← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الساعاتِ إلا بِمَشَقَّةٍ. فإنْ لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَها سَبْعًا. فإنْ لم يُحْسِنْ شيئًا مِن القرآنِ، ولا أمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ قبلَ خُرُوجِ الوقتِ، لَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ لِلَّهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ؛ لِمَا رَوَى أبو داوُد، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي لا أسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شيئًا مِنَ القُرْآنِ، فَعَلِّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى منه. فقال: "قُلْ (٦٠): سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ". قَالَ: هذا لِلَّهِ. فما لىَ؟ قَالَ: " تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى، وَارْحَمْنِى، وَارْزُقْنِى، وَاهْدِنِى، وَعَافِنِى" (٦١). ولا يَلْزَمُه الزِّيَادَةُ على الخَمْسِ الأُوَلِ؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ اقْتَصَرَ عليها، وإنَّمَا زَادَهُ عليها حين طَلَبَ الزِّيَادَةَ. وذكر بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَزِيدُ على هذهِ الخَمْس كَلِمَتَيْنِ، حتى تكونَ مَقَامَ سَبْعِ آياتٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَهُ ذلكَ جَوَابًا لقولِهِ: عَلَّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى. والسؤالُ كالمُعادِ (٦٢) في الجوابِ، فكأنَّهُ قال: يُجْزِئُكَ هذا. وتُفَارِقُ القِرَاءَةَ مِنْ غيرِ الفاتحَةِ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِنْ غيرِ الجِنْسِ، فأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ. فإنْ لم يُحْسِنْ هذه الكلماتِ كلَّها، قال ما يُحْسِنُ منها. ويَنْبَغِى أنْ يَلْزَمَه تَكْرَارُ ما يُحْسِنُ منها بقَدْرِها، كمَنْ يُحْسِن بعضَ الفاتحَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "فإنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وهَلِّلْهُ، وكَبِّرْهُ". رَوَاهُ أبو داوُد (٦٣). ١٥١ - مسألة؛ قال: (فإذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ) وجُمْلَتُه أنَّ التَّأْمِينَ عند فَرَاغِ الفاتحَةِ سُنَّةٌ لِلإِمَامِ والمَأْمُومِ. رُوِىَ ذلك عن ابْنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيرْ، وبه قال الثَّوْرِيُّ، وعطاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، ويحيى بنُ

стр. 667

يحيى، وإسحاقُ، وأبو خَيْثَمة، وابنُ أبي شَيْبَةَ (١)، وسليمانُ بن داوُد (٢)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُسَنُّ (٣) التَّأمِينُ لِلإِمَامِ؛ لمَا رَوَى مالكٌ (٤)، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "إذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ (٥) ". وهذا دليلٌ على أنَّه لا يقُولُها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : "إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا قال: "وَلَا الضَّالِّينَ". قَالَ: "آمِينَ"، ورَفَعَ بها صوتَه، رَوَاهُ أبو داوُد (٧)، ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٨)، وقال: ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. وقال: هو (٩) حديثٌ

стр. 668

حسنٌ، وقد (١٠) قال بلالٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَسْبِقْنِى بآمِينَ" (١١). وحديثُهم لا حُجَّةَ لهم فيه، وإنَّمَا قُصِدَ به تَعْرِيفُهم مَوْضِعَ تَأْمِينِهم، وهو عَقِيبَ قولِ الإِمَامِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. لأنَّهُ مَوْضِعُ تَأْمِينِ الإِمامِ، ليكونَ تَأْمِينُ الإِمامِ والمَأْمُومِين في وقتٍ وَاحِدٍ مُوَافِقًا لِتَأْمِينِ الملائكةِ، وقد جاءَ هذا مُصَرَّحًا به، كما قُلْنَا، وهو مَا رُوِىَ عنِ الإِمامِ أحمدَ، في "مُسْنَدِهِ" (١٢). عن أبي هُرَيْرة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا قال الإِمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا: آمِينَ. فإنَّ المَلَائِكَةَ تَقولُ: آمِين. وَالإِمَامُ يَقُولُ: آمِين. فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّفْظِ الآخَرِ: "إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ". يَعْنِى إذا شَرَعَ في التَّأْمِينِ. فصل: ويُسَنُّ أنْ يَجْهَرَ به الإِمامُ والمأْمُومُ فيما يُجْهَرُ فيه بالقراءَةِ، وإخْفَاؤُها فيما يُخْفَى فيهِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه: يُسَنُّ إخْفَاؤُها؛ لأنَّه دُعَاءٌ. فاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُه كالتَّشَهُّدِ. وَلنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "آمِين". وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، ولأنَّ النَّبِيِّ ﷺ أمَرَ بالتَّأْمِينِ عندَ تَأْمِينِ الإِمامِ، فلو لم يَجْهَرْ بهِ لم يُعَلِّقْ عليه، كحَالَةِ الإِخْفَاءِ (١٣). وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بآخِرِ الفاتحَةِ، فإنَّهُ دُعَاءٌ ويُجْهَرُ به، ودُعاءُ التَّشَهُّدِ تابِعٌ له. فَيَتْبَعُهُ في الإِخْفَاءِ، وهذا تَابِعٌ لِلْقرَاءةِ فَيَتْبَعُها في الجَهْرِ. فصل: فإنْ نَسِىَ الإِمَامُ التَّأْمِينَ أمَّنَ المأْمُومُ، ورَفَعَ صوتَه؛ ليُذَكِّرَ الإِمامَ، فيَأْتِىَ به، لأنَّه سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ إذا تَرَكَها الإِمامُ أتى بها المَأْمُومُ، كالاسْتِعَاذَةِ، وإنْ أَخْفَاها الإِمَامُ جَهَرَ بها المَأْمُومُ؛ لما ذَكَرْنَاهُ. وإنْ تَرَكَ التَّأْمِينَ نِسْيَانًا، أو عَمْدًا، حتى شَرَعَ في قراءَةِ السُّورَةِ، لم يأْتِ به؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحَلُّها.

стр. 669

فصل: في "آمِينَ" لُغَتَانِ؛ قَصْرُ الألفِ، ومَدُّهَا، مع التَّخْفِيفِ فيهما، قال الشَّاعرُ: تَبَاعَدَ مِنِّى فُطْحُلٌ إذ دَعَوْتُهُ ... أَمِينَ فزَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا (١٤) وأنْشدُوا في المَمْدُودِ: يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّى حُبَّهَا أبَدًا ... ويرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قال آمِينَا (١٥) ومعنَى "آمِينَ" اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لي. قالَه الحسنُ. وقيل: هو اسمٌ مِن أسْماء اللهِ . ولا يجُوزُ التَّشْدِيدُ فيها؛ لأنَّه [يُحِيلُ معناها] (١٦)، فيَجْعَلُه بمعنى قاصِدين، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١٧). فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَسْكُتَ الإِمامُ عَقِيبَ قراءةِ الفاتحَةِ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فيها، ويقرأُ فيها مَن خَلْفَهُ الفاتحةَ، كَيْلَا يُنَازِعُوه فيها. وهذا مَذْهبُ الأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعيِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَهُ مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولَنا، ما رَوَى أبو داوُد، وابنُ مَاجَه (١٨)، أنَّ سَمُرَةَ، حَدَّثَ، أنَّه حَفِظَ عن رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 670

سَكْتَتَيْنِ؛ سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسكتةً إذا فَرَغَ مِن قرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَأنْكَرَ عليهِ عِمْرانُ، فكَتَبَا في ذلكَ إلى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، فكان في كتابه إليهِما، أنَّ سَمُرَةَ قد حَفِظَ. قال أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمنِ: للإِمامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فيهما القراءَةَ بفاتحةِ الكتابِ، إذا دَخَلَ في الصلاةِ، وإذا قال ولا الضَّالِّينَ. وقالَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أمَّا أنا فأَغْتَنِمُ مِن الإمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فأقْرَأُ عندها، وحينَ يخْتِمُ السُّورةَ، فأقرا قبلَ أن يركَعَ. وهذا يَدُلُّ على اشْتِهَارِ ذلك فيما بينهم. رَوَاهُ الأثْرَمُ. ١٥٢ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً في ابْتِدائِهَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لا نَعْلَمُ بين أهلِ العِلْمِ خلافًا في أنَّه يُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مع الفَاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِن كل صلاةٍ، ويجْهَرُ بها فيما يجْهَرُ فيه بالفاتحة، [ويُسِرُّها فيما يُسِرُّها] (١) فيه. والأصلُ في هذا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّ أبا قَتَادَةَ رَوَى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يقرأُ في الركعتينِ الأُولَيَيْنِ مِن الظهرِ بفاتحةِ الكتابِ وسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، ويُسْمِعُ الآيةَ أحيانًا، وكان يقرأُ في الرَّكْعتينِ الأُولَيَيْنِ مِن العصرِ بفاتحةِ الكتابِ وسورتينِ، يُطَوِّلُ في الأُولى، ويُقَصِّرُ في الثانيةِ، وكانَ يُطوِّلُ في الأُولَى من صلاةِ الصبحِ، ويُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ. وفى رِوَايةٍ: في الظُّهْرِ كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَى أبو بَرْزَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَقْرَأُ في الصبح بالسِّتِّين (٣) إلى المائَة (٤). وقد اشْتَهَرَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ للسورةِ مع الفاتحَةِ في صلاةِ الجَهْرِ، ونُقِلَ نَقْلًا مُتَواترًا، وأمَرَ بهِ مُعَاذًا، فقال: "اقْرَأْ بالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وبِسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ

стр. 671

الأَعْلَى، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ويُسَنُّ أن يَفْتَتِحَ السورةَ بقراءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وافقَ مالكٌ على هذا؛ فإنَّهُ قال في قِيامِ رمضانَ: لا يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ الفاتحةِ، ويَسْتَفْتِحُ بها فِي بقِيَّةِ السُّوَرِ (٦). ويُسِرُّ بها في السورةِ كما يُسِرُّ بها فِي أوَّلِ الفاتحةِ، والخِلَافُ ههنا كالخلافِ ثَمَّ، وقد سبقَ القولُ فيه (٦). فصل: ويَقْرَأُ بما في مُصْحفِ عُثْمانَ. ونُقِلَ عن أحمدَ أنَّه كان يَخْتَارُ قراءَةَ نَافِعٍ مِن طَرِيقِ إسماعِيلَ بنِ جعفر. قالَ: فإنْ لم يكنْ فَقِرَاءَةُ عَاصِمٍ، مِن طريقِ أبي بكرِ بْنِ عَيَّاشٍ. وأثنى على قراءَةِ أبي عمرِو بنِ العَلاءِ. ولم يَكْرَهْ قراءَةَ أَحَدٍ مِنَ العَشْرِ، إلَّا قِرَاءَةَ حمزةَ والكِسَائِىِّ؛ لما فيها مِن الكَسْرِ، والإِدْغَامِ، والتَّكَلُّفِ، وزِيَادَةِ المَدِّ. وَرُوِىَ عن زيدِ بْنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "نَزَلَ القُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ" (٧). وعَنِ ابْنِ عباس قال: أُنْزِلَ القُرْآنُ يالتَّفْخِيمِ وَالتَّثْقِيلِ، نَحْوَ الجمعةِ وأَشْبَاهَ ذِلكَ. ونُقِلَ عَنْهُ التَّسْهِيلُ في ذلك، وأن قِرَاءَتَهُما [في الصلاةِ جَائِزَةٌ] (٨). قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبِى عبدِ اللهِ: إمَامٌ يُصَلِّى بقراءَةِ حمزةَ، أُصَلِّى خَلْفه؟ قال: لا يَبْلُغُ به هذا كُلَّهُ، ولكنها لا تُعْجِبُنِى قراءَةُ حمزةَ.

