلِفَ به؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ ببِنائِه، ولا حَصَلَ منه تَفْرِيطٌ

стр. 6232

بإبْقائِه. وإن مالَ قبلَ وُقُوعِه إلى مِلْكِه، ولم يَتَجاوَزْه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ بِنائِه مائِلًا في مِلْكِه. وإن مال قبلَ وُقوعِه إلى هواءِ الطريقِ، أو إلى مِلْكِ إنسانٍ، أو مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، نَظَرْنا؛ فإن لم يُمْكِنْه نَقْضُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يتَعدَّ ببنائِه، ولا فَرَّطَ في تَرْكِ نَقْضِه لعَجْزِه عنه، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَ من غيرِ مَيْلٍ. وإنْ أمْكَنَه نَقْضُه فلم يَنْقُضْه، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يُطالَبَ بنَقْضِه. والثانى، أن لا يُطالَبَ به، فإن لم يُطالَبْ به، لم يَضْمَنْ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ، ونحوُه قَوْلُ (٤٩) الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه بَنَاهُ في مِلْكِه، والميلُ حادِثٌ بغيرِ فِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو وقَعَ قبلَ مَيْلِه. وذكَرَ بعضُ أصحابِنا فيه وجْهًا آخَرَ، أنَّ عليه الضَّمانَ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيْلَى، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه مائِلًا، فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو بَناه مائلًا إلى ذلك ابتداءً، ولأنَّه لو طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ ما تَلِفَ به (٥٠)، ولو لم يكُنْ ذلك (٥١) مُوجِبًا للضَّمانِ، لم يَضْمَنْ بالمُطالَبةِ، كما لو لم يكُنْ مائِلًا، أو كان مائلًا إلى مِلْكِه. وأمَّا إن طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الجوابِ فيها. وقال أصحابُنا: يَضْمَنُ. وقد أوْمأَ إليه أحمدُ. وهو مذهبُ مالكٍ، ونحوَه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: الاسْتِحْسانُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ حَقَّ الجوازِ للمسلمينَ، وميلُ الحائِطِ يَمْنَعُهم ذلك، [فكان لهم] (٥٢) المُطالبةُ بإزالَتِه، فإذا لم يُزِلْه ضَمِنَ، كما لو وضَعَ عِدْلًا على حائطِ نَفْسِه، فوَقَعَ في مِلْكِ غيرِه، فطُولِبَ بِرَفْعِه فلم يَفْعَلْ حتى عَثَرَ به إنسانٌ. وفيه وجْهٌ آخرُ، لا ضَمانَ عليه. قال أبو حنيفةَ: وهو القياسُ؛ لأنَّه بَنَاه في مِلْكِه، ولم يَسْقُطْ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو لم يُطالِبْه بنَقْضِه، أو سَقَطَ قبلَ مَيْلِه، أو لم يُمْكِنْه نَقْضُه، ولأنَّه لو وجَبَ الضَّمانُ به (٥٠)، لم تُشْتَرَطِ المُطالبةُ به (٥٠)، كما لو بنَاه مائلًا إلى غيرِ مِلْكِه. فإن قُلْنا:

