الدَّاخلُ دخَلَ بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمانَ على الحافرِ؛ لأنَّه لا عُدْوانَ منه. وإن دخَلَ بإذْنِه، والبئرُ بَيِّنَةٌ مَكْشُوفةٌ، والداخلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُها، فلا ضَمانَ أيضًا؛ لأنَّ الواقِعَ هو الذي أهْلَكَ نفسَه، فأشْبَهَ ما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا (٤٣)، فقَتَلَ [نَفْسَه بها] (٤٤) وإن كان الدَّاخلُ أعْمَى، أو كانت في ظُلْمةٍ لا يُبْصِرُها الدَّاخلُ، أو غَطَّى رَأْسَها (٤٥)، فلم يَعْلَم الدَّاخلُ بها حتى وقَعَ فيها، فعليه ضَمانُه. وبهذا قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ. وهو أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وقالوا (٤٦) في الآخَرِ: لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه هَلَكَ بفِعْلِ نَفْسِه (٤٧). ولَنا، أنَّه تَلِفَ بسَبَبِه، فضَمِنَه، كما لو قَدَّمَ له طَعامًا مَسْمُومًا فأكَلَه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه. وإن اخْتَلَفا، فقال صاحبُ الدارِ: ما أَذِنْتُ لك في الدخولِ. وادَّعَى وَلِىُّ الهالِكِ أنَّه أَذِنَ له، فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن قال: كانت مَكْشوفةً. وقال الآخَرُ: كانت مُغَطَّاةً. فالقولُ قولُ ولِىِّ الواقعِ؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، فإنَّ الظاهرَ أنَّها لو كانت مكْشُوفةً لم يَسْقُطْ فيها. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا تَشْتَغِلُ بالشَّكِّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغْطِيَتِها.
فصل: وإذا بَنَى في مِلْكِه حائِطًا مائِلًا إلى الطريقِ، أو إلى مِلْكِ غيرِه، فتَلِفَ به شيءٌ، أو سَقَطَ (٤٨) على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بذلك، فإنَّه ليس له الانْتفاعُ بالبِنَاءِ في هَواءِ مِلْكِ غيرِه، أو هواءٍ مُشْتَرَكٍ، ولأنَّه يُعَرِّضُه للوُقُوعِ على غيرِه في غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو نَصَبَ فيه مِنْجَلًا يَصِيدُ به. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولا أعلمُ فيه خِلافًا. وإن بَنَاهُ في مِلْكِه مُسْتَوِيًا، أو مائِلًا إلى مِلْكِه، فسَقَطَ من غيرِ اسْتِهْدامٍ ولا مَيْلٍ، فلا ضَمانَ على صاحِبِه فيما تَلِفَ به؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ ببِنائِه، ولا حَصَلَ منه تَفْرِيطٌ
стр. 6232
بإبْقائِه. وإن مالَ قبلَ وُقُوعِه إلى مِلْكِه، ولم يَتَجاوَزْه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ بِنائِه مائِلًا في مِلْكِه. وإن مال قبلَ وُقوعِه إلى هواءِ الطريقِ، أو إلى مِلْكِ إنسانٍ، أو مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، نَظَرْنا؛ فإن لم يُمْكِنْه نَقْضُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يتَعدَّ ببنائِه، ولا فَرَّطَ في تَرْكِ نَقْضِه لعَجْزِه عنه، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَ من غيرِ مَيْلٍ. وإنْ أمْكَنَه نَقْضُه فلم يَنْقُضْه، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يُطالَبَ بنَقْضِه. والثانى، أن لا يُطالَبَ به، فإن لم يُطالَبْ به، لم يَضْمَنْ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ، ونحوُه قَوْلُ (٤٩) الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه بَنَاهُ في مِلْكِه، والميلُ حادِثٌ بغيرِ فِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو وقَعَ قبلَ مَيْلِه. وذكَرَ بعضُ أصحابِنا فيه وجْهًا آخَرَ، أنَّ عليه الضَّمانَ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيْلَى، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه مائِلًا، فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو بَناه مائلًا إلى ذلك ابتداءً، ولأنَّه لو طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ ما تَلِفَ به (٥٠)، ولو لم يكُنْ ذلك (٥١) مُوجِبًا للضَّمانِ، لم يَضْمَنْ بالمُطالَبةِ، كما لو لم يكُنْ مائِلًا، أو كان مائلًا إلى مِلْكِه. وأمَّا إن طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الجوابِ فيها. وقال أصحابُنا: يَضْمَنُ. وقد أوْمأَ إليه أحمدُ. وهو مذهبُ مالكٍ، ونحوَه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: الاسْتِحْسانُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ حَقَّ الجوازِ للمسلمينَ، وميلُ الحائِطِ يَمْنَعُهم ذلك، [فكان لهم] (٥٢) المُطالبةُ بإزالَتِه، فإذا لم يُزِلْه ضَمِنَ، كما لو وضَعَ عِدْلًا على حائطِ نَفْسِه، فوَقَعَ في مِلْكِ غيرِه، فطُولِبَ بِرَفْعِه فلم يَفْعَلْ حتى عَثَرَ به إنسانٌ. وفيه وجْهٌ آخرُ، لا ضَمانَ عليه. قال أبو حنيفةَ: وهو القياسُ؛ لأنَّه بَنَاه في مِلْكِه، ولم يَسْقُطْ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو لم يُطالِبْه بنَقْضِه، أو سَقَطَ قبلَ مَيْلِه، أو لم يُمْكِنْه نَقْضُه، ولأنَّه لو وجَبَ الضَّمانُ به (٥٠)، لم تُشْتَرَطِ المُطالبةُ به (٥٠)، كما لو بنَاه مائلًا إلى غيرِ مِلْكِه. فإن قُلْنا:
стр. 6233
عليه الضمانُ إذا طُولِبَ؛ فإنَّ المُطالبةَ من كلِّ مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ تُوجِبُ الضَّمانَ إذا كان مَيْلُه إلى الطريقِ، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم حَقَّ المرُورِ، فكانتْ له المُطالبةُ، كما لو مال الحائطُ إلى مِلْكِ جماعةٍ، فإنَّ (٥٣) لكلِّ واحدٍ منهم المطالبةَ، وإذا طالَبَ واحدٌ، فاسْتَأْجَلَه صاحبُ الحائِطِ، أو أجَّلَه له الإِمامُ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ الحَقَّ لجميعِ (٥٤) المسلمينَ، فلا يَمْلِكُ واحدٌ منهم إسْقاطَه. وإن كانت المُطالبةُ لمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ، أو مُرْتَهِنِها، أو مُسْتَعِيرِها، أو مُسْتَوْدَعِها، فلا ضَمانَ عليهم؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ النَّقْضَ، وليس الحائطُ مِلْكًا لهم. وإن طُولِبَ المالكُ في هذه الحال، فلم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُ الدَّارِ، ونَقْضُ الحائِطِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لعدمِ تَفْرِيطِه، وإن أمْكَنَه اسْتِرْجاعُها، كالمُعِيرِ (٥٥)، والمُودِعِ، والرَّاهِنِ إذا أمْكَنَه فَكاكُ الرَّهْنِ، فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ؛ لأنَّه أمْكَنَه النَّقْضُ. وإن كان المالِكُ مَحْجُورًا عليه، لِسَفَهٍ أو صِغَرٍ أو جُنُونٍ، فطُولِبَ هو، لم يَلْزَمْه الضَّمانُ؛ لأنَّه ليس أهلًا للمُطالَبةِ، وإن طُولِبَ وَلِيُّه أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، فالضمانُ على المالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ الضَّمانِ مالُه، فكان الضَّمانُ عليه دُونَ المُتَصَرِّفِ، كالوَكِيلِ مع المُوَكِّلِ. وإن كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا بينَ جماعةٍ، فطُولِبَ أحَدُهُم بنَقْضِه، احْتَمَلَ وَجْهينِ؛ أحدهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نَقْضُه بدُونِ إذْنِهِم، فهو كالعاجِزِ عن نَقْضِه. والثانى، يَلْزَمُه بحِصَّتِه؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ من النَّقْضِ بمُطالَبةِ شُرَكائِه، وإلْزامِهِم النَّقْضَ، فصار بذلك مُفَرِّطًا. وأما إن كان مَيْلُ الحائطِ إلى مِلْكِ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، إمَّا واحدٍ وإمَّا جماعةٍ، فالحكمُ على ما ذكَرْنا، إلَّا أنَّ المُطالبةَ للمالِكِ، أو ساكنِ المِلْكِ الذي مال إليه دُونَ غيرِه. وإن كان لجماعةٍ، فأيُّهم طالَبَ، وجَبَ النَّقْضُ بمُطالَبَتِه، كما لو طالَبَ واحدٌ بنَقْضِ المائلِ إلى الطريقِ، إلَّا أنَّه متى طالَبَ (٥٦)، ثم أجَّلَه صاحِبُ المِلْكِ، أو أبْرَأه منه، أو فَعَلَ ذلك ساكنُ الدَّارِ التي
стр. 6234
مال إليها، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ له، وهو يَمْلِكُ إسْقاطَه. وإن مالَ إلى دَرْبٍ غيرِ نافذٍ، فالحَقُّ لأهْلِ الدَّرْبِ، والمُطالبةُ لهم؛ لأنَّ المِلْكَ لهم، ويَلْزَمُ النَّقْضُ بمُطالبةِ أحَدِهم، ولا يَبْرَأَ بإبْرائِه وتَأْجِيلِه، إلَّا أن يَرْضَى بذلك جَمِيعُهم؛ لأنَّ الحَقَّ لجمِيعِهم.
فصل: وإذا تقَدَّمَ إلى صاحبِ الحائطِ بنَقْضِه، فبَاعَه مائلًا، فلا ضَمانَ على بائِعِه؛ لأنَّه ليس بمِلْكٍ له، ولا على المُشْتَرِى؛ لأنَّه لم يُطالَبْ بنَقْضِه. وكذلك إن وهَبَه وأقْبَضَه. وإن قُلْنا بلُزُومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وإذا وجَبَ الضمانُ، وكان التَّالِفُ به آدَمِيًّا، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، فإن أنْكَرَتْ عاقِلَتُه كَوْنَ الحائطِ لِصَاحِبِهِم، لم يَلْزَمْهم العَقْلُ، إلَّا أن يَثْبُتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ (٥٧) الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ عليهم، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ. وإن اعْتَرَفَ صاحبُ الحائطِ، لَزِمَه الضَّمانُ دُونَهم؛ لأنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا. وكذلك إن أنْكَرُوا مُطالَبَتَه بنَقْضِه، فالحكمُ على ما ذكَرْنا. وإن كان الحائطُ في يَدِ صاحِبِهم، وهو ساكِنٌ في الدَّارِ، لم يَثْبُتْ بذلك الوُجُوبُ عليهم؛ لأنَّ دَلالةَ ذلك على المِلْكِ من جِهَةِ الظَّاهِرِ، والظاهرُ لا تَثْبُتُ به الحُقُوقُ، وإنَّما تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى.
فصل: وإن لم يَمِل الحائِطُ، لكنْ تَشَقَّقَ، فإن لم يُخْشَ سُقُوطُه، لكَوْنِ شُقُوقِه بالطُّولِ، لم يَجِبْ نَقْضُه، وكان حُكْمُه في هذا حكمَ الصحيحِ؛ لأنَّه لم يُخَفْ سُقُوطُه، فأشْبَهَ الصحيحَ، وإن خِيفَ وُقُوعُه، مثل أن تكونَ شُقُوقُه بالعَرْضِ، فحكْمُه حكمُ المائِلِ؛ لأنَّه يُخافُ منه التَّلَفُ، فأشْبَهَ المائِلَ.
فصل: وإذا أخْرَجَ إلى الطريقِ النافِذِ جَناحًا، أو سَابَاطًا، فسَقَطَ، أو شيءٌ منه على شيءٍ، فأتْلَفه، فعلى المُخْرِجِ ضَمانُه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن وقَعَتْ خَشَبةٌ ليست مُرَكّبةً على حائِطِه، وجَبَ ضَمانُ ما أتْلَفَتْ، وإن كانت مُرَكّبةً على حائِطِه، وجَبَ نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيره، فانْقَسَمَ الضَّمانُ
стр. 6235
عليهما. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بما أخْرَجَه إلى هواءِ (٥٨) الطَّريقِ، فضَمِنَه، كما لو بَنَى حائِطَه مائلًا إلى الطريقِ فأتْلفَ، أو أقَامَ خَشَبةً في مِلْكِه مائلةً إلى الطريقِ، أو كما لو سَقَطَتِ الخَشَبةُ التي ليستْ مَوْضُوعةً على الحائطِ، ولأنَّه إخْراجٌ يَضْمَن به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكُلَّ، كالذى ذكَرْنا، ولأنَّه تَلِفَ بعُدْوانهِ، فضَمِنَه، كما لو وضَعَ البناءَ على أرْضِ الطريقِ، والدليلُ على عُدْوانِه، وُجُوبُ ضَمانِ البعضِ، ولو كان مُباحًا لم يَضْمَنْ به، كسائرِ المُباحاتِ، ولأنَّ هذه خَشَبةٌ، لو انقَصَفَ الخارِجُ منها، وسَقَطَ فأتْلَفَ، ضَمِنَ ما أتْلَفَ (٥٩)، فيَجِبُ أن يَضْمَنَ ما أتْلَفَ جميعُها، كسائرِ المواضِعِ التي يَجِبُ الضمانُ فيها، ولأنَّنا لم نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضمانُ كلُّه بِبَعْضِ الخَشَبةِ، ويَجِبُ نِصْفُه بجَمِيعِها. وإن كان إخراجُ الجَناحِ إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه، ضَمِنَ ما أتْلَفَه، وإن فَعَلَ ذلك بإذْنِهِم، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه مُباحٌ له غيرُ مُتَعَدٍّ (٦٠) فيه.
فصل: وإن أخْرَجَ مِيزَابًا إلى الطريقِ، فسَقَطَ على إنسانٍ أو شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَه. وبهذا قال أبو حنيفة. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بإخْراجِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو أخْرَجه إلى مِلْكِه. وقال الشافعيُّ: إن سَقَطَ كلُّه، فعليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه. وإن انْقَصَفَ المِيزابُ، فسَقَطَ منه ما خَرَجَ عن الحائطِ، ضَمِنَ جميعَ ما تَلِفَ به؛ لأنَّه كلَّه في غيرِ مِلْكِه. ولَنا، ما سَبَقَ في الجناحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ إخْراجَه مُباحٌ، فإنَّه أخْرَجَ إلى هواءِ مِلْكِ غيرِه شيئًا يَضُرُّ به، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه، فأمَّا إن أخْرَجَ إلى مِلْكِ آدَمىٍّ مُعَيَّنٍ شيئًا من جَناحٍ، أو سَاباطٍ، أو مِيزَابٍ، أو غيرِه، فهو مُتَعَدٍّ، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به. لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإذا بالَتْ دابَّتُه في طريقٍ، فزَلَقَ به حَيَوانٌ، فمات به، فقال أصحابُنا:
стр. 6236
على صاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّمانُ، إذا كان راكِبًا لها، أو قائِدًا، أو سائِقًا لها؛ لأنَّه تَلَفٌ حَصَلَ من جِهَةِ دابَّتِه التي يَدُه عليها، فأشْبَهَ ما لو جَنَتْ بِيَدِها أو فَمِها. وقياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بذلك؛ لأنَّه لا يَدَ له على ذلك، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو أتْلَفَتْ (٦١) برِجْلِها، وكما لو لم يَكُنْ له يَدٌ عليها، ويُفارِقُ هذا ما أتْلَفَتْ بِيَدِها وفَمِها؛ لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُهُما.
