الأعيْانِ، كالزِّنَى، وما ذكرَه يَبْطُلُ بالغَزْل إذا نُسِجَ، والرُّطَبِ إذا أتْمَرَ، ولا نُسَلِّمُ حَدَّ القذفِ، فإنَّه متى قَذَفَه بغيرِ ذلك الزِّنَى حُدَّ، وإن قذَفه بذلك الزِّنَى عَقيبَ حَدِّه، لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ إظْهارُ كَذِبِهِ وقد ظَهَرَ، وههُنا الغَرَضُ رَدْعُه عن السَّرِقَةِ، ولم يرتدعْ بالأوَّلِ، فَيُرْدَعُ بالثانى، [كما يُرْدَعُ] (٢٣) إذا سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى.
فصل: ومن سَرَقَ ولا يُمْنَى له، قُطِعَتْ رِجْلُه الْيُسْرَى، كما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ الثانية، وإن كانتْ يُمْناه شَلَّاءَ، ففيها رِوَايتَان؛ أحدهما، تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لأنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها ولا جَمَالَ، فأشْبَهتْ كَفًّا لا أصابعَ عليه. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمد، في مَن سَرَقَ ويُمْناه جافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُه. والرِّوايةُ الثانية، أنَّه يُسْألُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإنْ قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ رَقَأَ دمُها، وانْحسَمَتْ عُروقُها. قُطِعَتْ؛ لأنَّه أمْكَنَ قَطْعُ يَمِينهِ فوجبَ، كما لو كانت صحيحةً. وإن قالوا: لا يَرْقَأُ دمُها. لم تُقْطَعْ؛ لأنَّه يُخافُ تَلفُه، وقُطِعَتْ رِجْلُه. وهذا مذهب الشافعىِّ. وإن كانتْ أصابِعُ اليُمْنى كلُّها ذاهِبَةً ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ، وتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لأنَّ الكَفَّ لا تجبُ فيه دِيَةُ اليَدِ، فأشْبَهَ الذِّرَاعَ. والثانى, تُقْطَعُ؛ لأنَّ الرَّاحَةَ بعضُ ما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ، فإذا كان موجودًا قُطِعَ، كما لو ذهَبَتِ (٢٤) الخِنْصَرُ أو البِنْصَرُ. وإن ذهبَ بعضُ الأصابعِ، نَظَرْنا؛ فإن ذَهَبَتِ (٢٤) الخِنْصَرُ والبِنْصَرُ، أو ذهبتْ واحِدَةٌ سِوَاهما، قُطِعَتْ؛ لأنَّ معظمَ نَفْعِها باقٍ، وإن لم يَبْقَ الَّا واحِدَةٌ، فهى كالتى ذهبَ جميعُ أصابِعِها، وإن بقِىَ اثنْتانِ، فهل تُلْحَقُ بالصَّحِيحَةِ، أو بما قُطِعَ جَمِيعُ أصابِعِها؟ على وَجْهين. والأَوْلَى قَطْعُها؛ لأنَّ نَفْعَها لم يَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ.
فصل: ومن سَرَقَ وله يُمْنَى، فقُطِعَتْ في قِصَاصٍ، أو ذهبَتْ بِأكِلَةٍ (٢٥)، أو
стр. 6582
تَعَدَّى عليه مُتَعَدٍّ فقَطَعَها، سقطَ القَطْعُ، ولا شَىءَ على العادِى إلَّا الأدَبُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال قَتادةُ: يُقْتَصُّ من القاطِعِ، وتُقْطَعُ رِجْلُ السَّارِقِ. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ يَدَ السَّارِقِ ذهَبَتْ، والقاطِعُ قَطَعَ عُضْوًا غيرَ مَعْصُومٍ. وإن قَطَعَها قاطِعٌ بعدَ السَّرِقَةِ، وقبلَ ثُبوتِ السَّرِقَةِ، والحُكْمِ بالقَطْعِ، ثم ثَبَتَ ذلك، فكذلك. ولو شَهِدَ بالسَّرِقَةِ، فَحَبَسَه الحاكِمُ لِيُعَدِّلَ الشُّهودَ، فقطعَه قَاطِعٌ، ثم عُدِّلُوا، فكذلك، وإن لم يُعدَّلُوا، وَجَبَ القِصَاصُ على القاطِعِ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قِصَاصَ عليه؛ لأنَّ صِدْقَهم مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً. ولَنا، أنَّه قَطَعَ طَرَفًا ممَّن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ، فَلَزِمَه القَطعُ، كما لو قَطَعَهُ قبلَ إقامةِ البَيِّنَةِ.
فصل: وإن سرقَ فَقَطَعَ الجذَّاذُ يَسارَهُ بدلًا عن يَمينِه، أجزأَتْ، ولا شيءَ على القاطِعِ إلَّا الأدَبُ. وبهذا قال قَتادَةُ، والشَّعْبِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذلك لأنَّ قطعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِى إلى تَفْويتِ مَنْفَعةِ الجِنْسِ، وقَطْعَ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ واحِدَةٍ، فلا يُشْرَعُ، وإذا انْتفَى قَطْعُ يَمِينِه، حَصَلَ قَطْعُ يسارِه مُجْزِئًا عن القَطْعِ الواجِبِ، فلا يجبُ على فاعِلِه قِصَاصٌ. وقال أصحابُنا: في وُجوبِ قَطْعِ يَمِينِ (٢٦) السَّارِقِ وَجْهان. وللشَّافِعِىّ فيما إذا لم يَعْلَمِ القَاطِعُ كَوْنَها يَسارًا، أو ظَنَّ أن قطعَها يُجْزِئُ قولان؛ أحدُهما، لا تُقطَعُ يمينُ السَّارِقِ، كيلا تُقْطَعَ يداه بِسَرِقَةٍ واحِدَةٍ. والثانى، تُقْطَعُ، كما لو قُطِعَتْ يَسارُه (٢٧) قِصاصًا. فأمَّا القاطِعُ، فاتَّفَقَ أصحابُنا والشَّافِعِىُّ على أنَّه إن قطعَها عن غيرِ اخْتيارٍ من السَّارِقِ، أو كانَ السَّارِقُ أخْرَجَها دَهْشَةً أو ظنًّا منه أنها تُجْزِئُ، وقطَعَها القاطِعُ عالمًا بأنها يُسْرَاهُ، وأنَّها لا تُجْزِئُ، فعليه القِصَاصُ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّها يُسْراهُ، أو ظَنَّ أنَّها مُجْزِئَةٌ، فعليه دِيَتُها. وإن كان السَّارِقُ أخرجَها مُخْتارًا عالمًا بالأمْرَيْن، فلا شىءَ على
стр. 6583
القاطِعِ؛ لأنَّه أذِنَ في قَطْعِها، فأشْبَهَ غيرَ السَّارِقِ. والمختارُ عندَنا ما ذكَرْناه أوَّلًا (٢٨). واللهُ أعلمُ.
١٥٨٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ)
يعني إذا عادَ فَسَرَقَ بعدَ قَطْعِ يدِه ورِجْلِه، لم يُقْطَعْ منه شيءٌ آخَرُ وحُبِسَ. وبهذا قال علىٌّ (١)، رَضِىَ اللهُ عنه، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمد، أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يدُه اليُسْرَى، وفى الرَّابِعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ. ورُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهما قطَعا يدَ أقْطَعِ الْيَدِ والرِّجْلِ (٢). وهذا قولُ قَتادَةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِى، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذرِ. ورُوِىَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز، أنَّه تُقْطَعُ يَدُه اليُسْرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأنَّ جابرًا قال: جىءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِسَارِقٍ، فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. فقال: "اقْطَعُوهُ". قال (٣): فقُطِعَ، ثم جِىءَ به الثَّانِيةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". قال (٤): فقُطِعَ، ثم جِىءَ به الثَّالِثَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سرقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". قال: ثم أُتِى به الرَّابِعَةَ، فقال: "اقْتُلُوهُ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّما سَرَقَ. قال: "اقْطَعُوهُ". ثم
стр. 6584
أُتِىَ به الخامِسَةَ، قال: "اقْتُلُوهُ". قال: فانطلَقْنَا به، فَقَتَلْنَاه، ثم اجْترَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ رواه أبو دَاودَ (٥). وعن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال في السَّارِقِ: "إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ" (٦). ولأنَّ اليسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قطعُها في السَّرِقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فعلُ أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى؛ أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ" (٧). ولَنا، ما روَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيد المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أُتِىَ بِرَجُلٍ مَقْطوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فقال لأصحابه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ . قالوا: اقطَعْهُ يا أميرَ المؤمنين. قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأيِّ شيءٍ يأكلُ الطَّعَامَ؟ بأىِّ شَىءٍ يَتَوَضَّأُ للصَّلَاةِ؟ بأى شيءٍ يَغْتَسِلُ من جَنَابَتِه؟ بأى شَىْءٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخرجَه، فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مِثْلَ قولِهِم الأوَّلِ، وقال لهم مِثْلَ ما قال أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه (٨). ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّي لأسْتَحِى من اللهِ أنْ لا أَدَعَ له يدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشى عليها (٨). ولأنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفْويتَ مَنْفَعةِ الجنسِ، فلم يُشْرَعْ في حدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثانيةِ؛ لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنما لم تُقْطَعْ للمَفْسدَةِ في قَطْعِها، لأنَّ ذلك بمنزلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأَ، ولا يَغْتَسِلَ، ولا يَسْتَنْجِىَ، ولا يَحْتَرِزَ من نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها
стр. 6585
عنه، ولا يَدْفعَ عن نفسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ، فوجبَ أن يَمْنَعَ قَطْعَها، كما مَنَعَه في المرَّةِ الثَّانِيَةِ. وأمَّا حديثُ جابِرٍ، ففى حَقِّ شخصٍ استحقَّ القتلَ، بدليلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ به في أَوَّلِ مَرَّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ، وفعَل ذلك في الخامِسَةِ. [وروَاه النَّسَائِىُّ، وقال: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ] (٩). وأمَّا الحديثُ الآخَرُ، وفعلُ أبى بكرٍ وعمرَ، فقد عارضَه قولُ عليٍّ. ورُوِىَ (١٠) عن عمرَ أنَّه (١١) رَجَعَ إلى قولِ عليٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبد الرَّحمن بن عابدٍ، قال: أُتِىَ عمرُ بِرَجُلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَقَ، فأمرَ به عمرُ أنْ تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال علىٌّ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١٢) الآية. وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورجْلَه، فلا يَنْبَغِى أن تَقْطَعَ رِجْلَه فتدعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، [وإمَّا أن] (١٣) تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ. فاسْتَوْدَعَه السِّجْنَ (١٤).
فصل: وإن سرقَ مَنْ يدهُ اليُسْرَى مَقْطوعَةٌ، أو شَلَّاءُ، أو مقطوعةُ الأصابعِ، أو كانتْ يَداهُ صحيحَتَيْنِ فقُطِعَتِ اليُسْرَى، أو شَلَّتْ قبلَ قَطْعِ يُمْنَاه، لم تُقْطَعْ يُمْنَاه، على الرِّوَايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ عَلَى الثانيةِ، وإن قَطَعَ يُسْرَاه قاطِعٌ مُتَعَمِّدًا، فعليه القِصَاصُ؛ لأنَّه قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا. وإن قَطَعَه غيرَ مُتَعَمِّدٍ، فعليه دِيَتُه. ولا تُقطعَ يَمِينُ السَّارِقِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وفى قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ وَجْهانِ؛ أَصَحُّهُما، لا يجبُ؛ لأنَّه لم يجبْ بالسَّرِقَةِ، وسُقوطُ القَطْع عن يمينِه لا يقْتَضِى قَطْعَ رِجْلِه، كما لو كان المقطوعُ يَمِينَه. والثانى، تُقْطعُ رِجْلُه؛ لأنَّه تعذَّر قَطْعُ يَمِينِه، فقُطِعَتْ رِجْلُه، كما لو كانتِ اليُسْرَى مَقْطوعةً حالَ السَّرِقَة. وإن كانتْ يُمْناه
стр. 6586
صحيحةً، ويُسْراهُ ناقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بمُعْظَمِ نَفْعِها، مثل أن يَذْهَبَ منها الإِبهامُ أو الوُسْطَى أو السَّبَّابَةُ، احْتَمَلَ أنَّه (١٥) كقَطْعِها، وينتقلُ إلى رِجْلِه. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. واحْتَمَلَ أن تُقْطَعَ يُمْناه؛ لأنَّ له يدًا ينْتَفِعُ بها، أشْبَهَ ما لو قُطِعَتْ خِنْصَرُها. وإن كانتْ يَداهُ صَحِيحَتَيْنِ، ورِجْلُه اليُمْنَى شَلَّاءَ أو مقطوعَةً، فلا أعلَمُ فيها قولًا لأصحابِنا، ويَحْتَمِلُ وَجْهين؛ أحدُهما، تُقْطَعُ يمينُه. وهو مذهبُ الشَّافِعِى؛ لأنَّه سارِقٌ [له يُمْنَى، فقُطِعَتْ عملًا بالكتابِ والسُّنَّةِ، ولأنَّه سارِقٌ] (١٦) له يَدَانِ، فَتُقْطَعُ يُمْناهُ. كما لو كانت المقطوعَةُ رِجْلَه اليُسْرَى. والثانى، لا يُقْطَعُ منه شَىْءٌ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ قَطْعَ يُمْناهُ يذهبُ بمَنْفَعةِ المَشْىِ من الرِّجْلَيْنِ. فأمَّا إن كانتْ رِجْلُه اليُسْرَى شَلَّاءَ، ويَداهُ صَحِيحتانِ، قُطِعَتْ يدهُ اليُمْنَى؛ لأنَّه لا يُخْشَى تَعَدِّى ضَرَرِ القَطْعِ إلى غيرِ المَقْطوعِ. وعلى قياسِ هذه المسألِة، لو سرقَ ويدُه اليُسْرَى مَقْطوعَةٌ، أو شَلَّاءُ، لم يُقْطَعْ منه شَىْءٌ؛ لذلك. وأنكرَ هذا ابنُ المُنْذِرِ. وقال: أصحابُ الرَّأى، بقولِهِم هذا، خالَفُوا كتابَ اللهِ بغيرِ حُجَّةٍ.