стр. 672

فصل: فأمَّا ما يَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، كقراءَةِ ابْنِ مسعودٍ وغيرِها، فلا يَنْبَغِى أَنْ يقْرَأ بها في الصلاةِ؛ لأن القُرْآنَ ثَبَتَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، وهذه لم يَثْبُت التواتُرُ بها، فلا يثْبُتُ كَوْنُها قُرْآنًا، فإنْ قرأَ بشيءٍ منها ممَّا صَحَّتْ بهِ الرِّوايَةُ، واتَّصَلَ إسْنادُها، ففيه رِوَايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ صلاتُه؛ لذلك. والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّ الصحابَةَ كانوا يُصَلُّونَ بقراءَتِهِم في عصرِ النَّبِيِّ ﷺ وبعدَه، وكانت صلاتُهُمْ صحيحةً بغيرِ شكٍّ، وقد صح أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (٩) ". وقد أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عمرَ وهِشَامَ بنَ حَكِيمٍ حين اخْتَلَفَا في قراءَةِ القرآنِ، فقال: "اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ (١٠) ". وكان الصحابَةُ رَضِىَ اللهُ عنهُمْ قبلَ جَمْعِ عثمانَ المصحفَ يقْرأُونَ بقراآتٍ لم يُثْبِتْها في المصحفِ، ويصلُّونَ بها، لا يَرَى أحدٌ منهم تَحْرِيمَ ذلك، ولا بُطْلَانَ صلاتِهم به. فصل: ولا تُكْرَهُ قراءةُ أواخرِ السُّوَرِ وأوْسَاطِها في إحدَى الرِّوايَتيْنِ. نَقَلَها عن أحمدَ جماعةٌ؛ لأنَّ أبا سعيدٍ، قالَ: أُمِرْنَا أن نَقْرأَ بفاتِحَةِ الكتابِ، وما تَيَسَّرَ. وعن أبي هُرَيْرةَ، قال: قال لِى رسولُ اللهِ ﷺ : "اخْرُجْ، فَنَادِ في المَدِينَةِ، أنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ، ولَوْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (١١) " أخرَجهما أبو داوُد (١٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَتَعَيَّنُ الزِّيَادَةُ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّهُ كان

стр. 673

يقرأُ فى الآخرةِ مِن صلاةِ الصبحِ، آخِرَ آل عِمْرَانَ وآخِرَ الفُرْقَانِ، رَوَاهُ الخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ. وعن إبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، قال: كان أصحابُنا يقرأُونَ في الفريضَةِ مِن السُّورَةِ بعضَها، ثم يَرْكَعُ، ثم يقومُ، فيقْرَأُ في سورةٍ أُخْرَى. وقَوْلُ أبى بَرْزَةَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الصبح بالسِّتِّين (١٣) إلى المائةِ. دلِيلٌ على أنَّه لم يَكنْ يَقْتَصِرُ على قراءَةِ سورةٍ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُكْرَهُ ذلك. نَقَلَ المَرُّوذِيُّ، عن أحمدَ، أنَّه كان يَكْرَهُ أن يَقْرَأَ في صلاةِ الفرضِ بآخِرِ السُّورَةِ (١٤). وقالَ؛ سُورةٌ أُعجَبُ إلىَّ. قال المَرُّوذِيُّ: وكان لأبي عبد اللهِ قَرابةٌ يُصَلِّى به، فكان يقرأُ في الثَّانِيَةِ مِن الفجرِ بآخِرِ السُّورةِ، فلمَّا أَكْثَرَ، قال أبو عبدِ اللهِ: تَقَدَّمْ أنتَ فَصَلِّ. فَقُلْتُ له: هذا يُصَلِّى بكَ منذُ كم! قال: دَعْنَا منه، يَجِىءُ بآخِرِ السُّوَرِ. وكَرِهَهُ. ولعلَّ أحمدَ إنما أحَبَّ اتِّباعَ النَّبِيِّ ﷺ فيما نُقِلَ عنه. وكَرِهَ المُدَاوَمَةَ على خلافِ ذلك، والمَنْقُولُ عن النَّبِيِّ ﷺ قِرَاءَةُ السُّورةِ أو بعضِ سورةٍ مِن أوَّلِها، فأَعْجَبَه مُوافقةُ النَّبِيِّ ﷺ . ولم يُعْجِبْه مُخَالَفَتُه. ونُقِلَ عنهُ، في الرَّجُلِ يقرأُ مِن أوْسَطِ السُّوَرِ وآخِرِها، فقال: أمَّا آخِرُ السُّوَرِ فأَرجُو، وأمَّا أوْسَطُها فلا. ولعلَّهُ ذهبَ في آخِرِ السُّورةِ، إلى ما رُوِىَ فيه عن عبدِ اللهِ وأصحابِهِ. ولم يُنْقَلْ مِثْلُ ذلكَ في أوْسَطِها. وقد نَقَلَ عنه الأثْرَمُ، قال: قلتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يقرأُ آخِرَ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ؟ قال: أليس قد رُوِىَ في هذا رُخْصَةٌ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ (١٥)، وغيرِه؟ وأمَّا قراءَةُ بعضِ السُّورةِ مِن أولها. فلا خلافَ فِي أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قرأَ مِن سورةِ المُؤْمِنِينَ إلى ذِكْرِ موسى وهارون، ثم أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ (١٦)، وقرأَ سُورَةَ الأعْرَافِ في صلاةِ

стр. 674

المَغربِ. فَرَّقَهَا مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (١٧). فصل: ولا بَأْسَ بالجَمْعِ بين السُّوَرِ في صلاةِ النافِلةِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قرأ في رَكْعَةٍ سورةَ البَقَرَةِ وآلَ عِمْرَانَ والنِّسَاءِ (١٨). وقال ابن مسعودٍ: لقدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ التي كان رسولُ اللهِ ﷺ . يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فذَكَرَ عِشْرِينَ سورةً مِن المُفَصَّلِ، سُورتَيْنِ في ركعةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وكان عثمانُ، رَضِىَ اللهُ عنَهُ، يخْتِمُ القرآنَ في رَكْعَةٍ. ورُوِىَ ذلك عن جماعَةٍ مِن التَّابِعِينَ. وأمَّا الفرِيضَةُ فَالمُسْتَحَبُ أنْ يَقْتَصِرَ على سورةٍ مع الفاتحَةِ، مِن غيرِ زِيَادَةٍ عليها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ هكذا كان يُصَلِّى أكثرَ صلاتِه، وأمَرَ مُعَاذًا أنْ يقرأَ في صلاتِهِ كذلك (٢٠). وإنْ جَمَعَ بين سُورتَيْنِ في ركعةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يُكْرَهُ؛ لذلك. والثَّانِيَةُ، لا يُكْرهُ؛ لأنَّ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مُطْلَقٌ في الصلاةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ

стр. 675

الفَرْضَ. وقد رَوَى الخَلَّالُ، بإسنادِهِ عن ابْنِ عمرَ، أنَّه كان يقرأُ في المَكْتُوبَة بالسُّورتَيْنِ في ركعةٍ. وإن قرأ في ركعةٍ سُورةً، ثم أعادَها في الثَّانِيَةِ، فلا بَأْسَ؛ لما رَوَى أبو داوُد (٢١)، بإسنادِهِ عن رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، أنَّه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ في صلاةِ الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهما. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في الرَّكْعَةِ الثانِيةِ بسُورةٍ بعد السُّورةِ التي قرأها في الرَّكْعةِ الأُولى في النَّظْمِ؛ لأنَّ ذلكَ هو المَنْقُولُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد رُوِىَ عن ابْنِ مسعودٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرأُ القُرْآنَ مَنْكُوسًا؟ قال: ذلكَ مَنْكُوسُ القَلْبِ. وفَسَّرَهُ أبو عُبَيْد (٢٢) بأنْ يقرأَ سورةً، ثُمَّ يقرأ بعدَها أخرَى، هي قَبْلَها في النَّظْمِ. فإِنْ قرأَ بخلافِ ذلك، فلا بأسَ به. قال أحمدُ، لَمَّا سُئِلَ عن هذهِ المَسْألَة: لا بأسَ به، أليسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟ وقال في رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلىَّ أنْ يقرأَ منَ البقرَةِ إلى أسْفلَ. وقد رُوِىَ أنَّ الأحْنَفَ قرأَ بالكَهْفِ في الأُولَى، وفى الثانِية بيُوسُف. وذكرَ أنه صلَّى مع عمرَ الصبحَ بهما. اسْتشهدَ به البُخَارِيُّ. فصل: إذا فَرَغَ من القراءَةِ، قال أحمدُ، ﵀: يَثْبُتُ قائِمًا، ويَسْكُتُ حتى يَرْجِعَ إليه نَفَسُهُ قبلَ أنْ يَرْكَعَ، ولا يَصِلُ قراءتَه بتَكْبِيرَةِ الركوعِ، جاء عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ كان له سَكْتَتَانِ؛ سَكْتَةٌ عند افْتِتَاحِ الصلاةِ، وسَكْتَةٌ إذا فرَغ مِن القراءَةِ. وهذا هو حديثُ سَمُرَةَ. كذلكَ رَوَاهُ أبو داوُد، وغَيْرُهُ (٢٣). ١٥٣ - مسألة؛ (فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ) أما الرُّكُوعُ فواجِبٌ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١). وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على وُجوبِهِ في الصلاةِ على القادرِ

стр. 676

عليه. وأكثرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنْ يَبْتَدِئَ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ، وأنْ يُكَبِّرَ في كلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، منهمْ: ابنُ مسعودٍ، وَابْنُ عمر، وجَابِرٌ، وأبو هُرَيْرَة، وقَيْسُ بنُ عُبَادٍ (٢)، ومالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وَابْنُ جابِرٍ (٣)، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وعَوَامُّ العُلَمَاءِ مِن الأمْصارِ. ورُوِىَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وسَالِم، والقَاسِمِ، وسعيد بن جُبَيْر، أنَّهمْ كانوا لا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. ولعلهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُعَلِّمْه الْمُسِىءَ في صلاتِه، ولو كان منها لعلَّمه إيَّاهُ. ولم تَبْلُغْهُم السُّنَّةُ عن النَّبِيِّ ﷺ . ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَة، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ يُكَبِّرُ حين يَقُومُ، ثم يُكَبِّرُ حين يركعُ، ثم يقول: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"؛ حين يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِن الركوعِ، ثم يقولُ، وهو قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، ثُم يُكَبِّرُ حين يَهْوِى، ثم يُكَبِّرُ حين يَرْفَعُ رأسهُ، ثم يُكَبِّرُ حين يَسْجُدُ، ثم يُكَبِّرُ حين يَرْفَعُ رأسَهُ، ثم يَفْعَلُ ذلك في الصلاةِ كُلِّهَا حتى يَقْضِيَها. ويُكَبِّرُ حين يقومُ مِن الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا". مُتَّفَقٌ عليهما (٤). وكان أبو هُرَيْرة يُكَبِّرُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ، ويقولُ، أنا أَشْبَهُكُمْ صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ البخارِىُّ (٥). وعن ابنِ مسعودٍ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ في كُلِّ خَفْضٍ