فصل: وإذا وضَعَ جَرَّةً على سَطْحِه أو حائِطِه، أو حَجَرًا، فرَمَتْه الرِّيحُ على إنسانٍ، فقَتَلَه، أو شيءٍ أتْلَفَه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك من غيرِ فِعْلِه، ووَضْعُه له كان في مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ إذا وضَعَها مُتَطَرِّفةً؛ لأنَّه تَسَبَّبَ (٦٢) إلى إلْقائِها، [وتَعَدَّى بوَضْعِها] (٦٣)، فأشْبَهَ مَنْ بَنَى حائِطه مائلًا.
فصل: وإن سَلَّمَ ولَدَه الصغيرَ إلى السَّابِحِ، ليُعَلِّمَه السِّباحَةَ، فغَرِقَ، فالضَّمانُ على عاقلةِ السَّابِحِ؛ لأنَّه سَلَّمه إليه ليَحْتاطَ في حِفْظِه، فإذا غَرِقَ نُسِبَ إلى التَّفْرِيطِ في حِفْظِه. وقال القاضي: قياسُ المَذْهَبِ أن لا يَضْمَنَه؛ لأنَّه فَعَلَ ما جَرَتِ العادةُ به لمَصْلَحتِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما إذا ضَرَبَ المعلِّمُ الصَّبِىَّ ضَرْبًا مُعْتادًا، فتَلِفَ به. فأمَّا الكبيرُ إذا غَرِقَ، فليس على السَّابحِ شيءٌ إذا لم يُفَرِّطْ، لأنَّ الكبيرَ في يَدِ نَفْسِه، لا يُنْسَبُ التَّفْرِيطُ في هَلاكِه إلى غيرِه.
فصل: وإذا طَلَبَ إنْسانًا بسَيْفٍ مَشْهُورٍ (٦٤)، فهَرَبَ منه، فتَلِفَ في هَرَبِه، ضَمِنَه، سواءٌ وقعَ من شاهِقٍ، أو انْخَسَفَ به سَقْفٌ، أو خَرَّ في بِئرٍ، أو لَقِيَه سَبْعٌ فافْتَرَسَه، أو غَرِقَ في ماءٍ، أو احْتَرقَ بِنَارٍ، وسواءٌ كان المَطْلُوبُ صَبِيًّا أو كبيرًا، أعْمَى أو بَصِيرًا، عاقِلًا أو مجنونًا. وقال الشافعيُّ: لا يَضْمَنُ البالِغَ العاقِلَ البَصِيرَ، إلَّا أن
стр. 6237
ينْخَسِفَ (٦٥) به سَقْفٌ، فإنَّ فيه وفى الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ والأَعْمَى قوليْن؛ لأنَّه هَلَكَ بفِعْلِ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه الطالِبُ، كما لو لم يَطْلُبْه. ولَنا، أنَّه هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو حَفَرَ له بئرًا، أو نَصَبَ سِكِّينًا، أو سَمَّ طَعامَه ووَضَعَه في مَنْزِلِه. وما ذكَرَه يَبْطُلُ بهذه الأصُولِ، ولأنَّه تَسَبَّبَ إلى هَلاكِه (٦٦)، فأشْبَهَ ما لو انْخَسَفَ من تَحْتِه سَقْفٌ، أو كان صَغِيرًا أو مجنونًا. وإن طَلَبَه بشيءٍ يُخِيفُه به (٦٧)، كاللَّيْثِ ونحوِه، فحُكْمُه حكمُ ما لو طَلَبه بسَيْفٍ مَشْهُورٍ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: ولو شَهَرَ سَيْفًا في وَجْهِ إنْسانٍ، أو دَلَّاهُ من شاهِقٍ، فمات من رَوْعَتِه، أو ذَهَبَ عَقْلُه، فعليه دِيَتُه. وإن صاح بصَبِىٍّ أو مَجْنُونٍ صَيْحةً شديدةً، فخَرَّ من سَطْحٍ أو نحوِه، فمات، أو ذَهَبَ عَقْلُه، أو تَغَفَّلَ عاقِلًا فصاحَ به، فأصَابَه ذلك، فعليه دِيَتُه، تَحْمِلُها العاقلةُ. فإن فَعَلَ ذلك عَمْدًا، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإلَّا فهو خَطَأٌ. ووَافَقَ الشافعيُّ في الصَّبِىِّ، وله في البالغِ قَوْلان. ولَنا، أنَّه سَبَبُ إتْلافِه، فضَمِنَه، كالصَّبِىِّ.
فصل: وإن قَدَّمَ إنسانًا إلى هَدَفٍ يَرْمِيه الناسُ، فأصَابه سَهْمٌ من غيرِ تَعَمُّدٍ، فضَمانُه على عاقِلةِ الذي قَدَّمَه؛ لأنَّ الرّامِى كالحافرِ، والذي قَدَّمَه كالدَّافعِ، فكان الضّمانُ على عاقِلَتِه. وإن عَمَدَ الرَّامِى رَمْيَه، فالضَّمانُ عليه؛ لأنَّه مُباشِرٌ، وذاك مُتَسَبِّبٌ، فأشْبَهَ المُمْسِكَ والقاتِلَ. وإن لم يُقَدِّمْه أحَدٌ، فالضَّمانُ على الرَّامِى، وتَحْمِلُه عاقِلَتُه إن كان خطأً؛ لأنَّه قَتَلَه.
فصل: وإن شَهِدَ رَجُلانِ على رَجُلٍ بقَتْلٍ أو جَرْحٍ، أو سَرِقةٍ قد تُوجِبُ القَطْعَ، أو زِنًى يُوجِبُ الرَّجْمَ أو الجَلْدَ، ونحوِ ذلك، فاقْتُصَّ منه، أو قُطِعَ بالسَّرِقَةِ، أو حُدَّ فأفْضَى إلى تَلَفِه، ثم رَجَعَا عن الشهادةِ، لَزِمَهُما ضَمانُ ما تَلِفَ بشَهادَتِهِما، كالشَّرِيكَينِ في
стр. 6238
الفِعْلِ، ويكونُ الضَّمانُ في مالِهِما، لا تَحْمِلُه عاقِلَتُهما؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا، وهذا ثَبَتَ (٦٨) باعْتِرافِهِما. وقد رُوِى عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ شاهِدَيْنِ شَهِدَا عندَه على رَجُلٍ بالسَّرِقةِ، فقَطَعَه، ثم أتَيا بآخَرَ، فقالا: يا أميرَ المؤمنين، ليس ذاك السَّارِقَ، إنَّما هذا هو السارقُ، فأَغْرَمَهُما دِيَةَ الأوَّلِ، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما لقَطَعْتُكما. ولم يَقْبَلْ قَوْلَهما في الثاني (٦٩). وإن أكْرَه رجُلٌ رَجُلًا على قَتْلِ إنْسانٍ، فقَتَله، فصار الأمرُ إلى الدِّيَةِ، فهى عليهما؛ لأنَّهما كالشَّرِيكينِ، ولهذا وجَبَ القِصاصُ عليهما، رلو أكْرَه رجُلٌ امرأةً فزَنَى بها، فحَمَلَتْ فماتَتْ (٧٠) من الولادةِ، ضَمِنَها؛ لأنَّها ماتَتْ بسَبَبِ فِعْلِه، وتَحْمِلُها العاقلةُ، إلَّا أن لا يَثْبُتَ ذلك إلَّا باعْتِرافِه، فتكونَ الدِّيَةُ عليه؛ لأنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
فصل: إذا بَعَثَ السُّلطانُ إلى امرأةٍ ليُحْضِرَها، فأسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ضَمِنَه بغُرَّةٍ (٧١)؛ لما رُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، بَعَثَ إلى امرأةٍ مَغِيبَةٍ، كان يُدْخَلُ عليها، فقالت: يا وَيْلَها، مالَها ولعمرَ. فبَيْنَا هي في الطريقِ إذ فَزِعَتْ، فضَرَبها الطَّلْقُ، فألْقَتْ ولَدًا، فصاح الصَّبِىُّ صَيْحَتَيْنِ، ثم مات، فاسْتشارَ عمرُ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فأشَارَ بعضُهم أن ليس عليك شيءٌ، إنَّما أنْتَ والٍ ومُؤَدِّبٌ. وصَمَتَ علىٌّ، فأقْبَلَ عليه عمرُ، فقال: ما تقولُ يا أبا الحَسَنِ؟ فقال: إن كانوا قالوا برَأْيِهِم فقد أخْطَأَ رَأْيُهم، وإن كانوا قالوا في هَواكَ فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه. فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تقْسِمَها على قَوْمِكَ (٧٢). ولو فُزِّعَتِ المرأةُ فماتَتْ، لوَجَبَتْ دِيَتُها أيضًا. ووافَقَ الشافعيُّ في ضَمانِ الْجَنِينِ، وقال:
стр. 6239
لا تُضْمَنُ المرأةُ؛ لأنَّ ذلك ليس بسَبَبٍ لِهَلَاكِها (٧٣) في العادةِ. ولَنا، أنَّها نَفْسٌ هَلَكَتْ بإرْسالِه إليها، فضَمِنَها، كجَنِينِها، أو نَفْسٌ هلَكتْ بسَبَبِه، فغَرِمَها، كما لو ضَرَبَها فماتَتْ. وقولُه: إنَّه ليس بسَبَبٍ عادةً. قُلْنا: ليس كذلك، فإنَّه سَبَبٌ للإِسْقاطِ، والإِسْقاطُ سَبَبٌ للهَلَاكِ عادةً، ثم لا يتَعَيَّنُ في الضَّمانِ كونُه سَبَبًا مُعْتادًا، فإنَّ الضَّرْبةَ والضَّرْبتَيْنِ بالسَّوْطِ، ليست سَبَبًا للهلاكِ في العادةِ، ومتى أفْضَتْ إليه وجَبَ الضمانُ. وإن اسْتَعْدَى إنسانٌ على امرأةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها، أو ماتَتْ فَزَعًا، فعلى عاقلةِ المُسْتَعْدِى الضَّمانُ، إن كان ظالِمًا لها، وإن كانت هي الظَّالمةَ، فأحْضَرَها عند الحاكمِ، فيَنْبَغِى أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّها سَبَبُ إحْضارِها بظُلْمِها، فلا يَضْمَنُها غيرُها، ولأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصاصِ، ويَضْمَنُ جَنِينَها؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو اقْتصَّ منها.
فصل: ومَنْ أخَذَ طَعامَ إنسانٍ أو شَرَابَه في بَرِّيَّةٍ، أو مكانٍ لا يَقْدِرُ فيه على طَعامٍ وشَرابٍ، فهَلَكَ بذلك، أو هَلَكَتْ بَهِيمَتُه، فعليه ضَمانُ ما تَلِفَ به؛ لأنَّه سَبَبُ هَلاكِه. وإن اضْطُرَّ إلى طَعامٍ وشَرابٍ لغيرِه، فطَلَبه منه، فمَنَعه إيَّاه مع غِنَاه عنه في تلك الحالِ، فماتَ بذلك، ضَمِنَه المطلوبُ منه؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قَضَى بذلك، ولأنَّه إذا اضْطُرَّ إليه، صار أحَقَّ به ممَّن هو في يَدِه، وله أخْذُه قَهْرًا، فإذا مَنَعه إيَّاه، تَسَبَّبَ إلى إهْلاكِه بمَنْعِه ما يَسْتَحِقُّه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو أخَذَ طَعامَه وشَرَابَه فهَلَكَ بذلك. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ الدِّيَةَ في مالِه؛ لأنَّه تَعَمَّدَ هذا الفِعْلَ الذي يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا. وقال القاضي: تكونُ على عاقِلَتِه؛ لأنَّ هذا لا يُوجِبُ القِصاصَ، فيكونُ شِبْهَ العَمْدِ. وإن لم يَطْلُبْه منه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَمْنَعْه، ولم يُوجَدْ منه فِعْلٌ تَسَبَّبَ به إلى هَلاكِه. وكذلك كلُّ مَنْ رأَى إنسانًا في مَهْلَكَةٍ، فلم يُنْجِه منها، مع قُدْرَتِه على ذلك، لم يَلْزَمْه ضَمانُه، وقد أسَاءَ. وقال أبو الخَطَّابِ: قِياسُ المسألةِ الأُولَى
стр. 6240
وُجُوبُ ضَمانِه؛ لأنَّه لم يُنْجِه من الهَلاكِ مع إمْكانِه، فيَضْمَنُه، كما لو مَنَعَه الطَّعامَ والشَّرَابَ. ولَنا، أنَّه لم يُهْلِكْه، ولم يَكُنْ سَبَبًا في هَلاكِه، فلم يَضْمَنْه، كما لو لم يَعْلَمْ بحالِه، وقياسُ هذا على هذه المسألةِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه في المسألةِ مَنَعَه مَنْعًا كان سَبَبًا في هَلاكِه، فضَمِنَه بفِعْلِه الذي تَعَدَّى به، وههُنا لم يَفْعَلْ شيئًا يكونُ سَبَبًا.
فصل: ومَنْ ضَرَبَ إنسانًا حتى أحْدَثَ، فإنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قَضَى فيه بثُلُثِ الدِّيَةِ (٧٤). وقال أحمدُ: لا أعْرِفُ شيئًا يَدْفَعُه. وبه قال إسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: لا شىءَ فيه؛ لأنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ لإِتْلافِ مَنْفَعةٍ أو عُضْوٍ، أو إزالةِ جَمَالٍ، وليس ههُنا شيءٌ من ذلك. وهذا هو القياسُ، وإنَّما ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إلى إيجابِ الثُّلثِ؛ لِقَضِيَّةِ عُثمانَ؛ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم يُنْقَلْ خِلافُها، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّ قَضَاءَ الصحابىِّ بما يُخالِفُ القِياسَ. يَدُلُّ على أنَّه تَوْقِيفٌ. وسواءٌ كان الحَدَثُ رِيحًا أو غائِطًا أو بَوْلًا. وكذلك الحكمُ فيما إذا أفْزَعَه حتى أحْدَثَ.
