← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

المُصاعِدَةِ؛ لأنَّها تَنْحَطُّ عليها من عُلْوٍ، فيكونُ ذلك سببًا لغَرَقِها، فَتُنَزَّلُ المُنْحَدِرَةُ بمنزلَةِ السَّائِرِ، والمُصاعِدَةُ بمنْزلةِ الواقفِ. وإن غَرِقَتَا جَمِيعًا، فلا شىءَ على المُصْعِدِ، وعلى المُنْحَدِرِ قِيمَةُ المُصْعِدِ، أو أَرْشُ ما نَقَصَتْ إن لم تَتْلَفْ كلُّها، إلَّا أن يكونَ التَّفْرِيطُ من المُصْعِدِ، بأن يُمْكِنَه العُدولُ بِسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فيكونُ الضَّمانُ على المُصْعِدِ؛ لأنَّه المفَرِّطُ. وإن لم يَكُنْ من واحِدٍ منهما تَفْرِيطٌ، لكن هاجَتْ ريحٌ، أو كانَ الماءُ شديدَ الجِرْيَةِ، فلم يُمْكِنُه ضَبْطُها، فلا ضمانَ عليه؛ لأنَّه لا يدْخُلُ في وُسْعِه ضَبْطُها، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها. الحال الثاني، أنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، فإن كان القَيِّمَانِ مُفَرِّطَيْنِ، ضَمِنَ كلُّ واحِدٍ منهما سفينةَ الآخَرِ، بما فيها من نفسٍ ومالٍ، كما قُلْنا في الفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ، وإن لم يكُونَا مُفَرِّطَيْنِ، فلا ضَمَانَ عليهما. وللشَّافِعِىِّ في حالِ عَدَمِ التَّفْرِيطِ قولان؛ أحدُهما، عليهما الضَّمَانُ؛ لأنَّهما في أيْدِيهما، فَلَزِمَهُما الضَّمَانُ، كما لو اصْطَدَمَ الفَارِسَانِ؛ لِغَلَبَةِ الفَرَسَيْنِ لهما. ولنا، أنَّ الملَّاحَيْنِ لا يُسَيِّرَانِ السَّفِينَتَيْنِ بِفِعْلِهما، ولا يُمْكِنُهما ضَبْطُهما في الغالبِ، ولا الاحْترِازُ من ذلك، فأَشْبَهَ ما لو نَزَلَتْ صاعِقَةٌ أحْرَقَتِ السَّفِينَةَ، ويُخالِفُ الفَرَسَيْنِ، فإنَّه مُمْكِنٌ ضَبْطُهُما، والاحْترازُ من طَرْدِهما. وإن كان أحدُهما مُفَرِّطًا وحدَه، فعليه الضَّمَانُ وحدَه، وإن اخْتَلَفَا في تَفْريطِ القَيِّمِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ التَّفْرِيطِ، وهو أمينٌ، فهو كالمُودَعِ. وعند الشَّافِعِىِّ، أنَّهما إذا كانا مُفَرِّطَيْنِ، فعلى كلِّ واحِدٍ حن القَيِّمَيْنِ ضَمانُ نِصْفِ سَفِينَتِه ونصفِ سَفِينَةِ صاحبِه، كقولِه في اصْطِدامِ الفَارسَيْنِ، على ما مَضَى. فصل: فإن كان القَيِّمَانِ مالِكَيْنِ للسَّفِينَتَيْنِ بما فيهما تَقَاصَّا، وأخذَ ذُو الفضلِ فَضْلَه، وإن كانا أَجيرَيْنِ، ضَمِنَا، ولا تَقَاصَّ ههُنا؛ لأنَّ مَن يجبُ له غيرُ مَنْ يجبُ عليه. وإن كان في السَّفِينَتَيْنِ أحْرارٌ فهَلَكُوا، وكانا قد تَعَمَّدَا المُصادَمَةَ، وذلك ممَّا يَقتُلُ غالبًا، فعليهما القِصاصُ. وإن كانوا عبيدًا، فلا قصاصَ (٥) على القَيِّمَيْنِ، إذا كان

стр. 6687

حُرَّيْنِ. وإن لم يَتَعَمَّدَا المُصادَمَةَ، أو كان ذلك ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا، وجَبتْ دِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَةِ القَيِّمَيْنِ، وقيمةُ العَبِيدِ في أموالِهما. وإن كان القَيِّمانِ عَبْدَيْنِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهما، فإن تَلِفَا جميعًا، سَقَطَ الضَّمَانُ، وأمَّا مع عَدَمِ التَّفْرِيطِ، فلا ضَمانَ على أَحَدٍ (٦). وإن كانَ في السَّفِينَتَيْنِ وَدَائِع ومُضَارَبَاتٌ (٧)، لم تُضْمَنْ؛ لأنَّ الأمينَ لا يَضْمَنُ، ما لم يُوْجَدْ منه تَفْريطٌ أو عُدْوانٌ. وإن كانتِ السَّفينتانِ بأُجْرَةٍ، فهما أمانَةٌ أيضًا، لا ضَمَانَ فيهما. وإن كان فيهما مالٌ يَحْمِلانِه بِأُجْرَةٍ إلى بلدٍ آخرَ، فلا ضَمانَ؛ لأنَّ الهَلاكَ بأمرٍ غيرِ مُسْتَطاعٍ. فصل: وإذا (٨) كانتْ إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ قَائِمَةً والأُخْرَى سَائِرَةً، فلا ضَمانَ على الواقِفَةِ، وعلى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الواقِفَةِ، إن كان مُفَرِّطًا، ولا ضَمانَ عليه إن لم يُفَرِّطْ، على ما قَدَّمْنَا. فصل: وإن خِيفَ على السَّفِينَةِ الغَرَقُ، فَأَلْقَى بعضُ الرُّكْبانِ مَتاعَه لِتَخِفَّ وتَسْلَمَ من الغَرَقِ، لم يَضْمَنْه أحَدٌ؛ لأنَّه أَتْلَفَ مَتاعَ نفسِه باخْتيارِه؛ لصلاحِه وصَلاحِ غيرِه، وإن أَلْقَى مَتَاعَ غيرِه بغيرِ أمْرِه، ضَمِنَه وَحْدَه. وإن قال لغيرِه: أَلْقِ مَتاعَكَ. فقَبِلَ منه، لم يَضْمَنْه له؛ لأنَّه لم يَلْتَزِمْ ضَمانَه. وإن قالَ: أَلْقِه، وأنا ضَامِنٌ له. أو: وعَلَىَّ قيمتُه. لَزِمَه ضَمانُه له؛ لأنَّه أَتْلَفَ مالَه بعِوَضٍ لمصْلَحَةٍ، فوجَبَ له العِوَضُ على مَن الْتَزمَه، كما لو قال: أَعْتِقْ عبدَك وعَلَىَّ ثمنُه. وإن قالَ: أَلْقِه، وعلىَّ وعلى رُكْبَانِ السَّفِينَةِ ضَمانُه. فألْقاه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزمُه ضَمانُه وحدَه. وهذا نَصُّ الشَّافِعِىِّ. وهو الذي ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه الْتَزمَ ضَمانَ (٩) جَمِيعِه، فَلَزِمَه ما الْتَزَمَه. وقال القاضي: إن كان ضَمَانَ اشْتراكٍ، مثلَ أن يقولَ: نحن نَضْمَنُ لك. أو قال: على كُلِّ واحِدٍ مِنَّا ضَمَانُ

стр. 6688

قِسْطِه أو رُبْعِ مَتاعِك. لم يَلْزَمْه إلَّا ما يخُصُّه من الضَّمَانِ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَه، وإنَّما أخْبَرَ عن الباقِينَ بالضَّمَانِ، فسَكَتُوا، وسُكُوتُهم ليس بضَمانٍ. وإنِ الْتَزَمَ ضَمانَ الجميعِ، وأخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهم بمثلِ ذلك، لَزِمَه ضَمانُ الكُلِّ، [لأنَّه ضَمِنَ الكُلَّ] (١٠). وإن قال: ألْقِه على أن أضْمَنَه لك أنا ورُكْبانُ السَّفِينَةِ، فقد أَذِنُوا لي في ذلك. فألْقاه، ثم أنْكَرُوا الإِذْنَ، فهو ضَامِنٌ لجميعِه. وإن قالَ: أُلْقِى مَتَاعِى، وتَضْمَنُه لي؟ فقال: نعم. فألْقاه، ضَمِنَه له. وإن قال: أَلْقِ متاعَك، وعَلَىَّ ضَمانُ نِصْفِه، وعلى أَخِى ضَمَانُ ما بَقِىَ. فألْقاه، فعليه ضَمَانُ النِّصْفِ وحدَه، ولا شىءَ على الآخَرِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ. فصل: وإذا خَرَقَ سفينةً، فَغَرِقَتْ بما فيها، وكان عمدًا، وهو ما يُغْرِقُها غالبًا، ويُهْلِكُ مَنْ فيها، لكَوْنِهم في اللُّجَّةِ، أو لعدمِ مَعْرِفَتِهم بالسِّبَاحَةِ، فعليه القِصاصُ إن قُتِلَ مَنْ يجبُ القِصَاصُ بقتلِه، وعليه ضَمَانُ السَّفِينَةِ بما فيها من مالٍ ونَفْسٍ، وإن كان خَطَأً، فعليه ضَمانُ العَبِيدِ، ودِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَتِه. وإن كان عَمْدَ خطإٍ، مثل أن أخَذَ (١١) السَّفِينَةَ ليُصْلِحَ مَوْضِعًا، فَقَلَعَ لَوْحًا، أو يُصْلِحَ مِسْمارًا، فَنَقَبَ مَوْضِعًا، فهذا عَمْدُ الخطإِ. ذكره القاضي، وهو (١٢) مذهبُ الشَّافِعِىُّ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لأنَّه قَصَدَ فعلًا مُباحًا، فأفْضَى إلى التَّلَفِ لما لم يُرِدْهُ، فأشْبَهَ ما لو رَمَى صَيْدًا، فأصَابَ آدَمِيًّا. ولكن إن قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ في موضعٍ الغالِبُ أنَّه لا يُتْلِفُها، فَأَتْلفَها، فهو عَمْدُ الخطإِ، وفيه ما فيه. واللهُ أعلمُ.

стр. 6689

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الثالث عشر دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 6690

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6691

المغْني

стр. 6692

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 6693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الجهاد روى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِه، لا يُخْرِجُه إلَّا جِهَادٌ في سَبِيلِى، وإيمَانٌ بِى، وتَصْدِيقٌ بِرَسُولِى، فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ أنْ أُدْخِلَه الجَنَّةَ، أوْ أُرْجِعَه إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولمسلمٍ (٢): "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ". وعن أنسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". روَاه البُخَارِيُّ (٣).

