← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

أبي حنيفةَ. وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يجوزُ، مع أنَّه في الظاهِرِ يُفْضِى إلى تَغيُّرِه، ونَتَنِه، وأذَى المسلمين برائحتِه ونَظرِه، ويَمْنَعُ تَغْسِيلَه وتكْفينَه ودَفْنَه، فلا يجوزُ بغيرِ دليلٍ. الثالث، في وُجوبِه، وهذا واجبٌ حَتْمٌ في حَقِّ من قَتَلَ وأخذَ المالَ، لا يسْقُطُ بعَفْوٍ ولا غيرِه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن شاء الإِمامُ صَلَبَ، وإن شاءَ لم يَصْلِبْ. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، [أنَّ جبريلَ] (٢٢) نَزَلَ بأنَّ من قَتَلَ وأَخَذَ المالَ صُلِبَ. ولأنَّه شُرِعَ حَدًّا، فلم يُتَخَيَّرْ بين فِعْلِه وَتَرْكِه، كالقْتلِ وسائرِ الحدودِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إذا اشْتُهِرَ أُنْزِلَ، ودُفِعَ إلى أهلِه، فَيُغَسَّلُ، ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ. فصل: وإن ماتَ قبلَ قَتْلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأنَّ الصَّلْبَ من تَمَام الحَدِّ، وقد فاتَ الحَدُّ بمَوْتِه، فيسْقُطُ ما هو من تَتِمَّتِه. وإن قَتَلَ في المُحارَبَةِ بِمُثَقَّلٍ قُتِلَ، كما لو قَتَلَ بمُحَدَّدٍ؛ لأنَّهما سَواءٌ في وجوبِ القِصَاصِ بهما. وإن قتلَ بآلةٍ لا يجبُ القِصَاصُ بالقتلِ بها، كالسَّوطِ والعصا والحَجرِ الصغيرِ، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّهم يُقْتَلُون أيضًا؛ لأنَّهم دَخلُوا في العُمومِ. الحال الثاني، قَتَلُوا ولم يأخُذُوا المال، فإنَّهم يُقْتَلُون ولا يُصْلَبُون. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُصْلَبونَ؛ لأَنَّهم مُحارِبُون يجبُ قَتْلُهم، فيُصْلَبُون، كالَّذينَ أخذُوا المالَ. والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ الخبرَ المَرْوِيَّ فيهم قال فيه: "وَمَنْ قَتَلَ ولم يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ". ولم يذْكُرْ صَلْبًا, ولأنَّ جِنَايتَهم بأخْذِ المالِ مع القتلِ تَزيدُ على الجنايةِ بالقتل وحدَه، فيجبُ أن تكونَ عُقوبتُهم أغْلَظَ، ولو شُرِعَ الصَّلْبُ ههُنا لَاسْتَويَا، والحُكمُ في تَحَتُّمِ القتلِ وكَوْنِه حَدًّا ههُنا، كالحُكْمِ فيه إذا قَتَلَ وأَخَذَ المالَ. فصل: وإذا جَرَحَ المُحاربُ جُرْحًا في مثلِه القِصَاصُ (٢٣)، فهل يَتَحَتَّمُ فيه القِصاصُ؟ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، لا يتحتَّمُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشَرْعِ الحَدِّ في

стр. 6617

حَقِّه بالجِراحِ، فإنَّ اللَّه تعالى ذكرَ في حُدودِ المُحارِبينَ القتلَ والصَّلْبَ والقَطْعَ والنَّفْىَ، فلم يتعلَّقْ بالمُحاربةِ غيرُها فلا يَتَحَتَّمُ، بخلافِ القتلِ، فإنَّه حَدٌّ، فتَحتَّمَ، كسائرِ الحدودِ، فحينئذٍ لا يجبُ فيه أكثرُ من القِصاصِ. والثانية، يتحتَّمُ؛ لأنَّ [الجُرْحَ تابعٌ] (٢٤) للقتلِ، فيثْبتُ فيه (٢٥) مثلُ حكمِه، ولأنَّه نَوْعُ قَوَدٍ، أشْبَهَ القَوَدَ في النَّفْسِ. والأُولَى أَوْلَى. وإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصَاصَ فيه، كالجائفَةِ، فليس فيه إلَّا الدِّيَةُ. وإن جَرَحَ إنسانًا وقَتَلَ آخرَ، اقتُصَّ منه للجِرَاحِ، وقُتِلَ للمُحارَبةِ. وقال أبو حنيفةَ: تسْقُطُ الجراحُ؛ لأنَّ الحدودَ إذا اجتمعَتْ وفيها قَتْلٌ، سقطَ ما سِوَى القَتْلِ. ولَنا، أنَّها جنايةٌ يجبُ بها القِصاصُ في غيرِ المُحارَبةِ، فيجبُ بها في المُحارَبةِ، كالقتلِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ القِصَاصَ في الجِرَاحِ حَدٌّ، وإنَّما هو قِصَاصٌ مُتَمحِّضٌ، فأشْبَهَ ما لو كان الجُرْحُ في غيرِ المُحارَبَةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّه حَدٌّ، فإنَّه مَشْروعٌ مع القتلِ، فلم يسْقُطْ به، كالصَّلْبِ، كقَطْعِ اليدِ والرِّجْلِ عندهم (٢٦). الحال الثالث، أخَذَ المالَ ولم يقتُلْ، فإنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُمْنَى [ورِجْلُه اليُسْرَى، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (٢٧). وإنَّما قَطَعْنا يدَه اليُمْنَى] (٢٨) للمعنى الذي قَطَعْنا به يُمْنَى (٢٩) السارقِ، ثم قَطَعْنا رجلَه اليُسْرَى لِتتَحَقَّقَ المُخالفةُ، وليكونَ أرْفقَ به في إمْكانِ مَشْيِه. ولا يُنْتَظَرُ انْدِمالُ اليدِ في قَطْعِ الرِّجلِ، بل يُقْطَعان معًا، يُبْدَأُ بيمينِه فتُقْطَعُ وتحسمُ، ثم برِجْلِه؛ لأنَّ اللَّه تعالى بدأ بذكرِ الأَيْدِى. ولا خلافَ بين أهلِ العلمِ، في أنَّه لا يُقْطَعُ منه غيرُ يدٍ ورجلٍ، إذا كانتْ يَداهُ ورجْلَاه صحيحتَيْن، فأمَّا إن كانَ مَعْدومَ اليدِ والرِّجْل، إمَّا لكَوْنِه قد قُطِع في قَطْع طريقٍ أوَ سَرِقَةٍ أو قِصاصٍ، أو لمرضٍ (٣٠)، فمُقْتَضَى كلامِ الْخِرَقِىِّ سُقُوطُ القَطْعِ عنه،

стр. 6618

سَواءٌ كانت اليدَ اليُمْنَى والرِّجْلَ اليُسْرَى أو بالعكْسِ؛ لأنَّ قطعَ زيادةٍ على ذلك يَذْهبُ بمنْفَعةِ الجنسِ، إمَّا مَنْفَعةُ البَطْشِ أو المَشْىِ أو كِلَيْهما. وهذا مذهبُ أبي حَنيفةَ. وعلى الرِّوايةِ التي تَسْتَوْفِى أعْضاءَ السارقِ الأربعةَ، يُقْطَعُ ما بَقِىَ من أعضائهِ، فإن كانَتْ يدُه اليُمْنَى مَقْطوعةً، قُطِعَتْ رجلُه اليُسْرَى وَحْدَها، ولو كانت يَداهُ صَحِيحتَيْن، ورِجْلُه اليُسْرَى مَقْطوعةً، قُطِعَتْ يُمْنَى يدَيْه، ولم يُقْطَعْ غيرُ ذلك. وجهًا واحدًا. وهذا (٣١) مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ولا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه وُجِدَ في مَحَلِّ الحَدِّ ما يُسْتَوْفَى، فاكْتُفِىَ باسْتيفائِه، كما لو كانت اليدُ ناقصةً، بخلافِ التي قبلَها. وإن كان ما وَجَبَ قطعُه أشلَّ، فذكرَ أهلُ الطِّبِّ أنَّ قَطْعَه يُفْضِى إلى تَلَفِه، لم يُقْطَع، وكان حكمُه حُكْمَ المَعْدومِ. وإن قالوا: لا يُفْضِى إلى تَلَفِه. ففى قَطْعِه رِوَايتان. ذكرْناهما في قَطعِ السارقِ (٣٢). الحال الرابع، إذا أخافُوا السَّبِيلَ، ولم يَقْتُلوا، ولم يأْخذُوا مالًا. الحال الخامس، إذا تَابُوا قبلَ القُدْرةِ عليهم. ويأْتِى ذِكْرُ حُكمِهما، إن شاء اللهُ تعالى. ١٥٩٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ) وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ (١). وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: للإِمام أن يَحْكُمَ عليه حُكْمَ المُحاربِ؛ لأنَّه مُحارِبٌ للهِ ولرسولهِ (٢)، ساعٍ في الأرضِ بالفسادِ، فيَدْخلُ في عُمومِ الآية، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ الحِرْزُ، فكذلك النِّصَابُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ" (٣). ولم يُفَصِّلْ، ولأنَّ هذه جنايةٌ تعَلَّقتْ بها عقوبةٌ في حَقِّ غيرِ المحاربِ، فلا تتغلَّظُ في المُحاربِ بأكثرَ من وَجْهٍ واحدٍ، كالقتلِ

стр. 6619

يُغَلَّظُ بالانْحِتامِ، كذلك ههُنا تَتَغَلَّظُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ معها، ولا تَتَغَلَّظُ بما دونَ النِّصَابِ. وأمَّا الحِرْزُ فهو مُعْتَبَرٌ، فإنَّهم لو أخَذُوا مالًا مُضَيَّعًا لا حافِظَ له، لم يجبِ القَطْعُ. وإن أخذُوا ما يبْلُغُ نِصابًا ولا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ واحدٍ منهم نصابًا، قُطِعُوا، على قياسِ قولِنا في السَّرِقَةِ. وقياسُ قولِ الشَّافِعِىُّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، أنَّه لا يجِبُ القَطْعُ حتى تَبْلُغَ حِصَّةُ كَلِّ واحدٍ منهم نِصابًا. ويُشْتَرَطُ أيضًا أن لا تكونَ لهم شُبْهَةٌ فيما يأْخُذونَه من المالِ، على ما ذكرْنا في المسْروقِ. ١٥٩٧ - مسألة؛ قال: (وَنَفْيُهُمْ أنْ يُشَرَّدُوا، فَلَا يُتْرَكُوا يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ) وجملتُه أنَّ المُحارِبين إذا أخافُوا السَّبِيلَ، ولم يقتُلُوا، ولم يأخذُوا مالًا، فإنَّهم يُنْفَوْنَ من الأرضِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) ويُرْوَى عن ابن عباسٍ، أنَّ النَّفْىَ يكونُ في هذه الحالةِ، وهو قَوْلُ النَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، وعَطَاءٍ الخُراسَانِىِّ. والنَّفْىُ هو تَشْرِيدُهم عن الأمْصارِ والبُلْدانِ، فلا يُتْرَكُون يَأْوُونَ بلدًا. ويُرْوَى نحوُ هذا عن الحسنِ، والزُّهْرِىِّ. وعن ابن عباسٍ، أنَّه يُنْفَى من بلدِه إلى بلدٍ غيرِه، كنَفْى الزَّانِى. وبه قال طَائفةٌ من أهلِ العلمِ. قال أبو الزِّنَادِ: كان منفَى النَّاسِ إلى باضِعٍ (٢)، من أرضِ الحبشةِ، ودَهْلك (٣) أَقْصَى تِهامَةَ اليَمَنِ. وقال مالكٌ: يُحْبَسُ في البلدِ الذي يُنْفَى إليه، كقولِه في الزَّانِى. وقال أبو حنيفةَ: نَفْيُه حَبْسُه حتى يُحْدِثَ تَوْبةً. ونحوَ هذا قال الشَّافِعِىُّ، فإنه قال في هذه الحالِ: يُعَزِّرُهم الإِمامُ، وإن رأى أنْ يَحْبِسَهُم حبَسَهم. وقيل عنه: النَّفْىُ طلبُ الإِمام لهم لِيُقِيمَ فيهم حُدودَ اللَّه تعالى. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وقال ابن سُرَيْجٍ: يَحْبِسُهم في غيرِ بلدِهم. وهذا مثلُ قولِ مالِكٍ. قالوا (٤):

