ابنُ الزَّانِيَةِ. فلا حَدَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحدًا بالقَذْفِ، وكذلك ما أشْبَهَ هذا. ولو قذفَ جماعَةً لا يُتَصَوَّرُ صدْقُه في قَذْفِهِم، مثل أن يَقْذِفَ أهلَ بَلدةٍ كبيرةٍ (١٢) بالزِّنَى كلَّهم، لم يكُنْ عليه حَدٌّ؛ لأنَّه لم يُلْحِقِ العارَ بأحدٍ غيرِ نفسِه، للعلمِ بِكَذِبِه.
فصل: وإن ادَّعَى على رَجُلٍ أنَّه قَذَفَه، فأنْكَرَ، لم يُسْتَحْلَفْ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، ﵀، أنه يُسْتَحْلَفُ. حكاها ابنُ المُنْذِرِ، وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٣). ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالدَّيْنِ. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه حَدٌّ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالزِّنِى والسَّرقَةِ. فإن نَكَلَ عن الْيَمِينِ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كسائرِ الحُدود.
١٥٧٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَ، أوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ، لم يُبَايَعْ ولم يُشَارَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ)
وجملتُه أنَّ مَن جَنَى جِنايةً تُوجِبُ قتلًا خارِجَ الحَرَمِ، ثم لَجَأَ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، وعُبَيْد بن عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، والشَّعْبِى، وأبي حنيفةَ، وأصحابِه. ؤاما غيرُ القتلِ من الحُدُودِ كلِّها والقِصاصِ فيما دونَ النَّفْسِ، فعَنْ أحمدَ فيه روايتان؛ إحداهما، لا يُستَوْفَى من المُلْتجِئِ إلى الحَرَمِ فيه. والثانية، يُسْتَوْفَى. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ المرْوِىَّ عن النَّبِيِّ ﷺ النَّهْىُ عن القتلِ بقولِه ﵇: "فَلَا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ" (١). وحُرْمَةُ
стр. 6547
النَّفْسِ أعْظَمُ، فلا يُقَاسُ غيرُها عليها، ولأنَّ الحَدَّ بالجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فلم يُمْنَعْ منه، كتأْدِيبِ السَّيِّدِ عبدَه. والأُولَى ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وهى ظاهِرُ المذهَبِ، قال أبو بكر: هذه مسألةٌ وَجَدْتُها مُفْرَدَةً لحَنْبَلٍ عن عَمِّه، أنَّ الحدودَ كُلَّها تُقَامُ في الحَرَمِ، إلَّا القتلَ. والعملُ على أنَّ كُلَّ جَانٍ دَخَلَ الحَرَمَ، لم يُقَمْ عليه حَدُّ جِنَايَتِه حتى يخْرُجَ منه. وإن هتكَ حُرْمةَ الحرمِ بالجِنايَةِ فيه، هُتِكَتْ حُرْمَتُه بإقامةِ الحَدِّ عليه فيه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وابن المُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى منه فيه؛ لعُمومِ الأمْرِ بجَلْدِ الزَّانِى، وقَطْعِ السارقِ، واستيفاءِ القِصَاصِ من غيرِ تخْصِيصٍ بمكانٍ دونَ مكانٍ، وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ (٢) الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، ولِا فَارًّا بجزْيَةٍ وِلَا دَمٍ" (٣). وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بقَتْلِ ابن خَطَلٍ (٤) وهو متعلِّقٌ بأسْتارِ الكعبةِ (٥). حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه حيوانٌ أُبِيحَ دمُه لعِصْيانِه، فأشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ. ولَنا، قولُ
стр. 6548
اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٦). يعني الحرمَ، بدليل قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٦). والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه لو أُرِيدَ به (٧) الخبرُ، لأَفْضَى إلى وقوعِ الخبرِ خلافَ المُخْبِرِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسلِمٍ (٧) يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ يَسْفِكَ فيها (٨) دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقولُوا: إنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وإنَّما أَذِنَ لِى سَاعَةً مِنْ نَهارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلى حُرْمَتِها، فَلَا يُسْفَكُ فيها دَمٌ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠). فالحُجَّةُ فيه مِنْ وَجْهينِ؛ أحدُهما، أنَّهُ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بها على الإِطْلَاقِ، وتخْصيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّم الحرامِ، لم يخْتصَّ به مكةَ، فلا يكونُ التَّخْصيصُ مُفِيدًا. والثاني، قولُه: "وإنَّما أُحِلَّتْ (٩) لي سَاعَةً من نَهارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُها". ومعلومٌ أنَّه إنَّما حَلَّ له سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فَحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمَنْعِه قياسَ غيرِه عليه. والاقْتداءُ به فيه بقوله: "فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ
стр. 6549
لِقِتَالِ (١١) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقُولُوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِه، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ". وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به من قَتْلِ ابن خَطَلٍ (١٢)؛ فإنَّه من رُخْصَةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، التي مَنَعَ النَّاسَ أن يقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخصوصِ، وما رَوَوْه من الحديثِ، فهو من كلامِ عمرِو بنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسول اللَّه ﷺ حينَ رَوَى له أبو شُرَيْحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسول اللَّه ﷺ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ. وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمرُ بالقِصَاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يتناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ من مكانٍ، فيُمْكِنُ إقامتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كانَ عُمومًا، فإنَّ ما رَوَيْناه خَاصٌّ يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّرَ الحَدُّ عنه، وتأخَّرَ قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذكرْنَاه. والقياسُ على الكلب العقُورِ غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ ذلك طبعُه الأذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه، فأمَّا الآدَمِىُّ (١٣)، فالأصلُ فيه الحُرْمَةُ، وحُرْمَتُه عَظِيمَةٌ، وإنَّما أُبيحَ لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ من الحيواناتِ المباحَةِ من المأكولاتِ، فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يبايَعُ ولا يُشارَى ولا يُطْعَمُ ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُ الذي قِبَلَكَ. فإذا خرجَ اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّه منه. وهذا (١٤) قولُ جميعِ من ذكرْناه. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ (١٥)، لَتَمَكَّنَ من الإِقامَةِ دائما، فَيَضِيعَ الحَقُّ الذي عليه، وإذا مُنِعَ من ذلك، كان وسيلةً إلى خُروجِه، فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّه تعالى. وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القِيامُ به. قال ابن عباسٍ، ﵀: مَن أصابَ حَدًّا، ثم لجأَ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا
стр. 6550
يُجَالَسُ، ولا يبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويأْتِيه الذي (١٦) يطلبُه، فيقولُ: أىْ فلانَ، اتَّقِ اللَّه. فإذا خرجَ من الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. روَاه الأثْرَمُ (١٧). فإن قَتَلَ مَنْ له (١٨) عليه القِصاصُ في الحَرَمِ، أو أقام (١٩) حدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شَىءَ عليه؛ لأنَّه استَوْفَى حَقَّه في حالٍ لم يكُن له اسْتيفاؤُه فيه، فأَشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في شِدَّةِ حَرٍّ (٢٠) أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.
١٥٧٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَ، أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ في الْحَرَمِ)
وجملتُه أنَّ مَن انْتَهكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ، بجنايَةٍ فيه توجبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقَامُ عليه حَدُّها، لا نعلمُ فيه خِلافًا. وقد رَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: مَنْ أحدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، [أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شيءٍ (٢). وقد أمَرَ اللَّه تعالى بقتالِ مَن قاتَلَ في الحَرَمِ] (١). فقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٣). فأباحَ قتلَهم عندَ قتالِهِمْ في الحَرَمِ، ولأنَّ أهلَ الحَرَمِ يحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأموالِهِمْ وأعْراضِهم، فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ من ارتكبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لَتعطَّلتْ حُدودُ اللَّه تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالِحُ التي لا بُدَّ منها، ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأنَّ الجانِىَ
стр. 6551
في الحَرَمِ هاتِكٌ لحُرْمَتِه، فلا ينْتهضُ الحَرَمُ لتَحْرِيمِ ذِمَّتِهِ وصيانَتِه، بمَنْزلَةِ الجانِى في دارِ المَلِكِ، لا يُعْصَمُ لحُرْمَةِ المَلِكِ، بخلافِ المُلْتجِىءِ إِليها بجنايةٍ صدرَتْ مِنه في غيرِها.
فصل: فأمَّا حَرَمُ مدينةِ النَّبِىِّ ﷺ ، فلا يَمْنَعُ إقامَةَ حَدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لأنَّ النَصَّ إنَّما وَرَدَ في حَرَمِ اللَّه تعالى، وحَرَمُ المدينةِ دُونَه في الحُرْمَةِ، فلا يَصِحُّ قياسُه عليه. وكذلك سائِرُ البِقاعِ، لا تَمْنَعُ من اسْتيفاءِ حَقٍّ، ولا إقامَةِ حَدٍّ؛ لأنَّ أمْرَ اللَّه تعالى باسْتيفاءِ الحقوقِ وإقامةِ الحدِّ مُطْلَقٌ في الأمْكِنةِ والأزْمِنةِ، خَرَجَ منها الحَرَمُ لمعنًى لا يَكْفِى في غيرِه، لأنَّه مَحَلُّ الأنْساكِ وقِبْلَةُ المسلمين، وفيه بيتُ اللهِ المحجُوجُ، وأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وآياتٌ بَيِّنَاتٌ، فلا يُلْحَقُ (٤) به سِواهُ، ولا يُقاسُ عليه ما ليس في مَعْناه. واللهُ تعالى أعلمُ.