١٥٨٣ - مسألة؛ قال: (والْحُرُّ واْلحُرَّةُ، والعَبْدُ، والأَمَةُ، في ذلك سَوَاءٌ)
أمَّا الحُرُّ والحُرَّةُ، فلا خلافَ فيهما. وقد نَصَّ اللَّه تعالى على الذَّكَرِ والأُنْثَى بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ولأنَّهما اسْتَويَا في سائِرِ الحدُود، فكذلك في هذا، وقد قَطَعَ النَّبِىُّ ﷺ سارِقَ رِدَاءِ صَفْوانَ (٢)، وقَطَعَ المَخزُومِيَّةَ التي سَرقَتِ القَطِيفَةَ (٣). فأمَّا العبدُ والأمةُ، فإنَّ جُمْهورَ الفقهاءِ وأهلَ الفتْوَى على أنَّهما
стр. 6587
يجبُ قطعُهما بالسَّرِقَةِ، إلَّا ما حُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: لا قَطْعَ عليهما (٤)؛ لأنَّه حَدٌّ لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه، فلم يجبْ في حَقِّهما، كالرَّجْمِ، ولأنَّه حَدٌّ فلا يُساوِى العبدُ فيه الحُرَّ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، عُمومُ الآية، ورَوَى الأثرمُ، أنَّ رَقِيقًا لحاطِبِ بن أبي بَلْتَعةَ سَرَقُوا ناقةً لِرَجلٍ من مُزَيْنَةَ، فانْتَحرُوها، فأمرَ كَثِير بن الصَّلْتِ أنْ تُقْطَعَ أيدِيهم، ثم قال عمرُ: وَاللهِ إنِّي لأراكَ (٥) تُجِيعُهم، ولكنْ لأُغْرِمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عليك. ثم قال للمُزَنِىِّ: كم ثمنُ ناقَتِكَ؟ قال: أربعُمائَةِ دِرْهَمٍ. قال عمرُ: أعْطِه ثمانِمائِة دِرهمٍ (٦). ورَوَى القاسِمُ (٧) عن أبيه، أن عبدًا أقرَّ بالسَّرِقَةِ عندَ عليٍّ، فقَطَعَه (٨). وفي رواية قال: كان عبدًا. يعني الذي قطعَه علىٌّ. روَاه الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه. وهذه قِصَصٌ تَنْتَشِرُ ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجماعًا. وقولُهم: لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه. قُلْنَا: ولا يُمْكِنُ تَعْطيلُه، فيجبُ تَكْميلُه، وقياسُهم نَقْلِبُه عليهم، فنقولُ: حَدٌّ فلا يتعطَّلُ في حَقِّ العبدِ والأمَةِ، كسائرِ الحُدودِ. وفارقَ الرَّجْمَ، فإنَّ حَدَّ الزَّانِى لا يتعطَّلُ بتَعْطيلِه، بخلاف القَطْعِ، فإنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعطَّلُ بتَعْطيلِه.
فصل: ويُقْطَعُ الآبِقُ بِسَرِقَتِه، وغيرُه. رُوِىَ ذك عن ابنِ عمرَ، وعمرَ بن عبدِ العزيز، وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال مروانُ، وسعيدُ بنُ العاصِ، وأبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ؛ لأنَّ قطعَه قَضَاءٌ عَلى سَيِّده، ولا يُقْضَى على الغائِبِ. ولَنا، عُمومُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وأنَّه مكلَّفٌ سرقَ نصابًا من حِرْزِ مثلِه، فيُقْطَعُ، كغيرِ الآبِقِ. وقولُهم: إنَّه قَضَاءٌ على سَيِّدِه. لا يُسَلَّمُ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه إقرارُ السَّيِّدِ، ولا يَضُرُّ إنْكارُه. وإنَّما يُعْتَبَرُ
стр. 6588
ذلك من العبد، ثم القضاءُ على الغائِبِ بالبَيِّنَةِ جائِزٌ، على ما عُرِفَ في مَوْضِعِه.
فصل: وإن أقرَّ العبدُ بِسَرِقَةِ مالٍ في يدِه، فأنكرَ ذلك سَيِّدُه، وقال: هذا مالِى. فالمالُ لسَيِّدِه، ويُقْطَعُ العَبْدُ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ سَرِقَتُه لِلمالِ، فلم يجبْ قَطْعُه، كما لو أنكرَه المَسْروقُ منه، ولأنَّه (٩) إذا لم يَقْبَلْ إقرارُه في المالِ، ففى الحَدِّ الذي يَنْدَرِئُ بالشُّبُهَاتِ أوْلَى. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بالسَّرِقَةِ، وصَدَّقَه المَسْروقُ منه، فقُطِعَ، كالْحُرِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ القَطْعُ؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وكونُ المالِ محْكومًا به لسَيِّدِه شُبْهةٌ.
فصل: ويُقْطَعُ المسلمُ بِسَرِقَةِ مالِ المسلمِ والذِّمِّىِّ، ويُقْطَعُ الذِّمِّىُّ بِسَرِقَةِ مالِهِما. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ولا نعلمُ فيه مخالِفًا. فأمَّا الحَرْبِىُّ إذا دَخَلَ إلينا مُسْتأمنًا، فَسَرَقَ، فإنَّه يُقْطَعُ أيضًا. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْطَعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ ومحمدٍ؛ لأنَّه حَدٌّ للَّه تعالى، فلا يُقامُ عليه، كحَدِّ الزِّنَى. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنَى. وللشَّافِعِى قَوْلانِ، كالمذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوجَبَ عليه، كحَدِّ القَذْفِ، يُحقِّقُه أنَّ القَطْعَ يجبُ صِيانةً للأمْوالِ، وحدُّ القَذْفِ يجبُ صيانةً للأعْراضِ، فإذا وجبَ في حَقِّه أحدُهما وجبَ الآخرُ، فأمَّا حَدُّ الزِّنَى، فلم يجبْ؛ لأنَّه يجبُ به قتلُه لنقضِه العهدَ، ولا يجبُ مع القتلِ حَدٌّ سِواهُ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ المسلمَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِه. وعندَ أبى حنيفةَ: لا يجبُ. وَلنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مَعْصُومًا من حِرْزِ مثلِه، فوجبَ قَطْعُه، كسارقِ مالِ الذِّمِّى. ويُقْطَعُ المُرْتَدُّ إذا سَرَقَ؛ لأنَّ أحكامَ الإِسْلامِ جارِيَةٌ عليه.
١٥٨٤ - مسألة؛ قال: (ويُقْطَعُ السَّارِقُ وَإنْ وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا)
وجملتُه أن السَّارِقَ إذا مَلَكَ العَيْنَ المَسْروقةَ بِهبَةٍ أو بَيْعٍ أو غيرِهما من أسبابِ المِلْكِ،
стр. 6589
لم يَخْلُ (١) من أن يَمْلِكَها قبلَ رَفْعِه إلى الحاكمِ، والمُطَالبةِ بها عندَه، أو بعدَ ذلك، فإن مَلَكَها قبلَه، لم يجبِ القطعُ؛ لأنَّ من شَرْطِه المُطالبةَ بالمسْروقِ، وبعَد مِلْكِه له لا تَصِحُّ المُطالَبَةُ، وإن مَلَكَها بعدَه، لم يسْقُطِ القَطْعُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكَه، فلا يُقْطَعُ في عَيْنٍ هي مِلْكُه، كما لو مَلَكَها قبلَ المُطالَبَةِ بها، ولأنَّ المُطالَبَةَ شَرْطٌ، والشُّروطُ (٢) يُعْتَبَرُ دوامُها، ولم يَبْقَ لهذه (٣) العَيْنِ مُطالِبٌ، ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن ابن صَفْوان، عن أبيه، أنَّه نامَ في المسجدِ، وتَوَسَّدَ رِداءَه، فأُخِذَ من تحتِ رأسِه، فجاءَ بِسَارِقِه إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فأمرَ به النَّبِىُّ ﷺ أن يُقْطَعَ، فقال صفوانُ: يا رسولَ اللَّه، لم أُرِدْ هذا، رِدَائِى عليه صَدَقَةٌ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "فَهلَّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِى (٤) بِهِ! ". روَاه ابن ماجَه (٥)، والجُوزَجَانىُّ. وفى لفظٍ قال: فأتيتُه، فقلْتُ له (٦): أَتَقْطَعُه من أجلِ ثلاثين درهمًا؟ أنا أبِيعُه وأُنْسئُه ثمنَها. قال: "فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ! ". روَاه الأثْرمُ، وأبو داود (٦). فهذا يدلُّ علي أنَّه لو وُجِدَ قبلَ رَفْعِه إليه، لَدرَأَ القَطْعَ، وبعدَه لا يُسْقِطُه. وقولُهم: إنَّ المطالبةَ شَرْطٌ. قُلْنا: هي شَرْطُ [الحُكْمِ لا شَرْطُ] (٧) القَطْعِ، بدليلِ أنَّه لو اسْتَردَّ العَيْنَ لم يسْقُطِ القَطْعُ، وقد زالَتِ المُطالَبَةُ.
فصل: وإن أقرَّ المسْروقُ منه أنَّ المسْروقَ كان مِلْكًا للسَّارقِ، أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، أو أنَّ له فيه شُبْهةً، أو أنَّ المالِكَ أَذِنَ له في أخذِها، أو أنَّه سَبَّلَها، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنه لم يجبْ، بخلافِ ما لو وَهَبَه إيَّاها، فإنَّ ذلك لا (٨) يَمْنَعُ كَوْنَ الحَدِّ واجبًا. وإن أقرَّ له
стр. 6590
بالعَيْنِ، سَقَطَ القَطْعُ أيضًا؛ لأنَّ إقرارَه يَدُلُّ على تقدُّم مِلْكِهِ لها، فيَحْتَمِلُ أن تكونَ له حالَ أخْذِها. والمنصوصُ عن أحمدَ، أنَّ القطْعَ لا يسْقُطُ؛ لأنَّه مِلْكٌ تَجَدَّدَ سَبَبُه بعدَ وُجوبِ القَطْعِ، أشْبَهَ الهِبَةَ، ولأنَّ ذلك حِيلَةٌ على إسْقاطِ القَطْعِ بعدَ وُجوبِه، فلم يسْقُطْ بها، كالهِبَةِ.
١٥٨٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَخْرَجَها وَقِيمَتُها ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى نَقَصَتْ قِيمتُهَا، قُطِعَ)
وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يسْقُطُ القَطْعُ؛ لأنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ، فتُعْتَبَرُ اسْتدامَتُه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ولأنَّه نَقْصٌ حَدَثَ في العَيْنِ، فلم يَمْنَعِ القَطْعَ، كما لو حدثَ باسْتعمالِه، والنِّصَابُ شَرْطٌ لوُجوبِ القَطْعِ، فلا تُعْتَبَرُ استدامَتُه كالحِرْزِ. وما ذكرَه (٢) يَبْطُلُ بالحِرْزِ، فإنَّه لو زالَ الحِرْزُ أو مِلْكُه، لم يسْقُطْ عنه القطعُ، وسَواءٌ نَقَصَتْ قيمتُها قبلَ الحُكْمِ أو بعدَه؛ لأنَّ سببَ الوُجوبِ السَّرِقَةُ، فيُعْتَبَرُ النِّصَابُ حِينَئِذٍ. فأمَّا إن نقصَ النِّصَابُ قبلَ الإِخْراجِ، لم يجبِ القَطْعُ؛ لعدمِ الشَّرْطِ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ، وسواءٌ نقَصَتْ بفِعْلِه، أو بغيرِ فِعْله. وإن وُجِدَتْ ناقِصَةً، ولم يُدْرَ هل كانتْ ناقِصَةً حينَ السَّرِقَةِ أو حدَثَ النَّقْصُ بعدَها؟ لم يجبِ القَطْعُ؛ لأنَّ الوجوبَ لا يثْبُتُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُه.
١٥٨٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قُطِعَ، فَإنْ كَانَتِ السَّرِقَةُ بَاقِيَةً، رُدَّتْ إلى مَالِكِها، وَإنْ كَانَتْ تالِفَةً (١)، فَعَلَيْه قِيمَتُهَا [مُوسِرًا كَانَ أوْ مُعْسِرًا] (٢))
стр. 6591
لا يخْتلِفُ أهلُ العلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَيْنِ المَسْروقَةِ على مالِكِها إذا كانتْ باقِيةً، فأمَّا إن كانتْ تالِفَةً، فعلَى السَّارِقِ رَدُّ قِيمَتِها، أو مِثْلِها إن كانتْ مِثْليَّةً، قُطِعَ أو لم يُقْطَعْ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادٍ، والْبَتِّىِّ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفةَ: لا يجتَمِعُ الغُرْمُ والقَطْعُ، إن غَرِمَها قبلَ القَطْعِ سَقَطَ القَطْعُ، وإن قُطِعَ قبلَ الغُرْمِ سَقَطَ الغُرْمُ. وقال عطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُولٌ: لا غُرْمَ علي السَّارِقِ إذا قُطِعَ, ووافَقَهم مالِكٌ في المُعْسِرِ، ووافَقْنَا في المُوسِرِ. قال أبو حنيفةَ، في رَجُلٍ سَرَقَ مَرَّاتٍ، ثم قُطِعَ: يَغْرَمُ الكُلَّ، إلَّا الأخيرةَ. وقال أبو يوسفَ: لا يَغْرَمُ شيئًا؛ لأنَّه قُطِعَ بالكُلِّ، فلا يَغْرَمُ شيئًا منه، كالسَّرِقَةِ الأخيرَةِ. واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ" (٣). ولأنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والمِلْكُ يَمْنَعُ القَطْعَ، فلَا يُجْمَعُ بينَهما. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يجبُ ضَمانُها بالرَّدِّ لو كانت باقِيةً، فيجبُ ضَمانُها إذا كانتْ تَالِفَةً، كما لو لم يُقْطَعْ، ولأنَّ القَطْعَ والغُرْمَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لمُسْتَحِقَّين، فجازَ اجْتماعُهما، كالجزَاءِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الْحَرَمِىِّ المَمْلوكِ. وحديثُهم يَرْوِيه سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن منصورٍ، وسعدُ بنُ إبراهيمَ مجهولٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ عبد البَرِّ: الحديثُ ليس بالْقَوِىِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، ليس عليه أُجْرَةُ القاطِعِ. وما ذكَرُوه فهو بِناءٌ على أُصولِهم، ولا نُسَلِّمُها لهم.