стр. 6620

وهذا أولى؛ لأنَّ تَشْرِيدَهم إخْراجٌ (٥) لهم إلى مكانٍ يَقْطَعُونَ فيه الطَّريقَ، ويُؤْذُونَ به النَّاسَ، فكانَ حَبْسُهم أَوْلَى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوايةً أُخْرَى، معناها أنَّ نَفْيَهم طلبُ الإِمامِ لهم، فإذا ظَفَرَ بهم عَزَّرَهم بما يَرْدَعُهم. ولَنا، ظاهرُ الآية، فإنَّ النَّفْىَ الطَّرْدُ والإِبْعادُ، والحبسُ إمساكٌ، وهما يتنَافيانِ. فأمَّا نَفْيهُم إلى غيرِ مكانٍ مُعَيَّنٍ، فلقولِه سبحانه: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. وهذا يتناوَلُ (٦) نَفْيَه من جَمِيعِها. وما ذكروه يَبْطُل بنَفْىِ الزَّانِى، فإنَّه يُنْفَى إلى مكانٍ يَحْتَمِلُ أن يوجدَ منه الزِّنِى فيه. ولم يذكرْ أصحابُنا قدرَ مُدَّةِ نَفْيهِم، فيَحْتَمِلُ أن تتقدَّرَ مُدَّتُه بما تَظْهَرُ فيه تَوْبَتُهُم، وتَحْسُنُ سِيرَتُهم. ويَحْتَمِلُ أن يُنْفَوْا عامًا، كنَفْىِ الزَّانِى. ١٥٩٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أن يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُم حُدُودُ (١) اللهِ تعَالَى، وأُخِذُوا بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ؛ مِنَ الأنْفُسِ، والجِرَاحِ، والأمْوَالِ، إلَّا أنْ يُعْفَى لَهُم عَنْهَا) لا نعلمُ في هذا خلافًا [بينَ أهلِ العلمِ] (٢). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبُو ثَوْرٍ. والأصلُ في هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). فعلى هذا يسْقُطُ عنهم تَحَتُّمُ القَتْلِ والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْىِ، ويَبْقَى عليهم القِصَاصُ في النَّفْسِ والجِرَاحِ، وغَرامةُ المالِ والدِّيَةُ لما لا قِصَاصَ فيه. فأمَّا إن تابَ بعدَ القُدْرةِ عليه، لم يَسْقُطْ عنه شَىْءٌ من الحُدودِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فأوجبَ عليهم الحَدَّ، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قبلَ القُدْرةِ، فمَنْ عَدَاهم يَبْقَى على قضيةِ العُمومِ، ولأنَّه إذا تابَ قبلَ القُدْرةِ،

стр. 6621

فالظاهِرُ أنَّها تَوْبَةُ إخْلاصٍ، وبعدَها الظاهِرُ أنَّها تَقِيَّةٌ من إقامةِ الحدِّ عليه، ولأنَّ في قَبُولِ تَوْبَتِه، وإسْقاطِ الحَدِّ عنه قبلَ القُدْرةِ، تَرْغِيبًا في تَوْبَتِه، والرُّجوعِ عن مُحاربتِه وإفْسادهِ، فناسَبَ ذلك الإِسْقاطُ عنه، وأمَّا بعدَها فلا حاجةَ إلى تَرْغِيبِه؛ لأنَّه قد عَجَزَ عن الفسادِ والمُحاربَةِ. فصل: وإن فعلَ المُحاربُ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَخْتَصُّ المُحارَبةَ؛ كالزِّنَى، والقَذْفِ، وشُرْبِ الخمرِ، والسَّرِقَةِ، فذكرَ القاضي أنَّها تَسْقُطُ بالتَّوْبةِ؛ لأنَّها حُدودٌ للهِ تعالى، فسَقَطَتْ (٤) بالتَّوْبةِ، كحَدِّ المُحارَبَةِ، إلَّا حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لا يسْقُطُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولأنَّ في إسْقاطِها تَرْغِيبًا في التَّوْبةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها لا تخْتَصُّ المُحارَبَةَ، فكانَتْ في حَقِّه كهِىَ في حَقِّ غيرِه. وإن أتى حَدًّا قبلَ المُحاربةِ، ثم حاربَ وتابَ قبلَ القُدْرةِ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ الأوَّلُ؛ لأنَّ التَّوْبةَ إنَّما يسْقُطُ بها الذَّنْبُ الذي تابَ منه دونَ غيرِه. فصل: وإن تابَ مَنْ عليه حَدٌّ من غيرِ المُحارِبين، وأصْلَحَ، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، يسْقُطُ عنه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٥). وذكر حَدَّ السَّارِقِ، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (٧). ومن لا ذَنْبَ له لا حَدَّ عليه. وقال في ماعِزٍ لَمَّا أُخْبِرَ بهَرَبِه: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتوبُ اللهُ عَلَيْهِ! " (٨). ولأنَّه خالِصُ حَقِّ اللهِ تعالى، فيسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كحَدِّ المُحارِبِ. والرِّواية الثانية، لا يسْقُطُ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبي حَنيفةَ،

стр. 6622

وأحدُ قوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٩). وهذا عامٌّ في [التَّائِب وغيرِه] (١٠). وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١١). ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رجَم ماعِزًا والغامِدِيَّة، وقَطَعَ الذي أقَرَّ بالسَّرِقَةِ، وقد جاءُوا تائِبين يطْلُبون التَّطْهِيرَ بإقامةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى رسولُ اللهِ ﷺ فِعْلَهم تَوْبَةً، فقال في حَقّ المرأة: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى (١٢) أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ" (١٣). وجاء عمرو بن سَمُرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي سَرَقْتُ جملًا لبنى فُلانٍ، فَطَهِّرْنِى] (١٤). وقد أقام رسولُ اللَّه ﷺ الْحَدَّ عليهم. ولأنَّ الْحَدَّ كفارةٌ، فلم يسْقُطْ بالتَّوْبَةِ، ككفَّارةِ اليَمينِ والقتلِ، ولأنَّه مَقْدُورٌ عليه، فلم يسْقُطْ عنه الحَدُّ بالتَّوْبَةِ، كالمُحارِب بعدَ القُدْرةِ عليه. فإن قُلْنا بسُقوطِ الحَدِّ بالتَّوْبَةِ، فهل يسْقُطُ يمُجَرَّدِ التَّوْبةِ، أو بها مع إصْلاحِ العملِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يسْقُطُ بمُجَرَّدِها. وهو ظاهر قولِ أصْحابنا؛ لأنَّها تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ للحَدِّ، فأشْبَهَتْ تَوْبةَ المُحارِبِ قبلَ القُدْرةِ عليه. والثانى، يُعْتَبَرُ إِصْلاحُ العملِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (١٥). وقال: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (١٦). فعلى هذا القولِ، يُعْتَبَرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بها صِدْقُ تَوْبَتِه، وصَلاحُ نِيَّتِه، وليست مُقدَّرَةً بمُدَّةٍ معلومةٍ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: مُدَّةُ ذلك سَنَةٌ. وهذا تَوْقِيتٌ (١٧) بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يَجوزُ.

стр. 6623

فصل: وحكمُ الرِّدْءِ من القُطَّاعِ (١٨) حُكْمُ المُباشِرِ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حَنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس على الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لأنَّ الحَدَّ يجبُ بارْتكابِ الْمَعْصِيَةِ، فلا يتعلَّقُ بالمُعِينِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حُكْمٌ يتعلَّقُ بالمُحارَبَةِ، فاسْتَوَى فيه الرِّدْءُ والمُباشرُ، كاسْتِحْقاقِ الغنيمةِ؛ وذلك لأنَّ المُحارَبةَ مَبْنِيَّةٌ على حُصولِ الْمَنَعةِ والمُعاضَدَةِ والمُناصَرَةِ، فلا يتمكَّنُ المُباشِرُ من فِعْلِه إلَّا بقوَّةِ الرِّدْءِ، بخلافِ سائرِ الحدودِ. فعلى هذا، إذا قَتَلَ واحدٌ منهم، ثبتَ حكمُ القتل في حَقِّ جميعِهم، فيجبُ قتلُ جميعِهم. وإن قَتَلَ بعضُهم وأخذَ بعضُهم المالَ، جازَ قتلُهم وصَلْبُهم، كما لو فَعلَ الأمْرَيْن كُلُّ واحدٍ منهم. فصل: وإن كان فيهم صَبِىٌّ، أو مجنونٌ، أو ذُو رَحِمٍ من المَقْطوعِ عليه، لم يسْقُطِ الحَدُّ عن غيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو حنيفةَ: يسْقُطُ الحَدُّ عن جميعِهم، ويصيرُ القتلُ للأوْلياءِ، إن شاءوا قَتَلُوا، وإن شاءُوا عَفَوْا؛ لأنَّ حكمَ الجميعِ واحِدٌ، فالشُّبْهَةُ في فعْلٍ واحدٍ شُبْهَةٌ في حَقِّ الجميعِ. ولَنا، أنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بها واحِدٌ، فلم يسْقُطِ الحَدُّ عن الباقِين، كما لو اشتركُوا في وَطْءِ امرأةٍ. وما ذكرُوه لا أصْلَ له. فعلى هذا، لا حَدَّ على الصَّبِىِّ والمجنونِ وإن باشَرَا القتلَ وأخذَا المالَ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ الحدودِ، وعليهما ضمانُ ما أُخِذَ من المالِ في أمْوالِهما، ودِيَةُ قَتِيلِهما على عاقِلَتِهما، ولا شىءَ على الرِّدْءِ لهما؛ لأنَّه إذا لم يثْبُتْ ذلك للمُباشِرِ، لم يثْبُتْ لمن هو تَبَعٌ له بطَرِيقِ الأوْلَى. وإن كان المُباشِرُ غيرَهما، لم يَلْزَمْهُما شيءٌ؛ لأنَّهما لم يثْبُتْ في حَقِّهما حكمُ المُحاربَةِ، وثبوتُ الحُكْمِ في حَقِّ الرِّدْءِ ثبَتَ بالمُحاربَةِ. فصل: وإن كان فيهم امرأةٌ، ثبتَ في حَقِّها حُكْمُ المُحاربَةِ، فمتى قَتلَتْ وأخذتِ المالَ، فحَدُّها حَدُّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يجبُ عليها الحَدُّ، ولا على مَن معها؛ لأنَّها ليستْ من أهلِ المُحاربَةِ، كالرَّجلِ (١٩)، فأشْبَهتِ

стр. 6624

الصَّبِىَّ والمجنونَ. ولَنا، أنَّها تُحَدُّ في السَّرِقَةِ، فيَلْزَمُها حكمُ المُحارَبَةِ كالرَّجُلِ، وتُخالِفُ الصُّبِىَّ والمجنونَ، ولأنَّها مُكلَّفَةٌ يَلْزَمُها القِصَاصُ وسائرُ الحدودِ، فلَزِمَها هذا الحَدُّ، كالرَّجُلِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّها إن باشَرتِ القتلَ، أو أخذَ المالِ، ثبتَ حُكْمُ المُحاربةِ في حَقِّ مَن مَعها؛ لأنَّهم رِدْءٌ لها. وإن فعلَ ذلك غيرُها، ثَبَتَ حُكْمُه في حَقِّها؛ لأنَّها رِدْءٌ له، كالرَّجلِ سَواءً. وإن قطَعَ أهلُ الذِّمَّةِ الطريقَ، أوكان مع المُحاربين المسلمين ذِمِّىٌّ، فهل يَنْتقِضُ عَهْدُهم بذلك؟ فيه رِوَايتان؛ فإن قُلْنا: ينتقِضُ عَهْدُهم. حَلَّتْ دِماؤُهم وأمْوالُهم بكلِّ حالٍ. وإن قُلْنا: لا ينْتَقِضُ عَهْدُهم. حَكَمْنَا عليهم بما نَحْكُمُ على المسلمين. فصل: وإذا أخذ المُحاربون المالَ، وأُقِيمتْ فيهم حدودُ اللَّه تعالى، فإن كانتِ الأمْوالُ موجودةً، رُدَّتْ إلى مالكِها، وإن كانتْ تالفةً أو مَعْدُومةً، وجبَ ضَمانُها على آخِذِها. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ومُقْتضَى قولِ أصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّها إن كانت تالِفَةً، لم يَلْزَمْهم غَرامتُها، كقولِهم في المسْروقِ إذا قُطِعَ السَّارقُ. وَوَجْهُ المذهَبَيْن ما تقدم في السَّرِقَةِ. ويجبُ الضَّمانُ على الآخِذِ دُونَ الرِّدْءِ؛ لأنَّ وُجوبَ (٢٠) الضَّمانِ ليس بحَدٍّ، فلا يتعلَّقُ بغيرِ المُباشرِ له، كالغَصْبِ والنَّهْبِ، ولو تاب المُحاربون قبلَ القدرةِ عليهم، وتعلَّقتْ بهم حقوقُ الآدَميِّين؛ من القِصاصِ والضمانِ، لَاخْتَصَّ ذلك بالمُباشرِ دونَ الرِّدْء لذلك، ولو وجَبَ الضَّمانُ في السَّرِقَةِ، لَتعلَّقَ بالمُباشرِ دُونَ الرِّدْءِ؛ لما ذكرْنا. واللهُ أعلمُ. فصل: إذا اجْتَمعتِ الحدودُ، لم تخْلُ من ثلاثةِ أقسامٍ؛ القسمُ الأوَّل، أن تكونَ خالِصَةً للهِ تعالى، فهى نَوْعان؛ أحدهما، أن يكونَ فيها قتلٌ (٢١)، مثلَ أن يسْرِقَ، ويزْنِىَ (٢٢) وهو مُحْصَنٌ، ويشْربَ الخمرَ، ويقْتُلَ في المُحارَبَةِ، فهذا يُقْتَلُ، ويسْقُطُ

