← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

العَرَبِ، ولأنَّ تَغْلِيظَ (١٥) الكُفْرِ له أثرٌ في تَحَتُّمِ القَتْلِ، وكَوْنِه لا يُقَرُّ بالجِزْية، بدليلِ المُرْتَدِّ، وأمَّا الْمَجُوسُ، فإنَّ لهم شُبْهَةَ كتابٍ، والشُّبْهَةُ تَقُومُ مَقامَ الحقيقَةِ فيما يُبْنَى على الاحْتِياطِ، فَحَرُمَتْ دِماؤُهم للشُّبْهةِ (١٦)، ولم يثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهم وذبائِحِهم؛ لأنَّ الحِلَّ لا يَثْبُتُ بالشُّبْهَةِ، ولأنَّ الشُّبْهَةَ لمَّا اقْتَضَت تَحْريمَ دمائِهم، اقْتَضَت تحْريمَ ذبائِحِهم ونِسائِهم، ليثْبُتَ التَّحْرِيمُ في المواضِعِ كلِّها، تَغْليبًا له على الإِباحَةِ، ولا نسلِّم أنّهم يُقَرُّونَ على دِينِهم بالاسْتِرْقاقِ. ١٦٢٩ - مسألة؛ قال: (ووَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، أنْ يَنْفِرُوا؛ المُقِلُّ مِنْهُمْ، والمُكْثِرُ، ولا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بإذْنِ الْأَمِيرِ، إلَّا أنْ يَفْجأَهُم عَدُوٌّ غالِبٌ يخافُون كَلَبَهُ، فلا يُمْكِنُهُمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوهُ) قولُه: المُقِلُّ منهم والمُكْثِرُ. يعني (١) به - واللَّه أَعْلَم - الغَنِىَّ والفَقِيرَ، أي مُقِلٌّ من المالِ ومُكْثِرٌ منه، ومعناه أنَّ النَّفيرَ يَعُمُّ جميعَ الناسِ، ممَّنْ كان من أهلِ القتالِ، حينَ الحاجة إلى نَفيرِهم؛ لِمَجِىءِ العَدُوِّ إليهم، ولا يجوزُ لأحَدٍ التَّخَلُّفُ إلَّا مَنْ يُحْتاجُ إلى تَخَلُّفِه لحِفْظِ المكانِ والأهلِ والمالِ، ومَنْ يَمْنَعُه الأَميرُ من الخُروجِ، أو مَنْ لا قُدْرَةَ له على الخُروجِ أو القتالِ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٢). وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٣). وقد ذَمَّ اللهُ تعالى الذين أرادُوا الرُّجُوعَ إلى منازِلهِم يومَ الأَحْزابِ، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (٤). ولأَنَّهم إذا جاءَ العدوُّ، صارَ الجِهادُ عليهم فرضَ عَيْنٍ، فوَجَبَ على الجميعِ، فلم يَجُزْ لأحَدٍ التَّخَلُّفُ عنه، فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهم لا يخْرُجونَ إلا بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ أمْرَ الحَرْبِ مَوْكُولٌ إليه، وهو أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ العَدُوِّ

стр. 6722

وقِلَّتِهم، ومَكامِنِ العَدُوِّ وكَيْدِهم، فيَنْبَغِى أنْ يُرْجَعَ إلى رَأْيِه، لأنَّه أَحْوَطُ للمسلمين؛ إلَّا أنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذانُه، لمُفاجَأَةِ عَدُوِّهم لهم، فلا (٥) يجبُ اسْتِئْذانُه؛ لأنَّ المَصْلَحةَ تتَعيَّنُ في قِتالِهم، والخُروجِ إليه، لِتَعَيُّنِ الفسادِ في تَرْكِهم، ولذلك لمَّا أغارَ الكفارُ على لِقاحِ النَّبِيِّ ﷺ ، فصادَفهم سَلَمَةُ بن الأَكْوَعِ خارجًا من المدينةِ، تَبِعَهم، فقاتَلَهم، من غيرِ إذْنٍ، فمدَحَه النَّبِىُّ ﷺ وقال: "خَيْرُ رَجَّالَتِنا (٦) سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ". وأعْطاهُ سهمَ فارِسٍ وراجِلٍ (٧). فصل: وسُئِل أحمدُ عن الإِمامِ إذا غَضِبَ على الرَّجُلِ، فقال: اخْرُجْ، عليكَ أَنْ لا تَصْحَبَنِى. فنادَى بالنَّفِيرِ، يكونُ إذْنًا له؟ قال: لا (٨)، إنَّما قَصَدَ (٩) له وَحْدَه، فلا يَصْحَبُه حتى يأْذَنَ له. قال: وإِذا نُودِىَ بالصَّلاةِ والنَّفيرِ، فإنْ (١٠) كان العَدُوُّ بالبُعْدِ، إنَّما جاءَهم طليعةٌ للعَدُوِّ، صَلُّوا ونَفَرُوا إِليهم، وإذا اسْتَغاثُوا بهم، وقد ورَدَ العَدُوُّ، أغاثُوا ونَصَرُوا وصَلُّوا على ظُهورِ دَوابِّهم ويُومِئُونَ، والغِيَاثُ عندى أفضلُ من صلاةِ الجماعَةِ، والطالِبُ والمطلوبُ في هذا الموضع يُصَلِّى على ظَهْرِ دابَّتِه وهو يسيرُ أفضلُ إنْ شاءَ اللَّه تعالى، وإذا سمِع النَّفِيرَ، وقد أُقيمَت الصَّلاةُ، يُصَلِّى، ويخفِّفُ، وِيُتِمُّ الركوعَ والسجودَ، ويقْرأُ بسُوَرٍ قِصارٍ. وقد نَفَرَ من أصْحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وهو جُنُبٌ - يعني غَسِيلَ الملائكةِ حَنْظَلَة بن الرَّاهِبِ (١١) - قال: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان

стр. 6723

فيها، وإذا جاءَ النّفيرُ والإِمامُ يخْطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، لا تَرَى أن ينْفِرُوا؟ قال: ولا تنْفِرُ الخَيْلُ إلَّا على حقيقةٍ، ولا تنفِرُ على الغلامِ إذا أبَقَ إذا أنْفَرُوهم، فلا يكون هَلاكُ النَّاسِ بسَبَبِ غلامٍ، وإذا نادَى الإِمامُ: الصلاةَ جامعةً. لأَمْرٍ يحْدُثُ، فيُشاوِرُ فيه، لم يتخَلَّفْ عنه أحَدٌ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. ١٦٣٠ - مسألة؛ قال: (ولَا يَدْخُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النِّسَاءِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ إلَّا الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، لِسَقْىِ الْمَاءِ، ومُعَالَجَةِ الجَرْحَى، كَمَا فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ -) وجملتُه أنَّه يُكْرَه دخولُ النِّساءِ الشَّوابِّ أرْضَ العَدُوِّ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ من أهلِ القِتالِ، وقَلَّما يُنْتَفَعُ بِهنَّ فيه، لاسْتِيلاءِ الخَوَر والجُبْن عليهنَّ، ولا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بهِنَّ، فيَسْتَحِلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ منهنَّ، وفد رَوَى حَشْرَجُ بن زِيادٍ، عن جَدَّتِه أُمِّ أبِيه، أنَّها خَرَجَتْ مع رسولِ اللَّه ﷺ في غَزْوَةِ خَيْبَرْ سادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فِبَلَغَ رسولَ اللَّه ﷺ فبَعَثَ إلَيْنا، فجئْنا، فَرَأَيْنا منه الغَضَبَ، فقال: "مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ " فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، خَرَجْنا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، ونُعِينُ به في سبيلِ اللَّه، ومعَنا دَواءٌ للجَرْحَى، ونُنَاوِلُ السِّهامَ، ونَسْقِى السَّويقَ. فقال: "قُمْنَ". حتَّى إذا فَتَحَ اللَّه خَيْبَرَ، أَسْهَمَ لنا، كما أَسْهَمَ للرجالِ، فقُلْتُ لها: يا جدَّةُ، ما كان ذلك؟ قالت: تَمْرًا (١). قيل للأوْزاعِىِّ: هل كانُوا يَغْزُون معهم بالنِّساءِ في الصَّوائِفِ (٢)؟ قال: لا إلَّا بالْجوارِى. فأمَّا المرأَةُ الطَّاعِنَةُ في السِّنِّ، وهى الكَبِيرةُ، إذا كان فيها نفْعٌ، مثلَ سَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى، فلا بَأْسَ به؛ لما رَوَيْنا من الخَبَر، وكانت أمُّ سُلَيم، ونَسِيبَةُ بنْتُ كَعْبٍ، تَغْزُوانِ مع النَّبِيِّ ﷺ فأمَّا نَسِيبةُ فكانَت تُقاتِلُ، وقُطِعتْ يَدُها يومَ اليَمامةِ (٣). وقالت الرُّبَيِّعُ: كُنَّا نَغْزُو مع النَّبِىِّ ﷺ ، لِسَقْىِ الماءِ، ومُعالَجةِ الجَرْحَى (٤). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 6724

يغْزُو بأُمِّ سُلَيم، ونِسْوَةٍ مَعَها من الأَنْصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الْجَرْحَى. قال التِّرْمِذِىُّ (٥): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. فإنْ قيلَ: فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُخْرِجُ معهُ مَنْ تَقَعُ عليها القُرْعَةُ من نسائِه، وخرَجَ بعائِشَةَ مَرَّاتٍ. قُلْنا (٦): تلك امْرأَةٌ واحدَةٌ، يأخُذُها لحاجَتِه إليها، ويجوزُ مثلُ ذلك للأَمِيرِ عندَ حاجَتِه، ولا يُرَخَّصُ لسائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى ما ذكَرْنا. فصل: ينْبَغِى للأَمِيرِ أنْ يَرْفُقَ بجَيْشِه، ويسيرَ بهم سَيْرَ أضْعَفِهم، لئلَّا (٧) يشُقَّ عليهم، وإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الجِدِّ في السَّيْرِ، جازَ له؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَدَّ في السَّيْرِ جِدًّا شَدِيدًا، حين بلغَه قولُ عبد اللَّه بن أُبَىٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٨). ليشتَغِلَ الناسُ عن الخَوْضِ فيه (٩). وإنَّ [ابنَ] (١٠) عُمَرَ جَدَّ في السيرِ حين اسْتُصْرِخَ على صَفِيَّةَ (١١) امْرأتِه (١٢). ولا يميلُ الأميرُ مع مُوافقِيه في المَذْهبِ والنَّسَبِ على مُخالِفيه فيهما لئلَّا يكْسِرَ قلوبَهم، فَيَخْذُلونَه عند حاجَتِه إليهم. ويُكْثِرُ المُشاوَرَةَ لذوِي الرَّأْىِ من أصحابِه، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٣). ويَتَخَيَّرُ الْمَنازِلَ لأصحابِه، وإذا وجَدَ رجُلٌ رجُلًا قد أُصِيبَت فَرَسُه، ومع الآخرِ فضْلٌ، اسْتُحِبَّ له

стр. 6725

حَمْلُه، ولم يَجِبْ. نَصَّ عليه أحمد، فإنْ خافَ تَلَفَه، فقال القاضي: يجبُ عليه بَذْلُ فَضْلِ مَرْكوبِه؛ ليُحْيِىَ به صاحبَه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ فَضْلِ طعامِه للمُضْطَرِّ إليه، وتَخْليصُه مِن عَدُوِّه. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِيان الفَرَسَ بينهما، يَغْزُوان عليه، يَرْكَبُ هذا عُقْبَةً وهذا عُقْبَةً: ما سَمِعْتُ فيه بشيءٍ، وأرجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ. قيل له: أيُّما أحَبُّ إليك؟ يعْتزِلُ الرجلُ في الطَّعامِ أو يُرافِقُ؟ قال: يُرافِقُ، هذا أَرْفَقُ، يتعاوَنُونَ، وإذا كُنْتَ وَحْدَك لم يُمكِنْكَ الطَّبْخُ ولا غيرُه، ولا بَأْس بالنِّهْدِ، قد تناهَدَ الصالِحُونَ، وكان الحَسَنُ إذا سافَرَ أَلْقَى معهم، ويَزِيدُ أيضًا بعدَما يُلْقِى. ومعنى النِّهْدِ، أنْ يُخْرِجَ كلُّ واحِدٍ من الرُّفْقَةِ شَيْئًا من النَّفَقَةِ، يدفَعُونَه إلى رجُلٍ يُنْفِقُ عليهم منه، ويأكلُون جميعًا، وكان الحسنُ البَصْرِىّ يَدْفَعُ إلى وَكيلهِم مثلَ واحدٍ منهم، ثم يعودُ فيَأْتِى سِرًّا بمِثْلِ ذلك، يَدْفَعُه إليه. وقال أحمدُ: ما أرى أنْ يغْزُوَ ومعه مُصْحَفٌ. يعني لا يَدْخُلُ به أرضَ العَدُوِّ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا تُسافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ". رَواه أبو داوُدَ، والأَثْرَمُ (١٤). ١٦٣١ - مسألة؛ قال: (وإذَا غَزَا الْأَمِيرُ بِالنَّاسِ، لَمْ يَجُزْ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، ولَا يُبارِزَ عِلْجًا، ولَا يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ، ولَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بإذْنِهِ) يعني لا يَخْرُجُ من العَسْكَرِ لتَعَلُّفٍ، وهو تَحْصيلُ العَلَفِ للدَّوابِّ، ولا لِاحْتِطابٍ (١)، ولا غيرِه إلَّا بإِذنِ الأميرِ؛ لقوْلِ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢). ولأنَّ الأميرَ