فصل: وإذا فعلَ في العينِ فِعلًا نَقَصَها به، كقطعِ الثَّوْبِ ونحوِه، وجبَ رَدُّه ورَدُّ نَقْصِه، ووجبَ القَطْعُ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ كانَ نَقْصًا لا يَقْطَعُ حَقَّ المغْصُوبِ منه إذا فَعَلَه الغاصِبُ، رَدَّ العَيْنَ ولا ضَمانَ عليه، وإن كانَ يَقْطَعُ حَقَّ المالكِ (٤)، كقَطْعِ
стр. 6592
الثوبِ وخياطَتِه، فلا ضَمانَ عليه، ويسْقُطُ حَقُّ المسْروقِ منه من العَيْنِ، وإن كان زيادَةً في العَيْنِ، كصَبْغِهِ أحمرَ أو أصفرَ، فلا تُرَدُّ العَيْنُ، ولا يَحِلُّ له التَّصَرُّفُ فيها. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تُرَدُّ العَيْنُ. وبَنَى هذا على أصلِه في أنَّ الغُرْمَ يُسْقِطُ عنه القَطْعَ. وأمَّا إذا صَبَغَه، فقال: لا يَرُدُّه؛ لأنَّه لو رَدَّه لَكان شريكًا فيه بِصَبْغِه، ولا يجوزُ أنْ يُقْطَعَ فيما هو شَرِيكٌ فيه. وهذا ليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ صَبْغَه كانَ قبلَ القَطْعِ، فلو كان شريكًا بالصَّبْغِ لَسَقَطَ القَطْعُ، وإن كان يصيرُ شريكًا بالرَّدِّ، فالشَّرِكَةُ الطارِئَةُ بعدَ القَطْعِ لا تُؤَثِّرُ، كما لو اشْترَى نِصْفَه من مالِكِه بعدَ القَطْعِ. وقد سَلَّمَ أبو حنيفةَ، أنَّه لو سَرَقَ فِضَّةً، فضَرَبَها دَرَاهِمَ، قُطِعَ، ولَزِمَه رَدُّها. وقال صاحباه: لا يُقْطَعُ، ويسقطُ حَقُّ صاحِبها منها بضَرْبها. وهذا شيءٌ بَنَياهُ على أُصولِهما في أنَّ تَغْييرَ اسْمِها يُزِيلُ مِلْكَ صاحِبِها، وأنَّ مِلْكَ السَّارِقِ لها يُسْقِطُ القَطْعَ عنه، وهو غَيْرُ مُسلَّمٍ لهما.
١٥٨٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا أخْرَجَ النَّبَّاشُ مِنَ الْقَبْرِ كَفَنًا قِيمَتُه ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ)
رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه قطعَ نَبَّاشًا (١). وبه قال الحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وقَتادَةُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ القَبْرَ ليسَ بحِرْزٍ، لأنَّ الحِرْزَ ما يُوضَعُ فيه الْمَتاعُ للحِفْظِ، والكَفَنُ لا يُوضَعُ في القبرِ لذلك، ولأنَّه ليس بِحِرْزٍ لغيرِه، فلا يكونُ حِرْزًا له، ولأنَّ الكَفَنَ لا مالِكَ له، لأنَّه لا يخلُو إمَّا أن يكونَ مِلْكًا للمَيِّتِ أو لوارِثِه، وليس ملكًا لواحِدٍ منهما؛ لأنَّ الميِّتَ لا يملِكُ شيئًا، ولم يبقَ أهلًا للمِلْكِ، والوارِثُ انما مَلَكَ ما فَضَلَ عن حاجَةِ الميِّتِ، ولأنَّه لا يجبُ القطعُ إلَّا بمُطالَبَةِ المالِكِ أو نائِبِه، ولم يُوجَدْ ذلك. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
стр. 6593
أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢). وهذا سَارِقٌ، فإنَّ عائِشَةَ، ﵂، قالت: سَارِقُ أمواتِنَا كسَارِقِ أحْيَائِنَا (٣). وما ذكرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الكَفَنَ يُحْتاجُ إلى تَرْكِه في القبرِ دُونَ غيرِه، ويُكْتَفَى به في حِرْزِه، ألَا تَرَى أنَّه لا يُتْرَكُ الميِّتُ (٤) في غيرِ القبرِ من غيرِ أن يُحْفَظَ كَفَنُه، ويُتْرَكُ في القبرِ ويُنْصَرَفُ عنه. وقولُهم: إنَّه لا مالِكَ له. مَمْنُوعٌ، بل هو مملوكٌ للميِّتِ؛ لأنَّه كان مالِكًا له في حَياتِه، ولا يزولُ مِلْكُه إلَّا عَمَّا لا حاجَةَ به إليه، وَولِيُّه يقومُ مَقَامَه في المُطالَبَةِ، كقيامِ وَلِىِّ الصَّبِىِّ في الطَلَبِ بمالِه. إذا ثبت هذا، فلا بُدَّ من إخْراجِ الكَفَنِ من القبرِ، لأنَّه الحِرْزُ، فإنْ أخرجَه من اللَّحْدِ ووضَعَه في القبرِ، فلا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْه من الحِرْزِ، فأشْبَهَ ما لو نقلَ المتاعَ في البيتِ من جانبٍ إلى جانبٍ، فانَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمَّى القبرَ بَيْتًا (٥).
فصل: والكفَنُ الذي يُقْطَعُ بسَرِقَتِه [ما كان] (٦) مشروعًا، فإنْ كُفِّنَ الرجلُ في أكثرَ من ثلاثِ لفائِفَ، أو المرأةُ في أكثرَ من خمسٍ، فسُرِقَ الزائدُ عن ذلك، أو تركَه في تَابُوتٍ، فسُرِقَ (٧) التَّابوتُ، أو تَرَكَ معه طِيبًا مَجْموعًا، أو ذَهَبًا، أو فِضَّةً، أو جَواهِرَ، لم يُقْطَعُ بأخْذِ شيءٍ من ذلك؛ لأنَّه ليس بكَفَنٍ مَشْروعٍ، فتَرْكُه فيه سَفَهٌ وتَضْييعٌ، فلا يكونُ مُحْرَزًا , ولا يُقْطَعُ سارِقُه.
فصل: وهل يَفْتَقِرُ في قَطْعِ النَّبَّاشِ إلى المُطالَبَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يَفْتَقِرُ إلى المُطالَبَةِ، كسَائِرِ المسروقاتِ. فعلَى هذا المُطالِبُ الوَرَثةُ؛ لأنَّهم يقُومون مَقامَ الميِّتِ في حقوقِه، وهذا من حُقُوقِه. والثانى، لا يفْتَقِرُ إلى طلبٍ؛ لأنَّ الطَّلبَ في السَّرِقةِ
стр. 6594
من الأحْياءِ شُرِعَ لئلَّا يكونَ المسروقُ مملوكًا للسَّارقِ. وقد يُئِسَ من ذلك ههُنا.
١٥٨٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ في مُحَرَّمٍ، ولَا فِي (١) آلةِ لَهْوٍ)
يَعنى لا يُقْطَعُ في سَرقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كالخمرِ، والخِنْزِيرِ، والمَيْتَةِ، ونحوِها، سَواءٌ سَرَقَه من مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن عَطاءٍ أنَّ سَارِقَ خمرِ الذِمِّىِّ يُقْطَعُ، وإن كان مُسْلِمًا؛ لأنَّه مَالٌ لهم، أشْبَهَ ما لو سَرَقَ دراهمَهم. ولَنا، أنَّها عينٌ مُحَرَّمَةٌ، فلا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِها، كالخِنْزِيرِ، ولأنَّ ما لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه من مالِ (٢) المُسْلم، لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه من [أهلِ الذِّمَّةِ] (٣)، كالميْتَةِ والدَّمِ. وما ذكَرهُ (٤) ينْتقِضُ بالخِنْزِيرِ، ولا اعتبارَ به، فإنَّ الاعْتِبارَ بحُكْمِ الإِسلامِ، وهو يَجْرِى عليهم دونَ أحْكامِهم. وهكذا الخلافُ معه في الصَّلِيبِ إذا بلغَتْ قِيمَتُه مع تأليفِه نِصابًا. وأمَّا آلةُ اللَّهو كالطُّنْبُورِ، والمزْمَارِ، والشَّبَّابَةِ، فلا قطعَ فيه، وإن بلغَتْ قيمتُه مُفَصَّلًا نِصَابًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال أصحابُ الشَّافِعِى: إن كانَتْ قيمتُه بعدَ زوالِ تأليفِه نِصابًا، ففيه القَطْعُ، وإلَّا فلا، لأنَّه سَرقَ ما قيمتُه نِصَابٌ، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ مِثْلِهِ، وهو من أهْلِ القَطْعِ، فوجبَ قَطْعُه، كما لو كان ذهبًا مَكْسُورًا. ولَنا، أنَّه آلةٌ للمَعْصِيَةِ بالإِجْماعِ، فلم يُقْطَعْ بِسَرِقَتِه، كالخَمْرِ، ولأنَّ له حقًّا في أخْذِها لكَسْرِها، فكان ذلك شُبْهَةً مانِعَةً من القَطْعِ، كاسْتِحْقَاقِه مالَ ولدِه. فإن كانَتْ عليه حِلْيَةٌ تبْلغُ نِصابًا، فلا قطعَ فيه أيضًا، في قياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما لا قَطْعَ فيه فأشْبَهَ الخشبَ والأوْتارَ. وقال القاضي: فيه القَطْعُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىّ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا من حِرْزِه، فأشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
стр. 6595
فصل: وإن سَرَقَ صَلِيبًا من ذَهَبٍ أو فِضًّة، يبْلغُ نِصابًا مُتَّصِلًا، فقال القاضي: لا قطعَ فيه. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ سارِقُه (٥). وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِى. ووَجْهُ المذهَبَيْن ما تقدَّمَ. والفرقُ بينَ هذه المسألةِ وبينَ التي قبلَها، أنَّ التي قبلَها له كَسْرُه بحيثُ لا تَبْقَى له قِيمةٌ تَبْلُغُ نصابًا، وههُنا لو كُسِرَ الذهبُ والفِضَّةُ بكلِّ وَجْهٍ لم تنقُصْ قيمتُه عن النِّصَابِ، ولأنَّ الذهبَ والفضَّةَ جَوْهرُهما غالِبٌ على الصَّنْعَةِ المُحَرَّمَةِ، فكانتِ الصناعةُ فيهما مَغْمورَةً بِالنِّسْبَةِ إلى قِيمةِ جَوْهرِهما، وغيرُهما بخلافِهما، فتكونُ الصِّناعَةُ غالبةً عليه، فيكونُ تَابِعًا (٦) للصناعَةِ المُحَرَّمَةِ، فأشْبَهَ الإِناءَ. ولو سرقَ إناءً من ذهبٍ أو فِضَةٍ، قِيمتُه نِصَابٌ إذا كانَ مُتَكَسِّرًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه غيرُ مُجْمَعٍ على تَحْرِيمِه، وقِيمتُه بدُونِ الصناعَةِ المُخْتلَفِ فيها نِصَابٌ. وإن سَرَق إناءً مُعدًّا لحَمْلِ الخمرِ، ووَضْعِه فيه، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّ الإِناءَ لا تَحْريمَ فيه، وإنَّما يحْرُمُ عليه بِنِيَّتِه وقَصْدِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ سِكِّينًا مُعَدَّةً (٧) لذَبْحِ الخنازيرِ، أو سيفًا يُعِدُّه لقَطْعِ الطَّرِيقِ. وإن سَرَقَ إناءً فيه خمرٌ يبلغُ نصابًا، فقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِى؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا من حِرْزِ مثلِه، لا شُبْهَةَ له فيه. وقال غيرُه من أصْحابِنا: لا يُقْطَعُ؛ لأنَّه تَبَعٌ لما لا قَطْعَ فيه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ مُشْتَرَكًا بينَه وبينَ غَيرِه. قال أبو إسحاق بن شَاقْلَا: ولو سَرَقَ إداوةً أو إناءً فيه ماءٌ، فلا قَطْعَ فيه كذلك. ولو سَرَقَ مِنْدِيلًا في طَرَفِه دِينَارٌ مَشْدُودٌ، فعَلِمَ به، فعليه القَطْعُ، وإن لم يَعْلَمْ به (٥)، فلا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ سَرِقَتَه، فأشْبَهَ ما لو تعلَّق بثَوْبِهِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُقْطَعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ ما لا (٨) يَعْلَمُ أنَّ قيمتَه نِصابٌ، والفرقُ بينَهما أنَّه عَلِمَ بالمسْروقِ ههُنا، وقصدَ سَرِقتَه، بخلافِ الدِّينارِ، فإنَّه لم يُرِدْهُ، ولم يقْصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليه.