стр. 6625

سائِرُها. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وحَمَّادٍ، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: يُسْتَوْفَى جميعُها؛ لأنَّ ما وجبَ مع غيرِ القتلِ، وجَبَ مع القتلِ، كقَطْعِ اليدِ قِصاصًا. ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، قال سعيدٌ: حدثنا حَسَّانُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا مُجالِدٌ، عن عامِرٍ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: إذا اجتمعَ حَدَّانِ، أحدُهما القتلُ، أحاطَ القتلُ بذلك (٢٣). وقال إبراهيمُ: يكْفِيه القتلُ. وقال: حدَّثنا (٢٤) هُشَيْمٌ، أخْبرنا حَجَّاجٌ، عن إبراهيمَ، والشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، أنَّهم قالوا مثلَ ذلك. وهذه أقوالٌ انْتَشرَتْ في عصرِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعين، ولم يَظْهَرْ لها (٢٥) مُخالِفٌ، فكان إجماعًا، ولأنَّها حُدُودٌ للهِ تعالى فيها قَتْلٌ، فسقطَ ما دُونَه، كالمُحارِبِ إذا قَتَلَ وأخذَ المالَ، فإنَّه يُكْتَفَى بقَتْلِه، ولا يُقْطَعُ، ولأنَّ هذه الحدودَ تُرادُ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ، ومع القتلِ لا حاجةَ إلى زَجْرِه، ولا فائدةَ فيه، فلا يُشْرَعُ. ويفارِقُ القِصاصَ؛ فإنَّ فيه غَرَضَ التَّشَفِّى والانْتقامِ، ولا يُقصَدُ منه مُجَرَّدُ الزَّجْرِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إذا وُجِدَ ما يُوجِبُ الرَّجْمَ والقتلَ للمُحارَبَةِ، أو القتلَ للرِّدَّةِ، أو لتَرْكِ الصَّلاةِ، فيَنْبَغِى أن يُقْتَلَ للمُحارَبةِ، ويسْقُطَ الرَّجْمُ؛ لأنَّ في القتلِ للمُحارَبةِ حَقَّ آدَمِىٍّ في القِصاصِ، وإنَّما أثَّرَتِ المُحارَبةُ في تَحَتُّمِه (٢٦)، وحَقُّ الآدَمِىِّ يجبُ تَقْدِيمُه. النوع الثاني، أنْ لا يكونَ فيها قتلٌ، فإنَّ جميعَها يُسْتَوْفَى، من غيرِ خلافٍ نعلمُه، ويُبْدَأُ بالأخَفِّ فالأخَفِّ، فإذا شَرِبَ وزَنَى وسرقَ، حُدَّ للشُّرْبِ أولًا، ثم حُدَّ للزِّنَى، ثم قُطِعَ للسَّرِقَةِ. وإن أخذَ المالَ في المُحاربةِ، قُطِعَ لذلك، ويدخلُ فيه القطعُ للسَّرِقَةِ؛ ولأنَّ مَحَلَّ القطْعَيْن واحِدٌ، فتَداخَلا، كالقَتْلَيْنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُتَخَيَّرُ بينَ الْبَداءةِ بِحَدِّ الزِّنَى وقَطْعِ السَّرِقةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما ثبتَ بنَصِّ القرآن، ثم يُحَدُّ للشُّرْبِ. ولَنا، أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أخفُّ (٢٤)، فيقَدَّمُ، كحَدِّ القَذْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ

стр. 6626

حَدَّ الشُّربِ غيرُ منصوصٍ عليه، [فإنَّه مَنْصُوصٌ عليه] (٢٧) في السُّنَّةِ، ومُجْمَعٌ على وُجوبِه، وهذا التَّقْديمُ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ. ولو بَدَأَ بغيرِه، جازَ ووقَعَ المَوْقِعَ. ولا يُوالَى بينَ هذه الحدودِ؛ لأنَّه رُبَّما أَفْضَى إلى تَلَفِه، بل متى بَرَأَ من حَدٍّ أُقِيمَ الذي يَلِيه. القسم الثاني، الحدودُ الخالصَةُ (٢٨) للآدَمِيِّ، وهو القِصَاصُ، وحَدُّ القَذْفِ، فهذه تُسْتَوْفَى كلُّها، ويُبْدَأُ بأخفِّها، فيُحَدُّ للقذفِ، ثم يُقْطَعُ، ثم يُقْتَلُ؛ لأنَّها حُقوقٌ لآدَمِيِّينَ (٢٩) أمْكنَ اسْتيفاؤُها، فوجبَ، كسائرِ حقوقِهم. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، والشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يدْخُلُ ما دونَ القتلِ فيه، احْتجاجًا بقولِ ابنِ مسعودٍ، وقياسًا على الحُدودِ الخالصةِ للَّه تعالى. ولَنا، أنَّ ما دونَ القتلِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلم (٣٠) يسْقُطْ به كدُيُونِهم (٣١)، وفارقَ حَقَّ اللهِ تعالى، فإنَّه مَبْنِىٌّ على المُسامَحَةِ. القسم الثالث، أن تجتمعَ [حدودٌ للهِ وحدودٌ لآدَمِيِّين، فهذه] (٣٢) ثلاثةُ أنواعٍ؛ أحدُها، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فهذه تُسْتَوْفَى كلُّها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وعن مالِكٍ، أنَّ حَدَّىِ الشُّرْبِ والقَذْفِ يتَداخلانِ، لاسْتوائِهما، فهما كالقَتْلَينِ والقَطْعَيْنِ. ولَنا، أنَّهما حَدَّانِ من جِنْسَين، لا يفُوتُ بهما المحَلُّ، فلم يتَداخَلَا، كحدِّ الزِّنَى والشُّرْبِ، ولا نُسَلِّمُ اسْتواءَهما، فإنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أربعونُ، وحَدَّ القذفِ ثمانون، وإن سُلِّم اسْتواؤُهما، لم يَلْزَمْ تَداخلُهما؛ لأنَّ ذلك لو اقْتَضَى تَداخُلَهما، لَوجبَ دُخُولُهما في حَدِّ الزِّنَى؛ لأنَّ الأقَلَّ ممَّا يتداخلُ يَدْخُلُ في الأكثرِ، وفارقَ القَتْلَيْن والقَطْعَيْنِ؛ لأنَّ المحَلَّ يفُوتُ بالأوَّلِ، فيتعَذَّرُ اسْتيفاءُ الثاني، وهذا بخلافِه. فعلى هذا، يُبْدَأُ بحَدِّ القذفِ؛ لأنَّه اجْتَمعَ فيه معنيانِ، خِفَّتُه، وكونُه حَقًّا لآدَمِيِّ شحيحٍ، إلَّا إذا قُلْنا: حَدُّ الشُّرْبِ أربعون.

стр. 6627

فإنَّه يُبْدَأُ به، لخِفَّتِه، ثم [بحَدِّ القَذْفِ] (٣٣)، وأيُّهما قُدِّمَ، فالآخَرُ يَلِيه، ثم [بحَدِّ الزِّنَى] (٣٤)؛ فإنَّه لا إتْلَافَ فيه، ثم بالقَطْعِ. هكذا ذكره القاضي. وقال أبو الخَطَّابِ: يُبْدَأُ بالقَطْعِ قِصَاصًا؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ مُتَمَحِّضٌ، فإذا بَرَأَ حُدَّ للقَذْفِ، إذا قُلْنا: هو حَقُّ آدَمِىٍّ، ثم يُحَدُّ للشُّرْبِ، فإذا بَرَأَ، حُدَّ للزِّنَى؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ يجبُ تَقْديمُه لتَأكُّدِه. النَّوع الثاني، أن تجْتَمِعَ [حدودٌ للهِ تعالى وحُدودٌ لآدَمِىٍّ] (٣٥)، وفيها قَتْلٌ، فإنَّ حُدودَ اللَّه تعالى تدْخُلُ في القتلِ، سواءٌ كان من حُدودِ اللهِ تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنَى، والقتلِ (٣٦) للمُحارَبةِ، أو للرِّدَّةِ (٣٧)، أو لحَقِّ آدَمِىٍّ، كالقِصَاصِ؛ لما قَدَّمْنَاه. وأمَّا حقوقُ الآدَمِىِّ، فتُسْتَوْفَى كلُّها ثم إن كان القتلُ حَقًّا للهِ تعالى، اسْتُوفِيَتِ الحقوقُ كلُّها مُتَوالِيَةً؛ لأنَّه لا بُدَّ من فَواتِ نفسِه، فلا فائدةَ في التَّأْخِيرِ، وإن كان القتلُ حَقًّا لآدَمِيٍّ، انْتُظِرَ (٣٨) باسْتيفاءِ (٣٩) الثاني بُرْؤُه (٤٠) من الأوَّلِ لوَجْهَيْن؛ أحدهما، أنَّ المُوالاةَ بينَهما يَحْتَمِلُ أنْ تَفُوتَ نَفْسُه قبلَ القِصَاصِ، فيَفُوتَ حَقُّ الآدَمِىِّ. والثانى، أنَّ العَفْوَ جائِزٌ، فتأخيرُه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ الوَلِىُّ فيَحْيَا، بخلافِ القتلِ حَقًّا للهِ سبحانه. النَّوع الثالث، أن يتَّفِقَ الحَقَّانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ، ويكونَ تَفْويتًا، كالقتل والقطعِ قِصَاصًا وحَدًّا؛ [فأمَّا القَتْلُ] (٤١) فإن كان فيه ما هو خالِصٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنَى، وما هو حَقٌّ لآدَمِيٍّ، كالقِصَاصِ، قُدِّمَ القِصَاصُ، لتأكُّدِ (٤٢) حَقِّ الآدَمِىِّ. وإنِ اجْتَمعَ القتلُ للقتلِ في المُحارَبةِ والقِصَاصُ، بُدِئَ

стр. 6628

بأسْبَقِهما؛ لأنَّ القتلَ في المُحارَبةِ فيه حَقٌّ لآدَمِيٍّ أيضًا، فقُدِّمَ (٤٣) أسْبَقُهما، فإنْ سبقَ القتلُ في المُحارَبةِ، اسْتُوفِىَ، ووجبَ لولِىِّ المقْتولِ الآخَرِ دِيَتُه في مالِ الجانى، وإن سَبَقَ القِصَاصُ، قُتِلَ قِصَاصًا، ولم يُصْلَبْ؛ لأنَّ الصَّلْبَ من تَمامِ الحَدِّ، وقد سقطَ الحَدُّ بالقِصَاصِ، فسقطَ الصَّلْبُ، كما لو ماتَ. ويجبُ لولِىِّ المقتولِ في المُحاربةِ دِيَتُه؛ لأنَّ القتلَ تعَذَّرَ اسْتيفاؤُه، وهو قِصاصٌ (٤٤)، فصارَ الوجوبُ إلى الدِّيَةِ. وهكذا لو ماتَ القاتلُ في المُحارَبةِ، وجَبتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه؛ لتَعذُّرِ اسْتيفاءِ القَتْلِ من القاتلِ. ولو كان القِصاصُ سابقًا، فعفا وَلِىُّ المقتولِ، اسْتُوفِىَ القَتْلُ (٤٥) للمُحارَبةِ، سَواءٌ عَفَا مُطْلَقًا، أو إلى الدِّيَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وأمَّا القَطْعُ، فإذا اجْتَمعَ وجوبُ القَطْعِ في يَدٍ أو رِجْلٍ قِصَاصًا وحدًّا، قُدِّمَ القِصَاصُ على الحَدِّ المُتَمحِّضِ للهِ تعالى؛ لما ذكرْناه، سَواءٌ تقدَّمَ سببُه أو تأخَّرَ. وإن عفا وَلِىُّ الجنايةِ، استُوفِىَ الحَدُّ، فإذا قَطَعَ يدًا وأخذَ المالَ في المحاربةِ، قُطِعَتْ يدُه قِصَاصًا، ويُنْتظَرُ بُرْؤُه، فإذا بَرَأَ قُطِعَتْ رِجْلُه للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما حدَّانِ. وإنَّما قُدِّمَ القِصَاصُ في القَطْعِ دونَ القتلِ؛ لأنَّ القَطْعَ في المُحاربةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وليس بقِصاصٍ، والقتلُ فيها يتضَمَّنُ القِصاصَ، ولهذا لو فاتَ القتلُ في المُحارَبةِ، وجَبتِ الدِّيَةُ، ولو فاتَ القطعُ، لم يجبْ له بَدَلٌ. وإذا ثبتَ أنَّه يُقَدَّمُ القِصَاصُ على القَطْعِ في المُحارَبةِ، فقَطَعَ يدَه قِصَاصًا، فإنَّ رِجْلَه تُقْطَعُ، وهل تُقْطَعُ يدُه الأُخْرَى؟ نَظَرْنَا؛ فإن كانَ المَقْطوعُ بالقِصاصِ قد كانَ يسْتَحِقُّ القَطْعَ بالمُحارَبةِ قَبْلَ الجنايةِ المُوجِبَةِ للقِصَاصِ فيه، لم يُقْطَعْ أكثرُ من العُضْوِ الباقِى من العُضْوَيْنِ اللَّذين اسْتُحِقَّ قَطْعُهما؛ لأنَّ مَحَلَّ القَطْعِ ذهبَ بعَارِضٍ حادثٍ، فلم يجبْ قَطْعُ بَدَلِه، كما لو ذهَبتْ بعُدْوانٍ أو بمَرضٍ. وعلى هذا لو ذهبَ العُضْوانِ جميعًا، سقطَ القَطْعُ عنه بالكُلِّيَّةِ. وإن كان سببُ (٤٦) القَطْعِ قِصَاصًا سابقًا على مُحارَبَتِه، أو كانَ المقْطوعُ غيرَ