стр. 6233

عليه الضمانُ إذا طُولِبَ؛ فإنَّ المُطالبةَ من كلِّ مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ تُوجِبُ الضَّمانَ إذا كان مَيْلُه إلى الطريقِ، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم حَقَّ المرُورِ، فكانتْ له المُطالبةُ، كما لو مال الحائطُ إلى مِلْكِ جماعةٍ، فإنَّ (٥٣) لكلِّ واحدٍ منهم المطالبةَ، وإذا طالَبَ واحدٌ، فاسْتَأْجَلَه صاحبُ الحائِطِ، أو أجَّلَه له الإِمامُ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ الحَقَّ لجميعِ (٥٤) المسلمينَ، فلا يَمْلِكُ واحدٌ منهم إسْقاطَه. وإن كانت المُطالبةُ لمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ، أو مُرْتَهِنِها، أو مُسْتَعِيرِها، أو مُسْتَوْدَعِها، فلا ضَمانَ عليهم؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ النَّقْضَ، وليس الحائطُ مِلْكًا لهم. وإن طُولِبَ المالكُ في هذه الحال، فلم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُ الدَّارِ، ونَقْضُ الحائِطِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لعدمِ تَفْرِيطِه، وإن أمْكَنَه اسْتِرْجاعُها، كالمُعِيرِ (٥٥)، والمُودِعِ، والرَّاهِنِ إذا أمْكَنَه فَكاكُ الرَّهْنِ، فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ؛ لأنَّه أمْكَنَه النَّقْضُ. وإن كان المالِكُ مَحْجُورًا عليه، لِسَفَهٍ أو صِغَرٍ أو جُنُونٍ، فطُولِبَ هو، لم يَلْزَمْه الضَّمانُ؛ لأنَّه ليس أهلًا للمُطالَبةِ، وإن طُولِبَ وَلِيُّه أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، فالضمانُ على المالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ الضَّمانِ مالُه، فكان الضَّمانُ عليه دُونَ المُتَصَرِّفِ، كالوَكِيلِ مع المُوَكِّلِ. وإن كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا بينَ جماعةٍ، فطُولِبَ أحَدُهُم بنَقْضِه، احْتَمَلَ وَجْهينِ؛ أحدهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نَقْضُه بدُونِ إذْنِهِم، فهو كالعاجِزِ عن نَقْضِه. والثانى، يَلْزَمُه بحِصَّتِه؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ من النَّقْضِ بمُطالَبةِ شُرَكائِه، وإلْزامِهِم النَّقْضَ، فصار بذلك مُفَرِّطًا. وأما إن كان مَيْلُ الحائطِ إلى مِلْكِ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، إمَّا واحدٍ وإمَّا جماعةٍ، فالحكمُ على ما ذكَرْنا، إلَّا أنَّ المُطالبةَ للمالِكِ، أو ساكنِ المِلْكِ الذي مال إليه دُونَ غيرِه. وإن كان لجماعةٍ، فأيُّهم طالَبَ، وجَبَ النَّقْضُ بمُطالَبَتِه، كما لو طالَبَ واحدٌ بنَقْضِ المائلِ إلى الطريقِ، إلَّا أنَّه متى طالَبَ (٥٦)، ثم أجَّلَه صاحِبُ المِلْكِ، أو أبْرَأه منه، أو فَعَلَ ذلك ساكنُ الدَّارِ التي

стр. 6234

مال إليها، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ له، وهو يَمْلِكُ إسْقاطَه. وإن مالَ إلى دَرْبٍ غيرِ نافذٍ، فالحَقُّ لأهْلِ الدَّرْبِ، والمُطالبةُ لهم؛ لأنَّ المِلْكَ لهم، ويَلْزَمُ النَّقْضُ بمُطالبةِ أحَدِهم، ولا يَبْرَأَ بإبْرائِه وتَأْجِيلِه، إلَّا أن يَرْضَى بذلك جَمِيعُهم؛ لأنَّ الحَقَّ لجمِيعِهم. فصل: وإذا تقَدَّمَ إلى صاحبِ الحائطِ بنَقْضِه، فبَاعَه مائلًا، فلا ضَمانَ على بائِعِه؛ لأنَّه ليس بمِلْكٍ له، ولا على المُشْتَرِى؛ لأنَّه لم يُطالَبْ بنَقْضِه. وكذلك إن وهَبَه وأقْبَضَه. وإن قُلْنا بلُزُومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وإذا وجَبَ الضمانُ، وكان التَّالِفُ به آدَمِيًّا، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، فإن أنْكَرَتْ عاقِلَتُه كَوْنَ الحائطِ لِصَاحِبِهِم، لم يَلْزَمْهم العَقْلُ، إلَّا أن يَثْبُتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ (٥٧) الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ عليهم، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ. وإن اعْتَرَفَ صاحبُ الحائطِ، لَزِمَه الضَّمانُ دُونَهم؛ لأنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا. وكذلك إن أنْكَرُوا مُطالَبَتَه بنَقْضِه، فالحكمُ على ما ذكَرْنا. وإن كان الحائطُ في يَدِ صاحِبِهم، وهو ساكِنٌ في الدَّارِ، لم يَثْبُتْ بذلك الوُجُوبُ عليهم؛ لأنَّ دَلالةَ ذلك على المِلْكِ من جِهَةِ الظَّاهِرِ، والظاهرُ لا تَثْبُتُ به الحُقُوقُ، وإنَّما تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى. فصل: وإن لم يَمِل الحائِطُ، لكنْ تَشَقَّقَ، فإن لم يُخْشَ سُقُوطُه، لكَوْنِ شُقُوقِه بالطُّولِ، لم يَجِبْ نَقْضُه، وكان حُكْمُه في هذا حكمَ الصحيحِ؛ لأنَّه لم يُخَفْ سُقُوطُه، فأشْبَهَ الصحيحَ، وإن خِيفَ وُقُوعُه، مثل أن تكونَ شُقُوقُه بالعَرْضِ، فحكْمُه حكمُ المائِلِ؛ لأنَّه يُخافُ منه التَّلَفُ، فأشْبَهَ المائِلَ. فصل: وإذا أخْرَجَ إلى الطريقِ النافِذِ جَناحًا، أو سَابَاطًا، فسَقَطَ، أو شيءٌ منه على شيءٍ، فأتْلَفه، فعلى المُخْرِجِ ضَمانُه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن وقَعَتْ خَشَبةٌ ليست مُرَكّبةً على حائِطِه، وجَبَ ضَمانُ ما أتْلَفَتْ، وإن كانت مُرَكّبةً على حائِطِه، وجَبَ نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيره، فانْقَسَمَ الضَّمانُ