стр. 6596
١٥٨٩ - مسألة؛ قال: (ولَا يُقْطَعُ الْوَالِدُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، لأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ أَخْذُهُ، وَلَا الْوَالِدَةُ فِيمَا أخَذَتْ مِنْ مَالِ وَلَدِهَا، ولَا العَبْدُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ)
وجملتُه أنَّ الوالِدَ لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مالِ وَلدِه، وإن سَفَلَ، وسواءٌ في ذلك الأبُ والأُمُّ، والابْن والبنتُ، والجَدُّ والجَدَّةُ، من قِبَل الأبِ والأمِّ، وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والثَّورىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: القَطْعُ على كلِّ سارقٍ، بظاهرِ الكتابِ، إلَّا أنْ يُجْمِعُوا على شيءٍ فيُسْتَثْنَى. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (١). وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٢). وفى لفظ: "فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ". ولا يجوزُ قَطْعُ الإِنسانِ بأخْذِ ما أمرَ النَّبِىُّ ﷺ بأخْذِه، ولا أخْذِ ما جعلَه النَّبِىُّ ﷺ مالًا له مُضافًا إليه، ولأنَّ الحدودَ تُدْرأُ بالشُّبُهاتِ، وأعظمُ الشُّبُهاتِ أَخْذُ الرَّجُلِ من مالٍ جعلَه الشَّرْعُ له، وأمرَه بأخْذِه وأكْلِه، وأمَّا العبدُ إذا سرَق من مالِ سَيِّدِه، فلا قَطْعَ عليه، في قولِهم، جميعًا، ووافَقَهم أبو ثَوْر فيه. وحُكِىَ عن دَاودَ أنَّه يُقْطَعُ؛ لِعُمومِ الآيَةِ. ولَنا، ما رَوَى السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ قال: شَهِدْتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ، وقد جاءَه عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ الحَضْرَمِىِّ بغُلَامٍ له، فقال: إنَّ غُلَامِى هذا سَرَقَ، فاقْطَعْ يدَهُ. فقال عمرُ: ما سَرَقَ؟ قال: سَرَقَ مِرَآةَ امْرَأتى، ثمنُها ستُّون دِرْهمًا. فقال: أرْسِلْهُ، لا قَطْعَ عليه، خادِمُكم أخَذ مَتاعَكم (٣). ولكنَّه لو سَرَقَ من غيرِه قُطِعَ. وفى لَفْظٍ قال: مالُكُم سَرَقَ بعضُه بعضًا، لا قَطْعَ عليه. رواه سعيدٌ. وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رجلًا
стр. 6597
جاءَه، فقال: عبدٌ لي سَرَقَ قَباءً لعبدِ لي آخرَ. فقال: لا قَطْعَ، مالُكَ سَرَقَ مالَكَ (٤). وهذه قضايا تُشْتَهُرُ، ولم يخالِفْها أَحَدٌ، فتكونُ إجْماعَا، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآية، ولأنَّ هذا إجماعٌ من أهلِ العلمِ، لأنَّه قلُ من سَمَّيْنا من الأَئِمَةِ، ولم يُخالِفْهم في عَصْرِهم أَحَدٌ، فلا يجوزُ خلافُهم (٥) بقَوْلِ مَن بعدَهم، كما لا يجوزُ تَرْكُ إجماعِ الصحابةِ بقَوْلِ واحِدٍ من التَّابعِين.
فصل: والمُدَبَّرُ، وأمُّ الولدِ، والمُكاتَبُ، كالقِنِّ في هذا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا يُقْطَعُ سَيِّدُ المُكاتَبِ بسرقةِ مالِه؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهمٌ. وكلُّ مَن لا يُقْطَعُ الإِنسانُ بسرقةِ مالِه، لا يُقْطَعُ عَبْدُه بسرقةِ مالِه، كآبائِهِ، وأولادِه، وغيرِهم. [وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ، والشافعىِّ] (٦)، كلٌّ على أصْلِه. وقال أبو ثورٍ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِ مَنْ عَدَا سَيِّدِه. ونحوُه قولُ مالِكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ولَنا، حديثُ عمرَ، ﵁، ولأنَّ مالَهم يُنَزَّلُ مَنْزِلةَ مالِه في قَطْعِه، فكذلك في قَطْعِ عَبْدِه.
فصل: ولا يُقْطَعُ الابنُ وإن سَفَلَ، بسرقةِ مالِ والدِه وإن عَلَا. وبه قال الحسنُ، والشَّافِعِىُّ، واسحاقُ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّه لم يذْكُرْه في مَن لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكتابِ، ولأنَّه يُحَدُّ بالزِّنَى بجاريتِه، ويُقادُ بقَتْلِه، فيُقْطَعُ بسَرِقةِ مالِه، كالأجْنَبِىِّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ بينَهما قرابةً تَمْنعُ قَبُولَ شهادَةِ (٧) أحدِهما لصاحبِه، فلم يُقْطَعْ بِسَرِقةِ مالِه، كالأبِ، ولأنَّ النفقةَ تجبُ في مالِ الأبِ لابنِه حِفْظًا له، فلا يجوزُ إتْلافُه حفظًا
стр. 6598
للمالِ، وأمَّا الزِّنَى بجاريتِه، فيجبُ به الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، بخلافِ المالِ.
فصل: فأمَّا سائِرُ الأقاربِ، كالإِخْوَةِ والأخواتِ، ومَن عَداهُم، فَيُقْطَعُ بسَرِقةِ مالِهم، ويُقْطَعُونَ بسرِقةِ مالِه. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من ذى رَحِمٍ؛ لأنَّها (٨) قَرابةٌ تمنعُ النِّكاحَ، وتُبيحُ النَّظَرَ، وتُوجِبُ النَّفَقَةَ، أشْبَهَ قرابةَ الوِلادةِ. ولَنا، أنَّها قَرَابةٌ لا تَمْنعُ الشَّهادَةَ، فلا تَمْنعُ القَطْعَ، كَقرابةِ غيرِه، وفارقَ قرابةَ الوِلادَةِ بهذا.
فصل: وإن سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجين من مالِ الآخَرِ، فإن كانَ ممَّا ليس مُحْرَزًا عنه، فلا قَطْعَ فيه، وإن سَرَقَ ممَّا أحْرزَه عنه. ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا قَطْعَ عليه. وهى اختيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنِيفَة؛ لقولِ عمرَ ﵁ لعبدِ اللَّه بن عمرو بنِ الحَضْرَمِىّ، حينَ قال له: إنَّ غُلامِى سَرَقَ مِرَآةَ امرأتِى: أرْسِلْه، لا قَطْعَ عليه، خادِمُكُمْ أخذَ مَتاعَكم. وإذا لم يُقْطَعْ عبدُه بسرقَةِ مالِهَا، فهو أَوْلَى، ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَرِثُ صاحِبَه بغيرِ حَجْبٍ، ولا تُقْبَلُ شهادتُه له، ويتَبسَّطُ في مالِ الآخَرِ عادَةً، فأشْبَهَ الوالِدَ والولَدَ. والثانية، يُقْطَعُ. وهو مذهبُ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّه سَرَقَ مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. وللشَّافِعِىِّ كالرِّوايتَيْنِ. وقولٌ ثالثٌ، أنَّ الزَّوْجَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، ولا تُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِه؛ لأنَّ لها النَّفَقةَ فيه.
فصل: ولا قَطْعَ على مَن سرقَ من بيتِ المالَ إذا كان مُسْلِمًا، ويُرْوَى ذلك عن عمرَ وعلىٍّ، ﵄. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال حَمَّادٌ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقْطَعُ؛ لظاهِرِ الكتابِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ ماجَه (٩)، بإسْنادِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ عبدًا من رَقيقِ الخُمْسِ، سرقَ من الخُمْسِ، فرُفِعَ ذلك إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فلم يَقْطَعْهُ، وقال: "مالُ اللهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بعضًا".
стр. 6599
ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، ﵁. وسألَ ابنُ مسعودٍ عمرَ عمَّن سَرَقَ من بيتِ المالِ، فقال: أرْسِلْه، فما مِنْ أحَدٍ إلَّا ولَهُ في هذا المالِ حَقٌّ (١٠). وقال سعيدٌ: حدَّثنا هُشَيْم، أخبرنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِىّ، عن علىٍّ ﵁، أنَّه كان يقول: ليس على مَن سرقَ من بيتِ المالِ قَطْعٌ (١١). ولأنَّ له في المالِ حَقًّا، فيكونُ شُبهَةً تَمْنَعُ وُجوبَ القَطْعِ، كما لو سَرَقَ من مالٍ له فيه شَرِكَةٌ. ومن سَرَقَ من الغنيمةِ مِمَّنْ له فيها حَقٌّ، أو لولدِه، أو لسَيِّدِه، أو لمن لا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مالِه، لم يُقْطَعْ لذلك. وإن لم يكُنْ من الغانِمِينَ، ولا أحدًا من هؤلاء الذين ذكرْنا، فَسَرَقَ منها قبلَ إخْراج الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ له في الخُمْسِ حَقًّا. وإن أُخْرِجَ الخُمْسُ، فَسَرَقَ من أرْبَعَةِ (١٢) الأخْمَاسِ، قُطِعَ، وإن سَرَقَ من الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ. وإن قُسِّمَ الخُمْسُ خَمْسَةَ أقسامٍ، فسرقَ من خُمْسِ اللهِ تعالى ورسولِه، لم يُقْطَعْ، وإن سَرَقَ من غيرِه، قُطِعَ، إلَّا أن يكونَ من أهلِ ذلك الخُمْسِ.
فصل: وإن سَرَقَ من الوَقْفِ، أو من غَلَّتِه، وكان من المَوْقُوفِ عليهم، مثل أن يكونَ مسكينًا سَرَقَ من وَقْفِ المساكينِ، أو من قومٍ مُعَيَّنين عليهم وَقْفٌ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه شَرِيكٌ. وإن كان من غيرِهم، قُطِعَ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه. فإن قيل: فقد (١٣) قلتُم: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من بيتِ المالِ. من غيرِ تَفْرِيقٍ بينَ غَنِىٍّ وفَقِيرٍ، فَلِمَ فَرَّقْتُم ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ للغَنِىِّ في بيتِ المالِ حَقًّا، ولهذا قال عمرُ، ﵁: ما مِنْ أحَدٍ إلَّا ولَه في هذا المال حَقٌّ. بخلافِ وَقْفِ المساكينِ، فإنَّه لا حَقَّ للغنِىِّ فيه.
فصل: قال أحمدُ: لا قَطْعَ في الْمَجاعَةِ. يَعْنِى أنَّ المُحْتاجَ إذا سَرَقَ ما يأكلُه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه كالمُضْطَرِّ. وروى الجُوزَجَانِىُّ، عن عمر، أنه قال: لا قَطْعَ في عَامِ سنةٍ (١٤). وقال: سألتُ أحمدَ عنه، فقلتُ: تقولُ به؟ قال: إى لَعَمْرِى، لا أَقْطَعُه إذا
стр. 6600
حَمَلَتْه الحاجَةُ، والنَّاسُ في شِدَّةٍ ومجاعَةٍ. وعن الأوْزاعِىِّ مِثْلُ ذلك. وهذا محمولٌ على مَن لا يجدُ ما يشْتَرِيه، أو لا يجدُ ما يَشْتَرِى به، فإنَّ له شُبْهَةً في أخْذِ ما يأكلُه، أو ما يشتَرِى به ما يأكلُه. وقد رُوِىَ عن عمر، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ غلْمانَ حاطِبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ انْتَحرُوا ناقةً للمُزَنِىِّ، فأمرَ عمرُ بِقَطْعِهم، ثم قال لحاطِبٍ: إنِّي أراكَ تُجِيعُهم (١٥). فدرأَ عنهم القَطْعَ لمَّا [ظَنَّ أنَّه] (١٦) يُجِيعُهم. فأمَّا الواجدُ لِمَا يأكلُه، أو الواجِدُ لِمَا يشْتَرِى به وما يشْتَرِيه، فعليه القَطْعُ، وإن كان بالثَّمَنِ (١٧) الغالِى. ذكرَه القاضي، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ولا قَطْعَ على المرأةِ إذا مَنَعها الزَّوْجُ قدرَ كفايتِها، أو كفايَةِ ولدِها، فأخذتْ من مالهِ، سواءٌ أخذَتْ قدرَ ذلك أو أكثرَ منه؛ لأنَّها تسْتَحِقُّ قدرَ ذلك، فالزَّائِدُ يكونُ مُشترَكًا بما يُسْتَحَقُّ أخْذُه، ولا على الضَّيْفِ إذا مُنِعَ قِرَاهُ، فأخَذَ أيضًا من مالِ المُضِيفِ؛ لذلك.
١٥٩٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أوْ اعْتِرافٍ مَرَّتَيْنِ)
وجملَةُ ذلك أنَّ القَطْعَ إنَّما يجبُ بأحَدِ أمْرَين؛ بَيِّنَةٍ، أو إقرارٍ، لا غيرُ، فأمَّا البَيِّنَةُ، فَيُشْتَرَطُ فيها أنْ يكونا رجلَيْن مُسْلِمَيْن حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، سواءٌ كان السَّارِقُ مسلمًا أو ذِمِّيًّا، وقد ذكرنا ذلك في الشَّهَادَةِ في الزِّنَى بما أغْنَى عن إعادَتِه ههُنا (١)، ويُشْتَرَطُ أن يَصِفَا السَّرِقَةَ والحِرْزَ، وجِنْسَ النِّصَابِ، وقدرَه، ليزُولَ الاختلافُ فيه، فيقولانِ: نَشْهدُ أنَّ هذا سرقَ كذا، قِيمَتُه كذا، من حِرْزٍ. ويَصِفان الحِرْزَ. وإن كان المسروقُ منه غائِبًا، فَحَضَرَ وكيلُه، وطالَبَ بالسَّرِقَةِ، احتاجَ الشاهدانِ أن يَرْفَعَا في نَسَبِهِ، فيقولان: من حِرْزِ فُلانِ بنِ فلانِ بنِ فلانٍ، بحيثُ يتميَّزُ من غيرِه، فإذا اجتمعَتْ هذه الشروطُ، وجبَ القَطْعُ
стр. 6601
في قولِ عامَّتِهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يجبُ، إذا شَهِدَ بالسَّرِقَةِ شاهدانِ حُرَّانِ مسلمانِ، ووصَفَا ما يُوجِبُ القَطْعَ. وإذا وَجَبَ القَطْعُ بشهادتِهما، لم يسقط بغَيْبَتِهما، ولا مَوْتِهما، على ما مَضَى في الشَّهَادَةِ بالزِّنَى. وإذا شَهِدَا بِسَرِقَةِ مالِ غائبٍ، فإن كان له وكيلٌ حاضِرٌ، فطالَبَ به، قُطِعَ السَّارِقُ، وإلَّا فلا.