стр. 677

وَرَفْعٍ، وقِيَامٍ وقُعُودٍ، وأبو بكرٍ وعمرُ. قال التِّرْمِذِىُّ (٦): هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى" (٧). ولأنَّه شُرُوعٌ في رُكْنٍ، فشُرِعَ فيه التَّكْبِيرُ، كحالةِ ابْتِدَاءِ الصلاةِ، ولأنه انْتِقَالٌ مِن رُكْنٍ إلى رُكْنٍ، فَشُرِعَ فيهِ ذِكْرٌ يعْلَمُ بهِ المَأْمُومُ انْتِقَالَهُ ليَقْتَدِىَ به، كحالةِ الرَّفْعِ مِن الركوعِ. فصل: ويُسَنُّ الجَهْرُ به لِلإِمَامِ لِيَسْمَعَ المأمومُ، فيَقْتَدِىَ به في حالِ الجَهْرِ والإِسْرَارِ جميعًا، كقوْلِنا في تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، فإنْ لم يَجْهَر الإِمَامُ بحيثُ يُسْمِعُ الجَمِيعَ، اسْتُحِبَّ لبعضِ المأمومِينَ رَفْعُ صَوْتِه؛ لِيُسْمِعَهم، كَفِعْلِ أبِى بكرٍ، رضىَ اللهُ عنه، حين صلَّى النَّبِيُّ ﷺ بهم في مَرَضِه قاعِدًا، وأبو بكرٍ إلى جَنْبِه يَقْتَدِى بِه، والناسُ يَقْتَدُونَ بأبِى بكرٍ (٨). ١٥٤ - مسألة؛ قال: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ) يَعْنِى يَرْفَعُهُمَا إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أو إلى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، كفِعْلِهِ عند تَكْبِيرَةِ

стр. 678

الإِحْرَامِ، ويَكونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِه عند ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِه، وانْتِهَاؤُه عند انْتِهَائِه. وبهذا قال ابنُ عمر، وابنُ عباس، وجابِرٌ، وَأَبو هُرَيْرةَ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وأنسٌ، والحسنُ، وعطاءٌ، وطَاوُس، ومُجَاهِدٌ، وسَالِم، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وغيرُهم مِن التَّابعين، وهو مذهبُ ابنِ المبارَكِ، والشَّافعىِّ، وإسحاقَ، ومالكٍ في إحْدَى الرِّوَايتيْن عنه. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفَة: لا يَرْفَعُ يديه إلَّا في الافْتِتَاحِ، وهو قَوْلُ إِبراهِيمَ النَّخَعِىِّ؛ لِما رُوِىَ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود، أنَّه قال: أَلَا أُصَلِّى بكم (١) صلاةَ رسولِ اللهِ ﷺ . فصلَّى، فلم يَرْفَعْ يدَيْه إلَّا في أوَّلِ مَرَّةٍ (٢). قال التِّرمِذِىُّ: حديثُ ابنِ مسعُودٍ حسنٌ. رَوَى يَزِيدُ بنُ زِيَادٍ، عن ابنِ أبي لَيْلَى، عن البَراءِ بنِ عَازِب، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يَرْفَعُ يديْه إذا افْتَتَحَ الصلاةَ، ثم لا يَعُودُ (٣). قالُوا وَالعَملُ بهذيْن الحديثَيْن أوْلَى. لِأنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ فَقِيهًا، ملازِمًا لرسولِ اللهِ ﷺ ، عَالِمًا بِأحوالِه، وباطِنِ أمْرِه وظَاهِرِهِ، فتُقَدَّمُ روايَتُه على روايَةِ مَن لم يكن حالُه كحالِه. قال إبراهِيمُ النَّخَعِىُّ لِرَجُلٍ رَوَى حدِيثَ وَائِلِ بنِ حُجْر (٤): لعل وائِلًا لم يُصَلِّ مع النَّبِيِّ ﷺ إلَّا تلك الصَّلاةَ. فتَرَى أنْ نَتْرُكَ رِوَايَةَ عبدِ اللهِ، الذي لعلَّه لم يَفُتْه مع النَّبِيِّ ﷺ صَلاةٌ، ونَأْخُذَ بِرِوايةِ هذا. أو كما قال. ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يدَيْه حتى يُحَاذِىَ (٥) مَنْكِبَيْه، وإذا أرادَ أنْ يرْكَع وبعدَ ما يَرْفَعُ رأْسَه مِن الرُّكُوعِ، ولا يَفْعَلُ ذلكَ في السُّجودِ (٦). قال البُخارِىُّ: قال علىّ بن الْمَدِينِىِّ - وكان أعْلَمَ أهلِ

стр. 679

زمانِه -: حَقٌّ على المسلمين أنْ يَرْفَعُوا أيدِيَهم لهذا الحدِيثِ. وحديثُ أبِى حُمَيْدٍ، الَّذِى ذَكَرْنَا في أَوَّلِ البابِ (٧) هكذا (٨). وقد رَوَاهُ، في عشرَةٍ من الصحابَةِ، منهم أبو قتادَة، فصَدَّقُوهُ، وقالوا: هكذا كان يُصَلِّى رسولُ اللهِ ﷺ . ورَوَاهُ سِوَى هذيْنِ عمرُ، وعلِىٌّ، ووائِلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بن الحُوَيْرِث، وأنَسٌ، وأبو هُرَيْرَة، وأبو أَسِيد، وسَهْلُ بنُ سعدٍ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَة، وأبو موسى، وجابرُ بن عُمَيْر اللَّيْثِىُّ، فصارَ كالمُتَوَاتِرِ (٩) الذي لا يَتَطَرَّقُ إليهِ شكٌّ مع كَثْرَةِ رُوَاتِه، وصحَّةِ سَنَدِه، وعَمِلَ به الصحابَةُ والتَّابعونَ، وأنْكرُوا على مَن لم يعملْ به. قال الحسنُ: رأيْتُ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْفَعُونَ أيْدِيَهُم إذا كَبَّرُوا، وإذا ركعُوا، وإذا رَفَعُوا رُءُوسَهم كأنها المَرَاوِحُ. قال أحمدُ، وقد سُئِلَ عن الرَّفْعِ فقال (١٠): إى لَعَمْرِى. ومَن يَشُكُّ في هذا! كان ابنُ عمرَ إذا رَأَى مَن لا يَرْفَعُ، حَصَبَه (١١) وأَمَرَه أنْ يَرْفَعَ. فأمَّا حَدِيثَاهم فضَعِيفَان.

стр. 680

فأمَّا حديثُ ابْنِ مسعودٍ، فقال ابنُ المبارَك: لم يَثْبُتْ. وحديثُ البَراءِ، قالَ ابْنُ عُيَيْنَة: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبى زِيادٍ، عن ابنِ أبي لَيْلَى، ولم يَقُلْ: ثُمَّ لَا يَعُودُ. فلما قَدِمْتُ الكُوفَةَ سَمِعْتُه يُحَدِّثُ به، فيقولُ: لا يَعُودُ. فَظَنَنْتُ أنَّهم لَقَّنُوه. وقال الحُمَيْدِىُّ (١٢)، وغيرُهُ: يَزِيدُ بنُ أبِى زيادٍ سَاءَ حِفظُه في آخِرِ عُمْرِهِ، وخَلَّطَ. ثم لو صَحَّا كانَ التَّرْجِيحُ لأحادِيثِنا أوْلَى لخمسةِ أوْجُهٍ: أحدُها، أنَّها أَصَحُّ إسْنَادًا، وأعدَلُ رُوَاةً، فالحَقُّ إلى قولِهم أقْرَبُ. الثَّانِى، أنَّها أَكْثَرُ رُوَاةً، فظَنُّ الصِّدْقِ في قَوْلِهمْ أقْوَى, والغَلَطُ منهم أبْعَدُ. الثَّالثُ، أنَّهمْ مُثْبِتُونَ، والمُثْبِتُ يُخْبِرُ عن شيءٍ [شاهَدَه ورَآهُ] (١٣). فقَوْلُه يَجِبُ تَقْدِيمُه لِزِيَادَةِ عِلْمِه. والنَّافِى لم يَرَ شيئًا، فلا يُؤْخَذُ بقَوْلِه، ولذلكَ قَدَّمْنَا قولَ الجَارِحِ على المُعَدِّلِ. الرَّابِعُ، أنهم مُثْبِتُون (١٤) فَصَّلُوا في رِوَايَتِهم، ونَصُّوا على الرَّفْعِ في الحَالتَيْنِ المُخْتَلَفِ فيهما، والمُخَالِفُ لهم عَمَّمَ (١٥) بِروَايَتِه، المُخْتَلَفَ فيه وغيرَهُ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ أحاديثِنا لنَصِّها وخُصُوصِهَا، على أحَادِيثِهِم العامَّة، التي لا نَصَّ فيها كما يُقَدَّمُ الخَاصُّ على العامِّ، والنَّصُّ على الظاهِرِ المُحْتَمِلِ. الخَامِسُ، أنَّ أحاديثَنا عَمِلَ بها السَّلَفُ مِن الصَّحابَةِ والتَّابِعِينَ، فيَدُلُّ ذلك على قُوَّتِها. وقولُهم: إنَّ ابنَ مسعودٍ إمَامٌ. قُلْنا: لا نُنْكِرُ فَضْلَه، لكن بحَيْثُ يُقَدَّمُ على أمِيرَىِ المُؤْمِنِينَ عمرَ وعَلِىّ وسائِرِ مَن معهُمْ! كَلَّا، ولا يُساوِى واحِدًا منهم، فكيفَ يُرَجَّحُ على جميعِهم؟ مع أنَّ ابْنَ مسعودٍ قد تُرِكَ قولُهُ [في الصلاة] (١٦) في أشْياء، منها أنَّهُ كان يُطَبِّقُ في الرُّكُوعِ، يضعُ يدَيْه بينَ رُكْبَتَيْهِ، فلم يُؤْخَذْ بِفِعْلهِ، وأُخِذَ بِرِوَايةِ غيرِه في وَضْعِ اليدينِ على الرُّكْبَتَيْن، وتُرِكَتْ قِرَاءَتُه وأُخِذَ بقِرَاءَةِ زَيْدِ بنِ ثابتٍ، وكانَ لا يَرَى