стр. 6235

عليهما. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بما أخْرَجَه إلى هواءِ (٥٨) الطَّريقِ، فضَمِنَه، كما لو بَنَى حائِطَه مائلًا إلى الطريقِ فأتْلفَ، أو أقَامَ خَشَبةً في مِلْكِه مائلةً إلى الطريقِ، أو كما لو سَقَطَتِ الخَشَبةُ التي ليستْ مَوْضُوعةً على الحائطِ، ولأنَّه إخْراجٌ يَضْمَن به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكُلَّ، كالذى ذكَرْنا، ولأنَّه تَلِفَ بعُدْوانهِ، فضَمِنَه، كما لو وضَعَ البناءَ على أرْضِ الطريقِ، والدليلُ على عُدْوانِه، وُجُوبُ ضَمانِ البعضِ، ولو كان مُباحًا لم يَضْمَنْ به، كسائرِ المُباحاتِ، ولأنَّ هذه خَشَبةٌ، لو انقَصَفَ الخارِجُ منها، وسَقَطَ فأتْلَفَ، ضَمِنَ ما أتْلَفَ (٥٩)، فيَجِبُ أن يَضْمَنَ ما أتْلَفَ جميعُها، كسائرِ المواضِعِ التي يَجِبُ الضمانُ فيها، ولأنَّنا لم نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضمانُ كلُّه بِبَعْضِ الخَشَبةِ، ويَجِبُ نِصْفُه بجَمِيعِها. وإن كان إخراجُ الجَناحِ إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه، ضَمِنَ ما أتْلَفَه، وإن فَعَلَ ذلك بإذْنِهِم، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه مُباحٌ له غيرُ مُتَعَدٍّ (٦٠) فيه. فصل: وإن أخْرَجَ مِيزَابًا إلى الطريقِ، فسَقَطَ على إنسانٍ أو شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَه. وبهذا قال أبو حنيفة. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بإخْراجِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو أخْرَجه إلى مِلْكِه. وقال الشافعيُّ: إن سَقَطَ كلُّه، فعليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه. وإن انْقَصَفَ المِيزابُ، فسَقَطَ منه ما خَرَجَ عن الحائطِ، ضَمِنَ جميعَ ما تَلِفَ به؛ لأنَّه كلَّه في غيرِ مِلْكِه. ولَنا، ما سَبَقَ في الجناحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ إخْراجَه مُباحٌ، فإنَّه أخْرَجَ إلى هواءِ مِلْكِ غيرِه شيئًا يَضُرُّ به، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه، فأمَّا إن أخْرَجَ إلى مِلْكِ آدَمىٍّ مُعَيَّنٍ شيئًا من جَناحٍ، أو سَاباطٍ، أو مِيزَابٍ، أو غيرِه، فهو مُتَعَدٍّ، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به. لا أعْلَمُ فيه خِلافًا. فصل: وإذا بالَتْ دابَّتُه في طريقٍ، فزَلَقَ به حَيَوانٌ، فمات به، فقال أصحابُنا:
следующие страницы →