← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

فِداءَهم، وكان فِداؤُهم غَنِيمةً. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جَعَلَ السَّلَبَ للقاتِلِ، وليس الآسِرُ بقاتلٍ، ولأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فى الأسْرَى، ولو كان لمن أسرَه، كان أمْرُه إليه دونَ الإِمام. الرابع، أنْ يُغَرِّرَ بنفسِه فى قَتْلِه، فأمَّا إنْ رماه بسَهْمٍ من صَفِّ المسلمين فقَتَلَه، فلا سَلَبَ له. قال أحمد: السَّلَبُ للقاتلِ، إنَّما هو فى المُبارَزَةِ، لا يكونُ فى الهَزِيمةِ. وإنْ حملَ جماعَةٌ من المسلمين على واحدٍ فقَتلُوهُ (٢٧)، فالسَّلَبُ فى الغنيمةِ؛ لأنَّهم لم يُغرِّروُا بأنْفُسِهم فى قَتْلِه. وإن اشْتَرَكَ فى قتْلِه اثنان، فظاهِرُ كلامِ أحمد أنَّ سَلَبَهُ غنيمةٌ، فإنَّه قال، فى روايَةِ حَرْبٍ: له السَّلَبُ إذا انْفَردَ بقَتْلِه. وحكَى أبو الخَطَّاب، عن القاضِى، أنَّهُما يشْترِكان فى سَلَبِه؛ لقولِه: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا يتناوَلُ الواحِدَ والجماعةَ، ولأنَّهما اشْتَرَكا فى السَّبَبِ، فاشتركا فى السَّلَبِ. ولَنا، أنَّ السَّلَبَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالتَّغْرِيرِ فى قَتْلِه، ولا يحْصُلُ ذلك بقَتْلِ الاثْنَيْن، فلم يُسْتَحَقَّ به السَّلَبُ، كما لو قَتَلَه جماعةٌ، ولم يبْلُغْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرَّكَ بين اثنين فى سَلَبٍ (٢٨). فإن اشْتَرَك اثنان فى ضَرْبِه، وكان أحدُهما أبلغَ فى قَتْلِه من الآخرِ، فالسَّلَبُ له؛ لأنَّ أبا جَهْلٍ ضَرَبَه مُعاذُ بنُ عمْرٍو بن الجَمُوحِ، ومعاذُ بن عَفْراءَ، وأتيا النَّبِىَّ ﷺ فأخْبَرَاه، فقال: "كِلَاكُما قَتَلَهُ". وقَضَى بسَلَبِه لمُعاذ بن عمرٍو بن الجَمُوحِ. وإن انهزَمَ الكُفَّارُ كلُّهم، فأدْرَكَ إنسانٌ مُنْهزِمًا منهم (٢٩)، فقتَلَه، فلا سَلَبَ له؛ لأنَّه لم يُغَرِّرْ فى قَتْلِه. وإنْ كانت الحَرْبُ قائمةً، فانْهزَمَ أحدُهم، فقتَلَه إنسانٌ، فسَلَبُه لقاتِلِه؛ لأنَّ الحرْبَ فَرٌّ وكَرٌّ، وقد قتلَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوعِ طَلِيعةً للكُفَّار وهو مُنْهَزِمٌ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَهُ؟ ". قالوا: سَلَمةُ بنُ الأكْوعِ. قال: "لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ" (٣٠). وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال

стр. 6757

أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِر: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديثِ سَلَمَةَ هذا. ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النَّبِىُّ ﷺ سَلَبهُ، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بن أبى (٣١) مُعَيْط والنَّضْرِ بن الحارِث صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهُما، وقتل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا (٣٢)، فلم يُعْطِ مَن قتلَهُم أسْلابَهُم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَنْ قتلَ مُبارِزًا، أو كفَى المسلمينَ شرَّه، وغرَّر فى قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتلُه بنَفْسِه فى قَتْلِه، فلم يسْتَحِقَّ سَلَبَهُ كالأسيرِ. وأما الذى قَتَلَه سَلَمَةُ، فكان مُتحيِّزًا إلى فِئَةٍ. وكذلك مَنْ قُتِلَ حالَ قيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإنْ (٣٣) كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجعٌ إلى القتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القتالَ فرٌّ وكَرٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ فى اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أنْ تكونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأميرِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ قُضِىَ له بالسَّلَبِ فى عصرِ النَّبِىِّ ﷺ ، ليس فيهم مَنْ نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له فى المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمومَ الخبرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَنْ خَصَّه الدَّليلُ. الفصل الخامس: أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ. رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ بن أبى وَقَّاص. وبه قال الشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ جرير. وقال ابنُ عباس: يُخَمَّسُ (٣٤). وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحولٌ؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣٥). وقال إسحاقُ: إن اسْتَكْثَرَ الإمامُ السَّلَبَ خمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لما رَوَى ابنُ سِيرينَ، أنَّ الْبَراءَ بنَ مالِك بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرة بالبَحْرَيْن، فَطَعَنَه فَدقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوَارَيْهِ وسَلَبَه، فلمَّا صلّى عمرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ فى دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا

стр. 6758

نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإنَّ سلَبَ الْبَراءِ قد بَلَغ مالًا، وأنا خَامِسُه. فكان أوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فى الإسلامِ سَلَبَ الْبَراءِ. روَاه سَعِيدٌ فى "السُّنَنِ" (٣٦). وفيها أنَّ سلَبَ الْبَراءِ بلغَ ثلاثين ألفًا. ولَنا، ما رَوَى عَوْفُ بن مالِك، وخالِدُ بن الوليدِ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قضَى [فى السَّلَبِ] (٣٧) للقاتِلِ، ولم يُخمِّسِ السَّلَبَ. روَاه أبو داودَ (٣٨). وعُمومُ الأخبارِ التى ذكرْناها، وخبرُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه قال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. وقولُ الرَّاوِى: كان أوَّل سَلَبٍ خُمِّسَ فى الإِسلامِ. يَعْنِى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ صَدْرًا من خلافتِه، لم يُخَمِّسُوا سَلَبًا، واتِّباعُ ذلك أوْلَى. قال الجُوزَجانِىُّ: لا أظُنُّه يجوزُ لأحَدٍ فى شىءٍ سَبَق فيه من الرَّسول ﷺ شىءٌ إلَّا اتِّباعُه، ولاحُجَّةَ فى قولِ أحدٍ مع قولِ رسولِ اللَّه ﷺ . وما ذكرْناه يصلُحُ أنْ يُخَصَّصَ به عُمومُ الآيةِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ السَّلَبَ من أصلِ الغنيمَةِ. وقال مالِكٌ: يُحْتَسَبُ مِن (٣٩) خُمْسِ الخُمْسِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ مُطْلَقًا، ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه احْتَسبَ به من خُمْسٍ الخُمْسِ (٤٠)، ولأنَّه لو احْتَسَبَ به من خُمْسِ الخُمْسِ، احْتِيجَ إلى معرفةِ قِيمَتِه وقَدْرِه، ولم يُنْقَلْ ذلك، ولأنَّ سَبَبَه لا يفْتَقِرُ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فلم يكُنْ من خُمْسِ الخُمْسِ، كسَهْمِ الفارِسِ والرَّاجلِ. الفصل السادس: أنَّ القاتلَ يسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قال ذلك الإِمامُ أو لم يقُلْ. وبه قال الأوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يسْتِحقُّه إلَّا أنْ يشْترِطَه (٤١) الإِمامُ له. وقال مالِكٌ: لا يسْتَحِقُّه، إلَّا أنْ

стр. 6759

يقولَ الإِمامُ ذلك. ولم يَرَ أنْ يقولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحرْبِ، على ما تقدَّمَ من مذهَبِه فى النَّفَلِ، وجَعلُوا (٤٢) السَّلَبَ هاهُنا من جُمْلَةِ الأنْفالِ. وقد رُوِىَ عن أحمد مثلُ قولِهم، وهو اختيارُ أبى بكرٍ. واحتَجُّوا بما روَى عَوْفُ بن مالِك، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ، فقَتلَ عِلْجًا، فأخذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذكرَ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ" روَاه سعيدٌ، وأبو داوُدَ (٤٣). أنا (٤٤) اخْتَصَرْتُه. ورَويا بإسْنادِهما عن شَبْر بن عَلْقَمةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأَتَيْتُ به سعدًا، فخطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ من اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَلْناه إيَّاه (٤٥). ولو كان حقًّا له، لم يَحْتَجْ إلى [أنْ ينفِّلَه] (٤٦). ولأنَّ عمرَ أخذَ الخُمْسَ من سَلَبِ الْبَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم (٤٧) يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَفَعَ سَلَبَ أبى قتادَةَ إليه من غيرِ بيِّنَةٍ ولا يَمينٍ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا من قَضايَا رسولِ اللَّه ﷺ المَشْهُورَةِ، التى عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالِك احْتَجَّ كل خالِدٍ حين أخَذَ سلَبَ الْمَددَيِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتلِ؟ قال: بَلَى. وقول عمرَ: إنّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. يُدلُّ على أنَّ هذه قَضِيةٌ عامَّةٌ فى كلِّ غَزْوَةٍ، وحكمٌ مستَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ خالدًا أنْ لا يَرُدَّ على المَدَدِيِّ عُقوبةً، حين أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعهِ خالِدًا بين يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لكَ ما ذَكَرْتُ لك مِنْ أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ . وأمّا خبرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّه ﷺ ، وسَمَّاه نَفَلًا، لأنَّه فى الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه. وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرفَ له به، وصدَّقَه، فجرى مَجْرَى البَيِّنَةِ،

стр. 6760

ولأنَّ السَّلَبَ مَأخوذٌ من الغنيمةِ بغيرِ تَقْديرِ الإمامِ واجْتهادِه، فلم يفتقرْ إلى شَرْطِه، كالسَّهْمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ أحمدَ قال: لا يُعْجبُنِى أنْ يأخذَ السَّلَبَ إلَّا بإذْنِ الإمامِ. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ. وقال ابنُ المُنْذِر، والشافِعِىُّ: له أخْذُه بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّه اسْتحَقَّه بجَعْلِ النَّبِىِّ ﷺ له ذلك، ولَا يأْمَنُ إنْ أظْهَرَه عليه أنْ لا يُعْطاهُ. ووَجْهُ قولِ أحمدَ، أنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلم ينْفُذْ أمرُه فيه إلَّا بإذْنِ الإمامِ كأخْذِ (٤٨) سَهْمِه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هذا من أحمدَ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ، ليَخْرُجَ من الخلافِ، لا على سبيلِ الإِيجابِ. فعلى هذا، إنْ أخَذَه بغيرِ إذْنٍ، تَرَكَ الفَضِيلةَ، وله ما (٤٩) أخَذَه. ١٦٤٠ - مسألة؛ قال: (والدَّابَّةُ ومَا عَلَيْهَا مِنْ آلتِهَا مِنَ السَّلَبِ، إذَا قُتِلَ وَهُوَ عَلَيْهَا، وكَذلِكَ مَا عَلَيْهِ مِنَ السِّلاحِ والثِّيابِ وإنْ كثُرَ، فَإنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّلَبِ. وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ) وجُملَتُه أنَّ السَّلَبَ ما كان القتيلُ لابسًا له، من ثيابٍ، وعِمامةٍ، وقَلَنْسُوَةٍ، ومِنْطَقَةٍ، ودِرْعٍ، ومِغْفَرٍ، وبَيْضَةٍ، وتَاجٍ، وأسْوِرَةٍ، ورَأنٍ (١)، وخُفٍّ، بما فى ذلك مِن حِلْيَةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأنَّ المفْهومَ من السَّلَبِ اللِّباسُ، وكذلك السِّلاحُ؛ من السَّيْفِ، والرُّمْحِ، والسِّكِّينِ، واللَّتِّ (٢)، ونحْوِه، لأنَّه يسْتَعِينُ به فى قِتَالِه، فهو أوْلَى بالأخْذِ مِن اللِّباسِ، وكذلك الدَّابَّةُ؛ لأنَّه يسْتَعِينُ بها، فهى كالسِّلاحِ وأبْلَغُ منه، ولذلك اسْتَحقَّ بها زِيادَةَ السُّهْمان، بخلافِ السِّلاحِ. فأمَّا المالُ الذى معه فى كَمَراتِه وخَريطَتِه، فليس بسَلَبٍ؛ لأنَّه ليس من الملْبُوسِ، ولا مما يسْتَعِينُ به فى الحَرْبِ، وكذلك رَحْلُه وأثَاثُه، وما ليستْ يدُه عليه من مالِه ليس مِن سَلَبِه. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحولٌ، والشافِعِىُّ، إلَّا أنَّ الشافِعِىَّ قال: ما لا يَحْتاجُ إليه فى الحَرْبِ، كالتَّاجِ،