стр. 6694

١٦١٩ - مسألة؛ قال: (والْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ) معنى فَرْضِ الكِفايةِ، الذي إن لم يَقُم به مَنْ يَكْفِى، أَثِمَ النَّاسُ كلُّهم، وإن قامَ به مَنْ يَكْفِى، سَقَطَ عن سائِرِ النَّاسِ. فالخِطَابُ في ابْتِدائِه يتَناولُ الجميعَ، كفَرْضِ الأعيانِ، ثم يخْتلِفانِ في أنَّ فَرْضَ الكِفَايَةِ يسْقُطُ بفِعْلِ بعضِ النَّاسِ له، وفرْضُ الأعْيانِ لا يَسْقُطُ عن أحَدٍ بفعلِ غيرِه. والجهادُ من فُرُوضِ [الكِفَاياتِ، في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أنَّه من فُروضِ] (١) الأعْيانِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). [ثم قال] (٣): ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤). وقولِه سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٥). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ". [رَواهُ أبو دَاوُدَ] (٦). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٧). وهذا يَدُلُّ على أنَّ

стр. 6695

القاعِدينَ غيرُ آثِمين مع جِهادِ غيرِهم، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾ (٨) ولأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يبْعَثُ السَّرايا، ويُقِيمُ هو وسائِرُ أصحابِه. فأمَّا الآيةُ التي احْتَجُّوا بها، فقد قال ابنُ عَبَّاسٍ: نسخَها قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. روَاه الأثْرَمُ وأبو داودَ (٩). ويحتَمِلُ أنَّه أرادَ حين اسْتَنْفَرَهم النَّبِىُّ ﷺ إلى غَزْوةِ تَبُوكَ، وكانتْ إجابَتُهم إلى ذلك واجِبَةً عليهم، ولذلك هَجَرَ النَّبِىُّ ﷺ كعبَ بنَ مالِكٍ وأصحابَه الذين خُلِّفوا، حتى (١٠) تابَ اللَّه عليهم بعدَ ذلك (١١)، وكذلك يجبُ على من اسْتَنْفَرَه الإِمامُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". مُتَّفَقٌ عليه (١٢). ومعنى الكِفَايَةِ في الجهادِ أنْ ينْهَضَ للجهادِ

стр. 6696

قومٌ يَكْفُون في قتالِهِمْ؛ إمَّا أن يكونوا جُنْدًا لهم دَواوينُ من أجلِ ذلك، أو يكونوا قد أعدُّوا أنفسَهم له تَبَرُّعًا بحيثُ إذا قَصَدَهُمُ العدُوُّ حَصَلَت المَنَعَةُ بهم، ويكونُ في الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ العَدُوَّ عنها، ويُبْعَثُ في كلِّ سنةٍ جيشٌ يُغِيرونَ على العَدُوِّ في بلادِهم. فصل: ويَتَعَيَّنُ الجهادُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدها، إذا الْتَقى الزَّحْفَانِ، وتقابلَ الصَّفَّان؛ حَرُمَ على مَنْ حَضَرَ الانْصِرافُ، وتَعَيَّنَ عليه الْمُقامُ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١٣). وقولِه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١٤). الثاني، إذا نَزَلَ الكُفَّارُ بِبَلَدٍ، تَعَيَّنَ على أهلِه قتالُهم ودَفْعُهم. الثالث، إذا اسْتَنْفَرَ (١٥) الإِمامُ قومًا لَزِمَهُم النَّفِيرُ معه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (١٦). الآية والتى بعدها. وقال النَّبى ﷺ : "إذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". فصل: ويُشْتَرَطُ لوجوبِ الجهادِ سبعةُ شُروطٍ؛ الإِسلامُ، والبُلُوغُ، والعقلُ، والحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ، والسَّلَامَةُ من الضَّرَرِ، ووُجودُ النَّفَقَةِ. فأمَّا الإِسلامُ والبُلُوغُ والعَقْلُ، فهى شُرُوطٌ لوجوبِ سائرِ الفروعِ، ولأنَّ الكافِرَ غيرُ مَأْمُونٍ في الجهادِ، والمَجْنُونَ لا يَتَأَتَّى منه الجهادُ، والصَّبِىَّ ضَعِيفُ البِنْيَةِ، وقد رَوَى ابنُ عمر، قال: عُرِضْتُ على رسولِ اللَّه ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ، فلم يُجِزْنِى في المُقاتِلَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُشْتَرَطُ؛ لما رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُبايِعُ الحُرَّ على الإِسلامِ

стр. 6697

والجهادِ، ويبايعُ العبدَ على الإِسلامِ دونَ الجهادِ (١٨). ولأنَّ الجهادَ عبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بقَطْع مَسافَةٍ، فلم تَجِبْ على العبدِ، كالحَجِّ. وأمَّا الذُّكُورِيَّةُ فتُشْتَرَطُ؛ لما رَوَتْ عائِشَةُ، قالتْ: يا رسولَ اللَّه، هل على النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فقال: "جِهادٌ لا قِتَالَ فيه؛ الحَجُّ، والعُمْرَةُ" (١٩). ولأنَّها ليستْ من أهلِ القتالِ؛ لِضَعْفِها وخَوَرِها، ولذلك لا يُسْهَمُ لها. ولا يَجِبُ على خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كونُه ذكرًا، فلا يَجِبُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه. وأمَّا السَّلامَةُ من الضَّرَرِ، فمعناه السَّلَامَةُ من العَمَى، العَرَجِ والمرضِ، وهو شرطٌ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٢٠). ولأنَّ هذه الأعْذارَ تَمْنَعُه من الجِهَادِ؛ فأمَّا العَمَى فمعروفٌ، وأمَّا العَرَجُ، فالمانِعُ منه هو الفاحِشُ الذي يمنعُ المشْىَ الجَيِّدَ والرُّكُوبَ، كالزَّمَانَةِ ونحوِها، وأمَّا اليَسِيرُ الذي يتَمكَّنُ معه من الرُّكُوبِ والْمَشْىِ، وإنَّمَا يتَعذَّرُ عليه شِدَّةُ العَدْوِ، فلا يَمْنَعُ وُجوبَ الجِهادِ؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ (٢١) منه، فَشَابَهَ الأعْوَرَ. كذلك المرضُ المانِعُ هو الشَّدِيدُ، فأمَّا اليَسِيرُ منه الذي لا يمنعُ إمْكانَ الجِهادِ، كوجَعِ الضِّرْسِ والصُّداعِ الخفيفِ، فلا يَمْنَعُ الوُجوبَ؛ لأنَّه لا يتعذَّرُ معه الجهاد، فهو كالعَوَرِ. وأما وُجودُ النَّفقة، فيُشْتَرَطُ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢٢). ولأنَّ الجهادَ لا يُمْكِنُ إلَّا بآلةٍ، فيُعْتَبَرُ القُدْرةُ عليها. فإن كان الجهادُ على مَسافةٍ لا تُقْصَرُ فيها الصَّلَاةُ،

стр. 6698

اشْتُرِطَ أن يكونَ واجِدًا للزَّادِ، ونَفَقةِ عائلتِه في مُدَّةِ غيبتهِ، وسلاحٍ يُقَاتِلُ به، ولا تُعْتَبَرُ الرّاحِلَةُ؛ لأنَّه سَفَرٌ قريبٌ. وإن كانتِ المسافةُ تُقْصَرُ فيها الصَّلَاةُ، اعْتُبِرَ مع ذلك الرَّاحِلَةُ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢٣). فصل: وأقل ما يُفْعَلُ مَرَّةً في كلِّ عامٍ؛ لأنَّ الجِزْيَةَ تجبُ على أهلِ الذِّمَّةِ في كلِّ عامٍ، وهى بَدَلٌ عن النُّصْرَةِ، فكذلك مُبْدَلُها وهو الجِهادُ، فيجبُ في كلِّ عامٍ مرَّةً، إلَّا من عُذْرٍ، مثل أن يكونَ بالمسلمين ضَعْفٌ في عددٍ أو عُدَّةٍ، أو يكونَ [مُنْتَظِرًا لِمَدَدٍ] (٢٤) يَسْتَعِينُ به، أو يكونَ الطَّريقُ إليهم فيها مانِعٌ أو ليس فيها عَلَفٌ أو ماءٌ، أو يَعْلَمَ مِنْ عَدُوِّه حُسْنَ الرَّأْى في الإِسلامِ، فيَطْمَعَ في إسْلامِهم إن أخَّرَ قتالَهم، ونحوَ ذلك مِمَّا يرى المصلحةَ معه في تَرْكِ القتالِ، فيجوزُ تركُه بِهُدْنَةٍ [وبغيرِ هُدْنَةٍ] (٢٥) فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد صَالَحَ قُريْشًا عشرَ سنينَ، وأخَّرَ قتالَهم حتى نَقَضُوا عَهْدَه (٢٦)، وأخَّرَ قتالَ قبائلَ من العربِ بغيرِ هُدْنَةٍ. وإن دَعَتِ الحاجةُ إلى القتالِ في عامٍ أكثرَ من مَرَّةٍ، وجبَ ذلك؛ لأنَّه فَرْضُ كِفَايةٍ، فوجبَ منه ما دَعَتِ الحاجةُ إليه. ١٦٢٠ - مسألة؛ قال: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَا أعْلَمُ شيئًا مِنَ العَمَلِ بعدَ الفَرَائِضِ أفْضَلَ مِن الْجِهَادِ) رَوَى هذه المسألةَ عن أحمدَ جماعَةٌ من أصحابِه، قالَ الأثْرَمُ: قال أحمدُ: لا نعلمُ شيئًا من أبوابِ البرِّ أفْضلَ من السَّبِيلِ. وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ، وذُكِرَ له أمْرُ الغَزْوِ (١)؟ فجعلَ يبكى، ويقول: ما مِنْ أعْمالِ البِرِّ أفضلُ منه. وقال عنه غيرُه:

стр. 6699

ليس يَعْدِل لقاءَ العَدُوِّ شَىْءٌ. ومباشَرَةُ القتالِ بنفسِه أفضلُ الأعمالِ، والذين يُقاتلونَ العَدُوَّ، هم الذين يَدْفَعُونَ عن الإِسلامِ وعن حَرِيمِهِمْ، فأىُّ عَمَلٍ أفضلُ منه! الناسُ آمنونَ وهم خائِفونَ، قد بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِم. وقَدْ رَوَى ابنُ مَسْعُودٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ : أىُّ الأَعمالِ أفْضَلُ؟ قال: "الصَّلَاةُ لِمَواقِيتِهَا". قُلْتُ: ثم أىٌّ؟ قال "ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "الْجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ". قال التِّرْمِذِيُّ (٢): هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ أوْ أَىُّ الأعمالِ خَيْرٌ؟ قال: "إيمَانٌ باللهِ ورَسُولِهِ". قِيلَ: ثم أيُّ شيءٍ؟ قال: "الْجِهادُ سَنَامُ العَمَلِ". قِيلَ: ثم أَيُّ شَىْءٍ (٣)؟ قال: "حَجٌّ مَبْرورٌ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤). وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. ورَوَى أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ، قال: قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الناسِ أَفْضَلُ؟ فقال: "مُؤْمِنٌ مُجاهِدٌ (٥) في سَبيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا أُخْبِرُكُم بِخَيْرِ النّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ اللهِ". قال