стр. 681

التَّيَمُّمَ للجُنُبِ، فَتُرِكَ ذلك بِروَايَةِ مَن هو أقَلُّ مِن رُوَاةِ أحادِيثِنَا وأدْنَى منهمْ فَضْلًا، فههُنا أوْلَى. ١٥٥ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ويُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ، ويَمُدُّ ظَهْرَهُ، ولَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ولَا يَخْفِضُهُ) وجُمْلَتُهُ أنَّه يُسْتَحَبُّ (١) للرَّاكِعِ أنْ يَضَعَ يدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ. ثبتَ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ (٢)، وفَعَلَهُ عمرُ، وعَلِىٌّ، وسعدٌ، وابنُ عمرَ، وجماعةٌ من التابعين. وبه يقولُ الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وَإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذهب قومٌ مِن السَّلَفِ إلى التَّطْبِيقِ، وهو أنْ يجعلَ المُصَلِّى إحْدَى كَفَّيْه على الأُخْرَى، ثم يَجْعَلَهُما بين رُكْبَتَيْه إذا رَكَعَ. وهذا كان في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم نُسِخَ. قال مُصْعَب بنُ سعدٍ: ركَعْتُ، فجَعَلْتُ يدَىَّ بين رُكْبَتَىَّ. فنهانِى أبِى، وقال: إنَّا كُنَّا نَفْعَلُ هذا فَنُهِينَا عنهُ، وأُمِرْنَا أنْ نضعَ أيديَنا على الرُّكَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وذَكَرَ أبو حُمَيْد (٤)، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : رأَيْتُه إذا رَكَعَ أَمْكَنَ يدَيْهِ مِن

стр. 682

رُكْبَتَيْهِ، ثم هَصَرَ ظَهْرَهُ. يَعْنِى عَصَرَهُ حتى يَعْتَدِلَ، ولَا يَبْقَى مُحْدَوْدِبًا (٥)، وفى لفظٍ: ثُمَّ اعْتَدَلَ فلم يُصَوِّبْ (٦) ولم يُقْنِعْ (٧)، ووضَعَ يدَيْهِ على ركْبَتَيْهِ. وقالت عائشةُ، رضِىَ اللهُ عنها: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رَكَعَ لم يَرْفَعْ رأسَهُ، وَلم يُصَوِّبْهُ ولكنْ بين ذلك. [روَاه مُسْلِم] (٨). قال أحمدُ: يَنْبَغِى له إذا رَكَعَ أنْ يُلْقِمَ رَاحَتَيْه رُكْبَتَيْه، ويُفَرِّقَ بينَ أصابِعِه، ويَعْتَمِدَ على ضَبْعَيْهِ وساعِدَيْه، ويُسَوِّىَ ظهرَه، ولا يَرْفَعُ رأسَه ولا يُنَكِّسُه، وقد جاءَ في (٩) الحديثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان إذا رَكَعَ لو كان قَدَحُ ماءٍ علَى ظهرِه ما تَحَرَّكَ (١٠). وذلكَ لاسْتِوَاءِ ظهرِه. والواجِبُ مِن ذلك الانْحِنَاءُ، بحيثُ يُمْكِنُه مَسَّ رُكْبَتَيْه بيديه؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ عن حَدِّ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ إلَّا به، ولا يَلْزَمُه وَضْعُهما، وإنَّما ذلك مُسْتَحَبٌّ، فإنْ كانتا عَلِيلَتَيْن، لا يُمْكِنُه وَضْعُهما، انْحَنَى ولم يَضَعْهما، وإنْ كانت إحْداهما عَلِيلَةً وَضَعَ الأُخْرَى. فصل: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُجَافِىَ عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، فإِنَّ أبا حُمَيْدٍ ذَكَرَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَضَعَ يديهِ على رُكْبَتَيْهِ كأنَّه قَابِضٌ عليهما، ووتَرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عن جَنْبَيْهِ. حديثٌ صَحِيحٌ (١١).

стр. 683

فصل: ويَجِبُ أنْ يَطْمَئِنَّ في رُكُوعه. ومَعْنَاه أنْ يَمْكُثَ إذا بَلَغَ حدَّ الرُّكُوعِ قَلِيلًا. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفَة: الطُّمَأْنِينَةُ غيرُ وَاجبَةٍ. لقولِهِ تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١٢). ولم يَذْكُر الطُّمَأْنِيَنةَ، والأَمْرُ بالشَّىءِ يَقْتَضِى حُصولَ الإِجْزَاءِ به. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ للمُسِىءِ في صلاتِهِ: "ثمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" مُتَّفَقٌ عليه (١٣). ورَوَى أبو قتادَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ , قال: "أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِى يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ". قِيلَ: وكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قال: "لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا ولَا سُجُودَهَا (١٤) ". وقال: "لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِيهَا في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ". رَوَاهُ البُخارىُّ (١٥). والآيةُ حُجَّةٌ لنا؛ لأن النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَ الرُّكُوعَ بِفِعْلِه وقَوْلِه، فالمُرادُ بِالرُّكُوعِ ما بَيَّنَه النَّبِىُّ ﷺ . فصل: فإذا رَفَعَ (١٦) رأْسَه، وشكَّ هل ركعَ أوْ لا، أو هل أتَى بِقَدْرِ الإِجْزَاءِ (١٧) أوْ لا؟ لم يَعْتَدَّ به، وعليه أنْ يَعُودَ فيَرْكَعَ حتى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا؛ لأنَّ

стр. 684

الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، إلَّا أنْ يكونَ ذلك وَسْوَاسًا، فلا يلْتَفِتُ إليه، وهكذا الحُكْمُ في سائِرِ الأرْكانِ. ١٥٦ - مسألة؛ قال: (ويَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ ثَلَاثًا. وَهُوَ أَدْنَى الكَمَالِ، وَإنْ قَالَ مَرَّةً أَجْزَأَهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُشْرَعُ أنْ يقولَ في رُكوعِه: سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ. وبه قال الشَّافِعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: ليس عندنا في الرُّكُوعِ والسُّجودِ شيءٌ مَحْدُودٌ، وقد سَمِعْتُ أنَّ التَّسْبِيحَ في الرُّكُوعِ والسُّجودِ. ولَنا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ، قال: لمَا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. قال النَّبِىُّ ﷺ : "اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ". وعن ابْنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا رَكَعَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ. وذَلِكَ أدْنَاهُ". أخرجهما أبو داوُد، وابنُ ماجَه (١). ورَوَى حُذَيْفَةُ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ إذا رَكَعَ: "سُبْحَانَ رَبِّى العَظِيمُ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. روَاهُ الأثْرَمُ. ورواهُ أبو داوُد (٢)، ولم يَقُلْ: ثلاثَ مراتٍ. ويُجْزِىءُ تَسْبِيحَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ في حديثِ عُقْبَةَ، ولم يَذْكُرْ عَدَدًا، فدَلَّ على أنَّه يُجْزِىءُ أدْنَاه، وأدْنَى الكمالِ ثَلَاثٌ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ مسعودٍ: "وذلكَ أدْنَاهُ". قال أحمدُ فِي رسالَتِه (٣): جاءَ الحديثُ عن الحسنِ البَصْرِىِّ، أنَّه قال:

стр. 685

التَّسْبِيحُ التَّامُّ سَبْعٌ، والوَسَطُ خَمْسٌ، وأدْنَاه ثَلَاثٌ. وقال القاضي: الكاملُ في التَّسْبِيحِ، إنْ كانَ مُنْفَرِدًا، ما لا يُخْرِجُه إلى السَّهوِ، وفي حَقِّ الإِمَامِ ما لا يَشُقُّ على المَأْمُومِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكَمَالُ عشرَ تَسْبِيحَاتٍ؛ لأَنَّ أَنَسًا رَوَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّى كصلَاةِ عمر بنِ عبد العزيز. فَحَزَرُوا (٤) ذلكَ بعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ (٥). وقال بعضُ أصحابنا: الكَمَالُ أنْ يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيَامِه؛ لِأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد رَوَى عنهُ البَراءُ قال: قد رَمَقْتُ محمدًا ﷺ وهو يُصَلِّى، فوجَدْتُ قِيَامَه، فرَكْعَتَه، فَاعْتِدَالَه بعدَ رُكُوعِهِ، فسَجْدَتَه، فَجَلْسَتَه ما بينَ السَّجْدتَيْنِ، فَسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه مَا بين التَّسْلِيمِ والانْصِرَافِ قَرِيبًا مِن السَّوَاءِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦)، إلَّا أنَّ البخارِىَّ قال: ما خَلَا القِيَامَ والقُعُودَ قَرِيبًا مِن السَّوَاءِ. فصل: وإنْ قال: سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ وبحَمْدِه. فلا بَأْسَ، فإنَّ أحمدَ بنَ نَصْرٍ (٧) رَوَى عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ، أعْجَبُ إليكَ، أو سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِمُ وبِحَمْدِهِ؟ فقال: قد جاء هذا وجاء هذا، وما أدْفَعُ منه شيئًا. وقال أيضًا: إنْ قال: "وَبِحَمْدِهِ". في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أرْجُو أنْ لا يكونَ به بَأْسٌ؛ وذلك لأنَّ حُذَيْفَةَ (٨) رَوَى في

стр. 686

بعضِ طُرُقِ حديثِه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقولُ في رُكُوعِه: "سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ وَبِحَمْدِهِ"، وفى سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّىَ الأعْلَى وَبِحَمْدِهِ"، وهذه زِيادَةٌ يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بها. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أَمَّا أنا فلا أقولُ: وَبحَمْدِهِ. وحَكَى ذلك ابْنُ المُنْذِرِ عن الشَّافعىِّ وأصْحابِ الرَّأْىِ. ووَجْهُ ذلك أنَّ الرِّوَايةَ بدُونِ هذه (٩) الزِّيَادَةِ أشْهَرُ وأكْثرُ، وهذِهِ الزِّيَادَةُ قال أبو داوُد: نَخَافُ أنْ لا تكونَ محْفُوظَةً. وقيل: هذه الزِّيَادَةُ مِن رِوَايَةِ ابْنِ أبى لَيْلَى. فيَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ تَرَكَها لِضَعْفِ ابْنِ أبِى لَيْلَى عندَه. فصل: والمَشْهُورُ عن أحمدَ أنَّ تَكْبِيرَ الخَفْضِ وَالرَّفعِ، وتَسْبِيحَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقوْلَ: سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَهُ ورَبَّنا وَلكَ الحمدُ. وقولَ: رَبِّى اغْفِرْ لِى. بين السَّجْدتَيْنِ، والتَّشَهُّدَّ الأوَّلَ، واجِبٌ. وهو قُوْلُ إسْحاقَ، وداوُد. وعن أحمدَ: أنِّه غَيْرُ واجِبٍ. وهو قَوْلُ أكثَرِ الفُقَهَاءِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُعَلِّمْهُ المُسِىءَ في صلاتِه، ولا يجُوزُ تأخِيرُ البَيانِ على وقتِ الحاجَةِ، ولأنَّه لو كان واجِبًا لم يَسْقُطْ بالسَّهْوِ، كالأرْكانِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ به، وأمْرُهُ للْوُجُوبِ وفَعَلَهُ. وقالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأْيْتُمُونِى أُصَلِّى"، وقد رَوَى أبو داوُد (١٠)، عن علىّ بنِ يحيى بنِ خَلَّاد عن عمِّه، عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" إلَى قَوْلِه: "ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حَتَّى يَسْتَوِىَ قائِمًا ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أكْبَرُ، ثُمَّ

