مِنْكُمْ﴾ (٤٦). ولأنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا بالحَدِّ في عصرِ النَّبِيِّ ﷺ وأَصْحابِه، لم تُنْكَرْ عليهم شهادتُهم به. ويُسْتَحبُّ للإِمامِ وغيرِه التَّعْرِيضُ بالوُقوفِ عن الشَّهادةِ؛ بدليلِ قولِ عمرَ لزيادٍ: إنِّي لأرَى رجلًا أرجُو أن لا يفْضَحَ اللهُ على يَدَيْه رجلًا من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ (٤٧). ولأنَّ تَرْكَها أفضلُ، فلم يكُنْ بأسٌ بدَلالتِه على الفَضْلِ. وقد رُوِىَ أنَّ رجلًا سألَ عُقْبةَ بنَ عامرٍ، فقال: إنَّ لي جِيرانًا يشْربون الخمرَ، أفأرْفَعُهم إلى السُّلطانِ؟ فقال عُقْبةُ بنُ عامرٍ: إنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
فصل: وإن شَهِدَ أربعةٌ على امرأةٍ بالزِّنَى، فشَهِدَ ثِقاتٌ من النِّساءِ أنَّها عَذْراءُ، فلا حَدَّ عليها، ولا على الشُّهودِ. وبهذا قالَ الشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: عليها الحَدُّ؛ لأنَّ شهادةَ النِّساءِ لا مَدْخَلَ لها في الحُدودِ، فلا تسْقُطُ بشهادَتِهنَّ. ولَنا، أنَّ البَكارَةَ تَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، ووُجودُها يَمْنَعُ من الزِّنَى ظاهرًا؛ لأنَّ الزِّنَى، لا يحْصُلُ بدونِ الإِيلاجِ في الفَرْجِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع بَقاءِ البَكارَةِ، لأنَّ البِكْرَ هي التي لم تُوطَأْ في قُبلِهَا، وإذا انَتفَى الزِّنَى، لم يجبِ الحَدُّ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ بأنَّ المشهودَ عليه بالزِّنَى مَجْبوبٌ، وإنَّما لم يجبِ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لِكَمالِ عِدَّتِهِم، مع احْتمالِ صِدْقِهم، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَطِئَها ثم عادَتْ عُذْرَتُها، فيكونَ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عنهم، غيرَ مُوجِبٍ له عليها، فإنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبُهاتِ. ويجبُ أن يُكْتَفَى بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ شهادتَها مَقْبولةٌ فيما لا يَطَّلِعُ
стр. 6512
عليه الرِّجَالُ. فأمَّا إن شهدَتْ بأنَّها رَتْقَاءُ، أو ثبتَ أنَّ الرجل المشهودَ عليه مَجْبُوبٌ، فيَنْبَغِى أن يجبَ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لأنَّه يُتَيَقَّنُ كَذِبُهم في شَهادتِهم بأمْرٍ لا يعْلَمُه كثيرٌ من النَّاسِ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ.
فصل: إذا شَهِدَ أربعةٌ على رجلٍ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، وشَهِدَ أربعةٌ آخَرون على الشهودِ أنَّهم هم [الذين زَنَوْا] (٤٨) بها، لم يجبِ الحَدُّ على أحدٍ منهم. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الأوَّلِين قد جَرَّحَهم الآخِرون بشَهادتِهم عليهم، والآخِرون تَتَطَرَّقُ إليهم التُّهْمةُ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ وُجوبَ الحَدِّ على الشُّهودِ الأوَّلِين؛ لأنَّ شهادةَ الآخِرِين صحيحةٌ، فيجبُ الحكْمُ بها. وهذا قولُ أبي يوسفَ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ في صَدْرِ المسألةِ كلامًا معناه، لا يُحَدُّ أحدٌ منهم حَدَّ الزِّنَى. وهل يُحَدُّ الأوَّلون حَدَّ القَذْفِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على القاذفِ إذا جاءَ مَجِىءَ الشاهدِ هل يُحَدُّ؟ على رِوَايتَيْن.
فصل: وكُلُّ زِنًى أوْجبَ الحَدَّ، لا يُقْبَلُ فيه (٤٩) إلَّا أربعةُ شهودٍ، باتِّفاقِ العلماءِ؛ لِتَناوُلِ النَّصِّ له، بقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥٠). ويدْخُلُ فيه اللِّواطُ، ووَطْءُ المرأةِ في دُبُرِهَا؛ لأنَّه (٥١) زِنًى. وعند أبي حنيفةَ، يثْبُتُ بشاهدَيْنِ، بِناءً على أصْلِه في أنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. وقد بيَّنَّا وُجوبَ الحَدِّ به، ويُخَصُّ هذا بأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُر فاحِشَةٌ، بدليلِ قولِه تعالى [: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٥٢). وقال اللَّه تعالى] (٥٣): ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥٤). فإذا
стр. 6513
وُطِئَتْ في الدُّبُرِ، دخَلَتْ في عُمومِ الآيةِ. ووَطْءُ البَهيمة إن قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ به (٥٥)، لم يَثْبُتْ إلَّا بشُهودٍ أرْبعةٍ، وإن قُلْنا: لا يُوجِبُ إلَّا التَّعْزِيرَ. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يثْبُتُ بشاهدَيْنِ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ، فيثبتُ بشاهِدَيْن، كسائرِ الحقوقِ. والثانى، لا يثبتُ إلَّا (٥٥) بأربعةٍ. وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه فاحِشةٌ، ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ الزِّنَى. وعلى قياسِ هذا، كُلُّ وَطْءٍ لا يُوجِبُ الحَدَّ ويُوجِبُ التَّعْزِيرَ، كوَطْءِ الأَمَةِ المُشْترَكَةِ، وأَمَتِه المُزَوَّجَةِ، فإن لم يكُنْ وَطْئًا كالمُباشرةِ دونَ الفَرْجِ ونحوِها، ثبَتَ بشاهِدَيْنِ، وجهًا واحدًا؛ لأنَّه ليس بوَطْءٍ، فأشْبَهَ سائرَ الحُقوقِ.
فصل: ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه. رُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأىِ. وهو أحدُ قولَى الشَّافِعِي. وقال، في الآخَرِ: له إقامتُه بعِلْمِه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامتُه بالبَيِّنَةِ والاعْترافِ الذي لا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، فيما يُفيدُ العلمَ أوْلَى. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وقال عمرُ: أو كان الحَبَلُ أو الاعْترافُ (٥٦). ولأنَّه لا يجوزُ له أن يتكلَّمَ به، ولو رَماه بما عَلِمَه منه لكان قاذِفًا، يلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ، فلم تَجُزْ إقامَةُ الحَدِّ به، كقولِ غيرِه، ولأنَّه إذا حَرُمَ النُّطْقُ به، فالعملُ به أَوْلَى. فأمَّا السَّيِّدُ إذا عَلِمَ من عبدِه أو جارِيَتِه ما يُوجِبُ الحَدَّ عليه، فهل له إقامتُه عليه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُ إقامتَه عليه؛ لما ذكرْنَاهُ في الإِمامِ، ولأنَّ الإِمامَ إذا لم يملِكْ إقامتَه بِعِلْمِه، مع قُوَّةِ وِلَاِيَتِه، والاتِّفاقِ على تَفْويضِ الحَدِّ إليه، فغيرُه أوْلَى. والثانى، يَمْلِكُ ذلك؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تأْدِيبَ عبدِه بِعِلْمِه، وهذا يَجْرِى مَجْرَى التَّأْديبِ، ولأنَّ السَّيِّدَ أَخَصُّ بعَبْدِه، وأتمُّ وِلايَةً عليه، وأشْفَقُ من الإِمامِ على سائرِ الناسِ.
стр. 6514
فصل: وإذا حَبِلَتِ (٥٧) امرأةٌ لا زَوْجَ لها، ولا سَيِّدَ، لم يَلْزَمْها الحَدُّ بذلك، وتُسْأَلُ فإنِ ادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، أو وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أو لم تَعْتَرِفْ بالزِّنَى، لم تُحَدَّ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعىِّ. وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ إذا كانت مُقِيمَةً (٥٨) غيرَ غريبةٍ، إلَّا أنْ تظهرَ أماراتُ الإِكْرَاهِ، بأن تَأْتِىَ مُسْتَغِيْثَةً أو صارِخَةً؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: والرَّجْمُ واجِبٌ على كُلِّ مَنْ زَنَى من الرِّجَالِ والنِّساءِ إذا كان مُحْصنًا، إذا قامَتْ بَيِّنَةٌ، أو كان الحَبَلُ أو الاعْترافُ (٥٩). ورُوِيَ أنَّ عثمانَ أُتِىَ بامرأةٍ وَلَدَتْ لستَةِ أشْهُرٍ، فأَمَرَ بها عثمانُ أن تُرْجَمَ، فقال عليٌّ: ليس لك عليها سبيلٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٦٠). وهذا يدُلُّ (٦١) على أنَّه كان يرْجُمُها بحَمْلِها، وعن عمرَ نحوٌ مِن هذا. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. أنَّه قال: يا أيُّها النَّاسُ، إن الزِّنَى زِنَاءَان؛ زِنَى سِرٍّ، وزنَى عَلَانِيَةٍ، فزِنَى السِّرِّ أن يشْهدَ الشُّهودُ، فيكونَ الشهودُ أَوَّلَ مَن يَرْمِى، وزِنَى العَلَانِيَةِ أنْ يظهرَ الحَبَلُ أو الاعْترافُ، فيكونَ الإِمامُ أَوَّلَ من يَرْمِى (٦٢). وهذا قولُ سادةِ الصحابةِ، ولم يظْهَرْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مِنْ وَطءِ إكْراهٍ أو شُبْهةٍ، والحَدُّ يسْقطُ بالشُّبُهاتِ. وقد قِيلَ: إنَّ المرأةَ تَحْمِلُ من غيرِ وَطْءٍ بأن يَدْخُلَ ماءُ الرَّجُلِ في فَرْجِها، إمَّا بفِعْلِها أو فِعْلِ غيرِها. ولهذا تُصُوِّرَ حَمْلُ البِكْرِ، فقد وُجِدَ ذلك. وأما قَوْلُ الصَّحابةِ، فقد اخْتَلفتِ الرِّوَايَةُ عنهم، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثنا خَلفُ بنُ خَلِيفةَ، حدَّثنا أبو (٦١) هاشِمٍ، أنَّ امرأةً،
стр. 6515
رُفِعتْ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، ليس لها زَوْجٌ، وقد حَملَتْ، فسألَها عمرُ، فقالت: إنِّي امرأةٌ ثَقيلةُ الرَّأْسِ، وقعَ عَلَىَّ رجلٌ وأنا نائمةٌ، فما اسْتَيْقَظْتُ حتى فرغَ. فَدَرَأَ عنها الحَدَّ (٦٣). ورَوَى [النَّزَّالُ بن سَبْرَةَ] (٦٤)، عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ بامرأَةٍ حاملٍ، فادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، فقال: خَلِّ سَبِيلَها. وكتبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أنْ لا يُقْتَلَ أحَدٌ إلَّا بإذْنِه (٦٥). ورُوِىَ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، أَنَّهما قالا: إذا كانَ في الحَدِّ لعلَّ وعَسَى، فهو مُعَطَّلٌ. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٦٦) بإسْنادِهِ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، أنَّهم قالوا: إذا اشْتَبَهَ عليك الحَدُّ، فادْرَأْ ما اسْتَطعْتَ. ولا خلافَ في أنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهى مُتحقِّقَةٌ ههُنا.
فصل: وإذا اسْتَأْجَر امرأةً [لعملِ شيءٍ] (٦٧)، فزَنَى بها، أو اسْتَأْجرَها لِيَزْنِىَ بها، وفعلَ ذلك، أو زَنَى بامْرأةٍ ثم تزوَّجَها أو اشتراها، فعليهما الحَدُّ. وبه قال أكثرُ أهلِ العلمِ. وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهما في هذه المواضِعِ [إِلَّا إذا اسْتأجرَها لعملِ شيءٍ] (٦٨)؛ لأَنَّ مِلكَه لِمَنْفَعتِها شُبْهَةٌ دَارِئةٌ للحَدِّ (٦٩)، ولا يُحَدُّ بَوْطءِ امرأةٍ هو مالِكٌ لها. ولَنا، عُمومُ الآيةِ، والأخبارُ، ووجُودُ المعنى المُقْتَضِى لوُجوبِ الحَدِّ. وقولُهم: إنَّ مِلْكَه مَنْفَعتَها شُبْهَةٌ. ليس بصحيحٍ، فإنَّه إذا لم يسْقُطْ عنه الحَدُّ ببَذْلِها [نَفْسَها له] (٦٨)، ومُطاوَعتِها إيَّاه، فلأنْ لا يسْقُطَ بمِلْكِه نَفْعَ مَحَلٍّ آخَرَ أوْلَى، وما وجبَ الحَدُّ
стр. 6516
عليه بوَطْءِ مَمْلوكتِه، وإنَّما وجبَ بوَطْءِ أجْنَبِيَّةٍ، فتغَيُّرُ حالِها لا يُسْقِطُه، كما لو ماتَتْ.