فصل: إذا ادَّعَى القاتلُ أنَّ المَقْتُولَ كان عَبْدًا، أو ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّه، أو ألْقَى عليه حائِطًا، أو ادَّعَى أنَّه كان مَيِّتًا، وأنْكَرَ وَلِيُّه ذلك، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه. وهذا أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: القولُ قولُ الجانِى؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، وما ادَّعاه مُحْتَمِلٌ، فلا نَزُولُ عن اليَقينِ بالشَّكِّ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ حياةُ المَجْنِىِّ عليه وحُرِّيَّتُه، فيَجِبُ الحكمُ ببَقائِه، كما لو قَتَلَ مَنْ كان مُسْلِمًا، وادَّعَى أنَّه ارْتَدَّ قبلَ قَتْلِه. وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه. وهكذا لو قَتَلَ في دارِ الإِسلامِ إنسانًا، وادَّعَى أنَّه كان كافِرًا، وأنْكَرَ ولِيُّه، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأنَّ الدَّارَ دارُ إسْلامٍ (٧٥)، ولذلك حَكَمْنا بإسْلامِ لَقِيطِها. وإن قَطَعَ عُضْوًا وادَّعَى شَلَلَه، أو قَلَعَ عينًا وادَّعَى عَماها، وأنْكَرَ الولىُّ، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامةُ. وكذلك لو قَطَعَ ساعِدًا وادَّعَى أنَّه لم يكُنْ عليه
стр. 6241
كَفٌّ، أو قَطَعَ ساقًا وادَّعَى أنَّه لم يكُنْ لها قَدَمٌ. وقال القاضي: إن اتَّفَقَا على أنَّه كان بَصِيرًا، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه، وإلَّا فالقولُ قولُ الجانِى. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وكذلك على قِياسِه إذا اخْتَلَفا في شَلَلِ العُضْوِ؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه، فإنَّه لا يَخْفَى على أهْلِه وجِيرانِه ومُعاملَتِه، وصِفَةُ تَحَمُّلِ الشَّهادةِ عليه، أنَّه كان يُتْبِعُ الشَّخْصَ بَصَرَه، ويَتَوَقَّى ما يَتَوَّقاه البصيرُ، ويتَجَنّبُ البِئْرَ وأشْباهَهُ في طَرِيقِه، ويَعْدِلُ في العَطفاتِ خَلْفَ مَنْ يَطْلُبُه. ولَنا، أنَّ الأصْلَ السَّلامةُ، فكان القولُ قولَ مَنْ يَدَّعِيه، كما لو اخْتَلَفَا في إسلامِ المَقْتُولِ وحَياتِه. وقولُهم: لا تتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه. قُلْنا: وكذلك لا تتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنةِ على ما يَدَّعِيه الجانِى، فإيجابُها عليه أَوْلَى من إيجابِها على مَنْ يَشْهَدُ له الأصْلُ، ثم يَبْطُلُ بسائرِ المواضِعِ التي سَلَّمُوها. فإن قالوا ههُنا: [ما ثَبَتَ] (٧٦) أن الأصْلَ وُجُودُ البَصرِ. قُلْنا: الظَّاهرُ يَقُومُ مَقَامَ الأصْلِ، ولهذا رَجَّحْنا قولَ من يَدَّعِى حُرِّيتَه وإسْلامَه.
فصل: وإن زَادَ في القِصاصِ من الجِرَاحِ، وقال: إنَّما حَصَلَتِ الزِّيادةُ باضْطِرابِه (٧٧). وأنْكَرَ المَجْنِىُّ عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، القولُ قولُ المُقْتَصِّ منه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاضْطرابِ، ووُجُوبُ الضَّمانِ. والثانى؛ القولُ قولُ المُقْتَصِّ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، وما يَدَّعِيه مُحْتَمِلٌ. والأوّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الجُرْحَ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمانِ، وما يَدَّعِيه من الاضْطرابِ المانعِ من ثُبُوتِ حُكْمِه، الأصلُ عَدَمُه، فالقولُ قولُ مَنْ يَنْفِيه، كما لو جَرَحَ رَجُلًا وادَّعَى أنَّه جَرَحَه دَفْعًا عن نَفْسِه، أو قَتَلَه وادَّعَى أنَّه وجَدَه مع أهْلِه، أو قَتَلَ بَهِيمةً وادَّعَى أنَّها صالَتْ عليه.
стр. 6242
باب دِيَاتِ الجِرَاح
الجِرَاحُ تتنوَّعُ نَوعيْن؛ أحدهُما، الشِّجاجُ، وهى ما كان في رَأْسٍ أو وَجْهٍ. النَّوعُ الثاني، ما كان في سائرِ البدَنِ، وينْقسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، قَطْعُ عُضْوٍ. والثانى، قطعُ لَحْمٍ. والمضْمونُ في الآدَمِىِّ ضَرْبانِ؛ أحدُهما، ما ذكرْنا. والثانى، تَفْوِيتُ مَنْفَعةٍ، كتَفْويتِ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ.
١٤٨٢ - مسألة؛ قال ﵀: (وَمَنْ أتْلَفَ مَا في الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَىْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَمَا فِيه مِنْهُ (١) شَيْئَانِ، فَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ كلَّ عُضوٍ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ في الإِنسانِ منه إلَّا وَاحدًا، كاللِّسانِ، والأنْفِ، والذَّكَرِ والصُّلْبِ، ففيه دِيَةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ في (١) إتْلافِهِ إذْهابَ مَنْفعَةِ الجِنْسِ، وإذهابُها كإتْلافِ النَّفْسِ، وما فيه منه شَيْئانِ؛ كاليَدَيْنِ، والرِّجْليْنِ، والعَيْنَيْنِ، والأذُنَيْنِ، والمِنْخَرَيْنِ، والشَّفَتَينِ، والخُصْيَتَيْنِ، والثَّدْييْنِ، والألْيَتَيْنِ، ففيهما الدِّيَةُ كَامِلةً؛ لأنَّ في إتْلافِهِما (٢) إذْهَابَ مَنْفَعةِ الجنْسِ، وفى إحْداهُما نِصْفُ الدِّيَةِ (١)؛ لأنَّ في إتْلافِه إذْهابَ نِصفِ مَنْفعةِ الجنْسِ. وهذه الجملةُ مذهبُ الشَّافعىِّ. ولا نَعْلمُ فيه مُخالِفًا. وقدْ روَى (٣) الزُّهْرىُّ، عن أبي بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ له، وكان (١) في كِتَابهِ: "وَفِى الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِى الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ".
стр. 6243
رَواه النَّسائىُّ، وَغيرُه (٤)، وروَاه ابنُ عَبدِ البرِّ، وقال: كِتابُ عَمْرو بن حَزمٍ مَعْروفٌ عندَ الفُقَهاءِ، وما فيه مُتَّفَقٌ عليه (٥) إلَّا قَلِيلا.
فصل: ومَا في الإِنْسانِ منْهُ أربعةُ أشياءَ، ففيها الدِّيَةُ، وفى كُلِّ واحدٍ منها رُبْعُ الدِّيَةِ، وهو أجْفانُ العَيْنَيْنِ وأهْدابُها. وما فيه منْه عشَرةٌ؛ ففيها الدِّيَةُ، وفى كلِّ وَاحدٍ منها عُشْرُها، وهى أصَابِعُ الْيدَيْنِ وأصابعُ الرِّجْليْنِ. وما فيه منه ثلاثةٌ (٦)، ففيها الدِّيَةُ, وفى الْواحِدِ منها (٧) ثُلُثها. وهو المَنْخَرانِ، والْحاجِزُ بَيْنَهما. وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومةٌ؛ لأنَّ المَنْخَريْنِ شَيْئانِ مِنَ جِنْسٍ، فكان فيهما الدِّيَةُ، كالشَّفَتيْنِ. وليس في البَدنِ شيءٌ مِنْ جِنْسٍ يَزِيدُ على الدِّيَةِ إلَّا الأسْنانُ، فإنَّ في كُلِّ سِنٍّ خَمسًا مِنَ الإِبلِ، فتزيدُ (٨) على الدِّيَةِ. وقد رُوِىَ أنَّه ليس فيها إلَّا الدِّيَةُ، قياسًا على سائرِ ما في البَدنِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الخبرَ عن النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَ بإيجابِ خَمْسٍ في كلِّ سِنٍّ (٤)، فيجِبُ العمَلُ به، وإنْ خَالفَ القياسَ.
١٤٨٣ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ)
أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في العَيْنينِ، إذا أُصيبَتا خَطأً، الدِّيَةَ، وفى العَيْنِ الواحدةِ نصْفُها؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَفِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ" (١). ولأنَّه ليس في الْجسَد منهُما إلَّا شيئانِ، ففيهما الدِّيَةُ، وفى إحْداهما نِصْفُها، كسائرِ الأعْضاءِ التي كذلك. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "وَفِى الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ". رَواه مَالكٌ، في
стр. 6244
"مُوطَّإِه" (٢). ولأنَّ العَيْنيْنِ مِنْ أعْظمِ الجوارح نَفْعًا وجَمالًا؛ فكانتْ فيهما الدِّيَةُ، وفى إحداهُما نِصْفُها كاليَديْنِ. إذا ثبت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أنْ يكونا كَبِيرتَيْن أو صَغِيرتَيْن، أو مَليحَتَيْنِ أوْ قَبيحَتَيْنِ، أو صَحِيحَتَينِ أو مَريضَتَينِ، أو حَوْلَاوَيْنِ أو رَمِضَتَيْنِ. فَإنْ كان فيهما بَياضٌ لَا يَنْقُصُ الْبَصَرَ، لَمْ تَنْقُصِ الدِّيَةُ، وإنْ نَقَصَ الْبصرَ نَقَصَ (٣) من الدِّيةِ بقَدْرِهِ. وفى ذَهَابِ الْبصرِ الدِّيَةُ؛ لأنَّ كلَّ عُضْوَيْنِ وجَبَتِ الدِّيَةُ بذَهابِهما، وجَبَتْ بإذْهابِ نَفْعِهما، كالْيَدَيْنِ إذا أشْلَّهما. وفى ذهاب بَصرِ أَحَدِهما نصْفُ الدِّيَةِ، كما لو أشَلَّ يَدًا واحدةً، وليس في إذهابِهما بنفْعِها أكثَرُ مِن دِيَةٍ، كاليَديْنِ.
فصل: وإنْ جَنى على رأْسِه جنايةً ذهَبَ بها بصرهُ، فَعَليْهِ ديَتُه؛ لأنَّه ذهب بسبَبِ جِنَايتِهِ، وإنْ لمْ يذهَبْ بها، فدَاواها، فذهَبَ بالمُداواةِ، فعليهِ دِيَتُه؛ لأنَّه ذهَبَ بسببِ فِعْلِه. وإن اخْتَلفوا في ذَهَابِ البصَرِ، رُجِعَ إلى اثْنَيْنِ عَدْليْنِ مسلمَينِ من أهْلِ الخِبْرةِ؛ لأنَّ لَهما طَريقًا إلى مَعْرفةِ ذلك، لمُشاهَدَتِهما العيْنَ التي هي مَحَلُّ البصرِ، وَمَعْرفةً بحَالِها، بخلافِ السَّمْعِ، وإنْ لَمْ يُوجدْ أهْلُ الخِبْرةِ، أوْ تَعَذَّرَ مَعْرفةُ ذلك، اعْتُبِرَ بأنْ يُوقَفَ في عَيْنِ الشَّمْسِ، ويُقَرَّبَ الشىءُ مِن عَينِه في أوقاتِ غَفْلتِه؛ فإنْ طَرَفَ عَيْنُه، وخافَ مِن الذي يُخَوَّفُ به، فهو كاذِبٌ، وإلَّا حُكِم له. وإذا عُلِمَ ذَهابُ بصرِه، وقال أهلُ الخِبْرةِ: لَا يُرْجَى عَوْدُه. وَجَبتِ الدِّيَةُ. وإنْ قالوا: يُرْجَى عَودُه إلى مُدَّةٍ عَيَّنُوها، انْتُظِرَ إليها، وَلم يُعْطَ الدِّيَةَ حتى تَنْقَضِىَ المُدَّةُ، فإنْ عَادَ البصرُ، سَقَطتْ عن الجانى، وإنْ لمْ يَعُد، اسْتقرَّت الدِّيَةُ. وإنْ مَاتَ المَجْنِىُّ عليه قَبْلَ العَوْدِ، استقرَّتِ الدِّيَةُ، سَواءٌ مات في المُدَّةِ أو بَعْدَها. فإنِ ادَّعَى الجانى عَوْدَ بَصَرِه قَبْلَ مَوْتِهِ وأنْكَر وارثُهُ، فالقولُ قَولُ الْوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ معه. وإنْ جَاءَ أجْنَبِىٌ، فَقَلعَ عَينَهُ في المُدَّةِ،
стр. 6245
استقَرَّتْ على الأوَّلِ الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأنَّهُ أَذْهَبَ البصَرَ فلم يَعُدْ، وعلى الثَّانى حُكُومَةٌ؛ لأنَّه أذْهَبَ عَيْنًا لا ضَوْءَ لها، يُرْجَى [عَوْدُ ضَوْئِها] (٤). وإنْ قالَ الأوَّلُ: عادَ ضَوْؤُها. وأنْكرَ الثَّانى، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فإنْ صَدَّقَ المَجْنِىُّ عليه الأوَّلَ، سَقطَ حقُّهُ عنه، ولمْ يُقبَلْ قَوْلُه على الثاني. وإنْ قال أهلُ الخبْرَةِ: يُرجَى عَوْدُه، لكن لا نَعْرِفُ له مُدَّةً. وجَبَتِ الدِّيَةُ أو القِصَاصُ؛ لأنَّ انْتظارَ ذلكَ إلى غيرِ غَايةٍ يُفْضِى إلى إسْقاطِ مُوجَبِ الجنايةِ، والظَّاهرُ في الْبَصَرِ عَدمُ العَوْدِ، والأصْلُ يُؤيِّدُه، فإنْ عادَ قبْل اسْتيفاءِ الْواجبِ سَقط، وإنْ عاد بعدَ الاستيفاءِ، وجَبَ ردُّ ما أخذَ منه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لمْ يكُنْ واجبًا.
