← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

زَبِيبٌ أو نحوهُما؛ ليَحْلُوَ به الماءُ، وتَذْهبَ مُلوحَتُه، فلا بأسَ به ما لم يَغْلِ، أو تَأْتِىَ (١) عليه ثلاثةُ أيَّامٍ؛ لما رَوْينا عن ابن عباسٍ. وقال أبو هُرَيْرةَ: علمتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصومُ، فتحَيَّنْتُ فِطْرَه بَنبِيذٍ صَنَعْتُه في دُبَّاءَ، ثم أتَيْتُه به، فإذا هو يَنِشُّ. فقال: "اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ؛ فَإنَّ هذا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ". روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّه إذا بلغَ ذلك صارَ مُسْكِرًا، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. فصل: والخمرُ نَجِسَةٌ. في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَها لِعَيْنِها، فكانتْ نَجِسَةً، كالخنزيرِ. وكُلُّ مُسْكِرٍ فهو حَرَامٌ، نَجِسٌ؛ لِمَا ذكرْنا. فصل: وما طُبِخَ من العَصِيرِ والنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِه، حتى صار غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ، ورُبِّ الخَرُّوبِ (٣)، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّ التَّحْريمَ إنَّما ثبتَ في المُسْكِرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على أصلِ إباحَتِه (٤). وما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرامٌ، سواءٌ ذهبَ منه الثُّلُثانِ، أو أقَلُّ، أو أكثرُ. قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ، عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاهُ، وبَقِىَ ثُلثُه؟ قال: لا بأْسَ به. قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ. قال: لا يُسْكِرُ، ولو كان يُسْكِرُ ما أحلَّه عمرُ. فصل: ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ (٥). وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا أعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه لا يُسْكِرُ، وإذا تُرِكَ يَفْسُدُ، بخلافِ الخمرِ، والأشياءُ على الإِباحةِ، ما لم يَرِدْ بتَحْريمِها حُجَّةٌ. فصل: ويجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها. وعن أحمد، أنَّه كَرِه الانْتِباذَ في الدُّبَّاءِ

стр. 6652

والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الانْتباذِ فيها (٦). والدُّبَّاءُ: وهو اليَقْطِينُ (٧). والحَنْتَمُ: الجِرارُ. والنَّقِيرُ: الخَشَبُ. والمزَفَّتُ: الذي يُطْلَى بالزِّفْتِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "نَهَيْتُكُمْ عن ثلاثٍ، وأنا آمُرُكُم بِهِنَّ؛ نَهَيْتُكمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ أنْ (٨) تَشْرَبُوا إلَّا في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا". روَاه مُسْلِمٌ (٩). وهذا دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْىِ، ولا حُكْمَ للمنْسُوخِ. فصل: ويُكْرَه الخَلِيطانِ، وهوأن يُنْبَذَ في الماءِ شيئانِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، نَهَى عن الخَلِيطَيْن (١٠). وقال أحمدُ: الخَلِيطانِ حرامٌ. وقال في الرجلِ يَنْقَعُ الزَّبيبَ، والتَّمْرَ الهِنْدِىَّ، والعُنَّابَ ونحوَه، ينْقَعُه غُدْوَةً، ويشْرَبُه عَشِيَّةً للدَّوَاء: أكرهُه؛ لأنَّه نَبِيذٌ، ولكن يَطْبُخُه ويشْربُه على المَكانِ. وقد رَوَى أبو داودَ (١١)، بإسْنادِه عن رسولِ اللَّه

стр. 6653

- ﷺ ، أنَّه نَهَى أنْ يُنْبَذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ الزَّبِيبُ والتَّمْرُ جميعًا. وفى روايةٍ: "وانْتَبِذُوا (١٢) كُلَّ واحِدٍ عَلَى حِدَةٍ". وعن أبي قَتادةَ، قال: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أنْ يُجْمَعَ بينَ التَّمْرِ والزَّهْوِ (١٣)، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ولْيُنْبَذْ كُلُّ واحِدٍ منهما على حِدَةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). قال القاضي: يَعْنِى أحمدُ بقولِه: هو حرَامٌ. إذا اشتدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسْكِرْ لم يَحْرُمْ. وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى، وإنَّما نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عنه (١٥) لعِلَّةِ إسْراعِه إلى السُّكْرِ المُحَرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ، لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، كما أنَّه ﵇ نَهَى عن الانْتباذِ في الأوْعِيَةِ المذكورَةِ لهذه العِلَّةِ، ثم أمرَهُمْ بالشُّرْبِ فيها، ما لم تُوجَدْ حقيقةُ الإِسْكارِ، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا ما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: كنَّا نَنْبِذُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فنَأْخُذُ قَبْضةً من تَمْرٍ، وقَبْضةً من زَبِيبٍ، فنَطْرحُها فيه، ثم نَصُبُّ عليها الماءَ، فَنَنْبِذُه غُدْوةً، فيَشْربُه عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُه عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُه غُدْوَةً. رواه ابنُ ماجَه، وأبو داودَ (١٦). فلَمَّا كانت مُدَّةُ الانتباذِ قريبةً، وهى يومٌ أو ليلةٌ (١٧)، لا يُتَوَهَّمُ الإِسْكارُ

стр. 6654

فيها لم يُكْرَه، ولو كان مكروهًا لَمَا فُعِلَ هذا في بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ له (١٨). فعلى هذا، لا يُكْرَهُ ما كان في المدَّةِ اليَسِيرَةِ، ويُكْرَه مَا كانَ في مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ إفضْاؤُه إلى الإِسْكارِ، ولا يثْبُتُ التَّحْرِيمُ ما لمْ يَغْلِ، أو تَمْضِىَ عليه ثلاثةُ أيَّامٍ. ١٦٠٦ - مسألة؛ قال: (وَالْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ، فَصُيِّرَتْ خلًّا، لَمْ تَزُلْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَإنْ قَلَبَ اللهُ عَيْنَها فَصَارَتْ خَلًّا، فَهِىَ حَلَالٌ) رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه (١). وبه قال الزُّهْرِىُّ. ونحوُه قولُ مالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: إنْ أُلْقِىَ فيها شيءٌ يُفْسِدُها كالمِلْحِ، فتخَلَّلَتْ، فهى على تَحْريمِها، وإن نُقِلَتْ من شمسٍ إلى ظِلٍّ، أو من ظِلٍّ إلى شمسٍ، فتَخَلَّلَتْ، ففى إباحتِها قَوْلان. وقال أبو حنيفةَ: تَطْهُرُ في الحالَيْن؛ لأنَّ عِلَّةَ تَحْريمِها زالَتْ بتخْلِيلِها فطَهُرَتْ، كما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، يُحَقِّقُه أنَّ التَّطْهِيرَ لا فَرْقَ فيه بينَ ما حَصَلَ بفِعْلِ اللَّه تعالى وفِعْلِ الآدَمِىِّ، كتَطْهيرِ الثَّوَبِ والبَدَنِ والأرضِ. ونحوُ هذا قولُ عَطاءٍ، وعمرِو بنِ دينارٍ، والحارثِ العُكْلِىّ. وذكَره أبو الخَطَّابِ وجهًا في مَذْهَبنا، فقال: وإن خُلِّلَتْ لم تَطْهُرْ. وقِيلَ: تَطْهُرُ. ولَنا، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: كان عندنا خمرٌ ليَتِيمٍ، فلمَّا نَزَلَتِ المائدةُ، سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّه لَيَتِيمٌ؟ قال: "أَهْرِيقُوهُ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال حديثٌ حَسَنٌ. وعن أنَسٍ قَال: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ : أنتَّخِذُ الخَمْرَ خَلًّا؟ قال: "لَا". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه مُسْلِمٌ (٣). وعن أبي طلْحَةَ، أنَّه سأل النَّبِىَّ ﷺ عن أيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فقال: "أَهْرِقْها". قال: أفلا أُخَلِّلُها؟ قال: "لَا". رَواه أبو داود (٤). وهذا نَهْىٌ

стр. 6655

يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولو كان إلى اسْتِصْلاحِها سبيلٌ، لم تَجُزْ إراقَتُها، بل أرْشَدَهم إليه، سِيَّمَا وهى لأَيْتَامٍ يحْرُمُ التَّفْرِيطُ في أمْوالِهِم؛ ولأنَّه إجماعُ الصَّحَابَةِ، فرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، صَعِدَ المنبرَ، فقال (٥): لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ تعالى هو تَوَلَّى إفْسادَها. ولا بأسَ على مسلمٍ ابْتاعَ من أهل الكِتَابِ خَلًّا، ما لم يتعمَّدْ لإِفْسادِها، فعند ذلك يقَعُ النَّهْىُ. رواه أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ" (٦) بنَحْوٍ من هذا المعنى. وهذا قولٌ يَشْتَهِرُ؛ لأنَّه خَطَبَ به النَّاسَ على المنبرِ، فلم يُنْكَرْ. فأمَّا إذا انْقَلبتْ بنفسِها، فإنَّها تَطْهُرُ وتَحِلُّ، في قولِ جميعِهم، فقد رُوِىَ عن جماعَةٍ من الأوائلِ، أنَّهم اصْطَبَغُوا بخلِّ خمرٍ؛ منهم علىٌّ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وابنُ عمرَ، وعائِشَةُ. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. وليس في شيءٍ من أخبارِهم أنَّهم اتخذُوه خَلًّا، ولا أنَّه انْقَلبَ بنفسِه، لكن قد بيَّنَه عمرُ بقَوْلِه: لا يَحِلُّ خَلُّ خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ هو يَتَوَلَّى إفْسادَها. ولأنَّها إذا انْقَلبتْ بنفسِها، فقد زالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها، من غيرِ عِلَّةٍ خَلَفَتْها، فطَهُرَتْ، كالماءِ إذا زالَ تَغَيُّرهُ (٧) بِمُكْثِه. وإذا أُلْقِىَ فيها شَىْءٌ تَنَجَّسَ بها، ثم (٨) انْقَلبَتْ، بَقِىَ ما أُلْقِىَ فيها نَجِسًا، فَنَجَّسَها وحَرَّمَها. فأمَّا إن نَقَلَها من مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، فتخلَّلَتْ من غيرِ أن يُلْقِىَ فيها شيئًا، فإن لم يَكُنْ قَصَدَ تخْليلَها، حَلَّتْ بذلك؛ لأنَّها تخلَّلَتْ بفِعْلِ اللهِ تعالى فيها. وإن قَصَدَ بذلك تَخْليلَها، احْتَمَلَ أن تَطْهُرَ؛ لأنَّه لا فَرْقَ بينهما إلَّا القَصْدُ، فلا يَقْتَضِى تَحْرِيمَها. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْهُرَ؛ لأنَّها خُلِّلَتْ، فلم تَطْهُرْ، كما لو أُلْقِىَ فيها شيءٌ. ١٦٠٧ - مسألة؛ قال: (والشُّرْبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ)

стр. 6656

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. وحُكِىَ عن معاويةَ بن قُرَّةَ، أنَّه قال: لا بأسَ بالشُّربِ مِن قَدَح فِضَّةٍ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ قولٌ، إنَّه مكروهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ؛ لأنَّ النَّهْىَ لِمَا فيه من التَشَبُّه بِالأعاجمِ، فلا يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الَّذِى يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ، إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ". وقال: "لَا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا، فَإنَّها لَهُم في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ". أخرجَهُما البُخَارِىُّ (١). ومُقْتَضَى نَهْيِه التَّحْرِيمُ، وقد تَوَعَّدَ عليه بنارِ جَهَنَّمَ، فإنَّ معنى قوله: "يُجَرْجِرُ في بَطْنِه نَارَ جَهَنَّمَ". أي هذا سَبَبٌ لنارِ جَهَنَّمَ؛ كقَولِ (٢) اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٣). فلم يَبْقَ في تَحْرِيمِه إشْكالٌ. وقد رُوِىَ أنَّ حُذَيْفَةَ استَسْقَى، فأتاه دُهْقانُ (٤) بإناءٍ من فِضَّةٍ، فرَماه به، فلو أصابَه لكَسَرَ منه شيئًا، ثم قال: إنَّما رَمَيْتُه به؛ لأنَّنى نَهَيْتُه عنه (٥). وذَكَر هذا الخبرَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه فَهِمَ التَّحْرِيمَ مِن نَهْىِ رسولِ اللَّه ﷺ ,