стр. 6552
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ". مُتَّفَقٌ عليهما (٢). في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ ،
стр. 6553
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
وجملتُه أنَّ القَطْعَ لا يجبُ إلَّا بشُروطٍ سبعةٍ؛ أحدُها، السَّرِقَةُ، ومعنى السَّرقَةِ: أخذُ المالِ على وجهِ الْخِفْيَةِ والاسْتِتَارِ. ومنه اسْتِراقُ السَّمْعِ، ومُسارَقَةُ النَّظَرِ، إذا كان يَسْتَخْفِى بذلك، فإنَّ اخْتَطَفَ أو اخْتلَسَ، لم يكُنْ سارِقًا، ولا قَطْعَ عليه عندَ أحَدٍ عَلِمْناه غيرَ إياسِ (١) بنِ مُعاوِيَةَ، قال: أقْطعُ الْمُخَتَلِسَ؛ لأنَّه يَسْتَخْفِى بأخْذِه، فيكونُ سارِقًا. وأهلُ الفِقْهِ والفَتْوَىِ من عُلَماءِ الأمصارِ على خلافِهِ. وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ , أنَّه قال: "لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ ولَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ". وعن جابرٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُنْتَهِبِ قَطْعٌ". روَاهما أبو دَاودَ (٢). وقال: لم يَسْمَعْهُما ابنُ جُرَيْجٍ من أبى الزُّبَيْرِ. ولأنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وهذا غيرُ سارقٍ، ولأنَّ الاختلاسَ نَوْعٌ من الخَطْفِ والنَّهْبِ، وإنَّما يَسْتَخْفِى في ابْتَداءِ اخْتلاسِهِ، بخلافِ السَّارِقِ. واخْتَلفتِ الرِّوَايَةُ، عن أحمدَ، في جاحِدِ العَارِيَّةِ، فعنه: عليه القَطْعُ. وهو قولُ إسحاقَ؛ لما رُوِىَ عن عائشة، أنَّ امرأةً كانت تسْتعيرُ الْمَتاعَ وتجْحَدُه، فأمرَ النَّبِىُّ ﷺ بقَطْعِ يَدِها، فأتى أهلُها أُسامة فكلَّمُوه، فكلَّم النَّبِىَّ، ﷺ ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لا أَرَاكَ تُكَلِّمُنِى فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ تَعالَى". ثمَّ قَامَ النبي ﷺ خَطِيبًا، فقال: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَأَنَّه (٣) إذا سَرَقَ فِيهمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوه،
стр. 6554
والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ (٤)، لَقَطَعْتُ يَدَها". قالَتْ: فقطعَ يدَها. قال أحمد: لا أعرِفُ شيئًا يدْفَعُه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وعنه: لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ الْخِرَقِىِّ، وأبى إسْحاقَ بنِ شَاقْلَا، وأبى الخَطَّابِ، وسائرِ الفُقَهَاءِ. وهو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا قَطْعَ عَلَى الخَائِنِ". ولأنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، والجاحِدُ غيرُ سارِقٍ، وإنَّما هو خَائِنٌ، فأشْبَهَ جاحِدَ الوَدِيعَةِ، والمرأةُ التي كانتْ تستعيرُ المتاعَ إنَّما قُطِعَتْ لسَرِقَتِها، لا لجَحْدِها (٦)، ألَا ترَى قوله: "إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوه". وقوله: "والَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ (٤)، لَقَطَعْتُ يَدَهَا". وفى بعضِ ألفاظِ روايةِ هذه القصَّةِ عن عائِشَةَ، أنَّ قريشًا أهمَّهُم شأنُ المَخْزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ، وذَكَرَتِ القِصَّةَ. روَاه البُخَارِىُّ. وفي حديثٍ (٧) أنَّها سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فرَوَىَ الأثرمُ، بإسنادِهِ عن مسعودِ بنِ الأَسْوَدِ، قال: لَمَّا سَرَقَتِ المرأةُ تلك القَطِيفَةَ من بيتِ رسولِ اللَّه ﷺ ، أعْظَمْنَا ذلك، وكانت امرأةً من قُرَيْشٍ، فجِئْنَا إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقُلْنا: نحن نَفْدِيها بأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. قال: "تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَهَا". فلما سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رسول اللَّه ﷺ ، أَتَيْنَا أُسامَةَ، فقلْنَا: كَلِّمْ لَنا رسولَ اللهِ ﷺ . وذكرَ الحديثَ نحْوَ سياقِ عائشةَ (٨). وهذا ظاهِرٌ في أنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وأنَّها سَرَقَتْ فقُطِعَتْ بِسَرِقَتِها، وإنَّما عَرَّفَتْها عائِشَةُ بجَحْدِها للعارِيَّةِ؛ لكونِها مَشْهُورَةً بذلك، ولا يَلْزَمُ أن يكونَ ذلك سببًا، كما لو عَرَّفَتْها بصِفَةٍ من صفاتِها، وفيما ذكَرْنا جمعٌ بينَ الأحاديثِ، [ومُوَافقةٌ لظاهِرِ الأحاديثِ] (٩) والقياسِ وفُقَهاءِ الأمصارِ، فيكونُ أوْلَى. فأمَّا جاحِدُ الوَدِيعَةِ وغيرِها
стр. 6555
من الأماناتِ، فلا نعلمُ أحدًا يقولُ بوُجوبِ القَطْعِ عليه. الشرط الثاني، أن يكونَ المسروقُ نِصَابًا، ولا قطعَ في القليلِ، في قولِ الفُقَهاءِ كُلِّهم إلَّا الحسنَ، وداودَ، وابنَ بنتِ الشافعىِّ، والخَوارِجَ، قالوا: يُقْطَعُ في القليلِ والكثيرِ؛ لعُمومِ الآيَةِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ، ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُه، ويَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُه". مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ولأنَّه سَارِقٌ من حِرْزٍ، فتُقْطَعُ يدُه، كسَارِقِ الكثيرِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصَاعِدًا". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وإجماعُ الصَّحابَةِ عَلَى ما سنذْكُرُه. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ، والحَبْلُ يحتَمِلُ أن يُسَاوِىَ ذلك، وكذلك البَيْضَةُ، يَحْتَمِلُ أن يُرَادَ بها بَيْضَةُ السِّلَاحِ، وهى تُسَاوِى ذلك. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في قَدْرِ النِّصَابِ الذي يجبُ القَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، فرَوَى عنه أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِىُّ، أنَّه رُبْعُ دِينَارٍ من الذَّهَبِ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ من الوَرِقِ، أو مَا قِيمَتُه ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ من غيرِهما. وهذا قولُ مالِكٍ، وإسْحاقَ. ورَوَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه إِنْ سَرَقَ من غيرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما قيمتُه رُبْعُ دِينَارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ. فعلى هذا يُقَوَّمُ غيرُ (١٢) الأثمانِ بأدْنَى الأَمْرَيْنِ، من رُبْعِ دِينَارٍ، أو ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ. وعنه، أنَّ الأصلَ الوَرِقُ (١٣)، ويُقَوَّمُ الذَّهَبُ به، فإنْ نَقَصَ رُبْعُ دِينَارٍ عن ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ، لم يُقْطَعْ سَارِقُه. وهذا يُحْكَى عن اللَّيْثِ، وأبي ثَوْرٍ. وقالتْ عائشَةُ: لَا قَطْعَ (١٤) إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (١٥). ورُوِىَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعَلِيٍّ، رَضِىَ
стр. 6556
اللَّه عنهم. وبه قالَ الفقهاءُ السَّبْعةُ، وعمرُ (١٦) بنُ عبدِ العزيزِ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَا قَطْعَ (١٧) إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". وقال عثمانُ الْبَتِّىُّ: تُقْطَعُ اليَدُ (١٨) في دِرْهَمٍ، فما فوْقَه. وعن أبي هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، أنَّ اليَدَ تُقْطَعُ في أربعةِ دراهِمَ فَصَاعِدًا (١٩). وعن عمرَ، أنَّ الخَمْسَ لا تُقْطَعُ إلَّا في الخَمْسِ (٢٠). وبه قال سليمانُ بنُ يَسارٍ، وابنُ أبي ليلى، وابن شُبْرُمَةَ. ورُوِى ذلك عن الحَسَنِ. وقال أنَسٌ: قَطَعَ أبو بكرٍ في مِجَنٍّ قيمتُه خمسةُ دَرَاهِمَ. رَواه الجُوزَجَانِىُّ بإسْنادِهِ. وقال عطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في دِينارٍ، أو عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لما رَوَى الحَجَّاجُ بنُ أرطاةَ، عن عمرو بن شُعَيْبِ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا قَطْعَ (١٧) إلَّا فِي عَشْرَةِ دَرَاهِمَ" (٢١). ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ. قال: قَطَعَ رسولُ اللَّه ﷺ يَدَ رَجُلٍ في مِجَنٍّ، قِيمتُه دِينَارٌ، أو عَشْرَةُ دَرَاهِمَ (٢٢). وعن النَّخَعِىِّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في أربعينَ دِرْهَمًا. وَلنا، ما رَوَى ابنُ عمر، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُه ثلاثةُ دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، لا يختَلِفُ أَهْلُ
стр. 6557
العِلْمِ في ذلك. وحديثُ أبى حنيفةَ الأوَّلُ، يَرْويه (٢٤) الحجَّاجُ [بنُ أرطاةَ، وهو ضَعِيفٌ، والذِى يَرْوِيه عن الحجَّاجِ] (٢٥) ضَعِيفٌ أيضًا. والحديثُ الثاني لا دَلَالَةَ فيه على أنَّه لا يقْطَعُ بما دُونَه، فإنَّ مَن أوجبَ القَطْعَ بثلاثةِ دَرَاهِمَ، أوْجبَه بِعَشْرَةٍ، ويَدُلُّ (٢٦) هذا الحديثُ على أنَّ العَرْضَ يُقَوَّمُ بالدَّراهِمِ، لأنَّ المِجَنَّ قُوِّم بها، ولأنَّ ما كان الذَّهَبُ فيه أصلًا، كان الوَرِقُ فيه أصلًا، كنُصُب الزَّكواتِ (٢٧)، والدِّياتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ. وقد رَوَى أنسٌ، أنَّ سارِقًا سَرَق مِجَنًّا ما يَسُرُّنى أنَّه لي (٢٨) بثلاثَةِ دَرَاهِمَ، أو ما يُساوِى ثلاثةَ دراهم، فقَطَعَه أبو بكرٍ (٢٩). وأُتِىَ عثمانُ برجلٍ قد سرقَ أُتْرُجَّةً، فأمرَ بها عثمانُ فأقِيمَتْ، فبلَغَتْ قِيمَتُها رُبْعَ دِينَارٍ، فأمَرَ به عثمانُ فقُطِعَ (٣٠).
فصل: وإذا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ من المَضْروبِ الخالِصِ، ففيه القَطْعُ. وإن كان فيه
стр. 6558
غِشٌّ أو تِبْرٌ يحتاجُ إلى تَصْفِيَةٍ، لم يجبِ القطعُ حتى يبلُغَ ما فيه من الذهبِ رُبْعَ دِينَارٍ؛ لأنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُه. وإن سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ قُرَاضَةً، أو تِبْرًا خالِصًا، أو حَلْيًا، ففيه القَطْعُ. نَصَّ عليه أَحْمَدُ، في روايةِ الجُوزَجَانِىِّ، قال: قلتُ له: كيفَ يسْرِقُ رُبْعَ دِينارٍ؟ فقال: قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أو خاتَمًا، أو حَلْيًا. وهذا قولُ أكثرِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وذكرَ القاضِى في وُجوبِ القطعِ احْتمالَيْن؛ أحدُهما لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعي؛ لأن الدِّينارَ اسمٌ للمَضْرُوبِ. ولَنا، أنَّ ذلك رُبْعُ دِينَارٍ؛ لأنَّه يُقالُ: دِينارٌ قُراضَةٌ، ومُكَسَّرٌ (٣١)، أو دِينارٌ (٣٢) خِلاصٌ (٣٣). ولأنَّه لا يُمْكِنُه سَرِقَةُ رُبْعِ دِينَارٍ مُفْرَدٍ في الغالِبِ إلَّا مَكْسُورًا. وقد أُوجِبَ عليه القطعُ بذلك، ولأنَّه حَقُّ اللَّه تعالى تعلَّقَ بالمَضْرُوبِ، فتعلَّقَ بما ليس بمَضْروبٍ، كالزَّكاةِ، والخلافُ فيما إذا سَرَقَ من المَكْسُورِ والتِّبرِ ما لا يساوِى رُبْعَ دِينارٍ صحيحٍ، فإن بلغَ ذلك ففيه القَطْعُ. والدِّينارُ هو المِثقَالُ من مَثاقيلِ النَّاسِ اليومَ، وهو الَّذى كُلُّ سبعةٍ منها عشرةُ دَرَاهِمَ، وهو الذي كان على عهدِ رسول اللَّه ﷺ وقبلَه ولم يتغَيَّرْ، وإنَّما كانتِ الدَّرَاهِمُ مُخْتلِفَةً، فَجُمِعَتْ وجُعِلَتْ كُلُّ عَشرَةٍ منها سَبْعَةَ مَثاقِيلَ، فهى التي يتعلَّق القَطْعُ بثلاثة منها، إذا كانتْ خالِصَةً، مَضْروبَةً كانتْ أو غيرَ مَضْروبَةٍ، على ما ذكرْنَاه في الذَّهَبِ. وعندَ أبى حنيفة أنَّ النِّصَابَ إنَّما يتعلَّقُ بالمَضْروبِ منها، وقد ذَكَرَ ما دَلَّ عليه، ويَحْتَمِلُ ما قالَه في الدَّرَاهِمِ؛ لأنَّ إطْلاقَها يتناولُ الصِّحَاحَ المَضْروبةَ، بخلافِ رُبْعِ الدِّينَارِ، على أنَّنا قد ذكرْنا فيها احتمالًا مُتقدِّمًا، فههُنا أوْلَى. وما قُوِّمَ من غيرِهما بهما، فلا قَطْعَ فيه حتى يَبْلُغَ ثلاثَةَ دَرَاهِمَ صِحَاحًا؛ لأنَّ إطْلاقَها ينْصَرِفُ إلى المَضْروبِ دونَ المُكَسَّرِ. الشَّرْط الثالث، أن يكونَ المسْروقُ مالًا، فإن سَرَقَ ما ليس بمالٍ، كالحُرِّ، فلا قَطْعَ فيه، صغيرًا كان أو كبيرًا. وبهذا قال الثَّوْرىُّ (٣٤)، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ (٣٥)، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، وابنُ
стр. 6559
المُنْذِرِ. وقال الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الحُرِّ الصَّغِيرِ؛ لأنَّه غيرُ مميِّزٍ، أشْبَهَ العبدَ. وذكرَه أبو الخَطَّابِ روايةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه ليس بمالٍ، فلا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، كالكبيرِ النَّائِمِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إن كان عليه حَلْىٌ أو ثيابٌ تبْلُغُ نِصابًا، لم يُقْطَعْ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأكثرُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وذكر أبو الخَطَّاب وجهًا آخَرَ، أنَّه يُقْطَعُ. وبه قال أبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لظاهِرِ الكتابِ، ولأنَّه سَرَقَ نِصَابًا من الحَلْىِ، فَوَجَبَ فيه (٣٦) القَطْعُ، كما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا. ولَنا، أنَّه تابِعٌ لِمَا لا قَطْعَ في سَرِقَتِه، أشْبَهَ ثيابَ الكبيرِ، ولأنَّ يدَ الصَّبِىِّ على ما عليه؛ بدليل أنَّ ما يُوجَدُ مع اللَّقِيطِ يكونُ له. وهكذا لو كان الكَبِيرُ نائِمًا على متاعٍ، فَسَرَقَه ومتاعَه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ يدَه عليه.