стр. 6629

العُضْوِ الذي وجبَ قَطْعُه في المُحارَبةِ، مثل إنْ وجبَ عليه القِصاصُ في يَسارِه بعدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْناه فى المُحارَبةِ، فهل تُقْطَعُ اليَدُ الأُخْرَى للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن؛ بِنَاءً على الرِّوايتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارقِ بعدَ قَطْعِ يَمِينِه، إن قُلْنا: تُقْطَعُ ثَمَّ. قُطِعَتْ ههُنا، وإلَّا فلا. وإن سَرَقَ وأخذَ المالَ في المُحارَبةِ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى لأسْبَقِهما، فإن كانت المُحارَبَةُ سابقةً، قُطِعَتْ يدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقامٍ واحدٍ، وحُسِمَتا. وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه للسَّرقة؟ على الرِّوايتَيْن؛ فإن قُلْنَا: تُقْطَعُ. انْتُظِرَ بُرْؤُه من القَطْعِ للمُحارَبَةِ؛ لأنَّهما حَدَّانِ. وإن كانتِ السَّرِقةُ سابقةً، قُطِعَتْ يُمناه للسَّرِقةِ، ولا تُقْطَعُ رِجْلُه للمُحارَبةِ حتى تَبْرَأَ يدُه. وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يدَيْهِ للمُحارَبة؟ على وَجْهَيْن. فصل: وإن سرق وقتلَ في المُحاربةِ، ولم يأْخُذِ المالَ، قُتِلَ حَتْما، ولم يُصْلَبْ، ولم تُقْطَعْ يدُه؛ لأَنَّهما حَدَّانِ فيهما قَتْلٌ، فَدَخَلَ ما دونَ القتلِ فيه، ولم يُصْلَبْ؛ لأنَّ الصَّلْبَ من تَمامِ حَدِّ قاطِعِ الطَّريقِ إذا أخذَ المالَ مع القتلِ، ولم يُوجدْ، وهذان حَدَّان، كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَصِلٌ عن صاحبِه، فإذا اجْتمَعا تَدَاخَلا وإن قَتَلَ في المُحارَبةِ جماعةً، قُتِلَ بالأوَّلِ حَتْما، وللباقين دِيَاتُ أوليائِهم؛ لأنَّ قَتْلَه اسْتُحِقَّ بقَتْلِ الأوَّلِ، وتحَتَّمَ بحيثُ لا يسْقُطُ، فتعَيَّنَتْ حقوقُ الباقِين في الدِّيَةِ، كما لو مات. فصل: إذا شَهِدَ عَدْلانِ على رجلٍ أنَّه قطَعَ عليهما الطريقَ وعلى فلانٍ، وأخَذَ متاعَهم، لم تُقْبلْ شَهادتُهما (٤٧)؛ لأنَّهما صارا خَصْمَيْن له بقَطْعِه عليهما. وإن قالا: نَشهدُ أنَّ هذا قَطَعَ الطريقِ على فلانٍ، وأخذَ مَتاعَه. قُبِلَتْ شهادتُهما، ولم يسْأَلْهُما الحاكمُ: هل قَطَعَ عليكما معه أو (٤٨) لا؟ لأنَّه لا يسْألهُما ما لم يَدَّعِ عليهما. وإن عادَ المشهودُ له، فشَهِد عليه أنَّه قطعَ عليهما الطريقَ، وأخذَ متاعَهما (٤٩)، لم تُقْبَلْ شهادتُه؛ لأنَّه صارَ عَدوًّا له بقطْعِه الطريقَ عليه. وإنْ شَهِدَ شاهدان أنَّ هؤلاءِ عَرَضُوا لنا في الطريقِ، وقَطَعُوها على فلانٍ، قُبِلَتْ شهادتُهما؛ لأنَّه لم يثْبُتْ كَوْنُهما خَصْمَيْن بما ذكَرَاه.

стр. 6630

كتاب الأشْرِبَة الخمرُ مُحَرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". روَاه أبو داوُدَ، والإِمامُ أحمدُ (٢). ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ، وشَارِبَها، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، والْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ". روَاه أبو دَاودَ (٣). وثبتَ عن النَّبِيِّ ﷺ تحريم الخمرِ بأخْبارٍ تبْلغُ بمجموعِها رُتْبةَ التَّواتُرِ، وأجْمعتِ الأمَّةُ على تَحْريمِه، وإنَّما حُكِىَ عن قُدامةَ بنِ مَظْعونٍ، وعمرِو بنِ مَعْدِيكَرب، وأبي جَنْدَلِ (٤) بن سُهَيْلٍ، أنَّهم قالوا: هي حلالٌ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٥) الآية. فبَيَّنَ لهم علماءُ الصَّحَابَةِ معنَى هذه الآيةِ، وتحريمَ الخمرِ، وأقاموا عليهم الحَدَّ؛ لشُرْبِهم إيَّاها (٦)،

стр. 6631

فَرَجَعُوا إلى ذلك، فانْعَقدَ الإِجماعُ، فَمَن اسْتحَلَّها الآن، فقد كَذَّبَ النَّبِىَّ ﷺ ؛ لأنَّه قد عُلِمَ ضَرورةً من جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُه، فيَكْفُرُ بذلك، ويُسْتَتابُ، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ. رَوَى (٧) الجُوزَجَانِىُّ، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّ قُدامةَ بنَ مَظْعونٍ شَرِبَ الخمرَ، فقال له عمرُ: ما حَمَلَكَ على ذلك؟ فقال: إنَّ اللَّه يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٨). وإنِّى من المُهاجِرين الأوَّلينَ من أهلِ بدرٍ وأُحُدٍ. فقال عمرُ للقومِ: أجِيبُوا الرَّجُلَ. فسكتُوا عنه، فقال لابنِ عباسٍ: أجِبْه. فقال: إنَّما أنْزَلها اللَّه تعالى عُذْرًا للماضِينَ، لِمَنْ شَرِبَها (٩) قبلَ أن تُحَرَّمَ، وأنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ (١٠). حُجَّةً على النَّاسِ. ثم سألَ عمرُ عن (٨) الحَدِّ فيها، فقال علىُّ بنُ أبى طالبٍ: إذا شَرِبَ هَذَى، وإذا هَذَى افْترَى فاجْلِدُوه ثمانينَ، فجلَدَه عمرُ ثمانينَ جَلْدَةً (١١). ورَوَى الْواقِدِىُّ، أنَّ عمرَ قال له: أخْطَأْتَ التَّأْويلَ يا قُدامةُ، إذا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ ما حرَّمَ اللهُ عليك. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادهِ عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، أنَّ أُناسًا شَرِبُوا بالشامِ الخمرَ، فقال لهم يزيدُ بنُ أبى سفيان: شَرِبْتُمُ الخمرَ؟ قالوا: نعم، يقولُ اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فكتبَ فيهم إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ، فكتبَ إليه: إن أتاكَ كتابِى هذا نهارًا، فلا تنْتَظِرْ بهم إلى اللَّيْلِ، وإن أتاكَ ليلًا، فلا تنْتَظِرْ بهم نهارًا، حتى تَبْعثَ بهم إلىَّ، لِئَلَّا يَفْتِنُوا عبادَ اللهِ. فبعثَ بهم إلى عمرَ، فشاورَ فيهم النَّاسَ، فقال لعلىٍّ: ما تَرَى؟ فقال: أرَى أنَّهم قد شَرَّعُوا في دينِ اللهِ ما لم يأْذَنِ اللهُ فيه، فإن زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ، فاقْتُلْهم، فقد أحلُّوا ما حرَّمَ اللهُ، وإن زَعَمُوا أنَّها حَرَامٌ،

стр. 6632

فاجْلِدْهم (١٢) ثمانينَ ثمانينَ، فقد افْتَرَوْا على اللهِ. وقد أخْبَرَنا اللهُ بحَدِّ ما يَفْتَرِى بعضُنا على بعضٍ. قال (١٣): فحَدَّهم عمرُ ثمانين ثمانين (١٤). إذا ثبتَ هذا، فالْمُجْمَعُ على تَحْريمِه عصيرُ العِنبِ، إذا اشتدَّ وقذَفَ زَبَدَه، وما عَداه من الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، فهو مُحَرَّمٌ، وفيه اختلافٌ نذكُره، إن شاءَ اللهُ تعالى. ١٥٩٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أوْ كَثُرَ، جُلِدَ ثَمانِينَ جَلْدَةً، إذَا شَرِبَها وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّ كَثِيرَهَا (١) يُسْكِرُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فُصول: أحدُها: أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ حرامٌ، قليلُه وكثيرُه، وهو خمرٌ، حُكْمُه حُكْمُ عصيرِ العِنَبِ في تَحْريمِه، ووُجوبِ الحَدِّ على شارِبِه. ورُوِىَ تَحْريمُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرةَ، وسعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، وأُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، وأَنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسِمُ، وقَتَادَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ. وقال أبو حَنيفةَ، في عصيرِ العِنَبِ إذا طُبِخَ فذَهبَ ثُلُثاه، ونَقِيعِ التمرِ والزَّبِيبِ إذا طُبِخَ وإن لم يذْهَبْ ثُلُثَاه، ونبيذِ الحِنْطَةِ، والذُّرَةِ والشَّعيرِ، ونحوِ ذلك نقيعًا كان أو مطبوخًا: كُلُّ ذلك حَلالٌ، إلَّا ما بَلَغَ السُّكْرَ، فأمَّا عصيرُ العِنَبِ إذا اشْتَدَّ، وقذفَ زَبَدَه، أو طُبِخَ فذهبَ أقلُّ من ثُلُثَيْه، ونَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ بغيرِ طَبْخٍ، فهذا مُحَرَّمٌ، قليلُه وكثيرُه؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "حُرِّمَتِ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِها، والسُّكْرُ (٢) مِنْ كُلِّ شَرَابٍ" (٣).

стр. 6633

ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وعن جابرٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا أَسْكَرَ كَثيرُهُ، فَقَلِيلُه حَرَامٌ". روَاهما أبو دَاودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما (٤)، وعن عائِشَةَ قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". قال (٥): "ومَا أَسْكَرَ مِنْه الْفَرَقُ (٦)، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". روَاه أبو داود، وغيرُه (٧). وقال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: نزلَ تَحْرِيمُ الخمرِ، وهى من العنبِ والتَّمْرِ والعسلِ، والحِنْطةِ (٨) والشَّعيرِ، والخمرُ ما خامرَ العَقْلَ. مُتَّفَقٌ عليه (٩). ولأنَّه مُسْكِرٌ، فأشْبَهَ عصيرَ العِنَبِ. فأمَّا حديثُهم، فقال أحمدُ: ليس في الرُّخْصَةِ في المُسْكِرِ حديثٌ صَحِيحٌ. وحديثُ ابنِ عباسٍ روَاه سعيدٌ. عن مِسْعَرٍ، عن أبي عَوْن، عن ابن شَدَّادٍ، عن ابن عباسٍ. قال: وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شرابٍ. وقال ابنُ المُنْذرِ: جاءَ أهلُ

стр. 6634

الكوفةِ بِأحاديثَ مَعْلُولَةٍ، ذكَرْناها مَعَ عِلَلِها. وذكرَ الأثْرَمُ أحاديثَهم التي يحتجُّون بها عن النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابةِ، فضعَّفَها كلَّها، وبَيَّنَ عِلَلَهَا. وقد قِيلَ إنَّ خَبَرَ ابنِ عباسٍ مَوْقوفٌ عليه، مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ من كلِّ شرابٍ، فإنَّهُ يَرْوِي هو وغيرُه عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". الفصل الثاني: أنَّه يجبُ الحَدُّ على من شَرِبَ قليلًا من المُسْكِرِ أو كَثيرًا. ولا نعلمُ بينهم خلافًا في ذلك في عَصيرِ العِنَبِ غيرِ المَطْبوخِ، واخْتَلفُوا في سائرِها، فذهبَ إمامُنا إلى التَّسْوِيَةِ بينَ عصيرِ العنبِ وكلِّ مُسْكِرٍ. وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، وقَتَادةَ، والأوزاعِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىُّ. وقالتْ طائفةٌ: لا يُحَدُّ، إلَّا أنْ يُسْكِرَ؛ منهم أبو وائلٍ، والنَّخَعِىُّ، وكثيرٌ من أهلِ الكوفِة، وأصْحابُ الرَّأى. وقال أبو ثَوْرٍ: مَن شَرِبَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه حُدَّ. ومن شَرِبَه مُتأوِّلًا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مُخْتلَفٌ فيه، فأشْبَهَ النِّكَاحَ بلا وَلِىٍّ. ولَنا، ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوه". روَاه أبو داودَ، وغيرُه (١٠). وقد ثبتَ أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فيتناولُ الحديثُ قليلَه وكثيرَه، ولأنَّه شَرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فوجبَ الحَدُّ بقليلِه، كالخمرِ، والاخْتلافُ فيها (١١) لا يَمْنَعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها؛ بدليلِ ما لو اعْتقدَ تَحْريمَها. وبهذا فارقَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ ونحوَه من المُخْتلَفِ فيه، وقد حَدَّ عمرُ قُدامةَ بنَ مَظْعونٍ وأصحابَه، مع اعْتقادِهم حِلَّ ما شَرِبُوه (١٢). والفرقُ بين هذا وبينَ سائرِ المُخْتَلَفِ فيه من وَجْهَيْن؛