стр. 6657

حتى اسْتحَلَّ عُقوبتَه، لمُخالفَتِه إيَّاه. فصل: ويَحْرُمُ اتِّخاذُ الآنِيَةِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، واسْتِصْناعُها؛ لأنَّ ما حَرُمَ اسْتعمالُه، حَرُمَ اتِّخاذُه على هيئةِ الاسْتعمالِ، كالطُّنبورِ، والمِزْمَارِ. ويَسْتوِى في ذلك الرِّجالُ والنِّساءُ؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّ علَّةَ تَحْريمِها السَّرَفَ والخُيَلَاءُ وكسرُ قلوبِ الفقراءِ، وهذا معنًى يشْمَلُ الفريقَيْن، وإنَّما أُبِيحَ للنِّسَاءِ التَّحَلِّى للحاجَةِ إلى التَّزَيُّنِ للأزْواجِ، فتَخْتَصُّ الإِباحَةُ به دونَ غيره. فإن قِيلَ: لو كانت العِلَّةُ ما ذكرتُمْ، لَحَرُمتْ (٦) آنِيَةُ الياقوتِ ونحوِه مِمَّا هو أَرْفَعُ من الأثْمانِ. قُلْنا: تلك لا يَعْرفُها الفقراءُ، فلا تَنْكَسِرُ قلوبُهم باتِّخاذِ الأغْنياءِ لها، لعَدَمِ مَعْرفتِهم بها، ولأنَّ قِلَّتَها في نفسِها تَمْنَعُ اتخاذَها، فيُسْتَغْنَى بذلك عن تَحْرِيمِها، بخلافِ الأثْمانِ. ١٦٠٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ قَدَحٌ عَلَيْهِ ضَبَّةٌ، فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ، فَلَا بَأْسَ) وجملةُ ذلك أنَّ الضَّبَّةَ من الفِضَّةِ تُبَاحُ بثلاثةِ شُروطٍ؛ أحدُها، أن تكونَ يسيرةً. الثاني، أن تكونَ من الفِضَّةِ، فأمَّا الذَّهَبُ، فلا يُبَاحُ، وقليلُه وكثيرُه حَرَامٌ. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه رَخَّصَ في يَسِيرِ الذَّهبِ. الثالثُ، أن يكونَ لحاجَةٍ (١)، أَعْنِى أنَّه جَعَلَها لمصْلَحةٍ وانْتفاعٍ، مثلَ أن تُجْعَلَ على شِقٍّ أو صَدْعٍ، وإن قامَ غيرُها مقامَها. وقال القاضي: ليس هذا بشَرْطٍ، ويجوزُ اليَسِيرُ من غيرِ حاجَةٍ، إذا لم [يُبَاشِرها بالاسْتِعمالِ] (٢)، وإنما كَرِهَ أحمدُ الحَلْقَةَ ونحوَها؛ لأنَّها تُبَاشَرُ بالاسْتعمالِ. ومِمَّنْ

стр. 6658

رَخَّصَ في ضَبَّةِ الفِضَّةِ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومَيْسَرَةُ (٣)، وزَاذانُ (٤)، وطاوسٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وإسحاقُ، وقال: قد وَضَعَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ فَاهُ بينَ ضَبَّتَيْنِ. وكان ابنُ عمرَ لا يشْربُ من قَدَحٍ فيه حَلْقَةُ فِضَّةٍ ولا ضَبَّةٌ منها (٥). وكَرِهَ الشُّرْبَ في الإِناءِ الْمُفَضَّضِ عَلىُّ بنُ الحسين، وعَطاءٌ، وسَالِمٌ، والمطَّلِبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبِ. ونَهَتْ عائشةُ أن يُضَبِّبَ الآنِيةَ، أو يُحَلِّقَها بالفِضَّةِ (٦). ونحوُ ذلك قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ. ولعلَّ هؤلاءِ كَرِهُوا ما قُصِدَ به الزِّيْنَةُ، أو كان كثيرًا، أو يُسْتَعْمَلُ، فيكونُ قولُهم وقولُ الأوَّلِينَ واحدًا، ولا يكونُ في المسألةِ خلافٌ، فأمَّا اليَسِيرُ، كتَشْعِيبِ القدَحِ ونحوِه، فلَا بأسَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان له قَدَحٌ فيه سِلْسِلَةٌ من فِضَّةٍ شُعِّبَ بها. روَاه البُخَارِىُّ بمَعْناه (٧). ولأنَّ ذلك (٨) يَسِيرٌ من الفِضَّةِ، فأشبهَ الخاتَمَ. وكَرِه أحمدُ أنْ يُبَاشِرَ مَوْضِعَ الضَّبَّةِ بالاسْتعمالِ، فلا يشْرَبُ من مَوْضِعِ الضَّبَّةِ؛ لأنَّه يصيرُ كالشَّارِبِ من إناءِ فِضَّةٍ، [وكَرِه الحَلْقَةَ من فِضَّةٍ] (٩)؛ لأنَّ القَدَحَ يُرْفَعُ بها، فيُباشِرُها بالاسْتِعمالِ، [وكذلك ما أشْبَهَهُ] (٩). فصل: ولا بأسَ بِقَبِيعَةِ السَّيْفِ (١٠) من فِضَّةٍ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قال: كانتْ قبيعةُ

стр. 6659

سَيْفِ رسولِ اللَّه ﷺ فِضَّةً. روَاه الأثْرَمُ، وأبو داودَ، والتَّرْمِذِىُّ (١١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال هشامُ بنُ عُرْوَةَ: كان سيفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بالفِضَّةِ، أنا رأيتُه. ولا بأسَ بالخاتَم من الفضَّةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان له خاتَمٌ من فِضَّةٍ يَلْبَسُه (١٢)، ثم لَبِسَه أبو بكرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عثمانُ، حتى سَقَطَ منه في بئرِ أَرِيسٍ (١٣). وصَحَّ ذلك عنهم. وقال سعيدٌ: الْبَسِ الخاتَمَ، وأَخْبِرْ أنِّى أفْتَيْتُك بذلك. وقد (١٤) روَى أبو رَيْحانةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كَرِه عَشْرَ خِلَالٍ، وفيها الخاتَمُ، إلَّا لذى سُلطانٍ (١٥). قال أحمدُ: إنَّما هذا يَرْوِيهِ أهلُ الشَّامِ. وحُدِّثَ أحمدُ بحديثِ أبى رَيْحانةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الخاتَمَ، تَبَسَّمَ كالمتَعَجِّبِ، ثم قال: أهلُ الشَّامِ. وإنَّما قال أحمدُ ذلك؛ لأنَّ الأحاديثَ قد صَحَّتْ عن النَّبِيِّ ﷺ واسْتفاضَتْ بإباحَتِه، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ومَن بَعْدَهُم من العُلَماءِ، فإذا جاءَ حديثٌ شَاذٌ يُخالِفُ ذلك، لم يُعرَّجْ عليه، وإن صَحَّ ذلك حُمِلَ على التَّنْزِيهِ. فصل: قال الأثرمُ: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: الحِلْيَةُ لِحَمائِلِ السَّيْفِ؟ فسَهَّلَ فيها، وقال: قد رُوِىَ، سَيْفٌ مُحَلًّى. ولأنَّه من حِلْيَةِ السَّيْفِ، فأشْبَهَ القَبِيعَةَ. وكذلك (١٦)

стр. 6660

يُخَرَّجُ في حِلْيَةِ الدِّرْعِ والمِغْفَرِ والخَوْذَةِ والخُفِّ والرَّأَنِ (١٧)؛ لأنَّه (١٨) في معناه. وقيل: لأبي عبد اللَّه: حَلْقَةُ المرآةِ فِضَّةٌ، ورأسُ المُكْحُلَةِ فِضَّةٌ، وما أشْبَهَ هذا؟ . قال: كُلُّ شيءٍ يُسْتَعْمَلُ مثلَ حَلْقَةِ المرَآة، فأنا أكْرَهُه؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُه، فإنَّ المرَآةُ تُرْفَعُ بحَلْقَتِها. ثم قال: إنَّما هذا تأويلٌ تأوَّلْتُه أنا. فصل: ولا يباحُ شىءٌ من ذلك إذا كان ذَهَبًا، إلَّا أنَّه قد رُوِىَ أنَّه تُبَاحُ قَبيعَةُ السَّيْفِ. قال أحمدُ: قد رُوِىَ أنَّه كان لعمرَ سيفٌ فيه سبائِكُ من ذَهَبٍ. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ (١٩)، بإسْنادِه عن مَزِيدةَ العَصَرِىِّ، قال: دَخَلَ رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الفَتْحِ وعلى سَيْفِه ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. وقال: هذا حَدِيثٌ غريبٌ. ولا يُباحُ الذَّهَبُ في غيرِ هذا إلَّا لضرورةٍ، كأنفِ الذَّهبِ، وما ربَط (٢٠) به أسْنانَه، إذا تحرَّكَتْ. وقال أبو بكرٍ: يُباحُ يسيرُ الذَّهَبِ، قياسًا له على الفِضَّةِ؛ لِكَوْنِه أحَدَ الثَّمَنَيْنِ، فأشْبَهَ الآخَرَ. وقد ذُكِر (٢١) هذا في غيرِ هذا الموضِعِ. ١٦٠٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعَزِيرِ الْحَدَّ) التَّعْزِيرُ: هو العقوبَةُ المشْرُوعَةُ على جِنايةٍ لا حَدَّ فيها، كَوطْءِ الشَّريكِ الجاريةَ المُشْترَكَةَ، أو أمَتَهُ المُزَوَّجَةَ، أو جَارِيَةَ ابنِه، أو وَطْءِ امرأتِه في دُبُرِها أو حَيْضِها، أو وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ دُونَ الفَرْجِ، أو سَرِقةِ ما دونَ النِّصَابِ، أو من غيرِ حِرْزٍ، أو النَّهْبِ، أو الغَصْبِ، أَو الاخْتِلَاسِ، أو الجنايةِ على إنسانٍ بما لا يُوجِبُ (١) قِصاصًا ولا دِيَةً، أو شَتْمِه بما ليس بقَذْفٍ. ونحوُ ذلك يُسَمَّى تعزيرًا؛ لأنَّه مَنَعَ من الجنايةِ. والأصلُ في

стр. 6661

التَّعْزيرِ المَنْعُ، ومنه التَّعْزِيرُ بمعنى النُّصْرَةِ؛ لأنَّه مَنعٌ لعَدُوِّه مِن أذاهُ. واختَلَفَ عن أحمدَ في قَدْرِه، فرُوِىَ عنه أنَّه لا يُزَادُ على عشرِ جَلَداتٍ، نَصَّ أحمدُ على هذا في مَواضِعَ. وبه قال إسحاقُ؛ لِمَا رَوَى أبو بُرْدَةَ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّه تَعَالَى". مُتَّفَقٌ عليه (٢). والرِّوايةُ الثانيةُ: "لا يبلُغُ به الحَدَّ". . وهو الذي ذكرَ (٣) الْخِرَقِىُّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، لا يبْلُغُ به أدْنَى حَدٍّ مَشْروعٍ. وهذا قولُ أبى حَنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. فعلى هذا لا يبْلُغُ به أربعين سَوْطًا؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقَذْفِ، وهذا قولُ أبى حَنيفةَ. وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون، لم يبلُغْ به عشرين سوطًا في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ (٤) الحُرِّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِى. فلا يُزَادُ العبدُ على تسعةَ عشرَ سوطًا، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين سَوْطًا (٥). وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ: أدْنَى الحدودِ ثمانون، فلا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسبعين. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يبلُغُ بكلِّ جنايةٍ حَدًّا مشروعًا في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدِّ غيرِ جِنْسِها. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا. فعلى هذا، ما كان سببُه (٦) الوَطْءُ، جازَ أن يُجْلَدَ مائةً إلَّا سَوْطًا؛ ليَنْقُصَ عن حَدِّ الزِّنَى، وما كان سببُه غيرَ الوَطْءِ، لم يبْلُغْ به أدْنَى الحدودِ؛ لِمَا رُوِىَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ, في الذي وَطِىءَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، أنَّه (٧) يُجْلَدُ مائةً (٨). وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقِّ الْمُحْصَنِ، وحَدُّهُ

стр. 6662

إنَّما هو الرَّجْمُ. وعن سعيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عن عمرَ، في أَمَةٍ بينَ رَجُلَيْنِ، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَدُ الحَدَّ إلَّا سَوْطًا واحدًا (٩). روَاه الأثرمُ. واحتجَّ به أحمدُ. قال القاضي: هذا عندِى من نَصِّ أحمدَ لا يقْتَضِى اختلَافًا في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزَادُ على عَشْرِ جَلَداتٍ، اتِّباعًا للأثرِ، إلَّا في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديثِ النُّعْمَانِ، وفى الجاريةِ المشتركَةِ؛ لحديثِ عمرَ، وما عدَاهما يَبْقَى على العمومِ؛ لحديثِ أبى بُرْدَةَ. وهذا قولٌ حَسَنٌ. وإذا ثَبَتَ تقديرُ أكْثَرِه (١٠)، فليسَ أقلُّه مُقَدَّرًا؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ، لَكان حَدًّا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدرْ أقلَّه، فيُرْجَعُ فيه إلى اجْتهادِ الإِمامِ فيما يَراهُ، وما يقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ. وقال مالِكٌ: يجوزُ أن يُزَادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإِمامُ؛ لِمَا رُوِىَ أنَّ مَعْنَ بنَ زائدَة، عَمِلَ خاتَمًا على نَقْشِ خاتَمِ بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخذَ منه مالًا، فبلغَ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فضربَه مائةً، وحَبَسَهُ، وكُلِّمَ (١١) فيه، فضربَه مائةً أُخْرَى، فكُلِّم فيه من بَعْدُ، فضربَه مائةً ونَفاهُ (١٢). وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، أنَّ عَليًّا أُتِىَ بالنَّجَاشِىِّ قد شَرِبَ خمرا في رمَضانَ، فجلدَه ثمانين الحَدَّ، وعشرين سَوْطًا لفِطْرِه في رمضانَ (١٣). ورُوِى أنَّ أبا الأسْودِ اسْتخْلفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فأُتِىَ بسارقٍ قد كان جمعَ المتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْوَدِ: أعْجَلْتُمُوه المِسْكينَ. فضربَه خمسةً وعشرين سَوْطًا، وخَلَّى سبيلَه (١٤).