стр. 6761

والسِّوارِ، والطَّوْقِ، والهِمْيانِ الذى للنَّفَقَةِ، ليس من السَّلَبِ فى أحدِ القولَيْنِ؛ لأنَّه ممَّا لا يُسْتعانُ به فى الحربِ، فأشْبَهَ المالَ الذى فى خَرِيطَتِه. ولَنا، أنَّ فى حديثِ الْبَراءِ، أنَّه بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ، فقَتَلَه، فبلَغَ سِوَاراهُ (٣) ومِنْطَقَتُه ثلاثين ألْفًا، فخَمَّسَه عمرُ، ودفَعَه إليه (٤). وفى حديث عمرو بن مَعْدِ يكَرب، أنَّه حَمَلَ على أَسْوارٍ، فطَعَنَه، فدقَّ صُلْبَه فصَرَعَه، فنزلَ إليه فقَطَعَ يدَه، وأخَذَ سِوَارَين كانا عليه، ويَلْمَقًا (٥) من دِيبَاجٍ، وسَيْفًا، ومِنْطَقَةً، فسُلِّمَ ذلك له (٦). ولأنَّه مَلْبُوسٌ له، فأشْبَهَ ثِيَابَه، ولأنَّه داخِلٌ فى اسمِ السَّلَبِ، فأشْبَهَ الثِّيابَ والمِنْطَقَةَ، ويدْخُلُ فى عُمومِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "فَلَهُ سَلَبُهُ" (٧). واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى الدَّابَّةِ، فنُقِلَ عنه أنَّها ليستْ من السَّلَبِ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ السَّلَبَ ما كانَ على يَدَيْه، والدابَّةُ ليستْ كذلك، فلا يدْخُلُ فى الخبرِ. قال: وذكر أبو (٨) عبد اللَّه حديثَ عمرٍو بن مَعْدِ يكَرِب، فأخَذَ سِوَارَيْهِ، ومِنْطَقَتَه. يَعْنِى (٨) ولم يذْكُرْ فَرَسَه. ولَنا، ما رَوَى عوفُ بن مالِك، قال: "خَرَجْتُ مع زيدِ بن حارِثَةَ، فى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ورافَقَنِى مَدَدِيٌّ من أهل اليَمَنِ، فلَقِينَا جُموعَ الرُّومِ، وفيهم رجلٌ على فرَسٍ أشْقَرَ، عليه سَرْجٌ مُذْهَبٌ، وسلاحٌ مُذْهَبٌ، فجعلَ يُغْرِى بالمسلمين، وقعدَ له الْمَدَدِىُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فمرَّ به الرُّومِىُّ، فعَرْقَبَ فرَسَه، فَعَلاهُ فقَتَلَه، وحازَ فرسَه وسِلاحَه، فلما فَتَحَ اللهُ للمُسْلمين، بعَثَ إليه خالدُ بنُ الوليدِ، فأخَذَ من السَّلَبِ، قال عَوْفٌ: فأتيْتُه، فقلْتُ له (٩): يا خالدُ، أمَا علِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بَلَى. رواه الأثْرَمُ (١٠). وفى حديثِ شَبْرِ

стр. 6762

ابن عَلْقَمَةَ، أنَّه أخَذَ فرَسَه (١١). كذلك قال أحمدُ: هو فيه. ولأنَّ الفرَسَ يُسْتعانُ بها فى الحَرْبِ، فأشْبَهتِ السِّلاحَ، وما ذكَرُوه يبْطُلُ بالرُّمْحِ والقَوْسِ واللَّتِّ، فإنَّها من السَّلَبِ وليستْ (١٢) مَلْبُوسةً. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الدَّابَّةَ وما عليها؛ من سَرْجِها، ولِجَامِها، وتَجْفِيفِها (١٣)، وحِلْيَةٍ إنْ كانت عليها، وجميعِ آلَتِها من السَّلَبِ؛ لأَنَّه تابعٌ لها، ويُسْتَعانُ به فى الحَرْبِ، وإنَّما يكونُ من السَّلَبِ إذا كانَ راكبًا عليها، فإن كانتْ فى منزلِهِ، أو مع غيرِه، أو مُنْفَلِتَةً، لم يكُنْ من السَّلَبِ، كالسِّلاحِ الذى ليس معه. وإن كان راكبًا عليها، فصرَعَه عنها، أو أشْعَرَه عليها، ثم قتلَه بعد نُزولِه عنها، فهى من السَّلَبِ. وهكذا قولُ الأوْزَاعِىِّ. وإنْ كان مُمْسِكًا بعِنَانِها، غيرَ راكِبٍ عليها، فعَنْ أحمد فيها روايتان؛ إحْداهُما، هى (١٢) من السَّلَبِ. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه مُتَمَكِّنٌ من القِتالِ عليها، فأشْبَهتْ سَيْفَه أو رُمْحَه فى يدِه. والثانيةُ، ليست من السَّلَبِ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، واخْتيارُ الخَلَّالِ؛ لأنَّه ليس براكبٍ عليها، فأشْبَهَ ما لو كانتْ مع غُلامِه. وإنْ كان على فَرَسٍ، وفى يَدِه جَنِيبَةٌ، لم تكُنِ الجَنِيبةُ من السَّلَبِ، لأنَّه لا يُمْكِنُه رُكوبُهما معًا. فصل: ولا تُقْبَلُ دَعْوَى القتلِ إلَّا ببَيِّنَةٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُعْطَى السَّلَبَ إذا قال: أنا قَتَلْتُه. ولا يُسْأَلُ بَيِّنَةً؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَبِلَ قوْلَ أبى قتادَةَ (١٤). ولَنا، قولُ النَّبِىَّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٤) وأمَّا أبو قتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه أقرَّ له، فاكْتَفَى بإقْرارِه. قال أحمد: ولا يُقْبَلُ إلَّا شاهدان. وقالت طائِفَةٌ من أهلِ الحديثِ: يُقْبَلُ شاهدٌ ويَمينٌ؛ لأنَّها دعْوَى فى المالِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ شاهدٌ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قبِلَ قولَ الذى شهِدَ لأبى قتادَةَ من غيرِ يَمِينٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ

стр. 6763

النَّبِىَّ ﷺ اعْتَبَرَ البَيِّنَةَ، وإطْلاقُها ينْصَرفُ إلى شاهِدَيْن، ولأنَّها دَعْوَى للقَتْلِ، فاعْتُبِرَ شاهدان، كقَتْلِ العَمْد. فصل: ويجوزُ سَلْبُ القَتْلَى وَتَرْكُهم عُراةً. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ. وكرِهَه الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنذِرِ، لما فيه من كَشْفِ عَوْراتِهم. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ فى قَتِيلِ سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ: "لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ" (١٥). وقال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا يتناوَلُ جَمِيعَه. ١٦٤١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أعْطَاهُمُ الْأمَانَ مِنَّا؛ مِنْ رجُلٍ، أو امْرَأةٍ، أو عَبْدٍ، جَازَ أمَانُهُ) وجملتُه أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِىَ أهلَ الحربِ، حَرُمَ قَتْلُهم ومالُهم والتعرُّضُ لهم. ويصِحُّ من كلِّ مُسْلِم بالغٍ عاقلٍ مُخْتارٍ، ذكرًا كان أو أُنْثى، حُرًّا كان أو عبدًا. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ القاسِمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن الخطَّابِ، رضِىَ اللهُ عنه. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يصحُّ أمانُ العبْدِ، إلَّا أنْ يكونَ مَأْذُونًا له فى القِتالِ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه الجهادُ، فلا يصِحُّ [أمانه، كالصَّبِىِّ] (١)، ولأنَّه مَجْلُوبٌ من دارِ الحَرْبِ (٢)، فلا يُؤْمَنُ أنْ ينْظُرَ لهم فى (٣) تَقْدِيمِ مَصْلحَتِهم. ولَنا، ما روَى علىٌّ (٤)، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْناهُم، فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَليْهِ لَعْنَةُ اللهِ والْمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". روَاه البُخارِىُّ (٥). ورَوَى فُضَيْلُ بن يزيدَ الرَّقاشِىُّ، قال: جهَّزَ عمرُ بن الخطَّابِ جيشًا، فكنْتُ فيه، فحَصَرْنا مَوْضِعًا، فرأيْنا

стр. 6764

أنَّا سنَفْتَحُها اليومَ، وجعَلْنا نُقْبِلُ وَنرُوحُ، فبَقِىَ عبْدٌ منَّا (٦)، فرَاطَنَهُم ورَاطَنُوه، فكتَبَ لهم الأمانُ فى صَحِيفةٍ، وشدَّها على سَهْمٍ، ورَمَى بها إليهِم، فأخذُوها، وخرجُوا، فكتبَ بذلك إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فقال: العبدُ المسلمُ رجل من المسلمين، ذِمَّتُه ذِمَّتُهم. رواه سعيدٌ (٧). ولأنَّه مسلمٌ مكَلَّفٌ، فصَحَّ أمانُه، كالحرِّ. وما ذكَرُوه من التُّهْمَةِ يبْطُلُ بما إذا أُذِنَ له فى القتالِ، فإنَّه يصِحُّ أمانُه، وبالمرأةِ، فإنَّ (٨) أمانَها يصِحُّ، فى قولهم جميعا. قالت عائِشَةُ: إنْ كانت المرأةُ لَتُجِيرُ على المسلمين (٩) فيَجُوزُ. وعن أمِّ هانِئٍ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللَّه، إنِّى أجَرْتُ أحْمائِى، وأغْلَقْتُ عليهم، وإنَّ ابنَ أُمِّى أرادَ قتْلَهُم. فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، إنَّما يُجيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أدْنَاهُمْ". روَاهما سعيدٌ (١٠). وأجارَتْ زينبُ بنْتُ رسولِ اللَّه ﷺ أبا العاص بن الرَّبِيعِ، فأمْضاهُ رسولُ اللَّه ﷺ (١١).

стр. 6765

فصل: ويصِحُّ أمانُ الأسِيرِ إذا عَقَدَه غيرَ مُكْرَهٍ؛ لدُخولِه فى عُمومِ الخبرِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتارٌ، فأشْبَهَ غيرَ الأسيرِ. وكذلك أمانُ الأجِيرِ والتاجرِ فى دارِ الحرْبِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ: لا يصِحُّ أمانُ أحدٍ منهم. ولَنا، عُمومُ الحديثِ، والقياسُ على غيرِهم. فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فقال ابنُ حامد: فيه روايتان؛ إحداهُما، لا يصِحُّ أمانُه. وهو قولُ أبى حنيفة، والشافِعِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مكَلَّفٍ، ولا يلزمُه بقَوْلِه حكْمٌ، فلا يلْزَمُ غيرَه، كالمجنونِ. والرِّوايةُ الثانيةُ، يَصِحُّ أمانُه. وهو قولُ مالِك. وقال أبو بكرٍ: يصِحُّ أمانُه، روايةً واحدةً. وحَمَلَ روايةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ، واحتَجَّ بعُمومِ الحديثِ، ولأنَّه مسلِمٌ مميِّزٌ، فصحَّ أمانُه، كالبالِغِ، وفارق المجنونَ، فإنَّه لا قولَ له أصْلًا. فصل: ولا يصِحُّ أمانُ كافِرٍ، وإنْ كان ذِمِّيًّا، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ". فجعَل الذِّمّةَ للمسلمين، فلا تحْصُلُ لغيرِهم، ولأنَّه متَّهَمٌ على الإسلامِ وأهلِه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ. ولا يصِحُّ أمانُ مجنونٍ، ولا طفلٍ، لأنَّ كلامَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، ولا يثْبُتُ به حكْمٌ. ولا يصِحُّ أمانُ زائلِ العقْلِ، بنَوْمٍ أو سُكْرٍ أو إغماءٍ؛ لذلك، ولأنَّه لا يَعْرِفُ المصلحةَ من غيرِها، فأشْبَهَ المجنونَ. ولا يصِحُّ مِن مُكْرَهٍ؛ لأنَّه قولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يصِحَّ، كالإقْرارِ. فصل: ويصِحُّ أمانُ الإِمامِ لجميعِ الكُفَّارِ وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على المسلمين. ويصِحُّ أمانُ الأميرِ لمَنْ أُقيمَ بإزائِه من المشركين، فأمَّا فى حقِّ غيرِهم، فهو كآحادِ المسلمين، لأنَّ وِلايتَه على قتالِ أولئك دونَ غيرِهم. ويصِحُّ أمانُ آحادِ المسلمين للواحِدِ، والعشرةِ، والقافِلَةِ الصغيرةِ، والحِصْنِ الصَّغيرِ؛ لأنَّ عمرَ، رضِىَ اللهُ عنه، أجازَ أمانَ العَبْدِ لأهلِ الحِصْنِ الذى ذكرْنا حَدِيثَه. ولا يصِحُّ أمانُه لأَهلِ بَلْدةٍ، ورُسْتَاقٍ، وجمعٍ كثيرٍ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجهادِ، والافْتِيَاتِ على الإِمامِ. فصل: ويصِحُّ أمانُ الإمامِ للأسيرِ بعدَ الاسْتيلاءِ عليه؛ لأنَّ عمرَ [ابن الخَطَّابِ] (١٢)، رضىَ اللهُ عنه، لمَّا قُدِمَ عليه بالهُرْمُزانِ أسيرًا، قال: لا بأسَ عليك، ثم