стр. 6635

أحدُهما، أنَّ فِعْلَ الْمُخَتلَفِ فيه ههُنا دَاعِيةٌ إلى فِعْلِ ما أُجْمِعَ على تَحْريمِه، وفِعْلَ سائرِ الْمُخَتلَفِ فيه يَصْرِفُ عن جِنْسِه من المُجْمَعِ على تَحْرِيمِه. الثَّانى، أنَّ (١٣) السُّنَّةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قد اسْتفاضَتْ بتَحْرِيمِ هذا الْمُخَتلَفِ فيه، فلم يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذْرٌ في اعْتقادِ إباحتِه، بخلافِ غيرِه من المُجْتَهَداتِ. قال أحمدُ بنُ القاسم: سمعتُ أبا عبد اللَّه، يقولُ: في تحريمِ المسْكِرِ عشرونَ وجهًا عن النَّبِيِّ ﷺ ، في بعضِها: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ". وبعضِها: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". فصل: وإن ثَرَدَ في الخمرِ، أو اصْطَبغَ به، أو طَبَخَ به لَحْمًا فأكلَ من مَرَقَتِه، فعليه الْحَدُّ؛ لأنَّ عينَ الخمرِ مَوْجودةٌ, كذلك إن لَتَّ به سَوِيقًا فأكلَه. وإن عجنَ به دَقِيقًا، ثم خبزَه فأكلَه، لم يُحَدَّ؛ لأنَّ النَّارَ أكَلتْ أجْزاءَ الخمرِ، فلم يَبْقَ إلَّا أثرُه. وإن احْتَقَنَ بالخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه ليس بشُرْبٍ ولا أكْلٍ، ولأنَّه لم يَصِلْ إلى حَلْقِه، فأشْبَهَ ما لو داوَى به جُرْحَه، وإن اسْتَعَطَ به، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى باطنِه من حَلْقِه، ولذلك نَشر الحُرْمَةَ في الرَّضاعِ دونَ الحُقْنةِ. وحُكِىَ عن أحمدَ، [أنَّ على] (١٤) مَن احْتَقَنَ به الحَدَّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى جَوْفِه، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذكرْناه. واللهُ أعلمُ. الفصل الثالث: في قَدْرِ الحَدِّ، وفيه رِوَايتان، إحْداهما، أنَّه ثمانون. وبهذا قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، ومَنْ تَبِعَهم؛ لإِجماعِ الصَّحَابةِ، فإنَّه رُوِىَ أنَّ عمرَ اسْتشَارَ النَّاسَ في حَدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرحمن [بنُ عَوْفٍ] (١٥): اجْعَلْه كأخَفِّ الحدودِ ثمانين. فضَرَبَ عمرُ ثمانين، وكتبَ به إلى خالدٍ، وأبى عُبَيْدةَ بالشَّامِ (١٦). ورُوِىَ

стр. 6636

أنَّ عليًّا قال في الْمَشُورةِ: إنَّه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى. فحُدُّوهُ حَدَّ المُفْتَرِى. رَوَى ذلك الجُوزَجَانِىُّ، والدَّارَقُطْنِىُّ، وغيرُهما (١٧). والرِّوايةُ الثانية، أنَّ الحدَّ أربعون. وهو اختيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عليًّا جَلَدَ الوليدَ بنَ عُقْبةَ أربعين، ثم قال: جَلَدَ النَّبِىُّ ﷺ أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمر ثمانين، وكُلٌّ سُّنَّةٌ، وهذا أحبُّ إلىَّ. روَاه مُسْلِم (١٨). وعن أنسٍ قال: أُتِىَ رسولُ اللَّه ﷺ بِرَجُلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فضَربَه بالنِّعالِ نحوًا من أربعين، ثم أُتِىَ به أبو بكرٍ، فصنَعَ (١٩) مثلَ ذلك، ثم أُتِىَ به عمرُ، فاستشارَ الناسَ في الحدودِ، فقال ابنُ عوفٍ: أقلُّ الحدودِ ثمانون. فضربَه عمر. مُتَّفَقٌ عليه (٢٠). وفعلُ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ لا يجوزُ تَرْكُه بفِعْلِ غيرِه، ولا ينعَقِدُ الإِجْماعُ على ما خالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ، وأبى بكرٍ وعلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، فتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ من عمرَ على أنَّها تَعْزيرٌ، يجوزُ فعلُها إذا رآه الإِمامُ. الفصل الرابع: أنَّ الحَدَّ إنَّما يَلْزمُ من شَرِبَها مُخْتارًا لشُرْبِها، فإن شَرِبَها مُكْرَهًا، فلا حَدَّ عليه، ولا إثْمَ، سَواءٌ أُكْرِه بالوَعِيدَ والضَّرْبِ، أو أُلْجِىءَ إلى شُرْبها بأن يُفْتَحَ (٢١) فُوهُ، وتُصَبَّ فيه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَإِ، والنِّسْيَانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢٢). وكذلك المُضْطَرُّ إليها لدَفْعِ غُصَّةٍ بها، إذا لم يجِدْ مائِعًا سِوَاها،

стр. 6637

فإنَّ اللَّه تعالى قال في آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢٣). وإن شَرِبَها لِعَطَشٍ، نَظَرْنا؛ فإن كانتْ مَمْزوجَةً بما يَرْوِى من العَطَشِ، أُبِيحَتْ لدَفْعِه عندَ الضَّرورةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ عند المَخْمَصَةِ، وكَإباحَتِها لدَفْعِ الغُصَّةِ، وقد رَوَيْنا في حديثِ عبدِ اللَّه بنِ حُذافةَ، أنَّه أَسَرَه الرُّومُ، فحبَسَه طاغيتُهم في بيتٍ فيه ماءٌ مَمْزوجٌ بخَمْرٍ، ولَحمُ خنزيرٍ مَشْوِىٌّ، ليَأْكُلَه ويَشْربَ الخمرَ، وتركَه ثلاثةَ أيامٍ، فلم يفْعَلْ، ثم أخْرَجُوه حين خَشَوا مَوْتَه، فقال: واللهِ لقد كانَ اللهُ أحَلَّه لي، فإنِّى مُضْطَرٌّ، ولكن لم أكُنْ لأُشْمِتَكُمْ بدِينِ الإِسْلامِ (٢٤). وإن شَرِبَها صِرْفًا، أو مَمْزُوجةً بِشىءٍ يَسِيرٍ لا يَرْوِى من العَطَشِ، أو شَرِبَها للتَّداوِى، لم يُبَحْ له ذلك، وعليه الحَدُّ. وقال أبو حنيفة: يُباحُ شربُها لهما. وللشافعيَّةِ وَجْهانِ، كالمذْهَبَيْن. ووجهٌ ثالثٌ، يُباحُ شربُها للتَّدَاوى دُونَ العَطَشِ؛ لأنَّها حالُ ضَرورَةٍ، فأُبِيحَتْ فيها، كدَفْعِ (٢٥) الغُصَّةِ وسائرِ ما يُضْطَرُّ إليه. ولَنا، ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢٦)، بإسْنادِه عن طارقِ بنِ سُوَيدٍ، أنَّه سأل رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: إنَّما أصنعُها للدَّواءِ. فقال: "إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ". وبإسْنادِه عن مُخارِقٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دخلَ على أُمِّ سَلَمةَ، وقد نَبَذَتْ نَبِيذًا في جَرَّةٍ، فخرجَ والنَّبِيذُ يَهْدِرُ، فقال: "مَا هَذَا؟ ". فقالَتْ: فلانةُ اشْتكَتْ بطنَها، فنَقَعْتُ لها، فدَفَعَه برِجْلِه فكسَره، وقال: "إنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً" (٢٧).

стр. 6638

ولأنَّه مُحرُّمٌ لعَيْنِه، فلم يُبَحْ للتَّدَاوِى، كلَحْمِ الخِنْزيرِ، ولأنَّ الضَّرُورةَ لا تنْدَفِعُ به (٢٨)، فلم يُبَحْ، كالتَّداوِى بها فيما لا تصْلُحُ له. ال فصل الخامس: أنَّ الحَدَّ إنَّما يَلْزَمُ مَن شَرِبَها عالمًا أنَّ كثيرهَا يُسْكِرُ، فأمَّا غيرُه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه غيرُ عالمٍ بتَحْرِيمِها، ولا قَاصِدٍ إلى ارْتكابِ الْمَعْصِيَةِ بها، فأشْبَهَ من زُفَّتْ إليه غيرُ زَوْجتِه. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. فأمَّا مَن شَرِبَها غيرَ عالمٍ بتَحْريمِها، فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ عمرَ وعثمانَ قالا: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه (٢٩). ولأنَّه غيرُ عالمٍ بالتَّحْرِيمِ، أشْبَهَ مَن لم يَعْلَمْ أنَّها خَمْرٌ. وإذا ادَّعَى الجَهلَ بتَحْرِيمِها نظَرْنا؛ فإن كان ناشئًا ببلدِ الإِسلامِ بينَ المسلمين، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ؛ لأنَّ هذا لا يكادُ يَخْفَى على مِثْلِه، فلا تُقبَلُ دَعْواهُ فيه. وإن كان حديثَ عهدٍ بإسْلامٍ، أو ناشئًا بباديةٍ بعيدةٍ عن البُلدانِ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه. فصل: ولا يجبُ الحَدُّ حتى يثْبُتَ شُرْبُه بأحَدِ شَيْئيْن؛ الإِقرارِ أو البَيِّنَةِ. ويكْفى في الإِقرارِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ. في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه حَدٌّ لا يتضَمَّنُ إتْلافًا، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. وإذا رَجَعَ عن إقْرارِه قُبِلَ رُجوعُه؛ لأنَّه حَدٌّ للهِ سبحانه، فقُبِلَ رُجوعُه عنه، كسائرِ الحُدودِ. ولا يُعْتَبَرُ مع الإِقرارِ وُجودُ رائحةٍ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، إلَّا أن تُوجَدَ رائحةٌ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه أَحَدُ بَيِّنَتَىِ الشُّرْبِ، فلم يُعْتَبَرْ معه وُجودُ الرَّائحةِ، كالشَّهادَةِ، ولأنَّه قد يُقِرُّ بعدَ زوالِ الرائحةِ عنه، ولأنَّه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاكتُفِىَ به، كسائرِ الحُدودِ. فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بوُجودِ رائحةِ الخمرِ مِن فِيهِ. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وروَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ، أنَّه يُحَدُّ بذلك. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ جَلَدَ رجلًا وَجَدَ منه رائحةَ الخمرِ (٣٠). ورُوِىَ عن عمرَ،

стр. 6639

أنَّه قال إنِّي وجدتُ من عُبَيْدِ اللَّه رِيحَ شَرَابٍ، فأقَرَّ أنَّه شَرِبَ الطِّلا. فقال عمرُ: إنِّي سائِلٌ عنه، فإن كان يُسْكِرُ جَلَدْتُه (٣١). ولأنَّ الرَّائحةَ تَدُلُّ على شُرْبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الرائحةَ يَحْتَمِلُ أنَّه تمَضْمَضَ بها، أو حَسِبَها ماءً، فلَمَّا صارَتْ في فِيهِ مَجَّهَا، أو ظَنَّها لا تُسْكِرُ، أو كانَ مُكْرَهًا، أو أَكَلَ نَبْقًا بالِغًا، أو شَرِبَ شَرابَ التُّفَّاحِ، فإنَّه يكونُ منه، كرائحةِ الخمرِ، وإذا احْتَمَلَ ذلك، لم يجبِ الحَدُّ الذي يُدْرَأُ بالشُّبهاتِ. وحديثُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه لم يَحُدَّه بوُجودِ الرائحةِ، ولو وجبَ ذلك، لَبادرَ إليه عمرُ. واللهُ أعلمُ. فصل: وإن وُجِدَ سَكْرانَ، أو تَقَيَّأَ الخمرَ. فعن أحمدَ، لا حَدَّ عليه؛ لاحْتمالِ أن يكونَ مُكْرهًا، أو لم يَعْلَمْ أنَّها تُسْكِرُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وروايةُ أبى طالبٍ عنه في الحَدِّ بالرَّائحةِ، تَدُلُّ على وُجوبِ الحَدِّ ههُنا بطَريقِ الأوْلَى؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا بعدَ شُرْبِها، فأشْبَهَ مَا لو قامتِ البَيِّنَةُ عليه بشُرْبِها. وقد روى سعيدٌ، حدَّثنا هُشَيْمٌ، حدَّثنا الْمُغِيرةُ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: لَمَّا كان من أمرِ قُدامةَ ما كانَ، جاء عَلْقَمةُ الخَصِىُّ، فقال: أشهدُ أَنِّى رأيتُه يتقيَّأُها. فقالَ عمرُ: من قاءَها فقد شَرِبَها. فضَربَه الحَدَّ (٣٢). وروَى حُصَينُ بنُ المُنْذِرِ الرَّقَاشِىُّ، قال: شَهِدْتُ عثمانَ، وأُتِىَ بالوليدِ بنِ عُقْبةَ، فَشَهِدَ عليه حُمْرانُ ورَجُلٌ آخَرُ، فشَهِدَ أَحدُهما أنَّه رآه شَرِبَها، وشَهِدَ الآخرُ أنَّه رآه يتَقيَّأُها. فقال عثمانُ: إنَّه لم يتَقَيَّأْها حتى شَرِبَها، فقال لِعلىٍّ: أقِمْ عليه الْحَدَّ. فأمرَ علىٌّ عبدَ اللَّه بنَ جَعْفرٍ، فضَرَبَه. روَاه مسلمٌ (٣٣). وفي روايةٍ فقال له عثمانُ: لقد