стр. 6663

ولَنا، حديثُ أبى بُرْدَةَ، وروى الشَّالَنْجِىُّ بإسْنادِه عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ بَلَغَ حدًّا في غيرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ" (١٥). ولأنَّ العقوبةَ على قدرِ الإِجْرامِ والمَعْصِيَةِ، والمعاصِى المنصوصُ على حُدودِها أعظمُ من غيرِها، فلا يجوزُ أن يبْلُغَ في أهْونِ الأمرَيْنِ عُقوبةَ أعْظَمِهما. وما قالوه يُؤَدِّى إلى أنَّ من قَبَّلَ امرأةً حَرامًا، يُضْربُ أكثرَ من حَدِّ الزِّنَى، وهذا غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الزِّنَى مع عِظَمِه وفُحْشِه، لا يجوزُ أن يُزادَ على حَدِّه، فما دونَه أوْلَى. فأمَّا حديثُ مَعْنٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كانت له ذُنوبٌ كثيرةٌ، فَأُدِّبَ على جميعِها، أو تكرَّرَ منه الأخْذُ، أو كَانَ ذَنْبُه مُشْتَمِلًا على جناياتٍ أحَدُها تَزْويرُه، والثانى أخْذُه لمالِ بيتِ المالِ بغير حَقِّه، والثالثُ فَتْحُه بابَ هذه الحِيلَةِ لغيرِه، وغيرُ هذا. وأمَّا حديثُ النَّجَاشِىِّ، فإنَّ عليًّا ضربَه الحَدَّ لشُرْبِه، ثم عَزَّرَه عشرين لفِطْرِه، فلم يبلُغْ بتَعْزِيرِه حَدًّا. وقد ذهبَ أحمدُ إلى هذا، ورأَى (١٦) أنَّ من شَرِبَ الخمرَ في رمضانَ يُحَدُّ، ثم يعزَّرُ لجنايتِه مِن وَجْهين. والذي يدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكرْناه، ما رُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كتبَ إلى أبى موسى، أنْ لا يَبْلُغَ (١٧) بنَكالٍ أكثرَ من عشرين سَوْطًا (١٨). فصل: والتَّعْزيرُ يكونُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ والتَّوْبيخ. ولا يجوزُ قَطْعُ شَىْءٍ منه، ولا جَرْحُه، ولا أخْذُ مالِه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشيءٍ من ذلك عن أحَدٍ يُقْتَدَى به، ولأنَّ الواجِبَ أَدَبٌ، والتأديبُ لا يكونُ (١٩) بالإِتْلافِ. فصل: والتَّعْزِيرُ فيما شُرِعَ فيه التَّعْزيرُ واجِبٌ، إذا رآه الإِمامُ. وبه قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وقال الشَّافِعِىُّ: ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقال: إنِّي لَقِيتُ

стр. 6664

امرأةً. فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطأَها، فقال: "أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ " قال: نعم. فتَلَا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢٠). وقال في الأنصار: "اقْبَلُوا من مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عن مُسِيئِهِمْ" (٢١). وقال رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ في حُكْمٍ حَكَمَ به للزُّبَيْرِ: أنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ. فغَضِبَ النَّبِىُّ ﷺ ، ولم يُعَزِّرْه على مَقالَتِه (٢٢). وقال له رجل: إنَّ هذه لَقِسْمةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّه، فلم يُعَزِّرْه (٢٣). ولَنا، أنَّ ما كان من التَّعْزيرِ مَنْصوصًا عليه، كَوطْءِ جاريةِ امْرأتِه، أو جاريةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فيجبُ امْتثالُ الأمرِ فيه، وما لم يكُنْ مَنْصوصًا عليه، إذا رأى الإِمامُ المصلحةَ فيه، أو عَلِمَ أنَّه لا ينْزَجِرُ إلَّا به، وجبَ؛ لأنَّه زاجِرٌ مَشْروعٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، فوجَبَ، كالحَدِّ. فصل: وإذا ماتَ من التعزيرِ، لم يجبْ ضَمانُه. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: يضْمَنُه؛ لقولِ عليٍّ: ليس أحَدٌ أُقِيمَ عليه الحَدُّ، فيموتُ، فأجِدُ في

стр. 6665

نفسى شيئًا أنَّ الحَقَّ قتلَه، إلَّا حَدَّ الخمرِ، فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يَسُنَّه لنا (٢٤). وأشارَ على عمرَ بضَمانِ التي أجْهَضَتْ جَنِينَها حينَ أرسلَ إليها (٢٥). ولَنا، أنَّها عُقوبةٌ مَشْروعَةٌ للرَّدْعِ، والزَّجْرِ، فلم يُضْمَنْ من تَلِفَ بها، كالحَدِّ. وأمَّا قولُ عليٍّ في دِيَةِ من قتلَه حَدُّ الخمرِ، فقد خالفَه غيرُه من الصَّحَابَةِ، فلم يُوجِبُوا شيئًا به، ولم يَعْمَلْ به الشَّافِعِىُّ ولا غيرُه من الفقهاءِ، فكيف يُحْتَجُّ به مع تركِ الجميعِ له. وأمَّا قولُه في الجَنِين، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ الجنينَ الذي تَلِفَ لا جنايةَ منه، ولا تَعْزيرَ عليه، فكيف يسْقُطُ ضَمانُه؟ ولو أنَّ الإِمامَ حَدَّ حاملًا، فأتْلَفَ جنينَها، ضَمِنَه، مع أنَّ الحَدَّ مُتَّفَقٌ عليه (٢٦) بيْنَنا، على أنَّه لا يجبُ ضَمانُ المَحْدودِ إذا أُتْلِفَ به. فصل: وليس على الزَّوْجِ ضَمانُ الزَّوْجةِ إذا تَلِفَتْ من التَّأْدِيبِ المشْروعِ في النُّشوزِ، ولا على المُعَلِّم إذا أَدَّبَ صَبِيَّه الأدبَ المشروعَ. وبه قال مالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُ. ووَجْهُ المذهَبَيْنِ ما تقدَّمَ في التي قبلَها. قال الخلَّالُ: إذا ضَرَبَ المعلِّمُ ثلاثا، كما قال التابعون وفقهاءُ الأمصارِ، وكان ذلك ثلاثًا، فليس بضامنٍ، وإن ضَرَبَه ضَرْبًا شَدِيدًا، مثلُه لا يكونُ أدبًا للصَّبِىِّ، ضَمِنَ؛ لأنَّه قد تعدَّى في الضَّرْبِ. قال القاضي: وكذلك يَجِىءُ على قياسِ قولَ أصحابِنا: إذا ضَرَبَ الأبُ أو الجَدُّ الصَّبِىَّ تأْدِيبًا فَهَلَكَ، أو ضَرَبَه (٢٧) الحاكِمُ أو أمينُه، أوَ الوَصِىُّ عليه تأْديبًا، فلا ضمانَ عليهم، كالمُعَلِّمِ. فصل: وإن قَطَعَ طَرَفًا من إنسانٍ فيه أَكِلَةٌ، أو سِلْعَةٌ بإذْنه، وهو كبيرٌ عاقلٌ، فلا ضمَانَ عليه، وإن قطعه مُكْرَهًا، فالقطعُ وسِرَايَتُه مَضْمونٌ بالقِصَاصِ، سواءٌ كان القاطِعُ إمامًا أو غيرَه؛ لأنَّ هذه جِرَاحةٌ تُؤَدِّى إلى التَّلَفِ، والأكِلَةُ إن كان بقاؤُها

стр. 6666

مَخُوفًا، فَقَطْعُها مَخُوفٌ، وإن كان مَنْ قُطِعَتْ منه صَبِيًّا أو مجنونًا، وقَطَعَها أَجْنَبِىٌّ، فعليه القِصَاصُ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليه، وإن قَطَعَها وَلِيُّه، وهو الأبُ، أو وَصِيُّه، أو الحاكِمُ، أو أمينُه المُتوَلِّى عليه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قَصَدَ مَصلحتَه، وله النَّظَرُ في مصالِحِه، فكانَ فِعْلُه مأمورًا به، فلم يَضْمَن ما تَلِفَ به، كما لو خَتَنَه فماتَ، والسِّلْعَةُ: غُدَّةٌ بينَ اللحمِ (٢٨) والجِلْدِ، تظهرُ في البَدِنِ، كالجَوْزَةِ، وتكونُ (٢٩) في الرأسِ والبدنِ، وهى بكسرِ السين. والسَّلْعَةُ؛ بفتحِ السِّينِ: الشَّجَّةُ. فصل: وإذا خَتَنَ الوَلِىُّ الصَّبِىَّ في وقتٍ مُعْتدِلٍ في الحَرِّ والبَرْدِ، لم يَلْزَمْه ضَمانٌ إن تَلِفَ به؛ لأنَّه فِعْلٌ مأمورٌ به في الشَّرْعِ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ. وإن كان رجلًا أو امرأةً لم يَخْتَتِنَا، فأمرَ السلطانُ بهما فخُتِنَا، فإن كان مِمَّن زَعَمَ الأطبَّاءُ أنَّه يَتْلَفُ بالخِتانِ، أو الغالِبُ تَلَفُه به، فعليه الضَّمَانُ؛ لأنَّه ليس له ذلك فيهما، وإن كان الأغلَبُ السَّلامَةَ، فلا ضمانَ عليه، إذا كان في زمنٍ مُعْتدِلٍ، ليس بمُفْرِطِ الحَرِّ والبردِ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وزَعَمَ أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، أنَّه ليس بواجبٍ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "الخِتَانُ سُنَّةٌ في الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ في النِّسَاءِ" (٣٠). ولَنا، أنَّه قَطْعُ عُضْوٍ صحيحٍ من البَدَنِ، يتألَّمُ بقَطْعِه، فلم يَقْطَعْ إلَّا واجبًا، كاليَدِ والرِّجْلِ، ولأنَّه يجوزُ كشْفُ العورةِ من أجْلِه، ولو لم يكُنْ واجبًا ما جازَ ارْتكابُ المُحرَّمِ من أجلِه. فأمَّا الخبرُ فقد قِيل: هو ضَعِيفٌ. وعلى أنَّ الواجِبَ يُسَمَّى سُنَّةً، فإنَّ السُّنَّةَ ما رُسِمَ ليُحْتَذَى، ولا يجبُ إلَّا بعدَ البلوغِ، فإن لم يفْعَلْه، وإلَّا أجْبَرَه الحاكِمُ عليه. فصل: إذا أمرَ السلطانُ إنسانًا بصُعودٍ (٣١) في سُورٍ، أو نُزولٍ في بئرٍ، أو نحوِه،