فصل: وإذا اخْتلَفَ الشاهدان في الوَقْتِ، أو المكانِ، أو المَسْروقِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سَرَقَ يومَ الخميسِ، والآخَرُ أنه سَرَقَ يومَ الجمعةِ، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه سَرَقَ من هذا البيتِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه سَرَقَ من هذا البيتِ، أو قال أحدُهما: سرقَ ثورًا. وقال الآخَرُ. سَرَقَ بقرةً. أو قالَ: سَرَقَ ثورًا. وقال الآخرُ: سَرَقَ حمارًا. لم يُقْطَعْ. في قولِهِم جميعًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن قال أحدُهما: سَرَقَ ثوبًا أبْيَضَ. وقال الآخرُ: أسودَ. أو قال أحدهما: سَرَقَ هَرَوِيًّا. فقال الآخرُ: مَرْوِيًّا. لم يُقْطَعْ أيضًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذرِ؛ لأنَّهما لم يتَّفِقَا على الشَّهَادَةِ بشيءٍ واحِدٍ، فأشْبَهَ ما لو اختلفَا في الذُّكُوريَّةِ والأنُوثيَّةِ وقال أبو الخَطَّاب: يُقْطَعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الاختلافَ لم يرجِعْ إلى نفسِ الشهادَةِ، ويحتَمِلُ أن أحدَهما غلَبَ على ظَنِّه أنَّه هَرَوِىٌّ، والآخرَ أنَّه مَرَوِىٌّ، أو كان الثوبُ فيه سوادٌ وبياضٌ. قال ابنُ المنذرِ: اللونُ أقربُ إلى الظُّهورِ من الذُّكُوريَّةِ والأُنوثيَّة، فإذا كان اختلافُهما فيما يَخْفَى (٢) يُبْطِلُ شهادتَهما، ففيما يظهرُ أوْلَى. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحدَهما ظَنَّ المسروقَ ذَكرًا، وظنَّه الآخَرُ أُنْثَى، وقد أوْجبَ هذا ردَّ شهادتِهما، فكذلك ههُنا. الثاني، الاعترافُ، ويُشْتَرَطُ فيه أنْ يَعْتَرِفَ مَرَّتَيْن، رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه (٣). وبه قالَ ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، وزُفَرُ، وابنُ شُبْرُمَةَ. وقال عطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُقْطَعُ باعترافِ مَرَّةٍ؛ لأنَّه حَقٌّ
стр. 6602
يَثْبتُ بالإِقْرارِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه التَّكْرَارُ، كحَقِّ الآدَمِىِّ. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (٤)، بإسْنادِه عن أبي أُمَيَّةَ المَخْزُومِىِّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بلِصٍّ قد اعْتَرفَ، فقال له: "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ". قال: بَلَى. فأعادَ عليه مَرَّتَيْن أو ثلاثًا، فَأَمَرَ به، فقُطِعَ. ولو وجبَ القَطْعُ بأوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أخَّرَه. ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيْمٍ، وسُفْيانَ، وأبى الأحْوَصِ، وأبى مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، قال: شَهِدتُ عليًّا، وأتاه رجلٌ، فأقرَّ بالسَّرِقَةِ، فردَّه. وفى لفظٍ: فانتهرَه. وفى لفظٍ: فسكتَ عنه. وقال غيرُ هؤلاء: فطردَه. ثم عادَ بعدَ ذلك، فأقرَّ، فقال له علىٌّ: شَهِدْتَ على نفسِكَ مَرَّتين. فأمرَ به، فقُطِع، وفى لفظٍ: قد أقررْتَ على نفسِك مَرَّتين (٥). ومثلُ هذا يُشْتَهَرُ، فلم يُنْكَرْ. ولأنَّه يتضمَّنُ إتْلافًا في حَدٍّ، فكانَ من شَرْطِه التَّكْرَارُ، كحَدِّ الزِّنَى. ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَىِ القَطْعِ، فَيُعْتَبَرُ فيه التَكْرَارُ، كالشَّهَادَةِ. وقياسُهم يَنْتَقِضُ بحَدِّ الزِّنَى عندَ مَن اعتَبَرَ التَّكْرَارَ، ويُفارقُ حَقَّ الآدَمِىِّ؛ لأنَّ حَقَّه مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ، والتَّضْييقِ، ولا يُقْبَلُ رجوعُه عنه، بخلافِ مَسْألتِنا.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَذْكُرَ في إقْرارِه شروطَ السَّرِقَةِ، من النِّصَابِ والحِرْزِ، وإخراجِه منه.
فصل: والحُرُّ والعبدُ في هذا سَواءٌ. نصَّ عليه أحمدُ؛ وذلك لعُمومِ النَّصِّ فيهما، ولِمَا رَوَى الأعمشُ، عن القاسِمِ، عن أبيه: أنَّ عليًّا قَطَعَ عبدًا أقرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ (٥). وفى روايةٍ. قال: كان عبدًا. يعني الذي قَطَعَه علىٌّ. ويُعْتَبَرُ أنْ يُقِرَّ مَرَّتينِ. ورَوَى مُهَنَّا، عن أحمدَ: إذا أقرَّ العبدُ أربعَ مَرَّاتٍ أنَّه سَرَقَ، قُطِعَ. وظاهِرُ هذا أنَّه اعْتَبَرَ إقرارَه أربعَ مَرَّاتٍ، ليكونَ على النِّصْفِ من الحُرِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لخبرِ علىٍّ، ولأنَّه إقرارٌ بحَدٍّ،
стр. 6603
فاستَوَى في عدَدِه الحُرُّ والعبدُ، كسائرِ الحُدودِ.
١٥٩١ - مسألة؛ قال: (ولا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ)
هذا قَوْلُ اكْثرِ الفُقَهاءِ. وقال ابنُ أبي ليلى، وداودُ: لا يُقْبَلُ رُجوعُه؛ لأنَّه لو أقرَّ لآدَمِىٍّ بِقِصَاصٍ أو حَقٍّ، لم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ للسَّارِقِ: "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ" (١). عَرضَ له لِيَرْجِعَ، ولأنَّه حَدٌّ للَّه تعالى، ثبتَ بالاعْترافِ، فقُبِلَ رجوعُه عنه، كحَدِّ الزِّنَى، ولأنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ورُجوعُه عنه شُبْهَةٌ، لاحْتمالِ أن يكونَ كَذَبَ على نفسِه في اعْترافِه، ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَى القَطْعِ، فيَبْطُلُ بالرُّجُوعِ عنه، كالشَّهَادَةِ، ولأنَّ حُجَّةَ القَطْعِ زالَتْ قبلَ اسْتيفائِه، فسقَطَ كما لو رجعَ الشُّهودُ. وفارَقَ حَقَّ الآدَمِىِّ، فإنَّه مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولو رَجَعَ الشُّهُودُ عن الشَّهَادَةِ بعدَ الحُكْمِ، لم يَبْطُلْ برُجوعِهم، ولم يَمْنَعِ اسْتِيفَاءَها. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إذا رَجَعَ قبلَ القَطْعِ، سَقَطَ [القَطْعُ، ولم] (٢) يسقُطْ غُرْمُ المسْروقِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولو أقَّر مَرَّةً واحِدَةً، لَزِمَه غَرامَةُ المسروقِ دُونَ القَطْعِ. وإن كان رُجوعُه وقد قُطِعَ بعضُ المَ فْصِلِ ، لم يُتمِمْه إن كان يُرْجَى بُرْؤُه؛ لكَوْنِه قَطَعَ قليلًا، وإن قَطَعَ الأَكْثَرَ، فالمقطوعُ بالخِيارِ، إن شاءَ تركَه، وإن شاءَ قَطَعَه؛ ليسْتريحَ من تَعْليقِ كَفِّه، ولا يَلْزَمُ القاطِعَ قَطْعُه؛ لأنَّ قَطْعَه تَداوٍ، وليس بحَدٍّ.
فصل: قال أحمد: لا بأسَ بِتَلْقِينِ السَّارِقِ ليَرْجِعَ عن إقْرارِه. وهذا قولُ عامَّةِ الفقهاءِ. رُوِى عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ برجلٍ، فسألَه: أَسَرَقْتَ؟ قُلْ: لا. فقال: لا. فترَكَه (٣). ورُوِىَ معنى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وأبى هُرَيْرةَ، وابنِ مسعودٍ، وأبى
стр. 6604
الدَّرْداءِ (٤). وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقد رَوَيْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال للسَّارق: "مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ". وقال لماعِزٍ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو لَمَسْتَ" (٥). وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أن رجلًا أقرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ، فانْتهرَه. ورُوِىَ أنَّه طَردَه. ورُوِىَ أنَّه رَدَّه (٦). ولا بَأْسَ بالشَّفاعةِ في السَّارِقِ ما لم يبلُغِ الإِمامَ، فإنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "تَعافَوُا الْحُدُودَ (٧) فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلغَنِى مِنْ حَدٍّ وَجَبَ" (٨). وقال الزُّبَيْرُ بنُ العوَّامِ في الشَّفَاعَةِ في الْحَدِّ: يفعلُ ذلك دُونَ السُّلطانِ، فإذا بلغَ الإِمامَ، فلا أعْفاهُ اللَّه إن أعْفاهُ (٩). ومِمَّن رأى ذلك الزُّبَيْرُ، وعَمَّارٌ، وابنُ عَبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ. وقال مالِكٌ: إن لم يُعْرَفْ بِشَرٍّ، فلا بأْسَ أن يشْفَعَ له، ما لم يَبْلُغِ الإِمامَ، وأمَّا من عُرِفَ بِشَرٍّ وفسادٍ، فلا أُحِبُّ أن يشْفَعَ له أحَدٌ، ولكنْ يُتْرَكُ حتى يُقامَ الحَدُّ عليه. وأجمعُوا على أنَّه إذا بَلَغَ الإِمامَ لم تَجُزِ الشَّفَاعَةُ فيه؛ لأنَّ ذلك إسْقاطُ حَقٍّ وجَبَ للَّه تعالى، وقد غَضِبَ النَّبِىُّ ﷺ حينَ شَفَعَ أُسامةُ في المَخْزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ، وقال: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعالَى! " (١٠). وقال ابنُ عمرَ: مَن حالَتْ شفاعتُه دونَ حَدٍّ من حُدودِ اللهِ، فقد ضادَّ اللهَ في حُكْمِه (١١).
стр. 6605
١٥٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ في سَرِقَةٍ قيمَتُها ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعُوا)
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ: لا قَطْعَ عليهم إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهم نِصَابًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ لم يسْرِقْ نِصابًا، فلم يجِبْ عليه قَطْعٌ، كما لو انْفَردَ بدونِ النِّصابِ. وهذا القولُ أَحَبُّ إِلَىَّ؛ لأنَّ القَطْعَ ههُنا لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المَنْصوصِ والمُجْمَعِ عليه، فلا يجبُ، والاحْتياطُ بإسْقاطِه أوْلَى من الاحْتياطِ بإيجابِه؛ لأنَّه مما يُدْرأُ بالشُّبُهَاتِ. واحتجَّ أصحابُنا بأنَّ النِّصَابَ أَحَدُ شَرْطَى القَطْعِ، فإذا اشْتَركَ الجماعَةُ فيه كانوا (١) كالواحِدِ، قياسًا على هَتْكِ الحِرْزِ، ولأنَّ سَرِقَةَ النِّصَابِ فِعْلٌ يُوجِبُ القَطْعَ، فاسْتَوى فيه الواحِدُ والجماعَةُ، كالقِصاصِ، ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ كَوْنِ المسْروقِ ثِقيلًا يشْترِكُ الجماعَةُ في حَمْلِه، وبينَ أن يُخْرِجَ كُلُّ واحِدٍ منه جُزْءًا، ونَصَّ أحمدُ على هذا. وقال مالِكٌ: إن انْفَرَدَ كُلُّ واحدٍ بجُزْءٍ منه، لم يُقْطَعْ واحِدٌ منهم، كما لو انْفَرَدَ كُلُّ واحِدٍ من قاطِعِى الْيَدِ بقَطْعِ جُزْءٍ منها، لم يجِبِ القِصَاصُ. ولَنا، أنَّهم اشْتَركوا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْراجِ النِّصابِ، فلَزِمَهم القَطْعُ، كما لو كان ثَقِيلًا فحمَلُوه، وفارقَ القِصاصَ، فإنَّه يَعْتَمِدُ المُماثَلةَ، ولا توجدُ المُماثلةُ إلَّا أن تُوجدَ أفعالُهم في جميعِ أجْزاءِ الْيَدِ، وفي مسْألتِنا القَصْدُ الزَّجْرُ من غيرِ اعْتبارِ مُماثَلةٍ، والحاجَةُ إلى الزَّجْرِ عن إخْراجِ المالِ (٢)، وسَواءٌ دخَلا الحِرْزَ معًا، أو دخلَ أحدُهما فأخْرَجَ بعضَ النِّصابِ، ثم دَخَلَ الآخَرُ فأخْرَجَ باقِيَه، لأنَّهما اشْتَركا في هَتْكِ الحِرْزِ وإخْراجِ النِّصَابِ، فلَزِمَهما القَطْعُ، كما لو حَمَلاهُ معًا.
فصل: فإن كان أحدُ الشَّرِيكَيْنِ ممَّن لا قَطْعَ عليه، كأبى المسْروقِ منه، قُطِعَ
стр. 6606
شَرِيكُه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، كما لو شاركَه في قَطْعِ يدِ ابنِه. [والثانى، لا يُقْطَعُ. وهو أصحُّ؛ لأنَّ سرقَتَهما جميعًا صارتْ عِلَّةً لقَطْعِهما، وسرقَةُ الأبِ لا تصلُحُ مُوجِبَةً للقَطْعِ، لأنَّه أخذَ مالَه أخْذُه، بخلافِ قَطْعِ يَدِ ابنِه] (٣)، فإنَّ الفعلَ تَمحَّضَ عُدْوانًا، وإنَّما سَقَطَ القِصَاصُ لفضيلةِ الأبِ، لا لمعنًى في فِعْلِه، وههُنا فِعْلُه قد تمكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فوجَب أن لا يجبَ القَطْعُ به، كاشْتراكِ العامِدِ والخاطِئِ. وإن أخْرجَ كُلُّ واحدٍ منهما نِصابًا، وجبَ القَطْعُ على شَريكِ الأبِ؛ لأنَّه انْفَردَ بما يُوجِبُ القَطْعَ. وإن أخرجَ الأبُ نِصابًا، وشريكُه دُونَ النِّصابِ، ففيه الوَجْهان. وإن اعْتَرفَ اثنانِ بِسَرِقَةِ نِصابٍ، ثم رجعَ أحدُهما، فالقطعُ على الآخَرِ؛ لأنَّه اخْتصَّ بالإِسْقاطِ فيخْتصُّ بالسُّقوطِ. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ عن شريكِه؛ لأنَّ السَّبَبَ السَّرِقَةُ منهما، وقد اخْتلَّ أحدُ جُزْأَيْها. وكذلك لو أقرَّ بمشاركَةِ آخرَ في سَرِقَةِ نِصابٍ، ولم يُقِرَّ الآخَرُ ففى القَطْعِ وَجْهان.