стр. 6700

التِّرْمِذِيُّ (٧): هذا حَديثٌ حسَنٌ. ورَوَى الخَلَّالُ، بإِسْنادِه عَنْ الحَسَن، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِه، مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ أفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو حَجَّةٍ مَبْرورَةٍ، لَا رَفَثَ فِيهَا ولا فُسوقَ ولَا جِدَالَ". ولأنَّ الجِهادَ بَذْلُ المُهْجَةِ والمالِ، ونَفْعُه يَعُمُّ المسلمين كُلَّهم، صغيرَهم وكبيرَهم، قَوِيَّهم وضَعِيفَهم، ذكَرَهم وأُنْثَاهُم، وغيرُه لا يُساوِيه في نفْعِه وخطَرِه، فلا يُساوِيه في فضْلِه وأجْرِه. ١٦٢١ - مسألة؛ قال: (وغَزْوُ البَحْرِ أفضل مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ) وجُمْلَتُه أنَّ الغزْوَ في البَحْرِ مشروعٌ، وفضلُه كثيرٌ. قال أنَسُ بن مالِكٍ: نامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم اسْتَيْقَظَ وهو يضْحَك، قالت أمُّ حَرامٍ فقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ، غُزَاةٌ في سبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ (١) هذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا (٢) عَلَى الْأَسِرَّةِ، أوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأسِرَّةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). قال ابنُ

стр. 6701

عبدِ البَرِّ: أمُّ حَرامِ بنت مِلْحانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيمٍ خَالةِ رسولِ اللَّه ﷺ من الرَّضاعَةِ، أَرْضَعَتْه أخْتٌ لهما ثالثةٌ. ولم نَرَ هذا عن أحدٍ سِوَاه، وأَظُنُّه إنَّما قال هذا؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان ينامُ في بيْتِها، وينْظُرُ إلى شَعْرِها، ولعلَّ هذا كان قبلَ نُزولِ الحِجابِ. ورَوَى أبو داودَ (٤)، بإسْنادِه عن أُمِّ حَرامٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْمَائِدُ (٥) فِي الْبَحْرِ، الَّذِى يُصِيبُه القَىْءُ، لَهُ أجْرُ شهيدٍ، والغَرِقُ (٦) لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ". وروَى ابنُ ماجَه (٧)، قال (٨): سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَىِ الْبَرِّ، والْمَائِدُ فِي الْبحْرِ، كالمُتَشَحِّطِ (٩) فِي دَمِهِ في الْبَرِّ، وَما بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ، كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طاعَةِ اللهِ، وَإنَّ اللهَ وكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بقَبْضِ الأَرْواحِ، إلَّا شَهِيدَ البَحْرِ، فَإِنَّه يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرواحِهِمْ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ، ويَغْفِرُ لِشَهيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ والدَّيْنَ" (١٠). ولأنَّ البحرَ أعظمُ خطَرًا ومَشَقَّةً، فإنَّه بين خَطَرِ (١١) العَدُوِّ وخَطَرِ الغَرَقِ، ولا يتمَكَّنُ من الْفِرَارِ إلَّا مع أصحابِه، فكان أفْضلَ من غيرِه. فصل: وقِتالُ أهلِ الكتابِ أفضلُ مِن قتالِ غيرِهم. وكان ابنُ المُبارَكِ يأْتِى من مَرْوَ (١٢) لغَزْوِ الرُّوم. فقيل له في ذلك. فقال: إنَّ هؤلاء يُقاتِلون على دينٍ، وقد رُوِىَ عن النّبِىِّ ﷺ أنَّه قال لأُمِّ خَلَّادٍ: "إنَّ ابْنَكِ (١٣) لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ". قالتْ: ولِمَ ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "لِأنَّه قَتَلَهُ أهْلُ الْكِتَابِ". روَاه أبو داودَ (١٤).

стр. 6702

١٦٢٢ - مسألة؛ قال: (ويُغزَى (١) مَعَ كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ) يعْنِى مع كلِّ إمامٍ. قال أبو عبد اللهِ وسُئِلَ، عن الرجُلِ يقولُ: أنا لا أغْزُو ويأْخذُه ولَدُ الْعباس، إنَّما يُوَفَّرُ الفىءُ عليهم! فقال: سبحان اللَّه، هؤلاء قَوْمُ سوءٍ، هؤلاء القَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ (٢) جُهّالٌ، فيُقال: أرأَيْتُم لو أنَّ الناسَ كلَّهُم قعَدُوا كما قعَدْتُم، مَنْ كان يغْزُو؟ أليس كان قد ذهَب الإِسلامُ؟ ما كانت تصْنعُ الرُّومُ؟ وقد روَى أبو داودَ (٣)، بإسْناده عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الْجِهادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ، أوْ فَاجِرًا". وبإسنادِه (٤) عن أَنَسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَلَاثٌ مِن أصْلِ الْإِيمَانِ؛ الْكَفُّ عمَّنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ. لَا نُكَفِّرُه بِذَنْبٍ، ولَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، والجِهادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللهُ إلَى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ، والْإِيمانُ بالْأَقْدارِ" (٥). ولأنَّ تَرْكَ الجهادِ مع الفاجرِ يُفْضِي إلى قَطْع الجهاد، وظُهورِ الكُفَّارِ على المسلمين واسْتِئْصالِهم، وظُهورِ كلمةِ الكُفْر (٦)، وفيه فسادٌ عظيمٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٧). فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يخْرُجَ مع الإِمامِ أو القائِدِ إذا عُرِفَ بالهزيمَةِ، وتَضْييعِ المسلمين، وإنَّما يَغْزُو مع مَن له شَفَقَةٌ وحَيْطَةٌ على المسلمين، فإنَّ كان القائدُ يُعْرَفُ بشُرْبِ الخَمْرِ، والغُلولِ، يُغْزَى معه، إنَّما ذلك في نَفْسِه، ويُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" (٨).

стр. 6703

فصل: ولا يَسْتَصْحِبُ الأميرُ معه مُخَذِّلًا، وهو الذي يُثَبِّطُ الناسَ عن الغَزْوِ، ويُزَهِّدُهم في الخروجِ إليه والقتالِ والجهادِ، مثل أنْ يقولَ: الْحَرُّ أو البردُ شديدٌ، والمشَقَّةُ شديدةٌ، ولَا تُؤْمَنُ هزيمَةُ هذا الجَيْشِ. وأَشْباهَ هذا، ولا مُرْجِفًا، وهو الذي يقول: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ المسلمين، ومالَهُم مَدَدٌ، ولا طاقَةَ لهم بالكُفَّارِ، والكفّارُ لهم قُوَّةٌ، ومَدَدٌ، وصبرٌ، ولا يثبتُ لهم أحدٌ. ونحوَ هذا، ولا مَنْ يُعِينُ على المسلمين بالتجَسُّسِ للكُفَّارِ، وإطْلاعِهم على عَوْراتِ المسلمين، ومُكاتَبَتِهم بأخبارِهم، ودَلالتِهم على عَوْراتِهم، أو إيوَاءِ جَواسِيسِهِم. ولا مَنْ يُوقِعُ العداوَةَ بين المسلمين، ويَسْعَى بالفسادِ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة﴾ (٩). ولأنَّ هؤلاء مَضَرَّةٌ على المسلمين، فيَلْزَمُه مَنْعُهم. وإِنْ خرجَ معه أحدُ هؤلاء، لم يُسْهِمْ له ولم يَرْضَخْ وإِنْ أظهرَ عَوْنَ المسلمين؛ لأنّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ أظهرَهُ نِفاقًا، وقد ظهرَ دليلُه، فيكونُ مُجرَّدَ مَضَرَّةٍ (١٠)، فلا يَسْتَحِقُّ ممَّا غَنِمُوا شيئًا. وإنْ كان الأميرُ أحَدَ هؤلاء، لم يُسْتَحَبَّ الخروجُ معه؛ لأنَّه إذا مُنِعَ خُروجُه تَبَعًا، فمَتْبوعًا أَوْلَى، ولأنَّه لا تُؤْمَنُ المَضَرَّةُ على مَنْ صَحِبَه. ١٦٢٣ - مسألة؛ قال: (ويُقاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَليهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ) الأصْلُ في هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (١). ولأنَّ. الأقْربَ أكثرُ ضررًا، وفي قتالِه دفْعُ ضرَرِه عن المُقابِلِ له، وعَمَّن

стр. 6704

وراءَه، والاشْتِغالُ بالبعيدِ عنه يُمَكِّنُه من انْتِهازِ الفُرْصَةِ في المسلمين؛ لاشتِغالهم عنه. قيل لأحمدَ: يحْكُون عن ابن المبارَكِ أنَّه قيل له: تَرَكْتَ قِتالَ العَدُوِّ عندَك، وجِئْتَ إلى ههُنا؟ قال: هؤلاء أهلُ كتابٍ (٢). فقال أبو عبد اللهِ: سبحان اللَّه، ما أدْرِى ما هذا القَوْلُ! يتركُ العدُوَّ عندَه، ويجىءُ إلى ههُنا، أَفَيَكُون هذا! أوَ يستقيمُ هذا! وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ لو أنَّ أهلَ خُراسانَ كلَّهم عملوا على هذا، لم يُجاهِدِ التُّرْكَ أحدٌ. وهذا واللَّه أعلم إنَّما فعلَه ابنُ المُبارَكِ لكَوْنه مُتبرِّعًا بالجهادِ، والكفايةُ حاصِلَةٌ بِغَيْرِه من أهلِ الدِّيوانِ وأَجْنادِ (٣) المسلمين، والمُتَبرِّعُ له ترْكُ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، فكان له أنَّ يُجاهِدَ حيث شاءَ، ومع مَنْ شاء. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ كان له عُذْرٌ في البِدايَةِ بالأَبْعَدِ؛ لكَوْنِه أَخْوَفَ، أو لمصلحةٍ في البِدايَة به لقُرْبِه وإمْكانِ الفُرْصَةِ منه، أو لكَوْن الأَقْرب مُهادِنًا، أو يَمْنَعُ من قِتالِه مانِعٌ, فلا بأسَ بالبدايَةِ بالأَبْعَدِ، لكَوْنِه مَوْضِعَ حاجَةٍ. فصل: وأَمْرُ الجِهادِ مَوْكولٌ إلى الإِمامِ وإجتهادِه، ويلزَمُ الرعِيَّةَ طاعَتُه فيما يَراه (٤) من ذلك. ويَنْبَغِى أَنْ يبتدئَ بترتيبِ قوْمٍ في أطرافِ البلادِ يكُفُّون من بإزائِهم من المُشْركين، ويأمُرَ بعَمَلِ حُصونِهم، وحَفْرِ خنادِقِهم، وجميعِ مصالحهم، ويُؤَمِّرَ في كلِّ ناحيةٍ أميرًا، يُقَلِّدُه أمْرَ الحروبِ، وتدبيرَ الجهادِ، ويكونُ ممَّن له رأْىٌّ وعقْلٌ ونَجْدَةٌ وبَصَرٌ بالحَرْبِ ومكايَدَةِ العَدُوِّ، ويكونُ فيه أمانَةٌ ورِفْقٌ ونُصْحٌ للمسلمين؛ وإنَّما يبْدأُ بذلك، لأنَّه لا يأْمَنُ عليها من المشركين. ويَغْزُو (٥) كلُّ قَوْمٍ من يَلِيهم، إلَّا أن يكونَ في بعض الجِهاتِ مَن لا يَفِي به مَنْ يَلِيه، فينقُلَ إليهم قومًا من آخَرِينَ. ويتقدَّمُ إلى مَنْ يُؤَمِّرُه أَنْ لا يحمِلَ المسلمين على مَهْلَكَةٍ، ولا يَأْمُرَهُم بدُخولِ مَطْمورَةٍ يُخافُ أن (٦) يُقْتَلُوا