فصل: ولو (٧٠) وَطِىءَ امرأةً له عليها القِصاصُ، وجَبَ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه حَقٌّ له عليها فلا يسْقُطُ الحَدُّ عنه، كالدَّين.
١٥٦٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ رُجِمَ بَإقْرَارٍ، فَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، كُفَّ عَنْهُ، وَكَذلِكَ إنْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ جُلِدَ، وقَبْلَ كَمَالِ الْحَدِّ، خُلِّىَ)
قد تقدَّم شَرْحُ هذه المسألةِ، وذكرْنَا أنَّ المُقِرّ بالحَدِّ متى رجعَ عن إقْرارِه تُرِكَ، وكذلك إن أَتَى بما يدُلُّ على الرُّجوعِ، مثل الهرَبِ، لم يُطْلَبْ؛ لأنَّ ماعِزًا لَمَّا هرَبَ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "هَلَّا تَرَكْتُمُوه؟ " (١). ولأنَّ مَن قُبِلَ رُجوعُه قَبْلَ الشُّروعِ في الحَدِّ، قُبِلَ بعدَ الشُّروعِ فيه، كالبَيِّنَةِ.
فصل: ويُسْتحَبُّ للإِمامِ، أو الحاكمِ الذي يثبتُ عندَه الحَدُّ بالإِقْرارِ، التَّعْرِيضُ له بالرُّجوعِ إذا تَمَّ، والوُقُوفِ (٢) عن إتْمامِه إذا لم يتِمَّ، كما رُوِى عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أعْرَضَ عن ماعِزٍ حينَ أقرَّ عنده، ثم جاءَه من النَّاحِيَةِ الأُخْرَى، فأعْرَضَ عنه، حتى تمَّمَ إقْرارَه أربعًا، ثم قال: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ" (٣). ورُوِىَ أنَّه قال لِلَّذِى أقرَّ بالسَّرِقة: "مَا إخَالُكَ فَعَلْتَ". روَاه سعيدٌ، عن سفيانَ، عن يَزِيدَ (٤) ابنِ خَصِيفةَ (٥)، عن محمد بن عبد الرَّحمن بن ثَوْبانَ، عن النَّبِيِّ ﷺ (٦). وقالَ: حدَّثنا
стр. 6517
هُشَيْم، عن الحَكَم بنِ عُتَيْبَةَ، عن يَزِيدَ بن أبي كَبْشَةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنَّه أُتِىَ بجاريةٍ سوداءَ سَرَقَتْ، فقال لها: أسَرَقْتِ؟ قُولِى: لا. قالَتْ (٧): لا. فخَلَّى سَبِيلَهَا (٨). ولا بأسَ أنْ يعرِضَ بعضُ (٩) الحاضرين له الرُّجوعَ أو بأنْ لا يُقِرَّ. وروينا عن الأحْنَفِ، أنَّه كان جالسًا عندَ مُعاويةَ، فأُتِىَ بسارقٍ، فقال له معاويةُ: أسَرَقْتَ؟ فقال له بعضُ الشُّرطَةِ: اصْدُقِ الأميرَ. فقال الأحْنَفُ: الصِّدْقُ في كُلِّ المواطنِ مَعْجَزَةٌ. فعَرَّضَ له بتَرْكِ الإِقْرارِ. ورُوِىَ عن بعضِ السَّلَفِ، أنَّه قال (١٠): لا يُقْطَعُ ظَرِيفٌ. يعني به أنَّه إذا قامتْ عليه بَيِّنَةٌ، ادَّعَى شُبْهَةً تَدْفَعُ (١١) عنه القَطْعَ. فلا يُقْطَعُ. ويُكْرَه لمن عَلِمَ حاله، أن يَحُثَّه على الإِقْرارِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال لهَزَّالٍ، وقد كان قال لماعِزٍ: بادِرْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ قبلَ أن ينْزِلَ فيك قرآنٌ: "أَلَا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ! " روَاه سعيدٌ (١٢). ورَوَى بإسْناده أيضًا، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال له: إنَّه أصابَ فاحِشَةً. فقال له: أَخْبَرْتَ بهذا أحدًا قَبْلِى؟ قال: لا. قال: فاسْتَتِرْ بسِتْرِ اللَّه، وتُبْ إلى اللهِ، فإنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ ولا يُغَيِّرُونَ، واللَّه يُغيِّرُ ولا يعَيِّرُ، فتُبْ إلى اللَّه، ولا تُخْبِرْ به أحدًا. فانْطَلقَ إلى أبي بكرٍ، فقال له مثلَ ما قالَ عمرُ، فلم تُقِرَّه (١٣) نفسُه، حتى أتَى رسولَ اللَّه ﷺ ، فذكرَ له ذلك (١٤).
стр. 6518
١٥٦٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ زَنَى مِرَارًا ولَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ)
وجملتُه أنَّ ما يُوجِبُ الحَدَّ من الزِّنَى، والسَّرِقةِ، والقذفِ، وشُرْبِ الخمرِ، إذا تكرَّرَ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، أجْزأَ حَدٌّ واحِدٌ. بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ على هذا كُلُّ مَن نحْفظُ عنه من أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسفَ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وإن أُقِيمَ عليه الحَدُّ، ثم حَدَثَتْ منه جنايةٌ أُخْرَى، ففيها حَدُّها. لا نعلمُ فيه خلافًا. وحكاه ابنُ المُنْذِرِ عمَّنِ يَحْفَظُ عنه. وقد سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عن الأَمَةِ تَزْنِى قبلَ أن تُحْصَنَ فقال: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا" (١). ولأنَّ تَداخُلَ الحُدودِ، إنَّما يكونُ مع اجتماعِها، وهذا الحَدُّ الثاني وجبَ بعدَ سُقوطِ الأوَّلِ باسْتيفائِه. وإنْ كانتِ الحدودُ من أجْناسٍ، مثل الزِّنَى، والسَّرِقَةِ، وشُرْبِ الخمرِ، أقيمتْ كُلُّها، إلَّا أن يكونَ فيها قتلٌ، فإن كان فيها قتلٌ، اكْتُفِىَ به؛ لأنَّه لا حاجةَ معه إلى الزَّجْرِ بغيرِه. وقد قال ابنُ مسعودٍ: ما كانتْ حُدودٌ فيها قَتْلٌ (٢)، إلَّا أحاطَ القتلُ بذلك كلِّه (٣). وإن لم يكُنْ فيها قتلٌ، اسْتَوْفَتْ كلُّها، وبُدِئَ بالأخَفِّ فالأخَفِّ، فيُبْدَأُ بالجَلْدِ، ثم بالقَطْعِ، ويُقَدَّمُ الأخَفُّ في الجَلْدِ على الأثْقَلِ، فيُبْدَأُ في الجلدِ بحدِّ الشُّرْبِ، ثم بحَدِّ القَذْفِ، إن قُلْنا: إنَّه حَقٌ للهِ تعالى، ثم بحَدِّ الزِّنَى. وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ القذفِ حَقٌ لآدَمِىٍّ. قَدَّمْنَاه، ثم بِحَدِّ الشُّرْبِ، ثم بِحَدِّ الزِّنَى.
١٥٦٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا أهْلُ الذِّمَّةِ، [حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ، بِحُكْمِ] (١) اللهِ تَعَالَى عَلْيَنا)
وجملةُ ذلك أنَّه إذا تَحاكَمَ إلينا أهلُ الذِّمَّةِ] (٢)، أو اسْتَعْدَى بعضُهم على بعضٍ،
стр. 6519
فالحاكمُ مُخيَّرٌ بينَ إحْضارِهم والحكمِ بينَهم، وبينَ تركِهم، سواءٌ كانوا من أهلِ دينٍ واحدٍ، أو من أهلِ أدْيانٍ. هذا المَنصوصُ عن أحمدَ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىُّ. وحَكَى أبو خَطَّابٍ، عن أحمدَ، رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يجبُ الحكمُ بينهم. وهذا القولُ الثاني للشَّافِعِىِّ، واخْتيارُ المُزَنِىِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣). ولأنَّه يَلْزَمُه دَفْعُ مَن قَصَدَ واحدًا منهما بغيرِ حَقٍّ، فَلزِمَه الحكمُ بينَهما، كالمُسْلِمَيْن. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤). فخيَّره بين الأمْرَيْن، ولا خلافَ في أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في مَن وادَعَه رسولُ اللَّه ﷺ من يَهُودِ المدينةِ، ولأنَّهما كافرانِ، فلا يجبُ الحكْمُ بينَهما كالمُعاهَدَيْن، والآيةُ التي احْتَجُّوا بها محمولةٌ على مَن اخْتارَ الحكمَ بينهم؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٤). جَمْعًا بينَ الآيَتَيْن، فإنَّه لا يُصارُ إلى النَّسْخِ مع إمْكانِ الجمعِ. فإذا ثبتَ هذا، فإنَّه إذا حَكَمَ بينَهم، لم يَجُزْ له الحُكْمُ إلَّا بحُكمِ الإِسلامِ؛ للآيتَيْنِ، ولأنَّه لا يجوزُ له الحكمُ، إلَّا بالقِسْطِ، كما في حَقِّ المسلمين، ومتى حَكَمَ بينهما، ألزمَهُما حُكْمَه، ومن امْتَنعَ منهما، أجْبَره على قَبولِ حُكْمِه، وأخذَه به؛ لأنَّه إنَّما دخلَ في العَهْدِ بَشرْطِ الْتزامِ أحْكامِ الإِسلامِ. قال أحمدُ: لا يُبْحَثُ عن أمرِهم، ولا يُسْأَلُ عن أمرِهم، إلَّا أن يأتُوهم، فإن ارْتفَعُوا إلينا، أَقَمْنَا عليهم الحَدَّ، على ما فعلَ النَّبِىُّ ﷺ . وقال أيضًا: حُكْمُنَا يلْزَمُهم، وحُكْمُنا جائِزٌ على جميعِ المِلَلِ، ولا يَدْعُوهما الحاكمُ، فإنَّ جاءُوا، حكَمْنَا بحُكْمِنَا. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إِذا رُفِعَ إلى الحاكمِ مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، يُوجِبُ عقوبةً، ممَّا هو مُحَرَّمٌ عليهم في دينِهم، كالزِّنَى، والسَّرِقَةِ، والقَذْفِ، والقَتْلِ، فعليه إقامةُ حَدِّه عليه؛ فإنْ كانَ زِنًى جُلِدَ إنْ كانَ بِكرًا وغُرِّبَ عامًا، وإن كان مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ
стр. 6520
أُتِىَ بِيَهُودِيَّيْنِ، فَجَرَا بعدَ إحْصَانِهِما، فأمرَ بهما فرُجِمَا (٥). وعن ابنِ عمرَ، أنَّ اليَهُودَ جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالُوا له: إنَّ رجلًا منهم وامرأةً زَنَيا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ. قال عبد اللَّه بن سَلَام: كَذَبْتُم إنَّ فيها الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بالتَّوْراةِ فنشَرُوها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجْمِ، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقال عبدُ اللَّه بن سلَام: ارفَعْ يدَك. فرفعَ يدَه، فإذا فيها آيةُ الرَّجْمِ، فقالوا: صَدَقَ يا محمدُ، فيها آيةُ الرَّجْمِ. فأمرَ بهما رسولُ اللَّه ﷺ , فرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى أنسٌ، أنَّ يَهُودِيًّا قَتلَ جاريةً على أوْضاحٍ لها بحَجَرٍ، فقتَلَه رسولُ اللَّه ﷺ بينَ حَجَرَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وإن كان يَعْتَقِدُ إباحتَه، كشُرْبِ الخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه لا يعْتقِدُ تَحْرِيمَهُ (٧)، فلم يَلْزَمْه عُقوبتُه، كالكُفْرِ. وإن تظاهرَ به، عُزِّرَ؛ لأنَّه أظْهَر مُنْكَرًا في دارِ الإِسلامِ، فعُزِّرَ عليه، كالمُسْلِمِ.