стр. 6766

أرادَ قَتْلَه، فقال له أنَسٌ: قدْ أمَّنْتَهُ، فلا سبيلَ لكَ عليه. وشَهِدَ الزُّبَيْرُ بذلك، فعَدُّوه أمانًا. روَاه سعيدٌ (١٣). ولأنَّ للإمامِ الْمَنَّ عليه، والأمانُ دونَ ذلك. فأمَّا آحادُ الرَّعِيَّةِ، فليس له ذلك. وهذا مذهبُ الشافِعِىّ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه يصِحُّ أمانُه؛ لأنَّ زَينبَ ابنةَ رسولِ اللَّه ﷺ ، أجارَتْ زوجَها أبا العاص بن الرَّبِيعِ بعدَ أسْرِه، فأجازَ النَّبِىُّ ﷺ أمانَها. وحُكِىَ هذا عن الأوْزَاعِىّ. ولَنا، أنَّ أمْرَ الأسيرِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ، فلم يجُزِ الافْتِياتُ عليه فيما يَمْنَعُه ذلك، كقَتْلِه. وحديثُ رينبَ فى أمانِها، إنَّما صحَّ بإجازَةِ النَّبِىِّ ﷺ . فصل: وإذا شَهِدَ للأسيرِ اثْنان أو أكثرُ من المسلمين، أنَّهم أمَّنُوه، قُبِلَ، إذا كانوا بصِفَةِ الشُّهودِ. وقال الشافِعِىُّ: لا تُقْبَلُ شهادَتُهم؛ لأنَّهم يشْهدُون على فِعْلِ أنفُسِهم. ولَنا، أنَّهُم عُدولٌ من المسلمين، غيرُ مُتَّهَمِين، شَهِدُوا (١٤) بأمانِهِ، فوَجَبَ أنْ يُقْبَلَ، كما لو شَهِدُوا على غيرِهم أنَّه أمَّنَه. وما ذكَره (١٥) لا يصِحُّ، لأنَّ (١٦) النَّبِىَّ ﷺ قبِلَ شهادةَ المُرْضِعَةِ على فِعْلِها، فى حديثِ عُقْبةَ بن الحارِث (١٧). وإنْ شهِدَ واحدٌ أنِّى أمَّنْتُه. فقال القاضى: قياسُ قولِ أحمد، أنَّه يُقْبَلُ، كما لو قال الحاكمُ بعدَ عَزْلِه: كنتُ حكمتُ لفلانٍ على فُلانٍ بحقٍّ. قُبِلَ قولُه. وعلى قياسِ (١٨) قولِ أبى الخَطَّابِ: يصِحُّ أمانُه، فقُبِلَ خبرُه به، كالحاكمِ فى حَالِ وِلايَتِه. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه ليس له أنْ يُؤمِّنَه فى الحالِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به، كما لو أقرَّ بحقٍّ على غيرِه. وهذا قولُ الشافِعِىّ، وأبى عُبَيْدة (١٩).

стр. 6767

فصل: إذا جاءَ المسلمُ بمُشْرِكٍ ادَّعَى أنَّه أسَرَه، وادَّعَى الكافِرُ أنَّه أمَّنَهُ، ففيها ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُن، القولُ قولُ المسلِمِ؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فإنَّ الأصلَ إباحَةُ دَمِ الحَرْبِىِّ، وعَدَمُ الأمانِ. والثانيةُ، القولُ قولُ الأسيرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ صِدْقَه وحَقْنَ دَمِه، فيكونُ هذا شُبْهَةً تمْنَعُ مِن قَتْلِه. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ. والثالثةُ، يُرْجَعُ إلى قولِ مَن ظاهرُ الحالِ يدلُّ على صِدْقِه، فإنْ كان الكافرُ ذا قُوَّةٍ، معه سلاحُه، فالظاهِرُ صِدْقُه، وإنْ كان ضَعِيفًا مَسْلُوبًا سِلاحُه، فالظاهِرُ كَذِبُه، فلا يُلْتَفَتُ إلى قولِه. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: لا يُقْبَلُ قولُه وإنْ صدَّقَه المسلمُ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أمانِه، فلا يُقْبَلُ إقْرارُه به. ولَنا، أنَّه كافِرٌ، لم يثْبُتْ أسرُه، ولا نازَعَه فيه مُنازِعٌ، فقُبِلَ قولُه فى الأمانِ، كالرسولِ. فصل: ومَنْ طَلَبَ الأمانَ ليَسْمَعَ كلامَ اللَّه، ويَعْرِفَ شرائِعَ الإسلامِ، وجبَ أنْ يُعْطاهُ، ثم يُرَدُّ إلى مَأْمَنِه. لا نَعْلمُ فى هذا خلافًا. وبه قال قَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ. وكتَبَ عمرُ بن عبد العزيز بذلك إلى الناسِ؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٢٠). قال الأوْزَاعِىُّ: هى إلى يومِ القيامَةِ. ويجوزُ عَقْدُ الأمانِ للرسولِ والمُسْتَأْمِنِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُؤمِّنُ رُسُلَ المشركين. ولما جاءَه رَسُولَا مُسَيْلِمةَ، قال: "لولا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا" (٢١). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلِك، فإنَّنا لو قَتَلْنا رُسُلَهم، لقَتَلُوا رُسُلَنا، فتفُوتُ مَصْلحَةُ المُراسَلَةِ. ويجوزُ عَقْدُ الأمانِ لكلِّ واحدٍ منهما مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بمُدَّةٍ، سواءٌ كانت طويلةً أو قصيرةً، بخلافِ الهُدْنَةِ، فإنَّها لا تجوزُ إلَّا مُقَيَّدَةً، لأنَّ فى جَوازِها مُطْلَقًا تَرْكًا للجهادِ، وهذا بخلافِه. قال القاضى: ويجوزُ أنْ يُقِيمُوا مُدَّةَ الهُدْنَةِ بغيرِ جِزْيَةٍ. قال أبو بكر: وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمد؛ لأنّه قيل له: قال الأوْزاعِىُّ: لا يُتْرَكُ المُشْرِكُ فى دارِ الإسلامِ إلَّا أنْ يُسْلِمَ أو يُؤَدِّىَ. فقال أحمد: إذا أمَّنْتَه، فهو على ما أمَّنْتَه (٢٢). وظاهِرُ هذا أنَّه خالَفَ قولَ الأوْزَاعِىِّ. وقال أبو

стр. 6768

الْخَطَّابِ: عندِى أنَّه [لا يجوزُ أنْ] (٢٣) يُقيمَ سَنَةً بغيرِ جِزْيَةٍ. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، والشافِعِىِّ، لقوْلِ اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢٤). ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذا كافِرٌ أُبِيحَ له الإقامَةُ فى دارِ الإسْلامِ، من غيرِ الْتزامِ جِزْيَةٍ، فلم تَلْزَمْه جِزْيَةٌ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الرَّسولَ لو كانَ ممَّنْ لا يجوزُ أخذُ الجِزْيَةِ منه، يَسْتَوِى فى حَقِّه السَّنَةُ وما دُونَها، فى أنَّ الجِزْيةَ لا تُؤْخَذُ منه فى المُدَّتَيْن، فإذا جازَتْ له الإقامَةُ فى إحداهما، جازَت فى الأُخْرَى، قياسًا لها عليها. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. أى يلْتزِمُونها، ولم يُرِدْ حقيقَةَ الإعْطاءِ، وهذا مخصوصٌ منها بالاتِّفاقِ فإنَّه يجوزُ له (٢٥) الإقامَةُ من غيرِ الْتزامٍ لها، ولأنَّ الآيةَ تخَصَّصَتْ بما دونَ الحَوْلِ، فنَقِيسَ على الْمَحَلِّ المَخْصوصِ. فصل: وإذا دَخَلَ حَرْبِىٌّ دارَ الإسلامِ بأمانٍ، فأوْدَعَ مالَه مسلمًا أو ذِمِّيًّا، أو أقْرَضَهُما إيَّاه، ثم عادَ إلى دارِ الحَرْبِ، نظَرْنا؛ فإنْ دخَلَ تاجرًا، أو رسولًا، أو مُتَنَزِّهًا، أو لحاجةٍ يَقْضِيها ثم يعودُ إلى دارِ الإسلامِ، فهو على أمانِه فى نَفْسِه ومالِه؛ لأنَّه لم يخْرُجْ بذلك عن نِيَّةِ الإِقامةِ بدارِ الإسلامِ، فأشْبَهَ الذِّمِّىَّ إذا دخَلَ لذلك، وإنْ دَخَلَ مُسْتَوْطِنًا، بطلَ الأمانُ فى نفسِه، وبَقِىَ فى مالِه، لأنَّه بدُخولِه دارَ الإسلامِ بأمانٍ؛ ثَبَتَ الأمانُ لمالِه الذى مَعَه، فإذا بطلَ فى نفسِه بدُخولِه دارَ الحرْبِ، بَقِىَ فى مالِه؛ لاخْتِصاصِ المُبْطِلِ بنَفْسِه، فيَخْتَصُّ (٢٦) البُطْلانُ به. فإنْ قيلَ (٢٧): إنَّما (٢٨) يثْبُت الأمانُ لمالِه تَبَعًا، فإذا بطلَ فى المَتْبُوعِ، بطلَ فى التَّبَعِ. قُلنا: بل يثبُتُ له الأمانُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وهو إدْخالُه معه، وهذا يقتَضِى ثُبوتَ الأمانِ له. وإن لم يثْبُتْ فى نفسِه، بدليلِ ما لو بعَثَه مع مُضارِبٍ له أو وكيلٍ، فإنَّه يثْبُتُ له (٢٩) الأمانُ، ولم يثْبُت (٣٠) فى نفسِه،