стр. 6705

تَحْتَها، فإن فعَلَ ذلك، فقد أساءَ، ويستغفرُ اللهَ تعالى، وليس عليه عَقْلٌ ولا كفَّارَةٌ إذا أُصيبَ واحدٌ منهم بطاعَتِه؛ لأنَّه فعَلَ ذلك باخْتيارِه ومعرفتِه. فإنْ عُدِمَ الإِمامُ، لم يُؤَخَّرِ الجِهاد؛ لأنَّ مصلحتَهُ تفُوتُ بتَأْخيره. وإنْ حَصَلَت غنيمَةٌ، قسَمَها أهلُها على مُوجَبِ الشَّرْعِ. قال القاضي: ويُؤَخَّرُ قِسْمةُ الإِماءِ حتى يظْهَرَ إمامٌ احتياطًا للفُروج. فإنْ بعَثَ الإِمامُ جَيْشًا، وأَمَّرَ عليهم أميرًا، فقُتِلَ أو ماتَ، فللجَيْشِ أنْ يُؤَمِّرُوا [واحِدًا منهم] (٧)، كما فَعل أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ في جَيْشِ مُؤْتَةَ، لَمَّا قُتِلَ أُمَراؤُهم الذين أَمَّرَهُم النَّبِيُّ ﷺ ، أَمَّرُوا عليهم خالِدَ بن الوليد، فبلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فرَضِىَ أمْرَهُم، وصَوَّبَ رَأْيَهم، وسَمَّى خالِدًا يومئذٍ: "سَيْفَ اللهِ" (٨). فصل: قال أحمد: قال عمرُ: وَفِّرُوا الأظْفارَ في أرْضِ العدُوِّ؛ فإنَّه سِلاحٌ (٩). قال أحمد: يُحْتاجُ إليها في أَرْضِ العَدُوِّ، ألا تَرَى أنَّه إذا أرادَ أنْ يحُلَّ الحبْلَ أو الشىءَ، فإذا لم يكن له أظفارٌ لم يستطِعْ. وقال عن الحكم بن عمرو: أمرَنا رسولُ اللَّه ﷺ أنْ لا نُخْفِىَ الأظْفارَ في الجِهاد، فإنَّ القوَّةَ في (١٠) الأَظْفارِ. فصل: قال أحمد: يُشَيَّعُ الرجلُ إذا خرجَ، ولا يتلقَّوْنَه، شَيَّعَ عليٌّ رسولَ اللَّه ﷺ في غَزْوةِ تَبُوكَ، ولمَ يَتلَقَّه (١١). ورُوِىَ عن أبي بكر الصدِّيق، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه

стр. 6706

شيَّعَ يزيدَ بن أبي سُفْيان حين بعثَه إلى الشام، ويزيدُ راكبٌ وأبو بكرٍ رَضِىَ اللَّه عنه يمْشِى، فقال له يزيدُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّه، إمَّا أنْ تَرْكَبَ، وإمَّا أنْ أنزِلَ أنا فأمْشِىَ معك. قال: لا أركبُ ولا تنزِلُ، إنَّنِى أحْتَسِبُ خُطاىَ هذه في سبيلِ اللَّه (١٢). وشيَّعَ أبو عبد اللَّه أبا الحارثِ الصَّائغَ ونَعْلاه في يَدَيْه، وذهبَ إلى فِعْلِ أبي بكرٍ، أراد أن تُغَبَّرَ قَدَماه في سبيلِ اللَّه. وقال: عن عَوْفٍ بن مالك الخَثْعَمِىّ، عن النَّبِىّ ﷺ : "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ" (١٣). قال أحمد: ليس للخَثْعَمِىّ صُحْبةٌ، وهو قديمٌ. ١٦٢٤ - مسألة؛ قال: (وَتَمَامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا) معنى الرِّباط: الإِقامةُ بالثَّغْر، مُقَوِّيا للمسلمين على الكُفّارِ. والثَّغْرُ: كلُّ مكانٍ يُخِيفُ أهلُه العدُوَّ ويُخيفُهم. وأَصْلُ الرِّباطِ من رِباطِ الخيلِ؛ لأنَّ هؤلاء يربُطُونَ خُيولَهم، وهؤلاء يرْبُطون خُيولَهم، كلٌّ يُعِدُّ لصاحبِه، فسُمِّى المُقامُ بالثُّغُورِ (١) رِباطًا وإن لم يكُنْ فيبما خيْلٌ. وفضلُه عظيمٌ، وأجرُه كبيرٌ. قال أحمد: ليس يَعْدِلُ الجهادَ عندى والرّباطَ شيءٌ، والرِّباطُ دفْعٌ عن المسلمين؛ وعن حَريمِهم، وقُوَّةٌ لأهْلِ الثَّغْرِ ولأهلِ الغَزْوِ، فالرباط عندى (٢) أصلُ الجهادِ وفَرْعُه، والجهاد أفضلُ منه للعَناءِ والتَّعَبِ والمشَقَّةِ. وقد رُوِىَ في فضْل الرِّباطِ أخبارٌ؛ منها ما رَوَى سَلْمانُ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "رِبَاطُ لَيْلَةٍ في سَبيل اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَام شَهْرٍ وقِيَامِهِ، قإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كان (٢) يَعْمَلُ، وأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفُتَّانَ". روَاه مُسلمٌ (٣). وعن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إلَّا

стр. 6707

الْمُرَابِطُ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ويُؤْمَنُ مِنْ فُتَّانِ القَبْرِ". روَاه أَبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن عثمانَ بن عفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال على المِنْبر: إنِّي كنتُ كتَمْتُكم حديثًا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ ، كراهِيَةَ تَفرُّقِكم عنِّى، ثم بَدَا لى أنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ، ليخْتارَ امرؤٌ منكم لنفسه، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ". روَاه أبو داودَ، والأَثْرَمُ، وغيرُهما (٥). إذا ثَبَتَ هذا؛ فإنَّ الرِّباطُ يَقِلُّ ويكْثُرُ، فكلُّ مُدَّةٍ أقامَها بنِيَّةِ الرِّباطِ، فهو رِبَاطٌ قلَّ أو كثُرَ؛ ولهذا قال النَّبِيُّ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ"، و"رِبَاطُ لَيْلَةٍ". قال أحمد: يومٌ رِبَاطٌ، وليلةٌ رِبَاطٌ، وساعةٌ رِبَاطٌ. وقال، عن أبي هُرَيْرَةَ: مَنْ (٦) رَابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللهِ، كُتِبَ (٧) لَهُ أجْرُ الصَّائِمِ والْقَائِمِ (٨)، وَمَنْ زَادَ، زَادَهُ اللهُ (٩). وروَى سعيد بن منصورٍ (١٠)، بإسْنادِه عن عَطاء الخُرَاسانِىِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال (١١): رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللهِ، أحَبُّ إلَىَّ مِنْ أنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي أحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ؛ مَسْجِدِ الْحَرامِ، أو مَسْجِدِ رَسُول اللهِ ﷺ ، ومن رابَطَ أربعين يومًا، فقد اسْتَكْملَ الرِّباطَ. وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يومًا. رُوِىَ ذلكَ عن أبي

стр. 6708

هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ. وقد ذكرنا خبرَ أبي هُرَيْرَةَ. وروَى أبو الشَّيْخِ (١٢)، في "كتاب الثَّواب"، بإِسْنادِه عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "تَمَامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا" (١٣). وروى عن (١٤) نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، أنَّه قَدِمَ على عمرَ بنِ الخطَّابِ من الرِّباطِ، فقال له: كم رابَطْتَ؟ قال: ثلاثين يومًا. قال: عَزَمْتُ عليك إلَّا رَجَعْتَ حتّى تُتِمَّها أربعين يومًا (١٥). وإنْ رابَطَ أكثرَ، فله أجْرُه، كما قال أبو هُرَيْرَةَ: ومَن زادَ، زادَه اللهُ. فصل: وأفضلُ الرِّباطِ المُقامُ بأشَدِّ الثُّغورِ خَوْفًا؛ لأَنَّهُم أَحْوَجُ، ومُقامُه به أَنْفَعُ. قال أحمد: أفضلُ الرِّباطِ أشدُّهم كَلَبًا. وقيل لأبي عبد اللَّه: فأينَ أَحَبُّ إليك أن ينزِلَ الرجلُ بأهْلِه؟ قال: كلُّ مدينَةٍ مَعْقِلٌ للمُسْلِمين، مثلَ دِمَشْقَ. وقال: أرضُ الشامِ أرضُ المَحْشَرِ، ودِمَشْقُ موضِعٌ يجتْمِعُ إليه الناسُ إذا غلَبتِ الروم. قيل لأبي عبد اللَّه: فهذه الأحاديث التي جاءت: "إنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لِى بِالشَّامِ" (١٦). ونحو هذا؟ قال: ما أكْثَرَ ما جاءَ فيه. وقيل له: إنَّ هذا في الثُّغورِ. فأَنْكَرَه، وقال: أرضُ القُدْسِ أينَ هي؟ "وَلَا يَزَالُ أهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ" هم أهلُ الشام. ففسَّرَ أحمد الغَرْبَ في هذا الحديث بالشَّامِ، وهو حديثٌ صحيحٌ، روَاه مسلمٌ (١٧)، وإنّما فسَّرَه بذلك؛ لأنَّ الشامَ يُسَمَّى مَغْرِبًا، لأنَّه مَغْرِبٌ للعراق، كما يُسَمَّى العراقُ مَشْرِقًا، ولهذا قيل: ولأَهْلِ المَشْرِق ذاتُ عِرْقٍ. وقد جاء في حديثٍ مُصَرَّحًا بِه: "لَا تَزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِىَ أمْرُ اللهِ وَهُمْ بالشَّامِ". وفي حديثٍ (١٨)، عن مالِكِ