стр. 6667

فعَطِب به، فقال القاضي، وأصحابُ الشَّافِعِىِّ: على السُّلطانِ ضَمانُه؛ لأنَّ عليه طاعَةَ إمامِه، فإذا أفْضَتْ طاعتُه إلى الهلاكِ، فكأنَّه ألْجأَه إليه. ولو كانَ الآمِرُ غيرَ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ طاعتَه غيرُ لازمَةٍ، فلم يُلْجِئْه إليه. وإن أمرَه السُّلطانُ بالمُضِىِّ في حاجَةٍ، فعَثَرَ فَهَلَكَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ المشْىَ ليس بسببِ الهلاكِ في الأعَمِّ الأغْلَبِ، بخلافِ ما ذكرْناه أوَّلًا. فعلى هذا، إن كان أمرُه الموجِبُ للضَّمانِ لمصلحةِ المسلمين، فالضمانُ في بيتِ المالِ، وإن كان لمصلحةِ نَفْسِه، فالضَّمَانُ عليه، أو على عاقلَتِه، إن كان ممَّا تَحْمِلُه عاقلَتُه. وإن أقامَ الإِمامُ الحَدَّ في شدَّةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ، أو ألْزَمَ إنسانًا الخِتانَ في ذلك، فهل يَضْمَنُ ما تَلِفَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهين. ١٦١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَلٌ صَائِلٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ إلَّا بِضَرْبِهِ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) . وجملتُه أنَّ الإِنسانَ إذا صالَتْ عليه بَهيمةٌ، فلم يُمْكِنْهُ دَفْعُها إلَّا بقَتْلِها، جازَ له قَتْلُها إجْماعًا، وليس عليه ضَمَانُها إذا كانتْ لغيرِه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه: عليه ضَمانُها؛ لأنَّه أَتْلَفَ مالَ غيرِه لإِحْياءِ نفسِه، فكان عليه ضَمانُه، كالمُضْطَرِّ إلى طَعامِ غيرِه إذا أكلَه. وكذلك قالوا في غيرِ المُكلَّفِ من الآدَمِيِّين، كالصَّبِىِّ والمجنونِ: يجوزُ قتلُه، ويضْمَنُه؛ لأنَّه لا يملِكُ إباحَةَ نفسِه، ولذلك لو ارْتَدَّ، لم يُقْتَلْ. ولَنا، أنَّه قتلَه بالدَّفْعِ الجائِزِ، فلم يَضْمَنْه، كالعبدِ، ولأنَّه حيوانٌ، جازَ إتلافُه، فلم يَضْمَنْه، كالآدَمِىِّ المُكلَّفِ، ولأنَّه (١) قتلَه لدفعِ شَرِّهِ، فأشْبَهَ العَبْدَ؛ وذلك لأنَّه إذا قتلَه لدَفْعِ شَرِّه، كان الصائِلُ هو القاتلُ لنفسِه، فأشْبَهَ ما لو نَصَبَ حَرْبَةً في طريقِه، فَقَذَفَ نفسَه عليها، فماتَ بها. وفارقَ المُضْطَرَ؛ فإنَّ الطَّعَامَ لم يُلْجِئْهُ إلى إتْلافِه، ولم يَصْدُرْ منه ما يُزِيلُ عِصْمَتَه، ولهذا لو قَتَلَ المُحْرِمُ صيدًا لصِيَالِه لم يَضْمَنْه، ولو قتلَه لاضْطرارِه إليه، ضَمِنَه، ولو قَتَلَ المكلَّفَ لصِيَالِه، لم يَضْمَنْه،

стр. 6668

ولو قتلَه ليأْكُلَه في المَخْمَصَةِ (٢) وجبَ القِصَاصُ، وغيرُ المُكلَّفِ كالمُكَلَّفِ في هذا. وقولُهم: لا يَمْلِكُ إباحةَ نفسِه. قُلْنا: والمُكلَّفُ لا يملِكُ إباحَةَ دَمِهِ، ولو قال: أبَحْتُ دَمِى. لم يُبَحْ، على أنَّه صَالَ، فقد أُبِيحَ دَمُه بفِعْلِه، فيَجِبُ أن يَسْقُطَ ضَمانُه، كالمُكَلَّفِ. ١٦١١ - مسألة؛ قال: (وإذا دَخلَ مَنْزِلَهُ بالسِّلَاحِ، فأَمَرَهُ بِالخُرُوجِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِأَسْهَلِ ما يُخْرِجُه بِهِ، فإنْ عَلِمَ أنَّه يَخْرُجُ بِضَرْبِ عَصًا، لم يَجُزْ أنْ يَضْرِبَه بِحَدِيدَةٍ، فإنْ آلَ الضَّرْبُ إلى نَفْسِهِ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وإن قُتِلَ صَاحِبُ الدَّارِ كَانَ شَهِيدًا) وجملتُه أنَّ الرَّجلَ إذا دَخَلَ مَنْزِلَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلِصَاحِبِ الدَّارِ أمرُه بالخروجِ من مَنْزلِه، سَواءٌ كان معه سلاحٌ أو لم يكُنْ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بدُخولِ مِلْكِ غيرِه، فكانَ لصاحِبِ الدارِ (١) مُطالبتُه بتَرْكِ التَّعَدِّى، كما لو غَصَبَ منه شيئًا، فإن خرجَ بالأمرِ، لم يكُنْ له ضَرْبُه، لأنَّ المقْصودَ إخراجُه. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه رأى لِصًّا، فأصْلَتَ عليه السَّيْفَ، قال: فلو تَرَكْناه لَقَتلَه (٢). وجاءَ رَجُلٌ إلى الحسنِ، فقالَ: لِصٌّ دَخَل بَيْتِى ومعه حَدِيدةٌ، أقتلُه؟ قال: نعم، بأىِّ قِتْلَةٍ قَدَرْتَ أن تَقْتُلَه. ولَنا، أنَّه أمْكَنَ إزالةُ العُدْوانِ بغيرِ القَتْلِ، فلم يَجُزِ القتلُ، كما لو غَصَبَ منه شيئًا، فأمْكَنَ أخْذُه بغيرِ القتلِ. وفعلُ ابنِ عمرَ يُحْمَلُ على قَصْدِ التَّرْهِيبِ، لا على أنَّه (٣) قَصَدَ إيقَاعَ الفِعْلِ. فإن لم يَخْرُجْ بالأمرِ، فله ضَرْبُه بأسْهَلِ ما يَعْلَمُ أنَّه يَنْدَفِعُ به؛ لأنَّ المقصودَ دَفْعُه، فإذا انْدَفعَ بقليلٍ، فلا حاجَةَ إلى أكثرَ منه، فإن عَلِمَ أنَّه يخرُجُ بالعَصا، لم يكُنْ له ضَرْبُه بالحديدِ؛

стр. 6669

لأنَّ الحديدَ آلةٌ للقتلِ، بخلافِ العَصَا. وإن ذهبَ مُوَلِّيًا، لم يكُن له قَتْلُه، ولا اتِّبَاعُه، كأهلِ البَغْىِ. وإن ضَرَبَه ضَرْبَةً عَطَّلَتْه، لم يكُن له أن يُثْنِىَ عليه؛ لأنَّه كُفِىَ شَرَّه. وإن ضربَه فَقَطَعَ يمينَه، فَوَلَّى مُدْبِرًا، فضربَه فقطَعَ رِجْلَه، فَقَطْعُ الرِّجْلِ مَضْمُونٌ عليه (٤) بالقِصَاصِ أو الدِّيَةِ؛ لأنَّه في حالٍ لا يجوزُ له ضَرْبُه، وقَطْعُ اليَدِ غيرُ مَضْمونٍ. فإن ماتَ من سِرَايةِ القَطْعِ، فعليه نصفُ الدِّيَةِ، كما لو ماتَ من جِرَاحَةِ اثْنَين. وإن عادَ إليه بعدَ قَطْعِ رِجْلِه، فَقطَعَ يدَه الأُخْرَى، فاليدَان غيرُ مَضْمونتَيْن. وإن ماتَ، فعليه ثُلُثُ الدِّيَةِ، كما لو ماتَ من جِرَاحَةِ ثلاثةِ أنْفُسٍ. وقياسُ (٥) المذهبِ أن يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجُرْحَيْنِ قَطْعُ رَجُلٍ واحِدٍ، فكانَ حكمُهما واحدًا، كما لو جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا مائةَ جُرْحٍ، وجرحَه آخرُ جُرْحًا واحدًا، وماتَ، كانتْ ديتُه بينهما نِصْفَيْن، ولا تُقْسَمُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الجِراحَاتِ، كذا ههُنا. فأمَّا إن لم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بالقتلِ، أو خافَ أن يَبْدُرَه بالقتْلِ إن لم يَقْتُلْه، فله ضَرْبُه بما يَقْتُلُه، أو يقْطَعُ طَرَفَه، وما أَتْلَفَ منه فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه تَلِفَ لدفعِ شَرِّه، فلم يَضْمَنْه، كالباغِى، ولأنَّه اضْطَرَّ صاحبَ الدارِ إلى قتلِه، فصارَ كالقاتِلِ لنفسِه. وإن قُتِلَ صاحبُ الدَّارِ فهو شهيدٌ؛ لِمَا رَوَى عبد اللَّه بنُ عمرِو بنِ العاصِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أُرِيدَ مَالُه بِغَيْرَ حَقٍّ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ". روَاه الخَلَّال بإسْنادِه (٦). ولأنَّه قُتِلَ لدَفْعِ ظالمٍ، فكانَ شهيدًا، كالعادِلِ إذا قتلَه الْباغِى.

стр. 6670

فصل: وكلُّ مَن عَرَضَ لإِنسانٍ يريدُ مالَه أو نفسَه، فَحُكْمُه ما ذكرنا في مَن دخلَ منزلَه، في دَفْعِهم بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ دَفْعُهم به، فإن كان بينَه وبينَهم نهرٌ كبيرٌ، أو خَنْدَقٌ، أو حِصْنٌ لا يقدِرُون على اقْتحامِه، فليس له رَمْيُهم، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بقِتالِهم (٧)، فله قِتالُهم وقَتْلُهم. قالَ أحمدُ، في اللُّصُوصِ يُرِيدون نفسَك ومالَكَ: قاتِلْهم تَمْنَعْ نفسَك ومالَكَ. وقال عطاءٌ، في الْمُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ، قال: يُقاتِلُهم (٨) أشدَّ القتالِ. وقال ابنُ سِيرِين: ما أعلمُ أحدًا تَرَكَ قِتالَ الحَرُورِيَّةِ واللصوصِ تَأَثُّمًا، إلَّا أن يَجْبُنَ. وقال الصَّلْتُ بنُ طَرِيفٍ: قلتُ للحسنِ: إنِّي أُحْرَجُ في هذه الوُجوهِ، أخْوَفُ شَىْءٍ عندى يَلْقَانِى المصَلُّونَ يَعْرِضُونَ لي في مالِى، فإن كَفَفْتُ يَدِى ذَهبُوا بمالِى، وإن قاتلتُ المصلِّىَ ففيه ما قد علمتَ؟ قال: أَىْ بُنَىَّ، مَنْ عَرَض لك في مالِكَ، فإن قتلتَه فإلى النَّارِ، وإن قَتَلَكَ فَشَهِيدٌ. ونحوُ ذلك عن أنسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ. وقال أحمدُ في امرأةٍ أرادَها رَجُلٌ على نفسِها، فقتلَتْه لِتُحْصِنَ نفسَها، فقال: إذا عَلِمَتْ أنَّه لا يُرِيدُ إلَّا نَفْسَها، فقتلَتْه لتَدْفَعَ عن نَفْسِها، فلا شَىْءَ عليها. وذكرَ حديثًا يَرْوِيه الزُّهْرِىُّ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ، عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، أنَّ رَجُلًا ضافَ (٩) ناسًا من هُذَيْلٍ، فأرادَ امرأةً على نفسِها، فَرَمَتْهُ بحَجرٍ فَقَتَلَتْه، فقال عمرُ: واللهِ لا يُودَى أبدًا (١٠). ولأنَّه إذا جازَ الدَّفْعُ عن مالِه الذي يجوزُ بَذْلُه وإباحتُه، فدَفْعُ المرأةِ عن نفسِها وصِيانتُها عن الفاحِشَةِ، التي لا تُبَاحُ بحالٍ، أوْلَى. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يجبُ عليها أن تدْفَعَ عن نفسِها إن أمكنَها ذلك؛ لأنَّ التَّمْكِينَ منها مُحَرَّمٌ، وفى تركِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ. فأمَّا من أُريدَتْ نفسُه أو مالُه، فلا يجبُ عليه الدَّفْعُ؛ لقولِ (١١) النَّبِيِّ ﷺ (١٢)