стр. 6769

ولم يُوجَدْ فيه هاهُنا ما يقْتَضِى نَقْضَ (٣١) الأمانِ فيه، فبَقِىَ على ما كان عليه. ولو أخذَه معَهُ إلى دارِ الحرْبِ، انْتَقَضَ (٣٢) الأمانُ فيه، كما يَنْتَقِضُ فى نفسِه، لوُجُودِ المُبْطِلِ منهما. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ صاحبَه إنْ طلَبَه بُعِثَ به (٣١) إليه، وإنْ تَصَرَّفَ فيه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ أو غَيْرِهما، صَحَّ تَصَرُّفُه. وإنْ ماتَ فى دارِ الحَرْبِ انْتَقَلَ إلى وارِثِه، ولم يبْطُل الأمانُ فيه. وقال أبو حنيفةَ: يبْطُلُ فيه. وهو قولٌ للشافِعِىِّ (٣٣)؛ لأنَّه قد صارَ لوارِثِه، ولم يَعْقِدْ فيه أمانًا، فوجَبَ أنْ يبْطُلَ فيه، كسائِرِ أمْوالِه. ولَنا، أنَّ الأمانَ حَقٌّ له لازِمٌ متَعَلِّقٌ بالمالِ، فإذا انْتَقلَ إلى الوارِثِ، انْتقَلَ بحَقِّه (٣٤)، كسائِرِ الحُقوقِ؛ من الرَّهْنِ، والضَّمِينِ، والشُّفْعَةِ. وهذا اخْتيارُ المُزَنِىِّ. ولأنَّه مالٌ له أمانٌ، فينْتَقِلُ إلى وارثِه مع بَقاءِ الأمانِ فيه، كالمالِ الذى مع مُضارِبِه. وإنْ لم يَكُنْ له وارِثٌ، صارَ فيْئًا لبيتِ المالِ. فإنْ كان له وارِثٌ فى دارِ الإسلامِ، فقال القاضى: لا يَرِثُه، لاخْتلافِ الدَّارَيْن. والأوْلَى أنَّه يرِثُه؛ لأنَّ مِلَّتَهما واحِدَةً، فيرِثُه كالمسلمين، وإنْ ماتَ المُسْتأْمَنُ فى دارِ الإِسلامِ، فهو كما لو ماتَ فى دارِ الحَرْبِ، سواءٌ؛ لأنَّ المُسْتأمَنَ حَرْبِىٌّ تَجْرِى عليه أحْكامُهم. وإنْ رجَعَ إلى دارِ (٣٥) الحَرْبِ، فسُبِىَ واستُرِقَّ، فقال القاضى: يكونُ مالُه مَوْقُوفًا حتَى يُعْلَمَ آخرُ أمرِه، بمَوْتٍ أو غيرِه، فإنْ مات كان فيئًا؛ لأنَّ الرقيقَ لا يُورَثُ، وإنْ عَتَقَ كان له، وإنْ لم يُسْتَرَقَّ، ولكن مَنَّ عليه الإمامُ، أو فَاداهُ، فمالُه له، وإنْ قَتَلَه، فمالُه لوَرَثَتِه، وإنْ لم يُسْبَ، ولكن دخلَ دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ، ليأْخُذَ مالَه، جازَ قَتْلُه وسَبْيُه؛ لأنَّ ثُبوتَ الأمانِ لمالِه لا يُثْبِتُ الأمانَ له، كما لو كان مالُه وَدِيعةً بدارِ الإِسلامِ وهو مقيمٌ بدارِ الحَرْبِ. فصل: وإذا سَرَقَ المُسْتأمَنُ فى دارِ الإِسلامِ، أو قَتَلَ، أو غَصَبَ، ثم عادَ إلى وطَنِه [فى دارِ الحَرْبِ] (٣٦)، ثم خَرَج مُسْتأْمِنًا مرَّةً ثانِيَةً، اسْتُوفِىَ منه ما لَزِمَه فى أمانِه

стр. 6770

الأوَّل. وإن اشْتَرَى عبْدًا. مُسْلِمًا، فخرَجَ به إلى دارِ الحربِ، ثم قُدِرَ عليه، لم يُغْنَمْ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ مِلْكُه عليه، لكَوْنِ الشراءِ باطلًا، ويُرَدُّ [إلى بائِعِه، ويَرُدُّ] (٣٧) بائِعُه الثمَنَ إلى الحَرْبِىِّ؛ لأنَّه حَصَلَ فى أمانٍ، فإنْ كان العبدُ تالِفًا، فعلى الحَرْبِىِّ قيمَتُه، ويتَرادَّانِ الفَضْلَ. فصل: وإذا دَخَلَت الحَرْبِيَّةُ إلينا بأمانٍ، فتَزَوَّجَت ذِمِّيًّا فى دارِنا، ثم أرادَتِ الرُّجُوعَ، لم تُمْنَعْ، إذا رضِىَ زوجُها أو فارَقَها. وقال أبو حنيفة، تُمْنَعُ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَلْزَمُ الرجلَ المُقامُ به، فلا يَلْزَمُ المرأَةَ، كعَقْدِ الإجارَةِ. ١٦٤٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ طَلَبَ الْأمَانَ لِيَفْتَحَ الْحِصْنَ، ففَعَلَ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أنا المُعْطَى. لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) وجملتُه أنَّ المسلمين إذا حَصَرُوا حِصْنًا، فناداهُم رجلٌ: آمِنُونِى أفْتَحْ لكم الحِصْنَ. جازَ أنْ يُعْطُوه أمانًا؛ فإنَّ زيادَ بن لَبِيدٍ لمَّا حصَر النُّجَيْرَ (١)، قال الأَشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: أعْطُونِى الأمانَ لعشرةٍ، أفْتَحْ لكم الحِصْنَ. ففعلُوا. فإنْ أشْكَلَ الذى أُعْطِىَ الأمانَ، وادَّعاه كلُّ واحدٍ من أهلِ الحِصْنِ، فإنْ عُرِفَ صاحِبُ الأمانِ، عُمِلَ على ذلك، وإنْ لم يُعْرَفْ، لم يجُزْ قَتْلُ واحدٍ منهم (٢)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَحْتَمِلُ صِدْقَه، وقد اشْتَبَهَ المُبْاحُ بالمُحَرَّمِ فيما لا ضَرُورةَ إليه، فحَرُمَ الكُلُّ، كما لو اشْتبهَتْ مَيْتَةٌ بمُذكَّاةٍ، أو أختُه بأجْنَبِيَّاتٍ، أو اشْتَبَه زانٍ مُحْصَنٌ برجالٍ مَعْصُومِين. وبهذا قال الشافِعِىُّ، ولا أعلمُ فيه خِلافًا. وفى اسْتِرْقاقِهم وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْرُمُ. وذكرَ القاضى أنَّ أحمد نَصَّ عليه. وهو مذهبُ الشافِعىِّ؛ لما ذكرْنا فى القَتْل، فإنَّ اسْتِرْقاقَ مَن لا يَحلُّ اسْتِرْقاقُه مُحَرَّمٌ. والثانى؛ يُقْرَعُ بينهم، فيُخْرَجُ صاحبُ الأمانِ بالقُرْعَة، ويُسْتَرَقُّ الباقون. قالَه أبو

стр. 6771

بكرٍ؛ لأنَّ الحقَّ لواحدٍ منهم غيرِ معلومٍ، فيُقْرَعُ بينَهم، كما لو أعْتَقَ عبدًا من عَبِيدِه وأشْكَلَ، ويُخالِفُ القتلَ، فإنَّه إراقَةُ دَمٍ تَنْدَرِئُ بالشُّبهاتِ، بخلافِ الرِّقِّ، ولهذا يَمْتَنِعُ (٣) القتلُ فى النِّساءِ والصِّبْيانِ دُونَ الاسْتِرْقاقِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: إذا أسْلَمَ واحدٌ من أهلِ الحِصْنِ، قَبْلَ فَتْحِه، أشْرَفَ علينا، ثم أشْكَلَ، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهم أنَّه الذى أسْلَم: يَسْعَى كلُّ واحدٍ منهم فى قِيَمةِ نفسِه، ويُتْرَكُ له عُشْرُ قِيمَتِه. وقياسُ مذهبِنا أنَّ فيها وَجْهَيْن، كالتى قبلَها. فصل: قال أحمد: إذا قال الرجلُ: كُفَّ عنِّى حتى أدُلَّكَ على كذا. فبَعَثَ معه قومًا (٤) ليدُلَّهم، فامْتَنَعَ من الدَّلالَةِ، فلهم ضَرْبُ عُنُقِه؛ لأنَّ أمانَه بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ. وقال أحمدُ: إذا لَقِىَ عِلْجًا، فطلبَ منه الأمانَ، فلا يُؤَمِّنُه، لأنَّه يُخافُ شَرُّه، وإنْ كانوا سَرِيَّةً، فلهم أمانُه. يعْنِى أنَّ السَّرِيَّةَ لا يخافُون مِن غَدْرِ العِلْجِ قَتْلَهم، بخلافِ الواحدِ، وإنْ لقِيَتِ السَّرِيَّةُ أعْلاجًا، فادَّعَوا أنَّهم جاءُوا مُسْتَأمِنين، فإنْ كان معهم سلاحٌ، لم يُقْبَلْ قولُهم؛ لأنَّ حَمْلَهم للسِّلاحِ (٥) يدُلُّ على مُحارَبَتهم، وإنْ لم يكُنْ معهم سِلاحٌ، قُبِلَ قولُهم؛ لأنَّه يدُلُّ على صِدْقِهم. فصل: وإذا دخَلَ حَرْبِىٌّ دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ، نظَرْتَ؛ فإنْ كان معه مَتاعٌ يَبِيعُه فى دارِ الإِسلامِ، وقد جَرَت العادَةُ بدُخولِهم إلينا تُجَّارًا بغيرِ أمانٍ، لم يُعْرَضْ لهم. وقال أحمد: إذا رَكِبَ القومُ فى البحرِ، فاسَتقْبَلَهُم فيه تُجَّارٌ مُشْرِكون من أرضِ العَدُوِّ، يُريدون بلادَ الإسْلامِ، لم يَعْرِضُوا لهم، ولم يقاتِلُوهم، وكلُّ مَنْ دخَلَ بلادَ المسلمين من أهلِ الحَرْبِ بتجارةٍ، بُويعَ، ولم (٦) يُسْأَلْ عن شىءٍ، وإنْ لم تكنْ معه تجارةٌ، فقال: جِئْتُ مُسْتأْمِنًا. لم يُقْبَلْ منه، وكان الإِمامُ مُخيَّرًا فيه. ونحوُ هذا قولُ (٧) الأوْزاعِىِّ، والشافِعِىِّ. وإنْ كان ممَّنْ ضلَّ الطريقَ، أو حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فى مَرْكَبٍ (٨) إلينا، فهو لمَنْ أخذَهُ، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْن، والأخْرَى، يكُونُ فَيْئًا.

стр. 6772

١٦٤٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ دَخلَ إلَى أرْضِهِمْ مِنَ الْغُزَاةِ فَارِسًا، فنَفَقَ فَرَسُهُ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، ومن دَخَلَ رَاجِلًا، فَأُحْرِزَتِ الْغنِيمةُ وَهُوَ فَارِسٌ، فَلَهُ سَهْمُ الفارِسِ) وجملة ذلك أنَّ الاعْتبارَ فى اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ بحالَةِ الإحْرازِ، فإن أُحْرِزَت الغَنِيمةُ وهو راجلٌ، فله سَهْمُ راجلٍ، وإن أحْرِزَت وهو فارِسٌ، فله سهمُ فارِسٍ (١)، سواءٌ دخلَ فارسًا أو راجِلًا. قال أحمد: أنا أرَى أنَّ كُلَّ مَنْ شهِدَ الوَقْعَةَ على أىِّ حالةٍ كان يُعْطَى؛ إنْ كان فارِسًا ففارِسٌ، وإنْ كان راجِلًا فراجِلٌ؛ لأنَّ عمرَ قال: الغَنِيمةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعةَ (٢). وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ونحوَه قال ابنُ عمرَ. وقال أبو حنيفةَ: الاعْتبارُ بدُخولِ دارِ الحرْبِ، فإنْ دخلَ فارسًا فله سهمُ فارِسٍ وإنْ نَفَقَ فرسُه قبلَ القِتالِ، وإنْ دخلَ راجِلًا فله سهمُ الراجِلِ وإن اسْتفادَ فرسًا فقاتَلَ عليه. وعنه رِوايَةٌ أخْرَى كقَوْلِنا. قال أحمدُ: كان سليمانُ بن موسى يَعْرِضُهم إذا أدْرَبُوا (٣)، الفارِسُ فارِسٌ (٤)، والراجِلُ راجلٌ (٥). لأنَّه دخلَ فى الحربِ بنِيَّةِ القتالِ، فلا يتغيَّرُ سهمُه بذَهابِ دابَّتِهِ، أو حُصولِ دابَّةٍ له، كما لو كان بعدَ القتالِ. ولَنا، أنَّ الفرَسَ حيوانٌ يُسْهَمُ له، فاعْتُبِرَ وُجودُه حالَةَ (٦) القتالِ، فيُسْهَم له مع الوُجودِ فيه، ولا يُسْهَمُ له مع العَدَمِ، كالآدَمِىِّ، والأَصْلُ فى هذا أنَّ حالةَ اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ حالَ (٧) تقْتَضِى الحرب، بدليلِ قولِ عمرَ: الغَنيمةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعةَ. ولأنَّها الحالُ التى يحصلُ فيها الاسْتيلاءُ الذى هو سبَبُ المِلْكِ، بخلافِ ما قبلَ ذلك، فإنَّ الأمْوالَ فى أيْدِى أصحابِها، ولا نَدْرِى هل