стр. 6709

ابن يُخَامِرَ، عن مُعاذٍ بن جَبَلٍ، قال: "وَهُمْ بالشَّامِ". روَاه البخارِىُّ، في "صحيحه" (١٩). وفي خبرٍ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ". أخْرَجه البُخارىُّ، في "التاريخ" (٢٠). وقد رُويَت في الشَّامِ أخبارٌ كثيرةٌ؛ منها حديثُ عبد اللَّه بن حَوالَةَ الأَزْدِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "سَتُجَنَّدُونَ أجْنادًا؛ جُنْدًا بالشَّامِ، وجُنْدًا بالْعِرَاقِ، وجُنْدًا بالْيَمَنِ" فقلتُ: خِرْ لي يا رسولَ اللَّه. قال: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإنَّهَا خِيرَةُ اللهِ مِنْ أرْضِهِ، يَجْتَبِى إلَيْها خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فمَنْ أبَى، فَلْيَلْحَقْ باليَمَنِ، ويُسْقَ (٢١) مِنْ غُدُرِهِ، فَإنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لِى بالشَّامِ وَأهْلهِ". روَاه أبو داوُدَ بمَعْناه (٢٢)، وكان أبو إدْرِيسَ (٢٣) إذا روَى هذا الحديثَ (٢٤) قال: ومَنْ تكفَّلَ اللَّه به، فلا ضَيْعَةَ عليه. ورُوِىَ عن الأَوْزاعِىِّ، قال: أَتَيْتُ المدينةَ؛ فسألْتُ: مَنْ بِها مِنَ العُلماء؟ فقيل: محمدُ بن المُنْكَدِرِ، ومحمدُ بن كَعْب القُرَظِيُّ، ومحمدُ بن عليِّ بن عبد اللَّه بن العباسِ، ومحمدُ بن على بن الحُسينِ بن عليِّ بن أبي طالبٍ رَضِىَ اللَّه عنهم (٢٥). فقلتُ: واللَّه لأَبْدَأَنَّ بهذا قبلَهم. فدخلتُ إليه، فأخذَ بِيَدِى، وقال: مِنْ أىِّ إخْوانِنا أنتَ؟ قلتُ: من أهلِ الشام. قال: مِن أيِّهم؟ قلتُ: من أهل دِمَشْقَ. قال: حَدَّثَنِى أبي، عن جَدِّى، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ مَعَاقِلَ؛ فمَعْقِلُهمْ فِي المَلْحَمَة الْكُبْرى الَّتى تَكونُ بِعُمْقِ أنْطاكِيَةَ (٢٦) دِمَشْقُ، ومَعْقِلُهُمْ

стр. 6710

مِنَ الدَّجَّالِ بَيْتُ الْمَقْدِس، ومَعْقِلُهمْ مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ طُورُ سَيْناءَ". روَاه أبو نُعَيْمٍ، في "الحِلْيةِ" (٢٧)، وفي خبرٍ آخَرَ، عن أبي الدَّرْداء، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مَدائِنِ الشَّامِ". أخرجَهُ أبو داود (٢٨). وروَى سعيدُ بن منصور، [في "سُنَنِه"] (٢٩) بإسْنادِه عن أبي النَّضْرِ، أنَّ عَوْفَ بن مالكٍ، أتَى رسولَ اللَّه ﷺ , فقال: يا رسولَ اللَّه، أَوْصِنِى. قال: "عَلَيْك بِجَبَلِ الْخَمَرِ (٣٠) ". قال: وما جَبَلُ الخَمَرِ؟ قال: "أَرْضُ الْمَحْشَرِ". وبإسْناده (٣١)، عن عَطاء الخُراسانِيِّ: بلَغَنِي أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "رَحِمَ اللَّه أهْلَ المَقْبَرَةِ". ثلاثَ مَرَّاتٍ، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: "تِلْكَ مَقْبَرةٌ تَكُونُ بعَسْقَلَانَ" (٣٢). فكان عطاءُ يُرابِطُ بها كُلَّ عامٍ أربعين يومًا حتَّى ماتَ. ورَوَى الدّارَقُطْنِىّ، في "كتابه المُخرَّج على الصَّحِيحَيْن"، بإسْناده عن ابن عُمَرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صلَّى على مَقْبَرةٍ، فقيل له: يا رسولَ اللَّه، أىُّ مَقْبَرةٍ هي؟ قال: "مَقْبَرَةٌ بأرْضِ العَدُوِّ، يُقَالُ لَهَا: عَسْقَلَانُ، يفْتَتِحُهَا نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى، يَبْعَثُ اللهُ مِنْهَا سَبْعِينَ ألْفَ شَهِيدٍ، فَيَشْفَعُ الرَّجُلُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ، ولِكُلٍّ عَرُوسٌ، وعَرُوسُ الْجَنَّةِ عَسْقَلَانُ" (٣٣). وبإِسْنادِه، عن ابن عَبَّاس، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ رجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ. فقال: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ الْزَمْ مِنَ الشَّامِ

стр. 6711

عَسْقَلَانَ، فَإنَّها إذَا دَارَتِ الرَّحَى فِي أُمَّتِى، كَانَ أهْلُهَا في رَاحَةٍ (٣٤) وعافِيَةٍ" (٣٥). فصل: ومذهبُ أبي عبد اللَّه كَراهةُ نَقْلِ النِّساء والذُّرِّيَّةِ إلى الثُّغُورِ المَخُوفَةِ. وهو قولُ الحَسَنِ، والأَوْزاعِيِّ؛ لما روَى يزيدُ بن عبدِ اللَّه، قال: قال عمرُ: لا تُنْزِلُوا المسلمينَ ضَفَّةَ البَحْرِ. روَاه الأَثْرَمُ بإسْنادِه (٣٦). ولأَنَّ الثُّغورَ المَخُوفَةَ لا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بها، وبمَنْ فيها، واسْتِيلاؤُهم على الذُّرِّيَة والنِّساء. قيل لأبي عبد اللَّه: فتخافُ على المُنْتَقِلِ بعيالِه إلى الثَّغْرِ الإِثْمَ؟ قال: كيف لا أخافُ الإِثْمَ، وهو يُعَرِّضُ ذُرِّيَتَه للمُشْرِكينَ؟ وقال: كُنْتُ آمُرُ بالتَّحَوُّلِ بالأَهْلِ والعيالِ إلى الشامِ قبلَ اليَوْمِ، فأنا أنْهَى عنه الآنَ؛ لأنَّ الأمرَ قد اقْتَرَبَ. وقال: لا بُدَّ لهؤلاء القومِ من يومٍ. قيل: فذلك في آخرِ الزَّمانِ. قال: فهذا آخِرُ الزَّمانِ. قيل: فالنَّبِىُّ ﷺ كان يُقْرِعُ بين نسائِه، فأَيَّتَهَنَّ خرجَ سَهْمُها خرجَ بها (٣٧). قال: هذا الْواحِدَةَ (٣٨)، ليس الذُّرِّيَّةَ. وهذا من كلام أحمد محمولٌ على أنَّ غيرَ أهلِ الثَّغْرِ، لا يُسْتَحَبُّ لهم الانْتقالُ بأَهْلِهم إلى ثغْرٍ مَخُوفٍ، فأمَّا أهلُ الثَّغْرِ، فلا بُدَّ لهم من السُّكْنَى بأَهْلِهم, لولا (٣٩) ذلك لخَرِبَتِ الثُّغورُ وتَعَطَّلَت. وخَصَّ الثُّغورَ المَخُوفةَ، بدليلِ أنَّه اخْتارَ سُكْنَى دِمَشْقَ ونَحْوِها، مع كَوْنِها ثَغْرًا؛ لأنَّ الغالبَ سلامَتُها، وسلامةُ أهْلِها. فصل: ويُسْتَحَبُّ لأَهْلِ الثَّغْرِ أنْ يجْتَمِعوا في المسجدِ الأَعْظَمِ لصَلواتِهم كلِّها، ليكونَ أجْمَعَ لهم، وإذا حضرَ النَّفِيرُ صادَفَهُم مُجْتَمِعين، فيبلُغُ الخبرُ جميعَهم، وإنْ جاءَ خبرٌ يحْتاجون إلى سَماعِه، أو أمرٌ يُرادُ إعلامُهم به، يَعْلَمُونَه، ويراهُم عينُ (٤٠)

стр. 6712

الكفَّارِ، فيعْلمُ كثرَتَهم، فيُخَوِّفُ بهم. قال أحمد: إن كانُوا مُتَفَرِّقِين يرَى الجاسوسُ قِلَّتَهم. قال: وبلغَنِى عن الأَوْزاعِيّ، أنَّه قال في المساجِدِ التي بالثَّغْرِ: لو أنَّ لي عليها ولاية، لَسَمَّرْتُ أبوابَها - ولم يقُلْ: لخَرَّبْتُها - حتَّى تكونَ صلاتُهم في موضِعٍ واحدٍ، حتَّى إذا جاء النَّفِيرُ وهم مُتفرِّقُون، لم يكونُوا مثلَهم إذا كانوا في مَوْضعٍ واحدٍ. فصل: وفي الحَرسِ في سبيلِ اللَّه فضلٌ كبيرٌ. قال ابن عباس: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "عَيْنَانِ لَا تَمَسَّهُمَا النَّارُ؛ عيْنٌ بَكَت مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللهِ". روَاه التِّرْمِذِيُّ (٤١)، وقال: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ. وقال النبيُّ ﷺ : "رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الْحَرَسِ" (٤٢). وعن سَهْلٍ بن الحَنْظَلِيَّةِ، أنَّهُم سارُوا مع رسولِ اللَّه ﷺ يومَ حُنَيْنٍ، فأَطنَبُوا السَّيْرَ حتَّى كان عشِيَّةً، قال: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ " قال أَنَسُ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ: أنَا يا رسولَ اللَّه. قال: "فارْكَبْ". فرَكِبَ فرَسًا له، وجاءَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال له: "اسْتَقْبِلْ هذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ في أعْلَاهُ، ولَا نُغَرَّنَّ (٤٣) مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ". فلمَّا أصبْحْنَا، جاءَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى مُصَلَّاهُ، فركَعَ ركعَتَيْن، ثم قال: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ (٤٤)؟ " قالوا: لا. فثُوِّبَ بالصلاةِ، فجعلَ رسولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتَّى إذا قضَى رسولُ اللَّه ﷺ صلاتَه وسَلَّمَ، قال: "أَبْشِرُوا، قَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ". فإذا هو قد جاءَ حتَّى وقَفَ على رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: إنِّي انْطَلَقْتُ حتى كنتُ في أعْلَى هذا الشِّعْبِ، حيثُ أمَرَنِى رسولُ اللَّه ﷺ ، فلما أصبحتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهمَا، فنظرْتُ، فلم أرَ أحدًا. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ " قال: لا، إلَّا مُصَلِّيًا أو قاضِيًا حاجَةً. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا". روَاه أبو

стр. 6713

داوُد (٤٥). وعن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللهِ، أفْضَلُ مِنْ ألْفِ لَيْلَةٍ، قِيَامِ لَيْلِهَا (٤٦)، وصِيَامِ نَهَارِهَا" (٤٧). رواه ابنُ سَنْجَرَ (٤٨). ١٦٢٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْن، لَمْ يُجَاهِدْ تَطَوُّعًا إلَّا بإذْنِهِمَا) رُوِىَ نحوُ ذلك (١) عن عمرَ، وعثمانَ. وبه قال مالِك، والأَوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وسائِرُ أهلِ العِلْم. وقد رَوَى عبدُ اللَّه بن عمرِو بن العاص، قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أُجاهِدُ؟ فقال: "أَلكَ أَبوَانِ؟ " قال: نعم. قال: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" (٢). وعن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلُه، روَاه التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي روايةٍ: فقال: جِئْتُ أُبايِعُكَ على الهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أبَوَىَّ يَبْكيان. قال: "ارْجِعْ إلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا". وعن أبي سَعيدٍ، أنَّ رجُلًا هاجَرَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ .

стр. 6714

"هَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أحَدٌ؟ " قال: نعم، أبَوَاىَ. قال: "أَذِنَا لَكَ؟ " قال: لا. قال: "فَارْجِعْ، فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وإلَّا فَبِرَّهُمَا". روَاهُنَّ أبو داود (٤). ولأنَّ بِرَّ الوالدَيْن فرضُ عيْنٍ، والجِهادَ فرضُ كِفَايةٍ، وفرضُ العَيْن يُقَدَّمُ. فأمّا إنْ كان أبواهُ غيرَ مُسْلِمَيْن، فلا إذْنَ لهما. وبذلك قال الشافِعِيّ. وقال الثَّوْرِيُّ: لا يغزُو إلَّا بإذْنِهِما؛ لعُمومِ الأَخْبارِ. ولَنا، أنّ أصْحابَ رسولِ اللَّه ﷺ كانوا يُجَاهِدون، وفيهم مَنْ له أبَوانِ كافِرانِ، من غَيْرِ اسْتِئْذانِهما؛ منهم أبو بكْرٍ الصِّدِّيق، وأبو حُذَيْفَةَ بن عُتْبَة بن رَبِيعَة، كان مع النبيِّ ﷺ يومَ بدْرٍ، وأَبوه رئيسُ المُشْرِكِين يومَئِذٍ، قُتِلَ ببَدْرٍ وأبو عُبَيْدَة، قَتَلَ أباهُ في الجِهاد، فأنْزَلَ اللَّه تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ (٥). الآية، وعمومُ الأَخْبارِ يُخَصَّصُ (٦) بما رَوَيناه، فأمَّا إن كان أبواه رَقِيقَيْن، فعُمومُ كلامِ الْخِرَقِيِّ يقتَضِي وُجوبَ اسْتِئْذانِهما؛ لعمومِ الأَخْبارِ، ولأَنَّهُما أبَوانِ مُسْلمان، فأَشْبَها الحُرَّيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُعْتَبَرَ إذْنُهُما؛ لأنَّه لا وِلايَةَ لهما. وإن كانا مَجْنُونَيْنِ، فلا إِذْنَ لهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِئْذانُهما. ١٦٢٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا خُوطِبَ بالْجِهَادِ، فَلَا إذْنَ لَهُمَا، وكَذلِكَ كُلُّ الْفَرَائِضِ، لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِهَا) يعني إذا وجَبَ عليه الجِهادُ لم يُعْتَبَرْ إذْنُ والِدَيْه؛ لأنَّه صارَ فَرْضَ عَيْنٍ، وتَرْكُه مَعْصِيَةٌ، ولا طاعَةَ لأحَدٍ في معصيةِ اللَّه. وكذلك كُلّ ما وَجَبَ، مثل الحَجِّ، والصَّلاةِ في الجماعَةِ والجُمَعِ، والسَّفَرِ للعلمِ الواجِبِ. قال الأَوْزاعِيُّ: لا طاعَةَ للوالِدَيْن في تَرْكِ

стр. 6715

الفرائِضِ والْجُمَعِ والحَجِّ والقتالِ؛ لأنَّها عِبادَةٌ (١) تَعَيَّنَت عليه، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُ الأَبَوَيْنِ فيها، كالصلاةِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). ولم يشْتَرِطْ إِذْنَ الوالِدَيْن. فصل: وإن خرجَ في جِهادِ تَطَوُّعٍ بإِذنِهِما، فمَنَعَاهُ مِنْه بَعْدَ سَيْرِه وقبلَ وُجُوبِه، فعليه الرُّجوعُ، لأنَّه معنًى لو وُجِدَ في الابْتداءِ مَنَعَ، فإذا وُجِدَ في أثْنائِه مَنَعَ، كسائِرِ الْمَوانِعِ، إلَّا أَنْ يخافَ على نَفْسِه في الرُّجُوعِ، أو يَحْدُثَ له عذْرٌ، من مرضٍ أو ذهابِ نفقَةٍ أو نحوِه، فإنْ أمكَنَهُ الإِقامةُ في الطريقِ، وإلَّا مضَى مع الجيشِ، فإذا حضَر الصَفَّ، تعَيَّنَ عليه بحُضُورِه، ولم يبْقَ لهما إذْنٌ. وإنْ كان رُجوعُهما عن الإِذْن بعد تَعيُّنِ الجِهاد عليه، لم يُؤَثِّرْ رُجوعُهما شيئا. وإنْ كانا كافِرَيْن، فأَسْلما ومَنَعاهُ، كان ذلك كمَنْعِهِما بعدَ إِذْنِهِما، سواءٌ. وحُكْمُ الغَريمِ يأْذَنُ في الجِهاد ثم يَمْنَعُ منه، حُكْمُ الوالدِ، على ما فصَّلْناه. فأمَّا إنْ حَدَثَ للإِنْسانِ في نفْسِه عُذْرٌ؛ من مرضٍ أو عَمًى أو عَرَجٍ، فله الانْصِرافُ، سواءٌ الْتَقَى الزَّحْفانِ، أو لم يَلْتَقِيَا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القتالُ، ولا فائدة في مُقامِه. فصل: وإنْ أذِنَ له والداه في الغَزْوِ، وشَرَطا عليه أنْ لا يُقاتِلَ، فحضَرَ القتالَ، تَعَيَّنَ عليه، وسَقَطَ شَرْطُهما. كذلك قال الأَوزَاعِيُّ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنَّه صارَ واجبًا عليه، فلم يَبْقَ لهما في ترْكِه طاعةٌ. ولو خرَجَ بغير إِذْنِهما، فحضَرَ القتالَ، ثم بَدَا له الرُّجوعُ، لم يَجُزْ له ذلك. فصل: ومَنْ عليه ديْنٌ حالٌّ أو مُؤَجَّلٌ، لم يجُزْ له الخروجُ إلى الغَزْوِ إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، إلَّا أنْ يَتْرُكَ وفاءً، أو يُقيمَ به كفيلًا، أو يُوَثِّقَه برَهْنٍ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، ورَخَّصَ مالكٌ في الغَزْوِ لمنْ لا يَقْدِرُ على قَضاءِ (٣) دَيْنِه؛ لأنَّه لا تَتَوجَّهُ المُطالبةُ به ولا حَبْسُه من

стр. 6716

أجْلِه، فلم يُمْنَعْ من الغَزْوِ، كما لو لم يَكُنْ عليه دينٌ. ولَنا، أنَّ الجِهادَ تُقْصَدُ منه الشهادَةُ التي تَفُوتُ بها النَّفْسُ، فيَفُوتُ الحقُّ بفَواتِها، وقد جاءَ أنَّ رجُلًا جاءَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللَّه صابرًا مُحْتَسِبًا، تُكَفَّرُ عنِّى خَطاياىَ؟ قال: "نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِى ذلِكَ". [روَاه مُسْلِمٌ] (٤). وأمَّا إذا تعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فلا إذْنَ لغَرِيمهِ؛ لأنَّه تعلَّق بعيْنِه، فكان مُقَدَّمًا على ما في ذِمَّتِه، كسائِرِ فُروضِ الأَعْيانِ، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له أنْ لا يَتَعَرَّضَ لِمَظانِّ القَتْلِ؛ من المُبارَزَةِ، والوقُوفِ في أوَّل المُقاتِلَةِ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بتَفْوِيت الحَقِّ. وإنْ تَرَكَ وفاءً، أو أقامَ به (٥) كفيلًا، فله الغَزْوُ بِغَيْر إذْنٍ. نَصَّ عليه أحمد، في مَن تَرَكَ وفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللَّه بن حَرامٍ، أبا جابِرٍ بنِ عبدِ اللَّه، خرجَ إلى أُحُدٍ، وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فاسْتُشْهِدَ، وقَضاهُ عنه ابْنُه بعِلْم النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يَذُمَّه النَّبىُّ ﷺ على ذلك، ولم يُنْكِرْ فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: "مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (٦). وقال لابْنِه جابر: "أشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أَبَاكَ، وكلَّمَهُ (٧) كِفاحًا" (٨).