стр. 6640

تنطَّعْتَ في الشَّهادَةِ. وهذا بمَحْضَرٍ من عُلَماءِ الصحابةِ وسَادَتِهم، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه يَكْفِى في الشَّهادَةِ عليه أنَّه شَرِبَها، ولا يتَقيَّأُها أو لا يَسْكَرُ منها حتى يَشْرَبَها. فصل: وأمَّا البَيِّنَةُ، فلا تكونُ إلَّا رجلَيْن عَدْلَيْن مُسلِمَين، يشْهدانِ أنَّه مُسْكِرٌ، ولا يحْتاجانِ إلى بيانِ نَوْعِه؛ لأنَّه لا ينقَسِمُ إلى ما يوجبُ الحَدَّ وإلى ما لا يوجِبُه، بخلافِ الزِّنَى، فإنَّه يُطْلَقُ على الصَّرِيحِ وعلى دواعِيه، ولهذا قال النَّبِىُّ ﷺ : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، واليَدَانِ تَزْنِيَانِ، والْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه" (٣٤). فلهذا احتاجَ الشَّاهدانِ إلى تَفْسيرِه، وفي مسألتِنا لا يُسَمَّى غيرُ المُسْكِرِ مُسْكِرًا، فلم يفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ نَوْعِه. ولا يَفْتَقِرُ في الشَّهادَةِ إلى ذكْرِ عَدَمِ الإِكْراهِ، ولا ذِكْرِ عِلْمِه أنَّه مُسْكِرٌ؛ لأنَّ الظاهرَ الاختيارُ والعلمُ، وما عداهما نادِرٌ بعيدٌ، فلم يَحْتَجْ إلى بيانِه، ولذلك لم يُعْتَبَرْ ذلك في شيءٍ من الشَّهاداتِ، ولم يَعْتَبِرْهُ عثمانُ في الشَّهادةِ على الوليدِ بنِ عُقْبةَ، ولا اعْتَبرَه عمرُ في الشَّهادَةِ على قُدامةَ بنِ مَظْعونٍ، ولا في الشَّهادةِ على المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ، ولو شَهِدا بِعِتْقٍ أو طَلاقٍ، لم يفتَقِرْ إلى ذِكْرِ الاخْتيارِ، كذا ههُنا. ١٦٠٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ فِي جَلْدِهِ، فالْحَقُّ قَتَلَه. يَعْنِى لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ ضَمَانُهُ) وهذا قولُ مالِكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وبه قالَ الشَّافِعِىُّ إن لم يَزِدْ على الأربعين، وإن زادَ على الأربعين فماتَ، فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّ ذلك تَعْزِيرٌ، إنَّما يفعلُه الإِمامُ برأْيِه، وفى قَدْرِ الضَّمانِ قَوْلان؛ أحدُهما، نصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه تَلِفَ من فِعْلَيْن؛ مَضْمونٍ، وغيرِ

стр. 6641

مَضْمونٍ، فكانَ عليه نصفُ الضَّمانِ. والثانى، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الضَرَباتِ كُلِّها، فيجبُ من الدِّيَةِ بقدرِ زيادتِه على الأرْبَعين. ورُوىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ما كنتُ لِأُقِيمَ حَدًّا على أحدٍ فيَمُوتَ، فأجِدَ في نفسى (١)، إلَّا صاحبَ الخمرِ، ولو ماتَ وَدَيْتُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَسُنَّه لنا (٢). ولَنا، أنَّه حَدٌّ وجَبَ للهِ، فلم يجبْ ضمانُ من ماتَ به، كسائرِ الحدودِ، وما زادَ على الأربعين قد ذكرنا أنَّه من الحَدِّ، وإن كان تَعْزِيرًا، فالتَّعْزِيرُ (٣) يجبُ، فهو بمَنْزِلَةِ الحَدِّ. وأمَّا حديثُ عليٍّ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: جَلَدَ رسولُ اللهِ ﷺ أرْبعين، وأبو بكرٍ أربعين (٤). وثَبتَ الحَدُّ بالإِجماعِ، فلم تَبْقَ فيه شُبْهَةٌ. فصل: ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في سائرِ الحُدودِ، أنَّه إذا أتَى بها على الوَجْهِ المشروعِ، من غيرِ زيادةٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بها؛ ذلك لأنَّه (٥) فَعَلَهَا بأمرِ اللهِ. وأمرِ رسولِه، فلا يُؤَاخَذُ به، ولأنَّه نائِبٌ عن اللهِ تعالى، فكان التَّلفُ منسوبًا إلى اللهِ تعالى. وإن زادَ على الحَدِّ فتَلِفَ، وَجَبَ الضَّمَانُ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو ضَرَبَه في غيرِ الحَدِّ. قال أبو بكرٍ: وفى قدرِ الضَّمَانِ قَوْلان؛ أحدهما، كمالُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قَتْلٌ (٦) حصلَ من جِهَةِ اللهِ وعُدْوانِ الضاربِ، فكان الضَّمانُ على العادِى، كما لو ضَرَبَ مرِيضًا سَوْطًا فماتَ به (٧)، ولأنَّه تَلِفَ بعُدْوانٍ وغيرِه، فأشْبَهَ ما لو

стр. 6642

ألْقَى على سفينةٍ مُوقَرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَها. والثانى، عليه نصفُ الضَّمَانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلٍ مَضْمونٍ وغيرِ مَضْمونٍ، فكان الواجِبُ نِصْفَ الدِّيَةِ، كما لو جَرَحَ نفسَه وجَرحَه غيرُه فماتَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ قوليه. وقال في الآخَرِ: يجبُ من الدِّيَةِ بقِسْطِ ما تعدَّى به، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على الأسْواطِ كلِّها، وسواءٌ زادَ خَطَأً أو عمدًا؛ لأنَّ الضَّمانَ يجبُ في الخَطَأ والعمدِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان الجلَّادُ زادَه من عندِ نفسِه بغيرِ أمرٍ، فالضَّمانُ على عاقلتِه؛ لأنَّ العُدْوانَ منه، وكذلك إن قال الإِمامُ له: اضربْ ما شِئْتَ. فالضَّمانُ على عاقلتِه. وإن كان له من يَعُدُّ عليه، فزاد في العَدَدِ، ولم يُخْبِرْهُ، فالضَّمانُ على من يَعُدُّ، سواءٌ تَعَمَّدَ ذلك، أو أخطأَ في العددِ؛ لأنَّ الخطأَ منه. وإن أمرَه الإِمامُ بالزِّيادةِ على الحَدِّ، فزادَ، فقال القاضي: الضَّمانُ على الإِمامِ. وقياسُ المذهبِ أنَّه إنِ اعْتَقدَ وُجوبَ طاعةِ الإِمامِ، وجَهِلَ تَحْريمَ الزِّيَادَةِ، فالضَّمانُ على الإِمامَ، وإن كان عالمًا بذلك، فالضَّمانُ عليه، كما لو أمرَه الإِمامُ بقَتْلِ رجلٍ ظُلْمًا فقتلَه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يضْمَنُ الإِمامُ. فهل يَلْزَمُ عاقلتَه أو بيتَ المال؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، هو في بيتِ المالِ؛ لأنَّ خطَأَه يكثُرُ، فلو وجبَ ضَمَانُه على عاقلتِه، أجْحَفَ (٨) بهم. قال القاضي: هذا أصَحُّ. والثانية، هو على عاقلتِه؛ [لأنَّها وجَبتْ بخَطئِه، فكانتْ على عاقلتِه] (٩) , كما لو رَمَى صَيْدًا فقتلَ آدَمِيًّا. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الرِّوايتانِ إنَّما هما فيما إذا وقَعتِ الزِّيادةُ منه خطأً، أمَّا إذا تعمَّدَها، فهذا ظُلْمٌ قَصَدَه، فلا وَجْهَ لتعلُّقِ ضَمانِه ببيتِ المالِ بحالٍ، كما لو تعمَّدَ جَلْدَ من لا حَدَّ عليه. وأمَّا الكَفارَةُ التي تَلْزَمُ الإِمامَ، فلا يَحْمِلُها عنه غيرُه؛ لأنَّها عبادةٌ، فلا تَتعَلَّقُ بغيرِ مَنْ وُجِدَ منه سببُها، ولأنَّها كَفَّارَةٌ لفِعْلِهِ، فلا تَحْصُلُ إلَّا بتَحَمُّلِه إيَّاها، ولهذا لا يدْخُلُها (١٠) التحَمُّلُ بحالٍ. فصل: ولا يُقامُ الحَدُّ على السَّكرانِ حتى يصْحُوَ. رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ

стр. 6643

عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِىِّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّ المقْصودَ الزَّجْرُ والتَّنْكِيلُ، وحصولُه بإقامةِ الحَدِّ عليه في صَحْوِه أتمُّ، فيَنْبَغِى أن يُؤَخَّرَ إليه. فصل: وحَدُّ السُّكْرِ الذي يحْصُلُ به فِسْقُ شاربِ النَّبِيذِ، ويُخْتَلَفُ معه في وُقوعِ طلاقِه، ويَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاةِ منه، هو الذي يجْعلُه يخْلِطُ في كلامِه ما لم يكُنْ قبلَ الشُّرْبِ، ويُغَيِّرُه عن حالِ صَحْوهِ، ويَغْلِبُ على عَقْلِه، ولا يُمَيِّزُ بينَ ثَوْبِه وثوبِ غيرِه عندَ اخْتلاطِهما، ولا بينَ نَعْلِه ونعلِ غيرِه. ونحوَ هذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْر. وزعمَ أبو حنيفةَ، أنَّ السَّكْرانَ هو الذي لا يعرفُ السماءَ من الأرضِ، ولا الرَّجُلَ من المرأةِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١١). نَزَلَتْ في أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، حين قَدَّمُوا رَجُلًا منهم في الصَّلَاةِ، فصَلَّى بهم، وترَكَ في قراءتِه ما غَيَّرَ المعنَى (١٢). وقد كانوا قامُوا إلى الصَّلَاةِ عالمين بها، وعَرَفُوا إمامَهم وقَدَّمُوه لِيَؤُمَّهم (١٣)، وقصدَ إمامتَهم، والقراءةَ لهم، وقَصَدُوا الائْتمامَ به، وعَرَفُوا أركانَ الصَّلَاةِ، فأَتَوْا بها، ودَلَّتِ الآيةُ على أنَّه ما لم يعلَمْ ما يقولُ، فهو سَكْرانُ. ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بَسَكرانَ [فقال: "ما شَرِبْتَ؟ "] (١٤). فقال: ما شَرِبْتُ إلَّا الخَلِيطَيْن (١٥). وأُتِىَ بآخرَ سَكْرانَ، فقال: ألا أَبْلِغْ رسولَ اللَّه ﷺ أنِّى ما سَرَقْتُ، ولا زَنَيْتُ (١٦). فهؤلاء قد عَرَفُوا رسول اللَّه ﷺ ، واعتذَرُوا إليه، وهم سُكَارَى. وفي حديثِ حمزةَ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، حين غَنَّتْه قَيْنَةٌ وهو سَكْرانُ: ألا يا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّواءِ ... وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بالْفِنَاءِ (١٧)

стр. 6644

وكان علىٌّ أناخَ شارِفَيْن له بفِنَاءِ البيتِ الذي فيه حمزةُ، فقامَ إليها، فبَقَرَ بُطونَها، واجتثَّ أسْنِمَتَها، فذهبَ علىٌّ فاسْتَعْدَى عليه رسولَ اللَّه ﷺ , فجاءَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فإذا حمزةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاه، فلامَه النَّبِيُّ ﷺ ، فنظَرَ إليه وإلى زيدِ بن حارثةَ، فقال: وهل أنتم إلَّا عَبِيدٌ لأبِى! فانْصرَفَ عنه رسولُ اللَّه ﷺ (١٨)، فقد فَهِمَ ما قالتِ القَيْنَةُ في غنائِها، وعَرَفَ الشَّارِفَيْن وهو في غايةِ سُكْرِه. ولأنَّ المجنونَ الذاهبَ العقلِ بالكُلِّيَّةِ يعْرِفُ السَّماءَ من الأرضِ، والرَّجُلَ من المرأةِ، مع ذَهابِ عَقْلِه، ورَفْعِ القلمِ عنه. ١٦٠١ - مسألة؛ قال: (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي سَائِرِ الحُدُودِ قَائِمًا بِسَوْطٍ لَا خلَقٍ، وَلَا جَدِيدٍ، ولا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَيُتَّقَى وَجْهُهُ) قولُه: في سائرِ الحدودِ. يعني جميعَ الحدودِ التي فيها الضَّرْبُ، وفى هذه المسألةِ ثلاثُ مسائلَ: أحدها، أنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ قَائِمًا. وبه قالَ أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: يُضْرَبُ جالِسًا. وروَاه (١) حَنْبَلٌ، عن أحمدَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يأْمُرْ بالقيامِ، ولأنَّه مَجْلودٌ في حَدٍّ، فأشْبَهَ المرأةَ. ولَنا، قولُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لكلِّ مَوْضعٍ مِن (٢) الجسدِ حَظٌّ - يعني في الْحَدِّ - إلَّا الوَجْهَ والفَرْجَ (٣). وقال للجَلَّادِ: اضْرِبْ، وأوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ (٣). ولأنَّ قيامَه وَسِيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ حظَّه من الضَّربِ.