فصل: وإن سَرَقَ عبدًا صغيرًا، فعليه القَطْعُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ على هذا كُلُّ من نحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ. والصَّغِيرُ الذي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه، هو الذي لا يُمَيِّزُ، فإن كان كبيرًا لم يُقْطَعْ سارِقُه، إلَّا أن يكونَ نائِمًا، أو مجنونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يُمَيِّزُ بينَ سَيِّدِه وبينَ غيرِه في الطَّاعَةِ، فيُقْطَعُ سارِقُه. وقال أبو يوسفَ: لا يُقْطَعُ سَارِقُ العَبْدِ وإن كانَ صغيرًا؛ لأنَّ من لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ (٣٧) كبيرًا، لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ (٣٧) صَغِيرًا، كالحُرِّ. ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مملوكًا تبلُغُ قيمتُه نِصابًا، فوجَبَ القَطْعُ عليه، كسَائِرِ الحيواناتِ. وفارقَ الحُرَّ، فإنَّه (٣٨) ليس بمالٍ ولا مَمْلُوكٍ. وفارقَ الكبيرَ؛ لأنَّ الكبيرَ لا يُسْرَقُ، وإنَّما يُخْدَعُ بشيءٍ، إلَّا أن يكونَ في حالِ زوالِ عَقْلِه، بنَوْمٍ، أو جنونٍ، فتَصِحُّ سَرِقَتُه، ويُقْطَعُ سَارِقُه. فإن كان المسروقُ في حالِ نَوْمِه أو جُنونِه أُمَّ ولدٍ، ففى قَطْعِ سارِقِها وَجْهان؛ أحدهما، لا يُقْطَعُ؛ لأنَّها لا يَحِلُّ
стр. 6560
بَيْعُها، ولا نَقْلُ المِلْكِ فيها، فأشْبهَتِ الحُرَّةَ. والثانى، يُقْطَعُ؛ لأنَّها مملوكَةٌ تُضْمَنُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتِ القِنَّ. وحُكْمُ المُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه يجوزُ بيعُه، ويُضْمَنُ بقِيمَتِه. فأمَّا المكاتَبُ، فلا يُقْطَعُ سارِقُه؛ لأن مِلْكَ سيِّدِه ليس بتامٍّ عليه، لكَوْنِه لا يَمْلِكُ مَنافِعَه، ولا اسْتِخْدامَه، ولا أخْذَ أَرْشِ الجنايَةِ عليه، ولو جَنَى السيِّدُ عليه، لَزِمَه له الأرْشُ، ولو اسْتَوْفَى مَنافِعَه كَرْهًا، لَزِمَه عِوَضُها، ولو حَبَسَه لَزِمَه أُجْرةُ مِثْلِه (٣٩) مُدَّةَ حَبْسِه، أو إنْظارُه مقدارَ مُدَّةِ حَبْسِه. ولا يجبُ القَطْعُ لأجلِ مِلْكِ المُكاتَبِ في نفسِه؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يملِكُ نفسَه، فأشْبَهَ الحُرَّ. وإن سَرَقَ من مالِ المُكاتَبِ شيئًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّ مِلْكَ المُكاتَبِ ثَابِتٌ في مالِ نفسِه، إلَّا أنْ يكونَ السارِقُ سيِّدَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأن له في مالِه حَقًّا وشُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، ولذلك لو وَطِىءَ جاريتَه لم يُحَدَّ.
فصل: وإن سَرَقَ ماءً، فلا قَطْعَ فيه. قالَه أبو بكرٍ، وأبو إسحاق بنُ شَاقْلَا؛ لأنَّه ممَّا لا يُتَموَّلُ عادَةً. ولا أعلَمُ في هذا خِلافًا. وإن سَرَقَ كَلأً أو مِلْحًا، فقال أبو بكرٍ: لا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه ممَّا وَرَدَ الشَّرْعُ باشْتراكِ الناسِ فيه، فأشْبَهَ الماءَ. وقال أبو إسحاقَ [ابنُ شَاقْلَا] (٤٠): فيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادَةً، فأشْبَهَ التِّبْنَ والشَّعِيرَ. وأمَّا الثَّلْجُ، فقال القاضي: هو كالماءِ؛ لأنَّه ماءٌ جامِدٌ، فأشْبَهَ الجليدَ، والأشْبَهُ أنَّه (٤١) كالمِلْحِ، لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادَةً، فهو كالمِلْحِ المُنْعَقِدِ من الماءِ. وأمَّا التُّرابُ، فإن كان ممَّا (٤٢) تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فيه، كالذى يُعَدُّ للتَّطْيِينِ والبِناء، فلا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه لا يُتَمَوَّلُ، وإن كانَ مِمَّا له قِيمةٌ كثيرةٌ، كالطِّينِ الأَرْمَنِىِّ، الذي يُعَدُّ للدَّواءِ، أو المُعَدِّ للغُسْلِ به، أو الصَّبْغِ (٤٣) كالمَغْرَةِ (٤٤)، احْتَمَلَ وَجْهين؛ أحدهما، لا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه من جِنْسِ ما لا
стр. 6561
يُتَمَوَّلُ، أشْبَهَ الماءَ. والثاني، فيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُحْمَلُ إلى البُلدَانِ للتِّجَارَةِ فيه، فأشْبَهَ العُودَ الهِنْدِىَّ. ولا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السِّرْجِينِ (٤٥)؛ لأنَّه إن كان نَجِسًا فلا قِيمَةَ له، وإن كان طاهرًا، فلا يُتَمَوَّلُ عادَةً، ولا تَكْثُرُ الرَّغَبَاتُ فيه، فأشْبَهَ التُّرَابَ الذي للبِنَاءِ، وما عُمِلَ من التُّرَابِ كاللَّبِنِ والفَخَّارِ، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادَةً.
فصل: وما عدا هذا من الأمْوالِ، ففيه القَطْعُ، سواءٌ كان طَعامًا، أو ثِيابًا، أو حيوانًا، أو أحْجارًا، أو قَصَبًا، أو صَيْدًا، أو نُورَةً، أو جِصًّا، أو زِرْنِيخًا، أو تَوابِلَ، أو فَخَّارًا، أو زُجَاجًا، أو غيرَه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على سَارِقِ الطَّعامِ الرَّطْبِ الذي يتَسارَعُ إليه الفسادُ، كالفَواكِهِ، والطَّبَائِخ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (٤٦). روَاه أبو داودَ (٤٧). ولأنَّ هذا مُعَرَّضٌ للهلاكِ، أشْبَهَ ما لم يُحْرَزْ (٤٨). ولا قَطْعَ فيما كان أصلُه مُباحًا في دارِ الإِسلامِ، كالصُّيُودِ، والخَشَبِ، إلَّا في السَّاجِ، والآبِنُوسِ، والصَّنْدَلِ، والقَنَا، والمعمُولِ من الخَشَبِ، فإنَّه يُقْطَعُ به. وما عَدَا هذا لا يُقْطَعُ به؛ لأنَّه يُوجَدُ كَثيرًا مُباحًا في دارِ الإِسلامِ، فأشْبَهَ التُّرابَ. ولا قَطْعَ في القُرُونِ، وإن كانتْ معمولةً؛ لأنَّ الصَّنْعَةَ لا تكونُ غالِبَةً عليها، بل القِيمةُ لها، بخلافِ مَعْمُولِ الخشَبِ. ولا قَطْعَ عنده في التَّوابِلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والملحِ، والحجارَةِ، واللَّبِنِ، والفَخَّارِ، والزُّجَاجِ. وقال الثورىُّ: ما يَفْسُدُ في يَوْمِه، كالثَّرِيدِ واللَّحْمِ، لا قَطْعَ فيه. ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى:
стр. 6562
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤٩). ورَوَى عمرو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعلَّقِ، فذكرَ الحديثَ، ثم قال: "وَمَنْ سَرَقَ مِنْه شَيْئًا بعدَ أنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَفِيهِ القَطْعُ". روَاه أبو دَاودَ، وغيرُه (٥٠). ورُوِىَ أنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أُتِىَ برَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بها عثمانُ فأُقيمَتْ، فبلَغتْ قيمتُها رُبْعَ دينارٍ، فأمرَ به عثمانُ فَقُطِعَ. رواه سعيدٌ (٥١). ولأنَّ هذا مالٌ يُتَمَوَّلُ عادةً (٥٢)، ويُرْغَبُ فيه، فيُقْطَعُ سارقُه إذا اجْتَمعتِ الشُّروطُ، كالمُجفَّفِ، ولأنَّ ما وجبَ القَطْعُ في مَعْمُولِه، وَجَبَ فيه قبلَ العملِ، كالذَّهَبِ، والفِضَّةِ. وحديثُهم أرادَ به الثمَرَ (٥٣) المُعَلَّقَ؛ بدليلِ حَدِيثِنا، فإنَّه مُفَسِّرٌ له. وتَشْبيهُهُ بغيرِ المُحْرَزِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ غيرَ المُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وهذا مَحْفوظٌ، ولهذا افْتَرقَ سائِرُ الأموالِ بالحِرْزِ وعدَمِه. وقولُهم: يُوجَدُ مُبَاحًا في دارِ الإِسلامِ. يَنْتَقِضُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، وسائرِ المعادن. والتُّرابُ قد سبقَ القولُ فيه.
فصل: فإن سَرَقَ مُصْحَفًا، فقال أبو بكرٍ، والقاضى: لا قَطْعَ فيه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ المقصودَ منه ما فيه من كلامِ اللهِ تعالى، وهو مِمَّا لا يجوزُ أخذُ العِوَضِ عنه. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ وُجُوبَ قَطْعِه، وقال: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه سُئِلَ عَمَّن سَرَقَ كِتابًا فيه عِلْمٌ ليَنْظُرَ فيه، فقال: كُلُّ ما بلغَتْ قيمتُه ثلاثَةَ دَرَاهمَ فيه قَطْعٌ (٥٤). وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ في كُلِّ سارِقِ، ولأنَّه مُتَقَوَّمٌ،
стр. 6563
تبلغُ قيمتُه نِصَابًا، فوجَبَ القَطْعُ (٥٥) بِسَرِقَتِه، ككُتُبِ الفِقْهِ، ولا خِلَافَ بينَ أصحابِنا في وُجوبِ القَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الفِقْهِ، والحديثِ، وسائرِ العلومِ الشرعيَّةِ. فإن كان المصحفُ مُحَلَّى بِحِلْيَةٍ تبْلُغُ نِصابًا، خُرِّجَ فيه وَجْهانِ، عندَ مَنْ لم يَرَ القطعَ بِسَرِقَةِ المُصْحَفِ، أحدُهما، لا يُقْطَعُ. وهذا قياسُ قولِ أبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، ومذهبِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الحَلْىَ تابعةٌ لما لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، أشْبَهَتْ ثِيابَ الحُرِّ. والثانى، يُقْطَعُ. وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا من الحَلْىِ، فوجبَ قَطْعُه، كما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا. وأصلُ هذَيْن الوَجْهين مَنْ سَرَقَ صَبِيًّا عليه حَلْىٌ.