стр. 6773

يُظْفَرُ بهم أو لا؟ ولأنَّه لو ماتَ بعضُ المسلمين قبلَ الاسْتيلاءِ، لم يسْتَحِقَّ شيئًا، ولو وُجِدَ مَدَدٌ فى تلك الحالِ، أو انْفَلَتَ أسيرٌ فلَحِقَ بالمسلمين، أو أسْلَمَ كافرٌ فقاتَلُوا، اسْتَحَقُّوا السهْمَ، فدَلَّ على أنَّ الاعْتبارَ بحالةِ الإِحْرازِ، فوجَبَ اعْتبارُه دُونَ غيرِه. ١٦٤٤ - مسألة؛ قال: (ويُعْطَى ثَلَاثَةَ أسْهُمٍ، سَهْمٌ لَهُ، وسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ) أكثرُ أهلِ العلْمِ على أنَّ الغنيمةَ تُقْسَمُ للفارِسِ منها ثَلاثةُ أَسْهُمٍ؛ سهمٌ له، وسهمان لفَرَسِه، وللراجلِ سهْمٌ. قال ابنُ المنْذِرِ: هذا مذهبُ عمرَ بن عبد العزيز، والحسنِ، وابنِ سِيرِين، [وحَبيبِ بن أبى ثابتٍ] (١)، وعَوامِّ عُلَماءِ الإسلامِ فى القديمِ والحديث؛ منهم مالِك ومَنْ تَبِعَه من أَهلِ المدينةِ، والثَّوْرِىُّ ومَنْ وافَقَه من أهلِ العراقِ، والليثُ [بنُ سعدٍ] (٢) ومَنْ تَبِعَه من أهلِ مصر، والشافِعِىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وقال أبو حنيفة: للفَرَسِ سَهْمٌ واحدٌ؛ لما روَى مُجَمِّعُ بن جَارِية، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قسَمَ خَيْبَرَ على أهلِ الحُدَيْبِيَةِ، فأعْطَى الفارِسَ سَهْمَيْن، وأعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا. روَاه أبو داودَ (٣). ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فلمْ يزدْ على سَهْمٍ، كالآدَمِىّ. ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَسْهَمَ يومَ خَيْبَرَ للفارِسِ ثلاثةَ أسْهُمٍ؛ سَهْمان لفرَسِه، وسهمٌ له. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن أبى رُهْمٍ وأخيه، أنَّهما كانا فارِسَيْن يومَ خَيْبَرَ، فأُعْطِيا. ستَّةَ أسْهُمٍ، أربعةَ أسْهُمٍ لفَرَسَيْهما، وسَهْمَيْن لهما. رواه سعيد بن منصور (٥)، وعن ابن

стр. 6774

عبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّه عنه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أعطَى الفارِسَ ثلاثةَ أسْهُمٍ، وأعْطَى الراجِلَ سَهْمًا (٦). وقال خالدٌ الحَذَّاءُ: لا يُخْتَلَفُ فيه عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه أَسْهَمَ هكذا للفَرَسِ سهمَيْن، ولصاحِبِه سهمًا، وللراجلِ سهمًا. كتبَ عمرُ بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ابن عبد الرحمن: أَمَّا بعدُ؛ فإنَّ سُهْمانَ الخَيْلِ ممَّا فرَضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، سَهْمَيْن للفرَسِ، وسهمًا للرَّاجِلِ، ولعمْرِى لقد كان حديثًا ما أَشْعرَ أنَّ أحدًا من المسلمين همَّ بانْتقاضِ ذلك، [فمَن هَمَّ بانْتِقاضٍ] (٧) فعاقِبْهُ، والسلامُ عليك. روَاهما سعيدٌ، والأثْرَمُ (٨). وهذا يدلُّ على ثُبوتِ سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ بهذا، وأنَّه أُجْمِعَ عليه، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه. فأمَّا حديثُ مُجَمِّعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد أعْطَى الفارِسَ سهمَيْن لفرَسِه، وأعْطَى الراجِلَ سهمًا، يعنى صاحِبَه، فيكونُ ثلاثةَ أسْهُمٍ، على أنَّ حديثَ ابنِ عمرَ أصحُّ منه، وقد وافَقَه حديثُ أبى رُهْمٍ وأخيه، وابنِ عبَّاس، وهؤلاء أحْفَظُ وأعلَمُ، وابنُ عمرَ وأبو رُهْمٍ وأخوه ممَّنْ شَهِدُوا وأخذُوا السُّهْمان، وأخبَرُوا عن أنْفُسِهم أنَّهم أُعْطُوا ذلك، فلا يُعارَضُ ذلك بخبرٍ شاذٍّ تعَيَّنَ غلَطُه، أو حَمْلُه على ما يخالِفُ ظاهِرَه، وقياسُ الفرَسِ على الآدَمِىِّ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ أثرَها فى الحَرْبِ أكثرُ، وكُلْفَتَها أعْظَمُ، فيَنْبَغِى أنْ يكونَ سَهْمُها أكثرَ. ١٦٤٥ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا، فيُعْطَى سَهْمًا لَهُ، وسَهْمًا لِفَرَسِهِ) الْهَجِينُ: الذى أبوه عربِىٌّ وأُمُّه بِرْذَوْنة. والمُقْرِفُ: الذى أبوه بِرْذَوْنٌ (١) وأمُّه عربِيَّةٌ، قالت هندُ بنتُ النُّعمانِ بن بَشِيرٍ (٢):

стр. 6775

وما هِنْدُ إلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ فإنْ ولَدَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالْحَرَى ... وإنْ يكُ إقْرافٌ فما أنْجَبَ الفَحْلُ وأرادَ الخِرَقِىُّ بالهَجِينِ هاهُنا، ما عدا العَربىَّ، واللَّه أعلم. وقد حُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الْهَجِينُ البِرْذَوْنُ. واختلَفَتِ الرِّوايَةُ عنه فى سُهْمانِها (٣)، فقال الخَلَّالُ: تواتَرَت الرِّواياتُ عن أبى عبد اللَّه فى سِهامِ البِرْذَوْنِ، أنَّه سَهْمٌ واحدٌ. واخْتارَه أبو بكرٍ، والْخِرَقِىُّ، وهو قولُ الحَسَن. قال الخَلَّالُ: وروَى عنه ثلاثةٌ مُتيقِّظون أنَّه يُسْهَمُ للبِرْذَوْنِ مثلُ سهمِ العَرَبِىِّ. واختارَهُ الخَلَّالُ، وبه قال عمرُ بن عبد العزيز، ومالِك، والشافِعِىُّ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ (٤). وهذه من الخَيْلِ، ولأنَّ الرُّواةَ رَوَوْا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أسْهَمَ للفرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا. وهذا عامٌّ فى كلِّ فَرَسٍ، ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فاسْتَوَى فيه العَرَبىُّ وغيرُه، كالآدَمِىّ. وحكَى أبو بكرٍ، عن أحمدَ، ﵀، روايةً ثالثة، أنَّ الْبَراذِينَ إنْ أَدْرَكَتْ إدْراكَ العِرَابِ (٥)، أُسْهِمَ لها مِثلُ الفَرَسِ العرَبِىِّ، وإلَّا فلا. وهذا قولُ ابنِ أبى شَيْبَة، وابنِ أبى خَيْثَمَةَ، وأبى أيُّوبَ، والجُوزَجَانِىِّ؛ لأنَّها من الخَيْلِ، وقد عَمِلَت عَمَلَ العِرَابِ، فأُعْطِيَتْ سَهْمَها (٦) كالعَرَبِىِّ. وحكَى القاضى روايةً رابعةً، [أنَّها لا سَهْمَ] (٧) لها. وهو قولُ مالِكِ بنِ عبد اللَّه الخَثْعَمِىِّ (٨)؛ لأنَّه حيوانٌ لا يَعْمَلُ عملَ الخَيْلِ العِرَابِ، فأشْبَهَ الْبِغالَ. ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ هذه الرِّوايةُ فيما لا يُقارِبُ العِتاقَ منها؛ لما روَى الجُوزَجَانِىُّ، بإسْنادِه عن أبى موسى، أنَّه كتَبَ إلى عمرَ بن الخطَّاب: إنَّا (٩) وجَدْنا بالعِراقِ خَيْلًا عِرَاضًا

стр. 6776

دُكْنًا (١٠)، فما تَرَى يا أميرَ المؤمنين فى سُهْمانِها؟ فكتَبَ إليه: تِلْكَ الْبَراذِينُ، فما قارَبَ العِتاقَ منها، فاجْعَلْ له سَهْمًا واحدًا، وألْغِ ما سِوَى ذلك (١١). ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ (١٢)، بإسْنادِه عن أبى الأقْمَرِ، قال: أغارَت الخيلُ على الشَّامِ، فأدْرَكَتِ العِرَابُ مِن يَوْمِها، وأدْرَكَت الكَوادِنُ (١٣) ضُحَى الْغَدِ، وعلى الخيلِ رجلٌ من هَمْدَان، يقالُ له: المُنْذِرُ بن أبى حُمَيْضَةَ، فقال: لا أجْعَلُ الذى أدْركَ من يومِه مثلَ الذى لم يُدْرِكْ. ففضَّلَ الخيلَ، فقال عمرُ: هَبِلَتِ الوادِعِىَّ أُمُّه، أمْضُوها على ما قال. ولم يُعْرَفْ عن الصَّحابَةِ خلافُ هذا القوْلِ. وروَى مَكْحُولٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَعْطَى الفرَسَ العَرَبِىَّ سَهْمَيْن، وأعْطَى الْهَجِينَ سَهْمًا. روَاه سعيدٌ أيضًا (١٤)، ولأنَّ نَفْعَ العَرَبِىِّ وأثرَه فى الحرْبِ أفْضَلُ، فيكونُ سهمُه أرْجَحَ، كتفاضُلِ مَنْ يُرْضَخُ له. وأمَّا قولُهم: إنَّه من الخيلِ. قُلْنا: والخيلُ فى نفسِها تتفاضَلُ، فتتفاضَلُ سُهْمانُها. وأما قَوْلُهم: إنَ النَّبِىَّ ﷺ قسَم للفرسِ سَهْمَيْن، من غيرِ تَفْريقٍ. قُلْنا: هذه قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، لا عُمومَ لها، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يكُنْ فيها بِرْذَوْنٌ، وهو الظاهِرُ، فإنَّها من خيلِ العربِ، ولا بَراذِينَ فيها، ودلَّ على صِحَّةِ هذا، أنَّهم لمَّا وجَدُوا الْبَراذِينَ بالعراقِ، أشْكَلَ عليهم أمرُها، وأنَّ عمرَ فرضَ لها سَهْمًا واحدًا، وأمْضَى ما قالَ المُنْذرُ بن أبى حُمَيْضةَ فى تَفْضيلِ العِرَابِ عليها، ولو كانا النَّبِىُّ ﷺ سوَّى (١٥) بينهما، لم يَخْفَ ذلك على عمرَ، ولا خالَفَه، ولو خالَفَه لم يسْكُتِ