стр. 6645

وقولُه: إنَّ اللَّه لم يأْمُرْ بالقيامِ. قُلْنا: ولم يَأْمُرْ بالجلوسِ، ولم يذْكُرِ الكَيْفِيَّةَ، فعَلِمْنَاها من دليلٍ آخرَ، ولا يَصِحُّ قياسُ الرَّجُلِ على المرأةِ في هذا؛ لأنَّ المرأةَ يُقْصَدُ سَتْرُها، ويُخْشَى هَتْكُها. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ الضَّرْبَ يُفَرَّقُ على جميعِ جَسَدِه، ليأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ منه حِصَّتَه، ويُكْثِرُ منه في مَواضِعِ اللَّحْمِ، كالأَلْيَتَيْن والفَخِذَيْن، ويَتَّقى المقَاتِلَ، وهى الرَّأْسُ والوَجْهُ والفَرْجُ، من الرَّجُلِ والمرْأَةِ جميعًا. وقال مالك: يُضْرَبُ الظَّهْرُ، وما يُقَارِبُه. وقال أبو يوسفَ: يُضْرَبُ الرَّأسُ أيضًا؛ لأنَّ عليًّا لم يَسْتَثْنِه. ولَنا، على مالكٍ قولُ عَلِىٍّ، ولأنَّ ما عَدا الأعْضاءَ الثلاثةَ ليس بمَقْتَلٍ، فأشْبَهتِ الظَّهْرَ. وعلى أبى يوسفَ، أنَّ الرأسَ مَقْتَلٌ، فأشْبَهَ الوَجْهَ، ولأنَّه ربَّما ضَرَبَه في رأسِه، فذهبَ بسَمْعِه وبَصَرِه وعَقْلِه، أو قتلَه، والمقصودُ أدَبُه لا قتلَه. وقولُهم: لم يَسْتَثْنِه علىٌّ، ممنوعٌ فقد ذكَرْنا عنه، أنَّه قال: اتَّقِ الرَّأسَ والوَجْهَ، [ولو لم] (٤) يذْكُرْه صريحًا، فقد ذكرَه دلالةً؛ لأنَّه في معنى ما اسْتَثْناه، فيُقاسُ عليه. المسألة الثانية, أنَّه لا يُمَدُّ، ولا يُرْبَطُ. ولا نَعْلَمُ عنهم في هذا خِلافًا. قال ابنُ مسعود: ليس في دِينِنا مَدٌّ، ولا قَيْدٌ، ولا تَجْرِيدٌ (٥). وجَلَدَ أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ , فلم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم مَدٌّ ولا قيدٌ ولا تَجْريدٌ. ولا تُنْزَعُ عنه ثيابُه، بل يكونُ عليه الثَّوبُ والثَّوْبانِ. وإن كان عليه فَرْوٌ، أو جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ، نُزِعَتْ عنه؛ لأنَّه لو تُرِكَ عليه ذلك لم يُبالِ بالضَّربِ. قال أحمدُ: لو تُرِكَتْ عليه ثِيابُ الشِّتاء ما بَالَى بالضَّرْبِ. وقال مالِكٌ: يُجَرَّدُ؛ لأنَّ الأمرَ بجَلْدِه يقْتَضِى مُباشَرَةَ جسْمِه. ولَنا، قولُ ابن مسعودٍ، ولمْ نعلمْ عن أحدٍ من الصحابةِ خلافَه، واللهُ تعالى لم يأْمُرْ بتَجْريدِهِ، إنَّما أمرَ بجَلْدِه، ومن جُلِد مِن (٦) فوقِ الثَّوْبِ فقد جُلِدَ. المسألة الثالثة: أنَّ الضَّربَ بالسَّوْطِ. ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خلافًا في هذا، في (٧)

стр. 6646

غيرِ حدِّ الخمرِ. فأمَّا حَدُّ الخمرِ، فقال بعضُهم: يُقامُ بالأيْدِى والنِّعالِ وأطْرافِ الثِّيابِ. وذكرَ بعضُ أصحابِنا، أنَّ للإِمامِ فعلَ ذلك إِذا رآه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أُتِىَ بِرَجُلٍ قد شَرِبَ، فقال: "اضْرِبُوه". قال: فمِنَّا الضَّارِبُ بيَدِه، والضاربُ بنَعْلِه (٨)، والضاربُ بثَوْبِه. روَاه أبو داودَ (٩). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذا شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ" (١٠). والجلدُ إنَّما يُفْهَمُ من إطْلاقِه الضربُ بالسَّوْطِ، ولأنَّه أَمَرَ بجَلْدِه، كما أَمَرَ اللهُ تعالى بجَلْدِ الزَّانِى، فكان بالسَّوْطِ مِثْلَه، والخلفاءُ الرَّاشِدون ضَرَبُوا بالسِّيَاطِ (١١)، وكذلك غيرُهم، فكانَ إجماعًا. فأمَّا حديثُ أبى هُرَيْرَةَ، فكان في بَدْءِ الأمرِ، ثم جَلَدَ النَّبِىُّ ﷺ ، واسْتقرَّتِ الأمورُ، فقد صَحَّ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَلَدَ أربعين، وجَلَدَ أبو بكرٍ أربعين، وجَلَدَ عمرُ ثمانين، وجَلَدَ عَلِىٌّ الوليدَ (١٢) بنَ عُقْبةَ أربعين (١٣). وفي حديثِ جَلْدِ قُدامةَ، حينَ شَرِبَ، أنَّ عمرَ قال: ائْتُونِى بسَوْطٍ. فجاءَه أسْلَمُ مَوْلاه بسَوْطٍ دَقِيقٍ صغيرٍ، فأخذَه عمرُ، فمسَحَه بَيدِه، ثم قال لأسْلَمَ: أنا أحدِّثُك، إنَّك ذكرتَ قَرابتَه لأهلِكَ، ائْتِنِى بِسَوْطٍ غيرِ هذا. فأتاه به تامًّا، فأمرَ عمرُ بقُدامةَ فجُلِدَ (١٤). إذا ثبتَ هذا، فإنَّ السَّوْطَ يكون وَسَطًا، لا جديدٌ (١٥) فيَجْرَحُ،

стр. 6647

ولا خَلَقٌ (١٦) فَيقلُّ ألَمُه؛ لما رُوِىَ أنَّ رَجُلًا اعْتَرفَ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ بالزِّنَى، فدعا له رسولُ اللَّه ﷺ بسَوْطٍ، فأُتِىَ بسَوْطٍ مكْسُورٍ، فقال: "فَوْقَ هَذا". فَأُتِىَ بسَوْطٍ جَدِيدٍ لم تُكْسَرْ ثَمَرتُه. فقال: "بَيْنَ هَذَيْنِ". روَاه مالِكٌ (١٧)، عن زيدِ بنِ أسلمَ مُرْسلًا. ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرةَ مُسْندًا. وقد رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ضَرْبٌ بينَ ضَرْبَيْنِ، وسَوْطٌ بينَ سَوْطينِ (١٨). وهكذا الضَّرْبُ يكونُ وَسَطًا، لا شَدِيدٌ فيقْتلُ، ولا ضعيفٌ فلا يَرْدَعُ. ولا يَرْفَعُ باعَه كُلَّ الرَّفْعِ، ولا يحُطُّه فلا يؤلِمُ. قال أحمدُ: لا يُبْدِى إبطَه في شيءٍ من الحُدودِ. يعني لا يُبالِغُ في رَفْعِ يدِه، فإنَّ المقْصودَ أدَبُه، لا قَتْلُه. ١٦٠٢ - مسألة؛ قال: (وتُضْرَبُ المرْأَةُ جَالِسَةً، وتُمْسَكُ يَدَاهَا، لِئَلَّا تَنْكَشِفَ) وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، ومالِكٌ. وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ: تُحَدُّ قائمةً، كما تُلَاعَنُ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: تُضْرَبُ المرأةُ جَالِسَةً، والرَّجُلُ قائمًا (١). ولأنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، وجلوسَها أَسْتَرُ لها. ويُفارِقُ اللِّعانُ، فإنَّه لا يُؤَدِّى إلى كَشْفِ العَوْرةِ، وتُشَدُّ عليها ثيابُها؛ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ شيءٌ من عَوْرَتها عندَ الضَّرْبِ.

стр. 6648

فصل: أشدُّ الضَّرْبِ في الحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِى، ثم حَدُّ القَذْفِ، ثم حَدُّ الشُّرْبِ، ثم التَّعْزِيرُ. وقال مالِكٌ: كُلُّها واحِدٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمرَ بجَلْدِ الزَّانِى والقاذِفِ أمرًا واحدًا، ومقصودُ جميعِها واحِدٌ، وهو الزَّجْرُ، فيجبُ تَساوِيها في الصِّفَةِ. وعن أبي حنيفةَ: التَّعْزِيرُ أشدُّها، ثم حَدُّ الزَّانِى، ثم حَدُّ الشُّرْبِ، ثم حَدُّ القَذْفِ. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خَصَّ الزَّانِىَ بمَزيدِ تأْكيدٍ، بقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٢). فاقْتَضَى ذلك مَزِيدَ تأْكيدٍ فيه، ولا يُمْكِنُ ذلك في العَددِ، فتعيَّنَ جَعْلُه في الصِّفَةِ، ولأنَّ ما دُونَه أَخَفُّ منه عَددًا، فلا يجوزُ أن يزيدَ عليه في إيلامِه ووجَعِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى التَّسْوِيَةِ بينَهما، أو زيادةِ القليلِ على ألمِ الكثيرِ. ١٦٠٣ - مسألة؛ قال: (وَيُجْلَدُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ أرْبَعِينَ، بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ) [هذا على الرِّواية التي تقول: إنَّ حَدَّ الحُرِّ في الشُّرْبِ ثمانون. فحَدُّ العبدِ والأمةِ نصفُها أربعون (١). وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، حدُّهما عشرون، نصفُ حَدِّ الحُرِّ، بدُونِ سَوْطِ الحُرِّ] (٢)؛ لأنَّه لَمَّا خُفِّفَ عنه في عَدَدِه؛ خُفِّفَ عنه في صِفَتِه، كالتَّعْزِيرِ مع الحَدِّ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سَوْطُه كسَوْطِ الحُرِّ؛ لأنَّه إنَّما يتحَقَّقُ التَّنصيفُ إذا كان السَّوْطُ مثلَ السَّوْطِ، أمَّا إذا كان نِصْفًا في عَدَدِه، وأخفَّ منه في سَوْطِه، كان أقلَّ من النِّصْفِ، واللَّه تعالى قد أوْجَبَ النِّصفَ، بقولِه تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣). فصل: ولا تُقَامُ الحدودُ في المساجِدِ. وبهذا قال عَكِرْمَةُ، والشَّعْبِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وكان ابنُ أبي ليلى يَرَى إقامتَه في المسجدِ. ولَنا، ما

стр. 6649

رَوَى حَكِيم بنِ حِزامٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى أن يُسْتَقَادَ في المسْجدِ، وأن تُنْشَدَ فيه الأشعارُ، وأن تُقامَ فيه الحدودُ (٤). ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ بِرَجُلٍ، فقال: أخْرِجَاه من المسجدِ، فاضْرِباهُ (٥). وعن عليٍّ، أنَّه أُتِىَ بِسَارِقٍ، فقال: يا قَنْبَرُ، أخْرِجْه من المسجدِ، فاقْطَعْ يدَه (٦). ولأنَّ المساجِدَ لم تُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيَتْ للصَّلَاةِ، وقراءةِ القرآنِ، وذِكْرِ اللَّه تعالى، ولا نَأْمَنُ أن يَحْدُثَ من المحدودِ حَدَثٌ [في المسجدِ] (٧) فيُنَجِّسَه ويُؤْذِيَه، وقد أمرَ اللَّه تعالى بتَطْهيرِه، فقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٨). ١٦٠٤ - مسألة؛ قال: (وَالْعَصِيرُ إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ، فَقَدْ (١) حَرُمَ، إلَّا أنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذلِكَ، فَيَحْرُمُ) أمَّا إذا غَلَى العصيرُ كغَلَيَانِ القِدْرِ، وقَذَفَ بزَبَدِه، فلا خلافَ في تَحْريمِه. وإن أتَتْ عليه ثلاثةُ أيَّامٍ ولم يَغْلِ، فقال أصْحابُنا: هو حَرَامٌ. وقال أحمد: اشْرَبْهُ ثلاثًا، ما لم يَغْلِ، فإذا أتى (٢) عليه أكثَرُ من ثلاثةِ أيَّامٍ، فلا تَشْرَبْهُ. وأكثرُ أهِل العلمِ يقولون: هو مُبَاحٌ ما لم يَغْلِ ويُسْكِرْ؛ لقولِ رسول اللَّه ﷺ : "اشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا". أخْرَجَه (٣) أبو داودَ (٤). ولأنَّ عِلَّةَ تَحْريمِه الشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ، وإنَّما ذلك في