فصل: وإن سَرَقَ عَيْنًا مَوْقوفَةً، وجبَ القَطْعُ عليه (٥٦)؛ لأنَّها مملوكَةٌ للمَوْقوفِ عليه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُقْطَعَ، بِناءً على الوَجْهِ الذي يقولُ: إنَّ الموقوفَ لا يملِكُه المَوْقوفُ عليه. الشَّرْط الرابع، أن يَسْرِقَ مِن حِرْزٍ، ويُخْرجَه (٥٧) منه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وهذا مذهبُ عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، وأبى الأسْودِ الدُّؤَلِىِّ، وعمرِ بنِ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىِّ، وعمرو بنِ دينارٍ، والثَّورىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِى، وأصحابِ الرَّأْىِ. ولا نعلمُ عن أحدٍ من أهلِ العلم خلافَهم، إلَّا قولًا حُكِىَ في عائشةَ، والحسَنِ، والنَّخَعِىِّ، في مَن جمعَ المتاعَ، ولم يَخْرُجْ به من الحِرْزِ، عليه القَطْعُ. وعن الحسَنِ مثلُ قولِ الجماعَةِ. وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا يَعْتَبِرُ الحِرْزَ؛ لأنَّ الآيةَ لا تَفْصِيلَ فيها. وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ، غيرُ ثابِتَةٍ عَمَّن نُقِلَتْ عنه. قال ابن المُنْذِرِ: وليس فيه خَبَرٌ ثابِتٌ، ولا مَقالٌ لأهلِ العلمِ، إلَّا ما ذكَرْنَاه، فهو كالإِجماعِ، والإِجماعُ حُجَّةٌ عَلَى من خالَفَه. ورَوَى عمرو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن رجلًا من مُزَيْنَةَ سألَ النَّبِىَّ ﷺ عن الثِّمارِ، فقال: "مَا أُخِذَ في غيرِ أكْمَامِهِ (٥٨) فَاحْتُمِلَ، فَفِيهِ قِيمَتُه وَمِثْلُه مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِي
стр. 6564
الْجَرِينِ (٥٩)، فَفِيهِ القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ". روَاه أبو داود، وابنُ ماجَه، وغيرُهما (٦٠). وهذا الخبرُ يَخُصُّ الآيةَ، كما خَصَصْنَاها في اعْتبارِ النِّصَابِ. إذا ثَبَتَ اعْتبارُ الحِرْزِ، والحِرْزُ ما عُدَّ حِرْزًا في العُرْفِ، فإنَّه لمَّا ثَبَتَ اعتبارُه في الشَّرْعِ من غيرِ تَنْصِيصٍ على بيانِهِ، عُلِمَ أنَّه رَدَّ (٦١) ذلك إلى أهلِ العُرْفِ، لأنَّه لا طريقَ إلى معرفَتِه إلَّا مِن جِهَتِه، فيُرْجَعُ إليه، كما رَجَعْنَا إليه في معرفَةِ القَبْضِ والفُرْقَةِ في البيعِ، ؤاشْباهِ ذلك. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ مِن حِرْزِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والجواهِرِ الصَّنَادِيقُ تحتَ الأغْلَاقِ والأقْفالِ الوَثِيقةِ في العُمْرانِ، وحِرْزُ الثِّيَابِ، وما خَفَّ من المتاعِ، كالصُّفْرِ والنُّحَاسِ والرَّصاصِ، في الدَّكاكينِ، والبيوتِ الْمُقْفَلَةِ في العُمْرَانِ، أو يكونُ فيها حافظٌ، فيكون حِرْزًا، وإن كانَتْ مفتوحةً. وإن لم تكنْ مُغْلَقةً، ولا فيها حافظٌ، فليستْ بحِرْزٍ. وإن كانتْ فيها خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ، فالخزائنُ حِرْزٌ لما فيها، وما خَرَجَ عنها فليس بمُحْرَزٍ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في البيتِ الذي ليس عليه غَلقٌ، يَسْرِقُ منه: أرَاهُ سارِقًا. وهذا محمولٌ على أنَّ أهلَه فيه، فأمَّا البُيُوتُ التي في البساتينِ أو الطُّرُقِ أو الصَّحْرَاءِ، فإن لم يكن فيها أحَدٌ، فليستْ حِرْزًا، سواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مفتوحةً؛ لأنَّ من تَرَكَ مَتَاعَه في مكانٍ خالٍ من الناسِ والعُمْرانِ، وانصرفَ عنه، لا يُعَدُّ حافِظًا له، وإن أغْلَقَ عليه. وإن كان فيها أهلُها أو حافِظٌ، فهى حِرْزٌ، سواءٌ كانتْ مُغْلَقَةً أو مَفْتُوحَةً. وإذا كان لاِبسًا للثَّوبِ، أو مُتوسِّدًا له، نائما، أو مستيقِظًا، أو مفتَرِشًا له، أو مُتكِئًا عليه، في أىِّ مَوْضعٍ كان من البلدِ، أو بَرِّيَّةٍ، فهو مُحْرَزٌ؛ بدليلِ أن رِدَاءَ صَفْوانَ سُرِقَ وهو مُتَوَسِّدٌ له، فقَطَعَ النَّبِىُّ ﷺ سارِقَه (٦٢). وإن تدَحْرَجَ عن الثَّوبِ، زالَ الحِرْزُ إن كان نائِمًا، وإن كان
стр. 6565
الثَّوْبُ بينَ يدَيْه، أو غيرُه من المتاعِ، كَبَزِّ البَزَّازِين، وقُماشِ الباعَةِ، وخُبْزِ الخَبَّازِينَ، بحيثُ يُشاهِدُه، وينْظُرُ إليه، فهو مُحْرَزٌ، وإن نامَ، أو كانَ غائبًا عن مَوْضع مُشاهدَتِه، فليس بِمُحْرَزٍ. وإن جعلَ المتاعَ في الغَرائرِ، وعَلَّمَ عليها، ومعها حافِظٌ يُشاهِدُها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا.
فصل: والخَيْمَةُ والخَرْكاهُ (٦٣) إن نُصِبَتْ، وكان فيها أحَدٌ نائمًا أو مُنْتَبِهًا، فهى مُحْرَزَةٌ وما فيها؛ لأنَّها هكذا تُحْرَزُ في العادَةِ، وإن [لم] يكُنْ فيها أحَدٌ، ولا عندَها حافِظٌ، فلا قَطْعَ على سارقِها. وممَّن أوْجبَ القَطْعَ في السَّرِقَةِ من الفُسْطاطِ؛ الثَّورِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أصحابَ الرَّأْىِ قالوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ من الفُسْطَاطِ، دُونَ سارِقِ الفُسْطَاطِ. ولَنا، أنَّه مُحْرَزٌ بما جَرَتْ به العادَةُ، أشْبَهَ ما فيه.
فصل: وحِرْزُ البَقْلِ، وقُدورِ الباقِلَّاءِ، ونحوِها بالشَّرائجِ (٦٤) من القَصَبِ أو الخَشَبِ، إذا كان في السُّوقِ حارِسٌ، وحِرْزُ الخَشَبِ والحَطَبِ والقَصَبِ في الحظائِرِ، وتَعْبِئَةُ بعضِه على بعضٍ، وتَقييدُه بِقَيْدٍ، بحيثُ يَعْسُرُ أخْذُ شيءٍ منه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، إلَّا أنْ يكونَ في فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عليه، فيكونُ مُحْرَزًا وإن لم يُقَيَّدْ (٦٥).
فصل: والإِبِلُ على ثلاثَةِ أضْرابٍ؛ بارِكَةٌ، وراعِيَةٌ، وسائِرَةٌ، فأمَّا البارِكَةُ فإن كانَ معها حافِظٌ لها، وهى معقولَةٌ، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن لم تكُنْ مَعْقُولَةً، وكان الحافِظُ ناظرًا إليها، أو مُسْتيقِظًا بحيثُ يرَاها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن كان نائِمًا، أو مَشْغُولًا عنها، فليسَتْ مُحْرَزَةً؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الرُّعَاةَ إذا أرادوا النَّومَ عَقَلُوا إبلَهم؛ ولأنَّ حَلَّ المعقُولَةِ يُنَبِّهُ
стр. 6566
النَّائِمَ والمُشْتَغِلَ. وإن لم يكُنْ معها أحَدٌ، فهى غيرُ (٦٦) مُحْرَزَةٍ، سَواءٌ كانتْ معقولَةً أو لم تكُنْ. وأمَّا الرَّاعِيَةُ، فحِرْزُها بنَظَرِ الرَّاعِى إليها، فما غابَ عن نَظَرِه، أو نامَ عنه، فليس بمُحْرَزٍ؛ لأنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّما تُحْرَزُ بالرَّاعِى ونَظَرِه، وأمَّا السائِرَةُ، فإن (٦٦) كان معها مَن يسوقُها، فحِرْزُها نَظَرُه إليها، سواءٌ كانت مَقْطُورةً (٦٧) أو غيرَ مَقْطَورةٍ (٦٧). وما كانَ منها بحيثُ لا يرَاه، فليس بمُحْرَزٍ. وإن كان معها قائِدٌ، فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالتفاتَ إليها، والمُراعاةَ لها، ويكونَ بحيثُ يَراهَا إذا الْتفَتَ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُحْرِزُ القائِدُ إلَّا التي زمامُها بيدِه؛ لأنَّه يُولِيها ظهرَه، ولا يراها إلَّا نادرًا، فيُمْكِنُ أخْذُها من حيثُ لا يشْعُرُ. وَلنا، أنَّ العادةَ في حِفْظِ الإِبلِ المَقْطُورةِ (٦٨) بِمُراعاتِها، بالالْتفاتِ، وإمْساكِ زِمامِ الأوَّلِ، فكان ذلك حِرْزًا لها، كالتى زِمامُها في يدِه. فإن سَرَقَ من أحْمالِ الجمالِ السائرةِ المُحْرَزَةِ مَتاعًا قيمتُه نصَابٌ، قُطِعَ، وكذلك إن [سَرَقَ الْحِمْلَ، وإن] (٦٩) سرَق الجملَ بما عليه، وصاحِبُه نائِمٌ عليه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه في يدِ صاحِبِه، وإن لم يكُنْ [صاحِبُه نائِمًا عليه] (٧٠)، قُطِعَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ ما في الحِمْلِ مُحْرَزٌ به، فإذا أَخَذَ جميعَه، لم يَهْتِكْ حِرْزَ المَتاعِ، فصَارَ كما لو سَرَقَ أجْزاءَ الحِرْزِ. ولَنا، أن الجَمَلَ مُحْرَزٌ بصاحِبِه، ولهذا لو لم يكُنْ معه [لم يكنْ] (٧١) مُحْرَزًا، فقد سَرَقَه من حِرْزِ مِثْلِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ المتاعَ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ سَرِقَةَ الحِرْزِ مِنْ حِرْزِهِ لا تُوجِبُ القَطْعَ، فإنَّه لو سَرَقَ الصُّنْدُوقَ بما فيه من بَيْتٍ هو مُحْرَزٌ فيه، وجبَ قَطْعُه. وهذا التَّفْصيلُ في الإِبلِ التي في الصَّحْراءِ، فأمَّا التي في البيوتِ والمكانِ المُحْصَنِ، على الوجْه الذي ذكرْنَاه في الثِّيابِ،
стр. 6567
فهى مُحْرَزَةٌ. والحُكْمُ في سائرِ المواشِى كالحُكْمِ في الإِبِل، على ما ذكَرْنا من (٧٢) التَّفْصيلِ فيها.
فصل: وإذا سَرَق من الْحَمَّامِ، ولا حافِظَ فيه، فلا قَطْعَ عليه، في قولِ عامَّتِهم. وإن كان ثَمَّ حافِظٌ. فقال أحمدُ: ليس على سارِقِ الحَمَّامِ قَطْعٌ. وقال في روايةِ ابنِ منصورٍ: لا يُقْطَعُ سارِقُ الحَمَّامِ، إلَّا أن يكونَ على المتاعِ قاعِدٌ، مثلَ ما صُنِعَ بصَفْوانَ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مأذونٌ للناسِ في دُخولِه، فجرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ من البيتِ المَأْذونِ له في دُخولِه، ولأنَّ دُخولَ الناسِ إليه يَكْثُرُ، فلا يتَمَكَّنُ الحافِظُ من حِفْظِ ما فيه. قال القاضي: وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ القَطْعُ إذا كانَ فيه حافِظٌ. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، لأنَّه متاعٌ له حافِظٌ، فيجبُ قَطْعُ سارِقِهِ، كما لو كان في بَيْتٍ. والأوَّلُ أَصَحُّ. وهذا يُفارِقُ ما في البيتِ من الوَجْهين اللَّذين ذكرْناهما. فأمَّا إن كان صاحبُ الثِّيَابِ قاعِدًا عليها، أو متوسِّدًا لها، أو جالِسًا وهى بين يدَيْه يَحْفَظُها، قُطِعَ سارِقُها بكلِّ حالٍ، كما قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوانَ من المسجِدِ، وهو متوسِّدٌ له. وكذلك إن كان نائبُ صاحِبِ الثِّيابِ، إمَّا الحَمَّامِىُّ وإمَّا غيرُه، حافظًا لها على الوَجْهِ، قُطِعَ سارقُها؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ. وإن لم تكن كذلك، فقال القاضي: إن نَزَعَ الداخِلُ ثيابَه، على ما جرَتْ به العادَةُ، ولم يَسْتَحْفِظْها لأحَدٍ، فلا قَطْعَ على سارقِها، ولا غُرْمَ على الحَمَّامِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُودَعٍ فيَضْمَنُ، ولا هي مُحْرَزةٌ فَيُقْطَعُ سارِقُها، وإن اسْتحفَظَها الحَمَّامِىَّ، فهو مُودَعٌ يَلْزَمه مُراعاتُها بالنَّظَرِ والحِفْظِ، فإن تشاغَلَ عنها، أو تركَ النَّظَرَ إليها، فسُرِقَتْ، فعليه الغُرْمُ لتَفْرِيطِه، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ؛ لأنَّه لم يسْرِقْ من حِرْزٍ. وإن تعاهدَها الْحَمَّامِىُّ بالحِفْظِ والنَّظَرِ، فسُرِقَتْ، فلا غُرْمَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِى. وظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ، أنَّه لا قَطْعَ عليه في هذه الصُّورَةِ أيضًا (٧٣)؛
стр. 6568
لِمَا تقدَّمَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ: أرجْوُ أن لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه مَأْذونٌ للنَّاسِ في دُخولِه. ولو اسْتَحْفَظَ رَجلٌ آخرَ مَتاعَه في المسجدِ، فسُرِقَ، فإن كان قد فَرَّطَ في مُراعاتِه ونَظَرِه إليه، فعليه الغُرْمُ إذا كان الْتَزمَ حِفْظَه، وأجابَه إلى ما سألَه، وإن لم يُجِبْه، لكنْ سكتَ، لم يلزَمْه (٧٤) غُرْمٌ؛ لأنَّه ما قَبِلَ الاسْتيداعَ، ولا قَبَضَ المتاعَ، ولا قَطْعَ على السَّارِق فِي الموضِعَيْن؛ لأنَّه غيرُ مُحْرَزٍ. وإن حَفِظَ المتاعَ بِنَظَرِه إليه، وقُرْبِه منه، فسُرِقَ، فلا غُرْمَ عليه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ من حِرْزٍ. ويُفارِقُ المتاعَ في الْحَمَّامِ، فإنَّ الحِفْظَ فيه غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّ النَّاسَ يَضَعُ بعضُهم ثيابَه عندَ ثيابِ بعضٍ، ويَشْتَبِهُ على الحَمَّامىِّ صاحبُ الثيابِ، فلا يُمْكِنُه مَنْعُ (٧٥) أخْذِها؛ لعَدَمِ علْمِه بمالِكِها.