стр. 6777

الصحابةُ عن إنْكارِه عليه، سِيَّما وابنُه هو راوِى الخبرِ، فكيف يَخْفَى ذلك عليه! ويَحْتَمِلُ أنَّه فضَّلَ العِرَابَ أيضًا، فلم يذْكُرْه الرَّاوِى، لغَلَبَةِ العِرَابِ، وقِلَّةِ الْبَراذِين، ويدُلُّ على صِحَّةِ هذا التَّأْويل، خبَرُ مَكْحولٍ الذى رَويناه، وقياسُها على الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العَرَبِىَّ منهم لا أثَرَ له فى الحَرْبِ زيادَةً على غيرِه، بخلافِ العَرَبِىِّ من الخيلِ على غيرِه. واللهُ أعلمُ. ١٦٤٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُسْهَمُ لِأكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ) يعنِى إذا كان مع الرَّجُلِ خيلٌ، أُسْهِمَ لفِرَسَيْن أربعةُ أَسْهُمٍ، ولصاحِبهما سَهْمٌ، ولم يُزدْ على ذلك، وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافِعِىُّ: لا يُسْهمُ لأكْثَرَ من فرسٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أنْ يُقاتِلَ على أكثرَ منها، فلمْ يُسْهَمْ لما زادَ عليها، كالزائِدِ عن الفَرَسَيْن. ولَنا، ما رَوَى الأوْزاعِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كانَ يُسْهِمُ للخيلِ، وكان لا يُسْهِمُ للرجُلِ فوقَ فرَسَيْن، وإنْ كان معه عشرةُ أفْراسٍ. وعن أزْهَر بن عبد اللَّه، أنَّ عمرَ بن الخطَّابِ كتَبَ إلى أبى عُبَيْدَةَ بن الجَرّاحِ، أنْ يُسْهِمَ للفرَسِ سَهْمَيْن، وللفرَسَيْن أربعةَ أسْهُمٍ، ولصاحِبِها سَهْمٌ، فذلك خمسةُ أسْهُمٍ، وما كانَ فوقَ الفرسَيْن فهى جنائِبُ. روَاهما سعيد، فى "سُنَنِه" (١). ولأنَّ به إلى الثانى حاجَةً، فإنَّ إدامةَ رُكوبِ واحدٍ تُضْعِفُه، وتَمْنَعُ القتالَ عليه، فيُسْهَمُ له كالأوَّلِ، بخلافِ الثالث، فإنَّه مُسْتَغْنًى عنه. ١٦٤٧ - مسألة؛ قال: (ومَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ، وَهُوَ لا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبعِيرِهِ سَهْمَانِ) نَصَّ أحمدُ على هذا، وظاهرُه أنَّه لا يُسْهَمُ للبعيرِ مع إمْكانِ الغَزْوِ على فرسٍ. وعن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ للبعيرِ سَهْمٌ، ولم يشْترطْ عجزَ صاحِبِه عن غيرِه. وحُكِىَ نحوُ هذا عن الحَسَنِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١). ولأنَّه حيوانٌ تجوزُ المسابَقَةُ عليه بِعِوَضٍ، فيُسْهَمُ له، كالفرَسِ. يحقِّقُه أنّ تجْوِيزَ المسابَقَةِ

стр. 6778

بعِوَضٍ إنَّما أبِيحَت فى ثلاثَةِ أشياء دونَ غيرِها؛ لأنَّها آلاتُ (٢) الجِهاد، فأُبِيحَ أخْذُ الرّهْنِ فى المُسابقَةِ بها، تَحْرِيضًا على رِياضَتِهَا، وتَعَلُّمِ الإتْقانِ فيها، ولا يُزادُ على سَهْمِ البِرْذَوْنِ؛ لأنَّه دُونَه، ولا يُسْهَمُ له إلَّا أنْ يشهدَ الوَقْعةَ عليه، ويكونَ ممَّا يُمْكِنُ القتالُ عليه، فأمَّا هذه الإبلُ الثَّقِيلةُ، التى لا تصلُحُ إلَّا للحَمْلِ، فلا يَسْتحِقُّ راكبُها شيئًا؛ لأنَّها لا تَكِرُّ ولا تَفِرُّ، فراكِبُها أدْنَى حالًا (٣) من الرَّاجِلِ. واختارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يُسْهَمُ له بحالٍ. وهو قولُ أكثَرِ [أهلِ العِلْمِ] (٤). قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ أَحفَظُ عنه من أهلِ العِلْم، أنَّ مَنْ غَزَا على بَعِيرٍ، فله سَهْمُ راجِلٍ. كذلك قال الحسَنُ، ومَكْحُولٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصحابُ الرّأْىِ. وهذا هو الصحيحُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنه أنَّه أسْهَمَ لغيرِ الخيلِ من الْبَهائِمِ، وقد كان معه يومَ بَدْرٍ سبعون بعيرًا، ولم تخْلُ غَزاةٌ من غَزَواتِه من الإِبلِ، بل هى كانت غالِبُ دَوَابِّهم، فلم يُنْقَلْ عنه (٥) أنَّه أسْهَمَ لها، ولو أسْهَمَ لها لنُقِلَ، وكذلك مَنْ بَعْدَ النَّبِىِّ ﷺ مِن خُلَفائِه وغيرِهم، مع كثرِةِ غَزَواتِهم، لم يُنْقَلْ عن أحَدٍ منهم فيما عَلِمْناه أنَّه أسْهَمَ لبعيرٍ، ولو أسْهَمَ لبعيرٍ (٦) لم يَخف ذلك؛ ولأنَّه لا يَتَمَكَّنُ صاحبُه من الكَرِّ والفرِّ، فلم يُسْهَمْ له، كالبغلِ والحمارِ. فصل: وما عَدَا الخيلَ والإبلَ، من البغَالِ والحميرِ (٧) والفِيَلَةِ وغيرِها، لا يُسْهَمُ (٨) لها، بغيرِ خلافٍ، وإنْ عَظُمَ غَناؤُها، وقامَتْ مَقامَ الخَيْلِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُسْهِمْ لها، ولا أَحَدٌ من خُلَفائِه، ولأنَّها ممَّا لا تجوزُ المُسابَقَةُ عليه بعِوَضٍ، فلم يُسْهَمْ لها، كالبقرِ. فصل: ويَنْبَغِى للإِمامِ أنْ يتَعاهدَ الخيلَ عندَ دُخولِ الحَرْبِ، فلا يُدْخِلْ إلَّا

стр. 6779

شَدِيدًا، ولا يُدْخِلْها حَطِمًا (٩)، ولا ضَعِيفًا، ولا ضَرِعًا، ولا أعْجَفَ رَازِحًا. فإنْ شهِدَ أحدٌ الوَقْعَةَ على [واحدٍ من] (١٠) هذه لم يُسْهَمْ له. وبه قال مالكٌ. وقال الشافِعِىُّ: يُسْهَمُ له، كما يُسْهَمُ للمريض. ولَنا، أنَّه لا يُنْتَفَعُ به، فلم يُسْهَمْ له، كالرجُلِ المُخذِّلِ والمُرْجِفِ، ولأنَّه حيوانٌ يتعَيَّنُ مَنْعُ دُخولِه، فلم يُسْهَمْ له، كالمُرْجِفِ. وأمَّا المريضُ الذى لا يتَمَكَّنُ من القتالِ، فإنْ خرَجَ بمرَضِه عن كَوْنِه من أهلِ الجهادِ، كالزَّمِنِ والأشَلِّ والمَفْلُوجِ، فلا سَهْمَ (١١) له؛ لأنَّه لم يَبْقَ من أهل الجهادِ، وإنْ لم يخْرُجْ بمرَضِه عن ذلك، كالمَحْمُومِ، ومَنْ به الصُّداعُ، فإنَّه يُسْهَمُ له، لأنَّه من أهلِ الجهادِ، ويُعِينُ برأيِه، وتكْثيرِه، ودُعائِه. ١٦٤٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ مَاتَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغنِيمَةِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِى سَهْمِهِ) وجملتُه أنَّ الغازِىَ إذا ماتَ أو قُتِلَ، نَظَرْت؛ فإنْ كان قبلَ (١) حِيازَةِ الغَنِيمةِ، فلا سَهْمَ له؛ لأنَّه ماتَ قبلَ ثُبوتِ مِلْكِ المسلمين عليها، سواءٌ ماتَ حالَ القتالِ أو قبلَه، وإنْ ماتَ بعدَ ذلك، فسَهْمُه لوَرَثَتِه. وقال أبو حنيفةَ: إنْ ماتَ قبلَ إحْرازِ الغنيمةِ فى دارِ الإسلامِ، أو قَسْمِها فى دارِ الحربِ، فلا شىءَ له (٢)؛ لأنَّ مِلْكَ المسلمين لا يَتِمُّ عليها إلَّا بذلك. وقال الأوْزاعِىُّ: إنْ ماتَ بعدَ ما يُدْرِبُ (٣) فاصِلًا (٤) فى سبيلِ اللَّه، قبلُ أو بعدُ، أُسْهِمَ له. وقال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: إنْ حَضَرَ القتالَ أُسْهِمَ له، سواءٌ ماتَ قبلَ حِيَازةِ الغنيمةِ أو بعدَها، وإن لم يحضُرْ فلا سَهْمَ له. ونحوَه قال مالكٌ، واللَّيْثُ. ولَنا، أنَّه إذا ماتَ قبلَ حِيازَتِها، فقد ماتَ قبلَ مِلْكِها، وثُبُوتِ الْيَدِ عليها، فلم يسْتَحِقَّ شيئًا، وإنْ ماتَ

стр. 6780

بعدَه (٥)، فقد ماتَ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليها فى حالٍ لو قُسِمَتْ صَحَّتْ قِسْمَتُها، وكان له سَهْمُه منها، فيَجِبُ أنْ يسْتَحِقَّ سَهْمَه فيها، كما لو ماتَ بعدَ إحْرازِها فى دارِ الإسلامِ. وإذا ثَبَت أنَّه يسْتَحِقُّه، فيكونُ لوَرَثَتِه، كسائِرِ أمْلاكِه (٦) وحُقوقِه. ١٦٤٩ - مسألة؛ قال: (ويُعْطَى الرَّاجِلُ سَهْمًا) لا خلافَ فى أنَّ للرَّاجِلِ سَهْمًا. وقد جاءَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه أعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا، فيما تقدَّم من الأخبارِ (١)، ولأنَّ الرَّاجلَ يحْتاجُ إلى أقلَّ ممَّا يحْتاجُ إليه الفارِسُ، وغَناؤُه دونَ غَنائِه، فاقْتَضَى ذلك أنْ يكونَ سَهْمُه دُونَ سهْمِه. فصل: وسواءٌ كانت الغَنِيمةُ من فَتْحِ حِصْنٍ، أو (٢) مدينةٍ، أو من جيشٍ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وقال الوليدُ بن مُسْلِم: سألْتُ الأوْزَاعِىَّ عن إسْهامِ الخيلِ من غَنائِم الحُصونِ. فقال: كانت الوُلاةُ من قبلِ عمرَ بن عبد العزيزِ، الوليدُ وسليمانُ، لا يُسْهِمون الخيلَ من الحُصونِ، ويجْعلون النَّاسَ كلَّهم رَجَّالةً، حتَّى وَلِىَ عمرُ بن عبد العزيز، فأنْكَر ذلك، وأمَرَ بإسْهامِها من فَتْحِ الحُصونِ والمدائِن. وَوَجْهُ ذلك، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قسَمَ غنائِمَ خَيْبَرَ؛ للفارِس ثلاثةُ أسْهُمٍ، وللرَّاجلِ سَهْمٌ (٢). وهى حصونٌ، ولأنَّ الخيلَ ربما احْتِيجَ إليها، بأنْ ينْزِلَ أهلُ الحِصْنِ، فيقاتِلُوا خارجًا منه، ويَلْزَمُ صاحبَه مُؤْنةٌ له، فيُقْسَمُ له، كما لو كانُوا (٣) فى غيرِ حِصْنٍ. ١٦٥٠ - مسألة؛ قال: (ويُرْضَع لِلْمَرْأةِ وَالْعَبْدِ) معناه أنَّهم يُعْطَوْنَ شيئًا من الغنيمَةِ دونَ السَّهْمِ، ولا يُسْهَمُ لهم سهمٌ كامِلٌ، ولا تقديرَ لما يُعْطَوْنَه، بل ذلك إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فإنْ رأَى التَّسْوِيَةَ بينهم سَوَّى بَيْنَهُم (١)، وإنْ رأَى