стр. 6671

في الفِتْنة: "اجْلِسْ في بَيْتِكَ فَإِنْ خِفْتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَغَطِّ وَجْهَكَ" (١٣). وفى لفظٍ: "فَكُنْ عَبْدَ اللهِ المُقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّه القَاتِلَ" (١٤). ولأنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، تركَ القتالَ مع إمْكانِه مَنْعَ (١٥) إرادتِهم نفسَه. فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم في المُضْطَرِّ: إذا وجَدَ ما يَدْفعُ به الضَّرورةَ، لَزِمَه الأَكْلُ منه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، فلِمَ لَمْ تَقُولوا ذلك ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ الأكلَ يُحْيى به نفسَه، من غيرِ تَفْويتِ نفسِ (١٦) غيرِه، وههُنا في إحْياءِ نفسِه فواتُ نَفْسِ غيرِه، فلم يجِبْ عليه، فأمَّا إن أمْكَنَه الهربُ، فهل يَلْزَمُه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّه أمْكَنَه الدَّفْعُ عن نفسِه، من غيرِ ضَرَرٍ يلحقُ غيرَه، فلَزِمَه، كالأكْلِ في المَخْمَصَةِ. والثانى، لا يلزَمُه؛ لأنَّه دَفْعٌ عن نفسِه، فلم يَلْزَمْه، كالدَّفْعِ بالقتالِ. فصل: وإذا صالَ على إنْسانٍ صائِلٌ، يريدُ مالَه أو نفسَه ظُلْمًا، أو يريدُ امرأةً لِيَزْنِىَ بها، فلغيرِ المَصُولِ عليه مَعونَتُه في الدَّفْعِ. ولو عَرَضَ اللُّصوصُ لقافِلَةٍ، جازَ لغيرِ أهلِ القافِلَةِ الدَّفْعُ عنهم؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا، أوْ مَظْلُومًا" (١٧). وفى حديثِ: "إنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الفُتَّانِ" (١٨). ولأنَّه لولا التَّعاونُ لَذهَبتْ أموالُ النَّاسِ وأنْفُسُهم؛ لأنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذا انْفَرَدُوا بأخْذِ مالِ إنسانٍ لم يُعِنْه غيرُه،

стр. 6672

[فإنَّهم يأخذُون] (١٩) أموالَ الكُلِّ، واحِدًا واحِدًا، وكذلك غيرُهم. فصل: وإذا وَجَدَ رجُلًا يَزْنِى بامرأتِه فقتلَه، فلا قِصَاصَ عليه (٢٠)، ولا دِيَةَ؛ لما رُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، بينما هو يتغدَّى يومًا، إذ أقبلَ رَجُلٌ يَعْدُو، ومعه سيفٌ مُجرَّدٌ مُلطَّخٌ بالدَّمِ، فجاءَ حتى قَعَدَ مع عمرَ، فجعلَ يأْكُلُ، وأقبلَ جماعَةٌ من النَّاسِ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا قتلَ صاحِبَنَا مع امرأتِه. فقال عمرُ: ما يقولُ هؤلاء؟ قال: ضَرَبَ الآخَرُ فَخِذَىِ امرأتِه بالسَّيفِ، فإن كان بينَهما أحَدٌ فقد قتلَه. فقال لهم عمر: ما يقولُ؟ قالوا: ضَرَبَ بسَيْفِه، فقطَعَ فَخِذَى امرأتِه، فأصابَ وَسَطَ الرَّجُلِ، فَقَطَعَه باثْنَيْن. فقال عمرُ: إن عَادُوا فَعُدْ. روَاه هُشَيْمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ. أخرجه سعيدٌ (٢١). وإذا كانتِ المرأةُ مُطاوِعَةً، فلا ضمانَ عليه فيها، وإن كانتْ مُكْرَهَةً، فعليه القِصاصُ. وإذا قَتَلَ رَجُلًا، وادَّعَى أنَّه وَجَدَه مع امرأتِه، فأنْكَرَ وَلِيُّه ذلك (٢٢)، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لِمَا رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه سُئِلَ عن رجُلٍ دخل بَيْتَه، فإذا مع امرأتِه رجلٌ، فَقَتَلَها وقَتَلَه (٢٣). قال علىٌّ: إن جاءَ بأربعةِ شُهَداءَ، وإلَّا فَلْيُعْط بِرُمَّتِه (٢٤). ولأنَّ الأصلَ عدمُ ما يَدَّعِيه، فلا يسْقُطُ حُكْمُ القتلِ بمُجرَّدِ الدَّعْوَى. واختَلَفَتِ الرِّوايةُ في البَيِّنَةِ، فرُوِىَ أنَّها أرْبَعةُ شُهَداءَ؛ لخبرِ عليٍّ، ولِمَا رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ سعدًا قال: يا رسولَ اللَّه، أرَأيْتَ إن وجدتُ مع امرأتِى رَجُلًا، أُمْهِلُه حتى آتِىَ بأربعةِ شهداءَ؟ فقال النَّبِىُّ ﷺ : "نَعَم" (٢٥). ورُوِىَ أنَّه يَكْفِى

стр. 6673

شاهدان؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تَشْهَدُ على وُجودِه مع (٢٦) المرأةِ، وهذا يَثْبُتُ بشاهِدَيْنِ، وإنَّما الذي يحْتاجُ إلى الأربعةِ الزِّنَى، وهذا لا يحتاجُ إلى إثْباتِ الزِّنَى. فإن قِيلَ: فحديثُ عمرَ في الذي وَجَدَ مع امرأتِه رَجُلًا ليس فيه بَيِّنَةٌ، وكذلك رُوِىَ أنَّ رَجُلًا من المسلمين خَرَجَ غَازِيًا، وَأَوْصَى بأهلِه رَجُلًا، فبَلَغ الرَّجُلَ أن يَهُودِيًّا يختَلِفُ إلى امرأتِه، فكَمَنَ له حتى جاءَ، فجعل يُنْشِدُ: وأشْعَثَ غَرَّهُ الإِسْلامُ مِنِّى ... خَلَوْتُ بعِرْسِه ليلَ التَّمامِ أبِيتُ على تَرائِبِها ويُضْحِى ... على جَرْداءَ لَاحِقَةِ الْحِزَامِ كأنَّ مَواضِعَ الرَّبَلَاتِ منها ... فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إلى فِئَامِ (٢٧) فقام إليه فقَتَلَه، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فأهْدَرَ دَمَه، ولم يُطالِبْ (٢٨). فالجوابُ أنَّ ذلك ثبتَ عنده بإقْرارِ الوَلِىِّ. وإن لم تكُنْ (٢٩) بَيِّنَةٌ، فادَّعَى عِلْمَ الوَلِىِّ بذلك، فالقولَ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه. فصل: ولو قتلَ رَجُلٌ (٣٠) رجلًا، وادَّعَى أنَّه قد هَجَمَ مَنْزِلِى، فلم يُمْكِنِّى دَفْعُه إلَّا بالقتلِ. لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وعليه القَوَدُ سَواء كان المقتولُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ، أو عِيَارَةٍ، أو لا يُعْرَفُ بذلك، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّهم رَأَوْا هذا مُقْبلًا إلى هذا [بسِلاحٍ مَشْهورٍ] (٣١)، فضرَبه هذا، فقد هَدَرَ دَمَه، وإن شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْه داخِلًا دارَه، ولم يَذْكُرُوا سِلَاحًا، أو ذكروا سِلاحًا غيرَ مَشْهورٍ، لم يَسْقُطِ القَوَدُ بذلك؛ لأنَّه قد يدْخُلُ

стр. 6674

لحاجَةٍ، ومُجَرَّدُ الدُّخُولِ المشْهودِ به لا يُوجِبُ إهْدارَ دَمِه. وإن تجارحَ رَجُلَانِ، وذكَر (٣٢) كَلُّ واحِدٍ منهما أنِّى جَرَحْتُه دَفْعًا عن نفسِى. حَلَفَ كُلُّ واحدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، وعليه ضَمَانُ ما جَرَحَه؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ على الآخرِ ما يُنْكِرُه، والأصلُ عَدَمُه. فصل: ولو عَضَّ رَجُلٌ يدَ آخَرَ، فله جَذْبُها من فِيهِ، فإن جَذَبَها فوَقَعَتْ ثَنايَا العاضِّ، فلا ضَمانَ فيها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ, ورَوَى سعيدٌ, عن هُشَيْمٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه أنَّ رجلًا عَضَّ رجلًا، فانْتَزعَ يدَهُ من فيهِ، فسقطَ بعضُ أسْنانِ العاضِّ، فاختَصَما إلى شُرَيْحٍ، فقالَ شُرَيْحٌ: انْزَعْ يدَك مِن فِي السَّبُعِ، وأبْطِلْ أسْنانَه. وحُكِىَ عن مالِكٍ، وابنِ أبي ليلى، عليه الضَّمانُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" (٣٣). ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ قال: كان لي أجيرٌ، فقاتَلَ إنسانًا، فعَضَّ أحدُهما يدَ الآخَرِ، قال: فانتزَعَ المعْضُوضُ يدَه من فِي العاضِّ، فانْتزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْه، فأتَى النَّبِىَّ ﷺ ، [فأهْدَرَ ثَنِيَّتَه، فَحَسِبْتُ أنَّه قال: قال النَّبِىُّ ﷺ ] (٣٤): "أَفَيَدَعُ يَدَه في فِيكَ تَقْضَمُها قَضْمَ الفَحْلِ! ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٥). ولأنَّه عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورةَ دَفْعِ شرِّ صاحِبِه، فلم يُضْمَنْ، كما لو صالَ عليه، فلم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بقَطْعِ عُضْوِه. وحديثُهم يَدُلُّ على دِيَةِ السِّنِّ إذا قُلِعَتْ ظُلْمًا، وهذه لم تُقْلَعْ ظُلْمًا، وسَواءٌ

стр. 6675

كان المعْضُوضُ ظَالِمًا أو مَظْلُومًا؛ لأنَّ العَضَّ مُحَرَّمٌ، إلَّا أن يكونَ العَضُّ مُباحًا، مثل أن يُمْسِكَه في موضعٍ يتضَرَّرُ بإمْساكِه، أو يَعَضُّ يدَه، ونحو ذلك ممَّا لا يقدِرُ على التخَلُّصِ من ضَررِه إلَّا بِعَضِّه، فيَعَضُّه، فما سَقَطَ من أسْنانِه ضَمِنَه؛ لأنَّه عَاضٌّ والعَضُّ مُبَاحٌ. وكذلك (٣٦) لو عَضَّ أحدُهما يدَ الآخَرِ، ولم يُمْكِنِ المعْضُوضَ تخليصُ يَدِهِ إلَّا بِعَضِّه، فله عَضُّه، ويَضْمَنُ الظَّالِمُ منهما ما تَلِفَ من المظْلومِ، وما تَلِفَ من الظالِم [كان هَدْرًا] (٣٧). وكذلك الحُكْمُ فيما إذا عَضَّه في غيرِ يَدِه، أو عَمِلَ به عملًا غيرَ العَضِّ أفضَى إلى تَلَفِ شَىْءٍ من الفاعلِ، لم يَضْمَنْه. وقد رَوَى محمدُ بنُ عُبَيْد اللَّه (٣٨): أنَّ غُلامًا أخذَ قِمَعًا من أقْماعِ الزَّيَّاتِينَ، فأدخَلَه بينَ رِجْلَىْ (٣٩) رَجُلٍ، وَنَفَخَ فيه، فذُعِرَ الرَّجُلُ من ذلك، وخَبَطَ بِرِجْلِه، فَوَقَعَ على الغُلامِ، فَكَسَرَ بعضَ أسنانِه، فاخْتَصَمُوا إلى شُرَيْحٍ، فقال شُرَيْحٌ: لا أعْقِلُ الكَلْبَ الهَرَّارَ. قال القاضي: يُخَلِّصُ المعْضُوضُ يدَه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه (٤٠)، فإنْ (٤١) أمْكَنَه فَكُّ لَحْيَيْه بيدِه الأُخْرَى فَعَلَ، وإن لم يُمْكِنْه لَكَمَه في (٤٢) فَكِّه، فإن لم يُمْكِنْه جَذَبَ يَدَه مِن فِيه، فإن لم يَخْلُصْ، فله أن يَعْصِرَ خُصْيَتَيْه، فإن لم يُمْكِنْه، فله أن يَبْعَجَ بَطْنَه، وإن أتَى على نَفْسِه. والصَّحِيحُ أنَّ هذا الترتيبَ غيرُ مُعْتَبَرٍ، وله أن يْجذِبَ يدَه [من فِيهِ] (٤٣) أوَّلًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ، ولأنَّه لا يَلْزَمُه تَرْكُ يدِه في فَمِ العاضِّ حتى يتحَيَّلَ بهذه الأشْياءِ المذكورة، ولأنَّ جَذْبَ يَدِه مُجَرَّدُ تَخْليصٍ ليَدِه، وما حَصَلَ من سُقوطِ الأسنانِ حَصَلَ ضَرُوةَ التَّخْليصِ الجائزِ، ولَكْمُ فَكِّه جِنَايَةٌ غيرُ التَّخْلِيصِ، وربَّما تضمَّنتِ التَّخْليصَ، وربَّما أتْلَفتِ الأسْنانَ التي