стр. 6726

أعْرَفُ بحالِ الناسِ، وحالِ العَدُوِّ، ومَكامِنهم، ومَواضِعهم، وقُرْبِهم وبُعْدِهمْ. فإذا خَرَجَ خارِجٌ بغَيرِ إذْنِه، لم يأْمَنْ أنْ يُصادِفَ كَمِينًا للعَدُوِّ، فيَأْخُذُوه، أو طليعةً لهم، أو يَرْحَلَ الأميرُ بالمسلمين ويترُكَه فيَهْلِكَ. وإذا كان بإِذْنِ الأميرِ، لم يأْذَنْ لهم إلَّا إلى مَكانٍ آمِنٍ، ورُبَّما يَبْعَثُ معهُم من الجَيْشِ مَنْ يَحْرُسُهم ويطَّلِعُ لهم. وأمَّا المُبارَزَةُ، فتَجُوزُ بإِذْنِ الأميرِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلْمِ، إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه لم يَعْرِفْها، وكَرِهَها. ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا وعُبَيْدَةَ بن الحارِث بارَزُوا يومَ بَدْرٍ، بإذْنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣). وبارَزَ علىٌّ عَمْروَ بنَ عَبْدِ وُدٍّ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ فقَتَلَه (٤). وبارَزَ مَرْحَبًا يومَ حُنَيْنٍ. وقيل: بارَزَه مُحَمّدُ بن مَسْلَمَة. وبارَزَه قبلَ ذاك عامِرُ بن الأَكْوَعِ فاسْتُشْهِدَ (٥). وبارَزَ البَراءُ بنُ مالك مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ (٦) فَقَتَلَه، وأَخَذَ سَلَبه، فبَلَغَ ثلاثينَ ألفًا (٧). ورُوِىَ عنه أنَّه قال: قَتَلْتُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَئِيسًا من المُشْرِكين مُبارَزَةً، سِوَى مَن شارَكْتُ فيه (٨). وبارَزَ شَبْرُ بن عَلْقمَةَ أُسْوارًا (٩) فقَتَلَه، فَبَلَغ سلَبُه اثْنَىْ عشرَ ألفًا، فَنَفَّلَهُ إيَّاه سعدٌ (١٠). ولم يَزَلْ

стр. 6727

أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ يُبارِزُونَ في عصرِ النَّبِىِّ ﷺ وبَعْدَه، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكانَ ذلك إِجْماعًا، وكان أبو ذَرٍّ يُقْسِمُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١١). نزَلتْ في الذين تبارَزُوا يومَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ وعَلِىّ وعُبَيْدَةُ، بارَزُوا عُتْبَة وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بنَ عُتْبَة (١٢)، وقال أبو قَتادَة: بارَزْتُ رجُلًا يومَ حُنَيْنٍ، فقَتَلْتُه (١٣). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَنْبَغِى أنْ يُسْتَأْذَنَ الأميرُ في المُبارَزَةِ إذا أمْكَنَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، ورَخَّصَ فيها مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِخَبَرِ أبى قَتادَةَ، فإنَّه لم يُعْلَمْ أنَّه اسْتَأْذَنَ النَّبِىَّ ﷺ ، وكذلك أكثرُ من حَكَيْنا عَنْهُم المُبارَزَةَ، لم يُعْلَمْ منهم اسْتِئْذانٌ. ولَنا، أنَّ الإِمامَ أعلمُ بفُرْسانِه وفُرْسانِ العدوِّ (١٤)، ومَتَى برَزَ الإِنسانُ إلى مَن لا يُطيقُه، كان مُعَرِّضًا نفْسَه للهَلاكِ، فيكْسِرُ قلوبَ المسلمين، فينْبَغِى أنْ يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ، ليخْتارَ للمُبارَزَةِ مَنْ يَرْضاهُ لها، فيكونَ أقْرَبَ إلى الظَّفَرِ، وجَبْرِ قُلوبِ المُسْلِمين، وكسْرِ قُلوبِ المُشْركِين. فإنْ قيل: فقد أبَحْتُم له أنْ ينْغَمِسَ في الكُفَّارِ، وهو سَبَبٌ لقَتْلِه. قُلْنا: إذا كان مُبارِزًا تعلَّقَت قلوبُ الجيشِ به، وارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فإنْ ظَفِرَ جَبَرَ قلوبَهم، وسَرَّهُم، وكسرَ قلوبَ الكفّارِ، وإنْ قُتِلَ كان بالعكسِ، والمُنْغَمِسُ يطْلبُ الشَّهادَةَ، لا يُتَرَقَّبُ منه ظَفَرٌ ولا مُقاوَمَةٌ، فافْتَرقا. وأمَّا مُبارَزَةُ أبى قَتادَة فغَيْرُ لازِمَةٍ، فإنَّها كانَتْ بعدَ الْتِحامِ الحربِ، رأَى رجُلًا يُريدُ أنْ يقتلَ مُسْلِمًا، فضَرَبَه أبو قتادَة، فالْتَفَت إلى أبى قَتَادَةَ، فضَمَّه ضَمَّةً كاد يَقْتُلُه. وليس هذا هو المُبارزَةُ المُخْتَلَفُ فيها، بل المُخْتَلَفُ فيها أن يَبْرُزَ رجلٌ بين الصَّفَّيْن قبلَ الْتحامِ الحَرْبِ، يدْعُو إلى المُبارَزَةِ، فهذا هو الذي يُعْتَبَرُ له إذْنُ الإِمامِ، لأنَّ عينَ الطائِفَتَيْن تَمْتَدُّ إلَيْهما، وقُلوبَ الفَرِيقَيْن تَتَعَلَّقُ بهما، وأيُّهما غَلَبَ سَرَّ أصْحابَه، وكسَرَ قلوبَ أعدائِه، بخلافِ غَيْرِه.

стр. 6728

إذا ثَبَتَ هذا، فالمُبارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ مُسْتَحَبَّةٍ، ومُباحَةٍ، ومكرُوهَةٍ، أمَّا المُسْتَحَبَّةُ؛ فإذا خَرَجَ عِلْجٌ يطْلُبُ البِرازَ، اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ، مُبارَزَتُه بإِذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ فيه رَدًّا عن المسلمين، وإظْهارًا لقُوَّتِهم. والمُباحُ؛ أنْ يبتَدِىءَ الرجُلُ الشُّجاعُ بطلَبِها، فيُباحُ ولا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لا حاجةَ إليها، ولا يأْمَنُ أنْ يُغْلَبَ، فيَكْسِرَ قُلوبَ المسلمين, إلَّا أنَّه لمَّا كان شُجاعًا واثِقًا من نَفْسِه، أُبِيحَ له؛ لأنَّه بحُكْمِ الظاهِرِ غالِبٌ، والمكرُوهُ أن يَبْرُزَ الضَّعِيفُ المُنَّةِ (١٥)، الذي لا يَثِقُ من نَفْسِه، فتُكْرَهُ له المُبْارَزَةُ؛ لما فيه من كَسْرِ قلوبِ المسلمين بقتْلِه (١٦) ظاهِرًا. فصل: إذا خرَجَ كافِرٌ يطبُ البِرازَ، جازَ رَمْيُه وقَتْلُه؛ لأنَّه مُشْرِكٌ لا عَهْدَ له، ولا أمانَ له، فأُبِيحَ قَتْلُه كغَيْرِه، إلَّا أنْ تكونَ العادةُ جارِيةً بينهم (١٧) أنَّ مَنْ خرجَ يطلبُ المُبارَزَةَ لا يُعْرَضُ له، فيَجْرِى ذلك مَجْرَى الشَّرْطِ. وإذا خرجَ إليه أحدٌ يبارِزُه بشَرْطِ أن لا يُعِينَه عليه سِوَاهُ، وجبَ الوفاءُ بشَرْطِه؛ لأنَّ المؤمنين عندَ شُرُوطِهم، فإن انْهَزَمَ المسلمُ تاركًا للقتالِ، أو مُثْخَنًا بجراحتِه، جازَ لكُلِّ أحَد قِتالُه (١٨)؛ لأنَّ المسلِمَ إذا صارَ إلى هذه الحالِ، فقد انْقَضَى قتالُه، وإنْ كان المسلمُ شرطَ عليه أن لا يُقاتِلَ حتى يرْجِعَ إلى صَفِّهِ وَفَّى له بالشَّرْطِ، إلَّا أنْ يتْرُكَ قتالَه، أو يُثْخِنَه (١٩) بالجِرَاحِ، فيَتْبَعَه ليَقْتُلَه، أو يُجِيزَ عليه، فيجوزَ أنْ يحولُوا بَيْنَه وبَيْنَه، فإنْ قاتَلَهم قاتَلُوه؛ لأنَّه (٢٠) إذا مَنَعَهم إنْقاذَهُ فقد نَقَضَ أمانَه. وإنْ أْعانَ الكُفَّارُ صاحِبَهم، فعلى المسلمين أنْ يُعينُوا صاحِبَهم أيضًا، ويُقاتِلُوا مَن أعانَ عليه، ولا يقاتِلُونه؛ لأنَّه ليس بصُنْعٍ من جِهَتِه، فإنْ كان قد اسْتَنْجَدَهم، أو عُلِمَ منه الرِّضَا بفِعْلِهم، صارَ ناقِضًا لأمانِه، وجازَ لهم قَتْلُه. وذَكَرَ الأوْزَاعِىُّ، أنَّه ليس للمسلمين مُعاونَةُ صاحِبِهم، وإنْ أُثْخِنَ بالجِراحِ. قيل له:

стр. 6729

فخافَ المسلمون على صاحبِهم؟ قال: وإنْ؛ لأنَّ المُبارَزَةَ إنَّما تكون هكذا، ولكن لو حَجَزُوا بينهما، وخَلَّوْا سبيلَ العِلْج. قال: فإن أعانَ العدُوُّ صاحِبَهم، فلا بَأْس أن يُعِين المسلمون صاحِبَهم. ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعليَّا أعانا عُبَيْدَةَ بن الحارِث على قَتْلِ شَيْبَة بن رَبيعةَ، حين أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ. فصل: وتجوزُ الخُدْعَةُ في الحَرْبِ، للمُبارِزِ، وغيرِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "الْحَربُ خُدْعَةٌ" (٢١). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورُوِىَ أنَّ عَمْرو ابنَ عَبْدِ وُدٍّ بارَزَ عليًّا كرَّمَ اللَّه وجَهه، فلما أقْبَلَ عليه، قال علىٌّ (٢٢): ما بَرزْتُ لأُقاتِلَ اثْنَيْن. فالْتَفَتَ عَمْروٌ، فوَثَبَ عليه فضَرَبَه، فقال عَمْرو: خَدَعْتَنِى. فقال علىٌّ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ. فصل: قال أحمد: إذا غَزَوْا في البَحْرِ، فأرادَ رجلٌ أنْ يُقيمَ بالسَّاحِلِ، يَسْتَأْذِنُ الوَالِىَ (٢٣) الذي هو على جميعِ الْمَراكِبِ، ولا يُجْزِئُه أن يسْتأذِنَ الوالِىَ الذي في مَرْكَبِه. ١٦٣٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أُعْطِىَ شيئًا يَسْتَعينُ بِهِ في غَزَاتِهِ، فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ، فَإنْ لَمْ يُعْطَ لِغزَاةٍ بعَيْنِهَا، رَدَّ ما فَضَل فِي الْغَزْوِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَنْ أُعْطِىَ شيئًا من المالِ يَسْتَعِينُ به في الغَزْو، لم يَخْلُ؛ إمَّا أنْ يُعْطَى لغَزْوةٍ بعَينِها، أو في الغَزْوِ مُطْلَقًا، فإن أُعْطِىَ لغَزْوَةٍ بعَيْنِها، فما فَضَلَ بَعْدَ الغَزْوِ فهو له. هذا قَوْلُ عَطاء، ومُجاهِد، وسعيد بن المُسَيَّبِ. وكان ابنُ عمرَ إذا أعْطَى شيئًا في

стр. 6730

الغَزْو يقول لصاحبه: إذا بَلَغْتَ وادى القُرَى (١) فَشَأْنَك به. ولأنَّه أعْطاهُ على سبيلِ المُعاوَنَةِ والنَّفَقَةِ، لا على سبيلِ الإِجارةِ، فكان الفاضِلُ له، كما لو وَصَّى أنْ يحُجَّ عنه فلانٌ حجَّةً بألْفٍ. وإنْ أعطاهُ شيئا ليُنْفِقَه في سبيلِ اللَّه، أو في الغَزْوِ مطلقًا، ففضَلَ منه فَضْلٌ، أنْفَقَه في غَزاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه أعْطاهُ الجميعَ ليُنْفِقَه في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فلَزِمَه إنْفاقُ الجميعِ فيها، كما لو وصَّى أنْ يحُجَّ عنه بألْفٍ. فصل: ومن أُعْطِىَ شيئا ليسْتعينَ (٢) به في الغَزْوِ، فقال أحمد: لا يَتْرُكُ لأَهْلِه منه شيئا؛ لأنَّه ليس يَمْلِكُه، إلَّا أنْ يصيرَ إلى رَأْسِ مَغْزاهُ، فيكونَ كهَيْئَةِ مالِه، فيَبْعَثُ إلى عِيَالِه منه، ولا يَتَصَرَّفُ فيه قبلَ الخروج، لئلَّا يَتَخَلَّفَ عن الغَزْوِ، فلا يكونُ. مُستحِقًّا لما أَنْفَقَه، إلَّا أنْ يَشْتَرِىَ منه سلاحًا، أو آلةَ الغَزْوِ. فإنْ قَصَدَ إعْطاءَه لِمَنْ يَغْزُو به، فقال أحمد: لا يتَّخِذُ منه (٣) سُفْرةً فيها طَعامٌ، فيُطْعِمَ منها أحدًا؛ لأنَّه إنَّما أُعْطِيَها ليُنْفِقَها في جِهَةٍ مَخْصوصَةٍ، وهى الجِهادُ. ١٦٣٣ - مسألة؛ قال: (وَإذَا حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ، فَإذَا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ فَهِىَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: هِىَ حَبِيسٌ. فَلَا يَجُوزُ أنْ تُباعَ إلَّا أنْ تَصِيرَ في حَالٍ لا تَصْلُحُ فِيهِ (١) لِلْغَزْوِ، فتُباعَ، وتُجْعَلَ فِي حَبِيسٍ آخَرَ، وكَذلِكَ المَسْجِدُ إذَا ضَاقَ بِأهْلِهِ، أوْ (٢) كَانَ في مَكَانٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، جَازَ أنْ يُبَاعَ، ويُجْعَلَ فِي مَكَانٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذلِكَ الْأُضْحِيَةُ إذَا أبْدَلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا) قوله: حُمِلَ الرجلُ على دَابَّةٍ. يَعْنى أُعْطِيَها لِيَغْزُوَ عليها، فإذا غَزا عليها مَلَكَها كما يملِكُ النَّفَقَةَ المدْفوعةَ إليه، إلَّا أنْ تكونَ عارِيَّةً، فتكونَ لصاحِبِها، أو حَبِيسًا فتكونَ