فصل: قال أحمدُ، في رجلَيْن دخَلا دارًا، أحدُهما في سُفْلِها جَمَعَ المتاعَ وشدَّه بحَبْلٍ، والآخَرُ في عُلْوِها مَدَّ الحَبْلَ فرَمى به وَراءَ الدَّارِ، فالقَطْعُ عليهما؛ لأنَّهما اشْتركا في إخْراجِه. وإن دخلا جميعًا، فأخْرجَ أحَدُهما المتاعَ وحدَه، فقال أصحابُنا: القَطْعُ عليهما. وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه، إذا أخْرجَ نِصابَيْن. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: القَطْعُ على المُخْرِجِ وَحْدَه؛ لأنَّه هو السَّارِقُ. وإن أخْرجَ أحدُهما دونَ النِّصَابِ، والآخَرُ أكثرَ من نصابٍ فَتَمَّا نِصابَيْن، فعندَ أصْحابِنا وأبى حنيفةَ وصاحبَيْه، يجبُ القَطْعُ عليهما. وعند الشَّافِعِىِّ ومُوافِقيه، لا قَطْعَ على مَنْ لم يُخْرِجْ نِصابًا. وإنْ أخْرجَ أحدُهما نِصابًا، والآخَرُ دونَ النِّصابِ، فعندَ أصْحابِنا عليهما (٤) القَطْعُ. وعند الشَّافِعِىِّ، القَطْعُ على مُخْرِجِ النِّصَابِ وحدَه. وعند أبى حنيفةَ، لا قَطْعَ على واحدٍ منهما؛ لأنَّ المُخْرَجَ لم يبلُغْ نُصُبًا بعدَدِ السَّارِقين. وقد ذكرْنا وَجهَ ما قُلْنا فيما تقدَّمَ. وإن نَقَبَا حِرْزًا، ودخلَ أحدُهما فقرَّبَ المتاعَ من النَّقْبِ، وأدخلَ الخارِجُ
стр. 6607
يدَه فأخرجَه، فقال أصحابُنا: قياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ القَطْعَ عليهما. وقال الشَّافِعِىُّ: القَطْعُ على الخارجِ؛ لأنَّه مُخْرِجُ المَتاعِ. وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ على واحدٍ منهما. ولَنا، أنَّهما اشْتَركا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْراجِ المتاعِ، فَلَزِمهما (٥) القَطْعُ، كما لو حَمَلاه معًا فأخْرَجاه. وإن وَضَعَه في النَّقْبِ، فَمَدَّ الآخرُ يدَه فأخذَه، فالقَطْعُ عليهما. ونُقِلَ عن الشافعىِّ في هذه المسألة قولان، كالمذْهَبَيْنِ في الصُّورَةِ التي قبلَها.
فصل: وإن نَقَبَ أحدُهما وحدَه، ودخلَ الآخرُ وحدَه، فأخرجَ المتاعَ، فلا قَطْعَ على واحدٍ منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ لم يَسْرِقْ، والثانى لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، وإنَّما سَرَقَ من حِرْزٍ هَتَكَه غيرُه، فأشْبَهَ ما لو نَقَبَ رَجُلٌ وانْصَرفَ، وجاءَ آخرُ فصادَفَ الحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ منه. وإنْ نَقَبَ رَجُلٌ، وأمرَ غيرَه فأخرجَ الْمتاعَ، فلا قَطْعَ أيضًا على واحدٍ منهما. وإن كان المأمورُ صبِيًّا [إذا كان] (٦) مُمَيِّزًا؛ لأنَّ المُمَيِّزَ له اخْتيارٌ فلا يكونُ آلةً للآمِرِ، كما لو أمرَه بقَتْلِ إنسانٍ فقَتلَه، وإن كان غيرَ مُمَيِّزِ، وَجَبَ القَطْعُ على الآمِرِ، لأنَّه آلتُه. وإن اشْتَرَكَ رَجُلانِ في النَّقْبِ، ودَخَلَ أحدُهما فأخْرَجَ المتاعَ وحدَه، أو أخذَه وناولَه للآخَرِ خارجًا من الحِرْزِ، أو رَمَى به إلى خارِجِ الحِرْزِ، فأخذَه الآخَرُ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه؛ لأنَّه مُخْرِجُ المتاعِ وحدَه مع المُشاركَةِ في النَّقْبِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليهما؛ لأنَّ الدَّاخِلَ لم ينْفَصِلْ عن الحِرْزِ ويدُه على السَّرِقَةِ، فلم يَلْزَمْه القَطْعُ، كما لو أتْلفَه داخلَ الحِرْزِ. ولَنا، أنَّ المسْروقَ خرجَ من الحِرْزِ ويَدُه عليه، فَوَجَبَ عليه القَطْعُ، كما لو خرجَ به، ويخالِفُ إذا أتْلَفَه؛ فإنَّه لم يُخْرِجْه من الحِرْزِ.
١٥٩٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ وإنِ اعْتَرَفَ أو قَامَتْ بَيِّنَةٌ، حَتَّى يَأْتِىَ مَالِكُ الْمَسْرُوقِ يَدَّعِيهِ)
стр. 6608
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وقال أبو بكرٍ: يُقْطَعُ، ولا يَفْتَقِرُ إلى دَعْوَى ولا مُطالبةٍ. وهذا قولُ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولأنَّ مُوجِبَ القَطْعِ ثَبتَ، فوجبَ من غيرِ مُطالبَةٍ، كحَدِّ الزِّنَى. ولَنا، أنَّ المالَ يُبَاحُ بالبَذْلِ والإِباحةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ مالكَه أباحَه إيَّاه (١)، أو وَقَفَهُ على المسلمين، أو على طائفةِ السَّارِقِ منهم، أو أَذِنَ له في دُخولِ حِرْزِه، فاعتُبِرَتِ المُطالبَةُ لِتَزُولَ هذه الشُّبْهةُ، وعلى هذا يخْرُجُ الزِّنَى، فإنَّه لا يُباحُ بالإِباحَةِ، ولأنَّ القطعَ أوْسَعُ في الإِسْقاطِ، أَلَا تَرَى أنَّه إذا سَرَقَ مالَ أبيه (٢) لم يُقْطَعْ، ولو زَنَى بجارِيَتِه حُدَّ؟ ولأنَّ القطعَ شُرِعَ لِصيانَةِ مالِ الآدَمِىِّ، فله به تَعَلُّقٌ، فلم يُسْتَوْفَ من غيرِ حُضورِ مُطالِبٍ به، والزِّنَى حَقٌّ للَّه تعالى مَحْضٌ، فلم يفْتَقِرْ إلى طَلَبٍ به. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ وكيلَ المالِكِ يقومُ مَقامَه في الطَّلَبِ. وقالَ القاضي: إذا أقرَّ بسَرِقَةِ مالِ غائِبٍ، حُبِسَ حتى يحْضُرَ الغائبُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أباحَه، ولو أقرَّ بحقٍّ مُطْلَقٍ لغائِبٍ لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا حَقَّ عليه لغيرِ الغائبِ، ولم يأْمُرْ بحَبْسِه، فلم يُحْبَسْ، وفي مسألتِنا تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّه تعالى، وحَقُّ الآدَمِىِّ، فَحُبِسَ؛ لِمَا عليه من حَقِّ اللهِ تعالى، فإن كانَت العين في يدِه، أَخذَها الحاكمُ، وحَفِظَها للغائب، وإن لم يكُنْ في يدِه شيءٌ، فإذا جاءَ الغائِبُ كان الخَصْمَ فيها.
فصل: ولو أقرَّ بسرقةٍ من رجلٍ، فقال المالِكُ: لم تَسْرِقْ مِنِّى، ولكنْ غَصَبْتَنِى. أو: كان لي قِبَلَكَ وَدِيعَةٌ فَجَحَدْتَنِى. لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ إقْرارَه لم يُوافِقْ دَعْوَى المُدَّعِى. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإنْ أقرَّ أنَّه سرَقَ نِصابًا من رجلَيْن، فصدَّقَه أحدُهما دُونَ الآخَرِ، أو قالَ الآخَرُ: بل غَصَبْتَنِيهِ أو جَحَدْتَنِيه. لم يُقْطَعْ. وبه قال أصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا قال الآخَرُ: غَصَبْتَنِيه أو جَحَدْتَنِيه. قُطِعَ. ولَنا، أنَّه لم يُوافِقْ (٣) على سَرِقةِ نصابٍ، فلم يُقْطَعْ، كالتى قبلَها، وإن وافَقاه جميعًا، قُطِعَ.
стр. 6609
وإن حَضَرَ أحدُهما، فطالَبَ، ولم يحضُرِ الآخَرُ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ ما حَصَلَتْ المُطالبَةُ به لا يُوجِبُ القَطْعَ بمُفْردِه. وإن أقرَّ أنَّه سَرَقَ من رجلٍ شيئًا، فقال الرجلُ: قد فَقَدْتُه من مالِى. فَيَنْبَغِى أن يُقْطَعَ؛ لِمَا رُوِى عن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَعْلَبَةَ الأنْصارِىِّ، عن أبيه، أن عمرَو بنَ سَمُرَةَ بنِ حَبِيبٍ بنِ عَبْدِ شمسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي سَرَقْتُ جملًا لِبَنِى فُلانٍ، فَطَهِّرْنِى. فأرسلَ النَّبِىُّ ﷺ إليهم، فقالوا: إنَّا افْتَقَدْنا جَملًا لنا. فأمرَ به النَّبِيُّ ﷺ ، فقُطِعَتْ يدُه. قال ثَعْلَبَةُ: أنا أنظُرُ إليه حينَ وقَعَتْ يدُه، وهو يقول: الحمدُ للهِ الذي طَهَّرَنِى منكِ، أردتِ أن تُدْخِلِى جَسَدِىَ النَّارَ. أخْرجه ابنُ ماجَه (٤).
فصل: ومن ثَبَتَتْ سرقتُه بِبَيِّنَةٍ عادلَةٍ، فأنْكَرَ، لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه. وإن قال: أحْلِفُوه لي أنِّى سَرَقْتُ منه. لم يُحْلَفْ؛ لأنَّ السَّرِقَةَ قد ثَبَتَتْ بالبَيِّنَةِ، وفى إحْلافِه عليها قَدْحٌ في الشَّهَادَةِ. وإن قال: الذي أخَذْتُه مِلْكٌ لِى، كان لي عندَه وَدِيعَةً، أو رَهْنًا، أو ابْتَعْتُه منه، أو وَهَبَهُ لي، أو أَذِنَ لي في أخْذِه، أو غَصَبَه مِنِّى، أو مِن أبى، أو بَعْضُه لي. فالقولُ قولُ المسْروقِ منه مع يَمِينِه؛ لأنَّ اليدَ ثَبَتَتْ له، فإن حَلَفَ سَقطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، ولا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قال، ولهذا أحْلَفْنا المسْروقَ منه، وإن نَكَلَ، قضَيْنا عليه بنُكُولِه. وهذه إحْدى الرِّواياتِ (٥)، وهو مَنْصوصُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّ سُقُوطَ القَطْعِ بدَعْواه يُؤَدِّى إلى أن لا يجبَ قَطْعُ سَارِقٍ، فتَفُوتَ مَصْلحَةُ الزَّجْرِ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّه إن كان معروفًا بالسَّرِقَةِ قُطِعَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه، وإلَّا سَقَطَ عنه القَطْعُ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وإفْضاؤُه إلى سُقوطِ القَطْعِ لا يمْتَنِعُ اعْتِبارُه، كما أنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ في شهادةِ الزِّنَى شُروطًا لا يَقعُ معها إقامَةُ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ أبدًا، على أنَّه لا يُفْضِى إليه لازمًا، فإنَّ الغالِبَ من السُّرَّاقِ أنَّهم لا يعلمون هذا، ولا يَهْتَدُون إليه، وإنَّما يخْتَصُّ بعِلْمِ هذا الفقهاءُ الذين لا يَسْرِقُون غالبًا. وإن لم يحْلفِ المَسْرُوقُ منه، قُضِىَ عليه، وسَقَطَ الحَدُّ، وَجْهًا واحدًا.
стр. 6610
كتاب قُطَّاع الطَّرِيق
الأصلُ في حكمهِم قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). وهذه الآيةُ في قولِ ابن عَبَّاسٍ وكثيرٍ من العلماءِ، نزلَتْ في قُطَّاعِ الطَّرِيقِ من المسلمين. وبه يقولُ مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: نزلَتْ هذه الآيةُ في المُرْتَدِّين (٢). وحُكِىَ ذلك عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعبدِ الكريم (٣)؛ لأنَّ سببَ نُزولِهَا قصةُ العُرَنِيِّين، وكانوا ارْتدُّوا عن الإِسلام، وقَتَلُوا الرُّعَاةَ، فاسْتاقُوا إبلَ الصَّدَقَة، فبعثَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْ جاءَ بهم، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعْيُنَهم، وألْقَاهم في الْحَرَّةِ حتى ماتُوا. قال أنَسٌ: فأنْزلَ اللَّه تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ الآية. أخْرَجَه أبو داود، والنَّسَائِىُّ (٤). ولأنَّ مُحارَبَةَ اللهِ ورسولِه إنَّما تكونُ من الكُفَّارِ لا مِن
стр. 6611
المسلمِينَ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥). والكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبتُهم بعدَ القُدْرَةِ، كما تقبلُ قبلَها، ويسْقُطُ عنهم القتلُ والقَطْعُ في كلِّ حالٍ، والمُحاربَةُ قد تكونُ من المسلمين؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٦).