فصل: وإنْ جَنى عليه فنَقَصَ ضَوْءُ عَيْنَيْه، ففى ذلك حُكُومَةٌ. وَإن ادَّعى نقْصَ ضَوئِهما، فالقولُ قولُه مع يمِينِه؛ لأنَّه لا يُعْرَفُ ذلك إلَّا مِنْ جِهتِهِ. وإنْ ذَكرَ أنَّ إحْداهما نقصَتْ، عُصِبَتِ المريضَةُ، وأُطْلِقَتِ الصَّحيحَةُ، ونُصِبَ له شَخْصٌ ويتَباعَدُ (٥) عنه، فكُلَّما قال: رَأَيْتُه. فوصَفَ لَوْنَه، عُلِمَ صِدْقُه، حتى تَنْتهِىَ، فإذا انتْهَتْ رُؤْيتُه (٦)، عُلِمَ مَوْضِعُها، ثم تُشَدُّ الصَّحيحةُ، وتُطْلقُ المريضةُ، ويُنْصَبُ له شخصٌ، ثم يَذْهَبُ حتى تنْتَهِىَ رُؤيتُه، ثم يُدارُ الشَّخصُ إلى جانبٍ آخَرَ، فيُصْنَعُ به مِثْلُ ذلك، ثُم يُعْلَمُ (٧) عندَ المَسافتيْنِ، ويُذْرَعان، ويُقابَلُ بيْنهما، فإنْ (٨) كانَتا سَواءً، فقد صدَقَ، ويُنْظَرُ كم بين (٩) مسَافةِ رُؤْيةِ العليلةِ والصَّحيحةِ، ويُحْكمُ له مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما بينهما، وإنْ اختلفَتِ المسافتانِ، فقد كذَبَ، وعُلم أنَّه قَصَّرَ مَسافةَ رُؤْيةِ المريضةِ لِيكْثُرَ الواجِبُ له، فيُرَدَّدُ حتى تَسْتوىَ المسافةُ بين الجانبيْنِ. والأَصْلُ في هذا، ما رُوى
стр. 6246
عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال ابنُ المُنْذِرِ: أحْسَنُ ما قِيلَ في ذلك، ما قالَه علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أمَر بعَيْنِه فعُصِبَتْ، وأعْطَى رَجُلًا بيضةً، فانْطلقَ بها وهو ينْظُر، حتى انْتهَى بَصرُه، ثم أمَر فخطَّ عندَ ذَلك، ثمَّ أَمَرَ بعَيْنِه [الأُخْرَى فعُصِبَت] (١٠)، وفُتِحَتِ الصَّحيحةُ، وأَعْطَى رجُلًا بيضةً، فانْطَلقَ بها وهو يَنْظُرُ (١١) حتى انْتَهَى بَصرُه، ثم خَطَّ عندَ ذلك، ثم حوَّلَ إلى مَكانٍ آخَرَ، ففعل (١٢) مثلَ ذلِك، فوجَدُوهُ (١٣) سَواءً، فأعْطاه بقَدْرِ ما نقَصَ منْ بَصَرِه من مالِ الآخَرِ (١٤). قالَ القاضي: وإذا زَعم أهْلُ الطِّبِّ أنَّ بصرَه يَقِلُّ إذا بعُدَتِ المسَافةُ، ويكْثُرُ إذا قَرُبتْ، وأمْكَنَ هذا في المُذَارَعةِ، عُمل عليه. وبَيانُه أنَّهم إذا قَالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا كان يَنْظُرُ (١٥) إلى مائةِ ذِراعٍ، ثمَّ أرادَ أن يَنْظُرَ (١٥) إلى مِائَتَىْ ذِرَاعٍ، احْتاجَ للمائةِ الثَّانيةِ إلى ضِعْفَىْ ما يحتاجُ إليه للمائةِ الأُولَى من البصَرِ. فعلى هذا، إذا أبْصرَ بالصَّحيحةِ إلى مائتيْن، وأبْصرَ بالْعَليلةِ إلى مائةٍ، علِمْنا أنَّه قدْ نَقَصَ ثُلثا بصرِ عَيْنِه؛ فيجِبُ له ثُلُثَا دِيَتِها. وهذا لا يكادُ ينْضَبطُ في الغالبِ، [وكُلُّ ما لا يَنْضَبِطُ ففيه حُكومةٌ] (١٦). وإنْ جَنَى على عَيْنَيْهِ، فنَدَرَتَا، أوَ احْوَلَّتا (١٧)، أو عَمِشَتا (١٨)، ففى ذلك حُكومةٌ (١٩)، كما لو ضربَ يدَه فاعْوَجَّتْ. والجنايةُ على الصَّبِىِّ والمَعْتُوهِ، كالجنايةِ على البالغِ والْعاقلِ، وإِنَّما يفْترِقان في أنَّ البالغَ خَصْمٌ لنفسهِ، والخَصْمُ للصَّبِىِّ والمَجْنونِ ولِيُّهما، فإذا تَوجَّهتِ اليمينُ عليهما لم يَحْلِفا، وَلم يَحْلِفِ الوَلىُّ عنهُما، فإنْ بَلَغَ
стр. 6247
الصَّبِىُّ، وأفاقَ المجنونُ، حَلَفا حينَئذٍ. ومذْهَبُ الشَّافعىِّ في هذا ال فصل كلِّه كمذْهَبِنا.
فصل: وفى عَيْنِ الأعْورِ دِيَةٌ كَاملةٌ. وبذلك قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وقَتادةُ، وإسْحاقُ. وقالَ مَسْروقٌ، وعبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ: فيها نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لقوْلِه ﵇: "وَفِى الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ". وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَفِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ" (٢٠). يقْتضى أنْ لا يجبَ فيهما أكْثرُ منْ ذلك، سَواءٌ قَلَعَهما واحدٌ، أو اثْنانِ في وقتٍ واحدٍ، أو (٢١) في وَقْتينِ، وقالعُ الثَّانيةِ قالعُ عيْنِ أعْوَرَ، فلو وجَبَتْ عليه دِيَةٌ، لوَجبَ فيهما دِيَةٌ ونصْفٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ بنصفِ الدِّيَةِ مع بقاءِ نَظِيرِه، ضُمِنَ به مع ذَهابِه، كالأُذُنِ. ويَحْتَمِلُ هذا كلامُ الْخِرَقِىِّ؛ لقوله: وفى العيْنِ الواحدةِ نِصفُ الدِّيَةِ ولم (٢٢) يُفرِّقْ. ولَنا، أنَّ عُمرَ، وعثمانَ، وعَليًّا، وابنَ عُمرَ، قَضَوا في عَيْنِ الأعْورِ بالدِّيَةِ (٢٣). ولا (٢٤) نعلمُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّ قلْعَ عَيْنِ الأعْورِ يَتَضمَّن إذْهابَ البصرِ كُلِّه، فوجبَتِ الدِّيَةُ، كما لو أذْهبَهُ من العينيْنِ، ودليلُ ذلك أنَّه يحصُل بها ما يحْصُل بالعينَيْن، فإنَّه يَرى الأشياءَ البعيدةَ، ويُدْركُ الأشياءَ اللَّطيفةَ، ويَعْمَلُ أعْمالَ البُصَراءِ، ويجوزُ أنْ يكونَ قاضيًا وشاهدًا، ويُجْزِئُ في الكفَّارةِ وفى الأُضْحِيَةِ إذا لم تَكُنِ العَوْراءُ مَخْسُوفةً، فوجبَ في بصَرِه دِيَةٌ كَاملةٌ، [كذِى العَيْنَيْنَ] (٢٥). فإنْ قِيل: فلو صحَّ هذا، لم يجبْ في
стр. 6248
إذْهابِ (٢٦) بَصَرِ إِحْدَى العَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ. قُلْنا (٢٧): لا يلزمُ مِن وُجوبِ شيءٍ مِن دِيَةِ العينَيْنِ نَقْصُ دِيَةِ الثَّانى؛ بدليلِ ما لو جَنَى عليهما فاحْوَلَّتَا، أو عَمِشَتَا، أو نَقَصَ ضَوْؤُهما، فإنَّه يجبُ أَرْشُ النَّقْصِ، ولا تنْقُصُ دِيَتُهما بذلك، ولأنَّ النَّقصَ الحاصلَ لم يُؤثِّرْ في تَنْقيصِ أحكامِه، ولا هو مَضْبوطٌ في تَفْويتِ النَّفعِ، فلم يُؤَثِّرْ في تنْقِيصِ الدِّيَةِ، كالذى ذكرْنَا.
فصل: وإنْ قلَعَ الأعْورُ عينَ صَحِيحٍ نَظرْنا؛ فإنْ قلَعَ العَيْنَ التي لا تُماثِلُ عينَه الصَّحيحةَ، أو قلعَ المُماثلةَ للصَّحيحةِ (٢٨) خَطأً، فليس عليه إلَّا نصفُ الدِّيَةِ، لا أعلمُ فيه مُخالفًا؛ لأنَّ ذلك هو الأصْلُ، وإنْ قلعَ المُماثلةَ لعيْنِه الصَّحيحةِ عَمْدًا، فلا قِصَاصَ عليه (٢٩)، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ. وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ في إحْدَى رِوَايتيْه. وقال في الأُخْرَى: عليه نِصفُ الدِّيَةِ، ولا قِصَاصَ. وقال المُخَالفون في المسألة الأُوْلَى: له القِصَاصُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٣٠). وإن اخْتارَ الدِّيةَ، فلَهُ نصْفُها؛ للخَبرِ؛ ولأنَّه لو قلَعها غيرُه لم يجبْ فِيها إلَّا نصفُ الدِّيَةِ، فلم يجبْ عليه إلَّا نصْفُها، كالعيْنِ الأُخْرَى. ولَنا، أنَّ عُمرَ وعُثمانَ قَضَيا بمثْلِ مذْهبِنا (٣١)، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا في الصَّحابَةِ، فَكان إجْماعًا.
فصل: وإنْ قلَعَ الأعْورُ عَيْنَىْ صَحيحِ العينيْنِ، فليس عليه إلَّا دِيَةٌ، عَمْدًا كان أو خطأً. وذكرَ الْقاضى، أنَّ قِياسَ المذهبِ وُجوبُ دِيتَيْن؛ إحْداهما في العيْنِ التي اسْتَحَقَّ
стр. 6249
بها قلعَ عَيْنِ الأعْورِ، وَالأُخْرَى في الأُخْرَى؛ لأنَّها عَيْنُ أعْوَرَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ". ولأنَّه قَلَعَ عَيْنَيْنِ، فلم يَلْزَمْه أكْثرُ مِن الدِّيَةِ، كما لو كان القالعُ (٣٢) صَحيحًا، ولأنَّه لم يزِدْ على تَفْويتِ مَنْفعةِ الجِنْسِ، فلم يَزِدْ على الدِّيَة، كما لوْ قطَعَ أُذُنَيْه (٣٣). وما ذكَره القاضي لا يصِحُّ؛ لأنَّ وُجوبَ الدِّيَةِ في إحْدَى عَينيْهِ لا يجعلُ الأخْرَى عَيْنَ أعْوَرَ، على أنَّ وُجوبَ الدِّيةِ بقَلْعِ إحْدَى العيْنَيْنِ قَضِيَّةٌ مُخالِفةٌ للخبَرِ والْقِياسِ، صِرْنا إليها لإِجْماعِ الصَّحابةِ عليها، ففيما عدا مَوْضِعِ الإِجْماعِ، يجبُ العملُ بهما، والبقاءُ عليهما، فإنْ كان قَلَعَهما عَمْدًا، فاخْتارَ القِصَاص، فليس له إلَّا قَلْعُ عَيْنِه؛ لأنَّه أذْهبَ بَصَرَه كُلَّه، فلم يكُنْ له أكثرُ من إذْهابِ بَصَرِه، وهذا مَبْنىٌّ على ما تقدَّم من قَضاءِ الصَّحابةِ أنَّ (٣٤) عيْنَ الأعْورِ تَقومُ مَقامَ العيْنينِ. وأكثرُ أهْلِ العلْم على أنَّ له القِصاصَ من العَيْن، ونصْفَ الدِّيَةِ للعيْنِ الأُخْرَى، وهو مُقْتَضى الدَّليلِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإنْ قَطَعَ يَدَ أَقْطَعَ، أوْ رِجْلَ أقْطَعَ الرِّجْلِ، فله نِصفُ الدِّيَةِ، أو القِصَاصُ من مِثْلِها؛ لأنَّه عُضْوٌ أمْكَنَ القِصَاصُ من مِثْلِه، فكانَ الواجبُ فِيه القِصاصُ أو دِيَةُ مثْلِه، كما لو قطعَ أُذُنَ مَن له أُذُنٌ وَاحدةٌ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الْأُولَى إنْ كانتْ قُطِعَت ظُلْمًا وأخذَ دِيَتَها، أو قُطِعَتْ قِصاصًا، ففيها نصفُ دِيَتِها، وإنْ قُطِعتْ في سبيلِ اللهِ، ففى (٣٥) الباقيةِ دِيةٌ كاملةٌ؛ لأنَّه عطَّلَ منافِعَه من العُضْويْنِ جُمْلةً، فأشْبَهَ قَلْعَ عَيْنِ الأعْورِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذا أحدُ العُضْويْن اللَّذيْنِ تحْصُلُ بهما مَنْفَعةُ الجِنْسِ، لا يقومُ مَقامَ العُضْوين، فلم تَجبْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ الأعضاءِ، وكما لو
стр. 6250
كانت الأُولَى أُخِذَت قِصَاصًا، أو في غيرِ سبيلِ اللهِ، ولا يصِحُّ القياسُ على عيْنِ الأعْورِ لوُجوهٍ ثَلاثة؛ أحدها، أنَّ عينَ الأعْوَرِ حصَلَ بها ما يحصُلُ بالعَيْنيْنِ، ولم يَخْتلفا في الحقيقةِ والأحْكامِ إلَّا تَفاوُتًا يَسِيرًا، بخلافِ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ. والثانى؛ أنَّ عَيْنَ الأعْورِ لم يخْتلِفِ الحُكْمُ فيها باخْتلافِ صفةِ ذَهابِ الأُولَى. وههُنا اخْتلَفَ (٣٦). الثالث؛ أنَّ هذا التَّقديرَ والتَّعْيِينَ على هذا الوجْهِ أمرٌ لا يُصارُ إليه بِمُجَرَّدِ الرَّأْىِ، ولا تَوْقِيفَ فيه فيصارُ إليه، ولا نَظيرَ له فيُقاسُ عليه، فالمصيرُ إليه تَحكُّمٌ بغير دليلٍ، فيجبُ اطِّراحُه. وإنْ قُطِعَتْ أذُنُ من قُطِعتْ أذنُه، أو مَنْخَرُ مَن قُطِعَتْ مَنْخَرُه، لم يجبْ فيه أكثرُ من نِصْفِ الدِّيَةِ، رِوايةً واحدةً؛ لأنَّ مَنْفَعةَ كلِّ أُذنٍ لا تتعلَّقُ بالأُخْرَى، بخلافِ العَيْنَيْنِ.
١٤٨٤ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْأَشْفَارِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهمَا رُبْعُ الدِّيَةِ)
يَعْنى أجْفانَ العَيْنَيْنِ، وهى أربعةٌ، ففى (١) جَميعِها الدِّيَةُ؛ لأنَّ فيها مَنْفَعةَ الجنْسِ، وفى كلِّ واحدٍ منها رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كُلَّ ذى عَدَدٍ تجبُ في جميعِه الدِّيَةُ، تجبُ في الواحدِ منها بحِصَّتِه منَ الدِّيَةِ، كاليديْنِ والأصابعِ. وبهذا قال الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن مالكٍ (٢) في جَفنِ الْعَيْنِ وحَجاجِها (٣) الاجْتهادُ؛ لأنَّه لم يُعْلَمْ تقديرُه عن النَّبِيِّ ﷺ ، والتَّقْدِيرُ لا يَثْبُتُ قِياسًا. ولَنا، أنَّها أعْضاءٌ فيها جمالٌ ظاهرٌ، ونَفْعٌ كاملٌ؛ فإنَّها تُكِنُّ العَيْنَ، وتحْفَظُها، وتَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، وتكونُ كالغَلَقِ عليها، يُطْبِقُه إذا شاءَ، ويفتحُه إذا شاء، ولولاها لقَبُحَ مَنْظرُه، فوجَبتْ فيها الدِّيَةُ، كاليديْنِ، ولا نُسلِّمُ أنَّ التَّقْديرَ لا يَثْبُتُ قِياسًا. فإذا ثَبتَ
стр. 6251
هذا، فإنَّ في أحدِها رُبْعُ الدِّيَةِ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه يجبُ في الأعْلَى ثُلُثَا دِيَةِ العَيْنِ، وفى الأسْفَلِ ثُلثُها؛ لأنَّه أكثرُ نَفْعًا. ولَنا, أنَّ كُلَّ ذى عَدَدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ في جَمِيعِه، تجبُ بالحِصَّةِ في الواحدِ منه، كاليدَيْنِ والأصابعِ، وما ذكرَه يبْطُلُ باليُمْنَى مَعَ اليُسْرَى والأصَابعِ. وإنْ قلَعَ العينَيْنِ بأشْفارِهما، وجبَتْ دِيتان؛ لأنَّهما جِنْسان تجبُ الدِّيَةُ بكلِّ واحدٍ منهما مُنْفرِدًا، فوجَبتْ بإتْلافِهما جُمْلةً دِيَتَانِ، كاليَدَيْنِ، والرِّجْلينِ. وتجبُ الدِّيَةُ في أشْفارِ عَيْنِ الأعْمَى؛ لأنَّ ذهَابَ بصَرِه عَيْبٌ في غيرِ الأجْفانِ، فلمْ يَمْنَعْ وُجوبَ الدِّيَةِ فيها، كذَهابِ الشَّمِّ، لا يَمْنَعُ (٤) وُجوبَ الدِّيَةِ في الأنْفِ.