стр. 6676

لم يَحْصُلِ العَضُّ بها، وكانت البَداءةُ بجَذْبِ يَدِه أوْلَى. ويَنْبَغِى أنَّه متى أمْكَنَه جَذْبُ يَدِه، فَعَدَلَ إلى لَكْمِ فَكِّه، فأتْلَفَ سِنًّا، ضَمِنَه، لإِمْكانِ التَّخَلُّصِ بما هو أوْلَى منه. فصل: ومَن اطَّلعَ في بيتِ إنسانٍ مِن ثَقْبٍ، أو شَقِّ بابٍ، أو نحوِه، فَرَمَاه صاحبُ البيتِ (٤٤) بحَصاةٍ، أو طَعَنَه بعُودٍ، فَقَلَعَ عَيْنَه، لم يَضْمَنْها. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه لو دخَلَ منزلَه، ونظرَ فيه، أو نالَ من امْرأتِه ما دُونَ الفَرْجِ، لم يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِه، فَمُجَرَّدُ النَّظَرِ أوْلَى. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ". وعن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا اطَّلَعَ في جُحْرٍ من بابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ورسولُ اللَّه ﷺ يحُكُّ رَأْسَه بِمِدْرَى (٤٥) في يدِه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُنِى، لَطمَسْتُ (٤٦)، أو لَطَعَنْتُ بها في عَيْنِكَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٤٧). ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ مَن دَخَلَ المنزلَ يُعْلَم به، فيُسْتَتَرُ منه، بخلافِ النَّاظِرِ من ثَقْبٍ، فإنَّه يرَى من غيرِ عِلْمٍ به، ثم الخبرُ أوْلَى من القياسِ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في هذا

стр. 6677

أنَّه لا يمْكِنُه دَفْعُه إلَّا بذلك, لظاهِرِ (٤٨) الخبرِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يدفَعُه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه دَفْعُه به، يقولُ (٤٩) له أوَّلًا: انْصَرِفْ. فإن لم يفعلْ، أشارَ إليه يُوهِمُه أنَّه يَحْذِفُه، فإن لم يَنْصَرِفْ، فله حَذْفُه حينئذٍ. واتِّبَاعُ السُّنَّةِ أوْلَى (٥٠). فأمَّا إنْ تَرَكَ الاطِّلاعَ ومَضَى، لم يَجُزْ رَمْيُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَطْعَنِ الذي اطَّلَعَ ثم انْصَرفَ، ولأنَّه تَرَكَ الجنايةَ، فأشْبَهَ مَنْ عَضَّ ثم تركَ العَضَّ، لم يَجُزْ قَلْعُ أسْنانِه. وسَواءٌ كان المطَّلَعُ منه صغيرًا، كَثَقْبٍ أَوْ شَقٍّ، أو واسِعًا، كثَقْبٍ كبيرٍ. وذكرَ بعضُ أصحابِنا أنَّ البابَ المفتوحَ كذك، والأوْلَى أنَّه لا يجوزُ حَذْفُ مَنْ نَظَرَ من بابٍ مَفْتُوحٍ؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ تاركِ البابِ مَفْتوحًا، والظاهِرُ أنَّ مَن تَرَكَ بابَه مَفْتوحًا، أنَّه يَسْتَتِرُ، لعِلْمِه أنَّ النَّاسَ ينظرُون منه، ويَعْلَمُ بالنَّاظِرِ فيه، والواقفِ عليه، فلم يَجُزْ رَمْيُه، كداخِلِ (٥١) الدَّارِ. وإنِ اطَّلَعَ، فرَماه صاحبُ الدَّارِ، فقال المُطَّلِعُ: ما تعمَّدْتُ الاطِّلاعَ. لم يَضْمَنْه، على ظاهِرِ كلامِ أحمد؛ لأنَّ الاطِّلاعَ قد وُجِدَ، والرَّامِى لا يَعْلَمُ ما في قَلْبِه. وعلى قَولِ ابنِ حامدٍ، يَضْمَنُه؛ لأنَّه لم يَدْفَعْه بما هو أسْهَلُ. وكذك لو قال: لم أرَ شيئًا حينَ اطَّلَعْتُ. وإن كان المُطَّلِعُ أَعْمًى، لم يَجُزْ رَمْيُه؛ لأنَّه لا يَرَى شيئًا، ولو كان إنسانٌ عُرْيانًا في طريقٍ، لم يكُنْ له رَمْىُ مَن نَظَرَ إليه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ. وإن كان المُطَّلِعُ في الدَّارِ مِن مَحارمِ النِّسَاءِ اللَّائى فيها, فقال بعضُ أصحابِنا: ليس لصاحبِ الدَّارِ رَمْيُه، إلَّا أن يَكُنَّ مُتجرِّدَاتٍ (٥٢)، فيَصِرْنَ كالأجانِب. وظاهِرُ الخبرِ أنَّ لصاحبِ الدَّارِ رَمْيَه، سَوَاءٌ كان فيها نِسَاءٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ أنَّه كان في الدَّارِ التي اطَّلعَ فيها على النَّبِيِّ ﷺ نِساءٌ. وقوله: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ، بَغْيرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَه". عامٌّ في الدَّارِ التي فيها نِسَاءٌ وغيرِها. فصل: وليس لصاحبِ الدارِ رَمْىُ النَّاظِرِ بما يقْتُلُه ابْتداءً، فإن رَماهُ بحَجَرٍ

стр. 6678

يقْتُلُه، أو حَدِيدَةٍ ثِقيلَةٍ، ضَمِنَه بالقِصاصِ؛ لأنَّه إنَّما له ما يَقْلَعُ به العَيْنَ المُبْصِرةَ، التي حَصَلَ الأَذَى منها، دونَ ما يتعدَّى إلى غيرِها، فإن لم يَنْدَفِعِ المُطَّلِعُ بِرَمْيِه بالشَّىءِ اليَسيرِ، جازَ رَمْيُه بأكْثَرَ منه، حتى يأْتِىَ ذلك على نَفْسِه. وسَوَاءٌ كان النَّاظِرُ في الطَّريقِ، أو مِلْكِ نفسِه، أو غيرِ ذلك. ١٦١٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا أفْسَدَتِ الْبَهَائِمُ بِاللَّيلِ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا، ومَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذلِكَ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنُوهُ) يعني إذا لم تكُنْ يَدُ أحَدٍ عليها، فإن كان صاحِبُها معها أو غيرُه، فعلى من يَدُه عليها ضَمانُ ما أتْلَفَتْهُ؛ من نَفْسٍ، أو مالٍ. ونذْكُر ذلك في المسألةِ التي تَلِى هذه. وإن لم تَكُنْ يدُ أحدٍ عليها، فعلى مالِكِها ضَمانُ ما أَفْسَدَتْه مِن الزَّرْعِ، ليلًا دونَ النَّهارِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأكْثرِ فُقَهاءِ الحجازِ. وقال اللَّيْثُ: يَضْمَنُ مالِكُها ما أَفْسَدَتْه لَيْلًا ونَهارًا بأَقَلِّ الأَمْرَيْن؛ من قيمَتِها، أو قَدْرِ ما أَتْلَفَتْه، كالعَبْدِ إذا جَنَى. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه بحالٍ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ" (١). يعني هَدْرًا. ولأنَّها أفْسَدَتْ وليستْ يدُه عليها، فلم يَلْزَمْه الضَّمَانُ. كما لو كان نهارًا، أو كما لو أَتْلَفَتْ غيرَ الزَّرْعِ. وَلنا، ما رَوَى مالِكٌ، عن الزُّهْرِىِّ، عن حَرَامٍ بنِ سَعْدِ بن مُحَيِّصَةَ، أنَّ ناقةً للْبَراءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ، فأفْسَدتْ, فَقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ، أنَّ على أهلِ الأمْوالِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وما أفْسَدَتْ بالليلِ، فهو مَضْمُونٌ عليهم (٢). قال ابنُ عبدِ البرِّ: إن كان هذا مُرْسلًا، فهو مشهورٌ حَدَّثَ به الأئمةُ الثِّقَاتُ، وتلقَّاه فُقَهاءُ الحجازِ بالقَبُولِ. ولأنَّ العادةَ من أهلِ الْمَواشِى إرْسالُها. في النَّهَارِ للرَّعْىِ، وحِفْظُها

стр. 6679

ليلًا، وعادةُ أهلِ الْحَوائطِ حِفْظُها نهارًا دُونَ الليلِ، فإذا ذَهَبَتْ ليلًا كان التَّفْرِيطُ من أهْلِها بتَرْكِهِم حفظَها في وَقْتِ عَادةِ الحِفْظِ، وإن أَتْلَفَتْ نهارًا، كان التَّفْرِيطُ من أهلِ الزَّرْعِ (٣)، فكان عليهم، وقد فَرَّقَ النَّبِىُّ ﷺ بينَهما، وقَضَى على كُلُّ إنسانٍ بالحِفْظِ في وقتِ عَادتِه. وأمَّا غيرُ الزَّرْعِ، فلا يُضْمَنُ؛ لأنَّ البهيمةَ لا تُتْلِفُ ذلك عادةً، فلا يُحْتاجُ إلى حِفْظِها، بخلافِ الزَّرْعِ. فصل: قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَضْمَنُ مالِكُها ما أَتْلَفَتْهُ ليلًا، إذا كان التَّفْرِيطُ منه، بإرسالِها ليلًا، أو إرْسالِها (٤) نهارًا، ولم يَضْمَنْها (٥) ليلًا، أو ضَمِنَها (٦) بحيثُ يُمْكِنُها الخروجُ. أمَّا إذا ضَمِنَها فَأَخْرَجَها غيرُه بغيرِ إذْنِه، أو فَتَحَ عليها بابَها، فالضَّمانُ على مُخْرِجِها، أو فاتِحِ بابِها؛ لأنَّه المُتْلِفُ. قال القاضِى: هذه المسألةُ عندِى مَحْمولَةٌ على مَوْضِعٍ فيه مَزارِعُ ومَرَاعٍ، أمَّا القُرَى العامرةُ التي لا مَرْعَى فيها إلَّا بيت قَرَاحين (٧)، كساقيةٍ وطريقٍ وطَرَفِ زَرْعٍ، فليس لصاحِبِها إرسالُها بغيرِ حافِظٍ عن الزَّرْعِ، فإن فعلَه (٨)، فعليه الضَّمانُ؛ لتَفْريطِه، وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. فصل: وإن أتْلَفتِ البهيمةُ غيرَ الزَّرْعِ، لم يَضْمَنْ مالِكُها ما أتلَفَتْه، ليلًا كانَ أو نهارًا، ما لم تَكُنْ يَدُه عليها. وحُكِى عن شُرَيْحٍ، أنَّه قضَى في شاةٍ وَقَعَتْ في غَزْلِ حائِكٍ ليلًا، بالضَّمْانِ على صاحِبِها، وقرأ شُرَيْحٌ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (٩). قال: والنَّفْشُ لا يكونُ إلَّا باللَّيلِ. وعن الثَّوْرِىِّ: يَضْمَنُ، وإن كان نهارًا؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ

стр. 6680

بإرسالِها. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "العَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ". مُتَّفَقٌ عليه. أي هَدْرٌ. وأما الآية، فإنَّ النَّفْشَ هو الرَّعْىُ بالليلِ، فكان (١٠) هذا في الْحَرْثِ الذي تُفْسِدُه البهائِمُ طَبْعًا بالرَّعْىِ، وتدعُوها نفسُها إلى أكلِه، بخلافِ غيرِه، فلا يَصِحُّ قياسُ غيرِه عليه. فصل: ومن اقْتنَى كلبًا عَقُورًا، فأطلقَه، فعقَرَ إنسانًا، أو دابّةً، ليلًا أو نهارًا، أو خرَّقَ ثوبَ إنسانٍ، فعلى صاحبِه ضَمَانُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ باقْتنائِه، إلَّا أن يَدْخُلَ إنسانٌ دارَه بغيرِ إذنِه، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بالدُّخُولِ، مُتَسَبِّبٌ بعُدْوانِه إلى عَقْرِ الكَلْبِ له. وإن دَخَلَ بإذنِ المالِكِ، فعليه ضَمَانُه (١١)؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه. وإن أتلفَ الكَلْبُ بغيرِ العَقْرِ، مثل أن وَلَغَ في إناءِ إنسانٍ، أو بال، لم يَضْمَنْه مُقْتَنِيه؛ لأنَّ هذا لا يَخْتَصُّ به الكَلْبُ العَقُورُ. قال القاضي: وإن اقْتَنَى سِنَّوْرًا يأكْلُ أفْراخَ (١٢) النَّاسِ، ضَمِنَ ما أتْلفَه، كما يَضْمَنُ ما أتلفَه الكلبُ العَقُورُ، ولا فرقَ بينَ الليلِ والنَّهارِ. وإن لم يكُنْ له عادةٌ بذلك، لم يَضْمَنْ صاحِبُه جِنَايَتَه، كالكلبِ إذا لم يكُنْ عَقَورًا. ولو أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ أو السِّنَّوْرَ حَصَلَ عندَ إنسانٍ، من غيرِ اقْتِنَائِه ولا اختيارهِ، فأفْسَدَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ الإِتْلافُ بِسَبَبِه. فصل (١٣): وإن اقْتَنَى حَمَامًا أو غيرَه من الطَّيرِ، فأرسلَه نَهارًا، فَلَقَطَ حَبًّا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه كالبَهِيمةِ، والعادَةُ إرْسالُه. ١٦١٣ - مسألة؛ قال: (وَمَا جَنَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا، ضَمِنَ رَاكِبُها مَا أَصَابَتْ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ جُرْحٍ، أَوْ مَالٍ، وكَذلِكَ إنْ قَادَهَا أوْ سَاقَهَا) وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وأبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لقولِ