١٥٩٤ - مسألة؛ قال: (والْمُحارِبُونَ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلْقَوْمِ بالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَيَغْصِبُونَهُم الْمالَ مُجَاهَرَةً)
وجملتُه أنَّ المحاربين الذين تثْبُتُ لهم أحْكامُ المُحارَبَةِ التي نذْكرُها بعدُ، تُعْتَبرُ لهم شروطٌ ثلاثةٌ؛ أحدُها، أن يكونَ ذلك في الصَّحْراءِ، فإن كان ذلك منهم في القُرَى والأمْصارِ، فقد توقَّفَ أحمدُ، ﵀، فيهم، وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّهم غيرُ مُحارِبِينَ. ويه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُّ؛ لأنَّ الواجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطريقِ، وقَطْعُ الطريقِ إنما هو في الصَّحْراءِ، ولأنَّ من في المِصْرِ يَلْحَقُ به الغَوْثُ غالبًا، فتذهبُ شَوْكَةُ المُعْتَدِينَ، ويكونون مُخْتلِسِينَ، والمُخْتلِسُ ليس بقاطِعٍ، ولا حَدَّ عليه. وقال كثيرٌ من أصْحابنا: هو قاطِعٌ حيثُ كان. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والليثُ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْر؛ لتَناوُلِ الآيةِ بعُمومِها كُلَّ مُحارِبٍ، ولأنَّ ذلك إذا وُجِدَ في المِصْرِ كان أعظمَ خَوْفًا، وأكْثَر ضَررًا، فكان بذلك أوْلَى. وذكر القاضي أنَّ هذا إن كانَ في المِصْرِ، مثلَ أنْ كَبَسُوا دارًا، فكان أهلُ الدارِ بحيثُ لو صاحُوا أدْرَكَهم الغَوْثُ، فليسَ هؤلاءِ بقُطَّاعِ (١) طَرِيقٍ؛ لأنَّهم في مَوْضعِ يَلْحَقُهمُ الغَوْثُ عادَةً، وإن حَصَرُوا قريةً أو بلدًا ففتحُوه، وغَلَبُوا على أهلِه، أو مَحَلَّةً مُفْرَدَةً (٢)، بحيثُ
стр. 6612
لا يَلْحَقهم (٣) الغوثُ عادةً، فهم مُحارِبون؛ لأنَّهم لا يَلْحَقُهم الغَوْثُ، فأشْبَهَ قُطَّاعَ الطريقِ في الصَّحْراءِ. الشَّرْط الثاني، أن يكونَ معهم سلاحٌ، فإن لم يكُنْ معهم سلاحٌ، فهم غيرُ مُحارِبين؛ لأنَّهم لا يَمْنَعونَ من يَقْصِدُهم. ولا نعلمُ في هذا خلافًا. فإن عَرَضُوا بالعِصِىِّ والحِجَارَةِ، فهم مُحارِبُون. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: ليسوا مُحارِبِينَ؛ لأنَّه لا سِلاحَ معهم. ولَنا، أنَّ ذلك من جُمْلةِ السِّلاحِ الذي يأتى على النَّفسِ والطَّرَفَ، فأشْبَهَ الحديدَ. الشرط الثالث، أن يأْتُوا مُجاهرَةً، ويأخذُوا المالَ قَهْرًا، فأمَّا إن أخذُوه مُخْتَفِينَ، فهم سُرَّاقٌ، وإن اخْتَطفُوه وهربُوا فهم مُنْتَهِبُونَ، لا قَطْعَ عليهم. وكذلك إن خرجَ الواحِدُ والاثنانِ على آخِرِ قَافلةٍ، فاستلَبُوا منها شيئًا، فليسُوا بمُحارِبِينَ (٤)؛ لأنهم لا يرجِعُون إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ. وإن خرجُوا على عددٍ يَسِيرٍ فقهرُوهُم، فهم قُطَّاعُ طريقٍ.
١٥٩٥ - مسألة؛ قال: (فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وإنْ عَفَا صَاحِبُ المَالِ، وصُلِبَ حتى يُشْتَهَرَ، ودُفِعَ إلَى أهْلِهِ، ومَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ (١)، ولَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ، ولَمْ يُصْلَبْ، وإنْ أخَذَ الْمَالَ ولمَ يقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ (٢) الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ حُسِمَتَا (٣) وخُلِّىَ)
رَوْينا نحوَ هذا عن ابنِ عباسٍ (٤). وبه قال قَتادةُ، وأبو مِجْلَزٍ (٥)، وحَمَّادٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وعن أحمدَ، أنَّه إذا قَتَلَ وأخذَ المالَ، قُتِلَ وقُطِعَ؛ لأنَّ كُلَّ واحدَةٍ
стр. 6613
من الجِنايَتَيْنِ تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِدًا، فإذا اجْتمَعا، وجَب حدُّهما معًا، كما لو زَنَى، وسرقَ. وذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّ الإِمامَ مُخَيَّرٌ فيهم بين القتل والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْىِ؛ لأنَّ "أو" تقْتضِى التَّخْيِيرَ، كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٦). وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّب، وعَطاءٍ، ومُجاهدٍ، والحسنِ، والضَّحَّاكِ، والنَّخَعِىِّ، وأبى الزِّنادِ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: ما كان في القرآن "أو" فصاحِبُه بالخِيارِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن قَتَلَ قُتِلَ، وإن أخَذَ المالَ قُطِعَ، وإن قَتَلَ وأَخَذَ المالَ، فالإِمامُ مُخَيَّرٌ بينَ قَتْلِه وصَلْبِه، وبين قَتْلِه وقَطْعِه، وبين أن يَجْمَعَ له ذلك كلَّه؛ لأنَّه قد وُجِدَ منه ما يُوجِبُ القتلَ والقَطْعَ، فكان للإِمامِ فِعْلُهما، كما لو قَتَلَ وقَطَعَ في غيرِ قَطْعِ طريقٍ. وقال مالِكٌ: إذا قَطَعَ الطَّرِيق، فرآه الإِمامُ جَلْدًا ذا رَأْىٍ، قتلَه، وإن كان جَلْدًا لا رَأْىَ له، قَطَعَه، ولم يعْتَبِرْ فِعْلَه. ولَنا، على أنَّه لا يُقْتَلُ إذا لم يَقْتُلْ، قولُ (٧) النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بعدَ إحْصَانٍ، أوْ قتلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" (٨). فأمَّا "أو" فقد قال ابنُ عباسٍ مثلَ قَوْلِنا، فإمَّا أن يكون تَوْقِيفًا، أو لغةً، وأيُّهما كان، فهو حُجَّةٌ، يدُلُّ عليه أنَّه بدأَ بالأغْلَظِ فالأغْلَظِ، وعُرْفُ القرآنِ فيما أُرِيدُ به التَّخْييرُ البدايةُ بالأخفِّ، ككفَّارَةِ اليمينِ، وما أُرِيدَ به التَّرْتيبُ بُدِئَ فيه بالأغْلَظِ فَالأغْلَظِ، ككفَّارَةِ الظِّهارِ والقَتْلِ، ويدلُّ عليه أيضًا، أنَّ العُقوباتِ تخْتلِفُ باخْتلافِ الإِجْرامِ، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِى والقَاذِفِ والسَّارِقِ، وقد سَوَّوْا بينهم ههُنا (٩) مع اخْتلاف جِناياتِهم، وهذا يَرُدُّ على مالكٍ، فإنَّه إنَّما اعتَبَرَ الجلَدَ والرَّأْىَ (١٠) دُونَ الجناياتِ، وهو مُخالِفٌ للأُصولِ التي ذكرْناها. وأمَّا قولُ أبى حنيفة، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ
стр. 6614
القتلَ لو وَجَبَ لِحَقِّ اللَّه تعالى، لم يُخَيَّرِ الإِمامُ فيه، كقَطْعِ السَّارِقِ، وكما لو انْفردَ بأخْذِ المالِ، ولأنَّ الحدودَ للهِ تعالى إذا كان فيها قتلٌ، سَقَطَ ما دونَه، كما لو سَرَقَ وَزَنَى وهو مُحْصَنٌ. وقد رُوِىَ عن ابن عباس، قال: وادَعَ رسول اللَّه ﷺ أبا بَرْزَةَ (١١) الأسْلَمِىَّ، فجاء ناسٌ يُريدونَ الإِسْلامَ، فَقَطَعَ عليهم أصحابُه، فنَزلَ جبريلُ ﵇ بالحدِّ فيهم، أنَّ من قَتَلَ وأَخَذَ المال قُتِلَ وصُلِبَ، ومَن قَتَلَ ولم يأخذِ المالَ، قُتِلَ، ومن أخذَ المالَ ولم يقتُلْ، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه من خلافٍ (١٢). وقيل: إنَّه روَاه أبو داود. وهذا كالمُسْنَدِ، وهو نَصٌّ، فإذا ثبتَ هذا، فإنَّ قاطِعَ الطريق لا يخْلُو من أحوالٍ خَمْسٍ؛ الأُولَى، إذا قَتَلَ وأخذَ المالَ، فإنَّه يُقْتَلُ ويُصْلَبُ، في ظاهِرِ المذهبِ، وقَتْلُه مُتَحَتِّمٌ لا يدْخلُه عَفْوٌ. أجمعَ على هذا كلُّ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نحفظُ عنه (١٣) من أهلِ العلمِ، رُويَ ذلك عن عمرَ. وبه قال سليمانُ بنُ موسى، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولأنَّه حَدٌّ من حُدودِ اللهِ تعالى، فلم يسقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحدودِ، وهل يُعْتَبَرُ التَّكافُؤُ بينَ القاتلِ والمقتولِ؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يُعْتَبرُ، بل يؤخذُ الحُرُّ بالعبدِ، والمسلمُ بالذِّمِّىِّ، والأبُ بالابنِ؛ لأنَّ هذا القتلَ حَدٌّ للهِ تعالى، فلا تُعْتَبَرُ فيه المُكافأَةُ، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ. والثانية، تُعْتَبرُ المكافأةُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يُقْتَلُ مُسْلمٌ بِكَافِرٍ" (١٤). والحَدُّ فيه انحِتَامُه؛ بدليلِ أنَّه لو تابَ قبلَ القُدْرةِ عليه، سقطَ الانْحِتامُ (١٥)، ولم يسْقُطِ القِصاصُ. فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا قَتَلَ المسلمُ ذِمِّيًّا، أو الحُرُّ عبدًا، وأخذَ (١٦) مالَه، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ، لأَخْذِه المالَ، وغَرِمَ دِيَةَ الذِّمِّىِّ وقيمةَ العبدِ، وإن قتلَه ولم يأْخُذْ مالًا غَرِمَ دِيَتَه ونُفِىَ.
стр. 6615
وذكر القاضي أنَّه إنَّما يَتَحَتَّمُ قَتْلُه إذا قتَلَه ليأخذَ المالَ، وإن قتلَه لغيرِ ذلك، مثلَ أن يقصِد قَتْلَه لعَداوةٍ بينَهما، فالواجبُ قِصاصٌ غيرُ مُتَحتِّمٍ، وإذا قَتَلَ صُلِبَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾. والكلام فيه في ثلاثةِ أمورٍ؛ أحدها، في وَقْتِه، ووَقْتُه بعدَ القتلِ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: يُصْلَبُ حَيًّا، ثم يُقْتَلُ مَصْلُوبًا، يُطْعَنُ بالْحَرْبَةِ؛ لأن الصَّلْبَ عُقوبةٌ، وإنَّما يُعَاقَبُ الْحَىُّ لا الميِّتُ، ولأنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ، فيُشْرَعُ في الحياةِ كسائرِ الأجْزِيَةِ، ولأنَّ الصَّلْبَ بعدَ قَتْلِه يَمْنَعُ [تكْفينَه و] (١٧) دَفْنَه، فلا يجوزُ. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى قَدَّمَ القتلَ على الصَّلْبِ لفظًا، والتَّرتيبُ بينهما ثابتٌ بغيرِ خلافٍ، فيجبُ تقديمُ الأوَّلِ في اللَّفْظِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٨) ولأنَّ (١٩) القتلَ إذا أُطْلِقَ في لسانِ الشَّرْعِ، كان قتلًا بالسَّيفِ. ولهذا قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ، فَإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القَتْلَ" (٢٠). وأحْسَنُ القتلِ هو القتلُ بالسَّيَفِ، وفى صَلْبِه حَيًّا تَعْذِيبٌ له، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن تَعْذيبِ الحيوانِ. وقولُهم: إنَّه جَزَاءٌ على (٢١) المُحاربةِ. قُلْنا: لو شُرِعَ لِرَدْعِه، لَسَقَطَ بقَتْلِه، كما يسقُطُ سائرُ الحدودِ مع القتلِ، وإنَّما شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لغيرِه، لِيَشْتَهِرَ أمرُه، وهذا يحصُلُ بِصَلْبِه بعدَ قَتْلِه. وقولُهم: يَمْنَعُ تكْفِينَه ودَفْنَه. قُلْنا: هذا لازِمٌ لهم؛ لأنَّهم يتْركُونه بعدَ قَتْلِه مَصْلُوبًا. الثاني، في قَدْرِه، ولا تَوْقِيتَ فيه، إلَّا قَدْرَ ما يَشْتَهِرُ أمرُه. قال أبو بكرٍ: لم يُوَقِّتْ أحمدُ في الصَّلْبِ، فأقولُ: يُصْلَبُ قدرَ ما يقعُ عليه الاسمُ. والصَّحِيحُ تَوْقِيتُه بما ذكرَ الْخِرَقِىُّ من الشُّهْرَةِ؛ لأنَّ المقصودَ يحْصُلُ به. وقال الشَّافِعِىُّ: يُصْلَبُ ثلاثًا. وهو مذهبُ
стр. 6616
أبي حنيفةَ. وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يجوزُ، مع أنَّه في الظاهِرِ يُفْضِى إلى تَغيُّرِه، ونَتَنِه، وأذَى المسلمين برائحتِه ونَظرِه، ويَمْنَعُ تَغْسِيلَه وتكْفينَه ودَفْنَه، فلا يجوزُ بغيرِ دليلٍ. الثالث، في وُجوبِه، وهذا واجبٌ حَتْمٌ في حَقِّ من قَتَلَ وأخذَ المالَ، لا يسْقُطُ بعَفْوٍ ولا غيرِه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن شاء الإِمامُ صَلَبَ، وإن شاءَ لم يَصْلِبْ. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، [أنَّ جبريلَ] (٢٢) نَزَلَ بأنَّ من قَتَلَ وأَخَذَ المالَ صُلِبَ. ولأنَّه شُرِعَ حَدًّا، فلم يُتَخَيَّرْ بين فِعْلِه وَتَرْكِه، كالقْتلِ وسائرِ الحدودِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إذا اشْتُهِرَ أُنْزِلَ، ودُفِعَ إلى أهلِه، فَيُغَسَّلُ، ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ.