стр. 6650

المُسْكِرِ خاصَّةً. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (٥)، بإسْنادهِ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُنْبَذُ له الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُه اليومَ والغَدَ وبعدَ الْغَدِ، إلى مَساءِ الثالثةِ، ثم يأْمُرُ به فيُسْقَى الخَدَمَ، أو يُهَرَاقُ. ورَوَى الشَّالَنْجِىُّ، بإسْنادِه عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "اشْرَبُوا العَصِيرَ ثَلاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ". وقال ابنُ عمرَ: اشْرَبْه ما لم يأْخُذْهُ (٦) شَيْطانُه. قيل: وفى كمْ يأخذُهُ (٧) شَيْطانُه؟ قال: في ثلاثٍ (٨). ولأنَّ الشِّدَّةَ تحْصُلُ في الثَّلاثِ غالبًا، وهى خَفِيَّةٌ (٩)، تحْتاجُ إلى ضابطٍ، فجازَ جعلُ الثَّلاثِ ضابطًا لها. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ شُرْبُه فيما زادَ على الثلاثةِ إذا لم (١٠) يَغْلِ مكروهًا غيرَ مُحَرَّمٍ، فإنَّ أحمدَ لم يُصَرِّحْ بتَحْريمِه، وقال في مَوْضعٍ: أكْرهُه. وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يشْربُه بعدَ ثلاثٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: عندِى أنَّ كلامَ أحمدَ في ذلك مَحْمُولٌ على عصيرٍ الغالبُ أنَّه يتخمَّرُ في ثلاثةِ أيَّامِ. ١٦٠٥ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ النَّبِيذُ) يعني أن النَّبِيذَ مُبَاحٌ ما لم يَغْلِ، أو تَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أيامٍ. والنَّبِيذُ: ما يُلْقَى فيه تمرٌ أو

стр. 6651

زَبِيبٌ أو نحوهُما؛ ليَحْلُوَ به الماءُ، وتَذْهبَ مُلوحَتُه، فلا بأسَ به ما لم يَغْلِ، أو تَأْتِىَ (١) عليه ثلاثةُ أيَّامٍ؛ لما رَوْينا عن ابن عباسٍ. وقال أبو هُرَيْرةَ: علمتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصومُ، فتحَيَّنْتُ فِطْرَه بَنبِيذٍ صَنَعْتُه في دُبَّاءَ، ثم أتَيْتُه به، فإذا هو يَنِشُّ. فقال: "اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ؛ فَإنَّ هذا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ". روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّه إذا بلغَ ذلك صارَ مُسْكِرًا، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. فصل: والخمرُ نَجِسَةٌ. في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَها لِعَيْنِها، فكانتْ نَجِسَةً، كالخنزيرِ. وكُلُّ مُسْكِرٍ فهو حَرَامٌ، نَجِسٌ؛ لِمَا ذكرْنا. فصل: وما طُبِخَ من العَصِيرِ والنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِه، حتى صار غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ، ورُبِّ الخَرُّوبِ (٣)، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّ التَّحْريمَ إنَّما ثبتَ في المُسْكِرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على أصلِ إباحَتِه (٤). وما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرامٌ، سواءٌ ذهبَ منه الثُّلُثانِ، أو أقَلُّ، أو أكثرُ. قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ، عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاهُ، وبَقِىَ ثُلثُه؟ قال: لا بأْسَ به. قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ. قال: لا يُسْكِرُ، ولو كان يُسْكِرُ ما أحلَّه عمرُ. فصل: ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ (٥). وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا أعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه لا يُسْكِرُ، وإذا تُرِكَ يَفْسُدُ، بخلافِ الخمرِ، والأشياءُ على الإِباحةِ، ما لم يَرِدْ بتَحْريمِها حُجَّةٌ. فصل: ويجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها. وعن أحمد، أنَّه كَرِه الانْتِباذَ في الدُّبَّاءِ

стр. 6652

والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الانْتباذِ فيها (٦). والدُّبَّاءُ: وهو اليَقْطِينُ (٧). والحَنْتَمُ: الجِرارُ. والنَّقِيرُ: الخَشَبُ. والمزَفَّتُ: الذي يُطْلَى بالزِّفْتِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "نَهَيْتُكُمْ عن ثلاثٍ، وأنا آمُرُكُم بِهِنَّ؛ نَهَيْتُكمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ أنْ (٨) تَشْرَبُوا إلَّا في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا". روَاه مُسْلِمٌ (٩). وهذا دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْىِ، ولا حُكْمَ للمنْسُوخِ. فصل: ويُكْرَه الخَلِيطانِ، وهوأن يُنْبَذَ في الماءِ شيئانِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، نَهَى عن الخَلِيطَيْن (١٠). وقال أحمدُ: الخَلِيطانِ حرامٌ. وقال في الرجلِ يَنْقَعُ الزَّبيبَ، والتَّمْرَ الهِنْدِىَّ، والعُنَّابَ ونحوَه، ينْقَعُه غُدْوَةً، ويشْرَبُه عَشِيَّةً للدَّوَاء: أكرهُه؛ لأنَّه نَبِيذٌ، ولكن يَطْبُخُه ويشْربُه على المَكانِ. وقد رَوَى أبو داودَ (١١)، بإسْنادِه عن رسولِ اللَّه

стр. 6653

- ﷺ ، أنَّه نَهَى أنْ يُنْبَذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ الزَّبِيبُ والتَّمْرُ جميعًا. وفى روايةٍ: "وانْتَبِذُوا (١٢) كُلَّ واحِدٍ عَلَى حِدَةٍ". وعن أبي قَتادةَ، قال: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أنْ يُجْمَعَ بينَ التَّمْرِ والزَّهْوِ (١٣)، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ولْيُنْبَذْ كُلُّ واحِدٍ منهما على حِدَةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). قال القاضي: يَعْنِى أحمدُ بقولِه: هو حرَامٌ. إذا اشتدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسْكِرْ لم يَحْرُمْ. وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى، وإنَّما نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عنه (١٥) لعِلَّةِ إسْراعِه إلى السُّكْرِ المُحَرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ، لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، كما أنَّه ﵇ نَهَى عن الانْتباذِ في الأوْعِيَةِ المذكورَةِ لهذه العِلَّةِ، ثم أمرَهُمْ بالشُّرْبِ فيها، ما لم تُوجَدْ حقيقةُ الإِسْكارِ، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا ما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: كنَّا نَنْبِذُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فنَأْخُذُ قَبْضةً من تَمْرٍ، وقَبْضةً من زَبِيبٍ، فنَطْرحُها فيه، ثم نَصُبُّ عليها الماءَ، فَنَنْبِذُه غُدْوةً، فيَشْربُه عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُه عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُه غُدْوَةً. رواه ابنُ ماجَه، وأبو داودَ (١٦). فلَمَّا كانت مُدَّةُ الانتباذِ قريبةً، وهى يومٌ أو ليلةٌ (١٧)، لا يُتَوَهَّمُ الإِسْكارُ

стр. 6654

فيها لم يُكْرَه، ولو كان مكروهًا لَمَا فُعِلَ هذا في بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ له (١٨). فعلى هذا، لا يُكْرَهُ ما كان في المدَّةِ اليَسِيرَةِ، ويُكْرَه مَا كانَ في مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ إفضْاؤُه إلى الإِسْكارِ، ولا يثْبُتُ التَّحْرِيمُ ما لمْ يَغْلِ، أو تَمْضِىَ عليه ثلاثةُ أيَّامٍ. ١٦٠٦ - مسألة؛ قال: (وَالْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ، فَصُيِّرَتْ خلًّا، لَمْ تَزُلْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَإنْ قَلَبَ اللهُ عَيْنَها فَصَارَتْ خَلًّا، فَهِىَ حَلَالٌ) رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه (١). وبه قال الزُّهْرِىُّ. ونحوُه قولُ مالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: إنْ أُلْقِىَ فيها شيءٌ يُفْسِدُها كالمِلْحِ، فتخَلَّلَتْ، فهى على تَحْريمِها، وإن نُقِلَتْ من شمسٍ إلى ظِلٍّ، أو من ظِلٍّ إلى شمسٍ، فتَخَلَّلَتْ، ففى إباحتِها قَوْلان. وقال أبو حنيفةَ: تَطْهُرُ في الحالَيْن؛ لأنَّ عِلَّةَ تَحْريمِها زالَتْ بتخْلِيلِها فطَهُرَتْ، كما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، يُحَقِّقُه أنَّ التَّطْهِيرَ لا فَرْقَ فيه بينَ ما حَصَلَ بفِعْلِ اللَّه تعالى وفِعْلِ الآدَمِىِّ، كتَطْهيرِ الثَّوَبِ والبَدَنِ والأرضِ. ونحوُ هذا قولُ عَطاءٍ، وعمرِو بنِ دينارٍ، والحارثِ العُكْلِىّ. وذكَره أبو الخَطَّابِ وجهًا في مَذْهَبنا، فقال: وإن خُلِّلَتْ لم تَطْهُرْ. وقِيلَ: تَطْهُرُ. ولَنا، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: كان عندنا خمرٌ ليَتِيمٍ، فلمَّا نَزَلَتِ المائدةُ، سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّه لَيَتِيمٌ؟ قال: "أَهْرِيقُوهُ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال حديثٌ حَسَنٌ. وعن أنَسٍ قَال: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ : أنتَّخِذُ الخَمْرَ خَلًّا؟ قال: "لَا". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه مُسْلِمٌ (٣). وعن أبي طلْحَةَ، أنَّه سأل النَّبِىَّ ﷺ عن أيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فقال: "أَهْرِقْها". قال: أفلا أُخَلِّلُها؟ قال: "لَا". رَواه أبو داود (٤). وهذا نَهْىٌ

стр. 6655

يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولو كان إلى اسْتِصْلاحِها سبيلٌ، لم تَجُزْ إراقَتُها، بل أرْشَدَهم إليه، سِيَّمَا وهى لأَيْتَامٍ يحْرُمُ التَّفْرِيطُ في أمْوالِهِم؛ ولأنَّه إجماعُ الصَّحَابَةِ، فرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، صَعِدَ المنبرَ، فقال (٥): لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ تعالى هو تَوَلَّى إفْسادَها. ولا بأسَ على مسلمٍ ابْتاعَ من أهل الكِتَابِ خَلًّا، ما لم يتعمَّدْ لإِفْسادِها، فعند ذلك يقَعُ النَّهْىُ. رواه أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ" (٦) بنَحْوٍ من هذا المعنى. وهذا قولٌ يَشْتَهِرُ؛ لأنَّه خَطَبَ به النَّاسَ على المنبرِ، فلم يُنْكَرْ. فأمَّا إذا انْقَلبتْ بنفسِها، فإنَّها تَطْهُرُ وتَحِلُّ، في قولِ جميعِهم، فقد رُوِىَ عن جماعَةٍ من الأوائلِ، أنَّهم اصْطَبَغُوا بخلِّ خمرٍ؛ منهم علىٌّ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وابنُ عمرَ، وعائِشَةُ. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. وليس في شيءٍ من أخبارِهم أنَّهم اتخذُوه خَلًّا، ولا أنَّه انْقَلبَ بنفسِه، لكن قد بيَّنَه عمرُ بقَوْلِه: لا يَحِلُّ خَلُّ خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ هو يَتَوَلَّى إفْسادَها. ولأنَّها إذا انْقَلبتْ بنفسِها، فقد زالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها، من غيرِ عِلَّةٍ خَلَفَتْها، فطَهُرَتْ، كالماءِ إذا زالَ تَغَيُّرهُ (٧) بِمُكْثِه. وإذا أُلْقِىَ فيها شَىْءٌ تَنَجَّسَ بها، ثم (٨) انْقَلبَتْ، بَقِىَ ما أُلْقِىَ فيها نَجِسًا، فَنَجَّسَها وحَرَّمَها. فأمَّا إن نَقَلَها من مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، فتخلَّلَتْ من غيرِ أن يُلْقِىَ فيها شيئًا، فإن لم يَكُنْ قَصَدَ تخْليلَها، حَلَّتْ بذلك؛ لأنَّها تخلَّلَتْ بفِعْلِ اللهِ تعالى فيها. وإن قَصَدَ بذلك تَخْليلَها، احْتَمَلَ أن تَطْهُرَ؛ لأنَّه لا فَرْقَ بينهما إلَّا القَصْدُ، فلا يَقْتَضِى تَحْرِيمَها. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْهُرَ؛ لأنَّها خُلِّلَتْ، فلم تَطْهُرْ، كما لو أُلْقِىَ فيها شيءٌ. ١٦٠٧ - مسألة؛ قال: (والشُّرْبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ)
следующие страницы →