فصل: وتجبُ في أهْدابِ العَيْنَيْنِ بِمُفْرَدِها الدِّيَةُ، وهو الشَّعَرُ الذي على الأجْفانِ، وفى كلِّ واحدٍ منها رُبْعُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ: فيها (٥) حُكومةٌ. ولَنا، أنَّ فيها جَمالًا ونَفْعًا، فإنَّها تَقِى العينَيْنِ (٦)، وتَرُدُّ عنهما (٧)، وتُحسِّنُ العَيْنَ وتُجمِّلُها، فوجبَتْ فيها الدِّيَةُ كالأجْفانِ، فإن قطَعَ الأجْفانَ بأهْدابِها، لم يجبْ أكثرُ من دِيَةٍ؛ لأنَّ الشَّعَرَ يُزولُ تَبَعًا لزَوالِ الأجفانِ، فلم تُفْرَدْ بضَمانٍ، كالأصابعِ إذا قَطَعَ اليدَ وهى عليها.
١٤٨٥ - مسألة؛ قال: (وَفِى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ)
رُوِىَ ذلك عن عُمرَ، وعلىٍّ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والثَّوْرىُّ، والأوْزاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ومالِكٌ في إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عنه، وقال في الأُخْرَى: فيهما حُكومةٌ (١)؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقْديرٍ، ولا يثْبُتُ التَّقْديرُ بالقِيَاسِ. ولَنا، أنَّ في كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ لعَمْرو بنِ حَزْمٍ: "وَفِى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ" (٢).
стр. 6252
ولأنَّ عُمرَ وعليًّا قضَيا فيهما بالدِّيَةِ (٣). فإن قيل: فقدْ رُوِىَ عن أبي بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَضَى في الأُذُنِ بخَمْسةَ عَشَرَ بعيرًا (٤). قُلْنا: لم يثْبُتْ ذلك. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. ولأنَّ ما كانَ في البدَنِ منه عُضْوانِ، كان فيهما الدِّيَةُ، كاليدينِ، وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ، بغيرِ خِلافٍ بين القائلينَ بوُجوبِ الدِّيَةِ فيهما، ولأنَّ كلَّ عُضْوينِ وَجَبتِ الدِّيَةُ فيهما، وجبَ في أحدِهما نصفُها، كاليَدَيْنِ، وإنْ قَطَعَ بعضَ إحْداهما، وجَبَ بقدْرِ ما قَطَعَ من دِيَتِها، ففى نصفِها نصفُ دِيَتِها، وفي رُبعِها رُبعُها، وعلى هذا الحسابُ، سواءٌ قَطَعَ من أعْلَى الأُذُنِ أو أسْفلِها، أو اخْتَلفَ في الجمالِ، أو لم يخْتلِفْ، كما أنَّ الأسنانَ والأصابعَ تخْتلِفُ في الجمالِ والمَنْفَعةِ، ودياتُها سَواءٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀؛ أنَّ (٥) في شَحْمةِ الأُذُنِ ثُلثَ الدِّيَةِ. والمذهبُ. الأوَّلُ. وتجبُ الدِّيَةُ في أُذُنِ الأصَمِّ؛ لأنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ في غيرِ الأذُنِ، فلم يُؤثِّرْ في دِيَتِها. كالعَمَى لا يُؤَثِّرُ في دِيَةِ الأجْفانَ. وهذا قولُ الشافعىِّ. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا.
فصل: فإنْ جَنَى على أُذُنِه فاسْتحْشَفَتْ، واسْتحْشافُها كشللِ سائرِ الأعضاءِ، ففيها حُكومةٌ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخرِ: في ذلك دِيَتُها؛ لأنَّ ما وجبَتْ دِيَتُه بقَطْعِه، وجَبتْ بشَلَلِه، كاليَدِ والرِّجْلِ. ولَنا، أنَّ نفْعَها باقٍ بعدَ استحْشَافِها وجَمالَها، فإنَّ نفْعَها جَمْعُ الصَّوْتِ، ومَنْعُ دخُولِ الماءِ والهَوامِّ في صِمَاخِه، وهذا باقٍ بعدَ شَلَلِها، فإنْ قَطَعَها قاطعٌ بعدَ اسْتِحْشَافِها، ففيها دِيَتُها؛ لأنَّه قَطَعَ أُذُنًا فيها جَمالُها ونَفْعُها، فوجَبتْ دِيَتُها كالصَّحيحةِ، وكما لو قلعَ عَيْنًا عَمْشاءَ أو حوْلاءَ.
١٤٨٦ - مسألة؛ قال: (وَفِى السَّمْعِ إذَا ذَهَبَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ)
لا خلافَ في هذا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عوامُّ أهْلِ العلْمِ، على أنَّ في السَّمْعِ
стр. 6253
الدِّيَةَ. رُوِىَ ذلك عن عُمرَ (١). وبه قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرىُّ، والأوْزاعىُّ، وأهلُ الشَّامِ، وأهلُ العراقِ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا أعلم عن غيرِهم خلافًا لهم. وقد رُوِىَ عن مُعاذٍ، أنَّ (٢) النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَفِى السَّمْعِ الدِّيَةُ" (٣). ورَوَى أبو المُهَلَّبِ، عن أبي قِلَابةَ، أنَّ رجلًا رَمَى رجُلًا بحجَرٍ في رأسِه، فذَهَبَ سمعُه وعَقْلُه ولسانُه ونكاحُه، فقَضَى عُمَرُ بأرْبعِ دِيَاتٍ، والرَّجلُ حَىٌّ (٤). ولأنَّها حاسَّةٌ تخْتصُّ بنَفْعٍ، فكانَ فيها الدِّيَةُ، كالبصَرِ. وإنْ ذهبَ السَّمْعُ من إحْدَى الأُذُنينِ، وجبَ نصفُ الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ البصرُ من إحْدَى العَيْنَيْنِ. وإن قطَعَ أُذُنَيْه (٥)، فذهبَ سمْعُه، وجبَتْ دِيَتان؛ لأنَّ السَّمْعَ في غيرِهما، فأشْبَهَ ما لو قطَع (٦) أجْفانَ عَيْنَيْه فذَهبَ بصرُه، بخلافِ العَيْنِ إذا قُلِعَتْ فذهَبَ بصرُه. فإنَّ البصرَ في العَيْنِ، فأشْبَهَ البَطْشَ الذَّاهِبَ بقَطْعِ اليدِ.
فصل: وإن إخْتَلفا في ذَهابِ سَمْعِه، فإنَّه يُتَغَفَّلُ ويُصاحُ به، ويُنْظَرُ اضْطِرابُه، ويُتأمَّلُ عندَ صَوْتِ الرَّعْدِ والأصْواتِ المُزْعِجَةِ، فإنْ ظَهر منه انْزِعاجٌ، أو الْتِفاتٌ، أو ما يَدُلُّ على السَّمْعِ، فالقولُ قولُ الجانى مع يَمِينِه؛ لأنَّ ظُهورَ الأماراتِ يُدلُّ على أنَّه سَمِيعٌ (٧)، فغلَبتْ جَنْبَةُ المُدَّعِى، وحَلَفَ، لجوازِ أنْ يكونَ ما ظهرَ منه اتِّفاقًا، وإنْ لم يوجدْ منه شيءٌ من ذلك، فالقولُ قولُه، مع يَمِينه؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه غيرُ سَميعٍ، وحَلَفَ لجَوازِ أن يكونَ احْتَرزَ وتصَبَّرَ. وإن ادَّعى ذلك في إحْداهما، سُدَّتِ الأُخْرَى، وتُغُفِّلَ
стр. 6254
على ما ذكرْنا. فإن ادَّعَى نُقْصانَ السَّمْعِ فيهما، فلا طريقَ لنا إلى مَعْرفةِ ذلك إلَّا من جِهَتِه، فيُحلِّفُه الحاكمُ، ويُوجِبُ حُكُومةً. وإن ادَّعَى نَقْصَه في إحْداهما، سَدَدْنا العَلِيلةَ، وأطلَقْنا الصَّحيحةَ، وأقَمْنا مَن يُحدِّثُه وهو يتَباعَدُ إلى حيثُ يقولُ: إنِّي لا أسمعُ. فإذا قال: إنِّي لا أسمعُ. غَيَّرَ عليه الصوتَ والكلامَ، فإنْ بانَ أنَّه يسْمَعُ، وإلَّا فقد كَذَبَ، فإذا انتْهَى إلى آخِرِ سَماعِه، قَدَّرَ المسافةَ، وسَدَّ الصَّحيحةَ، وأُطْلِقَتِ المريضةُ، وحدَّثَه وهو يتَباعدُ، حتى يقولَ: إنِّي لا أسْمَعُ. فإذا قال ذلك، غَيَّرَ عَليه الكلامَ، فإنْ تَغيَّرتْ صِفَتُه، لم يُقْبَلْ قولُه، وإنْ لم تَتَغَيَّرْ صِفَتُه، حَلَفَ، وقُبلَ قولُه، ومُسِحَتِ المَسافتانِ، ونُظِر ما نقصَتِ العليلةُ، فوجبَ بقَدْرِه. فإن قال: إنِّي أسْمَعُ العالِى، ولا أسمعُ الْخَفِىَّ. فهذا لا يُمْكِنُ تقْدِيرُه، فتَجبُ فيه حُكومةٌ.
فصل: فإنْ قال أهلُ الخِبْرةِ: إنَّه يُرْجَى عَوْدُ سَمْعِه إلى مُدَّةٍ. انتُظِرَ إليها، وإنْ لم يكُنْ لذلك غايةٌ، لم يُنْتظَرْ. ومتى عاد السَّمْعُ، فإنْ كان قبلَ أخْذِ الدِّيَةِ، سقَطَتْ، وإن كانَ بعدَه، رُدَّتْ. على ما قُلْنا في البَصَرِ.
١٤٨٧ - مسألة؛ قال: (وَفِى قَرْعِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتِ الشَّعَرُ الدِّيَةُ. وَفِى شَعَرِ اللِّحْيَةِ الدِّيَةُ، إذَا لَمْ يَنْبُتْ. [وَفِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةُ إذَا لَمْ تَنْبُتْ] (١))
هذه الشُّعورُ الثلاثةُ في كلِّ واحدٍ منها دِيَةٌ. وذكرَ أصحابُنا مَعها شَعرًا رابعًا، وهو أهْدابُ العَيْنَيْنِ، وقد ذكرْناه قبلَ هذا. ففى كلِّ واحدٍ منهما دِيَةٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وممَّن أوْجَبَ في الحاجِبَيْنِ الدِّيَةَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وقَتادةُ. ورُوِىَ عن عليٍّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّهما قالا في الشَّعَرِ: فيه الدِّيَةُ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ: فيه حُكومةٌ. واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه إتْلافُ جمالٍ من غيرِ مَنْفَعةٍ فلم تجِبْ فيه الدِّيَةُ، كالْيَدِ الشَّلَّاء والعَيْنِ القائِمةِ. ولَنا، أنَّه أذْهبَ الجمالَ على الكمالِ،
стр. 6255
فوجبَ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كأُذُنِ الأصَمِّ، وأنْفِ الأخْشَمِ، وما ذكرُوه مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الحاجِبَ يَرُدُّ العَرَقَ عن العَيْنِ ويُفَرِّقُه، وهُدْبَ العَيْنِ يَرُدُّ عنها ويَصُونُها، فجَرَى مَجْرَى أجْفانِها. وينْتَقِضُ ما ذكرُوه بالأصلِ الذي قِسْنا عليه، ويُفارِقُ الْيَدَ الشَّلَّاءَ، فإنَّه ليس جَمالُها كاملًا.
فصل: وفى أحَدِ الحاجِبَيْن نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ شَيْئَيْنِ فيهما الدِّيَةُ، ففى أحدِهما نصفُها، كاليَدَيْنِ. وفى بعضِ ذلك، أو ذَهابِ شيءٍ من الشُّعُورِ المذكورةِ، من الدِّيَةِ بقِسْطِه من دِيَتِه، يُقدَّرُ بالْمساحةِ، كالأُذُنَيْنِ، ومارِنِ الأنْفِ. ولا فَرْقَ في هذه الشُّعورِ بين كَوْنِها كَثِيفةً أو خفيفةً، أو جميلةً أو قبيحةً، أو كوْنِهَا من صغيرٍ أو كبيرٍ؛ لأنَّ سائرَ ما فيه الدِّيَةُ من الأعْضاءِ، لا يَفْترِقُ الحالُ فيه بذلك. وإن أبْقَى من لِحْيتِه ما لا جمالَ فيه، أو [من غيرِها] (٢) من الشُّعورِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُؤْخَذُ بالقِسْطِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ يجبُ في بعضِه بحِصَّتِه، فأشْبَهَ الأُذُنَ ومارِنَ الأنْفِ. والثانى، تجبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه أذْهَبَ المقْصودَ كلَّه، فأشْبَهَ ما لو أذهبَ ضَوءَ العَيْنَيْنِ؛ ولأنَّ جِنايتَه رُبَّما أحْوَجَتْ إلى إذْهابِ الباقى، لزيادتِه في القُبْحِ على ذَهابِ الكُلِّ، فتكونُ جِنايتُه سببًا لذَهابِ الكُلِّ، فأوجبَتْ دِيَتَه، كما لو ذَهب بسِرَايةِ الفِعْلِ، أو كما لو احْتاجَ في دَواءِ شَجَّةِ الرأسِ إلى ما ذهبَ بضَوْءِ عَيْنِه.
فصل: ولا تجبُ الدِّيَةُ في شيءٍ من هذه الشُّعورِ إلَّا بذهابِه على وَجْهٍ لا يُرْجَى عَوْدُه، مثل أنْ يَقْلِبَ على رأسِه ماءً حارًّا، فتَلِفَ مَنْبَتُ الشَّعَرِ، فيَنْقَلِعَ بالكُلِّيَّة، بحيث لا يعودُ. وإن رُجِىَ عَوْدُه إلى مُدَّةٍ، انْتُظِر إليها. وإن عادَ الشَّعَرُ قبلَ أخْذِ الدِّيَةِ، لم تجِبْ، فإنْ عادَ بعدَ أخْذِها، ردَّها. والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في ذهَابِ السَّمْعِ والبصَرِ، فيما يُرْجَى عَوْدُه، وفيما لا يُرْجَى.