فصل: وإن ماتَ قبلَ قَتْلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأنَّ الصَّلْبَ من تَمَام الحَدِّ، وقد فاتَ الحَدُّ بمَوْتِه، فيسْقُطُ ما هو من تَتِمَّتِه. وإن قَتَلَ في المُحارَبَةِ بِمُثَقَّلٍ قُتِلَ، كما لو قَتَلَ بمُحَدَّدٍ؛ لأنَّهما سَواءٌ في وجوبِ القِصَاصِ بهما. وإن قتلَ بآلةٍ لا يجبُ القِصَاصُ بالقتلِ بها، كالسَّوطِ والعصا والحَجرِ الصغيرِ، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّهم يُقْتَلُون أيضًا؛ لأنَّهم دَخلُوا في العُمومِ. الحال الثاني، قَتَلُوا ولم يأخُذُوا المال، فإنَّهم يُقْتَلُون ولا يُصْلَبُون. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُصْلَبونَ؛ لأَنَّهم مُحارِبُون يجبُ قَتْلُهم، فيُصْلَبُون، كالَّذينَ أخذُوا المالَ. والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ الخبرَ المَرْوِيَّ فيهم قال فيه: "وَمَنْ قَتَلَ ولم يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ". ولم يذْكُرْ صَلْبًا, ولأنَّ جِنَايتَهم بأخْذِ المالِ مع القتلِ تَزيدُ على الجنايةِ بالقتل وحدَه، فيجبُ أن تكونَ عُقوبتُهم أغْلَظَ، ولو شُرِعَ الصَّلْبُ ههُنا لَاسْتَويَا، والحُكمُ في تَحَتُّمِ القتلِ وكَوْنِه حَدًّا ههُنا، كالحُكْمِ فيه إذا قَتَلَ وأَخَذَ المالَ.
فصل: وإذا جَرَحَ المُحاربُ جُرْحًا في مثلِه القِصَاصُ (٢٣)، فهل يَتَحَتَّمُ فيه القِصاصُ؟ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، لا يتحتَّمُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشَرْعِ الحَدِّ في
стр. 6617
حَقِّه بالجِراحِ، فإنَّ اللَّه تعالى ذكرَ في حُدودِ المُحارِبينَ القتلَ والصَّلْبَ والقَطْعَ والنَّفْىَ، فلم يتعلَّقْ بالمُحاربةِ غيرُها فلا يَتَحَتَّمُ، بخلافِ القتلِ، فإنَّه حَدٌّ، فتَحتَّمَ، كسائرِ الحدودِ، فحينئذٍ لا يجبُ فيه أكثرُ من القِصاصِ. والثانية، يتحتَّمُ؛ لأنَّ [الجُرْحَ تابعٌ] (٢٤) للقتلِ، فيثْبتُ فيه (٢٥) مثلُ حكمِه، ولأنَّه نَوْعُ قَوَدٍ، أشْبَهَ القَوَدَ في النَّفْسِ. والأُولَى أَوْلَى. وإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصَاصَ فيه، كالجائفَةِ، فليس فيه إلَّا الدِّيَةُ. وإن جَرَحَ إنسانًا وقَتَلَ آخرَ، اقتُصَّ منه للجِرَاحِ، وقُتِلَ للمُحارَبةِ. وقال أبو حنيفةَ: تسْقُطُ الجراحُ؛ لأنَّ الحدودَ إذا اجتمعَتْ وفيها قَتْلٌ، سقطَ ما سِوَى القَتْلِ. ولَنا، أنَّها جنايةٌ يجبُ بها القِصاصُ في غيرِ المُحارَبةِ، فيجبُ بها في المُحارَبةِ، كالقتلِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ القِصَاصَ في الجِرَاحِ حَدٌّ، وإنَّما هو قِصَاصٌ مُتَمحِّضٌ، فأشْبَهَ ما لو كان الجُرْحُ في غيرِ المُحارَبَةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّه حَدٌّ، فإنَّه مَشْروعٌ مع القتلِ، فلم يسْقُطْ به، كالصَّلْبِ، كقَطْعِ اليدِ والرِّجْلِ عندهم (٢٦). الحال الثالث، أخَذَ المالَ ولم يقتُلْ، فإنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُمْنَى [ورِجْلُه اليُسْرَى، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (٢٧). وإنَّما قَطَعْنا يدَه اليُمْنَى] (٢٨) للمعنى الذي قَطَعْنا به يُمْنَى (٢٩) السارقِ، ثم قَطَعْنا رجلَه اليُسْرَى لِتتَحَقَّقَ المُخالفةُ، وليكونَ أرْفقَ به في إمْكانِ مَشْيِه. ولا يُنْتَظَرُ انْدِمالُ اليدِ في قَطْعِ الرِّجلِ، بل يُقْطَعان معًا، يُبْدَأُ بيمينِه فتُقْطَعُ وتحسمُ، ثم برِجْلِه؛ لأنَّ اللَّه تعالى بدأ بذكرِ الأَيْدِى. ولا خلافَ بين أهلِ العلمِ، في أنَّه لا يُقْطَعُ منه غيرُ يدٍ ورجلٍ، إذا كانتْ يَداهُ ورجْلَاه صحيحتَيْن، فأمَّا إن كانَ مَعْدومَ اليدِ والرِّجْل، إمَّا لكَوْنِه قد قُطِع في قَطْع طريقٍ أوَ سَرِقَةٍ أو قِصاصٍ، أو لمرضٍ (٣٠)، فمُقْتَضَى كلامِ الْخِرَقِىِّ سُقُوطُ القَطْعِ عنه،
стр. 6618
سَواءٌ كانت اليدَ اليُمْنَى والرِّجْلَ اليُسْرَى أو بالعكْسِ؛ لأنَّ قطعَ زيادةٍ على ذلك يَذْهبُ بمنْفَعةِ الجنسِ، إمَّا مَنْفَعةُ البَطْشِ أو المَشْىِ أو كِلَيْهما. وهذا مذهبُ أبي حَنيفةَ. وعلى الرِّوايةِ التي تَسْتَوْفِى أعْضاءَ السارقِ الأربعةَ، يُقْطَعُ ما بَقِىَ من أعضائهِ، فإن كانَتْ يدُه اليُمْنَى مَقْطوعةً، قُطِعَتْ رجلُه اليُسْرَى وَحْدَها، ولو كانت يَداهُ صَحِيحتَيْن، ورِجْلُه اليُسْرَى مَقْطوعةً، قُطِعَتْ يُمْنَى يدَيْه، ولم يُقْطَعْ غيرُ ذلك. وجهًا واحدًا. وهذا (٣١) مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ولا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه وُجِدَ في مَحَلِّ الحَدِّ ما يُسْتَوْفَى، فاكْتُفِىَ باسْتيفائِه، كما لو كانت اليدُ ناقصةً، بخلافِ التي قبلَها. وإن كان ما وَجَبَ قطعُه أشلَّ، فذكرَ أهلُ الطِّبِّ أنَّ قَطْعَه يُفْضِى إلى تَلَفِه، لم يُقْطَع، وكان حكمُه حُكْمَ المَعْدومِ. وإن قالوا: لا يُفْضِى إلى تَلَفِه. ففى قَطْعِه رِوَايتان. ذكرْناهما في قَطعِ السارقِ (٣٢). الحال الرابع، إذا أخافُوا السَّبِيلَ، ولم يَقْتُلوا، ولم يأْخذُوا مالًا. الحال الخامس، إذا تَابُوا قبلَ القُدْرةِ عليهم. ويأْتِى ذِكْرُ حُكمِهما، إن شاء اللهُ تعالى.
١٥٩٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ)
وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ (١). وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: للإِمام أن يَحْكُمَ عليه حُكْمَ المُحاربِ؛ لأنَّه مُحارِبٌ للهِ ولرسولهِ (٢)، ساعٍ في الأرضِ بالفسادِ، فيَدْخلُ في عُمومِ الآية، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ الحِرْزُ، فكذلك النِّصَابُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ" (٣). ولم يُفَصِّلْ، ولأنَّ هذه جنايةٌ تعَلَّقتْ بها عقوبةٌ في حَقِّ غيرِ المحاربِ، فلا تتغلَّظُ في المُحاربِ بأكثرَ من وَجْهٍ واحدٍ، كالقتلِ
стр. 6619
يُغَلَّظُ بالانْحِتامِ، كذلك ههُنا تَتَغَلَّظُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ معها، ولا تَتَغَلَّظُ بما دونَ النِّصَابِ. وأمَّا الحِرْزُ فهو مُعْتَبَرٌ، فإنَّهم لو أخَذُوا مالًا مُضَيَّعًا لا حافِظَ له، لم يجبِ القَطْعُ. وإن أخذُوا ما يبْلُغُ نِصابًا ولا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ واحدٍ منهم نصابًا، قُطِعُوا، على قياسِ قولِنا في السَّرِقَةِ. وقياسُ قولِ الشَّافِعِىُّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، أنَّه لا يجِبُ القَطْعُ حتى تَبْلُغَ حِصَّةُ كَلِّ واحدٍ منهم نِصابًا. ويُشْتَرَطُ أيضًا أن لا تكونَ لهم شُبْهَةٌ فيما يأْخُذونَه من المالِ، على ما ذكرْنا في المسْروقِ.
١٥٩٧ - مسألة؛ قال: (وَنَفْيُهُمْ أنْ يُشَرَّدُوا، فَلَا يُتْرَكُوا يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ)
وجملتُه أنَّ المُحارِبين إذا أخافُوا السَّبِيلَ، ولم يقتُلُوا، ولم يأخذُوا مالًا، فإنَّهم يُنْفَوْنَ من الأرضِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) ويُرْوَى عن ابن عباسٍ، أنَّ النَّفْىَ يكونُ في هذه الحالةِ، وهو قَوْلُ النَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، وعَطَاءٍ الخُراسَانِىِّ. والنَّفْىُ هو تَشْرِيدُهم عن الأمْصارِ والبُلْدانِ، فلا يُتْرَكُون يَأْوُونَ بلدًا. ويُرْوَى نحوُ هذا عن الحسنِ، والزُّهْرِىِّ. وعن ابن عباسٍ، أنَّه يُنْفَى من بلدِه إلى بلدٍ غيرِه، كنَفْى الزَّانِى. وبه قال طَائفةٌ من أهلِ العلمِ. قال أبو الزِّنَادِ: كان منفَى النَّاسِ إلى باضِعٍ (٢)، من أرضِ الحبشةِ، ودَهْلك (٣) أَقْصَى تِهامَةَ اليَمَنِ. وقال مالكٌ: يُحْبَسُ في البلدِ الذي يُنْفَى إليه، كقولِه في الزَّانِى. وقال أبو حنيفةَ: نَفْيُه حَبْسُه حتى يُحْدِثَ تَوْبةً. ونحوَ هذا قال الشَّافِعِىُّ، فإنه قال في هذه الحالِ: يُعَزِّرُهم الإِمامُ، وإن رأى أنْ يَحْبِسَهُم حبَسَهم. وقيل عنه: النَّفْىُ طلبُ الإِمام لهم لِيُقِيمَ فيهم حُدودَ اللَّه تعالى. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وقال ابن سُرَيْجٍ: يَحْبِسُهم في غيرِ بلدِهم. وهذا مثلُ قولِ مالِكٍ. قالوا (٤):
стр. 6620
وهذا أولى؛ لأنَّ تَشْرِيدَهم إخْراجٌ (٥) لهم إلى مكانٍ يَقْطَعُونَ فيه الطَّريقَ، ويُؤْذُونَ به النَّاسَ، فكانَ حَبْسُهم أَوْلَى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوايةً أُخْرَى، معناها أنَّ نَفْيَهم طلبُ الإِمامِ لهم، فإذا ظَفَرَ بهم عَزَّرَهم بما يَرْدَعُهم. ولَنا، ظاهرُ الآية، فإنَّ النَّفْىَ الطَّرْدُ والإِبْعادُ، والحبسُ إمساكٌ، وهما يتنَافيانِ. فأمَّا نَفْيهُم إلى غيرِ مكانٍ مُعَيَّنٍ، فلقولِه سبحانه: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. وهذا يتناوَلُ (٦) نَفْيَه من جَمِيعِها. وما ذكروه يَبْطُل بنَفْىِ الزَّانِى، فإنَّه يُنْفَى إلى مكانٍ يَحْتَمِلُ أن يوجدَ منه الزِّنِى فيه. ولم يذكرْ أصحابُنا قدرَ مُدَّةِ نَفْيهِم، فيَحْتَمِلُ أن تتقدَّرَ مُدَّتُه بما تَظْهَرُ فيه تَوْبَتُهُم، وتَحْسُنُ سِيرَتُهم. ويَحْتَمِلُ أن يُنْفَوْا عامًا، كنَفْىِ الزَّانِى.
١٥٩٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أن يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُم حُدُودُ (١) اللهِ تعَالَى، وأُخِذُوا بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ؛ مِنَ الأنْفُسِ، والجِرَاحِ، والأمْوَالِ، إلَّا أنْ يُعْفَى لَهُم عَنْهَا)
لا نعلمُ في هذا خلافًا [بينَ أهلِ العلمِ] (٢). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبُو ثَوْرٍ. والأصلُ في هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). فعلى هذا يسْقُطُ عنهم تَحَتُّمُ القَتْلِ والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْىِ، ويَبْقَى عليهم القِصَاصُ في النَّفْسِ والجِرَاحِ، وغَرامةُ المالِ والدِّيَةُ لما لا قِصَاصَ فيه. فأمَّا إن تابَ بعدَ القُدْرةِ عليه، لم يَسْقُطْ عنه شَىْءٌ من الحُدودِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فأوجبَ عليهم الحَدَّ، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قبلَ القُدْرةِ، فمَنْ عَدَاهم يَبْقَى على قضيةِ العُمومِ، ولأنَّه إذا تابَ قبلَ القُدْرةِ،