فصل: وإن تحاكم مسلمٌ، وذِمِّىٌّ، وجبَ الحكمُ بَيْنَهم. بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه يجبُ دَفْعُ ظُلْمِ كلِّ واحدٍ منهما عن صاحبِه.
١٥٦٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَذَفَ بالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا، أو حُرَّةً مُسْلِمَةً، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمانِينَ)
القَذْفُ: هو الرَّمْىُ بالزِّنَى. وهو مُحَرَّمٌ بإجْماعِ الأمَّةِ، والأصْلُ في تَحْريمِه الكتابُ والسُّنَّةُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
стр. 6521
لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وأما السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الموبِقَاتِ". قالوا: وما هُنَّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتى حَرَّمَ اللهُ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). والمُحْصَناتُ ههُنا العَفائِفُ. والمُحْصَنَاتُ في القرآن جاءَتْ بأرْبعةِ مَعانٍ؛ أحدُها هذا. والثاني، بمعنى المُزَوَّجَاتِ (٤)، كقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥). وقولِه تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ (٦). والثالث، بمعنى الْحَرائرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وقولِه سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٧). وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ [مِنَ الْعَذَابِ] (٨)﴾ (٦). والرابع، بمعنى الإِسلام، كقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٦). قال ابن مسعود: إحْصانُها إسْلامُها (٩). وأجمعَ العلماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَفَ المُحْصَنَ، إذا كان مكلَّفًا. وشَرائطُ الإِحْصانِ الذي يجبُ الحَدُّ
стр. 6522
بقَذْفِ صاحبِه خمسةٌ؛ العقلُ، والحُرِّيَّةُ، والإِسلامُ، والعِفَّةُ عن الزِّنَى، وأن يكونَ كبيرًا يُجِامِعُ مِثْلُه. وبه يقولُ جاعةُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، سِوَى ما رُوِىَ عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العبدِ. وعن ابن المسيَّبِ، وابن أبي ليلى، قالوا: إذا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، ولها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ مَنْ لا يُحَدُّ قاذفُه إذا لم يكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ ولَه ولدٌ، كالمجنونةِ. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ حدًّا، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجنونِ. والثانية، لا يُشْتَرطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقِلٌ عفيفٌ يتعيَّرُ بهذا القولِ المُمْكنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. وهذا قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بُدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عشرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على قاذفِ الخَصِىِّ، والمجبُوبِ، والمريضِ المُدْنَفِ، والرَّتْقَاءِ، والقَرْناءِ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجْبُوبٍ. قال ابن المُنْذِرِ: وكذلك الرَّتْقَاءُ. وقال الحسنُ: لا حَدَّ على قاذفِ الْخَصِىِّ؛ لأنَّ العارَ مُنْتَفٍ عن المَقْذوفِ بِدُونِ الحَدِّ، للعِلْمِ بكَذِبِ القاذفِ، والحَدُّ إنَّما يجبُ لنَفْىِ العارِ. ولَنا، عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. والرَّتْقاءُ داخِلَةٌ في عُمومِ هذا، ولأنَّه قاذِفٌ لِمُحْصَنٍ، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كقاذِفِ القادرِ على الوَطْءِ، ولأنَّ إمْكانَ الوَطْءِ أمرٌ خَفِىٌّ، لا يعلمُه كثيرٌ من النَّاسِ، فلا ينْتَفِى العارُ عندَ مَنْ لم يعْلَمْه بدُونِ الحَدِّ، فيجبُ، كقَذْفِ المريضِ.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على القاذفِ في غيرِ دارِ الإِسلامِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه في دارٍ لا حَدَّ على أهلِها. ولَنا، عُمومُ [قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾] (١٠). الآية. ولأنَّه مُسْلِمٌ مكلَّفٌ، قذفَ مُحْصَنًا،
стр. 6523
فأشْبَهَ مَنْ في (١١) دارِ الإِسلامِ.
فصل: وقدرُ الحَدِّ ثمانونَ، إذا كان القاذِفُ حُرًّا؛ للآية، والإِجماعِ، رجلًا كان أو امرأةً. ويُشْتَرَطُ أن يكونَ بالِغًا عاقِلًا غيرَ مُكْرَهٍ؛ لأنَّ هذه مُشْتَرَطَةٌ لكلِّ حَدٍّ.
١٥٦٦ - مسألة؛ قال: (إذَا طَالبَ الْمَقْذُوفُ، ولمْ يَكُنْ لِلْقاذِفِ بَيِّنَةٌ)
وجملتُهُ أنَّهُ (١) يُعْتَبَرُ لإِقامةِ الحَدِّ بعدَ تمامِ القَذْفِ بشُروطِه شَرْطان؛ أحدُهما، مُطالَبةُ المقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طلبِه، كسائرِ حُقوقِه. والثانى، أن لا يأْتِىَ بِبَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (٢). فشَرَطَ (٣) في جَلْدِهم عَدَمَ البَيِّنَةِ، وكذلك يُشْتَرَطُ عدمُ الإِقْرارِ من المقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ. وإن كان القاذِفُ زوجًا، اعْتُبِرَ شرطٌ ثالثٌ، وهو امْتناعُه من اللِّعانِ. ولا نعلمُ خلافًا في هذا كلِّه. وتُعْتَبرُ اسْتدامةُ الطالبِ (٤) إلى إقامةِ الحَدِّ، فلو طلبَ ثم عفَا عن الحَدِّ، سَقَطَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْر. وقال الحسن، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يسْقُطُ بعَفْوهِ؛ لأنَّه حَدٌّ، فلم يسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحدودِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالبةِ الآدَمِىِّ باسْتيفائِه، [فسَقطَ بعَفْوِه، كالقِصَاصِ، وفارقَ سائرَ الحُدودِ؛ فإنَّه لا يُعْتَبَرُ في إقامتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها، ] (٥) وحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّما تُعْتَبَرُ فيه المطالَبَةُ بالمَسْروقِ، لا باسْتيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دعواه، ويُسْتحْلَفُ فيه، ويحكمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ. فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
стр. 6524
فصل: وإذا قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ بِقَذْفِ مَنْ لم يَبْلُغْ، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يبْلُغَ ويُطالِبَ به بعدَ بُلوغِه، لأنَّ مُطالبتَه قبلَ البُلوغِ لا توجِبُ الحَدَّ؛ لعدَمِ اعْتبارِ كلامِه، وليس لولِيِّه المُطالبةُ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ للتَّشَفِّى، فلم يَقُمْ غيرُه مَقامَه في اسْتيفائِه، كالقِصاصِ، فإذا بَلَغ وطالَبَ، أقيمَ عليه (٦) حينئذٍ. ولو قَذَفَ غائِبًا، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ حتى يَقْدَمَ ويُطالِبَ، إلَّا أن يثبتَ أنَّه طالَبَ في غَيْبَتِه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونَ ذلك شُبْهةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه ينْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولو قذفَ عاقلًا، فَجُنَّ بعدَ قَذْفِه وقَبْلَ طلبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتَّى يُفيقَ ويُطالِبَ (٧)، وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالبَ به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازَتْ إقامتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتيفاءِ القِصَاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قَبْلَ اسْتيفائِه.
١٥٦٧ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، جُلِدَ أَرْبَعِينَ، بِأَدْوَنَ مِنَ السَّوْطِ الَّذِى يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على وُجوبِ الحَدِّ على العَبْدِ إذا قذفَ الحُرَّ المُحْصَنَ؛ لأنَّه داخلٌ في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربعونَ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوىَ عن عبد اللَّه بنِ عامرِ (١) بنِ رَبِيعةَ؛ أنَّه قال: أدركتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، ومَنْ بعدَهم من الخلفاءِ، فلم أرَهُم يضرِبُونَ المملوكَ إذا قَذَفَ إلَّا أربعين (٢). ورَوَىَ خِلاسٌ، أنَّ عليًّا قال في عبدٍ قَذَفَ
стр. 6525
حُرًّا: نصفُ الجَلْدِ (٣). وجَلَدَ أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ عبدًا قَذَفَ حُرًّا ثمانين (٤). وبه قال قَبِيصَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ. ولعلَّهم ذَهبُوا إلى عُمومِ الآية. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ للإِجْماعِ المَنْقُولِ عن الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، ولأنَّه حَدٌّ يتبعَّضُ، فكان العبدُ فيه على النِّصْفِ من الحُرِّ، كحَدِّ الزِّنَى، وهذا (٥) يَخُصُّ عمومَ الآيةِ (٦)، وقد عِيبَ على أبِى بكرِ ابنِ (٧) عمرو بن حَزْمٍ جَلْدُه العبدَ ثمانينَ. وقال عبدُ اللَّه بنُ عامرٍ بن ربيعةَ: ما رأَيْنَا أحدًا قبلَهُ جَلَدَ العَبْدَ ثمانين. وقال سعيدٌ: حدَّثنا (٨) عبد الرحمن بنُ أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: حضرتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، جَلَدَ عبدًا ثمانين، فأنْكرَ ذلك مَن حَضَرَهُ من النَّاسِ، وغيرُهم من الفقهاءِ، فقال لي عبدُ اللَّه بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ: إنِّي رأيتُ واللهِ عمرَ بنَ الخطابِ، ما رأيتُ أحدًا جَلَدَ عبدًا في فِرْيَةٍ فوقَ أربعينَ (٩). إذا ثبتَ أنَّه أربعونَ، فإنَّه يكونُ بدُونِ السَّوْطِ الذي يُجْلَدُ به الحُرُّ؛ لأنَّه لَمَّا خُفِّفَ في قَدْرِه، خُفِّفَ في سَوْطِهِ، كما أنَّ الحدودَ في أنْفُسِها كلَّما قلَّ منها، كان سَوْطُه (١٠) أخفَّ، فالجلدُ في الشُّرْبِ أخفُّ منه في القَذْفِ، وفى القذفِ أخفُّ منه في الزِّنَى. ويَحْتَمِلُ أن يُساوِىَ العبدُ الحُرَّ في السَّوْطِ؛ لأنَّه على النِّصفِ، ولا يتحقَّقُ التَّنْصِيفُ إلَّا مع المُساواةِ في السَّوْطِ.
فصل: وإذا قَذَفَ ولدَه، وإن نَزَلَ، لم يجبِ الحَدُّ عليه، سواءٌ كان القاذِفُ رجلًا
стр. 6526
أو امرأةً. وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيز، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌّ، فلا تَمْنَعُ من وُجوبِه قرابةُ الولادَةِ، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبةٌ تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا يجبُ للوَلدِ على الوالدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأنَّ الحَدَّ يُدْرأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجبُ للابنِ على أبيه كالقِصاصِ، ولأنَّ الأُبُوَّةَ معنًى يُسْقِطُ إلقِصاصَ، فمَنَعَتِ الحَدَّ، كالرِّقِّ والكُفْرِ، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ. وما ذكرُوه ينْتَقِضُ بالسَّرِقةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِ ابنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أن حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، لا حَقَ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يثبتُ للابنِ على أبيه، كالقِصَاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لو قَذَفَ أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتيفائِه، لم يكُنْ لابنِه المُطالبةُ بالحدِّ؛ لأنَّ ما مَنَعَ ثُبوتَه ابْتداءً، أسْقَطَه طارئًا، كالقِصاصِ. وإن كان لها ابنٌ آخرُ من غيرِه، كان له اسْتيفاؤُه إذا ماتَتْ بعد المُطالبةِ به؛ لأنَّ الحدَّ يَمْلِكُ بعضَ الورثةِ اسْتيفاءَه كلَّه، بخلافِ القِصاصِ، وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقاربِ، فيوُجبُ الحَدَّ على القاذفِ، في قَوْلِهم جميعًا.