فصل: ولا قِصاصَ في شيءٍ من هذه الشُّعورِ؛ لأنَّ إتْلافَها إنَّما يكونُ بالجِنايةِ على
стр. 6256
مَحَلِّها، وهو غيرُ معلومِ المِقْدارِ، فلا تُمْكِنُ المُساواةُ فيه، فلا يجبُ القِصاصُ فيه.
١٤٨٨ - مسألة؛ قال: (وَفِى الْمَشَامِّ الدِّيَةُ)
يَعْنى الشَّمَّ، في إتْلافِه الدِّيَةُ؛ لأنَّه حَاسَّةٌ، تَخْتَصُّ بمَنْفَعَتِه (١)، فكانَ فيها الدِّيَةُ، كسائرِ الحَواسِّ. ولا نَعْلمُ في هذا خِلافًا. قال القاضي: في كتاب عمرِو بن حَزْمٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "وَفِى الْمَشَامِّ الدِّيَةُ" (٢). فإن ادَّعَى ذَهابَ شَمِّه، اغْتَفَلْناه بالرَّوائحِ الطَّيِّبةِ أو المُنْتِنَةِ (٣)، فإنْ هَشَّ للطَّيِّبِ، وتنَكَّرَ للمُنْتِنِ، فالقولُ قولُ الجانِي مع يَمينِه، وإنْ لم يَبِنْ منه ذلك، فالقولُ قوُل المَجْنِىِّ عليه، كَقْولِنا (٤) في اخْتلافِهم في السَّمْعِ. وإن ادَّعَى المَجْنِىُّ عليه نَقْصَ شَمِّه، فالقولُ قولُه مع يَمِينه؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى معرفةِ ذلك إلَّا من جِهَتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في انْقضاءِ عِدَّتِها بالأقْراءِ، ويجبُ له من الدِّيَةِ ما تُخرِجُه الحُكومةُ. وإنْ ذهبَ شَمُّهُ ثم عادَ قبلَ أخْذِ الدِّيَةِ، سقطَتْ، وإن كان بعدَ أخْذِها، رَدَّها؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنَّه لم يكُنْ ذهبَ. وإن رُجِىَ عَوْدُ شَمِّه إلى مُدَّةٍ، انتُظِرَ إليها. وإنْ ذهبَ شَمُّه مِن أحَدِ مَنْخَرَيْهِ، ففيه نصْفُ الدِّيَةِ، كما لو ذَهَبَ بصَرُه من إحْدَى عَيْنَيه.
فصل: وفى الأنْفِ الدِّيَةُ إذا (٥) قُطِعَ مارِنُه، بغيْرِ خِلافٍ بينهم. حكَاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ المُنْذِرِ عَمَّن يَحْفَظُ (٦) عنه من أهلِ العلمِ. وفى كتاب عمرو بن حَزْمٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "وَفِى الأنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ" (٢). وفي رِوايةِ مالكٍ، في
стр. 6257
"المُوَطَّإِ": "إِذَا أُوعِىَ جَدْعًا". يعني به (٧): استُوعِبَ واستُؤْصِلَ، ولأنَّه عُضوٌ فيه جَمالٌ ومَنْفَعةٌ، ليس في البدَنِ منه إلَّا شيءٌ واحدٌ، فكانتْ فيه الدِّيَةُ، كاللسانِ، وإنَّما الدِّيةُ في مَارِنهِ، وهو ما لَانَ منه. هكذا قال الخليلُ وغيرُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن طاوُسٍ، أنَّه قال: كانَ (٨) في كتاب رسولِ اللَّه ﷺ : "وفِي الأَنْفِ، إذَا أُوعِبَ مَارِنُهُ جَدْعًا الدِّيَةُ" (٩). ولأنَّ الذي يُقْطَعُ فيه ذلك، فانْصَرفَ الخبرُ إليه. فإنْ قُطِعَ بَعضُهُ، ففيه بقَدْرِه من الدِّيَةِ، يُمْسَحُ ويُعْرَفُ قَدْرُ ذلك منه، كما قُلْنا في الأُذُنَيْنِ (١٠). رُوى هذا عن عُمرَ بنِ عبد العزيز، والشَّعْبِىِّ، والشَّافعىِّ. وإن قُطِعَ أحدُ المَنْخَريْنِ، ففيه ثُلثُ الدِّيَةِ، وفى المَنْخَرين ثُلُثاها، وفى الحاجزِ بينهما الثُّلثُ: قال أحمدُ: في الوَتَرَةِ (١١) الثُّلُثُ، [وفى الْخَرَمةِ] (١٢) في كلِّ واحدٍ منهما (١٣) الثُّلُثُ. وبهذا قال إسحاقُ. وهو أحدُ الوَجْهَينِ لأَصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ المارِنَ يشْتمِلُ على ثلاثةِ أشياءَ من جِنْسٍ، فتَوزَّعتِ الدِّيةُ على عَدَدِها، كسائرِ ما فيه عَدَدٌ من جِنْسٍ، من اليَدَيْن، والأصابعِ، والأجْفان الأرْبعةِ. وحكى أبو الخَطَّابِ وَجْهًا آخَر، أنَّ (١٤) في المَنْخَريْن الدِّيَةَ، وفى الحاجِزِ بينهما حُكومةٌ؛ لقَوْلِ أحمدَ: في كلِّ زَوْجَيْن من الإِنْسانِ الدِّيَةُ. وهذا الوَجْهُ الثاني لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنْخَريْن ليس في البدَنِ لهما ثالثٌ، فأشْبَها اليَديْنِ؛ ولأنَّه بقَطْعِ المَنْخَريْن أذْهبَ الجمالَ كُلَّه، والمنفعةَ، فأشْبَهَ قَطْعَ اليَدَيْنِ. فعلى هذا الوجْهِ، في قَطْعِ أحدِ المَنْخَرَيْنِ نصْفُ الدِّيَةِ، وإن قَطَعَ معه الحاجِزَ، ففيه حُكومةٌ، وإن قطعَ
стр. 6258
نصفَ الحاجِزِ أو أقلَّ، أو أكثرَ، لم يزدْ على حُكومةٍ. وعلى الأوَّلِ، في قَطْعِ أحَدِ المَنْخَريْنِ ونِصفِ الحاجِزِ نصْفُ الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جميعِه مع المَنْخَرِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جُزْءٍ من الحاجزِ أو أحدِ المَنْخَرَيْنِ بقَدْرِه من ثُلُثِ الدِّيَةِ، [بقَدْرِ المسَاحةِ] (١٥)، فإنْ شقَّ الحاجِزَ بين المَنْخَرَيْن، ففيه حُكومةٌ، فإنْ بَقِىَ مُنْفرِجًا، فالحُكومةُ فيه أكثرُ.
فصل: وإن قَطَعَ المارِنَ مع القَصَبةِ، ففيه الدِّيَةُ، في قياسِ المذْهبِ. وهذا مذهبُ مالكٍ. ويَحْتَمِلُ أن تجبَ الدِّيَةُ في المارِنِ، وحُكومةٌ في القَصَبةِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المارِنَ وحدَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ (١٦)، فوجَبتِ الحُكومةُ في الزَّائدِ (١٧)، كما لو قطَع القَصَبةَ وحْدَها مع قَطْعِ لِسَانِه. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "وفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ". ولأنَّه عُضْوٌ واحدٌ، فلم يجبْ به أكثرُ من دِيَةٍ، كالذَّكَرِ إذا قُطِعَ من أصْلِهِ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بهذا، ويُفارِقُ ما إذا قُطِعَ لسانُه وقَصَبتُه؛ لأنَّهما عُضْوانِ، فلا تدْخُلُ دِيَةُ أحدِهما في الآخَر. وأمَّا العُضْوُ الواحدُ، فلا يَبْعدُ أنْ يجبَ في جميعِه ما يجبُ في بعضِه، كالذَّكَرِ يجبُ في حَشفَتِه (١٨) الدِّيَةُ التي تَجِبُ في جميعهِ، وأصابعِ اليَدِ يجبُ فيها ما يجبُ في الْيَدِ من الكُوعِ، وكذلِكَ أصابعُ الرِّجلِ، وفى الثَّدْىِ كلِّه مِثْلُ (١٩) ما في حَلَمتِه. فأمَّا إن قَطَعَ الأنْف وما تحتَه من اللَّحْمِ، ففى اللَّحْمِ حُكومةٌ؛ لأنَّه ليس من الأنْفِ، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ الذَّكرَ واللَّحْمَ الذي تحتَه.
فصل: فإنْ ضَربَ أنْفَه فأشَلَّه، ففيه حُكومةٌ. وإنْ قَطعَهُ قاطِعٌ بعدَ ذلك، ففيه دِيَتُه (٢٠)، كما قُلْنا في الأذُنِ. وقولُ الشافعيِّ ههُنا، كقَوْلِه في الأُذُنِ، على ما مَضَى
стр. 6259
شَرْحُه وتِبْيانُه (٢١). وإن ضَرَبَه فعَوَّجَه، أو غَيَّرَ لَوْنَه، ففيه حُكومةٌ. في قولِهم جميعًا. وفى قَطْعهِ بعدَ ذلك دِيَةٌ كاملةٌ، وإن قطَعَه إلَّا جِلْدةً بَقِىَ مُعلَّقًا بها (٢٢) فلم يلْتَحِمْ، واحتِيجَ إلى قَطْعِه، ففيه دِيَتُه (٢٣)؛ لأنَّه قَطَعَ جميعَه، بعضَه (٢٤) بالمُباشرةِ، وباقِيَهُ بالتَّسَبُّبِ، فأشْبَهَ ما لوْ سرَى قَطْع بعْضِه إلى قَطْعِ جميعِه. وإنْ رَدَّه فالْتحَمَ، ففيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لم يَبِنْ. وإنْ أبانَه فردَّه فالْتَحَمَ، فقال أبو بكر: ليس فيه إلَّا حُكومةٌ، كالتى قبلَها. وقال القاضي: فيه دِيَةٌ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أبانَ أنْفَه، فلزِمَتْه دِيَتُه، كما لو لم يلْتَحِمْ، ولأنَّ ما أُبِينَ قد نَجُسَ، فيلْزَمُه (٢٥) أن يُبِينَه بعدَ الْتحامِه. ومَن قال بقَوْلِ أبى بكر، منَعَ نجاسَتَه، ووُجوبَ إبانَتِه؛ لأنَّ أجْزاءَ الآدَمِىِّ كجُمْلتِه، بدليلِ سائرِ الحيواناتِ، وجُمْلتُه طاهِرةٌ، فكذلك أجْزاؤُه.
فصل: وإن قَطَعَ أنفَه، فذهَبَ شَمُّه، فعليه دِيَتان؛ لأنَّ الشَمَّ في غيْرِ الأنْفِ، فلا تدْخُلُ دِيَةُ أحدِهما في الآخَرِ، كالسَّمْعِ مع الأُذُنِ، والبصَرِ مع أجْفانِ العَيْنَيْنِ، والنُّطْقِ مع الشَّفَتَيْنِ. وإن قَطعَ أنْفَ الأخْشَمِ، وجَبتْ دِيَتُه؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ في غَيْرِ الأنفِ، فأشْبَهَ ما ذكرْنا.
١٤٨٩ - مسألة؛ قال: (وَفِى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ)
لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في (١) أنَّ في الشَّفَتين الدِّيَةَ، [وفى كِتاب عمرو بن حَزْمٍ الذي كتَبه له رسولُ اللَّه ﷺ : "وَفِى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ"] (٢). ولأنَّهما عُضْوان ليس في
стр. 6260
البدَنِ مِثْلُهما، فيهما جَمالٌ ظاهرٌ، ومَنْفعةٌ كاملةٌ، فإنَّهما طَبَقٌ على الْفَم يَقِيَانهِ ما يُؤْذِيه، ويسْتُرانِ الأسْنان، ويَرُدَّان الرِّيقَ، ويَنْفُخُ بهما، ويَتِمُّ بهما الْكلامُ، فإنَّ فيهما بعضَ مَخارجِ الحروفِ، فتجبُ فيهما الدِّيَةُ، كاليدَيْنِ والرِّجْلين. وظاهرُ المذْهَبِ أنَّ في كلِّ واحدةٍ منهما نصفَ الدِّيَةِ. ورُوِىَ هذا عن أبي بكرٍ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما (٣). وإليه ذهَبَ أكثرُ الفُقَهاء. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، روايةٌ أُخْرَى، أنَّ في العُلْيَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، وفى السُّفْلَى الثُّلُثَيْنِ؛ لأنَّ هذا يُرْوَى عن زيدِ بنِ ثابتٍ (٤). وبه قال سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ، والزُّهْرِىُّ. ولأنَّ المَنْفعةَ بها أعظمُ، لأنَّها التي تَدُورُ، وتتحرَّكُ، وتحْفَظُ الرِّيقَ والطَّعامَ، والعُلْيا ساكِنَةٌ لا حركةَ فيها. ولَنا، قولُ أبى بكر وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، ولأنَّ كلَّ شيئَيْن وجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، وجبَ في أحدِهما نصفُها، كسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّ كلَّ ذى عدَدٍ وجَبتْ فيه الدِّيَةُ يُسَوَّى (٥) بين جَمِيعِه فيها، كالأصابعِ والأسْنانِ، ولا اعْتبارَ بزيادةِ النَّفْعِ، بدليل ما ذكرْنَا من الأصْلِ.
فصل: فإنْ ضربَهما فأشلَّهما، وجبَتْ دِيَتُهما؛ لأنَّه أتْلَفَ مَنْفعتَهما، فوجبتْ دِيَتُهما، كما لو أشلَّ يَدَيْه، وإنْ تقلَّسَتا فلم تنْطَبِقا على الأسْنانِ، [أو اسْتَرْخَتَا فصارَتَا لا تَنْفصِلان] (٦) عن الأسْنان، ففيهما الدِّيَةُ؛ لأنَّه عطَّلَ مَنْفَعتَهما وجَمالَهما. وإنْ تقلَّسَتا بعضَ التَّقْلِيسِ، وجَبت الحُكْومةُ؛ لأنَّ مَنافعَهما لم تَبْطُلْ بالكُلِّيَّةِ.
فصل: حَدُّ الشَّفَةِ السُّفْلَى من أسْفل ما تَجافَى عن الأسْنان واللِّثَةِ ممَّا ارْتَفع عن جِلْدة الذَّقَنِ، وحدُّ العُلْيا من فوق ما تَجافَى عن الأسْنان واللِّثَةِ إلى اتِّصاله بالمَنْخَريْن
стр. 6261
والحاجِزِ، وحدُّهما طُولًا طولُ الفَمِ إلى حاشِيَةِ الشِّدْقَيْنِ، وليستْ حاشيةُ الشِّدْقَيْن منهما.