стр. 687

يَسْجُدُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أكْبَرُ. ويَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ. فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ". وهَذَا نَصٌّ في وُجُوبِ التَّكْبِيرِ، ولأنَّ مواضعَ هذهِ الأذكارِ أركَانُ الصلاةِ (١١). فكان فيها ذِكْرٌ واجِبٌ كالْقِيَامِ. وأمَّا حديثُ المُسِىءِ في صلاتِهِ فقد ذُكِرَ في الحديثِ الذي رَوَيْنَاهُ تَعْلِيمُهُ ذلكَ، وهىَ. زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها، على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُعَلِّمْه كلَّ الواجباتِ، بدلِيلِ أنَّه لم يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ ولا السَّلامَ، ويَحْتَمِلُ أنَّه اقْتَصَرَ على تَعْلِيمِه ما رَآهُ أساءَ فيه، ولا يَلْزَمُ مِن التَّسَاوِى في الوُجوبِ التَّسَاوِى في الأحكَامِ، بدلِيلِ واجِباتِ الحَجِّ. فصل: وإذا كان إمامًا، لم يُسْتَحَبّ له التَّطْوِيلُ، ولا الزيادَةُ في التَّسْبِيحِ. قال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ له [التَّطْوِيلُ ولا] (١٢) الزيادَةُ على ثلاثٍ؛ كَيْلَا يَشُقَّ على المأْمُومِين. وهذا إذا لم يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ، فإنْ كانت الجماعةُ يَسِيرَةٌ، ورَضَوْا بذلك، اسْتُحِبَّ له التَّسْبِيحُ الكاملُ، على ما ذَكَرْنَاهُ، وكذلِكَ إنْ كانَ وَحْدَه. فصل: وَيُكْرَهُ أنْ يَقْرَأَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ لِمَا رُوِىَ عن عَلِىٍّ رضى اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قراءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ (١٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال ﷺ : "إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ فيهِ، وأمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". رَوَاهُ أبو داوُد (١٤)، وقَوْلُهُ "قَمِنٌ" معناه: جديرٌ وحَرِىٌّ.

стр. 688

فصل: ومَن أدرَكَ الإِمامَ في الركوعِ فقد أدرَكَ الرَّكْعةَ (١٥)؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ". رَوَاهُ أبو داوُد (١٦). ولأنَّهُ لم يَفُتْهُ مِن الأركَانِ إلَّا القيامُ، وهو يأْتِى به مع تكْبِيرَةِ الإِحرامِ، ثم يُدْرِكُ مع الإِمامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وهذا إذا أدرَكَ الإِمامَ في طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ، أو انْتَهَى إلى قَدْرِ الإِجْزَاءِ من الرُّكُوعِ قبلَ أنْ يَزُولَ الإِمَامُ عن قَدْرِ الإِجْزَاءِ. فهذا يُعْتَدُّ له بالرَّكْعَةِ، ويكونُ مُدْرِكًا لها. فأمَّا إنْ كانَ المأمُومُ يَرْكَعُ والإِمامُ يَرْفَعُ لم يُجْزِه؛ وعليه أنْ يأْتِىَ بِالتَّكْبِيرةِ مُنْتَصِبًا، فإنْ أتى بها بعدَ أن انْتَهَى في الانْحِنَاءِ إلى قَدْرِ الرُّكُوعِ أو ببعضِها، لم يُجْزِهِ؛ لأنَّه أتى بها في غيرِ مَحَلِّها، إلَّا في النَّافِلَةِ؛ لأَنَّه يَفُوتُه القيامُ، وهو مِنْ أرْكانِ الصَّلاةِ، ثم يَأْتِى بِتَكْبِيرَةٍ أخرى لِلرُّكُوعِ في حالِ انْحِطَاطِهِ إليهِ، فالأُولَى رُكْنٌ لا تَسْقُطُ بحَالٍ، والثَّانِيَةُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّها تَسْقُطُ ههُنا، ويُجْزِئُه تَكْبِيرَةٌ واحدةٌ. نَقَلَها أبو داوُد، وصالحٌ. وَرُوِىَ ذلك (١٧) عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ، وابْنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، والحسنِ، وميمونِ بنِ مِهْرَان (١٨)، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافعىِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وعن عمرَ بنِ عبد العزيزِ: عليه تَكْبِيرَتانِ. وهو قَوْلُ حَمَّادِ بن أبِى سليمانَ، والظَّاهِرُ أنَّهما أرَادَا أنَّ الأَوْلَى له أنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ، فلا يكونُ قولهما مُخَالِفًا لقَوْلِ الجماعةِ، فَإنَّ عمرَ بن عبد العزيز

стр. 689

قد نُقِلَ عنه أنَّه كان مِمَّنْ لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، ولأنَّه قد نُقِلَتْ تَكْبِيرَةٌ واحِدَةٌ عن زيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عمرَ، ولم يُعْرَفْ لهما في الصحابَةِ مُخَالِفٌ. فيَكون ذلكَ إجْماعًا، ولِأنَّه اجْتَمَعَ واجِبانِ مِنْ جِنْسٍ في مَحَلٍّ واحِدٍ، وأحدُهما رُكْنٌ، فَسَقَطَ به الآخَرُ، كما لو طافَ الحَاجُّ طَوافَ الزِّيَارَةِ عند خُرُوجِه مِن مَكَّةَ، أجْزَأَهُ عن طَوَافِ الوَداعِ. وقال القاضي: إنْ نَوَى بِالتَّكْبِيرِ الإِحْرَامَ وَحْدَهُ أجْزَأَه، وإنْ نَوَى به الإِحرامَ والرُّكُوعَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه شَرَّكَ بين الوَاجِبِ وغيرِه في النِّيَّةِ، فأشْبَهَ ما لو عَطَسَ عندَ رَفْعِ رأسِه من الرُّكُوعِ، فقال: رَبَّنَا ولك الحَمْدُ ينْوِيهَا. قالَ: ونصَّ أحمدُ في هذا أنه لا يُجْزِئُه. وهذا القولُ يُخَالِفُ نُصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه، وقد قال في رِوَايَةِ ابْنِه صَالِح، فيمَنْ جاءَ به والإِمَامُ رَاكِعٌ: كَبَّرَ تَكْبِيرَةً واحِدَةً. قِيل له: يَنوِى بها الافْتِتَاحَ؟ قال: نَوَى أوْ لم يَنْوِ، أليس قد جاءَ وهو يُرِيدُ الصلاةَ؟ ولِأنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لا تُنَافِى نِيَّةَ الافْتِتَاحِ، ولهذا حَكَمْنا بدُخُولِه في الصلاةِ بهذه النِّيَّةِ، فلم تُؤَثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ في فَسَادِها؛ ولأنَّه واجِبٌ يُجْزِىءُ عنه وعن غيرِه إذا نَوَاهُ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ نِيَّةِ الوَاجِبَيْنِ، كما لو نَوَى بطَوَافِ الزِّيَارَةِ له ولِلْوَدَاعِ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ الإِمامِ ومُخَالَفَتُه بقيَاسِ ما نَصُّهُ في مَوْضِعٍ آخرَ، كما لا يُتْرَكُ نَصُّ كتابِ اللَّه تعالى ورسولِه بِقِيَاسٍ، والمُسْتَحَبُّ تَكْبيرتَان (١٩) نَصَّ عليهِ أحمدُ، قال أبو داوُد: قلتُ لأحمدَ، يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إليكَ؟ قال: إنْ كَبَّرَ تكبِيرتَيْنِ، ليس فيه اخْتِلَافٌ. فصل: وإِنْ أدْرَكَ الإِمامَ في رُكْنٍ غيرِ الركوعِ، لم يُكَبِّرْ إلَّا تكبِيرَةَ الافْتِتَاحِ، ويَنْحَطُّ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأنَّه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ. وإنْ أدركه في السجودِ أو التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ كَبَّرَ في حالِ قِيَامِه مع الإِمامِ إلى الثَّالِثَةِ؛ لأنَّه مَأْمُومٌ له، فَيُتَابِعُه في التَّكْبِيرِ، كمَنْ أَدْرَكَ مَعه مِنْ أَوَّلِها، وإنْ سلَّمَ الإِمامُ قامَ إلى القضاءِ بتَكْبِيرٍ. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. وقال الشافعيُّ: يقُومُ بِغيرِ

стр. 690

تَكْبِيرٍ، لأنَّه قد كَبَّرَ في ابْتِدَاء الرَّكْعَةِ، ولا إمامَ له يُتابِعُه (٢٠) في التَّكْبِيرِ. ولَنا، أنَّه قامَ في الصلاةِ إلى رُكْنٍ مُعْتَدٍّ له به، فيُكَبِّرُ، كالقَائِمِ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وكما لو قام مع الإِمَامِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّه كَبَّرَ في ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ، فإِنَّ ما كَبَّرَ فيه لم يكنْ مِن الركعةِ، إذ ليس في أوَّلِ الركعةِ سجودٌ ولا تَشَهُّدٌ، وإنَّمَا ابْتِدَاءُ الركعةِ في (٢١) قِيامِه، فينْبَغِى أنْ يُكَبِّرَ فيه. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ أدْرَكَ الإِمامَ في حالٍ مُتابَعتُه فيه، وإنْ لم يُعْتَدَّ له به؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ ونَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، ومَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ". رَوَاهُ أبو داوُد (٢٢). ورَوَى التِّرْمِذِىُّ (٢٣)، عن مُعَاذٍ، قال: قال النَّبِىُّ ﷺ : "إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ". والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ، قالوا: إذا جاءَ الرَّجُلُ والإِمامُ ساجدٌ فَلْيَسْجُدْ، ولا تُجْزِئُهُ تلك الرَّكْعَةُ. وقال بَعْضُهم: لعلَّه أنْ لا يَرْفَعَ رأسَهُ من السَّجْدَةِ حتى يُغْفَرَ له. ١٥٧ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ) وَجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغَ مِن الركوعِ، ورَفَعَ رأسَه واعْتَدَل قَائِمًا حتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ إلى مَوْضِعِه، ويَطْمَئِنَّ ويَبْتَدِئَ الرفعَ قائلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ويكونُ انْتِهَاؤُه عندَ انْتِهَاءِ رَفْعِه، ويَرْفَعُ يدَيْه؛ لِما رَوَيْنَا مِن الأخْبارِ. وفى موضِعِ الرَّفْعِ رِوَايتان: إحْدَاهما بعدَ اعْتِدَالِه قائمًا. قال أحمدُ بنُ الحسينِ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه إذا رَفَعَ رأسَه مِن الرُّكوعِ لا يَرْفَعُ يدَيْهِ حتى يَسْتَتِمَّ قائمًا. ووَجْهُه أنَّ في بعضِ ألْفَاظِ حديثِ ابنِ عمرَ (١)، رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَعَ

стр. 691

يدَيْهِ، وإذا ركعَ، وبعدَ ما يَرْفَعُ رأسَه مِن الركوعِ. ولأنَّه رَفْعٌ، فلا يُشْرَعُ في غيرِ حالَةِ القِيَامِ، كرَفْعِ الرُّكوعِ والإِحْرامِ. والثَّانِيَةُ، يَبْتَدِئُه حين يَبْتَدِئُ رَفْعَ رأسِه؛ لِأنَّ أبا حُمَيْدٍ (٢) قال في صِفَةِ صَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : ثم قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه. ورَفَعَ يديهِ. وفي حديثِ ابْنِ عمرَ المُتَّفَقِ عليه: كانَ النَّبِىُّ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَعَ يديهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا كَبَّرَ لِلركوعِ وإذا رَفَعَ رأسهُ مِن الركرعِ رَفَعَهُمَا كذلك، ويقولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". وظَاهِرُهُ أنَّه رَفَعَ يديهِ حين أَخَذَ في رَفْعِ رأسهِ. كقولِه: "إذا كَبَّرَ"، أىْ أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ، ولِأنَّه حِينَ الانْتِقَالِ، فَشُرِعَ الرَّفْعُ منه كحالِ الرُّكُوعِ، ولأنَّه مَحَلُّ رَفْعِ المَأْمُومِ، فكانَ مَحَلًّا لرَفْعِ الإِمامِ كالركوعِ، ولا تَخْتَلِفُ الروايةُ في أنَّ المَأْمُومَ يَبْتَدِئُ الرفع عندَ رَفْعِ رأسِه، لأنَّه ليس في حَقِّهِ ذِكْرٌ بعدَ الاعْتدالِ، والرَّفْعُ إنما جُعِلَ [هَيْئَةً للذِّكرِ] (٣)، بخِلَافِ الإمامِ، ثم يَنْتَصِبُ قائِمًا ويَعْتَدِلُ، قال أبو حُمَيْدٍ، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإذَا رَفَعَ رأْسهُ اسْتَوَى قائِمًا، حتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ إلى مَكَانِه. [رَوَاهُ البُخارِىُّ] (٤). وقالت عائشةُ رَضِىَ اللَّه عنها، عن النَّبِيِّ ﷺ : كان إذا رَفَعَ رأسهُ مِن الرُّكُوعِ لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا. رَوَاه مُسْلِمٌ (٥). وقال النبيُّ ﷺ للْمُسِىءِ في صلاتِهِ: "ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا". مُتَّفَقٌ عليه (٦). فصل: وهذا الرَّفْعُ والاعْتِدَالُ عنه واجبٌ، وبه قال الشَّافِعىُّ، وقال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصحابِ مالكٍ: لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى لم يَأْمُرْ به، وإنَّمَا أمَرَ

стр. 692

بِالرُّكوعِ والسُّجودِ والقِيامِ، فلا يَجِبُ غيرُهُ، ولأنَّه لو كانَ واجبًا لتَضَمَّنَ ذِكْرًا واجِبًا، كالقِيامِ الأوَّلِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ به المُسِىءَ في صلاتِه، وداوَمَ عَلى فِعْلِه، فيدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى". وقولُهم: لم يَأْمُر اللهُ به. قُلْنا. قد أمَرَ بالقِيامِ، وهذا قَيامٌ، ثم أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ يَجِبُ امْتِثَالُه، وقد أمَرَ بِه. وقولُهم: لا يَتَضَمَّنُ ذِكرًا واجِبًا. مَمْنُوعٌ، ثم هو بَاطِلٌ بِالرُّكوعِ والسجودِ، فإنَّهما رُكْنَانِ، ولا ذِكْرَ فيهما واجبٌ، على قولِهم. فصل: ويُسَنُّ الجَهْرُ بِالتَّسمِيعِ للإِمامِ، كما يُسَنُّ الجهرُ بِالتَّكْبِيرِ؛ لأنَّه ذِكْرٌ شُرِعَ (٧) عند الانْتِقَالِ مِن رُكْنٍ، فيُشْرَعُ الجهرُ به لِلإِمامِ، كالتَّكْبِيرِ. ١٥٨ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّموَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَملْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بعْدُ) وجُمْلَتُه أنْ يُشْرَعَ قَوْلُ "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" في حقِّ كلِّ مُصَلٍّ، في المَشْهُورِ عن أحمدَ، وهذا قولُ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ مِنهم ابنُ مسعودٍ، وابْنُ عمر، وأبو هُرَيْرَة، وبه قال الشَّعْبِىُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبو بُرْدَةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ روَاية أُخْرَى: لا يَقُولُه المُنْفَرِدُ. فإنَّه قال في رِوايةِ إسحاقَ، في الرَّجُلِ يُصَلِّى وَحْدَه، فإذا قال: "سَمِعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَهُ". قال: "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ"؟ فقال: إنَّما هذا للإِمامِ جَمْعُهما، وليس هذا لأحَدٍ سِوَى الإِمام. ووَجْهُه أنَّ الخَبَرَ لم يَرِدْ به في حَقِّهِ. فلم يُشْرَعْ له كقَوْلِ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" في حقِّ المَأْمُومِ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُشْرَعُ قَوْلُ هذا في حَقِّ الإِمامِ ولا المُنْفَرِدِ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ؛ فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، أنَّ أبا هُرَيْرةَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حين يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِن

стр. 693

الرُّكُوعِ، ثم يقولُ وهو قائمٌ: "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" (٢). وعن أبِى سعيدٍ، وابْنِ أبِى أوْفَى، [رَوَاه مسلمٌ] (٣)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا رَفَعَ رأسَهُ قالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ ومِلْءَ الأَرْضِ ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولأنَّه حالٌ مِن أحْوالِ الصلاةِ، فيُشْرَعُ فيه ذِكْرٌ كَالرُّكوعِ وَالسُّجودِ. وما ذَكَرُوه لَا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّه إنْ تَرَكَ ذِكْرَه في حَدِيثهِم، فقد ذَكَرَه في أحادِيثنا، وراويه أبو هُرَيْرةَ قد صَرَّحَ بذِكْرِهِ في روَايَتِه الأُخْرَى، فحدِيثُهم لو انْفَرَدَ لم يكنْ فيه حُجَّةٌ، فكيفَ نَتْرُكُ به الأحادِيثَ الصَّحيحةَ الصَّريحةَ؟ والصحيحُ أنَّ المُنْفَرِدَ يقولُ كما يقولُ الإِمامُ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رُوِىَ عنه أنَّه قال لِبُرَيْدَة: "يَا بُرَيْدَةُ: إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فِي الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ ومِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). وهذا عَامٌ في جميعِ أحوالِه، وقد صحَّ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يقولُ ذلك، رَوَاهُ أبو هُرَيْرة وأبو سعيدٍ، وَابْنُ أَبى أوفَى، وعَلِىُّ بنُ أبى طالبٍ (٦)، وغيرُهم، وكلُّهَا أحاديثُ صِحَاحٌ (٧)، ولم

стр. 694

تُفَرِّقْ الرُّواةُ (٨) بين كونِهِ إمَامًا وَمُنْفَرِدًا، ولِأَنَّ (٩) ما شُرِعَ مِن القراءَةِ والذِّكْرِ في حق الإِمامِ شُرعِ في (١٠) حَقِّ المُنفَرِدِ، كسائِرِ الأذْكَارِ. فصل: والسُّنَّةُ أنْ يقولَ: "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ". بواوٍ، نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُثْبِتُ أمْرَ الواوِ، وقال: روى فيه الزُّهْرِىُّ ثلاثةَ أحادِيثَ، عن أنَسٍ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيْرةَ، وعن (١١) سالمٍ، عن أبيه، وفي حديثِ عليٍّ الطَّويل، وهذا قولُ مالكٍ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، إذا رفَع رأسَه مِن الرُّكوعِ قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ (١٢) الحَمْدُ. فإنَّهُ لا يَجْعَلُ فيها الواوَ، ومَن قال: "رَبَّنَا" قالَ: "ولَكَ الحَمْدُ"، وذلكَ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نُقِلَ عنهُ أنه قَالَ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ", كما نَقَلَ الإِمامُ، وفى حديثِ ابْنِ أبى أوْفَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ"، وكَذَلِكَ في حديثِ بُرَيْدَة؛ فَاسْتُحِبَّ الاقْتِدَاءُ بهِ في القَوْلَيْنِ، وقال الشَّافعىُّ: السُّنَّةُ أنْ يقولَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ؛ لأَنَّ الواوَ للعَطْفِ، وليس ههنا شيءٌ يُعْطَفُ عليه. ولَنا، أنَّ السُّنَّةَ الاقْتِدَاءُ بالنَّبِىِّ ﷺ ، ولأنَّ إثْباتَ الواوِ أكثرُ حُرُوفًا، ويَتَضَمَّن الحمدَ مُقَدَّرًا ومظهرًا، فإنَّ التَّقْدِيرَ: رَبَّنَا حَمِدْنَاكَ ولك الحَمْدُ. فإنَّ الواوَ لمَّا كانتْ للعَطْفِ ولا شىءَ ههنا تَعْطِفُ عليه ظَاهِرًا، دَلَّتْ على أنَّ في الكلامِ مُقَدَّرًا، كقولِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، أىْ وَبِحَمْدِكَ سُبْحَانَكَ، وكَيْفَمَا قال جازَ، وكان حَسَنًا؛ لأنَّ [كُلًّا قد] (١٣) وَرَدَت السُّنَّةُ به.