١٥٦٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَالَ لَهُ (١): يا لُوطِىُّ. سُئِلَ عَمَّا أرَادَ، فَإنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وإنْ قَالَ: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. فَهُوَ كَمَنْ قَذَفَ بالزِّنَى)
في هذه المسألة فَصْلان:
أحدهما: أنَّ مَن قذَف رجلًا بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، إمَّا فاعلًا وإمَّا مَفْعولًا، فعليه حَدُّ القَذْفِ. وبه قال الحسنُ، والشَّافِعِىُّ (١)، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ،
стр. 6527
ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، وقَتَادةُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه. لأنَّه قذفَ بما لا (٢) يوجبُ الحَدَّ عندَه، وعنْدَنا هو مُوجِبٌ للحَدِّ، وقد بَيَّنَّاه فيما مضى. وكذلك لو قَذَفَ امرأةً، أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أو قذَفَ رجلًا بوَطْءِ امرأةٍ في دُبُرِها، فعليه الحَدُّ عنْدَنا، وعند أبي حنيفةَ، لا حَدَّ عليه. ومَبْنَى الخلافِ ههُنا على الخلافِ في وُجوبِ حَدِّ الزِّنَى على فاعلِ ذلك، وقد تقدَّمَ الكلامُ فيه. فأمَّا إن قَذَفَه بإتْيانِ بَهِيمةٍ، انْبَنَى ذلك على وُجوبِ الحَدِّ على فاعِلِه، فمن أوْجَبَ الحَدَّ على فاعلِه، أوْجَبَ حَدَّ القَذْفِ على القاذِفِ به، ومَنْ لا فَلَا. وكلُّ ما لا يَجِبُ الحَدُّ بفعلِه، لا يجبُ الحدُّ على القاذِفِ به، كما لو قَذَفَ إنسانًا بالمُباشرةِ دونَ الفَرْجِ، أو بالوَطْءِ بالشُّبْهةِ، أو قَذَفَ امرأةً بالمُساحَقَةِ، أو بالوَطْءِ مُستكرَهَةً (٣)، لم يَجِبِ الحَدُّ على القَاذِفِ، ولأنَّه رَماهُ بما لا يوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه باللَّمْسِ والنَّظَرِ. وكذلك لو قال: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا مُنافِقُ، يا فاجِرُ، يا خبيثُ، يا أعْوَرُ، يا أقْطَعُ، يا أعْمَى، يا (٤) ابنَ الزَّمِنِ الأعمَى الأعْرَجِ. فلا حَدَّ في ذلك كلِّه؛ لأنَّه قَذْفٌ بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يُوجِبِ الحَدَّ، كما لو قال: يا كاذبُ. يا نَمَّامُ. ولا نعلَمُ في هذا خلافًا بين أهلِ العلمِ. ولكنَّه يُعَزَّرُ؛ لسَبِّ الناسِ، وأذَاهُم، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَ مَن لا يُوجِبُ قَذْفُه الحَدَّ.
الفصل الثاني: أنَّه إذا قال: أردتُ أنَّك من قَوْمِ لُوطٍ. فاخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ؛ فَرَوَى عنه جماعةٌ، أنَّه يجبُ عليه الحَدُّ، بقولهِ: يا لُوطِىُّ. ولا يُسْمَعُ تفسيرُه بما يُحِيلُ القَذْفَ. وهذا اختيارُ أبي بَكْرٍ، ونحوَهُ قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ. والرِّواية الثانية، أنَّه لا حَدَّ عليه. نَقَلَها المَرُّوذِىُّ. ونحوَ هذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ. قال الحسن: إذا قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَهُ دِينُ لُوطٍ فلا حَدَّ عليه. وإن قال: أرَدْتُ أنَّه (٥) يَعْمَلُ عملَ قَوْمِ لُوطٍ.
стр. 6528
فعليه الحَدُّ. ووَجْهُ ذلك، أنَّه فَسَّرَ كلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يجبْ عليه حَدٌّ، كما لو فسَّره به مُتَّصِلًا بكلامِه. ورُوِىَ عن أحمدَ، روَايةٌ ثالثةٌ، أنَّه إذا كان في غَضَبٍ، قال: إنَّه لأهْلٌ أنْ يُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأنَّ قَرِينةَ الغَضَبِ تَدُلُّ على إرادةِ القَذْفِ. بخلافِ حالِ الرِّضا. والصَّحِيحُ في المذهبِ الرِّوايةُ الأُولى؛ لأنَّ هذه الكلمةَ لا يُفْهَمُ منها إلَّا القَذْفُ بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فكانتْ صريحةً فيه، كقولِه: يا زَانِى. ولأنَّ قومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحَدٌ، فلا يَحْتَمِلُ أن يُنْسَبَ إليهم.
فصل: وإن قال: أردتُ أنَّك على دِينِ لُوطٍ، أو أنَّك تُحِبُّ الصِّبْيانَ، أو تقبِّلُهم، أو تَنْظُرُ إليهم، أو أنَّكَ تتخَلَّقُ بأخْلاقِ قومِ لُوطٍ في أنْدِيَتِهم، غيرَ إتيانِ الفاحشةِ، أو أنَّك تَنْهَى عن الفاحِشَةِ كَنْهِى لُوطٍ عنها، أو نحوَ ذلك، خُرِّجَ في هذا كلِّه وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايَتَيْنِ المنْصُوصَتَيْنِ في المسألةِ؛ لأنَّ هذا في مَعْناه.
١٥٦٩ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: يا مَعْفُوجُ)
المنصُوصُ عن أحمدَ، في مَن قال: يا معفوجُ (١). أنَّ عليه الحَدَّ. وكلامُ الْخِرَقِىِّ يقْتَضِى أنَّه يُرْجَعُ إلى تفسيرِه، فإن فَسَّرَهُ بغيرِ الفاحِشَةِ، مثل أن قال: أردتُ يا مَفْلوجُ أو يا مُصابًا دُونَ الفرجِ. ونحو هذا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه فَسَّرَه بما لا حَدَّ فيه. وإن فَسَّرَه بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فعليه الحَدُّ، كما لو صَرَّحَ به. ووَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تقدَّم في التي قَبْلَها.
فصل: وكلامُ الْخِرَقِىِّ يقْتَضِى أنْ لا يجبَ الحَدُّ على القاذِفِ إلَّا بلفظٍ صريحٍ، لا يَحْتَمِلُ غيرَ القذفِ، وهو أن يقول: يا زَانى. أو ينطِقَ باللَّفظِ الحقيقىِّ في الجماعِ، فأمَّا ما عَداه من الألْفاظِ، فيُرْجَعُ فيه إلى تَفْسيرِه؛ لما ذكرْنا (٢) في هاتَيْنِ المسْألتَيْن، فلو
стр. 6529
قال لرجلٍ: يا مُخَنَّثُ. أو لامرأةٍ: يا قَحْبَةُ. وفسَّرَه بما ليس بقَذْفٍ، مثلِ أنْ يُرِيدَ بالمُخَنَّثِ أنَّ فيه طباعَ التَّأْنيثِ والتَّشَبُّهَ بالنساءِ، وبالقَحْبَةِ أنَّها تسْتعدُّ لذلك، فلا حَدَّ عليه. وكذلك إذا قال: يا فاجرةُ، يا خَبِيثةُ. وحكَى أبو الخَطَّابِ في هذا، روايةً أُخْرَى، أنَّه قَذفٌ صريحٌ، ويجبُ به الحَدُّ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. قال أحمدُ، في روايةِ حَنْبَلٍ: لا أرَى الحَدَّ إلَّا على مَنْ صَرَّحَ بالقَذْفِ والشَّتِيمَةِ (٣). وقال ابنُ المُنْذِرِ: الحَدُّ على من نَصَبَ الحَدَّ نَصْبًا. ولأنَّه قولٌ يَحْتَمِلُ (٤) غيرَ الزِّنَى، فلم يكُنْ صريحًا في القَذْفِ، كقولِه: يا فاسِقُ. وإن فسَّرَ شيئًا من ذلك بالزِّنَى، فلا شَكَّ في كَوْنِه قَذْفًا.
فصل: واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في التَّعْرِيضِ بالقَذْفِ، مثل أنْ يقولَ لمن يُخاصِمُه: ما أنتَ بِزَانٍ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنَى، يا حَلالُ ابنَ الحلالِ. أو يقولَ: ما أنا بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ. فرَوَى عنه حَنْبَلٌ: لا حَدَّ عليه. وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، واختيارُ أبى بكرٍ. وبه قال عَطاءٌ، وعمرو بنُ دينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِمَا رُوِىَ أنَّ رجلًا قال للنَّبِىِّ ﷺ : إن امْرأتِى وَلَدَتْ غُلامًا أسْودَ. يُعرِّضُ بِنَفْيِهِ (٥)، فلم يَلْزَمْه بذلك حَدٌّ ولا غيرُه. وقد فرَّقَ اللَّه تعالى بينَ التَّعْريضِ بالخِطْبَةِ والتَّصْرِيحِ بها، فأباحَ التَّعْرِيضَ في العِدَّة، وحرَّمَ التَّصْرِيحَ، فكذلك في القَذْفِ، ولأنَّ كُلَّ كلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لم يكُنْ قَذْفًا، كقولِه: يا فاسِقُ. ورَوَى الأثْرَمُ وغيرُه عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال إسْحاقُ (٦)؛ لأنَّ عمرَ حينَ شاوَرَهم في الذي قال لصاحبه: ما أبى (٧) بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ. فقالوا: قد مدَحَ أباه وأُمَّه. فقال عمرُ: قد عَرَّضَ بصاحبِه. فجلدَه
стр. 6530
الحَدَّ (٨). وقال مَعْمَرٌ: إنَّ عمرَ كان يَجْلِدُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ. ورَوَى الأثْرَمُ، أنَّ عثمانَ جلدَ رَجُلًا قال لآخَرَ: يا ابنَ شامَّةِ الوَذْرِ. يُعَرِّضُ له بِزِنَى أُمِّه. والوَذْرُ: قِدْرُ اللَّحْمِ (٩). يُعَرِّضُ له (١٠) بكَمَرِ الرِّجالِ. ولأنَّ الكنايةَ مع القَرِينةِ الصَّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِها، كالصَّرِيحِ الذي لا يَحْتَمِلُ إلَّا ذلك المعنَى، ولذلك وقعَ الطلاقُ بالكنايةِ، فإن لم يكُنْ ذلك في حالِ الخُصومَةِ، ولا وُجِدَتْ قرينةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فلا شَكَّ في أنه لا يكونُ (١١) قَذْفًا. وذكرَ أبو الخَطَّابِ من صُوَرِ التَّعرِيضِ، أن يقولَ لزوجةِ آخَرَ: قد فضَحْتِه، وغَطَّيْتِ رأسَه، وجعَلْتِ له قُرونًا، وعلَّقْتِ عليه أولادًا من غيرِه، وأفْسَدْتِ فِراشَه، ونكَسْتِ رأسَه. وذكرَ في جميعِ ذلك رِوايَتَيْنِ. وذكرَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، أنَّ أبا عبدِ اللَّه رَجَعَ عن القَوْلِ بوُجوبِ الحَدِّ في التَّعْرِيضِ.
فصل: وإن قال لرجُلٍ: يا دَيُّوثُ، يا كَشْخَانُ. فقال أحمدُ: يُعَزَّرُ. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: الدَّيُّوثُ الذي يُدْخِلُ الرِّجَالَ على امرأتِه. وقال ثعلبُ: القَرْطَبَانُ الذي يَرْضَى أن يَدْخُلَ الرِّجَالُ على نِسَائِه (١٢). وقال: القَرْنَانُ والكَشْخَانُ، لم أَرَهُما في كلامِ العربِ، ومعناه عندَ العامَّةِ مثلُ معنى الدَّيُّوثِ أو قريبًا منه. فعلى القاذِفِ به التَّعْزِيرُ، على قياسِ قولِه في الدَّيُّوثِ؛ لأنَّه قَذَفَهُ بما لا حَدَّ فيه. وقال خالدُ بنُ يزيدَ، عن أبيه، في الرجُلِ يقولُ للرجلِ: يا قَرْنَانُ: إذا كان له أخَواتٌ أو بناتٌ في الإِسلام، ضُرِبَ الحَدَّ. يعني أنَّه قاذِفٌ لَهُنَّ. وقال خالدٌ، عن أبيه: القَرْنَانُ عندَ العامَّةِ: مَن له بناتٌ. والكَشْخَانُ: مَنْ له أخَواتٌ. يعني - واللهُ أعلَمُ - إذا كان يُدْخِلُ الرِّجالَ عليهنَّ.
стр. 6531
والقَوَّادُ عندَ العامَّةِ: السِّمْسَارُ في الزِّنَى. والقذفُ بذلك كلِّه يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لأنَّه قذفٌ بما لا يُوجِبُ الحَدَّ.