فصل: وحِرْزُ حائِطِ الدارِ كَوْنُه مَبْنِيًّا فيها، إذا كانتْ في العُمْرانِ، أو كانتْ في الصَّحْرَاءِ وفيها حافِظٌ، فإنْ أَخَذَ من أجْزاء الحائِطِ أو خَشَبِهِ نِصَابًا في هذه الحالِ، وَجَبَ قَطْعُه؛ لأنَّ الحائِطَ حِرْزٌ لغيرِه، فيكونُ حِرْزًا لنفسِه. وإن هَدَمَ الحائِطَ ولم يأخُذْه، فلا قَطْعَ عليه (٧٦) فيه، كما لو أتْلَفَ المتاعَ في الحِرْزِ (٧٧) ولم يَسْرِقْه. وإن كانتِ الدَّارُ بحيثُ لا تكونُ حِرْزًا لما فيها، كدارٍ في الصَّحْرَاءِ، لا حافِظَ فيها، فلا قَطْعَ على من أَخَذَ من حائِطِها شيئًا؛ لأنَّها إذا لم تكُنْ حِرْزًا لما فيها، فلنَفْسِها أوْلَى. وأمَّا بابُ الدَّارِ، فإن كان منصوبًا في مَكانِه، فهو مُحْرَزٌ، سواءٌ كان مُغْلَقًا أو مَفْتُوحًا؛ لأنَّه هكذا يُحْفَظُ، وعلى سارِقِه القَطْعُ إذا كانتِ الدَّارُ مُحْرَزَةً بما ذكرْناه. وأمَّا أبوابُ الْخَزائِنِ في الدَّارِ، فإن كان بابُ الدارِ مُغْلَقًا، فهى مُحْرَزَةٌ، سواءٌ كانتْ مَفْتُوحةً أو مُغْلَقَةً (٧٨)، وإن كان مفتوحًا، لم تكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أن تكونَ مُغْلَقَةً، أو يكونَ في الدارِ حافِظٌ.
стр. 6569
والفرقُ بينَ باب الدَّارِ وبابِ الخِزَانَةِ، أنَّ أبوابَ الخَزَائِنِ تُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ، وبابُ الدَّارِ لا يُحْرَزُ إلَّا بِنَصْبِهِ، ولا يُحْرَزُ بغيرِه. وأمَّا حَلْقَةُ البَابِ، فإن كانت مَسْمُورَةً، فهى مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّها تُحْرَزُ بتَسْمِيرِها.
فصل: وإن سَرَقَ بابَ مَسْجِدٍ منصوبًا، أو بابَ الكعبةِ المنْصوبَ، أو سَرَقَ من سَقْفِه شيئًا، أو تأزِيرهُ (٧٩)، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأبى القاسم صاحبِ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مثلُه، لا شُبْهَةَ له فيه، فَلَزِمَه القَطْعُ، كبابِ بيتِ الآدَمِيِّ. والثانى، لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه لا مالِكَ له من المخلُوقين، فلا يُقْطَعُ فيه، كحُصُرِ المسجدِ وقَنَاديلِه، فإنَّه لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذلك، وجهًا واحدًا؛ لكَوْنِه ممَّا يَنْتَفِعُ به الناسُ (٨٠)، فيكونُ له فيه شُبْهَةٌ، فلم يُقْطَعْ به، كالسَّرِقَةِ من بيتِ المالِ. وقال أحمدُ: لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتارَةِ الكعبةِ الخارجةِ منها. وقال القاضِى: هذا محمولٌ على ما ليستْ بِمَخِيطَةٍ؛ لأنَّها إنَّما تُحْرَزُ بخياطَتِها. وقال أبو حنيفةَ، لا قَطْعَ فيها بحالٍ؛ لما ذكرْنا في البابِ.
فصل: وإذا أجَرَ دارَه، ثم سَرَقَ منها مالَ الْمُسْتأْجِرِ، فعليه القَطْعُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال صاحباه: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ المنفعةَ تحدُثُ في مِلْكِ الآجِرِ، ثم تنْتَقِلُ إلى الْمُسْتأجِرِ. ولَنا، أنَّه هَتَكَ حِرْزًا، وسَرَقَ منه نصِابًا لا شُبْهَةَ له فيه (٨٠)، فوَجَبَ القَطْعُ، كما لو سَرَقَ من مِلْكِ المُسْتأْجِرِ. وما قالَاه لا نُسَلِّمُه. ولو استعارَ دارًا فَنَقَبَهَا الْمُعِيرُ، وسَرَقَ مالَ المُسْتَعِيرِ منها، قُطِعَ أيضًا. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ، في أحد الوجْهَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ المنْفعةَ مِلْكٌ له، فما هَتَكَ حِرْزَ غيرِه، ولأنَّ له الرُّجوعَ متى شاءَ، وهذا يكونُ رُجُوعًا. ولَنا، ما تقدَّمَ في التي قبلَها، ولا يَصِحُّ ما ذكره، لأنَّ هذا قد صارَ حِرْزًا لمالِ غيرِه، لا يجوزُ له الدُّخولُ إليه، وإنَّما يجوزُ له الرُّجُوعُ في العارِيَّةِ، والمطالَبَةُ بِرَدِّه إليه.
стр. 6570
فصل: وإن غَصَبَ بَيْتًا، فأحْرَزَ فيه مالَه، فَسَرَقَه منه أجْنَبِىٌّ، أو المغصوبُ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِحِرْزِه (٨١) إذا (٨٢) كان مُتَعدِّيًا به، ظالِمًا فيه.
فصل: وإذا سَرَقَ الضَيْفُ من مالِ مُضِيفِه شيئًا، نَظَرْتَ؛ فإن سَرَقَه من المَوْضِعِ الذي أنْزَلَه فيه، أو مَوْضِعٍ لم يُحْرِزْهُ عنه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه لم يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ، وإن سَرَقَ من مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دونَه، نَظَرْتَ؛ فإن كانَ مَنَعَه قِرَاهُ، فَسَرقَ بقدْرِه، فلا قَطْعَ عليه أيضًا، وإن لم يَمْنَعْهُ قِرَاهُ، فعليه القَطْعُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا قَطْعَ على الضَّيفِ. وهو محمولٌ على إحْدَى الحالَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه بحالٍ، لأنَّ الْمُضِيفَ بَسَطَه في بَيْتِه ومالِه، فأشْبَهَ ابنَه. ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فَلَزِمَه القَطْعُ، كالأجْنَبِىِّ. وقولُه (٨٣): إنَّه بسَطَه فيه. لا يَصِحُّ، فإنَّه أحْرَزَ عنه هذا المالَ، ولم يبْسُطْهُ فيه، وتَبَسُّطُه في غيرِه لا يُوجِبُ تَبَسُّطَه فيه، كما لو تَصَدَّقَ على مِسْكِينٍ بصَدقَةٍ، أو أهْدَى إلى صَديقِه هَدِيَّةً، فإنَّه لا يَسْقُطُ عنه القَطْعُ بالسَّرِقَةِ من غيرِ ما تَصَدَّقَ به عليه، أو أهْدَى إليه.
فصل: وإذا أحْرَزَ المُضارِبُ مالَ المُضارَبَةِ، أو الوديعَةِ، أو العارِيَّةِ، أو المالَ الذي وُكِّلَ فيه، فسَرَقَه أجْنَبِىٌّ، فعليه القَطْعُ، لا نعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يَنُوبُ مَنابَ المالِكِ في حِفْظِ المالِ وإحْرازِه، ويَدُه كَيدِه. وإن غَصَبَ عينًا وأحْرَزَها، أو سَرَقهَا وأحْرَزَها، فسَرَقهَا سَارِقٌ، فلا قَطْعَ عليه. وقال مالِكٌ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا من حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه. وللشَّافِعِىِّ قولانِ، كالمذْهَبَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في السَّارِقِ، كقولِهِم في الغاصِب. ولَنا، أنَّه لم يَسْرِقِ المالَ من مالِكِهِ، ولا مِمَّنْ يقُومُ مَقَامَه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَه ضائِعًا فأخَذَه، وفارقَ السَارِقَ من المالِكِ أو نائِبِهِ، فإنَّه أزال يَدَهُ، وسَرَقَ من حِرْزه.
стр. 6571
فصل: وإن سَرَقَ نِصابًا أو غَصبَه فأحْرَزَه، فجاءَ المالِكُ، فهَتَكَ الْحِرْزَ؛ وأخذَ مالَه، فلا قَطْعَ فيه (٨٤) عندَ أحدٍ، سَواءٌ أخذَه سَرِقَةً أو غيرَها؛ لأنَّه أخذَ مالَه. وإن سَرَقَ غيرَه، ففيه وَجهان؛ أحدهما، لا قَطْعَ عليه (٨٥)؛ لأنَّ له شُبْهَةً في هَتْكِ الحِرْزِ، وأخْذِ مالِه، فصارَ كالسَّارقِ من غيرِ حِرْزٍ، ولأنَّ له شُبْهَةً في أخذِ قَدْرِ (٨٦) مالِه، لذَهابِ بعضِ [أهلِ العِلْمِ] (٨٧) إلى جَوازِ أخْذِ الإِنسانِ قدرَ دَيْنِه من مالِ مَنْ هو عليه. والثانى، عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصَابًا من حِرْزِهِ لا شُبْهَةَ له فيه، وإنَّما يجوزُ له أخْذُ قَدْرِ مالِه إذا عَجَزَ عن أخْذِ مالِه، وهذا أمْكَنَه أخذُ مالِه، فلم يَجُزْ له أخذُ غيرهِ. وكذلك الحُكْمُ إذا أَخَذَ مالَه، وأَخَذَ من غيرِه نِصَابًا مُتَمَيِّزًا عن مالِه، فإنْ كان مُخْتلِطًا بمالِه غيرَ مُتَمَيِّزٍ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَه الذي له أخْذُه، وحَصَّلَ غيرَه مأْخوذًا ضَرُورةَ أخْذِه، فيجبُ أنْ لا يُقْطعَ فيه، ولأنَّ له في أخْذِه شُبْهَةً، والحَدُّ يُدْرأُ بالشُّبُهاتِ. فأمَّا إن سَرَقَ منه مالًا آخرَ من غيرِ الْحِرْزِ الذي فيه مالُه، أو كان له دَيْنٌ على إنسانٍ، فسَرَقَ من مالِه قَدْرَ دَيْنِه من حِرْزِه، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان الغاصِبُ أو الغَرِيمُ باذِلًا لِمَا عليه، غيرَ مُمْتَنِعٍ من أدائهِ، أو قَدَرَ المالكُ على أخْذِ مالِه فتَرَكَه وسرقَ مالَ الغاصِبِ أو الْغَرِيمِ، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، وإن عَجَزَ عن اسْتِيفاءِ دَيْنِه، أو أرْشِ جِنَايَتِه، فسَرَقَ قَدْرَ دَيْنهِ، أو حَقِّه، فلا قَطْعَ عليه. وقال القاضي: عليه القَطْعُ، بِناءً على أصْلِنا في أنَّه ليس له أَخْذُ قَدْرِ دَيْنِه. ولَنا، أنَّ هذا مُخْتَلَفٌ في حِلِّه، فلم يجبِ الحَدُّ به، كالوَاطِىءِ (٨٨) في نِكاحٍ مُخْتلَفٍ في صِحَّتِه، وتحريمُ الأخْذِ لا يَمْنَعُ الشُّبْهَةَ الناشِئَةَ عن الاخْتلافِ، والحُدودُ تُدْرأُ بالشُّبُهاتِ. فإن سَرَقَ أكثرَ من دَينْهِ، فهو كالمَغْصُوبِ منه إذا سرقَ أكثرَ من مالِه، على ما مضَى.