стр. 6731

حبيسًا بحالِه. قال عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: حَمَلْتُ على فرسٍ عَتِيقٍ في سبيلِ اللَّه، فأضاعَهُ صاحبُه الذي كان عندَه، فأَرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَه، [وظَنَنْتُ أنَّه] (٣) بائِعُه برُخْصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقال: "لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإنْ أعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وهذا يدلُّ على أنَّه ملَكَه، لولا ذلك ما باعَهُ، ويدُلُّ على أنَّه ملَكَه بعدَ الغَزْو؛ لأنَّه أقامَهُ للبَيْع بالمدينةِ، ولم يكُنْ ليأخُذَه من عمرَ، ثم يُقِيمَه للبَيْعِ في الحالِ، فدلَّ على أنَّه أقامَه للبَيْعِ بعد غَزْوِه عليه. وذكرَ أحمدُ نحوًا من هذا الكلام. وسُئِلَ: متى يَطِيبُ له الفرَسُ؟ قال: إذا غَزَا عليه. قيل له: فإنَّ العَدُوَّ جاءنا فخرجَ على هذا الفرسِ في الطَّلَبِ إلى خمسةِ فراسِخَ، ثم رَجَعَ. قال: لا، حتَّى يكونَ غَزْوٌ (٥). قيل له: فحديثُ ابنِ عمرَ: إذا بَلَغْتَ وادِى القُرَى، فشَأْنكَ به، قال: ابنُ عمرَ كان يَصْنَعُ ذلك في مالِه، ورَأَى أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّه إذا غَزَا عليه. وهذا قولُ أكثرَ أهلِ العِلم، منهم سعيد بن المُسَيَّبِ، وسالم، والقاسم، ويحيى الأَنْصارىُّ، ومالك، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ. ونحوُه عن الأَوْزاعِىِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم (٦) أعْلَمْ أَحَدًا يقولُ: إنَّ له أن (٧) يبيعَه في مكانِه. وكان مالكٌ لا يرَى أنْ يُنْتَفعَ بِثَمَنِه في غيرِ سبيلِ اللهِ، إلَّا أنْ يقولَ له: شَأْنَكَ به ما أَرَدْتَ. ولَنا، حديثُ عمرَ، وليس فيه ما اشْتَرَطَ مالكٌ، فأمَّا إذا قال: هي حَبِيسٌ. فلا يجوزُ بيعُها، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هذه المسأَلَةِ في بابِ الوقْفِ (٨)، ويأْتِى شرحُ حكْمِ الأُضْحِيَة في بابها، إن شاءَ اللهُ. فصل: قال أحمد: لا يرْكَبُ دَوابَّ السَّبِيلِ في حاجةٍ، ويَرْكَبُها ويَسْتَعْمِلُها في سبيلِ اللهِ، ولا يركبُ في الأمْصارِ والقُرَى، ولا بأْسَ أنْ يَرْكَبَها ويَعْلِفَها، وأكْرَهُ سِياقَ الرَّمَكِ (٩) على الفَرَسِ الحَبِيسِ، وسَهْمُ الفرسِ الحَبِيسِ لمَنْ غَزا عليه، ولا يُباعُ الفرسُ

стр. 6732

الحَبِيسُ إلَّا من عِلَّةٍ، إذا عَطِبَ يصيرُ للطَّحْنِ، ويصيرُ ثمنُه في مثلِه، أو يُنْفَقُ ثمنُه على الدَّوَابِّ الحَبِيسِ. وإذا أرادَ أنْ يشترِىَ فرسًا ليَحْمِلَ عليه، فقال أحمد: يُسْتَحَبُّ شِراؤُها من غيرِ الثّغْرِ؛ ليكونَ تَوْسِعَةً على أهلِ الثَّغْرِ في الجَلَبِ. ١٦٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإذا سَبَى الْإِمامُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ رَأَى قَتَلَهُم، وإنْ رأَى مَنَّ عَلَيْهِمْ وأَطْلَقَهُمْ بِلَا عِوَضٍ، وإنْ رأَى أطْلَقَهُمْ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وإنْ رَأَىَ فَادَى بِهِمْ، وإنْ رَأَىَ اسْتَرَقَّهُم، أىَّ ذلِكَ رَأَى فِيهِ نِكايَةً للْعَدُوِّ، وحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَعَلَ) وجملتُه أنَّ مَنْ أُسِرَ مِنْ أهْلِ الحَرْبِ على ثلاثةِ أَضْرُبٍ؛ أحدُها، النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلا يجوزُ قتلُهم، ويصيرون رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْىِ؛ لأن النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النساءِ والوِلْدان. مُتَّفَقٌ عليه (١). وكان ﵊ يَسْتَرِقُّهم إذا سَباهُم. الثاني، الرجالُ من أَهْلِ الكتاب والْمَجُوسِ الذين يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فيتخَيَّرُ (٢) الإِمامُ فيهم بَيْن أربعةِ أشياء؛ القتلُ، والمَنُّ بغيرِ عِوَضٍ، والمُفادَاةُ بِهم، واسْتِرْقاقُهم. الثالثُ، الرِّجالُ من عَبَدَةِ الأَوْثانِ وغيرِهم ممَّن لا يُقَرُّ بالجزْيَةِ، فيتَخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ ثلاثةِ أشياء؛ القتْلُ، أو المَنُّ، والمفاداةُ، ولا يجوزُ اسْتِرقاقُهم. وعن أحمد، جَوازُ اسْترقاقِهم. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ. وبما ذَكَرْنا في أهْلِ الكتابِ قال الأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأَبو ثَوْرٍ. وعن مالِكٍ كمَذْهَبِنا. وعنه لا يجوزُ المَنُّ بغيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّه لا

стр. 6733

مَصْلَحَةَ فيه (٣)، وإنَّما يجوزُ للإِمامِ فِعْلُ ما فيه المَصْلَحَةُ. وحُكِىَ عن الحَسَن، وعَطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، كَراهَةُ قَتْلِ الأَسْرَى. وقالوا: لو مَنَّ عليه أو فَاداهُ كما صُنِعَ بأُسَارَى بَدْرٍ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قال: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤). فخيَّرَ بَعدَ الأسْرِ بينَ هذين لا غيرُ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إنْ شاءَ ضربَ أعْناقَهُم، وإنْ شاءَ اسْتَرَقَهُم، لا غيرُ، ولا يَجوزُ مَنٌّ ولا فِداءٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالَى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥). بعدَ قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وكان عمرُ بن عبدِ العزيز، وعِياضُ بن عُقْبَة، يَقْتُلان الأُسارَى. ولنا، على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ قولُ اللَّه تعالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ على ثُمامَةَ بن أُثالٍ (٦)، وأبى عَزَّةَ الشاعرِ (٧)، وأبى العاص بن الرَّبِيعِ (٨)، وقال في أُسارَى بدرٍ: "لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِىٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِى فِي هؤُلَاءِ النَّتْنَى، لأَطْلَقْتُهم لَهُ" (٩). وفادَى أُسارَى بدرٍ، وكانُوا

стр. 6734

ثلاثةً وسبعين رجلًا، كلَّ رجلٍ منهم بأرْبَعمائةٍ (١٠)، وفادَى يومَ بدْرٍ رجُلًا بَرجُلَيْن (١١)، وصاحبَ العَضْباءِ بِرَجُلَيْن (١٢). وأمَّا القَتْلُ؛ فلأنَّ (١٣) النَّبِىَّ ﷺ قَتَلَ رجالَ بنى قُرَيْظَةَ، وهم بين السِّتِّمائة والسَّبْعمائة (١٤)، وقَتَلَ يومَ بدْرٍ النَّضْرَ بن الحارِث، وعُقْبَةَ بن أبى مُعَيْطٍ، صَبْرًا (١٥)، وقَتَلَ أبا عَزَّةَ يوم أُحُد. وهذه قصصٌ عَمَّتْ واشْتَهَرتْ، وفعَلَها النَّبِىُّ ﷺ مَرَّاتٍ، وهو دليلٌ على جَوازِها. ولأنَّ كلَّ خَصْلةٍ من هذه الخِصالِ قد تكونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأَسْرَى، فإنَّ منهم مَنْ له قُوَّةٌ ونِكايةٌ في المُسْلِمين، وبَقاؤُه ضَرَرٌ

стр. 6735

عليهم، فقَتْلُه أَصْلَحُ، ومنهم الضَّعِيفُ الذي له مالٌ كثيرٌ، ففداؤُه أَصْلَحُ، ومنهم حَسَنُ الرَّأْىِ في المُسْلِمين، يُرْجَى إسلامُه بالمَنِّ عليه، أو مَعُونَتُه للمسلمين بتَخْليصِ أَسْراهم، والدَّفْعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أَصْلَحُ، ومنهم مَنْ يُنْتَفَعُ بخِدْمَتِه، ويُؤْمَنُ شَرُّه، فاسْتِرْقاقُه أصْلَحُ، كالنِّسَاءِ والصِّبْيانِ، والإِمامُ أَعلَمُ بالمَصْلَحَةِ، فيَنْبَغِى أنْ يُفَوَّضَ ذلك إليه، وقولُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عامٌّ لا يُنْسَخُ به الخاصُّ، بل يُنَزَّلُ على ما عدا المَخْصوص، ولهذا لم يُحَرِّمُوا اسْتِرْقاقَه، فأمَّا عَبَدَةُ الأَوْثان، ففى اسْتِرْقاقِهم رِوايتان؛ إحداهُما، لا يجوزُ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ في العَجَمِ دونَ العربِ، بِناء على قولِه في أَخْذِ الجِزْيَةِ منهم (١٦). ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فلمْ يُقَرَّ بالاسْتِرْقاقِ كالمُرْتَدِّ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ هذا تَخْيِيرُ مَصْلحةٍ واجْتهادٍ، لا تَخْييرُ شَهْوةٍ، فمتى رأَي المصلحةَ في خَصْلةٍ من هذه الخِصالِ، تَعَيَّنَت عليه، ولم يجُزِ العدولُ عنها، ومتى تَرَدَّدَ فيها، فالقَتْلُ أوْلَى. قال مُجاهد في أمِيرين؛ أحدُهما يَقتُلُ الأَسْرَى: هو أفْضَلُ. وكذلك قال مالِك. وقال إسحاق: الإِثْخانُ أحَبُّ إلىَّ، إلَّا (١٧) أن يكونَ معروفًا يَطْمَعُ به في الكثيرِ. فصل: وإنْ أَسْلَم الأسيرُ صارَ رقيقًا في الحالِ، وزالَ التَّخْيِيرُ، وصار حُكْمُه حُكْمَ النِّساء. وبه قال الشافِعِىُّ في أحَدِ قولَيْهِ. وفى الآخرِ، يَسْقُطُ القَتْلُ، ويَتَخَيَّرُ بين الخِصالِ الثَّلاث؛ لما رُوِىَ أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ أسَرُوا رجُلًا من بنى عُقَيْلٍ، فمَرَّ به النَّبِىُّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، علَامَ أُخِذْتُ وأُخِذَت سابقةُ الحاجِّ؛ فقال: "أُخِذْتَ بجَرِيرةِ حُلَفائِكَ مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحابِى". فمَضَى النَّبِىُّ ﷺ ، فنَاداه: يا محمدُ، يا محمد. فقال له: "مَا شَأْنُكَ؟ " فقال: إنِّي مُسْلِمٌ، فقال: "لَوْ قُلْتَهَا وَأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، لَأَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ". وفادَى به

стр. 6736

النَّبِىُّ ﷺ الرّجُلَيْن، رواه مُسْلِم (١٨). ولأنَّه سَقَطَ القتلُ بإسْلامِه، فبَقِىَ باقِى الخِصالِ على ما كانَتْ عليه. ولَنا، أنَّه أسيرٌ يحْرُمُ قَتْلُه، فصارَ رقيقًا كالمَرْأةِ، والحديثُ لا يُنافِى رِقَّه، فقد يُفادَى بالمرأةِ وهى رَقيقٌ، كما رَوَى سَلَمَةُ بن الأَكْوَع، أنَّه غَزَا مع أبى بَكْرٍ، فنَفَّلَه امرأةً، فوَهَبَها النَّبِىَّ ﷺ ، فبَعَثَ بها إلى أهْلِ مكَّةَ، وفى أيْديهِم أُسارَى، ففَداهم بتِلْك الْمَرْأَة (١٩). إلَّا أنَّه لا يُفادَى به، ولا يُمَنُّ عليه، إلَّا بإذْنِ الغانِمين؛ لأنَّه صارَ مالًا لهُم. ويحْتَمِلُ أنْ يجوزَ الْمَنُّ عليه؛ لأنَّه كان يجوزُ المنُّ عليه مع كُفْرِه، فمعَ إسْلامِه أوْلَى، لكَوْنِ الإِسلام حَسَنةً يقْتَضِى إكْرامَه، والإِنْعامَ عليه، لا مَنْعَ ذلك في حقِّه. ولا يجوزُ رَدُّه إلى الكُفَّارِ، إلَّا أنْ يكونَ له ما يَمْنَعُه مِنَ المشركين، مِنْ عَشِيرَةٍ أو نَحْوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه، لأنَّه يَتَخَلَّصُ به من الرِّقِّ. فأمّا إنْ أسْلَمَ قبلَ أسْرِه، حَرُمَ قتلُه واسْتِرْقاقُه والمُفاداةُ به، سواءٌ أسلمَ وهو في حِصْنٍ، أو جَوْفٍ، أو مَضِيقٍ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يحْصُلْ في أيْدِى الغانِمين بعدُ. فصل: فإنْ سألَ الأُسارَى من أهلِ الكتابِ تخْلِيتَهُم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يجُزْ ذلك في نسائِهم وذَرارِيهم؛ لأنَّهم صارُوا غنيمةً بالسَّبْىِ، وأمَّا الرِّجالُ، فيجوزُ ذلك فيهم، ولا يزولُ التَّخْيِيرُ الثابتُ فيهم. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: يحْرُمُ قتلُهم، كما لو

стр. 6737

أسْلَمُوا. ولَنا، أنَّه بَدَلٌ لا تلْزَمُ الإِجابَةُ إليه، فلم يحْرُمْ قَتْلُهم، كبَدَلِ عَبَدَةِ الأَوْثانِ. فصل: وإذا أُسِرَ العبْدُ صارَ رقِيقًا للمسلمين؛ لأنَّه مالٌ لهم اسْتُولِىَ عليه، فكان للغانِمين، كالبَهِيمةِ، وإنْ رأَى الإِمامُ قَتْلَه لضَرَرٍ في بقائِه، جازَ قَتْلُه؛ لأنَّ مثلَ هذا لا قِيمَةَ له، فهو كالمُرْتَدِّ، وأمَّا مَنْ يحْرُمُ قَتْلُهم غيرَ النِّساءِ والصِّبْيان، كالشَّيْخِ والزَّمِنِ والأَعْمَى والرّاهِبِ، فلا يحِلُّ سَبْيُهم؛ لأنَّ قَتْلَهم حرامٌ، ولا نَفْعَ في اقْتِنائِهم. فصل: ذَكَرَ أبو بكرٍ أنَّ الكافِرَ إذا كان مَوْلَى مُسْلمٍ، لم يَجُزْ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه تَفْويتَ ولاءِ المُسْلِم المَعْصُومِ. وعلى قولِه، لا يُسْتَرَقُّ ولدُه أيضًا إذا كان عليه ولاءٌ؛ لذلك. وإنْ كان مُعْتِقُهُ ذِمِّيًّا، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ سيِّدَه يجوزُ اسْتِرْقاقُه، فاسْتِرْقاقُ مَوْلاهُ أوْلَى. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىّ جوازُ استرقاقِه؛ لأنَّه يجوزُ قَتْلُه، وهو من أهلِ الكتابِ، فجازَ استرقاقُه، كغيرِه، ولأنَّ سببَ جوازِ الاسْتِرْقاقِ قد تحقَّقَ فيه، وهو الاسْتِيلاءُ عليه، مع كونِ مَصْلحةِ المسلمين في اسْتِرْقاقِه، ولأنَّه إنْ كان المَسْبِىُّ امرأةً أو صَبِيًّا، لم يجُزْ فيه سِوَى الاسْتِرْقاقِ، فيتعيَّنُ ذلك فيه. وما ذكرَه يَبْطُل بالقَتْلِ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ الولاءَ، وهو جائِزٌ فيه، وكذلك مَنْ عليه ولاءٌ لذِمِّىٍّ يجوزُ استرقاقُه. وقولُهم: إنَّ سيِّدَه يجوزُ استرقاقُه. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الذِّمِّىَّ لا يجوزُ اسْتِرْقاقُه، ولا تَفْوِيتُ حُقوقِه، وقد قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: إنَّما بذلُوا الجِزْيَةَ لتكونَ دماؤُهم كدِمائِنا، وأموالُهم كأمْوالِنا (٢٠). ١٦٣٥ - مسألة؛ قال: (وسَبِيلُ مَن اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِمْ، سَبِيلُ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ) يعني مَن صارَ منهم رقيقًا بضَرْبِ الرِّقِّ عليه، أو فُودِىَ بمالٍ، فهو كسائرِ الغنيمَةِ، يُخَمَّسُ ثم يُقْسَمُ أربعةُ أخْماسِه بين الغانِمين. لا نعلمُ في هذا خلافًا، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ

стр. 6738

قَسَمَ فداءَ أُسارَى بَدْرٍ بين الغانِمين (١). ولأنَّه مالٌ غنِمَهُ المسلمون، فأشْبَهَ الخيلَ والسِّلاحَ. فإنْ قيل: فالأسِيرُ (٢) لم يكُنْ للغانمين فيه حَقٌّ، فكيفَ تعلَّق حقُّهم ببَدَلِه؟ قُلْنا: إنَّما يفْعَلُ الإِمامُ في الاسْتِرْقاقِ ما يرَى فيه المصلحةَ؛ لأنَّه لم يَصِرْ مالًا، فإذا صارَ مالًا، تعلَّق حقُّ الغانمين به؛ لأنَّهم أسَرُوه وقَهَرُوه، وهذا لا يَمْتَنِعُ (٣)، ألا تَرَى أنَّ مَنْ عليه الدَّيْنُ، إذا قُتِلَ قتْلًا يوجِبُ القصاصَ، كان لورَثَتِه الخيارُ، فإذا اختارُوا الدِّيَةَ، تعَلَّقَ حقُّ الغُرَماءِ بها. ١٦٣٦ - مسألة؛ قال: (وَإنَّمَا يَكُونُ لَهُ اسْتِرْقَاقُهُمْ إذَا كَانُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ أوْ مَجُوسًا، وأمَّا مَا سِوَى هؤُلاءِ مِنَ الْعَدُوِّ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَالِغِى رِجَالِهِمْ إلَّا الْإسْلَامُ أوِ السَّيْفُ أوِ الْفِدَاءُ) قد ذكَرْنا فيما تقدَّمَ أنَّ غيرَ أهلِ الكتابِ لا يجوزُ استرقاقُ رجالِهم، في إحْدى الرّوايَتَيْن. فصل: فأمَّا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فيصيرُون رقيقًا بالسَّبْى. ومنَع أحمدُ مِن فِدَاءِ النِّساءِ بالمالِ؛ لأنَّ في بقائِهنَّ تَعْرِيضًا لهُنَّ للإسْلام، لبَقائِهنَّ عندَ المسلمين، وجَوَّزَ أنْ يُفادَى بِهِنَّ أُسارَى المسلمين؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فادَى بالمرأةِ التي أخذَها من سَلَمة بن الأَكْوَع (١)، ولأنَّ في ذلك اسْتِنْقاذَ مُسْلِمٍ مُتَحَقَّقٍ إسْلامُه، فاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ [غَرَضِه الإِسْلامَ] (٢) من أجْلِه. ولا يلْزَمُ من ذلك احْتمالُ فَواتِها، لتَحْصِيلِ المال. فأمَّا الصِّبْيانُ، فقال أحمد: لا يُفادَى بهم؛ وذلك لأنَّ الصَّبِىَّ يصيرُ مسلمًا بإسْلامِ سَابِيه، فلا يجوزُ رَدُّه إلى المشركين. وكذلك المرأةُ إذا أَسْلَمَت لم يَجُزْ رَدُّها إلى الكُفارِ بفِداءٍ (٣) ولا غيرِه؛ لقولِ

стр. 6739

اللهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٤). ولأنَّ في رَدِّها إليهم تَعْرِيضًا لها للرُّجُوعِ عن الإِسْلامِ، واسْتِحْلالِ ما لا يَحِلُّ منها. وإنْ كان الصَّبِىُّ غيرَ مَحْكومٍ، بإسْلامِه، كالذى سُبِىَ مع أبَويْه، لم يجُزْ فِداؤُه بمالٍ. وهل يجوزُ فِداؤُه بمسلمٍ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. فصل: ولم يُجَوِّزْ أحمدُ بَيْعَ شيءٍ من رَقِيقِ (٥) المسلمين لكافرٍ، سَواءٌ كان الرَّقيقُ مسلمًا أو كافرًا. وهذا قولُ الحَسَن. قال أحمد: ليس لأهلِ الذِّمَّةِ أنْ يشْترُوا ممَّا سَبَى المسلمون شيئًا. قال: كتب عمرُ بن الخطَّابِ يَنْهَى عنه أُمَراءَ الأمْصارِ. هكذا حكَى أهلُ الشامِ، وليس له إسنادٌ. وجوَّزَ أبو حنيفة والشافِعىُّ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْنَعُ من إثْباتِ يَدِه عليه، فلا يُمْنَعُ من ابْتدائِه، كالمُسْلِمِ. ولَنا، قولُ عمرَ، ولم يُنْكَرْ فيكونُ إجماعًا، ولأنَّ فيه تَفْوِيتًا للإِسلامِ الذي يظْهَرُ وُجودُه، فإنَّه إذا بَقِىَ رَقِيقًا للمسلمين الظَّاهرُ إسْلامُه، فيَفُوتُ ذلك بِبَيْعِه لكافرٍ، بخلافِ ما إذا كان رَقِيقًا لكافرٍ في ابْتدائِه، فإنَّه لم يثْبُتْ له هذه الغَرَضِيَّة، والدَّوامُ يُخالِفُ الابْتداءَ لقُوَّتِه. فصل: ومن أَسَرَ أسيرًا، لم يكُنْ له قَتْلُه حتى يأتِىَ به الإِمامَ، فيرَى فيه رَأْيَه؛ لأنَّه إذا صارَ أسيرًا، فالْخِيَرَةُ فيه إلى الإِمامِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ كلامٌ يدُلُّ على إباحَةِ قَتْلِه، فإنَّه قال: لا يقتلُ أسِيرَ (٦) غيرِه إلَّا أنْ يشاءَ الوالى. فمفهومُه أنَّ له قَتْلَ أسِيرِه بغيرِ إذنِ الوالى؛ لأنَّ له أنْ يقتُلَه ابْتداءً، فكان له قتْلُه دَوامًا، كما لو هَربَ منه أو قاتَلَه. فإن امتَنَعَ الأسيرُ أنْ ينْقادَ معه، فله إكْراهُه بالضَّرْبِ وغيرِه، فإنْ لم يمْكِنْه إكْراهُه، فله قَتْلُه. وإنْ خافَه، أو خافَ هرَبَهُ، فله قَتْلُه أيضًا. وإن امْتَنَعَ من الانْقِيادِ معه، لجُرْحٍ أو مرضٍ، فله قَتْلُه أيضًا. وَتوقَّفَ أحمدُ عن قَتْلِه. والصَّحِيحُ أنَّه يقْتُلُه، كما يُذفَّفُ (٧) على جَرِيحِهم، ولأنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَررٌ على المسلمين، وتَقْوِيةٌ للكُفَّارِ، فتعيَّنَ القَتلُ، كحالَةِ الابْتداءِ إذا

стр. 6740

أمْكَنَه قَتْلُه، وكجَرِيحِهم إذا لم يأْسِرْه. فأمّا أسِيرُ غيرِه، فلا يجوزُ له قَتْلُه، إلَّا أنْ يصيرَ إلى حالٍ يجوزُ قَتْلُه لِمَنْ أَسَرَه. وقد روَى يحيى بن أبي كَثِيرِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يَتَعَاطَيَنَّ أحَدُكُمْ أسِيرَ صَاحِبهِ إذَا أخَذَه فَيَقْتُلَهُ". رواه سعيدٌ (٨). فإنْ قتل أسيرَه، أو أسيرَ غيرِه (٩) قبلَ ذلك، أساءَ، ولم يَلْزَمْه ضَمانُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال الأوْزاعِىّ: إنْ قَتَلَه قبلَ أنْ يأتِىَ به الإِمامَ، لم يَضْمَنْه، وإنْ قَتَلَه بعدَ ذلك غَرِمَ ثَمَنَه؛ لأنَّه أَتْلَفَ من الغَنِيمةِ ما لَه قِيمةٌ، فضَمِنَه، كما لو قَتَلَ أمرأةً. ولَنا، أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ، أسَرَ أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ وابنَه عَلِيًّا يومَ بَدْرٍ، فرآهما بلالٌ، فاسْتَصْرَخَ الأنْصارَ عليهما حتى قَتَلُوهما، ولم يَغْرَمُوا شيئًا (١٠). ولأنَّه أتْلَفَ ما ليسَ بمالٍ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتلَفَه قبلَ أنْ يأتِىَ به الإِمامَ، ولأنَّه أتْلَفَ مالا قيمةَ له قبلَ أنْ يأتِىَ به الإِمامَ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتلفَ كَلْبًا، فأمَّا إنْ قتلَ امرأةً أو صَبِيًّا، غَرمَه؛ لأنَّه كان رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْىِ. فصل: ومَنْ أُسِرَ فادَّعَى أنَّه كان مسلمًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّهُ يَدَّعِى أمرًا الظَّاهِرُ خلافُه، يتعلَّقُ به إسْقَاطُ حَقٍّ يتعلَّقُ بَرقبَتِه، فإنْ شهِدَ له واحدٌ، حَلَفَ معه، وخُلِّىَ سبيلُه. وقال الشافِعِىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا شهادةُ عَدْلَيْن؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه المالُ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال يومَ بَدْرٍ: "لا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أنْ يُفْدَى، أوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ". فقال عبدُ اللَّه بن مسعود: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فإنِّى سمِعْتُه يَذْكُرُ الإِسْلامَ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "إلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ" (١١). فقبِلَ شهادةَ عبد اللَّه وحدَه.

стр. 6741

١٦٣٧ - مسألة؛ قال: (ويُنَفِّلُ الْإِمَامُ ومَن اسْتَحْلَفَهُ الْإمَامُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ في بَدْأَتِهِ الرُّبْعَ بَعْدَ الخَمْسِ، وفِي رَجْعَتِهِ الثُّلْثَ بَعْدَ الْخُمْسِ) النَّفَلُ: زيادةٌ تُزادُ على سَهْمِ الغازِى، ومنه نفلُ الصلاةِ، وهو ما زِيدَ على الفَرْضِ، وقولُ اللَّه تعالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (١). كأنَّه سألَ اللهَ ولدًا، فأعْطاهُ ما سأَلَ وزادَه ولدَ الْوَلَدِ، والمرادُ بالبِدايَةِ ههُنا، ابْتِداءُ دُخولِ دارِ (٢) الحَرْبِ، والرَّجْعَةِ رُجُوعُه عنها. والنَّفَلُ في الغَزْو ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدُها، هذا الذي ذكَرَه (٣) الْخِرَقِىُّ، وهو أنَّ الإِمامَ أو نائِبَه إذا دخلَ دارَ الحَرْبِ غازيًا، بعَثَ بيْنَ يدَيْهِ سَرِيَّةً تُغِيرُ على العَدُوِّ، ويَجْعَلُ لهم الرُّبْعَ بَعد الْخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به (٤) السَّرِيَّةُ من شيءٍ، أخْرَجَ خُمْسَهُ، ثمّ أعْطَى السَّرِيَّةَ ما جَعَلَ لهم، وهو رُبْعُ الباقى، وذلك خُمْسٌ آخَرُ، ثم قسَم ما بَقِىَ في الجيشِ والسَّرِيَّةُ معه. فإذا قَفَلَ، بعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وجعَلَ لهم الثُّلْثَ بعد الخُمْسِ، فما قَدِمَت به السَّرِيَّةُ، أخْرَجَ خُمْسَه، ثمّ أعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلثَ ما بَقِى، ثم قسَمَ سائِرَه في الجيش والسَّرِيَّةِ معه. وبهذا قال حبيبُ بن مَسْلَمَة، والحَسَنُ، والأَوْزاعِىّ، وجماعةٌ، ويُروَى عن عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ، أنَّه قال: لا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ . ولعَلَّه يحتَجُّ بقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥). فخَصَّه بها، وكان سعيدُ بن المُسَيَّب ومالِكٌ يقولان: لا نَفَلَ إلَّا من الْخُمْسِ. وقال الشافِعِىُّ: يُخْرَجُ من خُمْسِ الخُمْسِ؛ لما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بعَثَ سرِيَّةً فيها عبدُ اللَّه بنِ عمرَ، فغنِمُوا إبِلًا كثيرةً، فكانت سُهْمانُهم اثْنَىْ عشرَ بعيرًا، وَنُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولو أعْطاهم من أربعةِ الأخْماسِ التي هي لهم، لم يكُنْ نَفَلًا، وكان من

стр. 6742

سِهامِهم. ولَنا، ما رَوَى حبيبُ بن مَسْلَمَة الفِهْرِىُّ، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللَّه ﷺ نَفَّلَ الرُّبْعَ في البَداءةِ، والثُّلثَ في الرَّجْعَةِ. وفى لفْظٍ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلثَ بعد الْخُمْسِ إذا قَفَلَ. رَواهما أبو داودَ (٧)؛ وعن عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُنَفِّلُ في الْبَداءةِ الرُّبعَ، وفى الْقُفُولِ الثُّلثَ. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٨)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وفى لفظٍ: قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُنَفِّلُهم إذا خَرَجُوا بادِينَ الرُّبعَ، ويُنَفِّلُهم إذا قَفَلُوا الثُّلثَ. روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن جَرِيرٍ بن عبد اللَّه البَجَلِىِّ، أنَّه لمَّا قدِمَ على عمرَ في قَوْمِه، قال له عمرُ: هل لكَ أنْ تأتِىَ الكُوفةَ، ولك الثُّلثُ بعدَ الخُمْسِ من كلِّ أرضٍ وشىءٍ؟ وذكَره ابنُ المُنْذِرِ أيضًا عن عمرَ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ الثُّلثَ والرُّبعَ، يُغْرِيهم (٩) بذلك. فأمَّا قولُ عمرِو بن شُعَيْبٍ، فإنَّ مَكْحُولًا قال له حين قال: لا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ . وذكرَ له حديثَ حَبِيبِ بن مَسْلَمة: شَغَلَك أكْلُ الزَّبِيبِ بالطَّائِفِ. وما ثَبَتَ للنَّبِىِّ ﷺ ، ثبَتَ للأَئِمَّةِ بعدَه، ما لم يقُمْ على تَخْصِيصِه به دليلٌ. فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فهو حُجَّةٌ عليهم، فإنَّ بعيرًا على اثْنَى عشرَ، يكونُ جزءًا من ثلاثةَ عشرَ، وخُمْسُ الخُمْسِ جزءٌ من خمسةٍ وعشرين، وجزءٌ من ثلاثةَ عشرَ أكثرُ، فلا يُتَصَوَّرُ أخْذُ الشىءِ من أقلَّ منه، يُحقِّقُه أنَّ الاثْنَىْ عشرَ إذا كانت أربعةَ أخْماسٍ، والبعيرُ منها ثُلثُ

стр. 6743

الخُمسِ، فكيف يُتَصَوَّرُ أخذ ثُلثِ الخُمْسِ من خُمْسِ الخُمْسِ؟ فهذا محالٌ، فتعَيَّنَ أنْ يكونَ ذلك من غيرِه، أو أنَّ النَّفَلَ كان للسَّرِيَّةِ دونَ سائرِ الجيشِ. على أنَّ ما رَوَيْناه صريحٌ (١٠) في الحُكْمِ، فلا يُعارَضُ بشيءٍ مُسْتَنْبَطٍ، يَحْتَمِلُ غيرَ ما حمَلَه عليه مَن اسْتَنْبَطَه. إذا ثَبَتَ هذا، فظاهِرُ كلامِ أحمد أنَّهُم إنَّما يستحِقُّون هذا النَّفَلَ بالشَّرْطِ السَّابقِ، فإنْ لم يكُنْ شَرَطَه لهم فَلا، فإنَّه قيلَ له: أليسَ قد نفَّلَ رسولُ اللهِ ﷺ في الْبَداءةِ الرُّبعَ، وفى الرُّجوعِ الثُّلثَ؟ قال: نعم، ذاك إذا نَفَّلَ، وتقدَّمَ القولُ فيه. فعلى هذا إنْ رأَى الإِمامُ أنْ لا يُنَفِّلَهم شيئًا، فله ذلك، وإنْ رأَى أنْ يُنَفِّلَهم دونَ الثُّلثِ والرُّبعِ، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ لا يَجْعَلَ لهم شيئًا، جازَ أنْ يجعلَ لهم شيئًا يَسِيرًا، ولا يجوز أن يُنَفِّلَ أكثرَ من الثُّلثِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مَكْحُولٍ، والأوْزَاعِىِّ، والجُمْهورِ من العلماء. وقال الشافِعِىُّ: لا حَدَّ للنَّفَلِ، بل هو مَوْكولٌ إلى اجتهادِ الإِمامِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَفَّلَ مرَّةً الثُّلُثَ وأخْرَى الرُّبعَ. في حديثِ ابن عمرَ: نفَّلَ. نصفَ السُّدسِ. فهذا يدُلُّ على أنَّه ليسَ للنّفَلِ حَدٌّ لا يتجاوزُه الإِمامُ، فيَنْبَغِى أن يكونَ مَوْكُولًا إلى اجْتهادِهِ. ولَنا، أنَّ نَفَلَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى إلى الثُّلثِ، فيَنْبَغِى أنْ لا يتَجاوزَه، وما ذكَرَه الشافِعِىُّ يدلُّ على أنَّه ليس لأقَلِّ النَّفَلِ حَدٌّ، وأنَّه يجوزُ أنْ يُنَفِّلَ أقلَّ من الثُّلثِ والرُّبعِ، ونحن نقولُ به، على أنَّ هذا القَوْلَ مع قولِه: إنَّ النّفَلَ من خُمْسِ الخُمْسِ. تناقُضٌ. فإنْ شَرَطَ لهم الإِمامُ زيادةً على الثُّلثِ، رُدُّوا إليه. وقال الأوْزَاعِىُّ: لا ينْبَغِى أنْ يشْرِطَ النِّصْفَ، فإن زادَهُم على ذلك، فلْيَفِ لهم بِه، ويجْعَلْ ذلك من الخُمْسِ. وإنَّما زِيدَ في الرَّجْعَةِ على البَداءَةِ في النَّفلِ؛ لمَشقَّتِها، فإنّ الجيشَ في الْبَداءَةِ رِدْءٌ للسَّرِيَّةِ، تابعٌ لها، والعدُوُّ خائِفٌ، وربَّما كان غارًّا، وفى الرَّجْعةِ لا رِدْءَ للسَّرِيَّةِ؛ لأنَّ الجيشَ مُنْصَرِفٌ عنهم، والْعَدُوَّ مستيقظٌ كَلِبٌ. قال أحمد: في الْبَداءةِ إذا كان ذاهبًا الرُّبعُ، وفى القَفْلَةِ إذا كان في الرُّجوعِ الثُّلثُ؛ لأنَّهم يشْتاقُون إلى أهْلِيهم، فهذا أكبرُ. القسم الثاني، أنْ يُنفِّلَ الإِمامُ بعضَ الجيشِ؛ لغَنائِه وبَأْسِه وبَلائِه، أو لمَكْروهٍ تحمَّلَه دونَ سائرِ الجيشِ. قال أحمد: في

стр. 6744

الرَّجُلِ يأمرُه الأميرُ يكونُ طليعةً، أو عندَه، يدفعُ إليه رأسًا من السَّبْىِ أو دابَّةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، ويُقاتِلُ [في سبيلِ اللهِ] (١١)، فلا بأْسَ بذلك، ذلك أنفعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، يقاتِلُون ويغْنَمُون. وقال: إذا نفَّذ الإِمامُ صَبِيحةَ الْمَغارِ الخيلَ، فيُصيبُ بعضُهم، وبعضُهم لا يأْتِى بشيءٍ، فللْوالِى أنْ يخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءُوا بشيءٍ دونَ هؤلاء. وظاهرُ هذا أنَّ له إعْطاءَ مَن هذه حالُه مِن غيرِ شرْطٍ. وحُجَّةُ هذا حديثُ سَلَمة بن الأكْوَع، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عُيَيْنَة على إِبلِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فاتَّبَعْتُهم - فذكَرَ الحديثَ - فأعْطَانِى رسولُ اللَّه ﷺ سهمَ الفارسِ والرَّاجلِ. رواه مُسْلِم، وأبو داود (١٢). وعنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبَيَّتْنا عَدُوَّنا، فقَتَلْتُ ليلَتَئِذٍ تسعةَ أهلِ أبياتٍ، وأخذْتُ منهم امرأةً، فنَفَّلَنِيها أبو بكرٍ، فلما قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَوْهَبَها منِّى رسولُ اللَّه ﷺ ، فوَهَبْتُها له. رواهُ مُسلم بمَعْناه (١٣). القسم الثالث، أنْ يقولَ الأميرُ: مَنْ طلَعَ هذا الحِصْنَ، أو هَدَمَ هذا السُّورَ، أو نَقَبَ هذا النَّقْبَ، أو فعلَ كذا، فلَهُ كذا. أو: مَنْ جاءَ بأسيرٍ، فله كذا. فهذا جائِزٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ. قال أحمد: إذا قال: مَنْ جاءَ بعَشْرِ دَوابَّ، أو بَقَرٍ، أو غنمٍ، فله واحدٌ. فمَنْ جاءَ بخَمْسةٍ أعطاهُ نِصْفَ ما قال لهم، ومَنْ جاءَ بشيءٍ أعطاهُ بقَدْرِه. قيل له: إذا قال: مَنْ جاءَ بعِلْجٍ فله كذا وكذا. فجاءَ بعِلْجٍ، يَطِيبُ له ما يُعْطَى؟ قال: نعم. وكَرِهَ مالكٌ هذا القَسْمَ، ولم يَرَه، وقال: قتالُهم على هذا الوَجْه إنَّما هو للدُّنْيا. وقال هو وأصحابُه: لا نَفَلَ إلَّا بعدَ إحْرازِ الغَنيمَةِ. قال مالك: ولم يقُلْ رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ قتَلَ قتيلًا فَلَهُ سَلَبُه" (١٤). إلَّا بعدَ أنْ بَرَدَ القتالُ. ولَنا، ما تقدَّمَ من حديثِ حَبِيبٍ وعُبادَةَ، وما شَرَطَه عمرُ لجَرِيرِ (١٥) بن عبدِ اللَّه، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ :

стр. 6745

"مَنْ قَتَلَ قتيلًا فَلَهُ سَلَبُه". ولأنَّ فيه مصلحةً وتَحْرِيضًا على القتالِ، فجازَ، كاسْتِحْقاقِ الغَنِيمةِ، وزِيادَةِ السَّهْمِ للفارسِ (١٦)، واسْتِحْقاقِ السَّلَبِ، وما ذكَرُوه (١٧) يبْطُل بهذه المسائل. وقولُه: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جعَلَ السَّلَبَ للقاتلِ بعد أنْ بَرَدَ القتالُ. قُلْنا: قولُه ذلك ثابِت الحُكْمِ فيما يأتِى من الغَزَواتِ بعدَ قولِه، فهو بالنِّسْبةِ إليها كالمَشْروطِ في أوَّلِ الغَزَاةِ. قال القاضي: ولا يجوزُ هذا إلَّا إذا كان فيه مصلحةٌ للمسلمين (١٨)، فإِنْ (١٩) لم يكُنْ فيه فائِدَةٌ، لم يجُزْ؛ لأنَّه إنَّما يَخْرُجُ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، فاعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه، كأُجْرَةِ الحَمَّالِ والحافظِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ النَّفَلَ لا يَخْتَصُّ بنَوْعٍ من المالِ. وذكرَ الخَلَّالُ أنَّه لا نَفَلَ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ. وهو قولُ الأوْزاعِىّ؛ لأنَّ القاتِلَ لا يسْتَحِقُّ شيئا منها، فكذلك غيرُه. ولَنا، حديثُ حَبِيبِ بن مَسْلَمة، وعُبادَةَ، وجَريرٍ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ جعلَ لهم الثُّلثَ والرُّبعَ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما غَنِمُوه، ولأنَّه نوعُ مالٍ، فجازَ النَّفَلُ فيه، كسائِرِ الأموالِ. وأمَّا القاتِلُ، فإنَّما نُفِّلَ السَّلَبَ، وليست الدراهمُ والدنانيرُ من السَّلَبِ، فلم يسْتَحِقَّ غيرَ ما جُعِلَ له. فصل: نَقَلَ أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه قال له: إذا قالَ: مَنْ رَجَعَ إلى السَّاقةِ فله دينارٌ. والرجلُ يعملُ في سياقَةِ الغنمِ؟ قال: لم يَزَلْ أهلُ الشامِ يفعلُون هذا، وقد يكونُ في رُجُوعِهِم إلى السَّاقَةِ وسِيَاقَةِ الغَنَمِ مَنْفَعَةٌ. قيل له: فإنْ أغارَ على قريةٍ فنزلَ فيها والسَّبْىُ والدَّوابُّ والْخُرْثِىُّ (٢٠) معهم في القريةِ، ويمْنَعُ الناسَ من جَمْعِه الكَسلُ (٢١)، لا يخافُون عليه العَدُوَّ، فيقولُ الإِمامُ: مَنْ جاءَ بعشرةِ أثْوابٍ فله ثوْبٌ، [ومن عشرة رءوسٍ رأسٌ] (٢٢)؟ قال: أرْجُو أنْ لا يكونَ به بأْسٌ. قيل له: فإنْ قال: مَنْ جاءَ بعِدْلٍ من دقيقِ

стр. 6746

الرُّومِ، فله دينارٌ. يُريده لطَعامِ السَّبْىِ، ما تَرَى في أخْذِ الدينار؟ [فما رأى] (٢٣) به بَأْسا. قيل: فالإِمامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وقد نفَّلَهم جميعًا، فلمَّا كان يومُ الْمَغارِ نادَى: مَنْ جاءَ بعشرةِ رُءوسٍ، فله رأسٌ، ومَنْ جاءَ بكذا، فله كذا. فيَذْهبُ الناسُ فيطلبون، فما تَرَى في هذا النَّفَل؟ قال: لا بَأْسَ به، إذا كان يُحَرِّضُهم على ذلك، ما لم يسْتَغْرِقِ الثُّلثَ. قلتُ: فلا بأْسَ بنَفَلَيْن في شيءٍ واحد؟ قال: نَعَمْ، ما لم يسْتَغْرِقِ الثُّلثَ. غيرَ مرَّةٍ سمعتُه يقولُ ذلك. فصل: ويجوزُ للإِمامِ ونائبِه أنْ يَبْذُلا (٢٤) جُعْلًا لمَنْ يدُلُّه على ما فيه مصلَحَةٌ للمسلمين، مثل طريق سَهْلٍ (٢٥)، أو ماءٍ في مَفازةٍ، أو قلعةٍ يفْتَحُها، أو مالٍ يأخذُه، أو عَدُوٍّ يُغِيرُ عليه، أو ثَغْرَةٍ يدْخُلُ منها. لا نعلمُ في هذا خلافًا؛ لأنَّه جُعْلٌ في مصلحةٍ، فجازَ، كأُجْرَةِ الدَّليلِ، وقد اسْتَأْجَرَ النَّبِىُّ ﷺ وأبو بكرٍ في الهِجْرَةِ مَن دَلَّهُم على الطريقِ (٢٦). ويَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بفِعْلِ ما جُعِلَ له الجُعْلُ فيه، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا، من الجيشِ أو من غيرِه. فإنْ جُعِلَ له الجُعْلُ ممَّا في يدِه، وجَبَ أنْ يكونَ معلومًا؛ لأنَّها (٢٧) جَعالةٌ بعِوَضٍ من مالٍ معلومٍ، فوَجَبَ أنْ يكونَ معلومًا، كالجَعَالةِ في رَدِّ الآبِقِ، وإنْ كان الجُعْلُ من مالِ الكُفَّارِ، جازَ أنْ يكونَ مجهولًا جَهالَةً لا تَمْنَعُ التَّسْليمَ، ولا تُفْضِى إلى التَّنازُعِ؛ لأنّ النَّبِيَّ ﷺ جعَلَ للسَّرِيَّةِ الثُّلثَ والرُّبعَ ممَّا غَنِمُوه، وهو مجهولٌ؛ لأنَّ الغَنِيمةَ كلَّها مجهولَةٌ، ولأنَّه ممَّا تدْعُو الحاجةُ إليه، والْجَعالةُ إنَّما تجوزُ بحسَبِ الحاجَةِ، فإن جعلَ له جاريةً مُعَيَّنَةً إنْ دَلَّه على قلعةٍ يفتحُها، مثل أن جعلَ له بنتَ رجُلٍ عيَّنَه من أهْلِ القَلْعَةِ، لم يسْتحِقَّ شيئًا حتى يفتحَ القلعةَ؛ لأنَّ جَعالةَ شيءٍ منها (٢٨) اقْتَضَى (٢٩) اشْتِراطَ

стр. 6747

فَتْحِها، فإذا فُتِحَتِ القلعةُ عَنْوَةً، سُلِّمَت إليه، إلَّا أنْ تكونَ قد أَسْلَمَت قبلَ الفَتْحِ، فإنَّها عَصَمَت نفْسَها بإسْلامِها، فتَعَذَّرَ دَفْعُها إليه، فتُدْفَعُ إليه قِيمَتُها، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمّا صَالَحَ أهلَ مكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، على أنَّ مَنْ جاءَه مسلمًا رَدَّه إليهم، فجاءَه (٣٠) نساءٌ مسلماتٌ، مَنَعَه اللهُ مِنْ رَدِّهِنَّ (٣١). ولو كان الجُعْلُ رجلًا من أهلِ القَلْعَةِ، فأَسْلَمَ قبلَ الفَتْحِ، عَصَمَ أيضًا نَفْسَه، ولم يجُزْ دَفْعُه، وكان لصاحبِ الجُعْلِ (٣٢) قِيمَتُه. وإنْ كان إسلامُ الجارَيَةِ أو الرجُلِ بعدَ أسْرِهِم، سُلِّما إليه إنْ كان مُسْلِما، وإنْ كان كافِرًا، فله قيمَتُهُما؛ لأنَّ الكافِرَ لا يبْتَدِئُ المِلْكَ على مسلمٍ. وإنْ ماتا قبلَ الفَتْحِ أو بعدَه، فلا شىءَ له؛ لأنَّه عُلِّقَ حَقُّهُ بشيءٍ مُعَيَّنٍ، وقد تَلِفَ بغيرِ تَفْريطٍ، فسقَطَ حقُّه، كالوديعةِ. وفارَق ما إذا أسْلَما، فإنَّ تسليمَهُما مُمْكِنٌ، لكَنْ مَنَعَ الشرْعُ منه. وإنْ كان الفَتْحُ صُلْحًا، فاستَثْنَى الإِمامُ الجاريةَ والرجُلَ، وسلَّمَهما، صح، وإنْ وقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا، طُلِبَ الجُعْلُ من صاحِبِ القَلْعَةِ، وبُذِلَت [له قيمَتُهما] (٣٣)، فإن سُلِّما إلى الإِمامِ، سَلَّمَهُما إلى صاحِبِهما، وإنْ أبَى، عُرِضَ على مُشْتَرِطِهِما قِيمتُهما، فإنْ أخذَها، أُعْطِيها وتمَّ الصلحُ، وإنْ أبَى، فقال القاضي: يُفْسَخُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه حقٌّ (٣٤) قد تَعَذَّرَ إمْضاءُ الصُّلْحِ فيه، لأنَّ صاحِبَ الجُعْلِ سابِقٌ، ولا يُمكِنُ (٣٥) الجمعُ بينه وبينَ الصُّلْحِ. ونحوُ هذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ولصاحِبِ القَلْعةِ أنْ يُحَصِّنَها مثلَما كانَتْ من غيرِ زيادَةٍ، ويَحْتَمِلُ أن يَمْضِىَ الصُّلْحُ، وتُدْفَعَ إلى صاحِبِ الجُعْلِ قِيمتُه؛ لأنَّه تعذَّرَ دَفْعُه

стр. 6748

إليه مع بَقائِه، فدُفِعَت إليه قيمتُه، كما لو أسْلمَ الجُعْلُ قبلَ الفَتْحِ، أو أسْلَمَ بعدَه وصاحبُ الجُعْلِ كافرٌ. وقولُهم: إنَّ حَقَّ صاحِبِ الجعلِ سابقٌ. قُلْنا: إلّا أنَّ المَفْسَدَةَ في فَسْخِ الصُّلْحِ أعْظَمُ؛ لأنَّ ضَرَرَه يعُودُ على الجيشِ كلِّه، ورُبَّما عادَ على غيرِه من المسلمين في كوْنِ هذه القلعةِ يتعَذَّرُ فَتْحُها بعدَ ذلك، ويَبْقَى ضَررُها على المسلمين، ولا يجوزُ تحمُّلُ هذه المضرَّةِ لدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عن واحدٍ، فإنَّ ضرَرَ صاحِبِ الجُعْلِ إنَّما هو في فَواتِ عَيْنِ الجُعْلِ، وتَفاوُتُ ما بينَ عَيْنِ الشىءِ وقِيمَتِه يسيرٌ، سِيَّما وهو في حَقِّ شخصٍ واحدٍ، ومُراعاةُ حقِّ المسلمين أجمعين بدفْعِ الضَّرَرِ الكثيرِ عنهم، أوْلَى من دفْعِ الضَّررِ اليَسِيرِ عن واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولهذا قُلْنا، في مَن وجدَ مالَه قَبْل قَسْمِه: فهو أحَقُّ به، فإنْ وجدَه بعدَ قَسْمِه (٣٦)، لم يأخذْهُ إلَّا بثَمنِه، لئلَّا يؤدِّى إلى الضَّررِ بنقْصِ القِيمةِ (٣٧)، أو حِرْمانِ مَن وقَعَ ذلك في سَهْمِه. فصل: قال أحمد: والنَّفَلُ من أربعةِ أخْماسِ الغنيمةِ. هذا قولُ أَنَسِ بن مالك، وفُقَهاءِ الشام؛ منهم رجاءُ بن حَيْوَة، وعُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، وعَدِىُّ بنُ عَدِىٍّ (٣٨)، ومَكْحولٌ، والقاسِمُ بنُ عبد الرحمن، ويزيدُ بن أبي مالِك، ويحيى بن جابِر، والأوْزاعِىُّ. وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو عُبَيْد: والناسُ اليومَ على هذا. قال أحمد: وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكُ بن أنَسٍ، يقولان: لا نَفَلَ إلَّا من الخُمْسِ. فكيفَ خَفِى عليهِما هذا مع عِلْمِهما! وقال النَّخَعِىُّ وطائِفَةٌ: إنْ شاءَ الإِمامُ نَفَّلَهم قبلَ (٣٩) الخُمْسِ، وإنْ شاءَ بعدَه. وقال أبو ثَوْرٍ: وإنَّما النَّفَلُ قبلَ الخُمْسِ. واحتجَّ مَنْ ذهَبَ إلى هذا بحدِيثِ ابن عمرَ الذي أوْرَدْناه. ولَنا، ما رَوَى مَعْنُ بنُ يَزيدَ السُّلَمِىُّ،

стр. 6749

قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ". روَاه أبو داودَ (٤٠)، وابنُ عبدِ البَرِّ. وهذا صريحٌ. وحديثُ حَبِيبِ بن مَسْلَمة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُنَفِّلُ الرُّبعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلثَ بعدَ الخُمْسِ. وحديثُ جَرِيرٍ حينَ قال له عمرُ: ولكَ الثُّلثُ بعْد الخُمْسِ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نفَّلَ الثُّلثَ، ولا يُتَصَوَّرُ إخْراجُه من الخُمْسِ. ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤١). يقْتَضِى أَنْ يكونَ الخُمْسُ خارِجًا من الغَنِيمَةِ كلِّها. وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فقد روَاه شُعَيْبٌ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: بعَثَنا رسولُ اللَّه ﷺ في جيشٍ قِبَلَ نَجْد، وابْتَعَثْتُ (٤٢) سَرِيَّةً من الجيشِ، فكان سُهْمانُ الجيشِ اثْنَى عَشَرَ بعيرًا، ونفَلُ أهلِ السَّرِيَّةِ بعيرًا بعيرًا، فكانَت سُهْمانُهم ثلاثةَ عَشَرَ بعيرًا. فهذا يُمْكِنُ أنْ يكونَ نَفَّلهم من أربعةِ أخْماسِ الغَنِيمةِ دونَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، كما تُنَفَّلُ السَّرايَا. ويَتعيَّنُ حَمْلُ الخَبَرِ على هذا؛ لأنَّه لو أعْطَى جميعَ الجيشِ، لم يكُنْ ذلك نَفَلًا، وكان قد قسَم لهم أكثرَ من أرْبَعةِ الأخْماسِ، وهو خلافُ الآيَةِ والأخْبارِ. فصل: وكلامُ أحمد في أنَّ النَّفَلَ من أربعةِ الأخْماسِ عامٌّ؛ لعمومِ الخَبَرِ فيه، ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على القِسْمَيْن الأوَّلَيْن من النَّفَلِ، فأمَّا القِسْمُ الثالِثُ، وهو أنْ يقولَ: مَنْ جاءَ بشيءٍ فلَهُ كذا، أو: مَنْ جاءَ بعشرةِ رُءوسٍ فله رأسٌ منها. فيَحْتَمِلُ أنْ يسْتَحِقَّ ذلك من الغنيمَةِ كلِّها؛ لأنَّه يُنَزَّلُ بمنزِلَةِ (٤٣) الجُعْلِ، فَأشْبَهَ السَّلَبَ، فإنَّه غيرُ مَخْموسٍ. ويَحْتَمِلُ في القسم الثاني، وهو زيادَةُ بعْضِ الغانمين على سَهْمِه لِغنَائِه، أنْ يكونَ من خُمْسِ الخُمْسِ المُعَدِّ للمَصالِحِ؛ لأنَّ عَطِيَّةَ هذا من المصالحِ. والمذهَبُ المنْصوصُ (٤٤)

стр. 6750

عليه الأوَّلُ؛ لأنَّ عَطِيَّةَ سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ سَهْمَ الفارسِ زيادةً على سَهْمِه، إنَّما كان (٤٥) من أرْبَعةِ الأخْماسِ. واللهُ أعلمُ. ١٦٣٨ - مسألة؛ قال: (ويَرُدُّ مَنْ نُفِّلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي السَّرِيَّةِ، إذْ بقُوَّتِهِمْ صَارَ إلَيْهِ) هذا في الصُّورةِ التي ذكرَها الْخِرَقِىُّ، وهى القسمُ الأوَّلُ من أقسامِ النَّفَلِ، وهو إذا بَعَثَ سَرِيَّةً، ونفَّلَها الثُّلثَ أو الرُّبعَ، فدفَعَ النَّفَلَ إلى بعضِهم، وخَصَّه به، أو جاءَ بعضُهم بشيءٍ فنفَّلَه، ولم يأْتِ بعضُهم بشيءٍ فلم يُنَفِّلْه، شارَك مَنْ نُفِّلَ مَن لم يُنَفَّل. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ هؤلاء إنَّما أخَذُوا بقُوَّةِ هؤلاء، ولأنَّهم اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ على وَجْهِ الإِشاعَةِ بينهم بالشَّرْطِ السَّابِق، فلم يخْتَصَّ به واحدٌ منهم، كالغَنِيمَةِ. فأمَّا في القِسْمَيْنِ الآخَرَيْن اللَّذَيْن لم يذكرْهما الْخِرَقِىُّ، مثل أنْ يخُصَّ بعضَ الجيشِ بنَفَلٍ لغَنائِه، أو لِجَعْلِهِ (١) له، كقَوْلِه: مَنْ جاءَ بعشرةِ رُءوسٍ فله رأسٌ. فجاءَ واحدٌ بعشرةٍ دونَ الجيشِ، فإنَّ مَنْ نُفِّلَ يَخْتَصُّ بنَفَلِه دونَ غيرِه؛ ولأنَّ (٢) النَّبِىَّ ﷺ لمَّا خَصَّ من قَتَلَ بسَلَبِ قَتِيلِه اخْتَصَّ به (٣)، ولمَّا خَصَّ سَلَمةَ بنَ الأكْوَعِ بسَهْمِ الفارِسِ والرَّاجلِ اخْتَصَّ به (٤). وكذلك اخْتصَّ بالمرأةِ التي نَفَّلَها إيَّاه أبو بكرٍ دونَ الناسِ (٥)، ولأنَّ هذا جُعِلَ تَحْريضًا على القِتالِ، وحثًّا على فِعْلِ ما يحتاجُ المسلمون إليه؛ ليَحْمِلَ فاعلُه كُلْفةَ فِعْلِه، رَغْبَةً فيما جُعِلَ له، فلو لم يخْتَصَّ به فاعِلُه، ما خاطَرَ أحدٌ بنفسِه في فِعْلِه، ولا حصَلتْ مصلحةُ النَّفَلِ، فوجَبَ أنْ يخْتَصَّ الفاعلُ لذلك بنَفَلِه (٦). كثَوابِ الآخِرَةِ.

стр. 6751

١٦٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَتَلَ مِنَّا أحَدًا مِنْهُمْ مُقْبِلًا على الْقِتَالِ، فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، قَالَ ذلِكَ الإِمَامُ أوْ لَمْ يَقُلْ) فى هذه المسألةِ فصولٌ سِتَّة: أحدُها: فى (١) أنَّ القاتلَ يسْتَحِقُّ السَّلَبَ فى الجملةِ، ولا نعلَمُ فيه خلافًا، والأصلُ فيه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ". روَاه جَماعةٌ (٢)، عن النَّبِىِّ ﷺ ؛ منهم أنَسٌ، وسَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ، وغيرُهما (٣)، ورَوَى أبو قتادَةَ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ عامَ حُنَيْنٍ (٤)، فلمَّا الْتَقَينا، رأيتُ رجُلًا من المشركِينَ قدْ عَلَا رجُلًا من المسلمين، فاسْتَدَرْتُ له حتى أتَيْتُه من وَرائِه، فضرَبْتُه بالسَّيفِ على حَبْلِ عاتِقِه ضَرْبةً، فأدْرَكه الموتُ، ثمَّ إنَّ الناسَ رجَعُوا، وقال (٥) رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْه بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ". قال: فقُمْتُ فقُلْتُ: مَنْ يشْهَدُ لى؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مالَكَ يَا أبَا قَتادَةَ؟ ". فاقْتَصَصْتُ عليه القصَّةَ، فقال رجلٌ من القومِ: صدقَ يا رسولَ اللَّه، سَلَبُ ذلك القتيلِ عندى، فأرْضِه منه، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: لاهَا (٦) اللهِ، إذًا يَعْمِدُ (٧) إلى أسَدٍ من أُسْدِ اللَّه تعالى، يُقاتل عن اللهِ وعن رسولِه، فيُعْطِيك سَلَبَه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "صَدَقَ، فَأسْلِمْهُ إلَيْهِ". قال: فأعْطانِيه. مُتَّفَقٌ عليه (٨)، وعن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ يومَ حُنَيْنٍ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ

стр. 6752

سَلَبُهُ". فقتلَ أبو طَلْحةَ يومَئِذ (٩) عشرين رجلًا، فأخذَ أسْلابَهم. روَاه أبو داوُدَ (١٠). الفصل الثانى: أنَّ السَّلَبَ لكلِّ قاتلٍ يسْتَحِقُّ السَّهْمَ أو الرَّضْخَ، كالعبدِ والمرأةِ والصبِىِّ والمُشْرِكِ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ العبدَ إذا بارَزَ بإذْنِ (١١) مَوْلاهُ فَقَتَلَ، لم يسْتَحِقَّ السَّلَبَ، ويُرْضَخُ له منه؛ وللشَّافِعِىّ فى من لا سهمَ له قَوْلان؛ أحدُهما، لا يسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّ السهمَ آكَدُ منه، للإجْماعِ عليه، فإذا لم يسْتَحِقَّه، فالسَّلَبُ أوْلَى. ولَنا، عمومُ الخبرِ، وأنَّه قاتِلٌ من أهلِ الغَنِيمةِ، فاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، كذِى (١٢) السهمِ، ولأنَّ الأميرَ لو جعلَ جُعْلًا لمن صَنَعَ شيئًا فيه نفْعٌ للمسلمين، لاسْتَحقَّه فاعِلُه مِن هؤلاء، فالذى جعَلَه النَّبِىُّ ﷺ أوْلَى. وفارق السهمَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على الْمَظِنَّة، ولهذا يُسْتَحَقُّ بالحضورِ، ويَسْتَوِى فيه الفاعلُ وغيرُه، والسَّلَبُ مُسْتَحَقٌّ بحقيقَةِ الفِعْل، وقد وُجِدَ منه ذلك، فاسْتَحَقَّه، كالمَجْعُولِ له جُعْلًا على فعلٍ إذا فَعَلَه. فإنْ كان القاتلُ مِمَّنْ لا يسْتَحِقُّ سهمًا ولا رَضْخًا، كالمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ والْمُعينِ على المسلمين، لم يسْتَحِقَّ السَّلَبَ وإن قَتَلَ؛ وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس منْ أهلِ الجهادِ. وإنْ بارزَ العبدُ بغيرِ إذْنِ مَوْلاه، لم يسْتَحِقَّ السَّلَبَ، لأنَّه عاصٍ. وكذلك كلُّ عاصٍ، مثل مَنْ دخلَ

стр. 6753

بغيرِ إذْنِ الأميرِ. وعن أحمد فى مَن دخَلَ بغيرِ إذْنِ الأميرِ (١٣)، أنَّه يُؤْخَذُ منه الخُمْسُ، وباقِيه له. جعَله كالغَنِيمةِ. ويُخَرَّجُ فى العبدِ المُبارِزِ بغير إذْنِ سَيِّدِه مثلُه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سَلَبُ قتيلِ العبدِ له (١٣) على كلِّ حالٍ، لأنَّ ما كان له فهو لسيِّدِه، ففى حِرْمانِه السَّلَبَ حِرْمانُ سيِّدِه، ولا مَعْصِيَةَ منه. الفصل الثالث: أنَّ السَّلَبَ للقاتلِ فى كلِّ حالٍ، إلَّا أنْ ينْهَزِمَ العَدُوُّ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مَسْروقٌ: إذا الْتَقَى الزَّحْفان، فلا سَلَبَ له، إنَّما النَّفَلُ قبلُ وبعدُ. ونحوُه قولُ نافِعٍ. وكذلك (١٤) قال الأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ ابنُ عبد العزيز، وأبو بكرِ بنُ أبى مريمَ: السَّلَبُ للقاتِلِ، ما لم تَمْتَدَّ الصُّفوفُ بعضُها إلى بعضٍ، فإذا كان كذلك، فلا سلَبَ لأحَدٍ. ولَنا، عُمومُ قولِه ﵇: "مَنْ قتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". ولأنَّ أبا قَتادةَ إنَّما قتلَ الذى أخذَ سَلَبَه فى حالِ الْتِقاءِ الزَّحْفَيْن، ألا تَراهُ يقولُ: فلما التقَيْنا رأيتُ رجلًا من المشركين قد عَلا رجُلًا من المسلمين. وكذلك قولُ أنَسٍ: فقتلَ أبو طَلْحَةَ يومَئِذ عشرين رجلًا، وأخذَ أسْلابَهم. وكان ذلك بعدَ الْتِقاءِ الزَّحْفَيْن، لأنَّ هَوازِنَ لَقُوا المُسلمين فَجْأةً، فألْحَمُوا الحربَ قبلَ أنْ تتقدَّمَها مُبارزَةٌ. ورَوَى سعيدٌ: حدَّثنا إِسماعيلُ بن عَيَّاش، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، عن عبد الرحمن بن جُبَيْرِ بن نُفَيْرٍ، عن أبيه، عن عَوْفٍ بن مالِكٍ، قال: غَزَوْنَا إلى طَرَفِ الشامِ، فأُمِّرَ علينا خالدُ بن الوَلِيد، فانْضَمَّ إلينا رجلٌ من أمْدادِ حِمْيَرَ، فقُضِىَ لنا أنَّا لَقِينا عَدُوَّنا، فقاتَلُونا قتالًا شديدًا، وفى القومِ رجلٌ من الرُّومِ، على فَرَسٍ له أشْقَرَ، وسَرْجٍ مُذْهبٍ، ومِنْطَقَةٍ مُلطَّخَةٍ، وسيفٍ مثل ذلك، فَجعلَ يَحْمِلُ على القومِ، ويُغْرِى (١٥) بهم، فلم يَزل الْمَدَدِىُّ يحْتالُ (١٦) لذلك الرُّومِىِّ حتى مَرَّ به، فاسْتَقْفاه، فضرَبَ عُرْقُوبَ فرسهِ

стр. 6754

بالسَّيْفِ، ثم وقَع، فأتْبَعَه ضَرْبًا بِالسيفِ حتى قَتَلَه، فلما فتَحَ اللَّه الفَتْحَ، أقبلَ بسَلَبِ القتيلِ، وقد شَهِدَ له الناسُ أنَّه قاتِلُه، فأعْطاه خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأمْسَكَ سائِرَه، فلمَّا قدِمَ المدينةَ اسْتَعْدَى رسولَ اللَّه ﷺ ، فدَعا خالدًا، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما مَنَعَكَ يا خَالِدُ أنْ تَدْفَعَ إلَى هذَا سَلَبَ قَتِيلِهِ؟ ". قال: اسْتَكْثَرْتُه له. قال: "فَادْفَعْهُ إليْهِ". وذكرَ الحديثَ. روَاه أبو داودَ (١٧). الفصل الرابع: أنَّه إنَّما يسْتَحِقُّ السَّلَبَ بشُروطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أنْ يكونَ المقتولُ من المُقاتِلَة الذين يجوزُ قَتْلُهم، فأمَّا إنْ قتلَ امرأةً، أو صَبِيًّا، أو شيخًا فانِيًا، أو ضعيفًا مَهِينًا، ونحوَهم ممَّنْ لا يُقاتِل، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَه. لا نعلَمُ فيه خلافًا. وإن كان أحدُ هؤلاء يُقاتِلُ، اسْتَحَقَّ قاتِلُه سَلَبَه، لأنَّه يجوزُ قَتْلُه، ومَنْ قتلَ أسيرًا له أو لغيرِه، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لذلك. الثانى، أنْ يكونَ المقتولُ فيه مَنَعَةٌ (١٨)، غيرَ مُثْخَنٍ بالجراحِ، فإنْ كان مُثْخَنًا بالجراحِ، فليس لقاتِلِه شىءٌ من سَلَبِه. وبهذا قال مَكْحولٌ، وحَرِيزُ (١٩) ابنُ عثمانَ، والشافِعِىُّ؛ لأنّ مُعاذَ بن عمرِو بن الجَمُوح، أثبَتَ أبا جهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقضَى النَّبِىُّ ﷺ بسَلَبِه لِمُعاذٍ بن عمرِو بن الجَمُوحِ، ولم يُعْطِ ابنَ مسعودٍ شيئًا (٢٠). وإنْ قطَعَ يَدَىْ رجُلٍ ورِجْلَيْه، وقَتَلَه آخرُ، فالسلَبُ للقاطِعِ دونَ

стр. 6755

القاتِلِ؛ لأنَّ القاطعَ هو الذى كفَى المسلمين شَرَّه. وإنْ قطعَ يدَيْه أو رجلَيْهِ، وقتلَهُ الآخرُ (٢١) فالسَّلَبُ للقاطِعِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه عطَّلَه، فأشْبَه الذى قتلَه، والثانى، سَلَبُه فى الغَنِيمَةِ؛ لأنَّه إنْ كانت رِجْلاه سالِمَتَيْنِ، فإنَّه يعْدُو ويُكْثِرُ، وإن كانت يَداهُ سالِمَتَيْن، فإنَّه يُقاتِلُ بهما، فلم يَكْفِ القاطعُ شرَّه كلَّه، ولا يستحقُّ القاتلُ سَلَبَه؛ لأنَّه مُثْخَنٌ بالجراحِ. وإنْ قَطَعَ يدَه ورِجْلَه من خِلافٍ، فكذلك. وإنْ قطعَ إحْدَى يَدَيْه وإحْدَى رجْلَيْه، ثمّ قَتَلَه آخرُ، فسَلَبُه غَنِيمةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه للقاتِلِ؛ لأنَّه قاتِلٌ لمَنْ لم [يكْتَفِ المسلمون] (٢٢) شرَّه. وإنْ عانَقَ رجلٌ رجُلًا، فقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاتِلِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: هو للمُعانِقِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". ولأنَّه كفَى المسلمين شَرَّه، فَأشْبَهَ ما لو لم يُعانِقْه الآخَرُ. وكذلك لو كان الكافِرُ مُقْبِلًا على رجلٍ يقاتِلُه، فجاءَ آخرُ من ورائِه، فضرَبَه فقَتَلَه (٢٣)، فسَلَبُه لقاتِلِه، بدليلِ قَضِيَّةِ (٢٤) قتيلِ أبى قتادةَ. الثالث، أنْ يقتُلَه أو يُثْخِنَه بجِرَاحٍ تجعَلُه فى حُكْمِ المقتولِ. قال أحمد: لا يكونُ السَّلَبُ إلَّا لقاتلٍ (٢٥). وإنْ أسرَ رجلًا، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَهُ، سواءٌ قتلَه الإِمامُ أو لم يَقْتُلْه. وقال مَكْحولٌ: لا يكونُ السَّلَبُ إلَّا لِمَنْ أسَرَ عِلْجًا أو قتلَه. وقال القاضى: إذا أسرَ رجُلا، فقَتَلَه الإِمامُ صَبْرًا، فسَلَبُه لمَنْ أسَرَه؛ لأنَّ الأسْرَ أصْعَبُ من القتلِ، فإذا اسْتَحقَّ سَلَبَهُ بالقَتْلِ، كان تَنْبِيهًا على اسْتِحْقاقِه بالأَسْرِ. قال: وإن اسْتَبْقَاه الإِمامُ، كان له فداؤُه، أو رقبتُه وسَلَبُه، لأنَّه كفَى المسلمين شَرَّه. ولَنا، أنَّ المُسْلِمين أسَرُوا أسْرَى يومَ بدْرٍ، فقَتلَ النَّبِىُّ ﷺ عُقْبَةَ والنَّضْرَ بن الحارِث، واسْتَبْقَى سائِرَهم (٢٦)، فلم يُعْطِ مَنْ أسَرَهم أسْلابَهم، ولا

стр. 6756

فِداءَهم، وكان فِداؤُهم غَنِيمةً. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جَعَلَ السَّلَبَ للقاتِلِ، وليس الآسِرُ بقاتلٍ، ولأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فى الأسْرَى، ولو كان لمن أسرَه، كان أمْرُه إليه دونَ الإِمام. الرابع، أنْ يُغَرِّرَ بنفسِه فى قَتْلِه، فأمَّا إنْ رماه بسَهْمٍ من صَفِّ المسلمين فقَتَلَه، فلا سَلَبَ له. قال أحمد: السَّلَبُ للقاتلِ، إنَّما هو فى المُبارَزَةِ، لا يكونُ فى الهَزِيمةِ. وإنْ حملَ جماعَةٌ من المسلمين على واحدٍ فقَتلُوهُ (٢٧)، فالسَّلَبُ فى الغنيمةِ؛ لأنَّهم لم يُغرِّروُا بأنْفُسِهم فى قَتْلِه. وإن اشْتَرَكَ فى قتْلِه اثنان، فظاهِرُ كلامِ أحمد أنَّ سَلَبَهُ غنيمةٌ، فإنَّه قال، فى روايَةِ حَرْبٍ: له السَّلَبُ إذا انْفَردَ بقَتْلِه. وحكَى أبو الخَطَّاب، عن القاضِى، أنَّهُما يشْترِكان فى سَلَبِه؛ لقولِه: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا يتناوَلُ الواحِدَ والجماعةَ، ولأنَّهما اشْتَرَكا فى السَّبَبِ، فاشتركا فى السَّلَبِ. ولَنا، أنَّ السَّلَبَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالتَّغْرِيرِ فى قَتْلِه، ولا يحْصُلُ ذلك بقَتْلِ الاثْنَيْن، فلم يُسْتَحَقَّ به السَّلَبُ، كما لو قَتَلَه جماعةٌ، ولم يبْلُغْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرَّكَ بين اثنين فى سَلَبٍ (٢٨). فإن اشْتَرَك اثنان فى ضَرْبِه، وكان أحدُهما أبلغَ فى قَتْلِه من الآخرِ، فالسَّلَبُ له؛ لأنَّ أبا جَهْلٍ ضَرَبَه مُعاذُ بنُ عمْرٍو بن الجَمُوحِ، ومعاذُ بن عَفْراءَ، وأتيا النَّبِىَّ ﷺ فأخْبَرَاه، فقال: "كِلَاكُما قَتَلَهُ". وقَضَى بسَلَبِه لمُعاذ بن عمرٍو بن الجَمُوحِ. وإن انهزَمَ الكُفَّارُ كلُّهم، فأدْرَكَ إنسانٌ مُنْهزِمًا منهم (٢٩)، فقتَلَه، فلا سَلَبَ له؛ لأنَّه لم يُغَرِّرْ فى قَتْلِه. وإنْ كانت الحَرْبُ قائمةً، فانْهزَمَ أحدُهم، فقتَلَه إنسانٌ، فسَلَبُه لقاتِلِه؛ لأنَّ الحرْبَ فَرٌّ وكَرٌّ، وقد قتلَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوعِ طَلِيعةً للكُفَّار وهو مُنْهَزِمٌ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَهُ؟ ". قالوا: سَلَمةُ بنُ الأكْوعِ. قال: "لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ" (٣٠). وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال

стр. 6757

أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِر: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديثِ سَلَمَةَ هذا. ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النَّبِىُّ ﷺ سَلَبهُ، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بن أبى (٣١) مُعَيْط والنَّضْرِ بن الحارِث صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهُما، وقتل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا (٣٢)، فلم يُعْطِ مَن قتلَهُم أسْلابَهُم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَنْ قتلَ مُبارِزًا، أو كفَى المسلمينَ شرَّه، وغرَّر فى قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتلُه بنَفْسِه فى قَتْلِه، فلم يسْتَحِقَّ سَلَبَهُ كالأسيرِ. وأما الذى قَتَلَه سَلَمَةُ، فكان مُتحيِّزًا إلى فِئَةٍ. وكذلك مَنْ قُتِلَ حالَ قيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإنْ (٣٣) كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجعٌ إلى القتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القتالَ فرٌّ وكَرٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ فى اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أنْ تكونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأميرِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ قُضِىَ له بالسَّلَبِ فى عصرِ النَّبِىِّ ﷺ ، ليس فيهم مَنْ نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له فى المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمومَ الخبرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَنْ خَصَّه الدَّليلُ. الفصل الخامس: أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ. رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ بن أبى وَقَّاص. وبه قال الشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ جرير. وقال ابنُ عباس: يُخَمَّسُ (٣٤). وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحولٌ؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣٥). وقال إسحاقُ: إن اسْتَكْثَرَ الإمامُ السَّلَبَ خمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لما رَوَى ابنُ سِيرينَ، أنَّ الْبَراءَ بنَ مالِك بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرة بالبَحْرَيْن، فَطَعَنَه فَدقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوَارَيْهِ وسَلَبَه، فلمَّا صلّى عمرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ فى دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا

стр. 6758

نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإنَّ سلَبَ الْبَراءِ قد بَلَغ مالًا، وأنا خَامِسُه. فكان أوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فى الإسلامِ سَلَبَ الْبَراءِ. روَاه سَعِيدٌ فى "السُّنَنِ" (٣٦). وفيها أنَّ سلَبَ الْبَراءِ بلغَ ثلاثين ألفًا. ولَنا، ما رَوَى عَوْفُ بن مالِك، وخالِدُ بن الوليدِ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قضَى [فى السَّلَبِ] (٣٧) للقاتِلِ، ولم يُخمِّسِ السَّلَبَ. روَاه أبو داودَ (٣٨). وعُمومُ الأخبارِ التى ذكرْناها، وخبرُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه قال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. وقولُ الرَّاوِى: كان أوَّل سَلَبٍ خُمِّسَ فى الإِسلامِ. يَعْنِى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ صَدْرًا من خلافتِه، لم يُخَمِّسُوا سَلَبًا، واتِّباعُ ذلك أوْلَى. قال الجُوزَجانِىُّ: لا أظُنُّه يجوزُ لأحَدٍ فى شىءٍ سَبَق فيه من الرَّسول ﷺ شىءٌ إلَّا اتِّباعُه، ولاحُجَّةَ فى قولِ أحدٍ مع قولِ رسولِ اللَّه ﷺ . وما ذكرْناه يصلُحُ أنْ يُخَصَّصَ به عُمومُ الآيةِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ السَّلَبَ من أصلِ الغنيمَةِ. وقال مالِكٌ: يُحْتَسَبُ مِن (٣٩) خُمْسِ الخُمْسِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ مُطْلَقًا، ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه احْتَسبَ به من خُمْسٍ الخُمْسِ (٤٠)، ولأنَّه لو احْتَسَبَ به من خُمْسِ الخُمْسِ، احْتِيجَ إلى معرفةِ قِيمَتِه وقَدْرِه، ولم يُنْقَلْ ذلك، ولأنَّ سَبَبَه لا يفْتَقِرُ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فلم يكُنْ من خُمْسِ الخُمْسِ، كسَهْمِ الفارِسِ والرَّاجلِ. الفصل السادس: أنَّ القاتلَ يسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قال ذلك الإِمامُ أو لم يقُلْ. وبه قال الأوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يسْتِحقُّه إلَّا أنْ يشْترِطَه (٤١) الإِمامُ له. وقال مالِكٌ: لا يسْتَحِقُّه، إلَّا أنْ

стр. 6759

يقولَ الإِمامُ ذلك. ولم يَرَ أنْ يقولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحرْبِ، على ما تقدَّمَ من مذهَبِه فى النَّفَلِ، وجَعلُوا (٤٢) السَّلَبَ هاهُنا من جُمْلَةِ الأنْفالِ. وقد رُوِىَ عن أحمد مثلُ قولِهم، وهو اختيارُ أبى بكرٍ. واحتَجُّوا بما روَى عَوْفُ بن مالِك، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ، فقَتلَ عِلْجًا، فأخذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذكرَ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ" روَاه سعيدٌ، وأبو داوُدَ (٤٣). أنا (٤٤) اخْتَصَرْتُه. ورَويا بإسْنادِهما عن شَبْر بن عَلْقَمةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأَتَيْتُ به سعدًا، فخطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ من اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَلْناه إيَّاه (٤٥). ولو كان حقًّا له، لم يَحْتَجْ إلى [أنْ ينفِّلَه] (٤٦). ولأنَّ عمرَ أخذَ الخُمْسَ من سَلَبِ الْبَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم (٤٧) يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَفَعَ سَلَبَ أبى قتادَةَ إليه من غيرِ بيِّنَةٍ ولا يَمينٍ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا من قَضايَا رسولِ اللَّه ﷺ المَشْهُورَةِ، التى عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالِك احْتَجَّ كل خالِدٍ حين أخَذَ سلَبَ الْمَددَيِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتلِ؟ قال: بَلَى. وقول عمرَ: إنّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. يُدلُّ على أنَّ هذه قَضِيةٌ عامَّةٌ فى كلِّ غَزْوَةٍ، وحكمٌ مستَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ خالدًا أنْ لا يَرُدَّ على المَدَدِيِّ عُقوبةً، حين أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعهِ خالِدًا بين يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لكَ ما ذَكَرْتُ لك مِنْ أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ . وأمّا خبرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّه ﷺ ، وسَمَّاه نَفَلًا، لأنَّه فى الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه. وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرفَ له به، وصدَّقَه، فجرى مَجْرَى البَيِّنَةِ،

стр. 6760

ولأنَّ السَّلَبَ مَأخوذٌ من الغنيمةِ بغيرِ تَقْديرِ الإمامِ واجْتهادِه، فلم يفتقرْ إلى شَرْطِه، كالسَّهْمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ أحمدَ قال: لا يُعْجبُنِى أنْ يأخذَ السَّلَبَ إلَّا بإذْنِ الإمامِ. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ. وقال ابنُ المُنْذِر، والشافِعِىُّ: له أخْذُه بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّه اسْتحَقَّه بجَعْلِ النَّبِىِّ ﷺ له ذلك، ولَا يأْمَنُ إنْ أظْهَرَه عليه أنْ لا يُعْطاهُ. ووَجْهُ قولِ أحمدَ، أنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلم ينْفُذْ أمرُه فيه إلَّا بإذْنِ الإمامِ كأخْذِ (٤٨) سَهْمِه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هذا من أحمدَ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ، ليَخْرُجَ من الخلافِ، لا على سبيلِ الإِيجابِ. فعلى هذا، إنْ أخَذَه بغيرِ إذْنٍ، تَرَكَ الفَضِيلةَ، وله ما (٤٩) أخَذَه. ١٦٤٠ - مسألة؛ قال: (والدَّابَّةُ ومَا عَلَيْهَا مِنْ آلتِهَا مِنَ السَّلَبِ، إذَا قُتِلَ وَهُوَ عَلَيْهَا، وكَذلِكَ مَا عَلَيْهِ مِنَ السِّلاحِ والثِّيابِ وإنْ كثُرَ، فَإنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّلَبِ. وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ) وجُملَتُه أنَّ السَّلَبَ ما كان القتيلُ لابسًا له، من ثيابٍ، وعِمامةٍ، وقَلَنْسُوَةٍ، ومِنْطَقَةٍ، ودِرْعٍ، ومِغْفَرٍ، وبَيْضَةٍ، وتَاجٍ، وأسْوِرَةٍ، ورَأنٍ (١)، وخُفٍّ، بما فى ذلك مِن حِلْيَةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأنَّ المفْهومَ من السَّلَبِ اللِّباسُ، وكذلك السِّلاحُ؛ من السَّيْفِ، والرُّمْحِ، والسِّكِّينِ، واللَّتِّ (٢)، ونحْوِه، لأنَّه يسْتَعِينُ به فى قِتَالِه، فهو أوْلَى بالأخْذِ مِن اللِّباسِ، وكذلك الدَّابَّةُ؛ لأنَّه يسْتَعِينُ بها، فهى كالسِّلاحِ وأبْلَغُ منه، ولذلك اسْتَحقَّ بها زِيادَةَ السُّهْمان، بخلافِ السِّلاحِ. فأمَّا المالُ الذى معه فى كَمَراتِه وخَريطَتِه، فليس بسَلَبٍ؛ لأنَّه ليس من الملْبُوسِ، ولا مما يسْتَعِينُ به فى الحَرْبِ، وكذلك رَحْلُه وأثَاثُه، وما ليستْ يدُه عليه من مالِه ليس مِن سَلَبِه. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحولٌ، والشافِعِىُّ، إلَّا أنَّ الشافِعِىَّ قال: ما لا يَحْتاجُ إليه فى الحَرْبِ، كالتَّاجِ،
следующие страницы →