стр. 695

١٥٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا، لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِ (١): رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) لا أَعْلَمُ في المذهبِ خلافًا أنَّهُ لا يُشْرَعُ للمَأْمُومِ قولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبِى هُرَيْرةَ، والشَّعْبِىِّ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وقال ابنُ سِيرِينَ، وأبو بُرْدَة، وأبو يوسف، ومحمدٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ: يقولُ ذلك كالإِمَامِ؛ لحدِيثِ بُرَيْدَةَ، ولأنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ للإِمَامِ فَيُشْرَعُ للْمَأْمُومِ، كسائِرِ الأذْكَارِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "إذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ (٢) ". وهذا يَقْتَضِى أنْ يكونَ قولُهم: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" عَقِيبَ قولِه: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، بِغيرِ فَصْلٍ ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وهذا ظاهِرٌ يَجِبُ تقدِيمُه على القِيَاسِ، وعلى حديثِ بُرَيْدَة، لأَنَّ هذا صحيحٌ مُخْتَصٌّ بالمَأْمُومِ، وحديثُ بُرَيْدَة في إسْنَادِهِ جَابِرٌ الجُعْفِىُّ (٣)، وهو عامٌّ، وتَقْدِيمُ الصحيحِ الخَاصِّ أوْلَى، فأمَّا قولُ: "مِلْءَ السَّمَاءِ" وما بَعدَهُ، فَظَاهِرُ المذهبِ أنَّه لا يُسَنُّ للْمَأْمُومِ، نَصَّ عليه أحمدُ في روَايَةِ أبى داوُد وغيرِه، وهو قولُ أكْثرِ الأصْحاب؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اقْتَصَرَ على أمْرِهم بِقَوْلِ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ". فدلَّ على أنَّه لا يُشْرَعُ في حَقِّهم سِوَاهُ. ونَقَلَ الأثْرَمُ عن أحمدَ كلامًا يَدُلُّ على أنَّه مَسْنُونٌ، قال: وليس يَسْقُطُ خَلْفَ الإِمامِ عنه غيرُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". وهذا اخْتِيَارُ أبى الخَطَّابِ، ومذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْروعٌ في الصَّلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الأذْكَارِ. فصل: وموضِعُ قولِ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" في حَقِّ الإِمَامِ والمُنْفَرِدِ، بعدَ الاعْتِدَالِ من الرُّكُوعِ؛ لأنَّه في حالِ رَفْعِه يُشْرَعُ في حَقِّه قولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ

стр. 696

حَمِدَهُ"، فأمَّا المأمومُ ففى حالِ رفعِه؛ لأنَّ قولَ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ". يَقْتَضِى تَعْقِيبَ قَوْلِ الإِمامِ قولَ المأمُومِ، والمأمُومُ يأخُذُ في الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الإِمامِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فيكونُ قولُه: رَبَّنَا ولكَ الحَمْدُ حِينئِذٍ، واللهُ أعْلَمُ. فصل: إذا زادَ على قولِ: "ملءَ السماءِ ومِلءَ الأرضِ، وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شيءٍ بعدُ"، فقد نَقَلَ أبو الحارثِ، عن أحمدَ أنَّه (٤) إنْ شاءَ قال: أهْلَ الثَّنَاءِ والمَجْدِ. قال أبو عبدِ اللهِ: وأنا أقولُ ذلك. فظاهِرُ هذا أنَّه يُسْتَحَبُّ ذلك، وهذا (٥) اختيارُ أبى حَفْصٍ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ أبا سعِيدٍ رَوَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقولُ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ ومِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ والمَجْدِ، أَحقُّ مَا قَالَ العَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: لَا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْك الجَدُّ". رَوَاهُ أبو داود (٦)، والأثْرَمُ. وعن ابْنِ أبى أوْفَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ زاد: "اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بِالثَّلْجِ وَالبَرَدِ وَالْماءِ البَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى مِنَ الذُّنُوبِ والخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ" (٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨)، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُطِيلُ القيامَ بين الركوعِ والسجودِ، وقال أنَسٌ، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذَا قالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". قَامَ حتى نقولَ: قد أوْهَمَ (٩)، ثم يَسْجُدُ ويقعُدُ بين السَّجْدتَيْنِ حتى

стр. 697

نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠). وليست حالَةَ سُكُوتٍ، فيُعْلَمُ أنَّه ﵇ قد كان يَزِيدُ على هذه الكلماتِ، لكَوْنها لا تَسْتَغْرِقُ هذا (١١) القيامَ كلَّه، ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قِيلَ له: أفَلَا يَزِيدُ على هذا فيقُول: أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ؟ فقال: قد رُوِىَ ذلك، وأمَّا أنا فأقولُ هذا، إلى "مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بعدُ". فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ ذلك في الفَرِيضَةِ اتِّباعًا لأكْثَرِ الأحاديثِ الصَّحيحةِ. فصل: إذا قال مكانَ "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ": "مَن حَمِدَ اللهَ سَمِعَ له". لم يُجْزِئْهُ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه أتَى باللَّفْظِ والمَعْنَى. ولَنا، أنَّه عَكَسَ اللَّفْظَ المشروع، فلم يُجْزِئْه، كما لو قال في التَّكْبِيرِ: الأكْبَرُ اللهُ. ولا نُسَلِّمُ أنه أتى بالمَعْنَى؛ فإنَّ قَوْلَهُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. صِيغَةُ خَبَرٍ، تَصْلُحُ دُعَاءً، واللَّفظُ الآخَرُ صيغَةُ شَرْطٍ وجَزَاءٍ، لا تَصْلُحُ لذلك، فهما مُتَغَايِرَانِ. فصل: إذا رَفَعَ رأسه مِن الرُّكُوعِ، فَعَطَسَ، فقال: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ. يَنْوِى بذلك لِما عَطَسَ وللرَّفْعِ، فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه لم يُخْلِصْه لِلرَّفْعِ مِن الرُّكُوعِ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُجْزِئهُ؛ لأنَّ هذا ذِكْرٌ لا تُعْتَبَرُ له النِّيَّةُ، وقد أتَى به فأجْزَأه، كما لو قال ذَاهِلًا وقَلْبُه غيرُ حَاضِرٍ. وقولُ أحمدَ يُحْمَلُ على الاسْتِحْبَابِ، لا علَى نَفْىِ الإِجْزَاءِ حَقِيقَةً. فصل: إذَا أتَى بِقَدْرِ الإِجْزَاءِ مِن الرُّكُوعِ، فاعْتَرَضَتْهُ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِن القِيامِ، سَقطَ عنه الرَّفْعُ؛ لِتَعَذُّرِه، ويَسْجُدُ عن الرُّكُوعِ. فإنْ زَالَت العِلَّةُ قبلَ سُجُودِهِ فعليه القيامُ؛ لإِمْكَانِه. فإنْ زَالَتْ بعدَ سُجُودِه إلى الأرضِ، سقطَ القيامُ؛ لأنَّ السُّجودَ قد صَحَّ وأجْزَأ (١٢)، فسَقَطَ ما قبله. فإنْ قامَ مِن سُجُودِهِ

стр. 698

عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذلك، بَطَلَتْ صلاتُه. وإنْ فَعَلَه جَهْلًا أو نِسْيَانًا، لم تَبْطُلْ، ويَعُودُ إلى جَلْسَةِ ال فَصْلِ ، ويسجدُ للسَّهوِ. فصل: فإنْ أرادَ الركوعَ، فوقَعَ إلى الأرضِ، فإنَّه يقومُ فيركعُ. وكذلك إنْ ركعَ وسقط قبلَ طُمَأْنِينَتِه، لزمَتْه إعادةُ الرُّكوعِ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بما يُسْقِطُ فَرْضَه. وإنْ ركعَ واطْمَأنَّ، ثم سقطَ، فإنَّه يقومُ مُنْتَصِبًا، ولا يَحْتَاجُ إلى إعادةِ الرُّكوعِ، لأنَّ فَرْضَه قد سَقَطَ، والاعْتِدَالُ عنه قد سَقَطَ بقيَامِه. فصل: إذا رَكَعَ، ثم رَفَعَ رأسَه، فَذَكَرَ أنَّه لم يُسَبِّحْ في رُكُوعِهِ، لم يَعُدْ إلى الرُّكوعِ، سواءٌ ذَكَرَه قبلَ اعْتِدَالِه قائِمًا أو بَعْدَه؛ لأنَّ التَّسْبِيحَ قد سَقَطَ بِرَفْعِه، والرُّكوعَ قد وقَعَ صحيحًا مُجْزِئًا، فلو عادَ إليه، زَادَ ركُوعًا في الصَّلاةِ غيرَ مَشْرُوعٍ، فإنْ فَعَلَه عَمْدًا أبْطلَ الصَّلاةَ، كما لو زَادَه لغَيْرِ عُذْرٍ، وإنْ فَعَلَه جَاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُل الصَّلاةُ، كما لو ظَنَّ أنَّه لم يَرْكَعْ. ويسْجُدُ لِلسَّهْوِ. فإِنْ أدرَكَ المأمُومُ الإِمامَ في هذا الركوعِ، لم يُدْرِك الرَّكعَةَ؛ لأنَّه ليس بِمَشْرُوعٍ في حَقِّه، ولأنَّه لم يُدْرِكْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو يُدْرِكْه راكِعًا. ١٦٠ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، ولَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) أمَّا السُّجودُ فوَاجبٌ بالنَّصِّ والإِجماعِ؛ لِما ذكرْنا في الرُّكوعِ، والطُّمَأْنِينَةُ فيه رُكْنٌ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، في حديثِ المُسِىءِ في صلاتِه: "ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا" (١). والخلافُ فيه كالخلافِ في طُمَأْنِينَةِ الرُّكوعِ، ويَنْحَطُّ إلى السُّجودِ مُكَبِّرًا؛ لما ذكرْنَا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ الهُوِىَّ إلى السُّجودِ رُكْنٌ، فلا يَخْلُو مِن ذِكْرٍ، كسائِرِ الأرْكانِ، ويكونُ ابْتِداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتداءِ انْحِطَاطِه، وانْتِهَاؤُه مع انْتِهَائِهِ؛ والكَلَامُ في التَّكْبِيرِ ووُجُوبِه قد مَضَى. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يدَيْه، في المَشْهُورِ مِن المذهبِ. ونَقَلَ عنه المَيْمُونِيُّ أنَّه رَفَعَ يَدْيهِ. وسُئِلَ عن رَفْعِ اليدَيْنِ في الصَّلاةِ؟ فقال: في كلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ.

стр. 699

وقال: فيه عن ابنِ عمرَ وأبى حُمَيْدٍ أحاديثُ صحاحٌ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: ولا يفْعَلُ ذلك في السُّجودِ. في حديثه الصَّحِيحِ (٢)؛ ولمَّا وَصَفَ أبو حُمَيْدٍ (٣) صلاةَ رسولِ اللهِ ﷺ لم يَذْكُرْ رَفْعَ اليدَيْنِ في السُّجودِ، والأحاديثُ العامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بالأحاديثِ المُفَصَّلَةِ، التي رَوَيْنَاها، فلا يَبْقَى فيها اختلافٌ. ١٦١ - مسألة؛ قال: (وَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثُمَّ يَداهُ، ثُمَّ جَبْهَتُهُ وأنْفُهُ) هذا المُسْتَحَبُّ في مَشْهُورِ المذهب، وقد رُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضىَ اللهُ عنه، وبه قال مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ (١)، والنَّخَعِىُّ (٢)، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى أنَّه يَضَعُ يدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه. وإليهِ ذهب مالكٌ؛ لِما رُوِىَ عن أبِى هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا سَجَدَ أَحدُكُمْ فَلْيَضَع يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ ولَا يَبْرُكُ بُرُوكَ (٣) البَعِيرِ". رَوَاه النَّسَائِىُّ (٤). ولَنا، ما رَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا سَجَدَ وضَعَ رُكْبَتَيْهِ قبلَ يدَيْهِ، وإذا نَهَضَ رفعَ يدَيْهِ قبلَ ركبتَيْهِ (٥). أخْرجه أبو داوُد، والنَّسَائِىُّ،