стр. 6572
فصل: ولا بُدَّ من إخْراجِ الْمَتاعِ من الحِرْزِ؛ لِمَا قَدَّمْنا من الإِجْماعِ على اشتراطِه، فمتى أخْرَجَه من الحِرْزِ، وَجَبَ عليه القَطْعُ، سواءٌ حَمَلَه إلى مَنْزلِه، أو تَرَكَهُ خارجًا من الحِرْزِ، وسواءٌ أخْرَجَه بأنْ حَمَلَه، أو رَمَى به إلى خارج الحِرْزِ، أو شَدَّ (٨٩) فيه حَبْلًا ثم خرجَ فَمدَّه به، أو شَدَّه على بهيمَةٍ ثم ساقهَا به حتى أخْرَجَها، أو تَرَكَهُ في نَهْرٍ جارٍ، فخرجَ به، ففى هذا كلِّه يجبُ القَطْعُ؛ لأنَّه هو المُخْرِجُ له، إمَّا بنفسِه، وإمَّا بآلتِه، فوجبَ عليه القَطْعُ، كما لو حَمَلَه فأخْرَجَه، وسواءٌ دَخَلَ الحِرْزَ فأخْرَجَه، أو نَقَبَه ثم أدْخلَ إليه يدَه أو عَصًا لها شُجْنَةٌ (٩٠) فاجْتَذَبه بها (٩١). وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه، إلَّا أنْ يكونَ البيتُ صغيرًا لا يُمْكِنُه دُخولُه؛ لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ بما أمْكَنَه، فأشْبَهَ المُخْتَلِسَ. وَلنا، أنَّه سَرَقَ نِصابًا من حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وهو من أهلِ القَطْعِ، فوجَبَ عليه، كما لو كان البيتُ ضَيِّقًا، ويُخالِفُ المُخْتَلِسَ، فإنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ. وإن رَمَى المتاعَ، فأطارتْه الرِّيحُ فأخرجَتْه، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه متى كان ابتداءُ الفعلِ منه، لم يُؤثِّرْ فعلُ الرِّيحِ، كما لو رَمَى صَيْدًا، فأعَانَتِ الريحُ السَّهْمَ حتى قتلَ الصَّيْدَ، حَلَّ، ولو رَمَى الجِمارَ فأعانَتْها الرِّيحُ حتى وقَعتْ في المَرْمَى، احْتُسِبَ به، وصارَ هذا كما لو تَرَكَ المَتْاعَ في الماءِ فَجَرَى به فأخْرجَه، ولو أمرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ، فأخْرجَ المتاعَ، وجبَ عليه القَطْعُ؛ لأنَّه آلةٌ له، فأمَّا إن تركَ المتاعَ على دابَّةٍ، فَخرجَتْ بنفسِها من غيرِ سَوْقِها، أو ترَكَ المتاعَ في ماءٍ راكدٍ، فانْفتحَ فخرَجَ المتاعُ، أو على حائِطٍ في الدَّارِ فأطارتْه الرِّيحُ، ففى ذلك وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ؛ لأنَّ فِعْلَه سببُ خَروجهِ (٩٢)، فأشْبَهَ ما لو ساقَ البهيمةَ، أو فتحَ الماءَ، وحلَّقَ الثوبَ في الهواء. والثانى، لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ الماءَ لم يكُنْ آلةً للإِخْراجِ، وإنَّما خرجَ المتاعُ بسببٍ حادثٍ من غيرِ فِعْلِه، والبهيمةُ لها اختيارٌ لنفسِها.
стр. 6573
فصل: وإذا أخْرَجَ المتاعَ من بيتٍ في الدَّارِ أو الخانِ إلى الصَّحْنِ، فإن كان بابُ البيتِ مُغْلَقًا، ففَتحَه أو نَقَبَه، فقد أخْرَجَ المتاعَ من الحِرْزِ، وإن لم يكُنْ مُغْلقًا، فما أخرجَه من الحِرْزِ. وقد قال أحمدُ: إذا أخْرجَ (٩٣) المتاعَ من البيتِ إلى الدَّار، يُقْطَعُ. وهو محمولٌ على الصُّورَةِ الأُولَى.
فصل: قال أحمدُ: الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ، وإن اخْتلَسَ لم يُقْطَعْ. ومعنى الطَّرَّارِ: الذي يَسْرِقُ من جَيْبِ الرَّجُلِ أو كُمِّه أو صُفْنِه (٩٤)، وسواءٌ بَطَّ (٩٥) ما أخَذَ منه المسروقَ، أو قَطَعَ الصُّفْنَ فأخذَه، أو أدخلَ يدَه في الجيبِ فأخذَ ما فيه، فإنَّ عليه القَطْعَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، في الذي يأخذُ من جَيْبِ الرَّجُلِ وكُمِّه: لا قَطْعَ عليه. فيكونُ في ذلك رِوَايتان.
فصل: وإذا دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا، فاحْتلبَ لَبَنًا من ماشِيَةٍ، وأخْرَجَه، فعليه القَطْعُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه من الأشياءِ الرَّطْبَةِ. وقد مضَى الكلامُ معه في هذا. وإن شَرِبَه في الحِرْزِ، أو شَرِبَ منه ما يَنْقُصُ النِّصَابَ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْ من الحِرْزِ نِصابًا. وإن ذَبَحَ الشاةَ في الحِرْزِ، أو شَقَّ الثَّوْبَ، ثم أخْرَجَهما، وقيمتُهما بعدَ الشَّقِّ والذَّبْحِ نِصَابٌ، فعليه القَطْعُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه في الشَّاةِ؛ لأنَّ اللحمَ لا يُقْطَعُ عنده بِسَرِقَتِه، والثَّوْبُ إن شُقَّ أكْثَرُه، فلا قَطْعَ فيه؛ لأنَّ صاحبَه مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يُضَمِّنَه قيمةَ جَميعِه، فيكونَ قد أخرجَه وهو مِلْكٌ له. وقد تقدَّمَ الكلامُ معه في هذه الأُصولِ. وإن دخلَ الحِرْزَ فابْتلعَ جَوْهَرَةً وخرَجَ، فلم تَخْرُجْ؛ فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أتلفَها في الحِرْزِ، وإن خرجَتْ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يجبُ؛ لأنَّه أخرجَها في وعائِها، فأشْبَهَ إخْراجَها في كُمِّه. والثانى، لا يجبُ؛ لأنَّه ضَمِنَها بالبَلْعِ، فكان إتْلافًا لها، ولأنَّه مُلْجَأٌ إلى
стр. 6574
إخْراجِها، لأنَّه لا يُمْكِنُه الخروجُ بدونِها. وإن تطيَّبَ في الحِرْزِ بطِيبٍ، وخَرَجَ، ولم يَبْقَ عليه من الطِّيبِ ما إذا جُمِعَ كان نِصابًا، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ ما لا يجتَمِعُ قد أتْلفَه باسْتعمالِه، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعَامَ، وإن كان يبْلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه أخرجَ نِصابًا. وذُكِرَ فيه وَجْهٌ آخَرُ، فيما إذا كان ما تطيَّبَ به يبلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ وإن نَقَصَ ما يجْتمِعُ عن النِّصَابِ، لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا. والأوَّلُ أَوْلَى. وإن جَرَّ خَشَبَةً فألْقاها بعدَ أن أخْرجَ بعضَها من الحِرْزِ، فلا قَطْعَ عليه، سَواءٌ خرَجَ منها ما يُساوِى نِصابًا أو لم يكُنْ؛ لأنَّ بعضَها لا يَنْفَرِدُ عن بعضٍ. وكذلك لو أمْسَكَ الغاصِبُ طَرَفَ عمامَتِه، والطرفُ الآخرُ في يدِ مالِكِها، لم يَضْمَنْها. وكذلك إذا (٩٦) سرق ثوبًا أو عمامَةً، فأخْرَجَ بعضَهما (٩٧).
فصل: وإذا نَقَبَ الحِرْزَ، ثم دخلَ فأخْرجَ ما دونَ النِّصَابِ، ثم دخلَ فأخرجَ ما يتمُّ به النِّصَابُ، نَظَرْتَ؛ فإن كان في وَقْتَيْنَ مُتباعِدَيْن، أو ليلتَيْن، لم يجبِ القَطْعُ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ منهما سَرِقَةٌ مُفْرَدَةٌ لا تبلُغُ نِصابًا. وكذلك إن كانا في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ وبينَهما مُدَّةٌ طويلَةٌ. وإن تقارَبا، وجب قَطْعُه؛ لأنَّها سَرِقَةٌ واحِدَةٌ، وإذا بُنِىَ فِعْلُ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على فعلِ شَرِيكِه، فبِناءُ فعلِ الواحِدِ بعضِه على بعضٍ أوْلَى. الشَّرْطُ الخامس والسادس والسابع، كَوْنُ السارِقِ مُكلَّفًا، وثبتَتِ (٩٨) السَّرِقَةُ، ويُطالِبُ (٩٩) المالِكُ بالمسروقِ (١٠٠)، وتَنْتَفِى الشُّبُهاتُ. ويُذْكَرُ ذلك في مَواضِعه.
١٥٨٠ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أوْ كَثَرًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ)
يعني به الثَّمَرَ في البُسْتانِ قبلَ إدْخالِه الحِرْزَ، فهذا لا قَطْعَ فيه عندَ أكثرِ
стр. 6575
الفقهاءِ. وكذلك الكَثَرُ المأْخُوذُ من النَّخْلِ، وهو جُمَّارُ النَّخْلِ. رُوِىَ معنى هدا القولِ عن ابن عمرَ (١). وبه قال عَطَاءٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْر: إن كان من ثمرٍ أو بُسْتانٍ مُحْرَزٍ، ففيه القَطْعُ. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ إن لم يَصِحَّ خَبَرُ رافِع. قال: ولا أَحْسَبُه ثَابِتًا. واحْتجَّا بظاهِرِ الآيةِ، وبقياسهِ على سائرِ المُحْرَزَاتِ. ولَنا، ما رَوَى رَافعُ بنُ خَدِيجٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (٢). أخرجه أبو داود، وابنُ ماجَه. وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو، عن رسولِ اللَّه ﷺ أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَنْ أصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً (٣)، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، ومَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ والْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أن يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ" (٤). وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآية، ولأنَّ البُسْتانَ ليس بحِرْزٍ لغيرِ الثَّمرَ، [فلم يكُنْ] (٥) حِرْزًا له، كما لو لم يكُنْ مَحُوطًا، فأمَّا إن كانتْ نَخْلةٌ أو شجرةٌ في دارٍ مُحْرَزَةٍ (٦)، فسَرَقَ منها نِصابًا، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ من حِرْزٍ. واللَّه أعلمُ.