فصل: وإذا نَفَى رجلًا عن أبيه، فعليه الحَدُّ. نصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إذا نَفَاهُ عن قبيلتِه. وبهذا قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ (١٣)، وإسحاقُ. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وحَمَّادٌ، إذا (١٤) نفاه عن أبيهِ وكانتْ أُمُّهُ مُسْلِمَةً، وإن كانتْ ذِمِّيَّةً أو رَقِيقَةً، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ القَذْفَ لها. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما رَوَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان يقولُ: "لَا أُوتَى بِرَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ. إلَّا جَلَدْتُه" (١٥). وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: لا جَلْدَ إلَّا في اثْنَتَيْن (١٦)؛ رجلٍ قذفَ مُحْصَنَةً، أو نَفَى رجلًا عن أبيه (١٧)، وهذا لا يقولُه إلَّا تَوْقيفًا. فأمَّا إن نَفاهُ عن أُمِّه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أحدًا بالزِّنَى. وكذلك إن قال: إنْ لم تفعل كذا، فلستَ بابنِ فلانٍ. فلا حَدَّ فيه؛ لأنَّ القَذْفَ لا يتعلَّقُ بالشَّرْطِ. والقياسُ يقْتَضِى أن لا يجبَ الحَدُّ بِنَفْىِ الرجلِ عن قبيلتِه، ولأنَّ ذلك لا يتعيَّنُ فيه الرَّمْىُ بالزِّنَى، فأشْبَهَ ما لو قال للأعْجَمِىِّ: إنَّك عَرَبِىٌّ. ولو قال للعَرَبِىِّ: أنتَ نَبَطِىٌّ. أو فَارِسِىٌّ. فلا حَدَّ فيه، وعليه التَّعْزِيرُ. نَصَّ عليه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّك نَبَطِىُّ اللسانِ أو الطَّبْعِ. وحُكِىَ عن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه الحَدَّ، كما لو نَفَاهُ عن أبيه. والأوَّلُ أصَحُّ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ احتمالًا كثيرًا، فلا يَتَعَيَّنُ صَرْفُه إليه. ومتى فَسَّرَ شيئًا من ذلك بالقَذْفِ، فهو قاذِفٌ.
فصل: وإذا قذفَ رجلٌ رجلًا، فقال آخَرُ: صَدقْتَ. فالمُصدِّقُ قاذِفٌ أيضًا،
стр. 6532
في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ تَصْدِيقَه ينْصَرِفُ إلى ما قالَه، بدليلِ ما لو قال: لي عليك ألفٌ. فقال: صَدقْتَ. كان إقْرارًا بها. ولو قال: أَعْطنِى ثَوْبِى هذا. فقال: صَدَقْتَ. كان إقْرارًا. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ قاذِفًا. وهو قولُ زُفَرَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ تَصْديقَه (١٨) في غيرِ القَذْفِ. ولو قال: أخْبَرَنِى فلانٌ أنَّك زَنَيْتَ. لم يكُنْ قاذفًا، سَواءٌ كَذَّبَه المُخَبَرُ عنه أو صدَّقَه. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَه الآخَرُ. وبه قال عَطاءٌ، ومالِكٌ. ونحوُه عن الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه أخْبَرَ بِزِناهُ. ولَنا، أنَّه إنَّما أخْبَرَ أنَّه قد قُذِفَ، فلم يكُنْ قَذْفًا، كما لو شَهِدَ على رَجُلٍ أنَّه (١٩) قَذَفَ رجلًا.
فصل: وإن قال: أنتَ أَزْنَى من فُلانٍ، أو أزْنَى النَّاسِ. فهو قاذِفٌ له. وهل يكونُ قاذِفًا للثانى؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ قاذفًا له. اخْتارَه القاضِى؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إليهما، وجعلَ أحدَهما فيه أبْلغَ من الآخَرِ، فإنَّ لَفْظَةَ أفعلَ للتَّفْضِيلِ، فيقْتَضِى اشْتراكَ المذكورَيْنِ في أصلِ الفِعْلِ، وتَفْضِيلَ أحدِهما على الآخَرِ فيه، كقولِه: أجودُ من حاتمٍ. والثانى، يكونُ قاذفًا للمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لأنَّ لفظَة [أفْعلَ قد] (٢٠) تستعملُ للمُنْفَرِدِ بالفعلِ، كقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٢١). وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ (٢٢). وقال لُوطٌ: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٢٣). أي مِن أدْبارِ الرجالِ، ولا طَهارةَ فيهم. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: ليس بقَذْفٍ للأَوَّلِ ولا للثانى، إلَّا أنْ يُرِيدَ به القَذْفَ. ولَنا، أنَّ مَوْضوعَ اللَّفظِ يقْتَضِى ما ذكَرْناه، فحُمِلَ عليه، كما لو قال: أنتَ زَانٍ.
стр. 6533
فصل: وإن قال: زنأْتَ. مَهموزًا. فقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: هو قَذْفٌ؛ لأنَّ عامَّةَ الناسِ لا يفهمُونَ من ذلك إلَّا القَذْفَ، فكانَ قَذْفًا، كما لو (٢٤) قال: زَنَيْتَ. وقال ابنُ حامدٍ: إن كان عامِّيًّا، فهو قَذْفٌ؛ لأنَّه لا يُرِيدُ به إلَّا القَذْفَ، وإن كان من أهلِ العربيَّةِ، لم يكُنْ قَذْفًا، لأنَّ معناه في العربيَّةِ، طلعتَ، فالظاهِرُ أنَّه يريدُ مَوْضُوعَه. ولأصحابِ الشَّافِعِيِّ في كَوْنِه قَذْفًا وَجْهان. وإن قال: زَنأْتَ في الجَبَلِ. فالحكمُ فيه، كما لو قال: زَنَأْتَ. ولم يَقُلْ: في الجبلِ. وقال الشَّافِعِي، ومحمدُ بنُ الحسنِ، ليس بقَذْفٍ. قال الشافعيُّ: ويُسْتَحْلَفُ على ذلك. ولَنا، أنَّه إذا كان عامِّيًّا لا يَعْرِفُ مَوْضوعَه في اللغةِ، تَعَيَّنَ مُرادُه في القَذْفِ، ولم يُفْهَمْ منه سِوَاهُ، فوَجَبَ أن يكونَ قَذْفًا، كما لو فسَّرَه بالقَذْفِ، أو لَحَنَ لَحْنًا غيرَ هذا.
فصل: فإن قال لرجلٍ (٢٥): يا زانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زَانِى. فهو صَرِيحٌ في قَذْفِهِما. اخْتارَه أبو بكر. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ. واختارَ ابنُ حامِدٍ، أنَّه ليس بقَذْفٍ، إلَّا أن يُفَسِّرَه به. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بقولِه: يا زانيةُ. أي يا علَّامَةُ في الزِّنَى. كما يُقالُ للعالمِ: عَلَّامَةٌ. وللكثيرِ الرِّوَايةِ: رَاوِيَةٌ (٢٦). ولكثيرِ الحِفْظِ: حُفَظَةٌ. ولَنا، أنَّ ما كان قَذْفًا لأحَدِ الجِنْسَيْن، كان قَذْفًا للآخَرِ، كقولِه: زنَيْت. بفتح التاء وبكسرِها لهما جميعًا، ولأنَّ هذا اللفظَ خِطابٌ لهما، وإشارَةٌ إليهما بلفظِ الزِّنَى، وذلك يُغْنِى عن التَّمْييزِ بتاءِ التأنيثِ وحَذْفِها. وكذلك لو قالَ للمرأةِ: يا شخصًا زَانِيًا. أو للرَّجُلِ: يا نَسَمَةً (٢٧) زَانِيةً. كان قاذِفًا. وقولُهم: إنَّه يُرِيدُ بذلك أنَّه علَّامةٌ في الزِّنَى، لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كانَ اسمًا للفعلِ إذا دخلَتْه الهاءُ كانتْ للمُبالغَةِ، كقولِهِم: حُفَظَة. لِلْمُبالغةِ في الحِفْظِ، ورَاوِية. للمُبالَغَةِ في الرِّوايَةِ. وكذلك هُمَزَة ولُمَزَة
стр. 6534
وصُرَعَة. ولأنَّ كثيرًا من الناسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ، ويُؤنِّثُ المذَكَّرَ، ولا يخْرُجُ بذلك عن كونِ المُخاطَبِ به مُرادًا بما يُرادُ باللَّفْظِ الصحيحِ.
فصل: وإن قال لِرَجُلٍ: زَنَيْتَ بفلانةَ. كان قاذِفًا لهما. وقد نُقِلَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ قال لرجلٍ: يا ناكحَ أُمِّه. ما عليه؟ قال: إن كانتْ أُمُّه حَيَّةً، فعليه [للرجلِ حَدٌّ] (٢٨)، ولأُمِّه حَدٌّ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّه: إذا قال الرجلُ لرجلٍ: يا زَانِى ابنَ الزَّانِى. قال: عليه حَدَّان. قلتُ: أَبَلَغَكَ في هذا شَىْءٌ؟ قال: مَكْحُولٌ قال: فيه حَدَّانِ. وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فهو قاذِفٌ لها، سَواءٌ لَزِمَه (٢٩) حَدُّ الزِّنَى بإقْرارِه أو لم يَلْزَمْه. وبهذا قال ابنُ المُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ. ويُشْبِهُ مذهبَ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفة: لا يَلْزَمُه حَدُّ القَذفِ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ منه الزِّنَى بها من غيرِ زِنَاها؛ لاحْتمالِ أن تكونَ مُكْرَهَةً، أو مَوْطوءَةً بشُبْهَةٍ. وَلنا، ما رَوَى ابنُ عباس، أنَّ رجُلًا من بكرِ بن لَيْثٍ، أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فأقرَّ أنَّه زنَى بامرأةٍ أرْبعَ مَرَّاتٍ، فجَلده مائةً، وكان بِكْرًا، ثم سألَه البَيِّنَةَ على المرأةِ، فقالت: كَذَبَ واللَّه يا رسولَ اللَّه. فجلدَه حَدَّ الفِرْيَةِ ثمانين (٣٠). والاحتمالُ الذي ذكرَه لا يَنْفِى الحَدَّ، بدليلِ ما لو قال: يا نائِكَ أُمِّهِ. فإنَّه يَلْزَمُه الحَدُّ، مع احْتمالِ أن يكونَ فَعَلَ ذلك بشُبْهَةٍ. وقد رُوِىَ عن أبي هُرَيْرةَ، أنَّه جُلِدَ رجلٌ قال لرجلٍ ذلك (٣١). ويتَخرَّجُ لنا مثلُ قولِ أبى حنيفةَ، بِناءً على ما إذا قال لامرأتِه: يا زانيةُ. فقالتْ: بِكَ زَنَيْتُ. فإنَّ أصْحابَنا قالوا: لا حَدَّ عليها في قولها: بكَ زَنَيْتُ؛ لاحتمالِ وُجودِ الزِّنَى به مع كَوْنِه واطِئًا بشُبْهَةٍ، ولا يجبُ الحَدُّ عليه؛ لتَصْديقِها إيَّاه. وقال الشافعيُّ: عليه الحَدُّ دونَها، وليس هذا بإقْرارٍ صحيحٍ. ولَنا، أنَّها صدَّقَتْه، فلم
стр. 6535
يَلْزَمْه حَدٌّ (٣٢)، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ. ولو قال: يا زانيةُ. قالتْ: أنَتْ أزْنَى مِنِّى. فقال أبو بكر: هي كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ عنه. ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخلافِ التي قبلَها؛ لأنَّها أضافَتْ إليه الزِّنَى، وفي التي قبلَها أضافَتْه إلى نفسِها.