стр. 6681

النَّبِيِّ ﷺ : "العَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ" (١). ولأنَّه جِنايةُ بَهِيمةٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تكُنْ يدُه عليها. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الرِّجْلُ جُبَارٌ". رواه سعيدٌ (٢)، بإسْنادِه عن هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبِيل، عن النَّبِيِّ ﷺ ، [ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبى ﷺ ] (٣). وتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بكَوْنِه جُبَارًا، دليلٌ على وُجُوبِ الضَّمَانِ في جِنَايَةِ غيرِها، ولأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُها عن الجنايَةِ إذا كانَ راكِبَها، أو يدُه عليها، بخلافِ مَنْ لا يَدَ له عليها، وحديثُه محمولٌ على مَن لا يَدَ له عليها. ١٦١٤ - مسألة؛ قال: (وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وبهذا قال أبو حنيفةَ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَضْمَنُها. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه من جِنَايةِ بَهِيمةٍ، يدُه عليها، فَيَضمَنُها، كجِنَاية يَدِه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الرِّجْلُ جُبَارٌ" (١). ولأنَّه لا يُمْكِنُه حِفْظُ رِجْلِها عن الجنايَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها. فأمَّا إن كانَتْ جنايتُها بفِعْلِه، مثل أنْ كَبَحَها بِلِجَامِها، أو ضَرَبَها في وَجْهِهَا، ونحو ذلك، ضَمِنَ جِنايةَ رِجْلِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جنَايتِها، فكان ضَمانُها عليه، ولو كان السَّبَبَ في جنايتِها غيرُه، مثل أن نَخَسَها، أو نَفَّرَها، فالضَّمَانُ على مَنْ فَعَلَ ذلك، دونَ راكبِها وسائقِها وقائدِها؛ لأنَّ ذلك هو السَّببُ في جِنَايتِها. فصل: فإن كان على الدَّابَّةِ راكبان، فالضَّمانُ على الأوَّلِ منهما؛ لأنَّه المتَصَرِّفُ فيها، القادِرُ على كَفِّها، إلَّا أن يكونَ الأوَّلُ منهما صغيرًا أو مَرِيضًا أو نحوَهما، ويكونَ

стр. 6682

الثاني هو (٢) المُتولِّىَ لتَدْبِيرِها، فيكونَ الضَّمانُ عليه. وإن كان مع الدَّابَّةِ قائِدٌ وسائِقٌ، فالضَّمَانُ عليهما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ لو انْفَردَ ضَمِنَ. فإذا اجْتَمَعا ضَمِنَا. وإن كان معهما أو مع أحدِهما راكبٌ، ففيه وَجْهَان؛ أحَدُهما، الضَّمانُ عليهم جميعًا، لذلك. والثانى، على الرَّاكِبِ؛ لأنَّه أقْوَى يدًا وتَصَرُّفًا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ على القائِدِ؛ لأنَّه لا حُكْمَ للرَّاكِبِ مع القائِدِ. فصل: والجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الذي عليه رَاكِبٌ، يَضْمَنُ جِنَايَتَه؛ لأنَّه في حُكْمِ القائدِ، فأمَّا الجَمَلُ المقْطُورُ على الجَمَلِ الثاني، فَيَنْبَغِى أن لا تُضْمَنَ جنايتُه، إلَّا أن يكونَ له سائقٌ؛ لأنَّ الرَّاكبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عن الجنايةِ. ولو كانَ مع الدَّابَّةِ وَلَدُها، لم تُضْمَنْ جِنَايتُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه حِفْظُه. فصل: وإن وقَفتِ الدَّابَةُ في طريقٍ ضَيِّقٍ، ضَمِنَ ما جنَتْ بيَدٍ أو رِجْلٍ أو فمٍ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بوَقْفِها فيه، وإن كان الطَّرِيقُ واسعًا، ففيه روايتان؛ إحداهما، يَضْمَنُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ انْتفاعَه بالطَّريقِ مَشْروطٌ بالسَّلامَةِ، وكذلك لو تَرَكَ في الطَّريقِ طِينًا، فزَلَقَ به إنسانٌ، ضَمِنَه. والثانية، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه غيرُ (٢) مُتَعَدٍّ بوَقْفِها في الطَّريقِ الواسِعِ، فلم يَضْمَنْ، كما لو وَقَفَها في مَوَاتٍ. وفارق الطِّينَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه في الطريقِ. ١٦١٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اصْطَدَمَ الفَارِسَانِ، فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما قِيمَةَ دَابَّةِ الآخَرِ) وجملتُه أنَّ على كُلِّ واحدٍ من المُصْطَدِمَيْنِ ضَمانَ ما تَلِفَ من الآخَرِ، من نَفْسٍ أو دَابَّةٍ، أو مالٍ، سواءٌ كانتِ الدَّابَّتانِ فَرَسَيْنِ، أو بَغْلَيْنِ، أو حِمَارَيْنِ، أو جَمَلَيْنِ، أو كان أحدُهما فَرَسًا والآخرُ غيرَه، سواءٌ كانا مُقْبِلَيْنِ، أو مُدْبِرَيْنِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ،

стр. 6683

وصاحِباه، وإسْحاقُ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: على كلِّ واحِدٍ منهما نصفُ قِيمَةِ ما تَلِفَ من الآخَرِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بفِعْلِهما، فكان الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عليهما، كما لو جَرَحَ إنْسانٌ نفسَه، وجَرَحَه غيرُه، فماتَ منهما. ولَنا، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما ماتَ من صَدْمَةِ صاحبِه، وإنَّما هو قَرَّبَها إلى مَحَلِّ الجنايةِ، فلَزِمَ الآخَرَ ضمانُها، كما لو كانتْ واقفةً بخلافِ الْجِراحَةِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ قيمةَ الدَّابَّتَيْنِ إن تَسَاوَتَا، تَقاصَّتَا (١) وسَقَطَتا، وإن كانت إحداهما أكثرَ (٢) من الأُخْرَى، فلصاحبِها الزِّيَادَةُ، وإن ماتَتْ إحدى الدَّابَّتَيْن، فعلى الآخَرِ قِيمتُها، وإن نَقَصَتْ فعليه نَقْصُها. فصل: فإن كان أحدُهما يَسِيرُ بينَ يَدَىِ الآخَرِ، فأدْرَكَه الثاني فصَدَمه، فماتتِ الدَّابَّتانِ، أو إحْداهما، فالضَّمانُ على اللَّاحِقِ؛ لأنَّه الصَّادمُ والآخَرُ مَصْدُومٌ، فهو بمنْزلةِ الواقِفِ. ١٦١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِن كانَ أحَدُهُمَا يَسِيرُ، والآخَرُ واقِفًا (١) , فَعَلى السَّائِرِ قِيمَةُ دَابَّةِ الْوَاقِفِ) نصَّ أحمدُ على هذا؛ لأنَّ السَّائِرَ هو الصَّادِمُ المُتْلِفُ، فكانَ الضَّمَانُ عليه. وإن ماتَ هو أو دابَّتُه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه أتْلَفَ نفسَه ودابَّتَه. وإن انْحَرَفَ الواقِفُ، فصادَفتِ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَه، فهما كالسَّائِرَين؛ لأنَّ التَّلَفَ (٢) حَصَلَ من فِعْلِهما. وإن كان الواقِفُ مُتَعَدِّيًا بوُقوفِه، مثل أن يَقِفَ في طريقٍ ضَيِّقٍ، فالضَّمانُ عليه دونَ السَّائرِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بَتَعَدِّيه، فكانَ الضَّمَانُ عليه، كما لو وَضَعَ حَجَرًا في الطَّرِيقِ، أو جَلَسَ في طريقٍ ضَيِّقٍ، فَعَثَرَ به إنْسانٌ.

стр. 6684

١٦١٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيانِ، فَماتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ (١) كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) رُوِىَ هذا عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه (٢). والخلافُ ههُنا في الضَّمَانِ، كالخلافِ فيما إذا اصْطَدَمَ الفارِسانِ، إلَّا أنَّه لا تَقَاصَّ ههُنا في الضَّمانِ؛ لأنَّه على غَيْرِ مَن له الحَقُّ؛ لِكَوْنِ الضَّمَانِ على عَاقِلَةِ كُلِّ واحِدٍ منهما. وإنِ اتُّفِقَ أن يكونَ الضَّمَانُ على مَن له الحَقُّ، مثلَ أن تكونَ العاقِلَةُ هي الوارِثَةَ، أو يكونَ الضَّمَانُ على المُتصَادِمَيْنِ، تَقَاصَّا. ولا يجبُ القِصَاصُ، سواءٌ كان اصْطِدامُهما عَمْدًا أو خَطأً؛ لأنَّ الصَّدْمَةَ لا تَقْتُلْ غالِبًا، فالقَتْلُ الحاصِلُ بها مع العَمْدِ عَمْدُ الخَطَإِ. ولا فَرْقَ بينَ البَصِيرَيْنِ والأعْمَيَيْنِ، والبَصِيرِ والأَعْمَى، فإن كانتا امْرأتَيْن حامِلَتَيْن (٣)، فهما كالرَّجُلين، فإن أسْقَطَتْ كلُّ واحِدَةٍ منهما جَنِينًا، فعلى كلِّ واحِدَةٍ نِصْفُ ضَمانِ جَنِينِها ونصفُ ضَمانِ جَنِينِ صاحِبَتِها؛ لأنَّهما اشْتركَتَا في قَتْلِه، وعلى كُلِّ، واحِدَةٍ منهما عِتْقُ ثلاثِ رِقَابٍ؛ واحِدَةٌ لقتلِ صاحِبَتِها، واثْنَتانِ لمُشاركَتِها في الْجَنِينِ. وإن أَسْقَطَتْ إحْداهما دونَ الأخْرَى، اشْتَرَكَتَا في ضَمانِه، وعلى كُلِّ واحِدَةٍ عِتْقُ رقَبتَيْن. وإن أَسْقَطَتَا معًا، ولم تَمُتِ المرأتانِ، ففى مالِ كلِّ واحِدَةٍ ضَمانُ نِصْفِ الجَنِينَيْن بغُرَّةٍ، إذا سَقَطَا مَيِّتَيْنِ، وعِتْقُ رَقَبَتَيْن. وإن اصْطَدَمَ راكبٌ وماشٍ، فهو كما لو كانا ماشِيَيْن. وإن اصْطَدَمَ راكبانِ فماتا، فهو كما لو كانا مَاشِيَيْن. فصل: وإن اصْطَدَمَ عَبْدانِ فماتا، هُدِرَتْ قِيمتُهما؛ لأنَّ قيمةَ كُلِّ واحِدٍ منهما تَعَلَّقَتْ برَقَبةِ الآخَرِ، فسَقَطَتْ بِتَلَفِه. وإن ماتَ أحدُهما، تَعَلَّقَتْ قيمتُه برَقبةِ الحَىِّ، فإن هَلَكَ قبلَ اسْتيفاءِ القيمةِ، سَقَطَتْ لفَواتِ مَحَلِّها. وإن تصادمَ حُرٌّ وعَبْدٌ، فماتا