فصل: وإن سَرَقَ من الثَّمرِ المُعلَّق، فعليه غَرَامةُ مِثْلَيْهِ. وبه قال إسحاقُ؛ للخبرِ المذكور. قال أحمدُ: لا أعلَمُ شيئًا (٧) يَدْفَعُه. وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا يَجِبُ فيه أكثرُ من مِثْلِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلمُ أحدًا من الفُقَهاءِ قال بوُجوبِ غَرَامةِ مِثْلَيْه. واعْتذرَ بعضُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ عن هذا الخبَرِ، بأنَّه كان حين كانتِ العقوبةُ في الأمْوالِ، ثم نُسِخَ ذلك. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهو حُجَّةٌ لا تجوزُ مُخالَفَتُه، إلَّا بمُعارضَةِ مِثْلِه أو
стр. 6576
أقْوَى منه، وهذا الذي اعْتذَرَ به هذا القائلُ دَعْوَى للنَّسْخِ (٨) بالاحْتمالِ من غيرِ دليلٍ عليه، وهو فاسِدٌ بالإِجماعِ، ثم هو فاسِدٌ من وَجْهٍ آخَرَ؛ لقولِه: "وَمَنْ سَرَقَ مِنه شَيْئًا بَعْدَ أنْ يُؤْويَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ". فقد بَيَّنَ وُجوبَ القَطْعِ مع إيجاب غَرامَةِ مِثْلَيْه، وهذا يُبْطِلُ ما قالَه. وقد احتجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ أغْرَمَ حاطِبَ بنَ أبى بَلْتَعةَ حينَ انْتَحَرَ غِلمانُه ناقةَ رَجُلٍ من مُزَيْنَةَ مِثْلَىْ قيمَتِها (٩). وروَى الأثْرَمُ الحديثَيْنِ، في "سُنَنِه". قال أصحابُنا: وفى الماشيةِ تُسْرَقُ من المرْعَى، من غيرِ أن تكونَ مُحْرَزَةً، مِثْلَا قيمتها؛ للحديثِ، وهو ما جاء في سياقِ حديثِ عمروِ بنِ شُعَيْبِ، أنَّ السائِلَ قال: الشَّاةُ الحَرِيسةُ (١٠) مِنْهُنَّ يا نَبِىَّ اللهِ؟ قال: "ثَمَنُها وَمِثْلُهُ مَعَهُ، والنَّكالُ (١١)، ومَا كَانَ في الْمُرَاحِ (١٢)، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ مَا يأْخُذُه مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ". هذا لَفْظُ (١٣) روايةِ ابنِ ماجَه. وما عَدَا هذين لا يُغْرَمُ بأكثرَ من قِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا. هذا قولُ أصحابِنا وغيرِهم، إلَّا أبا بكرٍ، فإنَّه ذَهَبَ إلى إيجابِ غَرامَةِ المسْروقِ من غيرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْه، قياسًا على الثَّمَرِ المُعَلَّقِ وحَرِيسَةِ الجبلِ، واستدْلالًا (١٤) بحديثِ حاطِبٍ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ وُجوبُ غَرامَةِ المِثْلِىِّ بمِثْلِه، والمُتقوَّمِ بقِيمَتِه؛ بدليلِ المُتْلَفِ والمغْصُوبِ، والمنتَهَبِ والمختلَسِ، وسائرِ ما تجبُ غرامتُه، خُولِفَ في هذين المَوْضِعَيْنِ للأثَرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
١٥٨١ - مسألة؛ قال: (وابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ، أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، ويُحْسَمَ، فَإنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وحُسِمَتْ)
стр. 6577
لا خِلافَ بينَ أهل العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، من مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكوعُ. وفى قِرَاءَةِ عبد اللَّه بن مسعود: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) (١). وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تفسيرٌ. وقد رُوِىَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ (٢) وعمرَ، ﵄، أنَّهما قالا: إذا سَرَقَ السَّارِقُ، فاقْطَعُوا يَمِينَه من الكُوعِ (٣). ولا مُخالِفَ لهما في الصحابة، ولأنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانتِ البدايةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ، فناسبَ عُقوبتَه بإعْدامِ آلتِها. وإذا سَرَقَ ثانيًا، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى. وبذلك قال الجماعةُ إلَّا عَطاءً، حُكِىَ عنه، أنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُسْرَى؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ والبَطْشِ، فكانتِ العقوبةُ بقَطْعِها أوْلَى. ورُوِىَ عن رَبِيعَةَ، وداودَ. وهذا شُذُوذٌ، يخالِفُ قَوْلَ جماعَةِ فُقهاءِ الأمصارِ من أهِل الفِقْهِ والأثرِ، من الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، ومَن بعدَهم، وقولَ (٥) أبى بكرٍ وعمرَ، ﵄، وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال في السَّارِقِ: "إذا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه" (٦). ولأنَّه في المُحارَبَةِ المُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّما تُقْطَعُ يدُه ورِجْلُه، ولا تُقْطَعُ يَداهُ، فنقول: جنايةٌ أوْجَبَتْ قطعَ عُضْوَيْن، فكانا رِجْلًا ويدًا، كالمُحارَبَةِ، ولأنَّ قَطْعَ يَدَيْه يفَوِّتُ مَنْفعةَ الجنْسِ، فلا تَبْقَى له يدٌ يأكلُ بها، ولا يتوضَّأُ، ولا يَسْتَطِيبُ، ولا يدفَعُ عن نفسِه، فيصيرُ كالهالِك، فكان قَطْعُ الرِّجْلِ الذي لا يشتَمِلُ على هذه المَفْسَدَةِ أوْلَى. وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قَطْعُ يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما؛
стр. 6578
بدليلِ أنه لا تُقْطَعُ اليَدَانِ في المرَّةِ الأولَى. وفى قراءةِ عبدِ اللَّه: (فَاقْطَعُوْا أيْمَانَهُمَا). وإنَّما ذُكِرَ بلفظِ الجمعِ، لأنَّ المُثَنَّى إذا أُضِيفَ إلى المُثَنَّى ذُكِرَ بَلفظِ الجمعِ، كقولِه تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٧). إذا ثبت هذا، فإنَّه تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٨). ولأنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أَرْفَقُ به، لأنَّه يُمْكِنُه المشْىُ على خَشَبَةٍ، ولو قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى لم يُمْكِنْه المشْىُ بحالٍ. وتُقْطَعُ الرِّجْلُ من مَفْصِلِ الكعبِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وفعلَ ذلك عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه (٩). وكان علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَقْطَعُ من نصف القَدَمِ من مَعْقِدِ الشِّرَاكِ (١٠)، ويَدَعُ له عَقِبًا يَمْشِى عليها (١١). وهو قولُ أبى ثَوْر. ولَنا، أنَّه أحدُ العُضْوَيْنِ المَقْطوعَيْن في السَّرِقَةِ، فيُقْطَعُ من المَفْصِلِ كاليَدِ. وإذا قُطِعَ حُسِمَ، وهو أن يُغْلَى الزَّيْتُ، فإذا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُه في الزَّيْتِ؛ لتَنْسَدَّ أَفْواهُ العروقِ؛ لئلَّا ينْزِفَ الدمَ فيَمُوتَ. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بسارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً، فقال: "اقْطَعُوهُ، واحْسِمُوهُ" (١٢). وهو حديثٌ فيه مَقالٌ. قالَه ابنُ المنذِرِ. ومِمَّنِ اسْتَحَبَّ ذلك الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهما من أهلِ العلم. ويكون الزَّيْتُ من بيتِ المالِ. لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ به القاطِعَ، وذلك يقْتَضِى أن يكونَ من بيتِ المالِ، فإن لم يَحْسِمْ، فذَكَرَ القاضي أنَّه لا شَىْءَ عليه؛ لأنَّ عليه القَطْعَ، لا مُداوةَ المَحْدُودِ. ويُسْتحَبُّ للمقْطوعِ حَسْمُ نفسِه، فإن لم يفْعَلْ لم يَأْثَمْ؛ لأنَّه تَرَكَ التَّدَاوىَ في المرضِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِى.
стр. 6579
فصل: ويُقْطَعُ السَّارِقُ بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ، فيُجْلَسُ، ويُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فيَجْنِىَ على نفسِه، وتُشَدُّ يَدهُ بحَبْلٍ، وتُجَرُّ حتى يَبينَ مَفْصِلُ الكَفِّ من مَفْصِلِ الذِّراعِ، ثم يُوضَعُ بينهمَا سِكِّينٌ حَادٌّ، ويُدَقُّ فوقَها (١٣) بقُوَّةٍ لِيُقْطَعَ في مرَّةٍ واحِدَةٍ، أو تُوضَعُ السِّكِّينُ على المَفْصِلِ (١٤) مَدَّةَ واحدةً. وإن عُلِمَ قَطْعٌ أوْحَى من هذا، قُطِعَ به.
فصل: ويُسَنُّ تَعْلِيقُ اليَدِ في عُنُقِهِ؛ لما رَوَى فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أُتِىَ بِسَارِقٍ، فقُطِعَتْ (١٥) يَدُه، ثُمَّ أَمَرَ بها فعُلِّقَتْ في عُنُقِهِ. روَاه أبو داودَ وابنُ ماجَه (١٦). وفعلَ ذلك عَلِىٌّ، ﵁، ولأنَّ فيه رَدْعًا وزَجْرًا.
فصل: ولا تُقْطَعُ في شِدَّةِ حَرٍّ ولا بَرْدٍ؛ لأنَّ الزَّمَانَ رُبَّما أعانَ على قَتْلِه، والغرضُ الزَّجْرُ دُونَ القَتْلِ. ولا تُقْطَعُ حَامِلٌ حالَ حَمْلِها، ولا بعدَ وَضْعِها حتى يَنْقَضِىَ نِفاسُها، لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى تَلَفِها وتَلَفِ ولدِها. ولا يُقْطعُ مرِيضٌ في مَرَضِه، لِئَلَّا يأْتىَ ذلك (١٧) على نفسِه. ولو سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُه، ثم سرقَ قبلَ انْدمالِ يده، لم يُقْطَعْ ثانيًا حتى يَنْدَمِلَ القَطْعُ الأَوَّلُ. وكذلك لو قُطِعَتْ رِجْلُه قِصَاصًا، لم تُقْطَعِ اليَدُ في السَّرِقَةِ حتى تَبْرَأَ الرِّجْلُ. فإن قِيلَ: أليس لو وجبَ عليه قِصاصٌ في اليدِ الأُخْرَى لَقُطِعَتْ قبلَ الانْدِمالِ، والمحارِبُ تُقْطَعُ يدُه ورِجْلُه دَفْعَةً واحِدَةً، وقد قُلْتُم في المريضِ الذي وَجَبَ عليه الجَلْدُ (١٨): لا يُنْتَظَرُ بُرْؤُه. فَلِمَ خَالَفْتُم ذلك ههُنا؟ قُلْنا: القِصاصُ حَقُّ آدَمِىٍّ،
стр. 6580
يُخافُ فَوْتُه، وهو مَبْنىٌّ على الضِّيقِ لحاجَتِه إليه، ولأنَّ القِصاصَ قد يجبُ في يَدٍ، ويجبُ في يَدَيْنِ وأكثرَ في حالةٍ واحِدَةٍ، فلهذا جازَ أن نُوالِىَ بينَ قِصَاصَيْنَ، ويُخالِف الحَدَّ (١٩)؛ لأنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لها حَدٌّ مُقَدَّرٌ، لا تجوزُ الزِّيادَةُ عليه، فإذا والَى بين حَدَّيْن، صار كالزِّيادَةِ على الْحَدِّ، فلم يَجُزْ. وأمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، فإنَّ قَطْعَ اليدِ والرِّجْلِ حَدٌّ واحِدٌ، بخلافِ ما نحنُ فيه. وأمَّا تأخيرُ الحَدِّ للمَرَضِ (٢٠)، ففيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّ الجَلْدَ يُمْكِنُ تخْفِيفُه، فيَأْتِى به في المَرَضِ على وَجْهٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، والقَطْعُ لا يُمْكِنُ تخْفِيفُه.
فصل: وإذا سَرَقَ مَرَّاتٍ قبلَ القَطْعِ، أجْزَأَ قَطْعٌ واحِدٌ عن جميعِها، وتَداخلَتْ حدودُها؛ لأنَّه حَدٌّ من حُدودِ اللَّه تعالى، فإذا اجتمعَتْ أسبابُه تَداخلَ، كحَدِّ الزِّنَى. وذكر القاضي فيما إذا سَرَقَ من جماعَةٍ، وجاءوا مُتَفرِّقِينَ، روايةً أخرى، أنَّها لا تتداخَلُ. ولعلَّه يقِيسُ ذلك على حَدِّ القذفِ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتداخَلُ، لأنَّ القَطْعَ خالِصُ حَقِّ اللهِ تعالى فتَتداخَلُ، كحَدِّ الزِّنِى والشُّرْبِ، وفارَقَ حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ (٢١)، ولهذا يتوقَّفُ على المُطالَبَةِ باسْتيفائِه، ويسْقطُ بالعَفْو عنه. فأمَّا إن سَرَقَ فقُطِعَ، ثم سَرَقَ ثانيًا، قُطِعَ ثانيًا، سَواءٌ سَرَقَ مِن الذي (٢٢) سَرَقَ منه أوَّلًا أو من غيرِه، وسَواءٌ سَرَقَ تلك العَيْنَ التي قُطِعَ بها أو غيرَها. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مرَّةً، لم يُقْطَعْ يسَرِقَتِها مَرَّةً ثانيةً، إلَّا أن يكونَ قد قُطِعَ بِسَرِقَةِ غَزْلٍ، ثم (٢٢) سَرَقَه مَنْسُوجًا، أو قُطِعَ بِسَرِقَةِ رُطَبٍ، ثم سَرَقَه تَمْرًا. واحتجَّ بأنَّ هذا يتعلَّقُ اسْتِيفَاؤُه بمُطالَبَةِ آدَمِىٍّ، فإذا تكرَّرَ سَبَبُه في العَيْنِ الواحِدَةِ، لم يتكرَّرْ، كحَدِّ القَذْفِ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ يَجِبُ بفِعْلٍ في عَيْنٍ، فتَكَرُّرُه في عَيْنٍ واحِدَةٍ كتَكَرُّرِه في
стр. 6581
الأعيْانِ، كالزِّنَى، وما ذكرَه يَبْطُلُ بالغَزْل إذا نُسِجَ، والرُّطَبِ إذا أتْمَرَ، ولا نُسَلِّمُ حَدَّ القذفِ، فإنَّه متى قَذَفَه بغيرِ ذلك الزِّنَى حُدَّ، وإن قذَفه بذلك الزِّنَى عَقيبَ حَدِّه، لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ إظْهارُ كَذِبِهِ وقد ظَهَرَ، وههُنا الغَرَضُ رَدْعُه عن السَّرِقَةِ، ولم يرتدعْ بالأوَّلِ، فَيُرْدَعُ بالثانى، [كما يُرْدَعُ] (٢٣) إذا سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى.