١٥٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَن قَذَفَ رَجُلًا، فلم يُقَمِ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ، لم يَزُلِ (١) الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ)
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الشُّروطَ تُعْتَبَرُ اسْتدامتُها إلى حالةِ إقامةِ الحَدِّ؛ بدليلِ أنَّه لو ارتدَّ أو جُنَّ، لم يُقَمِ الحَدُّ، ولأنَّ وُجودَ الزِّنَى منه يُقَوِّى قولَ القاذِفِ، ويدُلُّ على تقدُّمِ هذا الفعلِ منه، فأشْبَهَ الشهادةَ إذا طَرَأَ الفِسْقُ بعدَ أدائِها قبلَ الحُكْمِ بها. ولَنا، أنَّ الحَدَّ قد وجبَ وتَمَّ بشُروطِه، فلا يسْقُطُ بزَوالِ شَرْطِ الوُجُوبِ، كما لو زَنَى بأَمَةٍ ثم اشْتراها، أو سَرَقَ عَيْنًا، فنَقَصَتْ قيمتُها أو مَلَكَها، وكما لو جُنَّ المَقْذوفُ بعدَ المُطالَبةِ. وقولُهم: إنَّ الشروطَ تُعْتَبَرُ اسْتدامتُها. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ (٢) الشُّروطَ للوُجُوبِ، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها (٣) إلى حينِ الوُجوبِ، وقد وَجَبَ الحَدُّ؛ بدليلِ أنَّه مَلَكَ المُطالبةَ، ويبْطُلُ بالأصُولِ التي قِسْنَا عليها. وأَمَّا إذا جُنَّ مَنْ وَجَبَ له الحَدُّ، فلا يسْقُطُ الحَدُّ، وإنَّما يتأخَّرُ اسْتيفاؤُه؛ لتعذُّرِ المُطالَبَةِ به، فأشْبَهَ ما لو غابَ مَنْ له الحَدُّ. وإن ارْتَدَّ مَن له الحَدُّ لم يَمْلِكِ المُطالبةَ؛ لأنَّ حُقوقَه وأملاكَه تزولُ أو تكونُ مَوْقوفةً. وفارقَ الشهادةَ، فإنَّ العدالةَ شرطٌ للحُكْمِ بها، فيُعْتَبَرُ وجودُها إلى حينِ الحُكْمِ بها، بخلافِ مَسْألتِنا، فإنَّ العِفَّةَ شَرْطٌ للوُجوبِ، فلا تُعْتَبَرُ إلَّا إلى حينِ الوُجوبِ.
стр. 6536
فصل: ولو وجبَ الحَدُّ على ذِمِّىٍّ، أو مُرْتَدٍّ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم عاد، لم يسْقُطْ عنه. وقال أبو حنيفة: يَسْقُطُ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَبَ، فلم يسْقُطْ بدُخولِ دارِ الحربِ، كما لو كانَ مسلمًا دخلَ بأَمانٍ.
١٥٧١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَذَفَ مُشْرِكًا أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ العَشْرِ سِنِينَ، أو مُسْلِمَةً لهَا دُونَ التِّسْعِ (١) سِنِينَ، أُدِّبَ، ولَمْ يُحَدَّ)
قد ذكرْنَا أنَّ الإِسلامَ، والحُرِّيَّةَ، وإدْراكَ سِنٍّ يُجامِعُ مثلُه في مِثْلِه، شُروطٌ لوُجوبِ الحَدِّ على قاذِفِه، فإذا انْتفَى أحدُها، لم يجبِ الحَدُّ على قاذِفِه، ولكنْ يجبُ تأْدِيبُه، رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِين، [وكفًّا له] (٢) عن أذاهم. وحَدُّ الصَّبِىِّ الذي لم (٣) يَجِبِ الحَدُّ بِقَذْفِهِ، أن يَبْلُغَ الغلامُ عشرًا، والجاريةُ تِسْعًا، في إحْدَى الرِّوايتَيْن. وقد سبقَ ذِكْرُ ذلك.
فصل: فإنِ اخْتلفَ القاذِفُ والمقْذُوفُ، فقال القاذِفُ: كنتَ صغيرًا حين قَذَفْتُكَ. وقالَ المقذوفُ: كنتُ كبيرًا. فذكرَ القاضي، أنَّ القولَ قولُ القاذِفِ؛ لأنَّ الأصلَ الصِّغَرُ وبراءةُ الذمَّةِ من الحَدِّ. فإن أقامَ القاذِفُ بَيِّنَةً أنَّه قذفَه صغيرًا، وأقامَ المقْذوفُ بَيِّنَةً أنَّه قَذَفَه كبيرًا، وكانتا مُطْلَقَتَيْن، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ تاريخَيْنِ مُخْتلِفَيْنِ، فهما قَذْفانِ؛ مُوجَبُ أحدِهما التَّعْزيرُ، والثانى الحَدُّ، وإن بَيَّنَتَا تاريخًا واحدًا، وقالت إحْداهما: وهو صغيرٌ. وقالتِ الأُخْرَى: وهو كبيرٌ. تعارضَتَا وسقَطَتَا. وكذلك لو كان تاريخُ بَيِّنَةِ المقْذُوفِ قبلَ تاريخِ بَيِّنَةِ القاذِفِ.
١٥٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ أنَّهُ زَنَى
стр. 6537
وهو مُشرِكٌ. لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِه، وحُدَّ القاذِفُ، إذا طَلَبَ الْمَقْذُوفُ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَبْدًا)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه قَذَفَه في حالِ كَوْنِه مسلمًا مُحْصَنًا، وذلك يَقْتَضِى (١) وُجوبَ الحَدِّ عليه؛ لعُمومِ الآيةِ، ووجُودِ المعنى، فإذا ادَّعَى ما يُسقِطُ الحَدَّ عنه، لم يُقْبَلْ منه، كما لو قَذفَ كبيرًا، ثم قال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو صغيرٌ. فأمَّا إن قال له: زَنَيْتَ في شِرْكِكَ. فلا حَدَّ عليه. وبه قالَ الزُّهْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحكى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، روايةً أُخْرَى. وعن مالِكٍ، أنَّه يُحَدُّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ القَذْفَ وُجِدَ في حالِ كَوْنِه مُحْصَنًا. ولَنا، أنَّه أضافَ القَذْفَ إلى حالٍ ناقصةٍ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه في حالِ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ على المَقْذُوفِ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه بالوَطْءِ دون الفَرْجِ. وهكذا الحكمُ لو قَذَفَ مَن كانَ رِقيقًا، فقال: زَنَيْتَ في حالِ رِقِّكَ. أو قال: زَنَيْتَ وأنتَ طِفْلٌ. وإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ صَبِىٌّ أو صغيرٌ. سُئِلَ عن الصِّغَرِ، فإن فسَّره بصِغَرٍ لا يُجامِعُ في مثلِه، فهى كالتى قَبْلَها، وإن فسَّرَه بصِغَرٍ يُجامعُ في مثلِه، فعليه الحَدُّ، في إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. وإن قالَ: زَنَيْتَ إذ كنتَ مُشْرِكًا. أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا. فقال المقذوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقِيقًا. نَظَرْنَا؛ فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قَبْلَها، وإن ثَبَتَ أنَّه لم يكُنْ (٣) كذلك، وجبَ الحَدُّ على القاذِفِ، وإن لم يثبُتْ واحِدٌ منهما، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما، يجبُ الحَدُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأنَّ الأصْلَ الحُرِّيَّةُ، وإسلامُ أهلِ دارِ الإِسلامِ. والثانية، القَوْلُ قولُ القاذِفِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه (٤). وإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ مُشْرِكٌ. فقالَ المَقْذُوفُ: أرَدْتَ قَذْفِىَ بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا. وقال
стр. 6538
القاذِفُ: بل أردتُ قَذْفَك بالزِّنَى إذْ كنتَ مشركًا. فالقولُ قولُ القاذِفِ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ بعضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأنَّ الخلافَ في نِيَّتِه (٥)، وهو أعلمُ بها. وقولُه: وأنتَ مشركٌ، مبتدأٌ وخَبَرٌ، وهو حالٌ لقولِه: زَنَيْتَ. كقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٦). وقال القاضي: يَجِبُ الحَدُّ. وهو قولُ بعضِ الشافعيَّةِ؛ لأنَّ قولَه: زَنَيْتَ. خِطَابٌ في الحالِ، فالظاهرُ أنَّه أرادَ زِناهُ في الحالِ. وهكذا إن قال: زَنَيْتَ وأنتَ عبدٌ. وإن قَذَفَ مجهولًا، وادَّعَى أنَّه رَقِيقٌ أو مُشْرِكٌ. فقال المقذوفُ: بل أنا حُرٌّ مُسْلِمٌ. فالقولُ قولُه. وقال أبو بكر: القولُ قَوْلُ القاذِفِ في الرِّقِّ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِهِ من الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وما ادَّعاه مُحْتَمِلٌ، فيكونُ شُبْهَةً. وعن الشَّافِعِيِّ، كالوَجْهَيْن. ولَنا، أنَّ الأصْلَ الحُرِّيَّةُ، وهو الظَّاهِرُ، فلم يُلْتَفَتْ إلى ما خالَفَه، كما لو فَسَّرَ صَرِيحَ القَذْفِ بما يُحِيلُه، وكما لو ادَّعَى أنه مُشْرِكٌ. فإن قِيلَ: الإِسلامُ يثْبُتُ بقولِه: أنا مُسْلِمٌ. بخلافِ الحُرِّيَّةِ. قُلْنا: إنَّما يثْبُتُ الإِسلامُ بقولِه في المستقبلِ، وأمَّا الماضِى، فلا يثْبُتُ بما جاءَ بعدَه، فلا يثْبُتُ كَوْنُه مسلمًا حالَ القَذْفِ بقولِه في حالِ (٧) النِّزاعِ، فاسْتَوَيَا.
١٥٧٣ - مسألة؛ قال: (ويُحَدُّ مَنْ قَذَفَ المُلَاعَنَةَ)
نَصَّ أحمدُ على هذا. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ، وطاوسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وجمهورِ الفقهاء. ولا نعلمُ فيه خِلافًا. وقد رَوَى ابنُ عباس، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى في المُلاعَنَةِ، أنْ لا تُرْمَى، ولا يُرْمَى وَلَدُها. [ومَن رماها أو رَمَى ولدَها] (١)، فعليه الحَدُّ. روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّ حَصانتَها لم تسْقُطْ
стр. 6539
باللِّعانِ، ولا يُبَتُّ الزِّنَى به، ولذلك لم يَلْزَمْها به حَدٌّ. ومن قَذَفَ ابنَ المُلاعَنَةِ، فقال: هو ولدُ زِنًى. فعليه الحَدُّ؛ للخَبَرِ والمعنَى. وكذلك إن قال: هو من الذي رُمِيَتْ به. فأمَّا إن قال: ليس هو ابنَ فلانٍ. يَعْنى المُلاعِنَ، وأرادَ أنَّه مَنْفِىٌّ عنه شَرْعًا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه صادِقٌ.
فصل: فأمَّا إن ثَبَتَ زِنَاه بِبَيِّنَةٍ أو إقرارٍ، أو حُدَّ بالزِّنَى، فلا حَدَّ على قاذِفِهِ؛ لأنَّه صادِقٌ، ولأنَّ إحصانَ المَقْذُوفِ قد زالَ بالزِّنَى. ولو قال لِمَنْ زَنَى في شِرْكِهِ، أو لِمَنْ كان مَجُوسِيًّا تزوَّجَ بذاتِ مَحْرَمِه بعدَ أن أسْلَم: يا زَانِى. فلا حَدَّ عليه، إذا فَسَّرَه بذلك. وقال مالِكٌ: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَفَ مُسْلِمًا لم يثْبُتْ زِنَاهُ في إسْلامِه. ولَنا، أنَّه قَذَفَ من ثَبَتْ زناهُ، أشْبَهَ ما لو ثَبَتَ زنَاهُ في الإِسلامِ، ولأنَّه صادِقٌ. والذي يقْتضِيه كلامُ الْخِرَقِىِّ (٣)، وجوبُ الحَدِّ عليه؛ لقولِه: ومن قذفَ مَنْ كان مُشْرِكًا، وقال: أردتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ، لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِه، وحُدَّ.