١٤٩٠ - مسألة؛ قال: (وَفِى اللِّسَانِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ الدِّيَةُ)
أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ في لسانِ (١) النَّاطِقِ. ورُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأصحابُ الحديثِ، وغيرُهم. وفى كتاب النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بن حَزْم: "وَفِى اللِّسَانِ الدِّيةُ" (٢). ولأنَّ فيه جمالًا ومَنْفعةً، فأشْبَهَ الأْنفَ؛ فأمَّا الجمال فقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عن الجمال، فقال: "فِي اللِّسَانِ" (٣). ويُقال: جَمالُ الرجلِ في لسانِه، والمرءُ بأصْغَريْه قلبِه ولسانِهِ. ويُقال: ما الإِنْسانُ لولا اللِّسانُ إلَّا صورةً مُمَثَّلَةً، أو بَهيمةً مُهْمَلَةً. وأمَّا النَّفْعُ، فإنَّ به تُبْلَغُ الأغْراضُ، وتُسْتَخْلَصُ الحقوقُ، وتُدْفَعُ الآفاتُ، وتُقْضَى (٤) الحاجاتُ، وتَتِمُّ العباداتُ؛ في القراءةِ، والذِّكرِ، والشُّكرِ، والأمرِ بالمعْروفِ، والنَّهْىِ عن المُنْكَرِ، والتَّعْليمِ، والدَّلالةِ على الحقِّ المُبِين والصِّراط المُسْتقيم، وبه يَذوقُ الطَّعامَ، ويسْتَعِينُ في مَضْغِه وتَقْليبه، وتَنْقيةِ الفَمِ، وتنْظيفِه، فهو أعْظَمُ الْأَعْضاءِ نَفْعًا، وأتَمُّها جَمالًا، فإيجابُ الدِّيَةِ في غَيرِه تَنْبيهٌ علي إيجابِها فيه. وإنَّما تجِبُ الدِّيَةُ في لِسان النَّاطقِ، فإنْ كان أخْرَسَ، لم تجبْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، بغيرِ خلافٍ؛ لذَهابِ نفْعِه المقْصودِ منه، كاليَدِ الشَّلَّاءِ، والعَيْنِ القائمَةِ.
فصل: وفى الْكلامِ الدِّيةُ، فإذا جنَى عليه فخَرِسَ، وجَبتْ دِيَتُه؛ لأنَّ كُلَّ ما تعلَّقتْ الدِّيَةُ بإتْلافِه، تعلَّقتْ بإتْلافِ مَنْفَعتِه، كاليَدِ. فأمَّا إنْ جَنَى عليه، فأذْهَبَ ذَوْقَه،
стр. 6262
فقالَ أبو الخطَّابِ: فيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ الذَّوْقَ حاسَّةٌ، فأشْبَهَ الشَّمَّ. وقياسُ المذهبِ أنَّه لا دِيَةَ فيه، فإنَّه لا يُخْتَلَفُ في أنَّ (٥) لسانَ الأخْرَسِ لا تجبُ فيه الدِّيَةُ. وقد نَصَّ أحمدُ، ﵀، على أنَّ فيه ثُلُثَ الدِّيَةِ. ولو وجبَ في الذَّوْقِ ديَةٌ، لَوجبتْ في ذَهابِه مع ذَهابِ اللِّسان بطَريقِ الأَوْلَى. واخْتلَف أصحابُ الشافعيِّ؛ فمنهم من قالَ: قد نَصَّ الشافعيُّ على وُجوبِ الدِّية فيه. ومنهم من قال: لا نَصَّ له فيه. ومنهم من قال: قد نَصَّ على أنَّ في لسانِ الأخْرسِ حكومةً، وإنْ ذهبَ الذَّوْقُ بذَهابِه. والصَّحيحُ، إنْ شاءَ اللَّه، أنَّه لا دِيَةَ فيه؛ لأنَّ في إجْماعِهم على أنَّ لسانَ الأخْرسِ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه؛ إجماعًا على أنَّها لا تكْمُلُ في ذَهاب الذَّوْقِ بمُفْرَدِه؛ لأنَّ كلَّ عُضْوٍ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه بمَنْفعتِه، لا تكْمُلُ [في مَنْفَعتِه] (٦) دُونَه، كسائِر الأعْضاءِ. ولا تَفْرِيعَ على هذا الْقَولِ. فأمَّا على الأوَّلِ، فإذا ذهَب ذَوْقُه كلُّه، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ، وإن نَقَصَ نَقْصًا غيرَ مُقَدَّرٍ، بأنْ يُحِسَّ المَذاقَ كلَّه، إلَّا أنَّه لا يُدْرِكُه على الكمالِ، ففيه حُكومةٌ، كما لو نَقَصَ بصرُه نقصًا لا يتَقَدَّرُ، وإنْ كان نَقْصًا يتَقَدَّرُ، بأنْ لا يُدرِكَ بأحدِ المَذاقِ الخَمْسِ، وهى: الحلاوةُ، والمرارةٌ (٧)، والحموضةُ، والمُلوحةُ، والعُذوبةُ، ويُدْرِكَ بالباقِى، ففيه خُمْسُ الدِّيَةِ، وفى اثْنتَيْن خُمُساها، وفى ثلاثٍ ثلاثةُ أَخْماسِها. وإنْ لم يُدْرك بواحدةٍ، ونقَصَ الباقى، فعليه خُمسُ الدِّيَةِ، وحُكومةٌ لنَقْصِ الباقى. وإن قطعَ لسانَ أخْرسَ، فذهبَ ذَوْقُه، ففيه الدِّيَةُ؛ لإِتْلافِه الذَّوْقَ. وإنْ جَنَى على لسانِ ناطِقٍ، فأذْهَب كلامَه وذَوْقَه، ففِيه دِيَتانِ. وإن قطَعَه، فذهبَا (٨) معًا، ففيه دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما يذْهبانِ تَبَعًا لذَهابِه، فوجَبتْ ديتُه دُونَ دِيَتِهما، كما لو قَتَلَ إنسانًا، لم تجبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ. ولو ذهَبتْ مَنافعُه مع بقائِه، ففى كلِّ مَنْفَعةٍ دِيَةٌ.
стр. 6263
فصل: وإنْ ذهب بعضُ الكلامِ، وجبَ من الدِّيَةِ بقدرْ ما ذهَب، يُعْتَبرُ ذلك بحُروفِ المُعْجَمِ، وهى ثمانيةٌ وعشرون حرفًا سِوَى "لا"، فإنَّ مخرجَها مَخْرَجُ اللَّام والألفِ، فمهما (٩) نَقَصَ من الحُروفِ، وجَبَ من الدِّيَة بقَدْرِه؛ لأنَّ الْكلامَ يتمُّ بجميعِها، فالذَّاهبُ يجبُ أنْ يكونَ عِوَضُه من الدِّيَةِ كقَدْرِه من الكلامِ، ففى الحرفِ الواحدِ رُبْعُ سُبْعِ الدِّيَةِ، وفى الحرْفَيْنِ نصفُ سُبْعِها، وفى الأرْبعَةِ سُبْعُها، ولا فرْقَ بين ما خَفَّ من الحروفِ على اللِّسانِ وما ثَقُل؛ لأنَّ كلَّ ما وجبَ فيه المُقَدَّرُ لم يخْتلِفْ لاخْتلافِ قَدْرِه، كالأصابعِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تُقَسَّم الدِّيَةُ على الحروفِ التي لِلِّسانِ فيها عملٌ دُونَ الشَّفَوِيَّةَ (١٠)، وهى أربعة؛ الباءُ، والميمُ، والفاءُ، والواو. دون حروف الحَلْقِ السِّتَّةِ؛ الهمزةِ، والهاءِ، والحاءِ، والخاءِ، والعينِ، والغينِ. فهذه عشرةٌ، بقى ثمانيةَ عشرَ حرفًا للِّسانِ، تُقَسَّمُ (١١) دِيَتُه عليها؛ لأنَّ الدِّيةَ تجبُ بقطْعِ اللِّسان، وذَهابِ هذه الحروف وحْدَها مع بقائِه، فإذا وجبَتِ الدِّيَةُ فيها بمُفْردِها، وجَبَ في بعضها بقِسْطِه منها، ففى الواحدِ نصفُ تُسْعِ الدِّيَةِ، وفى الاثنَيْن تُسْعُها، وفى الثلاثةِ سُدُسُها. وهذا قول بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ. وإنْ جَنَى على شَفَتِه، فذهبَ بعضُ الحروفِ، وجَب فيه بقَدْرِه، وكذلك إنْ ذهَب بعضُ حروفِ الحَلْقِ بجنايتِه. وينْبغِى أن تجبَ بقَدْرِه من الثمانية والعشرين، وَجْهًا واحدًا. [وإن ذهبَ حرفٌ فعَجزَ عن كلمةٍ، لم يجبْ غيرُ أرْشِ الحرفِ؛ لأنَّ الضَّمانَ إنَّما يجب لما تَلِفَ] (١٢)، وإن ذهب حرفٌ، فأبْدَلَ مكانَه حرفًا آخَرَ، كأنَّه كان (١٣) يقول: دِرْهمٌ. فصار يقول: دِلْهم. أو: دِغْهم. أو: دِيْهَم. فعليه ضَمانُ الحَرْفِ الذَّاهبِ؛ لأنَّ ما تَبدَّلَ لا يقومُ مَقامَ الذاهبِ في القراءةِ ولا غيرِها؛ فإنْ جَنَى عليه فذهبَ البدلُ، وجَبتْ دِيَتُه أيضًا؛ لأنَّه أصْلٌ. وإنْ لم يذهبْ
стр. 6264
شيءٌ من الكلام، لكنْ حصلَتْ فيه عَجَلةٌ أو تَمْتَمةٌ أو فَأْفَأةٌ، فعليه حُكومةٌ لما حَصَل من النَّقْصِ والشَّيْن، ولم تجبِ الدِّيةُ؛ لأنَّ المَنْفَعةَ باقِيةٌ. وإنْ جَنَى عليه جانٍ آخَرَ، فأذْهبَ كلامَه، ففيه الدِّيَةُ كاملةٌ، كما لو جَنَى على عَيْنِه جانٍ فعَمِشَتْ، ثم جَنَى عليها آخَرُ، فذَهَب ببَصَرِها. وإنْ أذْهبَ الأوَّلُ بعضَ الحروفِ، وأذْهبَ الثاني بَقِيَّةَ الكلامِ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما بقِسْطِه، كما لو ذهَبَ الأوَّلُ ببصرِ إحْدَى العَيْنيْنِ، وذهَب الآخَرُ ببصرِ الأُخْرَى. وإن كانَ أَلْثَغَ من غيرِ جنايةٍ عليه، فذهبَ إنسانٌ بكلامِه كلِّه، فإن كان مَأيُوسًا من زَوالِ لَثْغتِه، ففيه بقِسْطِ ما ذهَب من الحروفِ، وإن كان غيرَ مَأْيُوسٍ من زَوالِها، كالصَّبِىِّ، ففيه الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّ الظَّاهرَ زَوالُها. وكذلك الكبيرُ إذا أمْكَنَ إزالةُ (١٤) لَثْغتِه بالتَّعْليمِ.
فصل: إذا قَطَعَ بعضَ لِسانِه، فذهبَ بعضُ كلامِه، فإن اسْتَوَيا، مثل أنْ يَقْطَعَ رُبْعَ لِسانه، فيذهبَ رُبْعُ كلامِه، وجَب ربعُ الدِّيَةِ بقَدْرِ الذَّاهبِ منهما، كما لو قلَعَ إحْدَى عيْنَيْه فذَهبَ بصرُها. وإنْ ذهبَ من أحدِهما أكثرُ من الآخَرِ، كأنْ (١٥) قَطَعَ ربعَ لسانِه، فذهَب نصفُ كلامِه، أو قَطَعَ نصفَ لسانِه، فذهَب ربعُ كلامه، وجَب بقدْرِ الأكْثرِ، وهو نصفُ الدِّيَةِ في الحالَيْن؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من اللِّسان والكلامِ مَضْمونٌ بالدِّيةِ مُنْفَرِدًا، فإذا انْفَردَ نِصفُه بالذَّهابِ، وجَب النِّصْفُ، ألَا تَرى أنَّه لو ذهبَ نصفُ الكلامِ، ولم يذهبْ من اللِّسان شيءٌ، وجَب نِصفُ الدِّيَةِ، ولو ذهب نصفُ اللِّسانِ، ولم يذهبْ من الكلامِ شيءٌ، وجَب نصفُ الدِّيَةِ. وإن قَطَعَ رُبعَ اللِّسانِ، فذهبَ نِصفُ الكلامِ، وجَب نصفُ الدِّيَةِ، فإن قَطَع آخَرُ بقيَّةَ اللِّسانِ، فذهبَتْ بقيَّةُ الكلامِ، ففيه ثلاثةُ أوجهٍ؛ أحدها، عليه نصفُ الدِّيَةِ. هذا (١٦) قولُ القاضي. وهو أحدُ الوَجْهين لأصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ السَّالم نصفُ اللِّسانِ، وباقِيَه أَشَلُّ، بدليل ذَهابِ نصفِ
стр. 6265
الكلامِ. والثانى، عليه نصفُ الدِّيَةِ وحُكومةٌ للرُّبُع الأشلِّ؛ لأنَّه لو كانَ جميعُه أشلَّ، لَكانتْ فيه حُكومةٌ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا كان بعضُه أشلَّ، ففى ذلك البعضِ حُكومةٌ أيضًا. الثالث، عليه ثلاثةُ أَرْباع الدِّيَةِ. وهذا الوجهُ الثَّانى لأصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه قطَعَ ثلاثة أَرْباعِ لِسانِه، فذهب رُبعُ ونصفُ (١٧) كلامِه، فوجَبَتْ عليه ثلاثةُ أرباعِ الدِّيَةِ، كما لو قطَعَه أوَّلًا. ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّ بعْضَه أشلُّ؛ لأنَّ العُضْوَ متى كان فيه بعضُ النَّفْعِ، لم يكُنْ بعضُه أشلَّ، كالعَيْنِ إذا كان بصرُها ضَعيفًا، واليَدِ إذا كان بطْشُها ناقصًا. وإن قَطَعَ نصفَ لسانِه، فذهبَ رُبْعُ كلامِه، فعليه نصفُ دِيَتِه، فإنْ قَطَعَ الآخَرُ بقيَّتَه، فعليه ثلاثةُ أَرْباع الدِّيَةِ. وهذا أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. والآخَرُ، عليه نصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لم يقطَعْ إلَّا نصفَ لسانِه. ولَنا، أنَّه ذهبَ بثلاثةِ (١٨) أرْباعِ الكلامِ، فلزِمَه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَتِه، كما لو ذهب ثلاثةُ أرْباعِ الكلام بقَطْعِ نصفِ اللِّسانِ الأوَّل، ولأنَّه لو أذْهَبَ ثلاثةَ أرْباعِ الكلامِ مع بَقاءِ اللِّسان، لَزِمَه ثلاثةُ أرباعِ الدِّيَةِ، فَلأَنْ تجبَ بقَطْعِ نصفِ اللِّسانِ (١٩) أَوْلَى، ولو لمْ يقْطَع الثَّانى نصفَ اللسانِ، لكنْ جَنَى عليه جنايةً أذهَبَتْ (٢٠) بقِيَّةَ كلامِه مع بَقاءِ لِسانِه، لَكانَ عليه ثلاثةُ أرباع دِيَتِه؛ لأنَّه ذهبَ بثلاثِةِ أرباعِ ما فيه الدِّيَةُ، فكان عليه ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، كما لو جَنَى على صحيحٍ، فذهبَ بثلاثةِ أرْباعِ كلامِه، مع بقاءِ لِسانِه.