стр. 6781

التفْضِيلَ فَضَّلَ. وهذا قولُ أَكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المسيَّبِ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاس، وقال أبو ثَوْرٍ: يُسْهَمُ للعَبْدِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبد العزيز، والحسَن (٢)، والنَّخَعِىِّ؛ لما رُوِىَ عن الأسْودِ بن يَزِيدَ، أنَّه شَهِدَ فَتْحَ القادِسِيَّةِ عَبِيدٌ، فضَربَ لهم سِهامَهم (٣). ولأنَّ حُرْمَةَ العَبْدِ فى الدِّينِ كحُرْمَةِ الحُرِّ، وفيه من الغَناءِ مئلُ ما فيه، فوَجَبَ أنْ يُسْهَمَ له، كالحُرِّ. وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ: ليس للعبيدِ سهْمٌ ولا رَضْخٌ، إلَّا أنْ يَجِيئُوا بغنيمةٍ، أو يكونَ لهم غَناءٌ، فيُرْضَخَ لهم. قال: ويُسْهَمُ للمَرْأَةِ؛ لما روَى حَشْرَجُ (٤) بنِ زيادٍ، عن جدَّتِه، أَنَّها حَضَرَت فتْحَ خَيْبَرَ، قالت: فأسْهَمَ لنا رسولُ اللَّه ﷺ ، كما أَسْهَمَ للرِّجالِ (٥). وأسْهَمَ أبو موسى فى غَزْوةِ تُسْتَرَ (٦) لنِسْوَةٍ معه (٧). وقال أبو بكر بن أبى مَرْيم: أُسْهِمْنَ النِّساءُ يومَ اليَرْموكِ. وروَى سعيدٌ (٨)، بإسْنادِه عن ابنِ شِبْلٍ (٩)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ لسَهْلَة بنتِ عاصمٍ يومَ حُنَيْنٍ بسَهْمٍ، فقال رجلٌ من القومِ: أُعْطِيَتْ سَهْلةُ مثلَ سَهْمِى. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عبَّاس، أنَّه قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يغزُو بالنِّساءِ، فيُداوِينَ الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ مِن الغنيمَةِ، وأمَّا سَهْمٌ، فلم يَضْرِبْ لهُنَّ. رواه مُسْلِمٌ (١٠). وروَى

стр. 6782

سعيدٌ (١١)، عن يَزِيدَ بنِ هَارُون، أنَّ نَجْدَةَ كتبَ إلى ابن عبَّاسٍ، يسألُه عن المرأةِ والمملوكِ يحضُران الفَتْحَ، ألَهُما من المَغْنَمِ شىء؟ قال يُحْذَيانِ، وليس لهما شىءٌ. وفى رِوايةٍ قال: ليس لهما سهمٌ، وقد يُرْضَخُ لهما. وعن عُمَيْرٍ مولَى آبِى اللَّحْمِ، قال: شهدْتُ خَيْبَرَ مع سادَتِى، فكلَّمُوا فِىَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، فأُخْبِرَ أنِّى مملوكٌ، فأمرَ لى بشىءٍ من خُرْثِىِّ الْمَتاعِ. روَاه أبو داود (١٢). واحْتَجَّ به أحمد، ولأنَّهما ليسا (١٣) من أهلِ القتالِ، فلم يُسْهَمْ لهما، كالصَّبِىِّ. قالت عائِشَةُ: يا رسولَ اللَّه، هل على النِّساءِ جِهادٌ؟ قال: "نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ، الحَجُّ، والعُمْرَةُ" (١٤). وقال عمرُ بن أبى رَبِيعة (١٥): كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ... وعلى المُحْصَناتِ جَرُّ الذُّيُولِ ولأنَّ المرأَةَ ضعيفةٌ، يسْتَوْلِى عليها الخَوَرُ، فلا تَصْلُحُ للقتالِ، ولهذا لم تُقْتَلْ إذا كانت حَرْبِيَّةً. فأمَّا ما رُوِى فى إِسْهام النِّساءِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدليلِ أنَّ فى حديثِ حَشْرَجٍ، أنَّه جَعَلَ لهُنَّ نَصِيبًا تَمْرًا. ولو كان سَهْمًا، ما اخْتَصَّ التَّمْرَ، ولأَنَّ خَيْبَرَ قُسِمَتْ على أهلِ الحُدَيْبِيَةِ، نَفَرٍ مَعْدُودِين فى غيرِ حَدِيثِها، ولم يُذْكَرْنَ منهم. ويَحْتَمِلُ أنَّه أَسْهَمَ لَهُنَّ مثلَ سَهْمِ (١٦) الرِّجالِ من التَّمْرِ خاصَّةً، أو من المَتاعِ دونَ الأرْضِ. وأمَّا حديثُ سَهْلَةَ، فإنَّ فى الحديثِ أَنَّها وَلَدَتْ، فأعْطاها النَّبىُّ ﷺ لها ولوَلدِها، فبلَغَ رَضْخُهما سَهْمَ رجلٍ، ولذلك عَجِبَ الرَّجُلُ الذى قالَ: أُعْطِيَتْ سَهْلةُ مثلَ سَهْمِى. ولو كان هذا مَشْهورًا من فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ما عَجِبَ منه.

стр. 6783

فصل: والمُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، كالقِنِّ؛ لأنَّهم عَبِيدٌ. فإنْ عَتَقَ منهم قبلَ [تَقَضِّى (١٧) الحرْبِ، أُسْهِمَ لهم. وكذلك إنْ قُتِلَ سيِّدُ المُدبَّرِ قبلَ] (١٨) تقَضِّى الحربِ، وهو يخْرُجُ من الثُّلُثِ، عَتَقَ، وأُسْهِمَ له. وأمَّا مَنْ بَعْضُه حُرٌّ، فقال أبو بُكَرٍ: يُرْضَخُ له بقدْرِ ما فيه من الرِّقِّ، ويُسْهَمُ له بقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ؛ فإذا كانَ نصفُه حُرًّا، أُعْطِىَ نصفَ سَهْمٍ، ورُضِخَ له نِصْفُ الرَّضْخِ؛ لأنَّ هذا ممَّا يُمْكِنُ تَبْعِيضُه، يُقْسَمُ على قدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، كالمِيرَاثِ (١٩). وظاهِرُ كلامِ أحمد، أنَّه يُرْضَخُ له؛ لأنَّه ليس من أهلِ (٢٠) وجوبِ القتالِ، فأشْبَهَ الرَّقِيقَ. فصل: والخُنْثَى المُشْكِلُ يُرْضَخُ له؛ لأنَّه لم يثبُتْ أنَّه رجلٌ فيُسْهَم (٢١) له، ولأنَّه ليس من أهلِ وُجوبِ الجهادِ، فأشْبَهَ المرأةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْسَمَ له نصفُ سهمٍ ونصفُ الرَّضْخِ، كالميراثِ. فإن انْكَشَفَ حالهُ، فتبيَّنَ أنَّه رجُلٌ، أُتِمَّ له سهمُ رجلٍ، سواءٌ انْكَشَفَ قبلَ تقَضِّى الحرْبِ أو بعدَه، أو قبلَ القِسْمَةِ أو بعدَها؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّه كان مُسْتحِقًّا للسَّهْمِ، وأَنَّه أُعْطِىَ دونَ حقِّه، فأشْبَهَ ما لَوْ أُعْطِىَ بعضُ الرجالِ دُونَ حقِّه غَلَطًا. فصل: والصَّبِىُّ يُرْضَخُ له (٢٢)، ولا يُسْهَمُ له (٢٣). وبه قال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن القاسِمِ، وسالمٍ، فى الصَّبِىِّ يُغْزَى (٢٤) به، ليس له شىءٌ. وقال مالك: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ، وأطاقَ ذلك، ومثلُه قد بلغ القتالَ؛ لأنَّه حُرٌّ ذكرٌ مُقاتِلٌ، فيُسْهَمُ له كالرجُلِ. وقال الأوْزاعِىُّ: يُسْهَمُ له. وقال: أَسْهَمَ رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 6784

للصِّبْيانِ بخَيْبَرَ (٢٥)، وأَسْهَمَ أئِمَّةُ المسلمين لكلِّ (٢٦) مولودٍ وُلِدَ فى أرضِ الحَرْبِ. ورَوَى الْجُوزَجانِىُّ، بإسْنادِه عن الوَضِينِ بن عَطاء، قال: حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى، قالتْ: كُنْتُ مع حَبِيبِ بن مَسْلمةَ، وكان يُسْهِمُ لأُمَّهاتِ الأولادِ، لما فى بُطونِهِنَّ. ولَنا، ما رُوِى عن سعيد بن المُسَيَّبِ، قال: كان الصِّبْيانُ والعبيدُ يُحْذَوْنَ من الغنيمةِ إذا حَضَرُوا الغَزْوَ، فى صَدْرِ هذه الأُمَّةِ. وروَى الْجُوزَجَانِىُّ، بإسْنادِه، أنَّ تَمِيمَ بن [فِرَعٍ المَهْرِىَّ] (٢٧)، كان فى الجيشِ الذين فتحُوا الإِسْكَنْدريَّةَ، فى المرَّةِ الآخِرَةِ، قال (٢٨): فلم يَقْسِمْ لى عمرُو من الفَىْءِ شيئًا، وقال: غلامٌ لم يَحْتَلِمْ. حتَّى كاد يكونُ بين قومِى وَبيْنَ أُناسٍ من قريشٍ فى ذلك ثائِرةٌ، فقال بعضُ القومِ: فيكم أُناسٌ (٢٩) من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فاسْأَلُوهم. فسأَلُوا أبا نَضْرةَ الغِفارِىَّ، وعُقْبَةَ بن عامرٍ، فقالا: انْظُرُوا، فإنْ كان قد أَشْعَرَ، فاقْسِمُوا (٣٠) له، فنَظَرَ إلىَّ بعضُ القَوْمِ، فإذا أَنَّا قَد أَنْبَتُّ، فقَسَمَ لى. قال الْجُوزَجَانِىُّ: هذا من مَشاهيرِ حديثِ مصرَ وجَيِّدِه. ولأنَّه ليسَ من أهلِ القتالِ، فلم يُسْهَمْ له، كالعَبْدِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قسَم لصَبِىٍّ، بل كان لا يُجِيزُهم فى القتالِ، فإنَّ ابنَ عمرَ قال: عُرِضْتُ على النَّبِيِّ ﷺ وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ سَنَةً (٣١)، فلم يُجِزْنِى فى القتالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ، فأجازنِى (٣٢). وما ذكروه يَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدليلِ ما ذكرْناه. فصل: فإن انفرَدَ بالغنيمةِ مَنْ لا يُسْهَمُ له، مثل عَبِيدٍ دخلُوا دارَ الحرْبِ فغَنِمُوا، أو صِبْيانٍ، أو عَبيدٍ وصِبْيانٍ، أُخِذَ خُمْسُه، وما بَقِىَ لهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْسَمَ بينهم؛

стр. 6785

للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ، وللرَّاجِلِ سهْمٌ؛ لأنَّهم تساوَوْا، فأشْبَهُوا الرِّجالَ الأحْرارَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْسَمَ بينَهم على ما يَراهُ الإِمامُ من المُفاضَلَةِ؛ لأنَّهم (٣٣) لا تجبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم مع غيرِهم، فلا تجِبُ مع الانْفِرادِ، قياسًا لإِحْدَى الحالَتَيْن على الأُخْرَى. وإن كان فيهم رجلٌ حرٌّ، أُعْطِىَ سَهْمًا، وفُضِّلَ عليهم، بقَدْرِ ما يُفَضَّلُ الأحرارُ على العَبِيدِ والصِّبْيانِ فى غيرِ هذا الموضع، ويُقْسَمُ الباقى بين مَنْ بَقِىَ على ما يَراهُ الإِمامُ من التَّفْضِيلِ؛ لأنَّ فيهم مَنْ له سَهْمٌ، بخلافِ التى قبلَها. ١٦٥١ - مسألة؛ قال: (ويُسْهَمُ للْكَافِرِ، إذَا غَزَا مَعَنَا) اختلَفَتْ الرِّوايَةُ فى الكافِرِ يغْزُو مع الإِمامِ بإِذْنِه، فرُوِىَ عن أحمد، أنَّه يُسْهَمُ له كالمسلمِ. وبهذا قال الأوزاعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، قال الجُوزَجَانِىُّ: هذا (١) مذهبُ أهلِ الثّغُورِ، وأهلِ العلمِ بالصَّوائفِ والبُعُوثِ. وعن أحمدَ: لا يُسْهَمُ له. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّه من غيرِ أهلِ الجهادِ، فلم يُسْهَمْ له، كالعبدِ، ولكنْ يُرْضَخُ له، كالعبدِ. ولَنا، ما روَى الزُّهْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ اسْتَعانَ بناسٍ من اليَهُودِ فى حَرْبِه، فأسْهَمَ لهم. رواه سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٢). وروى: أنَّ صَفْوانَ بن أُمَيَّة، خرَجَ مع النَّبِيِّ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ (٣)، وهو على شِرْكِه، فأسْهَمَ له، وأعْطاهُ من سَهْمِ المُؤلَّفَةِ (٣). ولأنَّ الكُفْرَ نَقْصٌ فى الدِّينِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِحْقاقَ السَّهْمِ، كالفِسْقِ، وبهذا فارَقَ العبدَ؛ فإنَّ نقصَه فى دُنْياه وأحْكامِه. وإنْ غَزَا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ. فلا سَهْمَ له، لأنَّه غيرُ مأْمُونٍ على الدِّينِ، فهو كالمُرْجِفِ، وشرٌّ منه. وإنْ غَزا جماعَةٌ