стр. 6685

تَعَلَّقَتْ دِيَةُ الحُرِّ برَقبةِ العبدِ، ثم انتقلَتْ إلى قِيمَتِه (٤)، ووَجَبَتْ قِيمةُ العبدِ في تَرِكَةِ الحُرِّ فيتقَاصَّانِ، فإن كانتْ دِيَةُ الحُرِّ أكثرَ من قِيمةِ العبدِ، سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ؛ لأنَّها لا مُتَعَلَّقَ لها، وأن كانتْ قِيمةٌ العبدِ أكثرَ، أَخَذَ الفضلَ من تَرِكَةِ الجَانِى، وفي مالِ الحُرِّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولا شىءَ على العبدِ؛ لأنَّ تكفيرَه بالصَّوْمِ، فيفُوتُ بفَواِته. وإن ماتَ العبدُ وحدَه، فقِيمَتُه في ذِمَّةِ الحُرِّ؛ لأنَّ العَاقِلَةَ لا تَحْمِلُ العبدَ. وإن ماتَ الحُرُّ وَحْدَه، تَعَلَّقَتْ دِيَتُه برقبةِ العبدِ، وعليه صِيامُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ. وإن ماتَ العبدُ قبلَ استيفاءِ الدِّيَةِ، سَقَطَتْ. وإن قتلَه أَجْنَبِىُّ، فعليه قِيمَتُه (٥)، ويتحوَّلُ ما كان مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِه إلى قِيمَتِه؛ لأنَّها بَدَلُه، وقائِمَةٌ مَقَامَه، وتُسْتَوْفَى مِمَّنْ وَجَبَتْ عليه. ١٦١٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَقَعَتِ السَّفِيْنَةُ المُنْحَدِرَةُ عَلَى المُصَاعِدَةِ، فَغَرِقَتَا، فَعَلَى المُنْحَدِرَةِ قِيمَةُ السَّفِينةِ (١) المُصَاعِدَةِ، أَوْ أَرْشُ مَا نَقَصَتْ إنْ أُخْرِجَتْ، إلَّا أن يَكُونَ قَيِّمُ (٢) المُنْحَدِرَةِ غَلَبَتْه الرِّيحُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا) وجملتُه أنَّ السَّفِينَتَيْن إذا اصْطَدمَتا، لم تخلُوَا (٣) من حَالَيْن؛ أحدهما، أن تكونا مُتَساوِيَتَيْن، كاللَّتين في بحرٍ أو ماءٍ واقفٍ، أو كانت إحداهما مُنْحَدِرَةً والأُخْرَى مُصاعِدَةً، فَنَبْدَأُ بما إذا كانتْ إحداهما مُنْحَدِرَةً والأُخرَى مُصَاعِدَةً؛ لأنَّها مسألةُ الكتابِ، ولا يخْلُو (٤) من حَالَيْن؛ أحدهما، أن يكونَ القَيِّمُ بها مُفَرِّطًا، بأن يكونَ قادِرًا على ضَبْطِها، أو رَدِّها عن الأُخْرَى، فلم يَفْعَلْ، أو أمكنَه أن يَعْدِلَها إلى ناحيةٍ أُخْرَى، فلم يَفْعَلْ، أو لم يُكْمِلْ آلَتها من الْحبالِ والرِّجالِ وغيرِهما، فعلى المُنْحَدِرِ ضَمانُ

стр. 6686

المُصاعِدَةِ؛ لأنَّها تَنْحَطُّ عليها من عُلْوٍ، فيكونُ ذلك سببًا لغَرَقِها، فَتُنَزَّلُ المُنْحَدِرَةُ بمنزلَةِ السَّائِرِ، والمُصاعِدَةُ بمنْزلةِ الواقفِ. وإن غَرِقَتَا جَمِيعًا، فلا شىءَ على المُصْعِدِ، وعلى المُنْحَدِرِ قِيمَةُ المُصْعِدِ، أو أَرْشُ ما نَقَصَتْ إن لم تَتْلَفْ كلُّها، إلَّا أن يكونَ التَّفْرِيطُ من المُصْعِدِ، بأن يُمْكِنَه العُدولُ بِسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فيكونُ الضَّمانُ على المُصْعِدِ؛ لأنَّه المفَرِّطُ. وإن لم يَكُنْ من واحِدٍ منهما تَفْرِيطٌ، لكن هاجَتْ ريحٌ، أو كانَ الماءُ شديدَ الجِرْيَةِ، فلم يُمْكِنُه ضَبْطُها، فلا ضمانَ عليه؛ لأنَّه لا يدْخُلُ في وُسْعِه ضَبْطُها، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها. الحال الثاني، أنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، فإن كان القَيِّمَانِ مُفَرِّطَيْنِ، ضَمِنَ كلُّ واحِدٍ منهما سفينةَ الآخَرِ، بما فيها من نفسٍ ومالٍ، كما قُلْنا في الفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ، وإن لم يكُونَا مُفَرِّطَيْنِ، فلا ضَمَانَ عليهما. وللشَّافِعِىِّ في حالِ عَدَمِ التَّفْرِيطِ قولان؛ أحدُهما، عليهما الضَّمَانُ؛ لأنَّهما في أيْدِيهما، فَلَزِمَهُما الضَّمَانُ، كما لو اصْطَدَمَ الفَارِسَانِ؛ لِغَلَبَةِ الفَرَسَيْنِ لهما. ولنا، أنَّ الملَّاحَيْنِ لا يُسَيِّرَانِ السَّفِينَتَيْنِ بِفِعْلِهما، ولا يُمْكِنُهما ضَبْطُهما في الغالبِ، ولا الاحْترِازُ من ذلك، فأَشْبَهَ ما لو نَزَلَتْ صاعِقَةٌ أحْرَقَتِ السَّفِينَةَ، ويُخالِفُ الفَرَسَيْنِ، فإنَّه مُمْكِنٌ ضَبْطُهُما، والاحْترازُ من طَرْدِهما. وإن كان أحدُهما مُفَرِّطًا وحدَه، فعليه الضَّمَانُ وحدَه، وإن اخْتَلَفَا في تَفْريطِ القَيِّمِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ التَّفْرِيطِ، وهو أمينٌ، فهو كالمُودَعِ. وعند الشَّافِعِىِّ، أنَّهما إذا كانا مُفَرِّطَيْنِ، فعلى كلِّ واحِدٍ حن القَيِّمَيْنِ ضَمانُ نِصْفِ سَفِينَتِه ونصفِ سَفِينَةِ صاحبِه، كقولِه في اصْطِدامِ الفَارسَيْنِ، على ما مَضَى. فصل: فإن كان القَيِّمَانِ مالِكَيْنِ للسَّفِينَتَيْنِ بما فيهما تَقَاصَّا، وأخذَ ذُو الفضلِ فَضْلَه، وإن كانا أَجيرَيْنِ، ضَمِنَا، ولا تَقَاصَّ ههُنا؛ لأنَّ مَن يجبُ له غيرُ مَنْ يجبُ عليه. وإن كان في السَّفِينَتَيْنِ أحْرارٌ فهَلَكُوا، وكانا قد تَعَمَّدَا المُصادَمَةَ، وذلك ممَّا يَقتُلُ غالبًا، فعليهما القِصاصُ. وإن كانوا عبيدًا، فلا قصاصَ (٥) على القَيِّمَيْنِ، إذا كان

стр. 6687

حُرَّيْنِ. وإن لم يَتَعَمَّدَا المُصادَمَةَ، أو كان ذلك ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا، وجَبتْ دِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَةِ القَيِّمَيْنِ، وقيمةُ العَبِيدِ في أموالِهما. وإن كان القَيِّمانِ عَبْدَيْنِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهما، فإن تَلِفَا جميعًا، سَقَطَ الضَّمَانُ، وأمَّا مع عَدَمِ التَّفْرِيطِ، فلا ضَمانَ على أَحَدٍ (٦). وإن كانَ في السَّفِينَتَيْنِ وَدَائِع ومُضَارَبَاتٌ (٧)، لم تُضْمَنْ؛ لأنَّ الأمينَ لا يَضْمَنُ، ما لم يُوْجَدْ منه تَفْريطٌ أو عُدْوانٌ. وإن كانتِ السَّفينتانِ بأُجْرَةٍ، فهما أمانَةٌ أيضًا، لا ضَمَانَ فيهما. وإن كان فيهما مالٌ يَحْمِلانِه بِأُجْرَةٍ إلى بلدٍ آخرَ، فلا ضَمانَ؛ لأنَّ الهَلاكَ بأمرٍ غيرِ مُسْتَطاعٍ. فصل: وإذا (٨) كانتْ إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ قَائِمَةً والأُخْرَى سَائِرَةً، فلا ضَمانَ على الواقِفَةِ، وعلى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الواقِفَةِ، إن كان مُفَرِّطًا، ولا ضَمانَ عليه إن لم يُفَرِّطْ، على ما قَدَّمْنَا. فصل: وإن خِيفَ على السَّفِينَةِ الغَرَقُ، فَأَلْقَى بعضُ الرُّكْبانِ مَتاعَه لِتَخِفَّ وتَسْلَمَ من الغَرَقِ، لم يَضْمَنْه أحَدٌ؛ لأنَّه أَتْلَفَ مَتاعَ نفسِه باخْتيارِه؛ لصلاحِه وصَلاحِ غيرِه، وإن أَلْقَى مَتَاعَ غيرِه بغيرِ أمْرِه، ضَمِنَه وَحْدَه. وإن قال لغيرِه: أَلْقِ مَتاعَكَ. فقَبِلَ منه، لم يَضْمَنْه له؛ لأنَّه لم يَلْتَزِمْ ضَمانَه. وإن قالَ: أَلْقِه، وأنا ضَامِنٌ له. أو: وعَلَىَّ قيمتُه. لَزِمَه ضَمانُه له؛ لأنَّه أَتْلَفَ مالَه بعِوَضٍ لمصْلَحَةٍ، فوجَبَ له العِوَضُ على مَن الْتَزمَه، كما لو قال: أَعْتِقْ عبدَك وعَلَىَّ ثمنُه. وإن قالَ: أَلْقِه، وعلىَّ وعلى رُكْبَانِ السَّفِينَةِ ضَمانُه. فألْقاه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزمُه ضَمانُه وحدَه. وهذا نَصُّ الشَّافِعِىِّ. وهو الذي ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه الْتَزمَ ضَمانَ (٩) جَمِيعِه، فَلَزِمَه ما الْتَزَمَه. وقال القاضي: إن كان ضَمَانَ اشْتراكٍ، مثلَ أن يقولَ: نحن نَضْمَنُ لك. أو قال: على كُلِّ واحِدٍ مِنَّا ضَمَانُ

стр. 6688

قِسْطِه أو رُبْعِ مَتاعِك. لم يَلْزَمْه إلَّا ما يخُصُّه من الضَّمَانِ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَه، وإنَّما أخْبَرَ عن الباقِينَ بالضَّمَانِ، فسَكَتُوا، وسُكُوتُهم ليس بضَمانٍ. وإنِ الْتَزَمَ ضَمانَ الجميعِ، وأخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهم بمثلِ ذلك، لَزِمَه ضَمانُ الكُلِّ، [لأنَّه ضَمِنَ الكُلَّ] (١٠). وإن قال: ألْقِه على أن أضْمَنَه لك أنا ورُكْبانُ السَّفِينَةِ، فقد أَذِنُوا لي في ذلك. فألْقاه، ثم أنْكَرُوا الإِذْنَ، فهو ضَامِنٌ لجميعِه. وإن قالَ: أُلْقِى مَتَاعِى، وتَضْمَنُه لي؟ فقال: نعم. فألْقاه، ضَمِنَه له. وإن قال: أَلْقِ متاعَك، وعَلَىَّ ضَمانُ نِصْفِه، وعلى أَخِى ضَمَانُ ما بَقِىَ. فألْقاه، فعليه ضَمَانُ النِّصْفِ وحدَه، ولا شىءَ على الآخَرِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ. فصل: وإذا خَرَقَ سفينةً، فَغَرِقَتْ بما فيها، وكان عمدًا، وهو ما يُغْرِقُها غالبًا، ويُهْلِكُ مَنْ فيها، لكَوْنِهم في اللُّجَّةِ، أو لعدمِ مَعْرِفَتِهم بالسِّبَاحَةِ، فعليه القِصاصُ إن قُتِلَ مَنْ يجبُ القِصَاصُ بقتلِه، وعليه ضَمَانُ السَّفِينَةِ بما فيها من مالٍ ونَفْسٍ، وإن كان خَطَأً، فعليه ضَمانُ العَبِيدِ، ودِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَتِه. وإن كان عَمْدَ خطإٍ، مثل أن أخَذَ (١١) السَّفِينَةَ ليُصْلِحَ مَوْضِعًا، فَقَلَعَ لَوْحًا، أو يُصْلِحَ مِسْمارًا، فَنَقَبَ مَوْضِعًا، فهذا عَمْدُ الخطإِ. ذكره القاضي، وهو (١٢) مذهبُ الشَّافِعِىُّ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لأنَّه قَصَدَ فعلًا مُباحًا، فأفْضَى إلى التَّلَفِ لما لم يُرِدْهُ، فأشْبَهَ ما لو رَمَى صَيْدًا، فأصَابَ آدَمِيًّا. ولكن إن قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ في موضعٍ الغالِبُ أنَّه لا يُتْلِفُها، فَأَتْلفَها، فهو عَمْدُ الخطإِ، وفيه ما فيه. واللهُ أعلمُ.

стр. 6689

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الثالث عشر دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 6690

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →