← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ؛ اليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَالقَدَمَيْنِ، وَالجَبْهَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وَرُوِىَ عن ابْنِ عمرَ رَفعه: "إنَّ اليَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وإذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا". رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُد، والنَّسَائِىُّ (١٢). وسُجودُ الوجهِ لا يَنْفِى سُجودَ ما عَداهُ، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ السُّجودِ، فإنَّا نقولُ كذلكَ في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، وعَلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى فإنَّ الجبهةَ هي الأصلُ، وهى مكْشُوفَةٌ عادَةً، بخلافِ غيرِها، فإِن أخَلَّ بالسُّجودِ بعُضْوٍ مِن هذهِ الأعْضاءِ، لم تَصِحَّ صلاتُه عندَ مَن أوْجَبَه، وإنْ عَجَزَ عن السُّجودِ على بعضِ هذهِ الأعضاءِ، سجدَ على بقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المريضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يمكِنُه؛ ولم يَجِبْ عليه أنْ يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأنَّ السُّجودَ هو الهُبوطُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِرَفْعِ المسجُودِ عليه، وإنْ سَقَطَ السجودُ عن (١٣) الجَبْهَةِ، لعارِضٍ مِن مرضٍ أو غَيْرِه، سقطَ عنه السُّجودُ على غيره؛ لأنَّه الأصْلُ

стр. 702

وغيرُه تَبَعٌ له، فإذا سقط الأصْلُ سقط التَّبَعُ، ولهذا قال أحْمَدُ في المريضِ يَرْفَعُ إلى جبهتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: إنَّه يُجْزِئُه. فصل: وفى الأنفِ روَايَتَانِ: إحداهُما، يَجِبُ السُّجودُ عليه. وهذا قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْر، وإسحاقَ، وأبى خَيْثَمَة، وابِن أبى شَيْبَةَ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ الجَبْهَةِ" - وأشَارَ بِيَدِهِ إلَى أنْفِهِ - "وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرَافِ القَدَمَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٤)، وإشارَتُه إلى أنفِهِ تَدُلُّ على أنَّه أرادَه، وفى لفظٍ رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ، الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ (١٤) ". ورَوَى عِكْرِمَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أنْفُهُ مِنَ الأَرضِ مَا تُصِيبُ الجَبْهَةُ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، والإِمامُ أحمدُ (١٥)، ورَوَاهُ أبو بكْرٍ (١٦) عبد العزيزِ، والدَّارَقُطْنِىُّ في الأَفْرَادِ مُتَّصِلًا (١٧)، عن عِكْرِمَة، عن ابنِ عبَاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، والصَّحِيحُ أنَّه مُرْسَلٌ. [قال أحمدُ: أخْشَى أن لا يكونَ ثَبَتَ هو مُرْسَلٌ] (١٨). والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجِبُ السُّجودُ عليه. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وطاوُس، وعِكْرِمَة، والحسنِ، وَابْنِ سِيرِين، والشَّافعىِّ، وأبِى ثوْرٍ، وصاحِبَىْ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ علَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ". ولم يَذْكُر الأنْفَ فيها، ورُوِىَ أنَّ جابرًا قال: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ سَجَدَ بأْعلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قُصَاصِ الشَّعْرِ (١٩). رَوَاه تَمَّامٌ (٢٠)، في "فَوَائِدِه"، وغيرُه، وإذا سَجَدَ بِأعلى

стр. 703

الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ. ورُوِىَ عن أبي حنيفة، أنَّه إنْ سَجَدَ على أنفِه دُونَ جَبْهَتِهِ، أجْزَأهُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلمُ أحَدًا سَبَقَهُ إلى هذا القولِ، ولعله ذهب إلى أَنَّ الجَبْهَةَ والأنفَ عُضْوٌ واحِدٌ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا ذَكَرَ الجَبْهَةَ أشارَ إلى أَنْفِه، والعُضْوُ الوَاحِدُ يُجْزِئُهُ السُّجودُ على بَعْضِه. وهذا قولٌ يُخَالِفُ الحديثَ الصحيحَ والإِحماعَ الذي قَبْلَه، فلا يَصِحُّ. فصل: ولا تَجِبُ مُبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِشىءٍ مِن هذه الأعضاءِ. قال القاضي: إذا سجد على كُورِ العِمَامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صحيحةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهذا مذهبُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. وممَّنْ رخَّصَ في السُّجودِ على الثَّوْبِ في الحَرِّ والبَرْدِ. عطاءٌ، وطَاوُس، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وَرَخَّصَ في السَّجودِ على كُورِ العِمَامَةِ الحسنُ، ومَكْحُولٌ، وعبدُ الرحمنِ بن يَزِيدَ. وسَجَدَ شُرَيْحٌ على بُرْنُسِهِ (٢١)، وقال أبو الخَطَّاب: لا يَجِبُ مُبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِشىءٍ مِن أعْضَاءِ السُّجُودِ إلَّا الجَبْهَةَ، فإنَّها على روايتَيْنِ. وقد رَوَى الأثرَمُ، قالَ: سألتُ أبا عبد الرحمَنِ عن السجودِ على كُورِ العِمامَةِ؟ فقال: لا يسجدُ على كُورِها، ولكن يَحْسُرُ العِمامَةَ. وهذا يَحْتَمِلُ المَنْعَ، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لِما رُوِىَ عن خَبَّابٍ، قال: شَكَوْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ في جِبَاهِنَا وأكُفِّنا. فلم يُشْكِنَا (٢٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣). ولأنَّه سجد على ما هو حَامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سجد على يدَيْه. ولنا، ما رَوَى أنَسٌ، قال: كُنَّا نُصَلِّى مع النَّبىِّ ﷺ ، فَيَضَعُ أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن

стр. 704

شِدَّةِ الحَرِّ في مكانِ السُّجودِ. رَوَاهُ البخارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٢٤). وعن ثابتِ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى في بَنِى عبدِ الأشْهَلِ، وعليهِ كسَاءٌ مُلْتَفٌّ بهِ يَضَعُ يَدْيهِ عليه، يَقِيهِ بَرْدَ الْحَصَى. وفِي رِوَايَةٍ: فَرأيْتُه واضِعًا يدَيْهِ على قَرْنِه إذا سجد. رواهُ ابن ماجَه (٢٥). ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه سجد على كُورِ العِمَامَةِ، وهو ضعيفٌ (٢٦) وقال الحسنُ: كانَ القومُ يسجُدونَ على العِمَامةِ والقَلَنْسُوَةِ، ويَدُه في كُمِّهِ. ولأنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجودِ، فجَازَ السجودُ على حائِلِه، كالقدَمَيْنِ. فأمَّا حديثُ خَبَّابٍ فالظَّاهرُ أنَّهم طَلَبُوا منهُ تأْخِيرَ الصَّلاةِ، أو تَسْقِيفَ المسجِدِ، أو نحوَ ذلك، ممَّا يُزِيلُ عنهم ضررَ الرَّمْضَاءِ في جِباهِهم وأكُفِّهم، أما الرُّخْصةُ في السُّجودِ على كُورِ العِمَامَةِ، فالظَّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما طَلَبَه الفُقراءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمَائِمُ، ولا أكْمامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بها الرَّمْضَاءَ، فكيف يَطْلُبُون منه الرُّخْصَةَ فيها؟ ولو احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يتَعَيَّنُ، فلمَ يُحْمَلُ عليه دون غيرِه؟ . ولذلِكَ لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ. قال أبو إسْحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشَّافعىِّ أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهما. قال: وقد قِيل فيه قولٌ آخَرُ، إنَّه يجبُ. وإنْ سجدَ على يدَيْهِ لم يَصِحَّ، روَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه سجد على عُضْوٍ مِن أعضاءِ السُّجودِ، فالسُّجودُ يُؤَدِّى إلى تَدَاخُلِ السُّجودِ، بِخِلَافِ مسألتِنَا. وقال القاضي في "الجامِعِ": لم أجدْ عن أحمدَ نصًّا فِي هذه المسألَةِ، ويجبُ أنْ تكونَ مَبْنِيَّةً على السُّجودِ على غيرِ الجَبْهَةِ. هل هو واجبٌ؟ على روايَتَينِ؛ إنْ قُلْنَا: لا

стр. 705

يجبُ. جازَ، كما لو سجَد على العِمَامةِ. وإن قُلْنا: يَجِبُ، لم يَجُزْ؛ لئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجودِ بعضُه في بعضٍ. والمُسْتَحَبُّ مَبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِالجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ لِيَخْرُجَ مِنَ الخِلَافِ، ويأخذَ بِالعَزِيمَةِ. قالَ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى إلَّا في الحَرِّ والبَرْدِ. وكذلك قال إسحاقُ، وكان ابْنُ عمرَ يَكْرَهُ السُّجودَ على كُورِ العمامةِ، وكانَ عُبادةُ (٢٧) بنُ الصامتِ يَحْسِرُ عمامتَهُ إذا قَامَ إلى الصلاةِ، وقال النَّخَعِىُّ: أسْجُدُ على جَبِينِى أحَبُّ إلىَّ. ١٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ (١) في سُجُودِهِ مُعْتَدِلًا) قالَ التِّرمِذِىُّ (٢): أهلُ العِلْمِ يَخْتَارُونَ الاعْتِدَالَ في السُّجودِ، وَرُوِىَ عن جابرٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ". وقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أنَسٍ عن النبيِّ ﷺ (٣) أنه قالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ وَلَا يَسْجُدْ أَحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ" (٤). وهذا هو الافْتِرَاشُ المَنْهِىُّ عنه في الحديثِ، وهو أنْ يضعَ ذِراعيه

стр. 706

على الأرْضِ، كما تَفْعَلُ السِّبَاعُ، وقد كَرِهَهُ أهلُ العِلْمِ، وفي حديثِ أبى حُمَيْدٍ: وإذَا سَجَدَ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولا قَابِضِهِمَا (٥). ١٦٣ - مسألة؛ قال: (وَيُجَافِى عَضَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، ويَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ مِن السُّنَّةِ أنْ يُجَافِىَ عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْه، وبَطْنَه عن فَخِذَيْه إذا سجدَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعلُ ذلك في سُجوده. قال أبو عبد اللَّه، في "رسالتِه" (١): جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان إذا سجدَ لو مَرَّتْ بَهِيمَةٌ [تحت ذِرَاعَيْه] (٢) لَنَفَدَتْ، وذلكَ لشِدَّةِ مُبَالَغَتِه في رَفْعِ مَرْفِقَيْه وعَضُدَيْه. ورَوَاهُ أيضًا أبو داوُد في حديثِ أبِى حُمَيْد (٣)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سجدَ جافَى عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، وَلأبي داوُد (٤): ثم سجد فأمْكَنَ أَنْفَه وجَبْهَتَه، ونحَّى يدَيْه عن جَنْبَيْه، ووضعَ يدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه. وقال أبو إسحاقَ السَّبِيعِىُّ (٥): وصَفَ لنا البَراءُ السُّجودَ، فوَضَعَ يدَيْه بالأرْضِ، ورَفَعَ عَجِيزَتَه، وقال: هكذا رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يَفْعَلُ. وقال: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا سجدَ جَخَّ (٦). والجَخُّ: الخَاوِى. رواهما أبو داوُد والنَّسائِىُّ (٧).

стр. 707

ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ على أطْرافِ أصابِعِ رِجْلَيْه، أو يَثْنِيهما (٨) إلى القِبْلَةِ. وقال أحمدُ: ويَفْتَحُ أصابِعَ رِجْلَيْه، ليَكُونَ أصابِعُهما إلى القِبْلَةِ. ويسجدُ على صُدُورِ قدَميْه؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ" (٩). ذَكَرَ منها أَطْرَافَ القدمَيْنِ، وفِي لفظٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واسْتَقْبَلَ بأَطْرَافِ رِجْلَيْه القِبْلَةَ. مِن روايةِ البُخَارِىِّ (١٠). ومِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِىِّ (١١): وفَتَحَ أصابِعَ رِجْلَيْهِ. وهذا مَعْناه. ومن رِوَايَة أبي داوُد (١١): سجدَ، فانْتَصَبَ على كَفَيْه ورُكْبَتَيْهِ وصُدُورِ قدمَيْه، وهو ساجِدٌ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَضَعَ راحَتَيْه على الأرضِ، مَبْسُوطَتَيْنِ، مَضْمُومَتَى الأصابِعِ بعضِها إلى بعضٍ، مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ، ويضعُهما (١٢) حذْوَ مَنْكِبَيْه. ذَكَرَه القاضي، وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛ لقَوْلِ أبِى حُمَيْد: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ وضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (١٣). ورَوَى الأَثْرَمُ قالَ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ سَجَدَ وَيَدَاهُ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ. وَرُوِىَ ذلكَ عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ جُبيْر؛ لِما رَوَى وَائِلُ بنُ حُجْر، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سجدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، رَوَاهُ الأَثْرَمُ، وأبو داوُد (١٤)، ولَفْظُهُ: ثُمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ. والجَمِيعُ حسنٌ. فصل: والكمالُ في السُّجودِ على الأرْضِ أنْ يَضَعَ جميعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ وأصَابِعَه على الأرْضِ، ويَرْفَع مِرْفَقَيْهِ، فإِنِ اقْتَصَرَ على بَعضِ باطِنِهما، أجْزَأَه. قال

стр. 708

أحمدُ: إنْ وضع مِن اليدَيْنِ بِقَدْرِ الجَبْهَةِ، أجْزَأَهُ. وإنْ جَعَلَ ظُهُورَ كفَّيْهِ إلى الأرْضِ، وسجدَ عليهما، أو سجدَ على أطرافِ أصابِعِ يديه، فظَاهِرُ الخبَرِ أَنَّه يُجْزِئُهُ؛ لأنَّه أُمِرَ بالسُّجودِ على اليدَيْنِ، وقد سجدَ علهما. وهكذا (١٥) لو سجدَ على ظُهُورِ قدمَيْه، فإنَّه قد سَجَدَ على القَدَمَيْنِ، ولا يَخْلُو مِنْ إِصابةِ بعض أطرَافِ قدمَيْهِ الأرْضَ، فيكونُ ساجدًا على أطْرَافِ القدمَيْن (١٦)، ولكنَّهُ يكُونُ تارِكًا للْأَفْضَلِ الأحْسنِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ في ذلك. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُفَرِّقَ بين رُكْبَتَيْه ورِجْلَيْه؛ لِما رَوَى أبو حُمَيْد قالَ: وإذا سجدَ فَرَّجَ بين فَخِذَيْهِ غيرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ على شيءٍ مِن فخِذَيْه (١٧). فصل: وإذَ أَرَادَ السُّجودَ فسَقَطَ على وَجْهِهِ، فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ، [أجْزأَةُ ذلكَ وإنْ لم يَنْوِ. إلَّا أنْ يَقْطَعَ نِيَّةَ السُّجودِ، فلا يُجْزِئُه. وإن انْقَلَبَ على جَنْبِه، ثم انْقَلَبَ، فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ] (١٨)، لم يُجْزِهِ ذلك، إلَّا أنْ يَنْوِىَ السُّجودَ. والفَرْقُ بين المسألتينِ: أنَّه (١٩) ههُنا خرج عن سُنَنِ الصلاةِ وَهيآتِها، ثم كانَ انْقِلابُه الثَّانِى عائِدًا إلى الصَّلاةِ، فافْتَقَرَ إلى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ، وفى التي قَبْلَها هو على هَيْئةِ الصَّلاةِ وسُنَّتِها، فاكْتُفِىَ (٢٠) بِاسْتِدامةِ النِّيَّةِ. ١٦٤ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وإنْ قَالَ مَرَّةً، أَجْزَأَهُ) الحُكْمُ في هذا التَّسْبِيح كالحُكْمِ في تَسْبِيحِ الرُّكوعِ، على ما شَرَحْنَاه، والأصْلُ فيه حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، قال: لَمَّا نزلَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

стр. 709

قالَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ"، وحديثُ (١) ابْنِ مَسْعودٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى. ثَلَاثًا، وَذَلكَ أَدْنَاهُ". وعن حُذَيْفَةَ: أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ إذَا سَجَدَ قالَ: "سُبْحَانَ رَبِّىَ الأعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". رَوَاهُنَّ ابن ماجه، وأبو داوُد (٢)، ولم يَقُلْ "ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". والحُكْمُ في عَدَدِهِ وتَطْوِيلِ السُّجودِ على ما ذَكرْناه في الرُّكوعِ. فصل: وإنْ زادَ دُعَاءً مأثُورًا، أو ذِكْرًا - مِثل ما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قَالَتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يقولَ في رُكوعِه وسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى" يتأَوَّلُ القُرْآنَ (٣). مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن أبي سعيدٍ (٥). أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "يَا مُعَاذُ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى شُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (٦). وقال علِيٌّ ﵁:

стр. 710

أحَبُّ الكلامِ إلَى اللهِ أَنْ يقولَ العبدُ وهو ساجدٌ: رَبِّ إِنِّى ظلمتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى. رَواهُما سَعِيدٌ فِي "سُنَنِهِ". وعن أبِى هُرَيْرةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقولُ في سجودِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى كُلَّهُ، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وآخِرَهُ، وسِرَّهُ وعَلَانِيَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧) - فحسنٌ (٨)؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قاله. وقد قال: "وأمَّا السُّجُودُ فَأَكْثُروا فِيه مِنَ الدُّعَاءِ، فقَمِنٌ (٩) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". حديثٌ صحيحٌ (١٠). وقال القاضي: لا تُسْتَحَبُّ الزِّيادةُ على: "سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى" في الفَرْضِ، وفى التَّطَوُّعِ روَايَتَانِ؛ لأنَّه، لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ فيهِ سِوَى الأمْرُ بالتَّسْبِيحِ، وقد ذَكَرْنَا هذه الأخْبارَ الصحيحةَ، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أن تُتَّبَعَ، والأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ لا يَنْفِى الأمْرَ بِغيرِه، كما أنَّ أمْرَه بِالتَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ لم يَنْفِ كَوْنَ الدعاءِ مَشْرُوعًا، ولو سَاغَ كونُ الأمْرِ بالشَّىءِ نَافِيًا لغيرِه لكان الأمْرُ بالدُّعاءِ نَافِيًا للتَّسْبِيحِ؛ لصِحَّةِ الأمْرِ به، وفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ له فيه. ١٦٥ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) يَعْنِى إذا قَضَى سُجودَهُ رفَعَ رأسَه مُكَبِّرًا، وجلس، واعْتَدَلَ، ويكونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِه مع ابْتدَاءِ رَفْعِه، وانْتِهاؤُه مع انْتِهَائِه. وهذا الرَّفْعُ والاعتدالُ عنه واجبٌ. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس بواجبٍ، بل يَكْفِى عند أبي حنيفةَ أنْ يَرْفَعَ رأسَه مثلَ حَدِّ السَّيْفِ؛ لأنَّ هذه جَلْسةُ فَصْلٍ بين مُتَشَاكِلَيْنِ فلم تكنْ واجبَةً، كجَلسَةِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُسىءِ في صلاتِهِ: "ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا". مُتَّفَقٌ عليه (١)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَفْعَلُه، ولم يُنْقَلْ أنَّه أخَلَّ به، قالتْ عائشةُ: وكانَ - تَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ إذا رَفع

стр. 711

مِن السَّجْدةِ لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِىَ قاعدًا. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٢). ولأنَّه رَفْعٌ واجبٌ، فكان الاعْتدالُ عنه واجِبًا، كالرَّفعِ مِن السَّجْدةِ الأخيرةِ، ولا يُسَلَّم لهم أنَّ جَلْسةَ التَّشَهُّدِ غيرُ واجبةٍ. ١٦٦ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا جَلَسَ وَاعْتَدَلَ يَكُونُ جُلُوسُهُ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ رِجْلَهُ (١) اليُمْنَى) السُّنَّةُ أنْ يجلسَ بين السَّجْدتينِ مُفْتَرِشًا، وهو أنْ يَثْنِىَ رِجْلَه اليُسْرى، فيَبْسُطَها، ويجلس عليها، ويَنْصِبَ رِجْلَه اليُمْنَى ويُخْرِجَها مِن تحْتِه، ويَجْعَلَ بُطُونَ أصابِعِه على الأرْضِ مُعْتَمِدًا عليها؛ لتكونَ أطْرَافُ أصابِعِها إلى القِبْلَةِ. قال أبو حُمَيْدٍ، (٢) في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : ثم ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى، وقَعَدَ عليْها، ثم اعْتَدَلَ حتَّى رَجَعَ كلُّ عَظْمٍ في (٣) مَوضِعِه، ثم هَوَى ساجِدًا. وفى حديثِ النَّبِيِّ ﷺ الذي رَوَتْه عائشةُ: وكانَ يَفْرشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى. [رَوَاه مُسْلِمٌ] (٤). ويُسْتَحَبُّ أنْ يَفْتَحَ أصابِعَ رِجْلِهِ اليُمْنَى، فَيَسْتَقْبِلَ بها القِبْلَةَ، [ومَعْناه أنْ يَثْنِيَها نحوَ القِبْلَةِ] (٥). قال الأثرَمُ: تَفَقَّدْتُ أبا عبدِ اللهِ، فرأَيْتُه يفتحُ أصابِعَ رِجْلِهِ اليُمْنَى، فيَسْتَقْبِلُ بها القِبْلَةَ. ورَوَى بإِسنادِهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: كُنَّا نُعَلَّمُ إذا جلسنا في الصَّلاةِ، أنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنَّا قَدَمَهُ اليُسْرَى، ويَنْصِبَ قدمَهُ اليُمْنَى على صَدْرِ قدمِه، فإنْ كانتْ إِبْهَامُ أحدِنَا لِتَنْثَنِى فَيُدْخِلُ يدهُ حتى يَعْدِلَها. وعن ابْنِ عمرَ، قال: مِنْ سُنَّةِ الصلاةِ أنْ يَنْصِبَ القدمَ اليُمْنَى،

стр. 712

واسْتِقْبَالُهُ بِأصابِعِهَا القِبْلَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٦). وقال نَافِعٌ: كانَ ابْنُ عمرَ إذا صَلَّى اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بكلِّ شىْءٍ، حتَّى بِنَعْلَيْهِ. رَوَاهُ الأثْرَمُ. فصل: ويُكْرَهُ الإِقْعَاءُ، وهو أنْ يَفْرِشَ قدمَيْه، ويَجْلِسَ على عَقِبَيْه. بهذا وصَفَهُ أحمدُ، قال أبو عُبَيْدٍ (٧): هذا قَوْلُ أهلِ الحديثِ، والإِقْعاءُ عند العربِ: جُلوسُ الرَّجُلِ على ألْيَتَيْهِ ناصِبًا فَخِذَيْه، مِثلَ إقْعاءِ الكَلْبِ والسَّبُعِ. ولا أعْلمُ أحدًا قالَ باسْتِحْبَابِ الإِقْعاءِ على هذه الصِّفَةِ، فأمَّا الأوَّلُ فكَرهَهُ علِيٌّ، وأبو هُرَيْرة، وقتادة، ومالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وعليهِ العَمَلُ عند أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ. وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وقالَ: لا تَقْتَدُوا بى، فإنِّى قد كَبِرْتُ. وقد نَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ أنَّه قال: لا أفْعَلُه، ولا أعِيبُ مَن فَعَلَه. وقالَ: العَبَادِلَةُ كانوا يَفْعلونَه. وقال طاوُس: رأيتُ العَبادِلَةَ يفعلونَه؛ ابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ، وابنَ الزُّبَيرِ. وعن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: مِن السنةِ أنْ تُمِسَّ ألْيتَيْكَ قدَميْكَ. وقال طاوُس: قُلْنا لابْنِ عبَّاسٍ في الإِقْعاءِ على القدَمَيْنِ في السُّجودِ؟ فقال: هي السُّنَّةُ. قال: قُلْنا إنَّا لَنَراه جفَاءً بالرَّجُلِ! فقال: هي سُنَّةُ نَبِيِّكَ. رَوَاهُ مسْلمٌ وأبو داوُد (٨). ولَنا، ما رَوَى الحارثُ عن عليٍّ قال. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ". وعن أَنَسٍ، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ منَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَما يُقْعِى الكَلْبُ". رَوَاهُمَا ابن ماجَه (٩). وفى صِفَةِ جُلوسِ رسولِ اللهِ ﷺ في حديثِ أبي حُمَيْدٍ (١٠): ثم ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى، وقعدَ عليها. وفي حَديثِ

стр. 713

عائشةَ (١١): أنّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يفتَرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَنْهَى عَن عُقْبَةِ الشَّيْطانِ (١٢). وهذهِ الأحاديثُ أكْثَرُ وَأصَحُّ، فتكونُ أوْلَى. وأمَّا ابنُ عمرَ، فإنَّه كان يَفْعَلُ ذلك لكِبَرِه، ويقولُ: لا تَقْتَدُوا بى. ١٦٧ - مسألة؛ قالَ: (ويَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِى رَبِّ اغْفِرْ لِى) المُسْتَحَبُّ عند أبي عبدِ اللهِ أنْ يقولَ بين السجدتين: رَبِّ اغْفِرْ لي، رَبِّ اغفر لِى. يُكَرِّرُ ذلكَ مِرَارًا، والواجبُ منهُ مَرَّةٌ، وأدنَى الكمالِ ثَلَاثٌ، والكمالُ منهُ مثلُ الكمالِ في تَسْبِيحِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، على ما مَضَى مِن اختلافِ الرِّوَايَتَيْنِ، واختلَافُ أهلِ العِلْمِ مثلُ ما ذَكَرْنَا في تَسْبيحِ الرُّكوعِ والسُّجودِ. والأصلُ في هذا ما رَوَى حُذَيْفَة، أنَّه صلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكان يقولُ بينَ السجدتين: "رَبِّ اغْفِرْ لِى، رَبِّ اغْفِرْ لِى". احْتَجَّ به أحمدُ، رَوَاهُ النسائِىُّ، وابن ماجه (١). ورُوِىَ عن ابْنِ عباسٍ أنَّه قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ بينَ السجدتينِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى، وَارْحَمْنِى، وَاهْدِنِى، وعَافِنِى؛ وَارْزُقْنى". رَوَاهُ أبو داوُد، وابن ماجه (٢)، إلَّا أنَّه قالَ: في صَلَاةِ اللَّيْلِ. وإنْ قالَ: رَبِّ اغفِرْ لنا. أو: اللَّهُمَّ اغفرْ لنا، مكانَ: رَبِّ اغفر لي. جازَ. ١٦٨ - مسألة؛ قَالَ: (ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَخِرُّ سَاجِدًا) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا فَرَغَ من الجَلْسَةِ بين السجدتينِ، سجدَ سجدةً أخرى على

стр. 714

صِفَةِ الأُولَى، سواءً. وهىَ واجِبَةٌ إجْمَاعًا. وكانَ النَّبِىُّ ﷺ يسجدُ سجدتينِ لم يَخْتَلِفْ (١) عنه في ذلك. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يكونَ شُرُوعُ المأمومِ في أفعالِ الصلاةِ؛ مِنْ الرَّفْعِ والوَضْعِ، بعدَ فَرَاغِ الإِمامِ مِنهُ، ويُكْرَهُ فِعْلُهُ معهُ في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. واسْتَحَبَّ مالكٌ أنْ تكونَ أفْعَالُه مع أفْعالَ الإِمامِ. ولَنا، ما رَوَى البَراءُ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لم نَزَلْ قِيَامًا حتَّى نَرَاهُ قد وضَعَ جَبْهَتَهُ في الأرضِ، ثُمَّ نَتْبَعُهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وللبخارِىِّ: لم يَحْنِ أحَدٌ مِنَّا ظهرَهُ حتَّى يَقَعَ رسولُ اللهِ ﷺ ساجِدًا، ثم نَقَعُ سُجودًا بعدهُ. وعن أبي موسى، قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لنا سُنَّتَنَا، وعَلَّمنَا صلاتنا فقالَ: "إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَليَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا" - إلَى قَوْلِه - "فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، فَإنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ". رَوَاهُ مسلمٌ (٣)، وفِي لفظٍ: "فَمَهْمَا أَسْبِقُكُمْ بهِ إذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِى بِهِ إذَا رَفَعْتُ" (٤). ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه

стр. 715

قالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا كَبَّر فَكَبِّرُوا، وإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وإذَا قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ. وإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّ وا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وقولُهُ: "فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا"، يقتضِى أنْ يكونَ رُكُوعُهُمْ بعدَ ركوعِهِ؛ لِأنَّه عَقَّبَهُ به (٦) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، فيكونُ بعدَهُ، كقولِكَ: جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو. أىْ جاء بَعْدَهُ. وإنْ وَافَقَ إمامَه في أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فرَكَعَ وسَجَدَ مَعَه، أسَاءَ، وصَحَّتْ صَلَاتُه. فصل: ولا يجوزُ أنْ يَسْبِقَ إمامَه، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَا تَسْبِقُونِى بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ؛ وَلَا بِالقِيَامِ، وَلَا بالانْصِرَافِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وعن (٨) أبِى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ". مُتَّفقٌ عليه (٩). ولمَا رَوَيْنَا مِن

стр. 716

الأخبار في ال فصْلِ الذي قبلَه، ولأنَّه تابِعٌ لهُ، فلا يَنْبَغِى أنْ يَسْبِقَه، كما في تَكْبِيرَةِ الإِحرامِ. فإنْ سَبَقَ إمامَه فعليهِ أنْ يَرفَعَ ليأْتِىَ بذلِكَ مُؤْتَمَّا بإِمامِه، وقد رُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: إذا رَفع أحدُكمْ رأسهُ، والإِمامُ ساجدٌ، فليَسْجُدْ، وإذا رفعَ الإِمامُ رَأْسَه (١٠) فليَمْكُثْ مَا رَفَعَ. فإنْ لم يَفْعَل حتَّى لَحِقَهُ الإِمامُ سهوًا أوْ جَهْلًا، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّ هذا سَبْقٌ يَسِيرٌ. وإنْ سَبَقَ إمامَهُ عَمْدًا عالمًا بتَحْرِيمِهِ، فقال أحمدُ في رسَالَتِهِ (١١): ليس لمَنْ سَبَقَ الإِمامَ صلاةٌ، لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَمَا يَخْشَى الَّذِى يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهَ رَأْسَ حِمَارٍ" (١٢). ولو كانتْ له صلاةٌ لرَجَا له الثَّوَابَ، ولم يَخْشَ عليه العِقَاب. وعن ابن مسعودٍ، أنه نَظَرَ إلى منْ سَبَقَ الإِمامَ، فقالَ: لا وحْدَكَ صَلَّيْتَ، وَلا بإمامِكَ اقْتَدَيْتَ، وعن ابنِ عمرَ نحوٌ من ذلك، قال: وأمَرَهُ بالإِعَادَةِ. ولأنَّه لم يَأْتِ بالرُّكْنِ مُؤْتَمًّا بإمامِه. فأشْبَهَ ما لو سَبَقَه بتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ أو السَّلامِ. وقالَ ابن حامدٍ: في ذلكَ وجْهانِ. قالَ القاضي: عندى أنَّه تَصِحُّ صلاتُهُ؛ لأنَّه اجتمعَ معه في الرُّكْنِ، فصَحَّتْ صلاتُهُ، كما لو رَكَعَ (١٣) معهُ ابْتِدَاءً. فصل: فإنْ رَكعَ ورفعَ قبلَ ركُوعِ إمامِه. فقال أبو الخَطَّاب: إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا فهل تَبْطُلُ صلاتُهُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ لِأنَّه سَبَقَهُ بِرُكْنٍ واحدٍ، فأشْبَهَ ما لو رَكَعَ قبلهُ حَسْبُ. وإنْ فَعَلَهُ سهوًا فَصَلَاتُهُ صحيحَةٌ. وهلْ يُعْتَدُّ بتلْكَ الرَّكْعَةِ؟ فيهِ رِوَايَتَانِ.

стр. 717

فأمَّا إنْ سَبَقَهُ بِركْعَتَيْنِ فرَكَعَ قبلَهُ، فلما أَرَادَ أنْ يَرْكَعَ رَفَعَ، فلما أَرَادَ أنْ يَرْفَعَ سجدَ عَمْدًا، بَطَلَتْ صلاتُهُ؛ لأنَّه لم يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ في أكْثرِ الركعةِ. وإنْ فَعَلَهُ سهوًا، لم تَبْطُلْ صلاتُهُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. ولم يُعْتَدّ بتلْكَ الركعةِ؛ لعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بإمامِه فيها. فصل: فإنْ سبقَ الإِمامُ المأمومَ بِرُكْنٍ كامِلٍ؛ مِثْل أنْ رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكُوعِ المأمومِ، لعُذْرٍ مِن نُعاسٍ أَوْ زِحَام أوْ عَجَلَةِ الإِمَامِ، فإِنَّه يَفْعَلُ ما سُبِقَ به، ويُدْرِك إمامَه، ولا شىءَ عليهِ. نَصَّ عليه أحمدُ. قالَ المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأَبى عبدِ اللهِ: الإِمَامُ إذا سجدَ، فرَفَعَ رأسَه قبلَ أنْ أسْجُدَ؟ قال: إنْ كانَتْ سَجْدةً واحدَةً فاتْبَعْهُ إذا رفعَ رأسَه. وهذا لا أعلمُ فيه خلافًا. وإنْ سَبَقَهُ برَكْعَةٍ كاملةٍ أو أَكْثَرَ، فإنَّه يَتْبَعُ إمامَهُ، ويقْضِى ما سَبَقَهُ الإِمامُ به. قال أحمدُ، في رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الإِمامِ حتى صلَّى ركعتينِ؟ قال: كأنَّهُ أدْرَكَ رَكْعتَيْنِ، فإذَا سلَّمَ الإِمامُ صلَّى ركعتينِ، وإنْ سَبَقَهُ بأكثرَ مِن رُكْنٍ، وأقلَّ مِن ركعةٍ، ثم زَالَ عُذْرُه، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه يَتْبَعُ إمامَهُ، ولا يعْتَدُّ بتلك الركعةِ؛ فإنَّه قال في رَجُلٍ ركعَ إمامُه وسجدَ وهو قائِمٌ لَا يَشْعُرُ، ولم يركعْ حتى سجدَ الإِمامُ، فقال: يسجُدُ معهُ، ويأْتِى بركعَةٍ مكانَها. وقالَ المَرُّوذِىُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ، الإِمامُ إذا سجدَ ورَفَعَ رأسهُ قبلَ أنْ أسجُدَ؟ قال: إن كانتْ سجدةً واحدةً فاتْبَعْهُ إذا رفَعَ رأسهُ، وإن كان سَجْدَتَانِ فلا يُعْتَدُّ بتلْكَ الركعةِ. وظاهِرُ هذا أنَّه متى سَبَقَهُ بركعتَيْنِ بَطَلَتْ تلكَ الرَّكْعَةُ. وإنْ سَبَقَهُ بِأقَلَّ مِن ذلكَ فَعَلَهُ وأَدْرَكَ إمامَه. وقال أصحابُنا، فيمَنْ زُحِمَ عن السُّجودِ يومَ الجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زوَالَ الزِّحامِ ثم يسجُدُ ويَتْبَعُ الإِمامَ، ما لم يَخَفْ فوَاتَ الرُّكُوعِ في الثانيةِ مع الإِمامِ. وهذا يَقْتَضِى أنَّه يَفْعَلُ ما فاتَه، وإنْ كان أكثرَ مِن رُكْنٍ واحِدٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَه بأصْحابِه في صلاةِ عُسْفانَ (١٤)، حينَ

стр. 718

أقامَهم خلفَه صَفَّيْنِ، فسَجَدَ بالصَّفِّ الأوَّلِ، والصَّفُّ الثَّانى قائمٌ، حتَّى قامَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الثانيةِ، فسجدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثم تَبِعَهُ (١٥). وكان ذلكَ جائِزًا للْعُذْرِ. فهذا مِثْلُه. وقال مالكٌ: إنْ أَدْرَكَهُم المَسْبُوقُ في أَوَّلِ سُجُودِهم سَجَدَ معهم، واعتدَّ بها. وإنْ عَلِمَ أنَّه لا يَقْدِرُ على الرُّكُوعِ، وأَدْرَكَهُمْ في السُّجودِ حتَّى يسْتَوُوا قِيَامًا، فَلْيَتْبَعْهم فيما بَقِىَ مِن صلاتِهم، ثم يَقْضِى ركعةً، ثم يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. ونحوَه قال الأوزاعِىُّ، ولم يَجْعَلْ عليه سَجْدَتَىِ السَّهْوِ. والأَوْلَى في هذا، واللهُ أعلمُ، ما كان على قِيَاسِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ في صلاةِ الخوفِ؛ فإِنَّ ما لا نَصَّ فيهِ يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشياءِ به مِن المَنْصُوصِ عليه. وإنْ فَعَلَ ذلكَ لِغيرِ عُذْرٍ بَطلَتْ صلاتُهُ؛ لأنَّه تَرَكَ الائْتِمَامَ بِإمَامِه عَمْدًا، واللهُ أعلمُ. ١٦٩ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، ويَقُومُ عَلىَ صُدُورِ قَدمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا قَضَى سجدتَهُ الثانِيةَ نَهَضَ للقِيامَ مُكَبِّرًا، والقيَامُ رُكْنٌ، والتَّكْبِيرُ واجبٌ، في (١) إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ: هل يَجْلِسُ للاسْتِرَاحَةِ؟ فَرُوِىَ عنهُ: لا يَجْلِسُ. وهو اخْتِيَارُ الْخِرَقِىِّ، ورُوِىَ ذلكَ عن عمرَ، وعلِيٍّ، وابْنِ مسعودٍ، وابْنِ عمرَ، وابْن عباسٍ، وبه يقولُ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أحمدُ: أكثرُ الأحادِيثِ على هذا. وَذُكِرَ عن عمرَ، وعليٍّ، وعبدِ اللهِ. وقال النُّعْمانُ بنُ أبي عيَّاشٍ (٢): أَدرَكْتُ غيرَ واحدٍ مِنْ أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَفْعَلُ ذلكَ. أىْ لا يَجْلِسُ. قال التِّرْمِذِىُّ: وعليهِ العَمَلُ عند أهلِ العِلْمِ. وقال أبو الزِّناد: تِلْكَ

стр. 719

السُّنَّةُ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ: أنه يَجْلِسُ. اخْتَارَهَا الخَلَّالُ. وهو أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ. قالَ الخَلَّالُ: رجَعَ أبو عبدِ اللهِ إلى هذا. يَعْنِى تَرَكَ قَوْلَه بِتَرْكِ الجُلُوس؛ لمَا رَوَى مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْلِسُ إذا رَفَعَ رأسهُ مِن السجودِ قَبْلَ أنْ يَنْهَضَ. [رَواهُ البُخارِىّ] (٣). وذَكَرَهُ أَيضًا أبو حُمَيْدٍ في صفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٤)، وهو حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ، فَيَتَعَيَّنُ العَمَلُ به، والمصيرُ إليه. وقيل: إنْ كانَ المُصَلِّى ضَعِيفًا جلسَ للاسْتِرَاحَةِ؛ لحَاجَتِهِ إلى الجُلُوسِ، وإنْ كان قوِيًّا لم يَجْلِسْ؛ لغِنَاهُ عنه، وحُمِلَ جُلوسُ النَّبِيِّ ﷺ على أنَّه كان في آخرِ عُمْرِه، عند كِبَرِه وضَعْفِه، وهذا فيهِ جَمْعٌ بين الأخبارِ، وتَوَسُّطٌ بين القولَيْن. فإذَا قُلْنَا: يجلِسُ. فَيَحْتَمِلُ أنه يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا على صفةِ الجلوسِ بين السَّجْدتيْنِ، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لقَولِ أبي حُمَيْدٍ فِي صفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : ثُمَّ ثَنَى رِجْلَه، وقَعَدَ، واعْتَدَلَ حتى رَجَعَ (٥) كلُّ عُضْوٍ في مَوْضِعِهِ، ثم نَهَضَ. وهذا صَرِيحٌ في كَيْفِيَّةِ جِلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه. وقالَ الخَلَّالُ: رَوَى عن أحمدَ مَنْ لا أُحْصِيهِ كَثْرَةً، أنَّه يَجْلِسُ على أليَتَيْهِ. قال القاضي: يَجْلِسُ على قدمَيْهِ وَألْيَتَيْهِ، مُفْضِيًا بهما إلى الأرضِ؛ لأنَّه لو جَلَسَ مُفْتَرِشًا لم يَأْمَنِ السَّهْوَ، فَيَشُكُّ هل جَلَسَ عن السَّجْدةِ الأُولَى أو الثَّانِيةِ؟ وبهذا يأْمَنُ ذلك. وقال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يَلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بِالأرْضِ فِي جِلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، بَلْ يَجْلِسُ مُعَلَّقًا عن الأرْضِ. وعلى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ يَنْهَضُ إلى القيامِ على صُدُورِ قدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ على يديهِ. قال القاضي: لا يختَلِفُ قولُه، أنه لا يَعْتَمِدُ على الأرضِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يجلِسُ للاسْتِرَاحَةِ أو لَا يَجْلِسُ. وقال مالكٌ،

стр. 720

والشافعىُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَعْتَمِدَ على يدَيْهِ في النُّهُوضِ؛ لأنَّ مالكَ بنَ الحُوَيْرِثِ قال في صفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّهُ لَمَّا رَفَعَ رأسهُ من السجدَةِ الثَّانِيةِ اسْتَوَى قاعدًا، ثم اعْتَمَدَ على الأرْضِ. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٦). ولأنَّ ذلكَ أَعْوَنُ (٧) لِلْمُصَلِّى. ولَنا، ما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا سجدَ وضعَ رُكْبَتَيْهِ قبلَ يديهِ، وإذا نَهَضَ رَفَعَ يديهِ قبلَ رُكبتيهِ" رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٨)، والأثْرَمُ، وفى لفظٍ: وإذَا نَهَضَ نهَض على رُكْبَتَيْهِ، واعْتَمَدَ على فَخِذَيْهِ. وعن ابْنِ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ على يدَيْهِ إذا نَهَضَ في الصلاةِ. رَوَاهُمَا أبو داوُد (٩)، وقال علِيٌّ ﵁: إنَّ مِن السُّنَّةِ في الصلاةِ المكْتوبَةِ، إذا نَهَضَ الرَّجُلُ في الرَّكْعتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيدَيْهِ على الأرْضِ، إلَّا أَنْ يَكونَ شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ. رَوَاهُ الأثْرَمُ. وقالَ أحمدُ: بذلك جاءَ الأثَرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . وعن أَبِى هُرَيْرةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ في الصلاةِ يَنْهَضُ على صُدُورِ قَدَمَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١٠). وقال: يَرْوِيهِ خالدُ بنُ إلياسَ (١١). قالَ أحمدُ: تَرَكَ الناسُ حديثَهُ. ولأَنَّهُ أشقُّ فكَانَ أفضلَ، كَالتَّجَافِى والافتِرَاشِ. وحديثُ مالكٍ مَحْمُولٌ على أنَّه كانَ مِن النَّبِيِّ ﷺ لمَشَقَّةِ القِيَامِ عليهِ لِضَعْفِهِ وكِبَرِهِ، فإِنَّه قالَ

стр. 721

عليه السَّلَامُ: "إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ (١٢)، فَلَا تَسْبِقُونِى بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ" (١٣). ١٧٠ - مسألة؛ قال: (إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِك عَلَيْهِ، فَيَعْتَمِدَ بالأَرْضِ) يَعْنِى إذا شَقَّ عليهِ النُّهُوضِ على الصِّفَةِ التي ذكرْناها، فلا بَأْسَ باعْتِمَادِه على الأرْضِ بيَدَيْهِ، لا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَ في هذا، وقد دَلَّ عليه حديثُ مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، وقولُ عَلِىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه: إلَّا أنْ يكونَ شيخًا كبيرًا. ومَشَقَّةُ ذلكَ تكونُ لكِبَرٍ، أوْ ضَعْفٍ، أوْ مرَضٍ، أوْ سِمَنٍ، ونحوِه. فصل: يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مع ابْتِدَاءِ رفعِ رأسهِ مِن السجودِ، وانْتِهاؤُه عندَ اعْتِدَالِه قائمًا، ليكونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جميعَ الرُّكْنِ المَشْرُوعِ فيه، وعلى هذا بقيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ، إلَّا مَنْ جلَسَ جِلْسةَ الاسْتِرَاحَةِ، فإنَّهُ يَنْتَهِى تَكْبِيرُه عندَ انْتِهَاءِ جُلوسِهِ، ثم يَنْهَضُ للقِيَامِ بغيرِ تَكْبِيرٍ. وقالَ أبو الخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا. وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّه يُفْضِى إلى أنْ يُوَالِىَ بينَ تَكْبِيرَتَيْنِ في رُكْنٍ واحدٍ، لم يَرِد الشَّرْعُ بجَمْعِهِما فيه. ١٧١ - مسألة؛ قال: (ويَفْعَلُ في الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) يَعْنِى يَصْنَعُ في الركعةِ الثانيةِ مِن الصَّلاةِ مثلَ ما صَنَعَ في الرَّكعةِ الأولَى على ما وُصِفَ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وصَفَ الركعةَ الأُولَى لِلْمُسِىءِ في صلاتِه، ثُمَّ قال: "افْعَلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا (١) ". وهذا لا خلافَ فيه نَعْلَمُه، إلَّا أَنَّ الثَّانيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وتكبيرَةَ الإِحْرَامِ والاسْتِفْتَاحَ؛ لأنَّ ذلكَ يُرَادُ لافْتِتَاحِ الصلاةِ، وقد

стр. 722

رَوَى مُسْلِمٌ (٢) عن أبي هُرَيْرةَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا نَهَضَ مِن الرَّكْعةِ الثَّانيةِ اسْتَفْتَحَ القراءةَ بِالحَمْدِ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، ولم يَسْكُتْ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ يَسْتَفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ، ولا نَعْلَمُ في تَرْكِ هذه الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ خلافًا، فيما عدا الرَّكْعَةَ الأُولَى (٣). فأمَّا الاسْتِعَاذَةُ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ فيها في كُلِّ ركعةٍ، فعنه أنَّها تَخْتَصُّ الرَّكْعَةَ (٤) الأُولَى. وهو قَوْلُ عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ؛ لحديثِ أبِى هُرَيْرةَ هذا، ولِأنَّ الصَّلاةَ جُمْلَةٌ واحدةٌ. فالقراءَة فيها كُلِّها كالقراءَةِ الواحِدَةِ، ولذلك اعْتَبَرْنَا التَّرْتِيبَ في القراءَةِ في الركعتينِ، فأشْبَهَ ما لو سَجَدَ لِلتلاوةِ في أثْنَاءِ قراءتِه. فإذَا أتَى بالاسْتِعَاذَةِ في أولها كفى ذلكَ كالاسْتِفْتَاحِ. فعلَى هذهِ الروايَةِ، إذا تَرَكَ الاسْتِعَاذةَ في الأُولى لنِسْيَانٍ أو غيرِهِ، أتَى بها في الثَّانيةِ، والاسْتِفْتَاحُ بخلافِ ذلك. نصَّ عليه (٥)؛ لأَنَّ الاسْتِفْتَاحَ لافْتِتَاحِ الصلاةِ، فإذا فاتَ في أوَّلِها فاتَ مَحَلُّهُ. والاسْتِعَاذَةُ للْقِرَاءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحُها في الثَّانيةِ، وإنْ شَرَعَ في القراءةِ قبلَ الاسْتِعَاذَةِ، لم يأْتِ بها في تلكَ الركعةِ؛ لأنَّها سُنَّةٌ فاتَ مَحَلُّهَا. والرِّوَايَةُ الثَّانية، يَسْتَعِيذُ في كلِّ ركعةٍ. وهو قولُ ابْنِ سِيرِينَ، وَالشافعىِّ، لقولِهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٦). فَيَقْتَضِى ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعَاذَةِ عند تَكْرِيرِ القراءَةِ، ولأنَّها مَشْرُوعَةٌ للْقِرَاءَةِ، فَتُكَرَّرُ بتكَرُّرِهَا، كما لو كانتْ في صلاتَيْنِ. فصل: والمَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الإِمامَ فيما بعدَ الركعهِ الأُولَى لم يَسْتَفْتِحْ، وأمَّا

стр. 723

الاسْتِعَاذَةُ، فإنْ قُلْنَا: تَخْتَصُّ بالركعةِ الأُوْلَى. لم يَسْتَعِذْ؛ لأنَّ ما يُدْرِكُهُ المأمومُ مع الإِمامِ آخِرُ صلاتِهِ، فإذا قامَ للْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ واسْتَعَاذَ. نَصَّ عليه (٧) أحمدُ. وإنْ قُلْنَا: يَسْتَعِيذُ في كلِّ ركعَةٍ. اسْتَعَاذَ؛ لأنَّ الاسْتِعَاذَةَ في أوَّلِ قراءَةِ كلِّ ركعةٍ، فإذا أرادَ المَأْمُومُ القراءةَ اسْتَعَاذَ؛ لقولِ اللهِ تَعَالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ١٧٢ - مسألة؛ قال: (فإذَا جَلَسَ فِيهَا (١) لِلتَّشَهُّدِ يَكُونُ كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) وجُمْلَتُهُ أَنَّه إذا صَلَّى ركعتيْنِ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، وهذا الجُلُوسُ والتَّشَهُّدُ فيه مَشْرُوعَانِ بلا خلافٍ، وقد نَقَلَهُ الخَلَفُ عن السَّلَفِ، عن النَّبِيِّ ﷺ نَقْلا مُتَوَاتِرًا، والأُمَّةُ تَفْعَلُه في صلاتِها؛ فإِنْ كانتِ الصلاةُ مَغْرِبًا أَوْ رُباعِيَّةً، فهما واجِبَانِ فيها، على إحدى الرِّوايَتَيْنِ. وهو مذهبُ اللَّيْثِ، وإسحاقَ. والأُخْرَى: ليسا بوَاجِبَيْنِ. وهو قولُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنّهُمَا يَسْقُطَانِ بالسهوِ، فأَشْبَهَا السُّنَنَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَهُ، ودَاوَمَ على فِعْلِه، وأمَرَ به في حديثِ ابْنِ عباسٍ، فقالَ: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلّهِ (٢) ". وسجدَ للسَّهوِ حين نَسِيَهُ (٣). وقد قالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى (٤) ". وإنَّما سَقَطَ بالسَّهْوِ إلى بَدَلٍ، فأَشْبَهَ جُبْرَانَاتِ (٥) الحَجِّ تُجْبَرُ بالدَّمِ، بخلافِ السُّنَنِ، ولأنَّه أحَدُ التَّشَهُدَيْنِ، فكان واجبًا كالآخَرِ.

стр. 724

وصِفَةُ الجلوسِ لهذا التَّشَهُّدِ كصِفَةِ الجلوسِ بينَ السَّجْدَتَينِ؛ يكونُ مُفْتَرِشًا كما وصَفْنَا. وسواءٌ كانَ آخِرَ صلاتِهِ أو لم يكنْ. وبِهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وقال مالكٌ: يَكُونُ مُتَوَرِّكًا على كلِّ حالٍ؛ لِمَا رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْلِسُ في وسَطِ الصلاةِ [وفى آخِرِها] (٦) مُتَوَرِّكًا. وقالَ الشافعيُّ: إنْ كانَ مُتَوَسِّطًا كقولِنَا، وإنْ كانَ آخِرَ صلاتِهِ كقولِ مالكٍ. ولَنا، حديثُ أبى حُمَيْدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَلَسَ - يَعْنِى للتَّشَهُّدِ - فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وأَقْبَلَ بِصَدْرِ اليُمْنَى على قِبْلَتِهِ. وقال وائلُ بنُ حُجْرٍ: قُلْتُ، لأَنْظُرَنَّ إلَى صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ . فلَمَّا جلسَ - يَعْنِى لِلتَّشَهُّدِ - افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ووضعَ يدَهُ اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، ونَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى (٧). وهذان حديثَانِ صحيحَانِ حسنَانِ، يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بهما، وتَقْدِيمُهُما على حديثِ ابْنِ مسعودٍ؛ لصِحَّتِهِما وكَثْرَةِ رُوَاتِهِما، فإنَّ أبا حُمَيْدٍ ذَكَرَ حديثَه في عشرَةٍ مِن الصحابَةِ فَصَدَّقُوهُ، وهما مُتَأَخِّرَانِ عن ابْنِ مَسْعودٍ، وإنَّمَا يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد بَيَّنَ أبو حُمَيْدٍ في حديثهِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، فَتَكُونُ زِيادَة، والأخْذُ بالزِّيَادَةِ واجبٌ.

стр. 725

١٧٣ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَبْسُطُ كَفَّهُ اليُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى، ويَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويُحَلِّقُ الإبْهَامَ مَعَ الوُسْطَى؛ ويُشِيرُ بالسَّبَّاحةِ (١)) وجُمْلَتُهُ أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّى إذا جَلَسَ للتَّشَهُّدِ وَضْعُ اليدِ اليُسْرَى على فَخِذِ اليسرى، مَبْسُوطَةً مَضْمُومَةَ الأصابعِ، مُسْتَقْبِلًا بجَمِيعِ أطْرَافِ (٢) أصابِعِها القِبْلَةَ، ويَضَعُ يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، يَقْبِضُ منها الخِنْصَرَ والبِنْصَرَ، ويُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مع الوُسْطىَ، ويُشِيرُ بالسَّبَّاحة (١)، وهى الإِصْبَعُ التي تَلِى الإِبْهَامَ؛ لما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَضَعَ مَرْفِقَهُ الأَيْمَنَ على فَخِذِهِ اليُمْنَى، تم عَقَدَ مِنْ أصابِعِهِ الخِنْصَرَ والتى تَلِيَها، وحَلَّقَ حَلْقَةً بِإصْبَعِهِ الوُسْطىَ والإِبْهَامِ (٣)، ورَفَعَ السَّبَّابَةَ مُشِيرًا (٤) بها (٥). قال أبو الحسن الآمِدِىُّ، وقد رُوِىَ عن أبِى عبد اللهِ أنَّهُ يَجْمَعُ أصابعَه الثلاثَ، ويَعْقِدُ الإِبْهامَ كعَقْدِ الخَمْسِين؛ لمَا رَوَى ابْنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وضعَ يدَه اليُمْنَى على رُكْبَتِهِ اليُمْنَى، وعَقَدَ ثلاثًا وخَمْسِينَ، وأشارَ بالسَّبَّابة. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وقال الآمِدِيُّ: ورُوِىَ أنه يَبْسُطُ الخِنْصَرَ والبِنْصَرَ؛ ليَكُونَ مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ اقْتِدَاءً بالنَّبِىِّ ﷺ . ويُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا عند ذِكْر اللهِ تعالَى في تَشَهُّدِهِ؛ لما رَوَيْنَا، ولا يُحَرِّكُها؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بإصْبَعِهِ ولا يُحَرِّكُها. رَوَاهُ أبو داوُد (٧). وفى لفظٍ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا قعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى،

стр. 726

ويدَه اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، وأشارَ بإصْبَعِهِ (٨). ١٧٤ - مسألة؛ قال: (ويَتَشَهَّدُ، فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَهُوَ التَّشَهُّدُ الَّذِى عَلَّمَهُ النبيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ .) هذا التَّشَهُّدُ هو المُخْتَارُ عندَ إمامِنَا، ﵀، وعليه أكثرُ أهلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ومَنْ بَعْدَهُمْ مِن التَّابِعِينَ. قالَهُ التِّرْمِذِىُّ، وبهِ يقولُ الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وكَثِيرٌ مِنْ أهلِ المَشْرِقِ. وقالَ مالكٌ: أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنهُ: "التَّحِيَّاتُ للهِ، الزَّاكِيَاتُ للهِ، الصَّلَواتُ للهِ"، وسَائِرُه كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لأنَّ عمرَ قالَهُ على المِنْبَرِ بِمَحْضَرٍ مِن الصحابَةِ وغيرِهِم، فلمْ يُنْكِرُوهُ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وقالَ الشافعيُّ: أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ: ما رَوَى ابْنُ عباسٍ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنَا السورةَ مِن القُرْآنِ، فَيَقُولُ: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، إلَّا أنَّ في

стр. 727

رِوَايَةِ مسلِمٍ "وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ قال: عَلَّمَنِى رسولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ - كَفِّى بين كَفَّيْهِ - كمَا يُعَلِّمُنِى السُّورَةَ مِن القُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، والصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِىُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ". وفى لَفْظٍ: "إذَا قَعَدَ أحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". وفِيه: "فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالحٍ في السَّمَاءِ وَفِى الأرْضِ". وفيه: "فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: حديثُ ابْنِ مسعودٍ قد رُوِىَ مِن غيرِ وَجْهٍ، وهو أصَحُّ حديثٍ رُوِىَ عن النَّبىِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ، وقد رَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ معهُ ابْنُ عمرَ، وجابرٌ، وأبو موسَى، وعائشةُ. وعليهِ أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ، فَتَعَيَّنَ الأخْذُ به وتقديمُه. فأَمَّا حديثُ عمرَ فلم يَرْوِهِ عن النَّبِيِّ ﷺ ، إنَّما هو مِنْ قولِه، وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على خِلَافِه، فكيفَ يكونُ إجْمَاعًا؟ على أنَّهُ ليس الخلافُ في إجزائِه في الصَّلاةِ، إنَّما الخلافُ في الأوْلَى والأحْسَنِ، والأحْسنُ تَشَهُّدُ النَّبِيِّ

стр. 728

- ﷺ الذي عَلَّمَهُ أصحابَه وأخَذُوا به. وأمَّا حديثُ ابْنِ عبَّاسٍ فانْفَرَدَ به، واخْتَلَفَ (٣) عنه في بعضِ ألْفاظِهِ، ففى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أنَّه قال: "وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ". كَرِوَايَةِ ابْنِ مسعودٍ. ثم رِوَايةُ ابْنِ مسعودٍ أصَحُّ إسْنَادًا، وأكثَرُ رُوَاةً، وقد اتَّفَقَ على روَايَتِه جماعةٌ مِن الصحابَةِ فيكونُ أوْلَى، ثم هو مُتَضَمِّنٌ للزِّيَادَةِ، وفيه العَطْفُ بواو العَطْفِ، وهو أَشْهَرُ في كلامِ العربِ، وفيه السلامُ بالألفِ واللَّامِ، وهما للاسْتِغْرَاقِ. وقال عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ في الصَّلَاةِ، قالَ: وكنَّا نَتَحَفَّظُهُ عن عبدِ اللهِ كما نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ القُرْآنِ الواوَ والألفَ (٤). وهذا يَدُلُّ على ضَبْطِهِ، فكان أوْلَى. فصل: وبأىِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ ممَّا صَحَّ عن النَّبِىِّ ﷺ جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: تَشَهُّدُ عبدِ اللهِ أَعْجَبُ إلىَّ، وإنْ تَشَهَّدَ بغيرِهِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا علَّمَهُ الصحابةَ مُخْتَلِفا دَلَّ على جوازِ الجَمِيعِ، كالقِرَاآتِ المُخْتَلِفَةِ التي اشْتَمَلَ عليها المُصْحَفُ. قال القاضي: وهذا يَدُلُّ على أنَّه إذا أسْقَطَ لَفْظَةً هي ساقِطَةٌ في بعضِ التَّشَهُّدَاتِ المَرْوِيَّةِ صَحَّ تَشَهُّدُهُ، فعلى هذا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: أَقَلُّ مَا يُجْزِىءُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِىُّ ورَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ علينا وعلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ [وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا] (٥) عبدُهُ [ورسولُهُ، أَوْ أنَّ مُحَمَّدًا] (٦) [رَسُولُ اللهِ] (٧). وقد قال أحمدُ في رِوَايَةِ أبي دَاوُد: إذا قال: "وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ". ولم يَذْكُرْ "وأشْهَدُ" أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ. قال

стр. 729

ابْنُ حَامِدٍ: رأيْتُ بعضَ أصحابِنَا يقولُ: لو تَرَكَ واوًا أوْ حَرْفًا أعادَ الصَّلَاة؛ لقولِ الأسْوَدِ: فَكُنَّا نَتَحَفَّظُهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ كَمَا نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ القُرْآنِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْنَا، وقولُ الأسْودِ يَدُلُّ على أنَّ الأوْلَى والأحْسنَ الإِتْيَانُ بِلَفْظِهِ وحُرُوفِه، وهو الذي ذَكَرْنَا أنَّه المُخْتَارُ، وعلى (٨) أنَّ عبدَ اللهِ كان يُرَخِّصُ في إبْدَالِ لَفْظاتٍ من القُرْآنِ، فالتَّشَهُّدُ أوْلَى، فقد رُوِىَ عنه أنَّ إنْسَانًا كان يَقْرَأُ عليه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (٩). فَيَقُولُ: طَعَام اليَثِيمِ (١٠). فقالَ لهُ عبدُ اللهِ: قُلْ طَعَام الفَاجِرِ. فأما ما اجْتَمَعَتْ عليهِ التَّشَهُّدَاتُ كُلُّها فَيَتَعَيَّنُ الإِتْيَانُ به، وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على هذا التَّشَهُّدِ، ولا تَطْوِيلُه، وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. وعنِ الشَّعْبِىِّ أنه لم يَرَ بأسًا أن يُصَلِّىَ علَى النَّبِيِّ ﷺ فيه. وكذلك قال الشافعيُّ؛ وعن عمرَ، أنَّهُ كانَ إذا تَشَهَّدَ قالَ: بِسْمِ اللهِ خَيْرِ الأَسْمَاءِ. وعن ابْنِ عمرَ، أنَّه كانَ يُسَمِّى في أوَّلِهِ، وقالَ، زِدْتُ فِيهِ: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وأباحَ الدُّعاءَ فيه بما بَدَا لَهُ. وقال أيُّوبُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، وهشامٌ بِقَوْلِ عمرَ في التَّسْمِيَةِ، وقد رَوَى جابرٌ قال، كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنَا السورة مِن القُرْآنِ: "بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". وذَكَرَ التَّشَهُّدَ كتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ "أَسأَلُ اللهَ الجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ"، رَوَاهُ النَّسَائِىُّ وَابنُ ماجَه (١١). وقال مالكٌ: ذلكَ واسِعٌ. وسَمِعَ ابْنُ عباسٍ رَجُلًا يَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ". فانْتَهَرَهُ. وبهِ قالَ مالكٌ، وأهلُ المدينَةِ، وابنُ المُنْذِرِ، وَالشَّافعىُّ. وهو الصحيحُ؛ لِما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَجْلِسُ في الرَّكْعَتَيْنِ

стр. 730

الأُولَيَيْنِ، كأنه على الرَّضْفِ حتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ أبو داوُد (١٢). والرَّضْفُ: هي الحِجارةُ المُحْمَاةُ. يعنِى لما يُخَفِّفُه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يُطَوِّلْه، ولم يَزِدْ على التَّشَهُّدِ شيئًا. ورُوِىَ عن مَسْرُوقٍ، قال، كنا إذا جَلَسْنَا مع أبِى بكرٍ كأنَّه على الرَّضْفِ حتَّى يَقُومَ. رواهُ الإِمَامُ أحمدُ. وقالَ حَنْبَلٌ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ يُصَلِّى، فإذا جلسَ في الجَلْسَةِ بعدَ الرَّكْعَتَيْنِ أخَفَّ الجُلُوسَ، ثم يَقُومُ كأنَّه كان (١٣) على الرَّضْفِ، وإنَّمَا قَصَدَ الاقْتِدَاءَ بِالنَّبِىِّ ﷺ وصاحِبِهِ. ولأنَّ الصَّحِيحَ بن التَّشَهُّدَاتِ ليس فيهِ تَسْمِيَةٌ ولا شيءٌ مِنْ هذهِ الزِّيَادَاتِ، فيَقْتَصِرُ عليها، ولم تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ عند أصحابِ الحديثِ، ولا غيرُها مِمَّا وقعَ الخلافُ فيه، وإنْ فَعَلَه جازَ؛ لأِنَّه ذِكْرٌ. فصل: وإذا أدرَكَ بعضَ الصلاةِ مع الإِمامَ، فَجَلَسَ الإِمامُ في آخِرِ صَلَاتِهِ، لم يَزِد المأمومُ على التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، بلْ يُكَرِّرُه. نَصَّ عليهِ أحمدُ فيمَنْ أدْرَكَ مع الإِمَامِ ركعةً، قالَ: يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ، ولَا يُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ولَا يَدْعُو بشَىءٍ ممَّا يُدْعَى به في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ؛ لأنَّ ذلكَ إنَّمَا يكونُ في التَّشَهُّدِ الذي يُسَلِّمُ عَقبيَهُ، وليس هذا كذلك. ١٧٥ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ مِنَ السُّجُودِ) يَعْنِى إذا فَرَغَ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ نَهَضَ قائمًا على صَدْرِ قدمَيْهِ، مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْهِ، على ما ذَكَرْنَاهُ فى نُهُوضِهِ مِنَ السُّجودِ في الرَّكْعةِ الأُولَى، ولا يُقَدِّمُ إحْدَى رِجْلَيْه عندَ النُّهوضِ. كذلكَ قال ابْنُ عبَّاسٍ. وكَرِهَهُ إسحاقُ. ورُوِىَ عن

стр. 731

ابْنِ عباسٍ أنَّ ذلك يَقْطَعُ الصلاةَ. ورَخَّصَ فيهِ مُجَاهِدٌ، وإسحاقُ، للشَّيْخِ. ولَنا، أنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، وقد كَرِهَهُ ابْنُ عبَّاسٍ، ويُمْكِنُ للشَّيْخِ (١) أنْ يَعْتَمِدَ على يدَيْهِ، فَيسْتَغْنِىَ عنهُ، ولا تَبْطُلُ الصلاةُ به، لأنَّه ليس بعَمَلٍ كَثِيرٍ، ولا وُجد فيه ما يَقْتَضِى البُطْلَانَ. فَصْلٌ: ثم يُصَلِّى الثَّالِثَةَ والرابعةَ كالثَّانِيَةِ (٢)، إلَّا أنَّه: لا يَقْرَأُ فيهما شيئًا بعدَ الفاتحَةِ، ولا يَجْهَرُ فيهما في صلاةِ الجَهْرِ. وسيأْتِى بَيَانُ ذلك، إنْ شاء اللهُ تعالى. ١٧٦ - مسألة؛ قال: (فَإذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ تَوَرَّكَ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى، وجَعَلَ بَاطِنَ رِجْلِهِ اليُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الأَرْضِ) السُّنَّةُ عندَ إمامِنا، ﵀، التَّوَرُّكُ في التَّشَهُّدِ الثَّانِى. وإِليهِ ذَهَبَ مالكٌ، والشافعىُّ. وقالَ الثورِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يجلِسُ مُفْتَرِشًا كَجُلُوسِهِ في الأَوَّلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِن حديثِ وائِلِ بنِ حُجْرٍ، وأبي حُمَيْدٍ، في صِفَةِ جلوسِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَنا، قولُ أبى حُمَيْدٍ: حتى إذا كانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِى يَقْضِى فيها صلاتَهُ أخَّرَ رِجْلَهُ اليسرى، وجَلَسَ مُتَوَرِّكًا على شِقِّهِ الأيسرِ. وهذا بَيَانُ الفَرْقِ بين التَّشهُّدَيْنِ، وزِيَادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها والمَصِيرُ إليها، والذي احْتَجُّوا به في التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، لا نِزَاعَ بَيْنَنَا فيه، وأبو حُمَيْدٍ رَاوِى حديثهِمْ بيَّنَ في حديثِه أنَّ افْتِرَاشَهُ كان (١) فِي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وأنَّه تَوَرَّكَ في الثَّانِى، فيَجِبُ المَصِيرُ إلى قولِه وبَيَانِه. فأمَّا صِفَةُ التَّوَرُّكِ، فقالَ الْخِرَقِىُّ: يَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى، ويَجْعَلُ باطِنَ رِجْلِهِ اليُسْرَى تحتَ فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ على الأرضِ. وذكرَ القاضي مثلَ ذلك؛ لمَا رُوِىَ عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَعَدَ في الصلاةِ جعلَ

стр. 732

قدمهُ اليسرى تحتَ فَخِذِهِ وسَاقِهِ، وفَرَشَ قَدَمَهُ اليُمْنَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو داوُد (٢). وفى بعضِ أَلْفَاظِ حديثِ أبي حُمَيْدٍ، (٣) قال: جلسَ النَّبِىُّ ﷺ على أَلْيَتَيْهِ، وجعلَ بَطْنَ قَدَمِهِ عندَ مَأْبِضِ (٤) اليُمْنَى، ونصَبَ قدمَهُ (٥) اليُمْنَى. ورَوَى الأثرَمُ في صِفَتِهِ، قال: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ يَتَوَرَّكُ في الرَّابِعَةِ في التَّشَهُّدِ، فَيُدْخِلُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، يُخْرِجُهَا مِن تحتِ ساقِهِ الأَيْمَنِ، ولا يَقْعُدُ على شيءٍ مِنها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَفْتَحُ أصابِعَهُ، ويُنَحِّى عَجُزَهُ كَلَّه، ويَسْتَقْبِلُ بأصابِعه اليُمْنى القِبْلَةَ، ورُكْبَتُه اليُمْنَى على الأرضِ مُلْزَقَةٌ. وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشافعىِّ، وأنَّ أبا حُمَيْدٍ، قال في صِفَةِ صلاةِ النَّبِيِّ ﷺ : فإِذَا كانَ في الرَّابِعَةِ أفْضَى بِوَرِكِهِ اليُسْرَى إلى الأرْضِ، وأخرجَ قدَمَيْه (٦) مِنْ ناحِيَةٍ واحِدَةٍ. رَوَاهُ أبو داوُد (٧)، وأيُّهُما فعلَ فحسَنٌ. فصل: وهذا التَّشَهُّدُ والجُلُوسُ له مِنْ أرْكانِ الصلاةِ، ومِمَّنْ قالَ بوُجُوبِهِ عمرُ، وابنُه، وأبو مسعُودٍ البَدْرِىُّ (٨)، والحسنُ، وَالشَّافِعىُّ. ولم يُوجِبْهُ مالكٌ، ولا أبو حنيفةَ، إلَّا أنَّ أبا حنيفة أوْجَبَ الجلوسَ قدرَ التَّشَهُّدِ. وتَعَلَّقا بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُعَلِّمْهُ الأعرابِىَّ، فدَلَّ على أنَّهُ غيرُ واجبٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بهِ فقالَ: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". وأمْرُهُ يَقْتَضِى الوجوبَ، وفَعَلَهُ، وداوَمَ عليه، وقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: كنا نقولُ، قبلَ أنْ يُفْرَضَ علينا التَّشَهُّدُ، السلامُ على اللهِ

стр. 733

قبلَ عِبَادِهِ، السلامُ على جِبْرِيلَ، السلامُ عَلَى مِيكَائِيلَ. فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". إلَى آخِرِهِ (٩)، وهذا يَدُلُّ أنهُ فُرِضَ بعدَ أن لم يَكُنْ مَفْرُوضًا، وحدِيثُ الأعرابىِّ يَحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ أنْ يفرَض التَّشَهُّدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَ تَعْلِيمَه لأنَّه لم يَرَه أساءَ في تَرْكِه. ١٧٧ - مسألة؛ قَالَ: (وَلَا يُتَوَرَّكُ إلَّا في صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ في الأَخِيرِ مِنْهُمَا) وجُمْلَتُه أنَّ جميعَ جلساتِ الصلاةِ لَا يُتَوَرَّكُ فيها إلَّا في تَشَهُّدٍ ثَانٍ. وقال الشافعىَّ: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ في كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلَّمُ فيه، وإن لم يكنْ ثَانِيًا، كَتَشَهُّدِ الصُّبْحِ والجُمُعَةِ وصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُ، فَسُنَّ فيه التَّوَرُّكُ كالثَّانى. ولَنا، حديثُ وائِلِ بنِ حُجْرٍ (١)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ونَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى. ولم يُفَرِّقْ بين مَا يُسَلَّمُ فيهِ وما لا يُسَلَّمُ. وقالتْ عائشَةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وكانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى ويَنْصِبُ اليمنى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وهذانِ يقْضِيان على كُلِّ تَشَهُّدٍ بِالافْتِرَاشِ، إلَّا ما خرج منه بحديثِ (٣) أبِى حُمَيْدٍ في التَّشَهُّدِ الثاني، فيَبْقَى فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الأصْلِ، ولأنَّ هذا ليس بِتَشَهُّدٍ ثَانٍ، فلا يُتَوَرَّكُ فيه كالأوَّلِ، وهذا لأنَّ التَّشَهُّدَ الثانِى إنَّما تُوُرِّكَ فيهِ للْفَرْقِ بين التَّشَهُّدَيْنِ، وما ليس فيه إلا تَشهُّدٌ واحِدٌ لا اشْتِبَاهَ فيه، فلا حاجةَ إلى الفَرْقِ، وما ذَكَرُوه مِن المعنَى إنْ صَحَّ فَيُضَمُّ إليه هذا المَعْنَى الذي ذَكَرْنَاهُ، ونُعَلِّلُ الحُكْمَ بهما، والحُكْمُ إذا عُلِّلَ

стр. 734

بمَعْنَيَيْن (٤) لم يَجُزْ تَعَدِّيهِ لتَعَدِّى أحدِهما دُونَ الآخَرِ. واللهُ أعلمُ. فصل: قِيل لِأبي عبدِ اللهِ: فما تقولُ في تَشَهُّدِ (٥) سُجودِ السَّهْوِ؟ فقالَ: يُتَوَرَّكُ فيهِ أيضًا، هو مِن بقِيَّةِ الصَّلاةِ. يَعْنِى إذا كان مِن السُّجودِ في صلاةٍ رُبَاعِيَّةٍ؛ لأنَّ تَشَهُّدَها يُتَوَرَّكُ فيه، وهذا تابِعٌ له. وقال القاضي: يُتَوَرَّكُ في كلِّ تَشَهُّدٍ لسُجودِ السَّهْوِ بعدَ السلامِ، سواءٌ كانَتِ الصلاةُ رُبَاعِيَّةً أو ركعتَيْنِ؛ لأنَّه تَشَهُّدٌ ثانٍ في الصلاةِ، ويَحْتَاجُ إلى الفَرْقِ بينه وبين تَشَهُّدِ صُلْبِ الصلاةِ. وقال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَجِىءُ فَيُدْرِكُ مع الإِمامِ ركعةً، فَيَجْلِسُ الإِمامُ في الرابعةِ، أَيَتَوَرَّك معهُ الرَّجُلُ الذي جاءَ في هذه الجَلْسَةِ؟ فقال: إن شاءَ تَوَرَّكَ. قُلْتُ: فإذا قام يقْضِى، يجلِسُ في الرابِعَةِ هو، فَيَنْبَغِى له أَنْ يَتَوَرَّكَ؟ فقال: نعَمْ، يَتَوَرَّكُ، هذا لِأنَّها هي الرابِعةُ له، نعَمْ يَتَوَرَّكُ، ويُطِيلُ الجُلُوسَ في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ. قال القاضي: قولُه: إنْ شَاءَ تَوَرَّكَ. على سَبِيلِ الجَوَازِ؛ لأنَّه مَسْنُونٌ. وقد صَرَّحَ في رِوَايَةِ مُهَنَّا فيمَنْ أدرَكَ مِن صلاةِ الظهرِ رَكْعَتَيْنِ، لا يَتَوَرَّكَ إلَّا في الأخِيرَتَيْنِ. ويحتَمِلُ أنْ يكونَ هذان روَايَتَيْنِ. ١٧٨ - مسألة؛ قال: (ويَتَشَهَّدُ بِالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمِّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا جَلَسَ في آخِرِ صلاتِه، فإنَّه يَتَشَهَّدُ بالتَّشَهُّدِ الذي ذَكَرْنَاهُ، ثم يُصَلِّى على النَّبِيِّ ﷺ كما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، وهىَ واجبَةٌ في صحِيحِ المذهبِ، وهو قَوْلُ الشَّافعىِّ وإسْحاقَ. وعن أحمدَ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. قالَ المَرُّوذِىُّ: قِيل لأبي

стр. 735

عبدِ اللهِ. إنَّ ابْن رَاهُويَه يقولُ: لو أنَّ رَجُلًا تركَ الصلاةَ على النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ، بطَلَتْ صلاتُهُ. قال: ما أجْتَرِىءُ أنْ أقولَ هذا. وقال في موضِعٍ: هذا شُذُوذٌ. وهذَا يَدُلُّ على أنَّه لم يُوجِبها. وهذا قولُ مالكٍ، والثورِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وأكثرِ أهلِ العِلْمِ. قال ابْنُ المُنذِر: هو قولُ جُمُلِ (١) أهْلِ العِلْمِ إلَّا الشَّافعِىَّ. وكان إسحاقُ يقولُ: لَا يُجْزِئُهُ إذا تَرَكَ ذلك عامِدًا. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وبالقَوْلِ الأوَّلِ أقولُ؛ لأنَّنِى لا أَجِدُ الدَّلَالَةَ مَوْجُودَةً في إيجابِ الإِعَادَةِ عليه. واحْتَجُّوا بحديثِ ابْنِ مسعودٍ (٢): أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، ثم قال: "إذَا قُلْتَ هَذَا - أوْ قَضَيْتَ هَذَا - فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ". وفى لفظٍ: "وقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وإنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ". رَوَاهُ أبو داوُد (٣). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ". رَوَاهُ مسلمٌ (٤). أمَرَ (٥) بالاسْتِعَاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِن غيرِ فَصْلٍ. ولأنَّ الصحابَةَ كانوا يقولُونَ في التَّشَهُّدِ قولًا، فَنَقَلهم عنه النَّبِىُّ ﷺ إلى التَّشَهُّدِ وحده، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجِبُ غيرُه، ولأن الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بِإيجَابِه. وظَاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ ﵀ وُجُوبُه؛ فإنَّ أبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِىَّ (٦) نقَل عن أحمدَ، أنَّه قال: كُنْتُ أَتَهَيَّبُ ذلك، ثم تَبَيَّنْتُ، فإذا الصلاةُ واجبَةٌ. فَظَاهِرُ هذا أنَّه رَجَعَ عن قولِهِ الأوَّل إلى هذا؛ لما رَوَى كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ، قال: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَج علينا فَقُلْنَا:

стр. 736

يا رسولَ اللهِ قد عُلِّمْنَا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيفَ نُصَلِّى عليك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). ورَوَى الأثرَمُ عن فَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صلاتِهِ لم يُمَجِّدْ رَبَّهُ، ولم يُصَلِّ على النَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "عَجِلَ هَذَا". ثم دَعَاهُ النبيُّ ﷺ فقالَ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَمْجِيدِ (٨) رَبِّهِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النبيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ". (٩) ولأنَّ الصَلاةَ عِبَادَةٌ شُرِطَ فيها (١٠) ذِكْرُ اللهِ تعالَى بِالشَّهَادَةِ، فشُرِطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، كالأذانِ. فأمَّا حديثُ ابْنِ مسعودٍ، فقالَ الدَّارَقُطْنِىُّ: الزِّيادَةُ فيهِ مِنْ كلامِ ابْنِ مسعودٍ (١١). فصل: وصِفَةُ الصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ كما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، لِما ذكرْنا (١٢) مِن

стр. 737

حديثِ كَعْبِ بن عُجْرَة، وقد رَوَاهُ النَّسَائِىُّ كذلك، إلَّا أنَّهُ قالَ: "كَما صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ"، و"كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ". وفِي رِوَايَةٍ: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"، و"كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى رِوَايَةِ [أبي مسعود] (١٣): "كَمَا صَلَّيْتَ [عَلَى إبْرَاهِيمَ، ] (١٤) وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ [عَلَى إبْراهيمَ] (١٤)؛ في العَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٥). وعن أبِى حُمَيْدٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِه, كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ. كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". رَوَاهُ البخارِىُّ (١٦). والأَوْلَى أنْ يأتِىَ بِالصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ على الصِّفَةِ التي ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ. لأنَّ ذلكَ في (١٧) حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وهو أَصَحُّ حديثٍ رُوِىَ فيها. وعلى أيِّ صِفَةٍ أَتَى بالصلاةِ عليه مِمَّا وَرَدَ في الأَخْبَارِ، جَازَ، كقولِنَا في التَّشَهُّدِ، وظَاهِرُهُ أنَّه إذَا أخَلَّ بِلَفْظٍ سَاقِطٍ في بعضِ الأخبارِ، جازَ؛ لأنَّه لو كان واجبًا لما أَغْفَلَهُ النَّبِىُّ ﷺ . قال القاضي أبو يَعْلَى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّ الصلاةَ واجِبةٌ على النَّبِىِّ ﷺ حَسْبُ؛ لقولِهِ في خَبَرِ أبي زُرْعَة: الصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ أَمْرٌ، مَنْ تَرَكَهَا أعَادَ الصلاةَ، ولم يَذْكُر الصلاةَ على آلِه. وهذا مذهب الشافعىِّ. ولَهُمْ في وُجُوبِ الصّلاةِ على آلِه وَجْهَانِ. وقال بعضُ أصحابِنَا: تَجِبُ الصلاةُ على الوجهِ الذي في خَبَرِ كَعْبٍ؛ لأَنَّه أمَرَ بِه، والأَمْرُ يَقْتَضِى

стр. 738

الوجوبَ. والأَوَّلُ أوْلَى، والنَّبِىُّ ﷺ إنَّمَا أمَرَهُمْ بهذا حِينَ سَأَلُوهُ تَعْلِيمَهُم، ولم يَبْتَدِئْهم به. فصل: آلُ النَّبِيِّ ﷺ : أَتْبَاعُهُ على دينِه، كما قال اللَّه تعالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (١٨). يَعْنِى أتْبَاعَه مِن أهْلِ دينِه. وقد جاءَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ: مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فقالَ: "كُلُّ تَقِىٍّ". أخْرَجَهُ تَمَّامٌ في "فوائدِه" (١٩). وقِيلَ آلُهُ: أهلُهُ، الهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عن الهَمْزَةِ، كما يُقَالُ: أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُهُ. فلو قال: وعلى أهْلِ مُحَمَّدٍ، مكانَ آلِ مُحَمَّدٍ، أجزأَهُ عندَ القاضي، وقال: مَعْنَاهُمَا واحِدٌ، ولذلكَ لو صُغِّرَ، قِيل: أُهَيْلٌ: قال. ومَعْنَاهما جميعًا أهلُ دينِه. وقال ابْنُ حامدٍ، وأبو حَفْصٍ: لا يُجْزِىءُ؛ لِما فيهِ مِن مُخَالَفَةِ لفظِ الأثرِ، وتَغْيِيرِ المعنى، فإِنَّ الأهلَ إنَّمَا يُعَبَّرُ به عن القَرَابَةِ، والآلَ يُعَبَّرُ بهِ عن الأتْبَاعِ في الدِّينِ. فصل: وأمَّا تَفْسِيرُ التَّحِيَّاتِ، فرُوِىَ عن ابْنِ عباسٍ، قال (٢٠): التَّحِيَّةُ العظمةُ، والصَّلواتُ الصلواتُ الخَمْسِ، والطَّيِّبَاتُ الأعمالُ الصالحةُ. وقال أبو عمرٍو (٢١): التَّحِيَّاتُ المُلْكُ. وأنْشَدُوا (٢٢): وَلَكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّهْ وقالَ بعضُ أهلِ اللُّغَةِ: التَّحِيَّةُ البقاءُ. واسْتَشْهَدَ بهذَا البَيْتِ. وقال ابْنُ الأنْبارِىِّ (٢٣): التَّحِيَّاتُ السَّلَامُ، والصَّلَوَاتُ الرَّحْمَةُ، والطَّيِّبَاتُ من الكلامِ.

стр. 739

فصل: والسُّنَّةُ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكنْ يَجْهَرُ به، إذْ لو جَهَرَ بهِ لَنُقِلَ كما نُقِلَتِ القراءةُ. وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: مِنَ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ. رَوَاهُ أبو داوُد (٢٤). ولِأنَّهُ ذِكْرٌ غيرُ القراءَةِ لا ينْتَقِلُ به مِنْ رُكْنٍ إلى رُكْنٍ، فاسْتُحِبَّ إخْفاؤُه، كالتَّسْبِيحِ، ولا نعلَمُ في هذا خِلافًا. فصل: ولا يَجُوزُ لِمنْ قَدَرَ على العربِيَّةِ التَّشَهُّدُ والصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ بغَيْرِها؛ لِما ذَكَرْنا في التَّكْبِيرِ. فإنْ عجزَ عن العربيَّةِ تَشَهَّدَ بلِسَانِهِ، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ، ويجِىءُ على قَوْلِ القَاضى أنْ لا يَتَشَهَّدَ، وحُكْمُهُ حُكْمُ الأَخْرَسِ. ومَن قَدَرَ على تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ والصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ لزِمَهُ ذلك؛ لأنَّه منْ فُرُوضِ الأعْيانِ، فَلَزِمَهُ كالقراءَةِ. فإنْ صلَّى قبلَ تَعَلُّمِهِ مع إمْكَانِه، لم تَصِحَّ صلاتُه. وإنْ خافَ فَوَاتَ الوقتِ، أو عَجَزَ عن تَعَلُّمِهِ، أتَى بِمَا يُمْكِنُه منه، وأجْزَأَه؛ للضَّرُورَةِ. وإنْ لمْ يُحْسِنْ شيئًا بالكُلِّيَّةِ، سَقَطَ كُلُّه. فصل: وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ، وتَقْدِيمُهُ على الصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ ، فإنْ لم يَفْعَلْ، وأتَى به مُنَكَّسًا مِن غيرِ تَغْيِيرِ شيءٍ مِنْ مَعانِيه، ولا إخْلَالٍ بِشىءٍ مِن الواجبِ فيه، ففيه وَجْهَانِ: أحَدُهما يُجْزِئُه. ذكَرَهُ القاضي. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد حَصَلَ، فَصَحَّ كما لو رَتَّبَه. والثانى لا يصِحُّ؛ لأنَّه أَخَلَّ بالتَّرْتِيبِ في ذِكْرٍ وَرَدَ الشرعُ بهِ مُرَتَّبًا، فلم يَصِحَّ كالأذانِ. ١٧٩ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ أرْبَعٍ. فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، أعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، أَعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، أعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ .) وذلكَ لِما رَوَى أبَو هُرَيْرةَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدْعُو (١): "اللَّهُمَّ إنِّي

стр. 740

أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولمُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ أَرْبَعٍ". وذَكَرَه (٢). ١٨٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ دَعَا في تَشَهُّدِهِ بمَا ذُكِرَ في الأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ) وجُمْلَتُهُ أنَّ الدعاءَ في الصَّلاةِ بِما وَرَدَتْ بهِ الأَخبارُ جائِزٌ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّ هؤلاءِ يقولون: لا يَدْعُو في المكتوبةِ إلَّا بما في القرآنِ. فَنَفَضَ يدهُ كالمُغْضَبِ، وقال: مَنْ يَقِفُ على هذا، وقد تَوَاتَرَتِ الأحادِيثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بِخِلَافِ ما قالُوا! قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا جَلَسَ في الرَّابِعَةِ يَدْعُو بعدَ التَّشَهُّدِ بما شاء؟ قالَ: بِما شَاءَ لا أدْرِى، ولكنْ يَدْعُو بما يَعْرِفُ وبما جاءَ. فقُلْتُ: على حديثِ عمرِو بنِ سَعْدٍ، قالَ: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ، يقولُ: إذا جَلَسَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ، وذَكَرَ التَّشَهُّدَ، ثم لْيَقُلْ: "اللَّهُمَّ إنَّى أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ ومَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا
следующие страницы →