فصل: وإذا قَطَعَ بعضَ لِسانهِ عَمْدًا، فاقْتَصَّ المَجْنِىُّ عليه من مِثْلِ ما جنَى عليه به، فذهبَ من كلام الجانى مثلُ ما ذهَبَ من كلامِ المجْنِىِّ عليه أو أكثرُ (٢١)، فقد اسْتَوْفَى حقَّه، ولا شىءَ في الزَّائدِ؛ لأنَّه من (٢٢) سِرَايةِ القَوَدِ، وسِرَايةُ القَوَدِ غيرُ
стр. 6266
مَضْمونةٍ. وإنْ ذهَبَ أقلُّ، فلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ ما بَقِىَ؛ لأنَّه لم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فصل: وإذا قَطَعَ لسانَ صغيرٍ لم يتكلَّمْ لطُفوليَّتِه، وجبَتْ دِيَتُه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأنَّه لسانٌ لا كلامَ فيه، فلم تجبْ فيه دِيَةٌ، كلسانِ الأخْرَسِ. ولَنا، أنَّ ظاهرَه السَّلامةُ، وإنَّما لم يتكلَّمْ لأنَّه لا يُحْسِنُ الكلامَ، فوجَبتْ به الدِّيَةُ كالكبيرِ، ويُخالِفُ الأخْرسَ؛ فإنَّه عُلِمَ أنَّه أشَلُّ، ألا تَرَى أن أعضَاءَه لا (٢٣) يَبْطِشُ بها، وتجبُ فيها الدِّيَةُ. وإنْ بلغَ حَدًّا يتكلَّمُ مثلُه، فلم يتكلَّمْ، فقَطَعَ لسانَه، لم تجبْ فيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه لا يقْدِرُ على الكلامِ، ويَجبُ فيه ما يجبُ في لِسانِ الأخْرَسِ. وإنْ كَبِرَ فنطَقَ ببعضِ الحروفِ، وجبَ فيه بقَدْرِ ما ذهَب من الحروفِ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّه كان ناطِقًا. وإن كان قد بلغَ إلى حدٍّ يتحرَّكُ بالبكاءِ وغيرِه، فلم يتحرَّكْ، فقطعَه قاطِعٌ، فلا دِيَةَ فيه؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لو كانَ صحيحًا لتحرَّكَ. وإنْ لم يَبْلغْ إلى حَدٍّ يتحرَّك، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ سَلامتُه. وإن قَطَعَ لِسانَ كبيرٍ، وادَّعَى أنَّه كان أخْرَسَ، ففيه مثلُ ما ذكرْنا فيما إذا اخْتلَفا في شَللِ العُضْوِ المَقْطوعِ، على مَا ذكرْناه فيما مَضَى.
فصل: وإِنْ جَنَى عليه، فذَهبَ كلامُه أو ذَوْقُه، ثم عادَ، لم تجبْ الدِّيَةُ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّه لم يذْهَب، ولو ذهبَ لم يَعُدْ، وإن كان قد أخذَ الدِّيةَ ردَّها. وإن قَطَعَ لسانَه، فعادَ، لم تجب الدِّيَةُ أيضًا، وإنْ كانَ قدْ أخذَها ردَّها. قالَه أبو بكر. وظاهرُ مذهب الشَّافعىِّ، أنَّه لا يَرُدُّ الدِّيَة؛ لأنَّ العادة لم تَجْرِ بعَوْدِه، واختِصَاصُ هذا بعَوْدِه يدُلُّ على أنَّه هِبَةٌ مُجَدَّدةٌ. ولَنا، أنَّه عادَ ما وجبَتْ فيه (٢٤) الدِّيَةُ، فوجبَ ردُّ الدِّيَةِ، كالأسْنانِ وسائرِ ما يعودُ. وإِنْ قَطَعَ إنسانٌ نصفَ لسانِه، فذهَب كلامُه كلُّه، ثم قطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَه، فعادَ كلامُه، لم يجبْ رَدُّ الدِّيَةَ؛ لأنَّ الكلامَ الذي كان باللسانِ قد ذهبَ، ولم يَعُدْ إلى
стр. 6267
اللّسانِ، وإنَّما عادَ في مَحَلٍّ آخَرَ، بخلافِ التي قَبْلها. وإنْ قَطَعَ لسانَه، فذهب كلامُه، ثم عادَ اللّسانُ دُونَ الكلامِ، لم يَرُدَّ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قد ذهَب ما تجبُ الدِّيَةُ فيه بانْفِرادِه. وإنْ عادَ كلامُه دُون لِسانِه، لم يَرُدَّها أيضًا؛ لذلك.
فصل: وإذا كانَ لِلسانِه طَرَفان، فقَطَعَ أحدَهما، فذهبَ كلامُه، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنَّ ذهابَ الكلامِ بمُفْرَدِه يُوجِبُ الدِّيَةَ. وإنْ ذهبَ بعضُ الكلامِ، نَظْرتَ؛ فإنْ كان الطَّرَفان مُتَساويَيْنِ، وكان ما قطعَه بقَدْرِ ما ذهبَ من الكلامِ، وجبَ، وإنْ كان أحدُهما أكبرَ (٢٥)، وجبَ الأكثرُ، على ما مَضَى، وإنْ لم يذهبْ من الكلامِ شيءٌ، وجبَ بقَدْرِ ما ذهبَ من اللِّسانِ من الدِّيَةِ. وإنْ كانَ أحدُهما مُنْحرِفًا عن سَمتِ اللِّسانِ، فهو خِلْقةٌ زائِدةٌ، وفيه حُكومةٌ. وإنْ قَطَعَ جميعَ اللِّسانِ، وجبتِ الدِّيَةُ من غيْرِ زيادةٍ، سواءٌ كان الطرفانِ مُتساوِيَيْنِ أو مُخْتلِفَيْنِ. وقال القاضي: إنْ كانا مُتساوِيَيْن، ففيهما الدِّيَةُ، وإنْ كان أحدُهما مُنْحرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، وجبتِ الدِّيَةُ وحكومةٌ في الخِلْقَةِ الزَّائدةِ. ولَنا، أنَّ هذه الزِّيادةَ عَيْبٌ ونقْصٌ يُرَدُّ بها المَبِيعُ، ويَنْقُصُ من ثَمنِه، فلمْ يجبْ فِيها شيءٌ، كالسَّلْعَةِ في الْيَدِ. وربَّما عادَ القَوْلان إلى شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الحُكومةَ لا يَخْرُجُ بها شيءٌ إذَا كانتِ الزِّيادةُ عَيْبًا.
١٤٩١ - مسألة؛ قال: (وَفِى كُلِّ سِنٍّ خمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، إذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ (١)، وَالْأَضْرَاسُ والْأَنْيَابُ كَالأَسْنَانِ)
لا نعلمُ بيْنَ أهلِ العلْمِ خِلافًا في أنَّ دِيةَ الأسنانِ خَمْسٌ خمسٌ في كلِّ سنٍّ. وقد رُوِىَ ذلك عن عُمرَ بن الخطَّابِ، وابنِ عبَّاسٍ (٢)، ومُعاويةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُروةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، والثَّوْرىِّ، والشَّافعىِّ، وإسحاقَ،
стр. 6268
وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ". روَاه النَّسائىُّ (٣). وعن عمرو بن شُعَيْبِ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ". رَواه أَبو داودَ (٤). فأمَّا الأضْراسُ والأنْيابُ، فأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مِثْلُ الأسنانِ؛ منهم عُروةُ، وطاوسٌ، وقتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمد بنُ الحسنِ. ورُوِىَ ذلك عن ابن عبَّاس (٥)، ومعاويةَ. ورُوى عن عمرَ، رضى اللَّه عنه، أنَّه قَضَى في الأضْراسِ ببَعِيرٍ بَعِيرٍ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: لو كنْتُ أنا، لجعلتُ في الأضْراسِ بَعِيريْنِ بعيريْنِ، فتلك الدِّيَةُ سواء. ورَوى ذلك مالكٌ، في "مُوطَّإِهِ" (٦). وعن عَطاءٍ نحوُه. وحُكِىَ عن أحمدَ روايةٌ (٧)، أنَّ في جميعِ الأسْنان والأضْراسِ الدِّيةَ. فيتعيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايةِ على مثْلِ قولِ سعيدٍ؛ للإِجْمَاعِ على أنَّ في كلِّ سِنٍّ خمْسًا من الإِبلِ، ووُرُودِ (٨) الحديثِ به، فيكونُ في الأسْنان سِتُّون بعيرًا؛ لأنَّ فيه اثنىْ عَشْرَ سِنًّا، أرْبعَ ثَنايا، وأرْبعَ رَباعِيَّاتٍ (٩)، وأربعةَ أنْيابٍ، فيها خمسٌ خمسٌ، وفيه عِشرون ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عشرةٌ، خمسةٌ من فوْقٍ، وخمسْةٌ من أسْفلٍ، فيكونُ فيها أربعونَ بَعيرًا، في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرانِ، فتكْمُلُ الدِّيةُ. وحُجَّةُ من قال هذا، أنَّه ذُو عَدَدٍ
стр. 6269
يجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تزِدْ دِيَتُه على دِيَةِ الإِنسانِ (١٠)، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وسائرِ ما في البدنِ، ولأنَّها تشْتمِلُ على مَنْفعةِ جِنْسٍ، فلم تزِدْ دِيَتُها على الدِّيَةِ، كسائرِ مَنافعِ الجِنْسِ، ولأنَّ الأضْراسَ تخْتصُّ بالمنفعةِ دُونَ الجمالِ، والأسنانُ فِيها منفعةٌ وجَمالٌ، فاخْتلَفا في الأرْشِ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (١١)، بإسْنادِه عن ابن عبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هذِهِ وهذِهِ سَوَاءٌ". وهذا نَصٌّ. وقولُه في الأحاديثِ المُتقدِّمة: "في الأسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ". وَلم يُفَصِّلْ، يدْخُلُ في عُمومِها الأضْراسُ؛ لأنَّها أسنانٌ، ولأنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبتْ في جملةٍ كانتْ مَقْسومةً على العددِ دُونَ المنافعِ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، والشَّفَتَيْنِ، وقد أوْمأَ ابنُ عباسٍ إلى هذا، فقال: لا أعْتبِرُها بالأصابع فأمَّا ما ذكرُوه من المعنَى، فلا بُدَّ مِنْ مُخالفةِ القياسِ فيه، فمَنْ ذهبَ إلى [قَوْلِنا، خالَفَ] (١٢) المعنى الذي ذكرُوه، ومن ذهبَ إلى قوْلِهم، خالفَ التَّسْوِيَةَ الثابتةَ، بقياسِ سائرِ الأعضاءِ من جنْسٍ واحدٍ، فكان ما ذكرْناه مع مُوافقةِ الأخْبارِ وقولِ أكثرِ أهْلِ العلْمِ أوْلَى. وأمَّا على قَوْلِ عمرَ، أنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فيُخالِفُ القياسَيْنِ جميعًا، والأخبارَ، فإنَّه لا يُوجِبُ الدِّيَةَ الكاملةَ، وإنَّما يُوجِبُ ثمانينَ بعيرًا، ويُخالفُ بينَ الأعْضاءِ المُتجانِسَةِ. وإنَّما يجِبُ هذا الضَّمانُ في سِنِّ مَنْ قدْ ثُغِر (١٣)، وهو الذي أَبْدَلَ أسْنَانَه، وبلغَ حدًّا إذا قُلِعَتْ سِنُّه لم يَعُدْ بَدَلُها. ويُقالُ: ثُغِرَ (١٣)، واثَّغَرَ، واتَّغَر (١٣). إذا كان كذلك. فأمَّا سِنُّ الصَّبِىِّ الذي
стр. 6270
لم يُثْغِر، فلا يجِبُ بقَلْعِها في الحالِ شيءٌ. هذا قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا أعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك (١٤) لأنَّ العادةَ عَوْدُ سِنِّه، فلم يجِبْ فيها في الحالِ شيءٌ، كنَتْفِ شَعَرِه، ولكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُها؛ فإنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُيْأسُ من عَوْدِها، وجبَتْ دِيَتُها. قالَ أحمدُ، يتوقَّفُ سَنَةً؛ لأنَّه هو (١٥) الغالبُ في نَباتِها. وقال القاضي: إذا سقطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ هي، أُخِذَتِ الدِّيَةُ. وإن نَبَتَ مَكانَها أُخْرَى، لم تجِبْ دِيَتُها، كما لو نُتِفَ، شَعَرُه فعادَ مثلُه. لكنْ إن عادَتْ قصيرةً أو مشَّوهةً ففِيها حُكومةٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ ذلِكَ بسببِ الجنايةِ عليها. وإنْ أمْكَنَ تَقْديرُ (١٦) نَقْصِها عن نَظيرتِها، ففِيها من دِيَتِها بقَدْرِ ما نقَصَ. وكذلك إن كانتْ فيها ثُلْمَةٌ أمْكَنَ تَقْديرُها (١٧)، ففيها بقَدْرِ ما ذَهَبَ منها، كما لو كسَرَ من سِنِّه (١٨) ذلك القَدْرَ. وإنْ نبتَتْ أطْولَ (١٩) من أخَواتها، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ. وقيل فيها وَجْةٌ آخَرُ، لا شىءَ فيها؛ لأنَّ هذا زيادةٌ. والصحيحُ الأوَّل؛ لأنَّ ذلك شَيْنٌ حصَلَ بسببِ الجنايةِ، فأشبَهَ نَقْصَها. وإنْ نبتَتْ مائلةً عن صَفِّ الأسْنانِ، بحيثُ لا يُنْتَفَعُ بها، فَفِيها ديَتُها؛ لأنَّ ذلِكَ كذَهابِها، وإنْ كانَتْ يُنتفَعُ بها، ففيها حُكومةٌ؛ للشَّيْنِ الحاصلِ بها، ونَقْصِ نَفْعِها. وإن نبتَتْ صفراءَ أو حمراءَ أو مُتَغيِّرةً، ففيها حُكومةٌ؛ لنَقْصِ جمالِها. وإن نبتَتْ سوداءَ أو خضْراءَ، ففيها رِوَايتان، حكاهما القاضي؛ إحدَاهُما، فِيها دِيَتُها. والثَّانيةُ، فيها حُكومةٌ، كما لو سوَّدها من غيرِ قَلْعِها. وإنْ ماتَ الصَّبىُّ قبلَ اليَأْسِ مِن عَوْدِ سِنِّهِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا شىءَ له؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لو عاشَ لَعادتْ، فلم يجبْ فِيها شيءٌ، كما لو نُتِفَ شَعَرُه. والثَّانِى، فيها الدِّيَةُ؛ لأنَّه قلَعَ سِنًّا وأُيِسَ مِنْ عَوْدِها، فوجبَتْ دِيَتُها، كما لو