стр. 700

والتِّرْمِذِىُّ. قال الخَطَّابِىُّ: هذا أصحُّ مِن حديثِ أبى هُرَيْرةَ (٦). وَرُوِىَ عن سَعْدٍ (٧)، قال: كُنَّا نَضَعُ اليدَيْنِ قبلَ الركْبتَيْنِ، فأُمِرْنَا بوضعِ الرُّكْبتَيْنِ قبلَ اليدَيْنِ. وهذا يَدُلُّ على نَسْخِ ما تَقَدَّمَه، وقد رَوَى الأثْرَمُ حديثَ أبى هُرَيْرَةَ: "إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الفَحْلِ" (٨). فصل: والسُّجودُ على جميعِ هذه الأعضاءِ واجبٌ، إلَّا الأنْفَ، فإنَّ فيه خلافًا سَنَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ، وبهذا قال طاوُس، والشَّافِعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وإسحاقُ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ في القَوْلِ الآخَرِ: [لا يجِبُ، السُّجودُ على غيرِ الجَبْهَةِ] (٩)؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "سَجَدَ وَجْهِى" (١٠). وهذا يَدُلُّ على أنَّ السّجودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ الساجدَ على الوَجْهِ يُسَمَّى ساجدًا، ووَضْعُ غيرِه على الأرضِ لا يُسمَّى بهِ ساجدًا، فالأمْرُ بِالسُّجودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمَّى به ساجِدًا دونَ غيرِه، ولأنَّه لو وجَبَ السُّجودُ على هذهِ الأعضاءِ لَوَجبَ كَشْفُهَا كالجَبْهَةِ. وذكَرَ الآمدِىُّ هذا روايَةً عن أحمدَ. وقالَ القاضي في "الجامع": وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نَصَّ في المريضِ يَرْفَعُ شيئًا يسجدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه، ومَعْلُومٌ أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجودِ على يدَيْهِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ قال:

стр. 701

قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ؛ اليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَالقَدَمَيْنِ، وَالجَبْهَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وَرُوِىَ عن ابْنِ عمرَ رَفعه: "إنَّ اليَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وإذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا". رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُد، والنَّسَائِىُّ (١٢). وسُجودُ الوجهِ لا يَنْفِى سُجودَ ما عَداهُ، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ السُّجودِ، فإنَّا نقولُ كذلكَ في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، وعَلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى فإنَّ الجبهةَ هي الأصلُ، وهى مكْشُوفَةٌ عادَةً، بخلافِ غيرِها، فإِن أخَلَّ بالسُّجودِ بعُضْوٍ مِن هذهِ الأعْضاءِ، لم تَصِحَّ صلاتُه عندَ مَن أوْجَبَه، وإنْ عَجَزَ عن السُّجودِ على بعضِ هذهِ الأعضاءِ، سجدَ على بقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المريضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يمكِنُه؛ ولم يَجِبْ عليه أنْ يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأنَّ السُّجودَ هو الهُبوطُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِرَفْعِ المسجُودِ عليه، وإنْ سَقَطَ السجودُ عن (١٣) الجَبْهَةِ، لعارِضٍ مِن مرضٍ أو غَيْرِه، سقطَ عنه السُّجودُ على غيره؛ لأنَّه الأصْلُ

стр. 702

وغيرُه تَبَعٌ له، فإذا سقط الأصْلُ سقط التَّبَعُ، ولهذا قال أحْمَدُ في المريضِ يَرْفَعُ إلى جبهتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: إنَّه يُجْزِئُه. فصل: وفى الأنفِ روَايَتَانِ: إحداهُما، يَجِبُ السُّجودُ عليه. وهذا قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْر، وإسحاقَ، وأبى خَيْثَمَة، وابِن أبى شَيْبَةَ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ الجَبْهَةِ" - وأشَارَ بِيَدِهِ إلَى أنْفِهِ - "وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرَافِ القَدَمَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٤)، وإشارَتُه إلى أنفِهِ تَدُلُّ على أنَّه أرادَه، وفى لفظٍ رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ، الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ (١٤) ". ورَوَى عِكْرِمَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أنْفُهُ مِنَ الأَرضِ مَا تُصِيبُ الجَبْهَةُ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، والإِمامُ أحمدُ (١٥)، ورَوَاهُ أبو بكْرٍ (١٦) عبد العزيزِ، والدَّارَقُطْنِىُّ في الأَفْرَادِ مُتَّصِلًا (١٧)، عن عِكْرِمَة، عن ابنِ عبَاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، والصَّحِيحُ أنَّه مُرْسَلٌ. [قال أحمدُ: أخْشَى أن لا يكونَ ثَبَتَ هو مُرْسَلٌ] (١٨). والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجِبُ السُّجودُ عليه. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وطاوُس، وعِكْرِمَة، والحسنِ، وَابْنِ سِيرِين، والشَّافعىِّ، وأبِى ثوْرٍ، وصاحِبَىْ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ علَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ". ولم يَذْكُر الأنْفَ فيها، ورُوِىَ أنَّ جابرًا قال: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ سَجَدَ بأْعلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قُصَاصِ الشَّعْرِ (١٩). رَوَاه تَمَّامٌ (٢٠)، في "فَوَائِدِه"، وغيرُه، وإذا سَجَدَ بِأعلى

стр. 703

الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ. ورُوِىَ عن أبي حنيفة، أنَّه إنْ سَجَدَ على أنفِه دُونَ جَبْهَتِهِ، أجْزَأهُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلمُ أحَدًا سَبَقَهُ إلى هذا القولِ، ولعله ذهب إلى أَنَّ الجَبْهَةَ والأنفَ عُضْوٌ واحِدٌ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا ذَكَرَ الجَبْهَةَ أشارَ إلى أَنْفِه، والعُضْوُ الوَاحِدُ يُجْزِئُهُ السُّجودُ على بَعْضِه. وهذا قولٌ يُخَالِفُ الحديثَ الصحيحَ والإِحماعَ الذي قَبْلَه، فلا يَصِحُّ. فصل: ولا تَجِبُ مُبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِشىءٍ مِن هذه الأعضاءِ. قال القاضي: إذا سجد على كُورِ العِمَامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صحيحةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهذا مذهبُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. وممَّنْ رخَّصَ في السُّجودِ على الثَّوْبِ في الحَرِّ والبَرْدِ. عطاءٌ، وطَاوُس، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وَرَخَّصَ في السَّجودِ على كُورِ العِمَامَةِ الحسنُ، ومَكْحُولٌ، وعبدُ الرحمنِ بن يَزِيدَ. وسَجَدَ شُرَيْحٌ على بُرْنُسِهِ (٢١)، وقال أبو الخَطَّاب: لا يَجِبُ مُبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِشىءٍ مِن أعْضَاءِ السُّجُودِ إلَّا الجَبْهَةَ، فإنَّها على روايتَيْنِ. وقد رَوَى الأثرَمُ، قالَ: سألتُ أبا عبد الرحمَنِ عن السجودِ على كُورِ العِمامَةِ؟ فقال: لا يسجدُ على كُورِها، ولكن يَحْسُرُ العِمامَةَ. وهذا يَحْتَمِلُ المَنْعَ، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لِما رُوِىَ عن خَبَّابٍ، قال: شَكَوْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ في جِبَاهِنَا وأكُفِّنا. فلم يُشْكِنَا (٢٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣). ولأنَّه سجد على ما هو حَامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سجد على يدَيْه. ولنا، ما رَوَى أنَسٌ، قال: كُنَّا نُصَلِّى مع النَّبىِّ ﷺ ، فَيَضَعُ أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن

стр. 704

شِدَّةِ الحَرِّ في مكانِ السُّجودِ. رَوَاهُ البخارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٢٤). وعن ثابتِ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى في بَنِى عبدِ الأشْهَلِ، وعليهِ كسَاءٌ مُلْتَفٌّ بهِ يَضَعُ يَدْيهِ عليه، يَقِيهِ بَرْدَ الْحَصَى. وفِي رِوَايَةٍ: فَرأيْتُه واضِعًا يدَيْهِ على قَرْنِه إذا سجد. رواهُ ابن ماجَه (٢٥). ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه سجد على كُورِ العِمَامَةِ، وهو ضعيفٌ (٢٦) وقال الحسنُ: كانَ القومُ يسجُدونَ على العِمَامةِ والقَلَنْسُوَةِ، ويَدُه في كُمِّهِ. ولأنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجودِ، فجَازَ السجودُ على حائِلِه، كالقدَمَيْنِ. فأمَّا حديثُ خَبَّابٍ فالظَّاهرُ أنَّهم طَلَبُوا منهُ تأْخِيرَ الصَّلاةِ، أو تَسْقِيفَ المسجِدِ، أو نحوَ ذلك، ممَّا يُزِيلُ عنهم ضررَ الرَّمْضَاءِ في جِباهِهم وأكُفِّهم، أما الرُّخْصةُ في السُّجودِ على كُورِ العِمَامَةِ، فالظَّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما طَلَبَه الفُقراءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمَائِمُ، ولا أكْمامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بها الرَّمْضَاءَ، فكيف يَطْلُبُون منه الرُّخْصَةَ فيها؟ ولو احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يتَعَيَّنُ، فلمَ يُحْمَلُ عليه دون غيرِه؟ . ولذلِكَ لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ. قال أبو إسْحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشَّافعىِّ أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهما. قال: وقد قِيل فيه قولٌ آخَرُ، إنَّه يجبُ. وإنْ سجدَ على يدَيْهِ لم يَصِحَّ، روَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه سجد على عُضْوٍ مِن أعضاءِ السُّجودِ، فالسُّجودُ يُؤَدِّى إلى تَدَاخُلِ السُّجودِ، بِخِلَافِ مسألتِنَا. وقال القاضي في "الجامِعِ": لم أجدْ عن أحمدَ نصًّا فِي هذه المسألَةِ، ويجبُ أنْ تكونَ مَبْنِيَّةً على السُّجودِ على غيرِ الجَبْهَةِ. هل هو واجبٌ؟ على روايَتَينِ؛ إنْ قُلْنَا: لا

стр. 705

يجبُ. جازَ، كما لو سجَد على العِمَامةِ. وإن قُلْنا: يَجِبُ، لم يَجُزْ؛ لئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجودِ بعضُه في بعضٍ. والمُسْتَحَبُّ مَبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِالجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ لِيَخْرُجَ مِنَ الخِلَافِ، ويأخذَ بِالعَزِيمَةِ. قالَ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى إلَّا في الحَرِّ والبَرْدِ. وكذلك قال إسحاقُ، وكان ابْنُ عمرَ يَكْرَهُ السُّجودَ على كُورِ العمامةِ، وكانَ عُبادةُ (٢٧) بنُ الصامتِ يَحْسِرُ عمامتَهُ إذا قَامَ إلى الصلاةِ، وقال النَّخَعِىُّ: أسْجُدُ على جَبِينِى أحَبُّ إلىَّ. ١٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ (١) في سُجُودِهِ مُعْتَدِلًا) قالَ التِّرمِذِىُّ (٢): أهلُ العِلْمِ يَخْتَارُونَ الاعْتِدَالَ في السُّجودِ، وَرُوِىَ عن جابرٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ". وقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أنَسٍ عن النبيِّ ﷺ (٣) أنه قالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ وَلَا يَسْجُدْ أَحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ" (٤). وهذا هو الافْتِرَاشُ المَنْهِىُّ عنه في الحديثِ، وهو أنْ يضعَ ذِراعيه
следующие страницы →