стр. 6717

١٦٢٧ - مسألة؛ قال: (وَيُقاتَلُ أهْلُ الْكِتَابِ والمَجُوسُ، ولا يُدْعَوْنَ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغتْهُم، ويُدْعَى عَبَدةُ الأَوْثانِ قَبْلَ أنْ يُحارَبُوا) أمَّا قولُه في أَهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ: لا يُدْعَوْنَ قبلَ القِتالِ. فهو على عُمومِه؛ لأنَّ الدَّعْوَةَ قَد انْتَشَرَت وعَمَّتْ، فلم يَبْقَ منهم مِمَّن (١) لم تَبْلُغْه الدَّعْوةُ إلَّا نادرٌ بعيدٌ. وأمَّا قولُه: يُدْعَى عَبَدَةُ الأَوْثانِ قبلَ أنْ يُحارَبُوا. فليس بعامٍّ، فإنَّ مَنْ بَلَغَتْه الدَّعْوَةُ منهم لا يُدْعَوْنَ، وإنْ وُجِدَ منهم مَنْ لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ دُعِىَ قبلَ القِتالِ، وكذلك إنْ وُجِدَ مِنْ أهلِ الكتابِ مَنْ لم تبلغْه الدّعوةُ، دُعُوا قبلَ القِتالِ. قال أحمد: إنَّ الدعوةَ قد بَلَغَتْ وانْتَشَرَتْ، ولكن إنْ جازَ أن يكونَ قومٌ خَلْفَ الرُّومِ وخَلْفَ التُّرْكِ، على هذه الصِّفَةِ، لم يَجُزْ قِتالُهم قبلَ الدَّعْوةِ؛ وذلك لما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا بَعَثَ أمِيرًا على سَرِيَّةٍ أو جيشٍ، أمَرَه بتَقْوَى اللَّه في خاصَّتِه، وبِمَنْ معَهُ من المُسْلمين، وقال: "إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتَهَنَّ أَجَابُوكَ إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ؛ ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلَامِ، فَإنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فإنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَيْهِم، وَقَاتِلْهُمْ". روَاه أبو داودَ، ومسلمٌ (٢). وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه كان في بَدْءِ الأَمْرِ قبلَ انْتِشارِ الدَّعوةِ، وظهورِ الإِسلامِ، فأمَّا اليومَ، فقد انْتَشَرَتِ الدَّعْوَة، فاسْتُغْنِىَ بذلك عن الدُّعاءِ عندَ القتال. قال أحمد:

стр. 6718

كان النَّبِيُّ ﷺ يدْعُو إلى الإِسلام قبلَ أنْ يُحارِبَ، حتَّى أظهَرَ اللهُ الدينَ، وعَلَا الإِسلامُ، ولا أعْرِفُ اليومَ أحدًا يُدْعَى، قد بَلَغَت الدَّعْوَةُ كلَّ أحَدٍ، والرومُ قد بَلَغَتْهُم الدّعوةُ، وعَلِمُوا ما يُرادُ منهم، وإنَّما كانت الدَّعوةُ في أوَّل الإِسلام، وإنْ دَعَا فلا بأْسَ. وقد رَوَى ابنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أغارَ على بنى المُصْطَلِقِ، وهم غَارُّونَ آمِنُون، وإِبِلُهم تُسْقَى على الماءِ فقَتَل المُقاتِلَةَ؛ وسَبَى الذُّرِّيَّةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُسْأَلُ عن الدِّيارِ من ديارِ المُشْركِينَ، يَبِيتُونَ فيُصِيبُونَ من نسائِهم وذرارِيهمْ، فقال: "هُمْ مِنْهُم". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقال سَلَمَةُ بن الأَكْوَع: أَمَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ أبا بَكْرٍ، فَغَزَوْنا ناسًا من المُشْركين، فَبَيَّتْناهُم. رَواه أبو داوُدَ (٥). ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْعَلُ الأمْرُ بالدَّعْوةِ في حديثِ بُرَيْدَةَ على الاسْتِحْبابِ، فإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ في كلِّ حالٍ، وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَلِيًّا حينَ أعْطاهُ الرَّايةَ يومَ خَيْبَر، وبَعَثَه إلى قِتالِهم، أنْ يَدْعُوَهم، وهم مِمَّنْ بلَغَتْه (٦) الدَّعْوةُ. روَاه البُخارِيُّ (٧). ودَعا خالدُ بن الوليد طُلَيْحَةَ الأَسَدِىَّ، حينَ تَنَبَّأَ، فلم يَرْجِعْ، فأظْهَرَهُ اللهُ عليه (٨). ودَعا سَلْمانُ أهلَ فارِسَ (٩). فإذا ثَبَتَ هذا، فإنْ كان

стр. 6719

المَدْعُوُّ من أهْلِ الكِتابِ، أو مَجُوسًا، دَعاهم إلى الإِسلامِ، فإنْ أبَوْا، دَعاهُم إلى إعطاءِ الجِزْيَةِ، فإن أَبَوْا، قَاتَلَهُم، وإنْ كانُوا من غَيْرِهم، دَعاهُم إلى الإِسْلامِ، فإنْ أَبَوْا، قاتَلَهُم، وَمنْ قُتِلَ مِنْهم قبلَ الدُّعاءِ لم يُضْمَنْ؛ لأنَّه لا إِيمان له ولا أمانَ، فلم يُضْمَنْ، كنِسَاءِ مَن بلغَتْه (١٠) الدَّعْوةُ وصِبْيانِهم. ١٦٢٨ - مسألة؛ قال: (ويُقاتَلُ أهلُ الْكِتَابِ والْمَجُوسُ حَتَّى يُسْلِمُوا، أو يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، ويُقاتَلُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا) وجملتُه أنَّ الكُفَّارَ ثلاثةُ أقسامٍ؛ قسمٌ أهلُ كتابٍ، وهم اليهودُ، والنَّصارَى، ومن اتَّخَذَ التَّوْراةَ أو الإِنْجِيلَ (١) كتابًا، كالسَّامِرَةِ (٢) والفرنجِ ونحوِهم، فهؤلاء تُقْبَلُ منهم الْجِزْيَةُ، ويُقَرُّونَ على دِينِهم إذا بَذَلوها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). وقسمٌ له (٤) شُبْهَةُ كتابٍ، وهم المَجُوسُ، فحُكْمُهُم حُكْمُ أَهْلِ الكتابِ، في قَبُولِ الجِزْيَةِ منهم، وإقْرارِهم بها؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ" (٥). ولا نَعْلَمُ بَيْنَ أهلِ العِلْمِ خِلافًا في هذَيْنِ القِسْمَيْن. وقسمٌ لا كتابَ لهم، ولا شُبْهَةَ كتابٍ، وهو (٦) مَنْ عَدَا هذَيْنِ القِسْمَيْن، مِنْ عَبَدةِ الأَوْثانِ، ومَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ، وسائرِ الكُفَّار، فلا تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ، ولا يُقْبَلُ منهم سِوَى الإِسْلامِ. هذا ظاهِرُ المذهبِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ. ورُوِىَ عن أحمد، أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأَوْثانِ من العَرَبِ. وهو مذهبُ أبِي

стр. 6720

حَنِيفَة؛ لأنَّهُم يُقَرُّونَ على دِينهم بالاسْتِرْقاقِ، فيُقَرُّون ببَذْلِ الْجِزْيَةِ، كالمَجُوسِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ، إلَّا كُفَّارَ قُرَيْشٍ؛ لحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الذي في المَسْأَلَةِ قبلَ هذه (٧)، وهو عامٌّ، ولأَنَّهُم كُفّارٌ، فأَشْبَهُوا الْمَجُوسَ. ولَنا، عمومُ قولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨). وقولُ النَّبِىّ ﷺ : "أُمِرتُ أنَّ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقُولُوا: لَا إله إلّا اللَّه" (٩). خَصَّ منهم (١٠) أهلَ الكتابِ بقولِه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١١). والمَجُوسَ بقوله: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ". فمَنْ عَداهما يَبْقَى على مُقْتَضَى العمُومِ، ولأَنَّ الصّحابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، تَوَقَّفُوا في أَخْذِ الْجِزْية من الْمَجُوسِ، ولم يأْخُذْ عمرُ منهم الجزْيَةَ حتّى رَوَى له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ". وثَبَتَ عندَهم أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخَذَ الجِزْيَةَ من مَجُوسِ هَجَرَ (١٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُم لم يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ مَمَّنْ سِوَاهُم، فإنَّهُم إذا تَوَقَّفُوا في مَن له شُبْهَةُ كتابٍ، ففى مَن لا شُبْهَةَ له أَوْلَى، ثم أخَذُوا (١٣) الجِزْيَةَ منهم للخَبَرِ المُخْتَصِّ بهم، فيَدُلُّ على أنَّهُم لم يَأْخُذُوها مِنْ غيرِهم، ولأنَّ قولَ النَّبِيِّ ﷺ : ["سُنُّوا بِهِمْ] (١٤) سُنةَ أهلِ الْكِتَابِ". يدُلُّ على اخْتِصاصِ أهلِ الكتابِ ببَذْلِ الْجِزْيَةِ، إذْ لو كان عامًّا في جميعِ الكُفَّارِ، لم يخْتَصَّ أهلَ الكتابِ بإضافَتِها إليهم، ولأَنَّهم تَغَلَّظَ كُفْرُهم لكُفْرِهم باللهِ وجميعِ كُتُبِه ورُسُلِه، ولم تَكُنْ لهم شُبْهَةٌ، فلم يُقَرُّوا بِبَذْلِ الجِزْيةِ، كقُرَيْشٍ وعَبَدةِ الأوْثانِ من

стр. 6721

العَرَبِ، ولأنَّ تَغْلِيظَ (١٥) الكُفْرِ له أثرٌ في تَحَتُّمِ القَتْلِ، وكَوْنِه لا يُقَرُّ بالجِزْية، بدليلِ المُرْتَدِّ، وأمَّا الْمَجُوسُ، فإنَّ لهم شُبْهَةَ كتابٍ، والشُّبْهَةُ تَقُومُ مَقامَ الحقيقَةِ فيما يُبْنَى على الاحْتِياطِ، فَحَرُمَتْ دِماؤُهم للشُّبْهةِ (١٦)، ولم يثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهم وذبائِحِهم؛ لأنَّ الحِلَّ لا يَثْبُتُ بالشُّبْهَةِ، ولأنَّ الشُّبْهَةَ لمَّا اقْتَضَت تَحْريمَ دمائِهم، اقْتَضَت تحْريمَ ذبائِحِهم ونِسائِهم، ليثْبُتَ التَّحْرِيمُ في المواضِعِ كلِّها، تَغْليبًا له على الإِباحَةِ، ولا نسلِّم أنّهم يُقَرُّونَ على دِينِهم بالاسْتِرْقاقِ. ١٦٢٩ - مسألة؛ قال: (ووَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، أنْ يَنْفِرُوا؛ المُقِلُّ مِنْهُمْ، والمُكْثِرُ، ولا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بإذْنِ الْأَمِيرِ، إلَّا أنْ يَفْجأَهُم عَدُوٌّ غالِبٌ يخافُون كَلَبَهُ، فلا يُمْكِنُهُمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوهُ) قولُه: المُقِلُّ منهم والمُكْثِرُ. يعني (١) به - واللَّه أَعْلَم - الغَنِىَّ والفَقِيرَ، أي مُقِلٌّ من المالِ ومُكْثِرٌ منه، ومعناه أنَّ النَّفيرَ يَعُمُّ جميعَ الناسِ، ممَّنْ كان من أهلِ القتالِ، حينَ الحاجة إلى نَفيرِهم؛ لِمَجِىءِ العَدُوِّ إليهم، ولا يجوزُ لأحَدٍ التَّخَلُّفُ إلَّا مَنْ يُحْتاجُ إلى تَخَلُّفِه لحِفْظِ المكانِ والأهلِ والمالِ، ومَنْ يَمْنَعُه الأَميرُ من الخُروجِ، أو مَنْ لا قُدْرَةَ له على الخُروجِ أو القتالِ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٢). وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٣). وقد ذَمَّ اللهُ تعالى الذين أرادُوا الرُّجُوعَ إلى منازِلهِم يومَ الأَحْزابِ، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (٤). ولأَنَّهم إذا جاءَ العدوُّ، صارَ الجِهادُ عليهم فرضَ عَيْنٍ، فوَجَبَ على الجميعِ، فلم يَجُزْ لأحَدٍ التَّخَلُّفُ عنه، فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهم لا يخْرُجونَ إلا بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ أمْرَ الحَرْبِ مَوْكُولٌ إليه، وهو أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ العَدُوِّ