١٥٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إذَا كَانَتِ الْأُمُّ في الْحَيَاةِ)
وإن قُذِفَتْ أمُّه وهى مَيِّتَةٌ، مسلمةً كانتْ أو كافرةً، حُرَّةً أو أَمَةً، حُدَّ القاذفُ إذا طالبَ الابنُ، وكان حُرًّا مسلمًا. أمَّا إذا قُذِفَتْ الأُمُّ (١) وهى في الحياةِ، فليس لولَدِها المُطالبةُ؛ لأنَّ الحَقَّ لها، فلا يُطَالِبُ به غيرُها، ولا يقومُ غيرُها مَقامَها، سَواءٌ كانتْ مَحْجورًا عليها أو غيرَ مَحْجُورٍ عليها؛ لأنَّه حَقٌّ يثْبُتُ للتَّشَفِّى، فلا يقومُ فيه غيرُ المُسْتَحِقِّ مَقامَه، كالقِصاصِ، وتُعْتَبَرُ حَصانَتُها؛ لأنَّ الحَقَّ لها، فتُعْتَبَرُ حَصانتُها، كما لو لم يَكُنْ لها ولَدٌ. وأَمَّا إنْ قُذِفَتْ وهى مَيِّتَةٌ، فَإنَّ لولَدِها المُطالبةَ؛ لأنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه، ولأنَّه بِقَذْفِ أُمِّه يَنْسِبُه إلى أنَّه من زِنًى، ولا يسْتَحِقُّ ذلك بطريقِ
стр. 6540
الإِرْثِ، ولذلك تُعْتَبَرُ الحَصانةُ [فيه، ولا تُعْتَبَرُ الحَصانَةُ] (٢) في أُمِّه، لأنَّ القَذْفَ له. وقال أبو بكرٍ: لا يجبُ الحَدُّ بقَذْفِ مَيِّتَةٍ بحالٍ. وهو قوُل أصْحابِ الرَّأىِ؛ لأنَّه قذفٌ لِمَنْ لا تَصِحُّ منه المُطالَبَةُ، فأشْبَهَ قذفَ المجنونِ. وقالَ الشَّافِعِىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّهِ المُطالبةُ، وينقَسِمُ بانْقسامِ الميراثِ، وإن لم يكُنْ مُحْصَنًا، فلا حَدَّ على قاذِفِهِ؛ لأنَّه ليس بمُحْصَنٍ، فلا يجبُ الْحَدُّ بقَذْفِه، كما لو كان حَيًّا. وأكثرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ الحَدَّ على مَنْ لم (٣) يَقْذِفُ مُحْصَنًا حَيًّا ولا مَيِّتًا؛ لأنَّه إذا لم يُحَدَّ بقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ إذا كان حَيًّا، فَلَأَنْ لا يُحَدَّ بقَذْفِه بعدَ مَوْتِه أَوْلَى. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في المُلاعَنةَ: "وَمَنْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ" (٤). يعني مَن رَمَاه بأنَّه وَلَدُ زِنًى. وإذا وَجَبَ بِقَذْفِ ابنِ المُلاعَنَةِ بذلك، فَبِقَذْفِ غيرِه أَوْلَى، ولأنَّ أصْحابَ الرَّأْىِ أوْجَبُوا الحَدَّ على مَن نَفَى رَجُلًا عن أبيهِ، إذا كان أبَواهُ حُرَّيْنِ مُسْلِميْنِ وإنْ (٥) كانا مَيِّتَيْنِ، والحَدُّ إنَّما وجَبَ للوَلَدِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يُورَثُ عندَهم. فأمَّا إن قُذِفَتْ أُمُّه بعدَ موتِها، وهو مُشْرِكٌ أو عبدٌ، فلا حَدَّ عليه، في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِيِّ، سواءٌ كانتِ الأُمُّ حُرَّةً مسلِمَةً أو لم تكنْ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: إذا قال لِكافِرٍ أو عبدٍ: لستَ لأبيكَ. وأبَواهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ، فعليه الحَدُّ. وإن قال لعبدٍ أُمُّه حُرَّةٌ وأبوه عبدٌ: لستَ لأبيكَ. فعليه الحَدُّ، وإن كان العبدُ للقاذِفِ (٦) [عند أبى ثور] (٧). وقال أصحابُ الرأى: يُسْتَقْبَحُ (٨) أن يُحَدَّ المَوْلَى لعَبْدِه. واحْتَجُّوا بأنَّ هذا قَذْفٌ لأُمِّه، فيُعْتَبَرُ إحْصَانُها دونَ إحْصانِه، لأنَّها لو كانتْ حَيَّةً، كان القَذْفُ لها، فكذلك إذا كانتْ
стр. 6541
مَيِّتَةً، ولأنَّ معنى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ من الزِّنَى، فإذا كان (٩) الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هي المقذُوفةَ دُونَ ولدِها. ولَنا، ما ذكرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يجبِ الحَدُّ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتَةٍ بحالٍ، فيَثْبُتُ أنَّ القذفَ له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصانِها. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن قُذِفَتْ جَدَّتُه، فقياسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها (١٠)، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها. وإن كانتْ مَيِّتَةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه. فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا من أقاربِه غيرَ أمهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يجبِ الحَدُّ بقَذْفِه، في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوجَبَ الحَدَّ (١١) بقَذْفِ أُمِّه حقًّا له، لِنَفْىِ نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الولَدِ، ومتى كان المَقْذُوفُ من غيرِ أُمَّهاتِه، لم يتضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يجبِ الحَدُّ. وهذا قولُ أبي بكرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعيُّ: إنْ كانَ الميِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، وينقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَفَ مُحْصَنًا، فيجبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ. ولَنا، أنَّه قَذْفُ من لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يجبِ الحَدُّ بَقْذَفِهِ، كالمجنونِ، أو نقولُ: قَذف مَنْ لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يجبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ، وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا)
يَعْنِى أنَّ حَدَّه القتلُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وحكَى أبو الخطَّابِ رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبتَه تُقْبَلُ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا؛ لأنَّ هذا
стр. 6542
منه رِدَّةٌ، والمُرْتَدُّ يُسْتَتابُ، وتَصِحُّ تَوْبَتُه. ولَنا، أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كقَذْفِ غيرِ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، ولأَنَّه لو قُبِلَتْ تَوْبتُه، وسقط حَدُّه، لَكانَ أخفَّ حُكْمًا من قَذْفِ آحادِ الناسِ؛ لأنَّ قذفَ غيرِه لا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، ولا بُدَّ من إقامَتِه. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، فيما إذا كان القاذِفُ كافرًا فأسْلَمَ، فرُوِىَ أنَّه لا يسْقُطُ بإسْلامِه؛ لأنَّه حَدُّ قَذْفٍ، فلم يسْقُطْ بالإِسْلامِ، كقَذْفِ غيرِه. ورُوِى أنَّه يسْقُطُ؛ لأنَّه لو سَبَّ اللهَ تعالى في كُفْرِه، ثم أسْلَمَ، سَقَطَ عنه القتلُ، فسَبُّ نَبِيِّه أَوْلَى، ولأنَّ الإِسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، والخلافُ في سُقوطِ القتلِ عنه، فأمَّا تَوْبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى فمَقْبُولَةٌ، فإنَّ اللَّه تعالى يقبلُ التَّوْبةَ من (١) الذُّنوبِ كُلِّها، والحُكْمُ في قَذْفِ النَّبِيِّ ﷺ ، كالحُكْمِ في قَذفِ أُمِّه؛ لأنَّ قَذْفَ أُمِّه إنَّما أوجَبَ القَتْلَ؛ لكَوْنِه قَذْفًا (٢) للنَّبِىِّ ﷺ , وقَدْحًا في نَسَبِهِ.
فصل: وقَذْفُ النَّبِيِّ ﷺ ، وقذفُ أُمِّه، رِدَّةٌ عن الإِسلامِ، وخروجٌ عن الملَّةِ، وكذلك سَبُّه بغيرِ القذفِ، إِلَّا أنَّ سَبَّهُ بغيرِ القَذْفِ يسْقُطُ بالإِسْلامِ؛ لأنَّ سَبَّ اللهِ تعالى يَسْقُطُ بالإِسلامِ، فسَبُّ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى، وقد جَاءَ في الأَثَرِ، أنَّ اللَّه تعالى يقول: "شَتَمَنِى ابنُ آدَمَ، وما يَنْبَغِى لهُ أنْ يَشْتُمَنِى، أمَّا شَتْمُهُ إيَّاىَ فَقْولُهُ إنِّي اتَّخَذْتُ وَلَدًا، وأَنَا الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُوْلَدْ" (٣). ولا خِلافَ في أنَّ إسلامَ النَّصْرانِىِّ القائِلِ لهذا القولِ يَمْحُو (٤) ذَنْبَهُ.
١٥٧٦ - مسألة؛ قال: (وإذا قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إذَا
стр. 6543
طالَبُوا، أوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ)
وبهذا قالَ طاوسٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادَةُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، وصاحباه، وابنُ أبي ليلى، وإسحاقُ. وقال الحَسَنُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لكلِّ واحِدٍ حَدٌّ كَامِلٌ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وللشَّافِعِى قولانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ. ووَجْهُ هذا أنَّه قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ منهم، فلَزِمَه له حَدٌّ كامِلٌ، كما لو قَذَفَهم بكلماتٍ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١). ولم يُفَرِّقْ بينَ قَذْفِ واحدٍ أو جماعَةٍ، ولأنَّ الذين شَهِدُوا على المُغِيرَةِ قَذَفُوا امرأةً، فلم يَحُدَّهم عمرُ إلَّا حَدًّا واحِدًا (٢)، ولأنَّه قَذْفٌ واحِدٌ، فلم يجبْ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ، كما لو قَذَفَ واحِدًا، ولأنَّ الحَدَّ إنَّما وَجَبَ بإدْخالِ الْمَعَرَّةِ على المقْذُوفِ بقَذْفِه، وبحدٍّ واحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هذا القاذِفِ، وتَزُولُ الْمَعَرَّةُ، فوجبَ أن يُكْتَفَى به، بخِلافِ ما إذا قذَفَ كُلَّ واحِدٍ قذفًا مُفردًا، فإنَّ كَذِبَه في قَذْفٍ لا يَلْزَمُ منه كَذِبُه في آخَرَ (٣)، ولا تزولُ الْمَعَرَّةُ عن أحَدِ المَقْذُوفَيْنِ بحَدِّه للآخَرِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهم إن طَلَبُوه (٤) جُمْلةً، حُدَّ لهم، وإن طلبَه واحِدٌ، أُقيم الحَدُّ؛ لأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ لهم على سَبِيلِ البَدَلِ، فأيُّهم طالبَ به اسْتَوْفَى وسقطَ، فلم يكُنْ لغيرِه الطلبُ به، كحَقِّ المرأةِ على أوْليائِها تَزْويجُها، إذا قامَ به واحِدٌ سقطَ عن الباقِينَ. وإن أسْقَطَه أحدُهم، فلغَيْرِه المُطالبةُ به واسْتِيفاؤُه؛ لأنَّ الْمَعَرَّةَ عنه لم تَزُلْ بعَفْوِ صاحبِه، وليس للعافِى الطَّلبُ به؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حَقَّه منه. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، روايةٌ أُخْرَى، أنَّهم إن طلبُوه دَفْعَةً واحِدَةً، فحَدٌّ واحِدٌ، وكذلك إن طلبُوه واحدًا بعدَ واحِدٍ، إلَّا أنَّه إنْ لم يُقَمْ حتى طَلَبَهُ الكُلُّ، فَحَدٌّ واحِدٌ، وإن طلبَه واحدٌ، فأُقِيمَ له، ثم طَلَبَه آخَرُ
стр. 6544
أُقِيمَ له، وكذلك جميعُهم، وهذا قولُ عُرْوةَ؛ لأنَّهم إذا اجْتَمعُوا على طَلَبِه، وقَعَ اسْتيفاؤُه لِجَمِيعِهم (٥)، وإذا طَلَبَه واحِدٌ مُنْفَرِدًا، كان استيفاؤُه له وَحْدَه، فلم يسْقُطْ حَقُّ الباقِين بغيرِ اسْتيفائِهم ولا إسْقاطِهم.
فصل: وإن قَذَفَ الجماعَةَ بكلماتٍ، فلكلِّ واحِدٍ حَدٌّ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال حَمَّادٌ، ومالِكٌ: لا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ؛ لأنَّها جنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فإذا تَكَرَّرَتْ كَفَى حَدٌّ واحِدٌ، كما لو سَرَقَ مِن جماعَةٍ، أو زَنَى بنساءٍ، أو شَرِبَ أنْواعًا من المُسْكِرِ. ولَنا، أنَّها حُقوقٌ، لآدَمِيِّين، فلم تتداخلْ، كالدُّيونِ والقِصَاصِ. وفارَقَ ما قاسُوا عليه. فإنَّه حَقٌّ للَّه تعالى.
فصل: وإذا قال لرَجلٍ (٦): يا ابنَ الزَّانِيَيْنِ. فهو قاذِفٌ لهما بكلِمةٍ واحِدَةٍ، فإن كانَا مَيِّتَيْنِ، ثبتَ الحَقُّ لوَلدِهما، ولم يجبْ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ، وجهًا واحدًا. وإن قال: يا زَانِى ابنَ الزَّانِى. فهو قَذْفٌ لهما بِكَلِمَتَيْنِ، فإن كانَ أبوه حَيًّا، فلكلِّ واحِدٍ منهما حَدٌّ، وإن كان مَيِّتًا، فالظاهِرُ في المذْهَبِ أنَّه لا يجبُ الحَدُّ بقَذْفِه. وإن قال: يا زَانِى ابنَ الزَّانِيَةِ. وكانت أمُّهُ في الحياةِ، فلكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وإن كانتْ مَيِّتَةً، فالقَذْفانِ جميعًا له. وإن قال: زَنَيْتَ بفُلانَةَ. فهو قذفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ. وكذلك إذا قالَ: يا ناكِحَ اُمِّهِ. ويُخَرَّجُ فيه الرِّواياتُ الثَّلاثُ. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن قذفَ رجلًا مرَّاتٍ، فلم يُحَدَّ، فَحَدٌّ واحِدٌ، روايةً واحِدَةً، سواءٌ قَذَفَه بِزنًى واحِدٍ، أو بزَنَياتٍ. وإن قَذَفَه فَحُدَّ، ثم أعادَ قَذْفَه، نَظَرْتَ؛ فإنْ قَذَفَه بذلك الزِّنَى الذي حُدَّ من أجْلِهِ، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن ابنِ القاسِمِ، أنَّه أَوْجَبَ حدًّا ثانيًا. وهذا يُخالِفُ إجماعَ الصحابةِ، فإنَّ أبا بَكْرةَ لَمَّا حُدَّ
стр. 6545
بقذفِ الْمُغِيرَةِ، أعادَ قَذْفَه فلم يَرَوْا عليه حدًّا ثانيًا، فرَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن ظَبْيان بن عُمارَةَ، قال: شَهِدَ على المُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ثلاثةُ نَفَرٍ أنَّه زَانٍ، فبلغَ ذلك عمرَ، فكبُرَ عليه، وقال: شاطَ ثلاثةُ أرْباعِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبةَ. وجاء زيادٌ، فقالَ: ما عندَكَ؟ فلم يثْبتْ، فأمَرَ بهم فَجُلِدُوا، وقال: شهودُ زُورٍ. فقال أبو بَكْرةَ: أليسَ تَرْضَى إنْ أتاكَ رَجُلٌ عَدْلٌ يشهدُ تَرْجُمُه (٧)؟ قال: نعم، والذي نفسِى بيَدِهِ. قال أبو بَكْرَةَ: فأنا أشهدُ أنَّه زَانٍ. فأرادَ أنْ يُعِيدَ عليه الجَلْدَ، فقال عَلِىٌّ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّك إن أعدْتَ عليه الجَلْدَ، أوجَبْتَ عليه الرَّجْمَ (٨) وفي حديثٍ آخرَ: فلا يُعادُ في فِرْيَةٍ جَلْدٌ مرَّتينِ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: قولُ عَلِيٍّ: إنْ جَلَدْتَه فارْجُمْ صاحِبَكَ؟ قال: كأنَّه جعلَ شهادتَه شهادةَ رَجُلينِ. قال أبو عبد اللَّه: وكنتُ أنا أُفسِّرُه على هذا، حتى رأيتُه في الحديثِ، فأَعْجَبَنِى. ثم قالَ: يقولُ: إذا جلدتَه ثانيةً، فكأنَّكَ جعَلْتَه شاهدًا آخَرَ. فأمَّا إن حُدَّ له، ثم قَذَفَه بِزِنًى ثانٍ، نَظَرْتَ؛ فإنْ قَذَفَه بعدَ طُولِ ال فصلِ ، فَحَدٌّ ثانٍ؛ لأنَّه لا تسْقُطُ حُرْمَةُ المقذُوفِ بالنِّسْبَةِ إلى القاذِفِ أبدًا، بحيثُ يَتَمكَّنُ (٩) مِن قَذْفِهِ بِكلِّ حالٍ. وإن قذفَه عقيبَ حَدِّه، ففيه رِوايَتَانِ؛ إحْداهما، يُحَدُّ أيضًا؛ لأنَّه قَذْفٌ لم يظْهَرْ كَذِبُه فيه بحَدٍّ، فَيلْزَمُ فيه حدٌّ، كما لو طالَ الفصلُ، ولأنَّ سائرَ أسبابِ الحَدِّ إذا تكررَتْ بعَد أن حُدَّ للأوَّلِ، ثبتَ للثانى حُكْمُه، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ، وغيرِهما من الأسْبابِ. والثانية، لا يُحَدُّ؛ لأنَّه قد حُدَّ له مَرَّةً، فلم يُحَدَّ له بالقذفِ عَقِيبَه (١٠)، كما لو قَذَفَه (١١) بالزِّنَى الأوَّلِ.
فصل: وإذا قال: مَنْ رمَانِى فهو ابنُ الزَّانِيَةِ. فرَمَاهُ رجلٌ، فلا حَدَّ عليه في قولِ أحَدٍ من أهلِ العلمِ. وكذلد إنِ اخْتَلَفَ رَجلانِ في شيءٍ، فقال أحدُهما: الكاذبُ هو
стр. 6546
ابنُ الزَّانِيَةِ. فلا حَدَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحدًا بالقَذْفِ، وكذلك ما أشْبَهَ هذا. ولو قذفَ جماعَةً لا يُتَصَوَّرُ صدْقُه في قَذْفِهِم، مثل أن يَقْذِفَ أهلَ بَلدةٍ كبيرةٍ (١٢) بالزِّنَى كلَّهم، لم يكُنْ عليه حَدٌّ؛ لأنَّه لم يُلْحِقِ العارَ بأحدٍ غيرِ نفسِه، للعلمِ بِكَذِبِه.
فصل: وإن ادَّعَى على رَجُلٍ أنَّه قَذَفَه، فأنْكَرَ، لم يُسْتَحْلَفْ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، ﵀، أنه يُسْتَحْلَفُ. حكاها ابنُ المُنْذِرِ، وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٣). ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالدَّيْنِ. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه حَدٌّ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالزِّنِى والسَّرقَةِ. فإن نَكَلَ عن الْيَمِينِ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كسائرِ الحُدود.
١٥٧٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَ، أوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ، لم يُبَايَعْ ولم يُشَارَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ)
وجملتُه أنَّ مَن جَنَى جِنايةً تُوجِبُ قتلًا خارِجَ الحَرَمِ، ثم لَجَأَ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، وعُبَيْد بن عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، والشَّعْبِى، وأبي حنيفةَ، وأصحابِه. ؤاما غيرُ القتلِ من الحُدُودِ كلِّها والقِصاصِ فيما دونَ النَّفْسِ، فعَنْ أحمدَ فيه روايتان؛ إحداهما، لا يُستَوْفَى من المُلْتجِئِ إلى الحَرَمِ فيه. والثانية، يُسْتَوْفَى. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ المرْوِىَّ عن النَّبِيِّ ﷺ النَّهْىُ عن القتلِ بقولِه ﵇: "فَلَا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ" (١). وحُرْمَةُ
стр. 6547
النَّفْسِ أعْظَمُ، فلا يُقَاسُ غيرُها عليها، ولأنَّ الحَدَّ بالجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فلم يُمْنَعْ منه، كتأْدِيبِ السَّيِّدِ عبدَه. والأُولَى ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وهى ظاهِرُ المذهَبِ، قال أبو بكر: هذه مسألةٌ وَجَدْتُها مُفْرَدَةً لحَنْبَلٍ عن عَمِّه، أنَّ الحدودَ كُلَّها تُقَامُ في الحَرَمِ، إلَّا القتلَ. والعملُ على أنَّ كُلَّ جَانٍ دَخَلَ الحَرَمَ، لم يُقَمْ عليه حَدُّ جِنَايَتِه حتى يخْرُجَ منه. وإن هتكَ حُرْمةَ الحرمِ بالجِنايَةِ فيه، هُتِكَتْ حُرْمَتُه بإقامةِ الحَدِّ عليه فيه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وابن المُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى منه فيه؛ لعُمومِ الأمْرِ بجَلْدِ الزَّانِى، وقَطْعِ السارقِ، واستيفاءِ القِصَاصِ من غيرِ تخْصِيصٍ بمكانٍ دونَ مكانٍ، وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ (٢) الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، ولِا فَارًّا بجزْيَةٍ وِلَا دَمٍ" (٣). وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بقَتْلِ ابن خَطَلٍ (٤) وهو متعلِّقٌ بأسْتارِ الكعبةِ (٥). حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه حيوانٌ أُبِيحَ دمُه لعِصْيانِه، فأشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ. ولَنا، قولُ
стр. 6548
اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٦). يعني الحرمَ، بدليل قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٦). والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه لو أُرِيدَ به (٧) الخبرُ، لأَفْضَى إلى وقوعِ الخبرِ خلافَ المُخْبِرِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسلِمٍ (٧) يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ يَسْفِكَ فيها (٨) دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقولُوا: إنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وإنَّما أَذِنَ لِى سَاعَةً مِنْ نَهارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلى حُرْمَتِها، فَلَا يُسْفَكُ فيها دَمٌ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠). فالحُجَّةُ فيه مِنْ وَجْهينِ؛ أحدُهما، أنَّهُ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بها على الإِطْلَاقِ، وتخْصيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّم الحرامِ، لم يخْتصَّ به مكةَ، فلا يكونُ التَّخْصيصُ مُفِيدًا. والثاني، قولُه: "وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لي سَاعَةً من نَهارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُها". ومعلومٌ أنَّه إنَّما حَلَّ له سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فَحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمَنْعِه قياسَ غيرِه عليه. والاقْتداءُ به فيه بقوله: "فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ
стр. 6549
لِقِتَالِ (١١) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقُولُوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِه، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ". وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به من قَتْلِ ابن خَطَلٍ (١٢)؛ فإنَّه من رُخْصَةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، التي مَنَعَ النَّاسَ أن يقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخصوصِ، وما رَوَوْه من الحديثِ، فهو من كلامِ عمرِو بنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسول اللَّه ﷺ حينَ رَوَى له أبو شُرَيْحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسول اللَّه ﷺ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ. وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمرُ بالقِصَاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يتناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ من مكانٍ، فيُمْكِنُ إقامتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كانَ عُمومًا، فإنَّ ما رَوَيْناه خَاصٌّ يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّرَ الحَدُّ عنه، وتأخَّرَ قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذكرْنَاه. والقياسُ على الكلب العقُورِ غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ ذلك طبعُه الأذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه، فأمَّا الآدَمِىُّ (١٣)، فالأصلُ فيه الحُرْمَةُ، وحُرْمَتُه عَظِيمَةٌ، وإنَّما أُبيحَ لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ من الحيواناتِ المباحَةِ من المأكولاتِ، فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يبايَعُ ولا يُشارَى ولا يُطْعَمُ ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُ الذي قِبَلَكَ. فإذا خرجَ اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّه منه. وهذا (١٤) قولُ جميعِ من ذكرْناه. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ (١٥)، لَتَمَكَّنَ من الإِقامَةِ دائما، فَيَضِيعَ الحَقُّ الذي عليه، وإذا مُنِعَ من ذلك، كان وسيلةً إلى خُروجِه، فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّه تعالى. وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القِيامُ به. قال ابن عباسٍ، ﵀: مَن أصابَ حَدًّا، ثم لجأَ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا
стр. 6550
يُجَالَسُ، ولا يبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويأْتِيه الذي (١٦) يطلبُه، فيقولُ: أىْ فلانَ، اتَّقِ اللَّه. فإذا خرجَ من الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. روَاه الأثْرَمُ (١٧). فإن قَتَلَ مَنْ له (١٨) عليه القِصاصُ في الحَرَمِ، أو أقام (١٩) حدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شَىءَ عليه؛ لأنَّه استَوْفَى حَقَّه في حالٍ لم يكُن له اسْتيفاؤُه فيه، فأَشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في شِدَّةِ حَرٍّ (٢٠) أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.
١٥٧٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَ، أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ في الْحَرَمِ)
وجملتُه أنَّ مَن انْتَهكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ، بجنايَةٍ فيه توجبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقَامُ عليه حَدُّها، لا نعلمُ فيه خِلافًا. وقد رَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: مَنْ أحدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، [أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شيءٍ (٢). وقد أمَرَ اللَّه تعالى بقتالِ مَن قاتَلَ في الحَرَمِ] (١). فقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٣). فأباحَ قتلَهم عندَ قتالِهِمْ في الحَرَمِ، ولأنَّ أهلَ الحَرَمِ يحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأموالِهِمْ وأعْراضِهم، فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ من ارتكبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لَتعطَّلتْ حُدودُ اللَّه تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالِحُ التي لا بُدَّ منها، ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأنَّ الجانِىَ