فصل: ومن سَرَقَ ولا يُمْنَى له، قُطِعَتْ رِجْلُه الْيُسْرَى، كما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ الثانية، وإن كانتْ يُمْناه شَلَّاءَ، ففيها رِوَايتَان؛ أحدهما، تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لأنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها ولا جَمَالَ، فأشْبَهتْ كَفًّا لا أصابعَ عليه. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمد، في مَن سَرَقَ ويُمْناه جافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُه. والرِّوايةُ الثانية، أنَّه يُسْألُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإنْ قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ رَقَأَ دمُها، وانْحسَمَتْ عُروقُها. قُطِعَتْ؛ لأنَّه أمْكَنَ قَطْعُ يَمِينهِ فوجبَ، كما لو كانت صحيحةً. وإن قالوا: لا يَرْقَأُ دمُها. لم تُقْطَعْ؛ لأنَّه يُخافُ تَلفُه، وقُطِعَتْ رِجْلُه. وهذا مذهب الشافعىِّ. وإن كانتْ أصابِعُ اليُمْنى كلُّها ذاهِبَةً ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ، وتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لأنَّ الكَفَّ لا تجبُ فيه دِيَةُ اليَدِ، فأشْبَهَ الذِّرَاعَ. والثانى, تُقْطَعُ؛ لأنَّ الرَّاحَةَ بعضُ ما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ، فإذا كان موجودًا قُطِعَ، كما لو ذهَبَتِ (٢٤) الخِنْصَرُ أو البِنْصَرُ. وإن ذهبَ بعضُ الأصابعِ، نَظَرْنا؛ فإن ذَهَبَتِ (٢٤) الخِنْصَرُ والبِنْصَرُ، أو ذهبتْ واحِدَةٌ سِوَاهما، قُطِعَتْ؛ لأنَّ معظمَ نَفْعِها باقٍ، وإن لم يَبْقَ الَّا واحِدَةٌ، فهى كالتى ذهبَ جميعُ أصابِعِها، وإن بقِىَ اثنْتانِ، فهل تُلْحَقُ بالصَّحِيحَةِ، أو بما قُطِعَ جَمِيعُ أصابِعِها؟ على وَجْهين. والأَوْلَى قَطْعُها؛ لأنَّ نَفْعَها لم يَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ.
فصل: ومن سَرَقَ وله يُمْنَى، فقُطِعَتْ في قِصَاصٍ، أو ذهبَتْ بِأكِلَةٍ (٢٥)، أو
стр. 6582
تَعَدَّى عليه مُتَعَدٍّ فقَطَعَها، سقطَ القَطْعُ، ولا شَىءَ على العادِى إلَّا الأدَبُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال قَتادةُ: يُقْتَصُّ من القاطِعِ، وتُقْطَعُ رِجْلُ السَّارِقِ. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ يَدَ السَّارِقِ ذهَبَتْ، والقاطِعُ قَطَعَ عُضْوًا غيرَ مَعْصُومٍ. وإن قَطَعَها قاطِعٌ بعدَ السَّرِقَةِ، وقبلَ ثُبوتِ السَّرِقَةِ، والحُكْمِ بالقَطْعِ، ثم ثَبَتَ ذلك، فكذلك. ولو شَهِدَ بالسَّرِقَةِ، فَحَبَسَه الحاكِمُ لِيُعَدِّلَ الشُّهودَ، فقطعَه قَاطِعٌ، ثم عُدِّلُوا، فكذلك، وإن لم يُعدَّلُوا، وَجَبَ القِصَاصُ على القاطِعِ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قِصَاصَ عليه؛ لأنَّ صِدْقَهم مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً. ولَنا، أنَّه قَطَعَ طَرَفًا ممَّن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ، فَلَزِمَه القَطعُ، كما لو قَطَعَهُ قبلَ إقامةِ البَيِّنَةِ.
فصل: وإن سرقَ فَقَطَعَ الجذَّاذُ يَسارَهُ بدلًا عن يَمينِه، أجزأَتْ، ولا شيءَ على القاطِعِ إلَّا الأدَبُ. وبهذا قال قَتادَةُ، والشَّعْبِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذلك لأنَّ قطعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِى إلى تَفْويتِ مَنْفَعةِ الجِنْسِ، وقَطْعَ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ واحِدَةٍ، فلا يُشْرَعُ، وإذا انْتفَى قَطْعُ يَمِينِه، حَصَلَ قَطْعُ يسارِه مُجْزِئًا عن القَطْعِ الواجِبِ، فلا يجبُ على فاعِلِه قِصَاصٌ. وقال أصحابُنا: في وُجوبِ قَطْعِ يَمِينِ (٢٦) السَّارِقِ وَجْهان. وللشَّافِعِىّ فيما إذا لم يَعْلَمِ القَاطِعُ كَوْنَها يَسارًا، أو ظَنَّ أن قطعَها يُجْزِئُ قولان؛ أحدُهما، لا تُقطَعُ يمينُ السَّارِقِ، كيلا تُقْطَعَ يداه بِسَرِقَةٍ واحِدَةٍ. والثانى، تُقْطَعُ، كما لو قُطِعَتْ يَسارُه (٢٧) قِصاصًا. فأمَّا القاطِعُ، فاتَّفَقَ أصحابُنا والشَّافِعِىُّ على أنَّه إن قطعَها عن غيرِ اخْتيارٍ من السَّارِقِ، أو كانَ السَّارِقُ أخْرَجَها دَهْشَةً أو ظنًّا منه أنها تُجْزِئُ، وقطَعَها القاطِعُ عالمًا بأنها يُسْرَاهُ، وأنَّها لا تُجْزِئُ، فعليه القِصَاصُ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّها يُسْراهُ، أو ظَنَّ أنَّها مُجْزِئَةٌ، فعليه دِيَتُها. وإن كان السَّارِقُ أخرجَها مُخْتارًا عالمًا بالأمْرَيْن، فلا شىءَ على
стр. 6583
القاطِعِ؛ لأنَّه أذِنَ في قَطْعِها، فأشْبَهَ غيرَ السَّارِقِ. والمختارُ عندَنا ما ذكَرْناه أوَّلًا (٢٨). واللهُ أعلمُ.
١٥٨٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ)
يعني إذا عادَ فَسَرَقَ بعدَ قَطْعِ يدِه ورِجْلِه، لم يُقْطَعْ منه شيءٌ آخَرُ وحُبِسَ. وبهذا قال علىٌّ (١)، رَضِىَ اللهُ عنه، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمد، أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يدُه اليُسْرَى، وفى الرَّابِعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ. ورُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهما قطَعا يدَ أقْطَعِ الْيَدِ والرِّجْلِ (٢). وهذا قولُ قَتادَةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِى، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذرِ. ورُوِىَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز، أنَّه تُقْطَعُ يَدُه اليُسْرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأنَّ جابرًا قال: جىءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِسَارِقٍ، فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. فقال: "اقْطَعُوهُ". قال (٣): فقُطِعَ، ثم جِىءَ به الثَّانِيةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". قال (٤): فقُطِعَ، ثم جِىءَ به الثَّالِثَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سرقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". قال: ثم أُتِى به الرَّابِعَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". ثم
стр. 6584
أُتِىَ به الخامِسَةَ، قال: "اقْتُلُوهُ". قال: فانطلَقْنَا به، فَقَتَلْنَاه، ثم اجْترَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ رواه أبو دَاودَ (٥). وعن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال في السَّارِقِ: "إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ" (٦). ولأنَّ اليسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قطعُها في السَّرِقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فعلُ أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى؛ أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ" (٧). ولَنا، ما روَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيد المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أُتِىَ بِرَجُلٍ مَقْطوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فقال لأصحابه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ . قالوا: اقطَعْهُ يا أميرَ المؤمنين. قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأيِّ شيءٍ يأكلُ الطَّعَامَ؟ بأىِّ شَىءٍ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ؟ بأى شيءٍ يَغْتَسِلُ من جَنَابَتِه؟ بأى شَىْءٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخرجَه، فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مِثْلَ قولِهِم الأوَّلِ، وقال لهم مِثْلَ ما قال أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه (٨). ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّي لأسْتَحِى من اللهِ أنْ لا أَدَعَ له يدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشى عليها (٨). ولأنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفْويتَ مَنْفَعةِ الجنسِ، فلم يُشْرَعْ في حدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثانيةِ؛ لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنما لم تُقْطَعْ للمَفْسدَةِ في قَطْعِها، لأنَّ ذلك بمنزلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأَ، ولا يَغْتَسِلَ، ولا يَسْتَنْجِىَ، ولا يَحْتَرِزَ من نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها
стр. 6585
عنه، ولا يَدْفعَ عن نفسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ، فوجبَ أن يَمْنَعَ قَطْعَها، كما مَنَعَه في المرَّةِ الثَّانِيَةِ. وأمَّا حديثُ جابِرٍ، ففى حَقِّ شخصٍ استحقَّ القتلَ، بدليلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ به في أَوَّلِ مَرَّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ، وفعَل ذلك في الخامِسَةِ. [وروَاه النَّسَائِىُّ، وقال: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ] (٩). وأمَّا الحديثُ الآخَرُ، وفعلُ أبى بكرٍ وعمرَ، فقد عارضَه قولُ عليٍّ. ورُوِىَ (١٠) عن عمرَ أنَّه (١١) رَجَعَ إلى قولِ عليٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبد الرَّحمن بن عابدٍ، قال: أُتِىَ عمرُ بِرَجُلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فأمرَ به عمرُ أنْ تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال علىٌّ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١٢) الآية. وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورجْلَه، فلا يَنْبَغِى أن تَقْطَعَ رِجْلَه فتدعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، [وإمَّا أن] (١٣) تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ. فاسْتَوْدَعَه السِّجْنَ (١٤).
فصل: وإن سرقَ مَنْ يدهُ اليُسْرَى مَقْطوعَةٌ، أو شَلَّاءُ، أو مقطوعةُ الأصابعِ، أو كانتْ يَداهُ صحيحَتَيْنِ فقُطِعَتِ اليُسْرَى، أو شَلَّتْ قبلَ قَطْعِ يُمْنَاه، لم تُقْطَعْ يُمْنَاه، على الرِّوَايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ عَلَى الثانيةِ، وإن قَطَعَ يُسْرَاه قاطِعٌ مُتَعَمِّدًا، فعليه القِصَاصُ؛ لأنَّه قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا. وإن قَطَعَه غيرَ مُتَعَمِّدٍ، فعليه دِيَتُه. ولا تُقطعَ يَمِينُ السَّارِقِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وفى قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ وَجْهانِ؛ أَصَحُّهُما، لا يجبُ؛ لأنَّه لم يجبْ بالسَّرِقَةِ، وسُقوطُ القَطْع عن يمينِه لا يقْتَضِى قَطْعَ رِجْلِه، كما لو كان المقطوعُ يَمِينَه. والثانى، تُقْطعُ رِجْلُه؛ لأنَّه تعذَّر قَطْعُ يَمِينِه، فقُطِعَتْ رِجْلُه، كما لو كانتِ اليُسْرَى مَقْطوعةً حالَ السَّرِقَة. وإن كانتْ يُمْناه