стр. 6722

وقِلَّتِهم، ومَكامِنِ العَدُوِّ وكَيْدِهم، فيَنْبَغِى أنْ يُرْجَعَ إلى رَأْيِه، لأنَّه أَحْوَطُ للمسلمين؛ إلَّا أنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذانُه، لمُفاجَأَةِ عَدُوِّهم لهم، فلا (٥) يجبُ اسْتِئْذانُه؛ لأنَّ المَصْلَحةَ تتَعيَّنُ في قِتالِهم، والخُروجِ إليه، لِتَعَيُّنِ الفسادِ في تَرْكِهم، ولذلك لمَّا أغارَ الكفارُ على لِقاحِ النَّبِيِّ ﷺ ، فصادَفهم سَلَمَةُ بن الأَكْوَعِ خارجًا من المدينةِ، تَبِعَهم، فقاتَلَهم، من غيرِ إذْنٍ، فمدَحَه النَّبِىُّ ﷺ وقال: "خَيْرُ رَجَّالَتِنا (٦) سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ". وأعْطاهُ سهمَ فارِسٍ وراجِلٍ (٧). فصل: وسُئِل أحمدُ عن الإِمامِ إذا غَضِبَ على الرَّجُلِ، فقال: اخْرُجْ، عليكَ أَنْ لا تَصْحَبَنِى. فنادَى بالنَّفِيرِ، يكونُ إذْنًا له؟ قال: لا (٨)، إنَّما قَصَدَ (٩) له وَحْدَه، فلا يَصْحَبُه حتى يأْذَنَ له. قال: وإِذا نُودِىَ بالصَّلاةِ والنَّفيرِ، فإنْ (١٠) كان العَدُوُّ بالبُعْدِ، إنَّما جاءَهم طليعةٌ للعَدُوِّ، صَلُّوا ونَفَرُوا إِليهم، وإذا اسْتَغاثُوا بهم، وقد ورَدَ العَدُوُّ، أغاثُوا ونَصَرُوا وصَلُّوا على ظُهورِ دَوابِّهم ويُومِئُونَ، والغِيَاثُ عندى أفضلُ من صلاةِ الجماعَةِ، والطالِبُ والمطلوبُ في هذا الموضع يُصَلِّى على ظَهْرِ دابَّتِه وهو يسيرُ أفضلُ إنْ شاءَ اللَّه تعالى، وإذا سمِع النَّفِيرَ، وقد أُقيمَت الصَّلاةُ، يُصَلِّى، ويخفِّفُ، وِيُتِمُّ الركوعَ والسجودَ، ويقْرأُ بسُوَرٍ قِصارٍ. وقد نَفَرَ من أصْحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وهو جُنُبٌ - يعني غَسِيلَ الملائكةِ حَنْظَلَة بن الرَّاهِبِ (١١) - قال: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان

стр. 6723

فيها، وإذا جاءَ النّفيرُ والإِمامُ يخْطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، لا تَرَى أن ينْفِرُوا؟ قال: ولا تنْفِرُ الخَيْلُ إلَّا على حقيقةٍ، ولا تنفِرُ على الغلامِ إذا أبَقَ إذا أنْفَرُوهم، فلا يكون هَلاكُ النَّاسِ بسَبَبِ غلامٍ، وإذا نادَى الإِمامُ: الصلاةَ جامعةً. لأَمْرٍ يحْدُثُ، فيُشاوِرُ فيه، لم يتخَلَّفْ عنه أحَدٌ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. ١٦٣٠ - مسألة؛ قال: (ولَا يَدْخُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النِّسَاءِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ إلَّا الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، لِسَقْىِ الْمَاءِ، ومُعَالَجَةِ الجَرْحَى، كَمَا فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ -) وجملتُه أنَّه يُكْرَه دخولُ النِّساءِ الشَّوابِّ أرْضَ العَدُوِّ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ من أهلِ القِتالِ، وقَلَّما يُنْتَفَعُ بِهنَّ فيه، لاسْتِيلاءِ الخَوَر والجُبْن عليهنَّ، ولا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بهِنَّ، فيَسْتَحِلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ منهنَّ، وفد رَوَى حَشْرَجُ بن زِيادٍ، عن جَدَّتِه أُمِّ أبِيه، أنَّها خَرَجَتْ مع رسولِ اللَّه ﷺ في غَزْوَةِ خَيْبَرْ سادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فِبَلَغَ رسولَ اللَّه ﷺ فبَعَثَ إلَيْنا، فجئْنا، فَرَأَيْنا منه الغَضَبَ، فقال: "مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ " فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، خَرَجْنا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، ونُعِينُ به في سبيلِ اللَّه، ومعَنا دَواءٌ للجَرْحَى، ونُنَاوِلُ السِّهامَ، ونَسْقِى السَّويقَ. فقال: "قُمْنَ". حتَّى إذا فَتَحَ اللَّه خَيْبَرَ، أَسْهَمَ لنا، كما أَسْهَمَ للرجالِ، فقُلْتُ لها: يا جدَّةُ، ما كان ذلك؟ قالت: تَمْرًا (١). قيل للأوْزاعِىِّ: هل كانُوا يَغْزُون معهم بالنِّساءِ في الصَّوائِفِ (٢)؟ قال: لا إلَّا بالْجوارِى. فأمَّا المرأَةُ الطَّاعِنَةُ في السِّنِّ، وهى الكَبِيرةُ، إذا كان فيها نفْعٌ، مثلَ سَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى، فلا بَأْسَ به؛ لما رَوَيْنا من الخَبَر، وكانت أمُّ سُلَيم، ونَسِيبَةُ بنْتُ كَعْبٍ، تَغْزُوانِ مع النَّبِيِّ ﷺ فأمَّا نَسِيبةُ فكانَت تُقاتِلُ، وقُطِعتْ يَدُها يومَ اليَمامةِ (٣). وقالت الرُّبَيِّعُ: كُنَّا نَغْزُو مع النَّبِىِّ ﷺ ، لِسَقْىِ الماءِ، ومُعالَجةِ الجَرْحَى (٤). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 6724

يغْزُو بأُمِّ سُلَيم، ونِسْوَةٍ مَعَها من الأَنْصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الْجَرْحَى. قال التِّرْمِذِىُّ (٥): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. فإنْ قيلَ: فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُخْرِجُ معهُ مَنْ تَقَعُ عليها القُرْعَةُ من نسائِه، وخرَجَ بعائِشَةَ مَرَّاتٍ. قُلْنا (٦): تلك امْرأَةٌ واحدَةٌ، يأخُذُها لحاجَتِه إليها، ويجوزُ مثلُ ذلك للأَمِيرِ عندَ حاجَتِه، ولا يُرَخَّصُ لسائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى ما ذكَرْنا. فصل: ينْبَغِى للأَمِيرِ أنْ يَرْفُقَ بجَيْشِه، ويسيرَ بهم سَيْرَ أضْعَفِهم، لئلَّا (٧) يشُقَّ عليهم، وإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الجِدِّ في السَّيْرِ، جازَ له؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَدَّ في السَّيْرِ جِدًّا شَدِيدًا، حين بلغَه قولُ عبد اللَّه بن أُبَىٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٨). ليشتَغِلَ الناسُ عن الخَوْضِ فيه (٩). وإنَّ [ابنَ] (١٠) عُمَرَ جَدَّ في السيرِ حين اسْتُصْرِخَ على صَفِيَّةَ (١١) امْرأتِه (١٢). ولا يميلُ الأميرُ مع مُوافقِيه في المَذْهبِ والنَّسَبِ على مُخالِفيه فيهما لئلَّا يكْسِرَ قلوبَهم، فَيَخْذُلونَه عند حاجَتِه إليهم. ويُكْثِرُ المُشاوَرَةَ لذوِي الرَّأْىِ من أصحابِه، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٣). ويَتَخَيَّرُ الْمَنازِلَ لأصحابِه، وإذا وجَدَ رجُلٌ رجُلًا قد أُصِيبَت فَرَسُه، ومع الآخرِ فضْلٌ، اسْتُحِبَّ له

стр. 6725

حَمْلُه، ولم يَجِبْ. نَصَّ عليه أحمد، فإنْ خافَ تَلَفَه، فقال القاضي: يجبُ عليه بَذْلُ فَضْلِ مَرْكوبِه؛ ليُحْيِىَ به صاحبَه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ فَضْلِ طعامِه للمُضْطَرِّ إليه، وتَخْليصُه مِن عَدُوِّه. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِيان الفَرَسَ بينهما، يَغْزُوان عليه، يَرْكَبُ هذا عُقْبَةً وهذا عُقْبَةً: ما سَمِعْتُ فيه بشيءٍ، وأرجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ. قيل له: أيُّما أحَبُّ إليك؟ يعْتزِلُ الرجلُ في الطَّعامِ أو يُرافِقُ؟ قال: يُرافِقُ، هذا أَرْفَقُ، يتعاوَنُونَ، وإذا كُنْتَ وَحْدَك لم يُمكِنْكَ الطَّبْخُ ولا غيرُه، ولا بَأْس بالنِّهْدِ، قد تناهَدَ الصالِحُونَ، وكان الحَسَنُ إذا سافَرَ أَلْقَى معهم، ويَزِيدُ أيضًا بعدَما يُلْقِى. ومعنى النِّهْدِ، أنْ يُخْرِجَ كلُّ واحِدٍ من الرُّفْقَةِ شَيْئًا من النَّفَقَةِ، يدفَعُونَه إلى رجُلٍ يُنْفِقُ عليهم منه، ويأكلُون جميعًا، وكان الحسنُ البَصْرِىّ يَدْفَعُ إلى وَكيلهِم مثلَ واحدٍ منهم، ثم يعودُ فيَأْتِى سِرًّا بمِثْلِ ذلك، يَدْفَعُه إليه. وقال أحمدُ: ما أرى أنْ يغْزُوَ ومعه مُصْحَفٌ. يعني لا يَدْخُلُ به أرضَ العَدُوِّ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا تُسافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ". رَواه أبو داوُدَ، والأَثْرَمُ (١٤). ١٦٣١ - مسألة؛ قال: (وإذَا غَزَا الْأَمِيرُ بِالنَّاسِ، لَمْ يَجُزْ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، ولَا يُبارِزَ عِلْجًا، ولَا يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ، ولَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بإذْنِهِ) يعني لا يَخْرُجُ من العَسْكَرِ لتَعَلُّفٍ، وهو تَحْصيلُ العَلَفِ للدَّوابِّ، ولا لِاحْتِطابٍ (١)، ولا غيرِه إلَّا بإِذنِ الأميرِ؛ لقوْلِ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢). ولأنَّ الأميرَ
следующие страницы →