стр. 6786

من الكفّارِ وحدَهم فغَنِمُوا، فيَحْتَمِلُ أنْ تكونَ غَنِيمَتُهم لهم، لا خُمْسَ فيها؛ لأنَّ هذا اكْتِسابٌ مُباحٌ، لم يُؤْخَذْ على وجْهِ الجهادِ، فكان لهم، لا خُمْسَ فيه، كالاحْتِشاشِ والاحْتِطابِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُؤْخَذَ خمسُه، والباقِى لهم؛ لأنَّه غَنِيمةُ قومٍ من أهلِ دارِ الإِسلامِ، فأشْبَهَ غَنِيمةَ المسلمين. فصل: ولا يُسْتَعانُ بمُشْرِكٍ. وبهذا قال ابنُ المُنْذِرِ، والجُوزَجَانِىُّ، وجماعةٌ من أهلِ العلمِ. وعن أحمدَ ما يدُلُّ على جوازِ الاسْتعانَةِ به. وكلامُ الخِرَقِىِّ يدُلُّ عليه أيضًا عندَ الحاجَةِ، وهو مذهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لحديثِ الزُّهْرِيِّ الذى ذكرْناه، وخَبَرِ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّة. ويُشْتَرطُ أنْ يكونَ مَنْ يُسْتعانُ به حَسَنَ الرَّأْىِ فى المسلمين، فإنْ كان غيرَ مَأْمُونٍ عليهم، لم يَجُزْ (٤) الاسْتِعانةُ به؛ لأنَّنا إذا مَنَعْنَا الاسْتِعانةَ بمَنْ لا يُؤْمَنُ من المسلمين، مِثْلَ المُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، فالكافِرُ أوْلَى. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما رَوَت عائِشَةُ، قالتْ: خَرَجَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى بَدْرٍ، حتَّى إذا كانَ بحَرَّةِ الوَبَرَةِ (٥)، أدْرَكَه رجلٌ من المُشْرِكِين، كان يُذْكَرُ منه جُرْأةٌ ونَجْدَةٌ، فسُرَّ المسلمون به، فقال: [يا رسولَ اللَّه] (٦)، جئْتُ لأتْبَعَكَ، وأُصِيبَ معك. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ " قال: لا. قال: "فَارْجِعْ، فَلَنْ أسْتَعِينَ بمُشْرِكٍ". قالت: ثمَّ مَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ، حتَّى إذا كان بالبَيْداءِ أَدْرَكَه ذلك الرَّجُلُ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "أَتُؤْمِنُ باللهِ وَرَسُولِهِ؟ " قال: نعم. قال: "فَانْطَلِقْ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). ورَوَاه

стр. 6787

الجُوزَجانِىُّ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٨)، بإسْنادِه عن عبد الرحمن بن خُبَيْبٍ (٩)، قال: أَتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، وهو يُرِيدُ غَزْوةً، أنا ورجُلٌ من قومِى، ولم نُسْلِمْ، فقُلْنا: إنَّا لنَسْتَحْيِى أنْ يشهدَ قوْمُنا مَشْهدًا لا نَشْهَدُه معهم. قال: "فَأَسْلَمْتُما؟ " قُلْنا: لا. قال: "فَإنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ". قال: فأَسْلَمْنا، وشَهِدْنا معه. ولأنَّه غيرُ مَأمُونٍ على المسلمين، فأشْبَهَ المُخَذِّلَ والمُرْجِفَ". قال ابنُ المُنْذِرِ: والذى ذُكِرَ أنَّه اسْتعانَ بهم غيرُ ثابِتٍ. فصل: ولا يبْلُغُ بالرَّضْخِ للفارِسِ سَهْمَ فارِسٌ، ولا للرَّاجلِ سَهْمَ راجلٍ، كما لا يبْلُغُ بالتَّعْزيرِ الحَدَّ. ويفعلُ الإِمامُ بينَ أهلِ الرَّضْخِ ما يَرَى، فيُفَضِّلُ العبْدَ المُقاتِلَ، وذا البأْسِ، على مَن ليس مثلَه (١٠)، ويُفَضِّلُ المرأَةَ المُقاتِلَةَ، والتى تَسْقِى الماءَ، وتُداوِى الجَرْحَى، وتَنْفَعُ، على غيرِها. فإنْ قيل: هَلَّا سَوَّيْتُم بَيْنَهم، كما سَوَّيْتُم بينَ أهلِ السُّهْمانِ؟ قُلْنا: السَّهْمُ مَنْصوصٌ عليه غيرُ مَوْكُولٍ إلى الاجْتهادِ (١١)، فلم يخْتلِفْ، كالحدِّ، ودِيَةِ الحُرِّ، والرَّضْخُ غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو مُجْتَهَدٌ فيه، مَرْدودٌ إلى اجتهادِ الإِمامِ، فاخْتلَف، كالتَّعْزيرِ، وقِيمَةِ العَبْدِ. فصل: وفى الرَّضْخِ وَجْهان؛ أحدُهما، هو (١٢) مِنْ أصْلِ الغنيمةِ؛ لأَنَّه اسْتُحِقَّ بالمُعاوَنَةِ فى تَحْصيلِ الغَنِيمَةِ، فأشْبَهَ أُجْرَةَ النَّقَّالِين والحافِظين لها. والثاني، هو من أَرْبَعةِ الأخْماسِ، لأنَّه اسْتُحِقَّ (١٣) بحُضورِ الوَقْعةِ، فأشْبَهَ سِهامَ الغانِمين. وللشافِعِىِّ قولان، كهذَيْن.

стр. 6788

فصل: أوَّلُ ما يَبْدَأُ به (١٤) فى قِسْمَةِ الغنائمِ بالأَسْلابِ، فيَدْفَعُها إلى أهلِها؛ لأنَّ صاحِبَها مُعَيَّنٌ، ثمَّ بمُؤْنَةِ الغَنِيمَةِ، من أُجْرَةِ النَّقَّالِ والحَمَّالِ والحافِظِ والمُخَزِّنِ، ثمَّ بالرَّضْخِ، على أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخَرِ، بالخُمْسِ، ثمّ بالأَنْفالِ من أرْبَعَةِ الأَخْماسِ، ثمَّ يَقْسِمُ بقيَّةَ أرْبَعَةِ الأخماسِ بين الغانِمين. وإنَّما قَدَّمْنا قِسْمَةَ أَرْبَعَةِ الأَخْماسِ على قِسْمَةِ الخُمْسِ، لِسِتَّةِ معانٍ؛ أحدُها، أنَّ أهلَها حاضرون، وأهلُ الخمس غائبون. الثانى؛ أنَّ رُجوعَ الغانِمين إلى أوْطانِهِم يقِفُ على قِسْمَةِ الغنيمةِ، وأهلُ الخمْسِ فى أوْطانِهم، فكان الاشْتغالُ بقَسْمِ نَصِيبِهم ليعُودُوا إلى أَوطانِهم أَوْلَى. الثالثُ، أنَّ الغنيمةَ حَصَلَت بتَحْصيلِ الغانِمين وتَعَبِهم، فصارُوا بمنزلةِ مَن استحَقَّها بعِوَضٍ، وأهلُ الخمسِ بخلافِه، فكان أهلُ الغنيمةِ أوْلَى. الرابعُ، أنَّه إذا قسَمَ الغنيمةَ بين الغانِمين، أخذَ كلُّ إنسانٍ نَصِيبَه، فحَمَلَه، واهْتَمَّ به، كفَى الإِمامَ مُؤْنَتَه، والخُمْسُ إذا قُسِمَ ليس له مَنْ يَكْفِى الإِمامَ مُؤْنَتَه، فلا تَحصُلُ الفائِدَةُ بقِسْمَتِه، بل كان يَحْمِلُه مُجْتمِعًا، فصارَ يحمِلُه مُتَفرِّقًا، فكان تأْخِيرُ قِسْمَتِه أوْلَى. الخامِسُ، أنَّ الخُمْسَ لا يُمْكِنُ قَسْمُهُ بينَ أهلِه كلِّهم، لأنَّه يحْتاجُ إلى معرِفَتِهم وعدَدِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك مع غَيْبَتِهم. السادِسُ؛ أنَّ الغانِمين ينْتفِعُون بِسهامِهم، ويتمَكَّنُون من التَّصَرُّفِ فيها لحضورِهم، بخلافِ أهلِ الخُمْسِ. ١٦٥٢ - مسألة؛ قال: (وإذَا غَزَا العَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِلْفَرَسِ (١)، [فَكَانَ لِسَيِّده] (٢)، ويُرْضَخُ لِلْعَبْدِ) أمَّا الرَّضْخُ للعَبْدِ، فكما تقدَّم، وأمّا الفَرَسُ التى (٣) تَحْتَه، فيَسْتَحِقُّ مالِكُها سَهْمَها، فإنْ كان معه فَرَسان أو أَكْثَرُ، أُسْهِمَ (٤) لفَرَسَيْن، ويُرْضَخُ للعَبْدِ. نَصَّ على

стр. 6789

هذا أحمدُ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا يُسْهَمُ للفرسِ؛ لأنَّه تحْتَ مَنْ لا يُسْهَمُ له، فلم يُسْهَمْ له، كما لو كان تَحْتَ مُخَذِّلٍ. ولَنا، أنَّه فرَسٌ حَضَرَ الوقْعَةَ، وقُوتِلَ عليه، فاسْتَحَقَّ السَّهْمَ، كما لو كان السَّيِّدُ راكِبَه. وإذا (٥) ثَبَتَ هذا، فإنَّ سَهْمَ الفَرَسِ ورَضْخَ العَبْدِ لسَيِّدِه؛ لأنَّه مالِكُه ومالِكُ فرَسِه، وسواءٌ حضَرَ السَّيِّدُ القتالَ أو غابَ عنه. وفارَقَ فرسَ المُخَذِّلِ؛ لأنَّ الفرَسَ له، فإذا لم يسْتحِقَّ شيئًا بحُضورِه، فلأنْ لا يسْتحِقَّ بحُضورِ فرَسِه أوْلَى. فصل: وإنْ غَزَا الصَّبِىُّ على فَرَسٍ، أو المرأَةُ أو الكافِرُ، إذا قُلْنا: لا يَسْتَحِقُّ إلَّا الرَّضْخَ. لم يُسْهَمْ للفَرَسِ، فى ظاهرِ قولِ أصحابِنا؛ لأنَّهم قالُوا: لا يبْلُغُ بالرَّضْخِ للفارِسِ سَهْمَ فارِسٍ. وظاهِرُ هذا أنَّه يُرْضَخُ له ولفَرَسِه ما لا يَبْلُغُ سهمَ الفارِسِ. ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ له، فإذا لم يسْتَحِقَّ السَّهْمَ بحُضورِه، فبِفَرَسِه أوْلَى، بخلافِ العبدِ، فإنَّ الفرَسَ لغيرِه. فصل: وإنْ (٦) غَزا الْمُرْجِفُ أو المُخَذِّلُ على فرسٍ، فلا شىءَ له، ولا للفَرَسِ؛ لما ذكَرْنا، وإنْ غَزا العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، لم يُرْضَخْ له، لأنَّه عاصٍ بغَزْوِه، فهو كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، وإنْ غَزَا الرجلُ بغيرِ إذنِ والِدَيْه، أو بغيرِ إذْنِ غَريمِه، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ؛ لأنَّ الجهادَ يتعيَّنُ عليه بحُضورِ الصَّفِّ، فلا يَبْقَى عاصِيًا فيه، بخلافِ العبدِ. فصل: ومَن اسْتعارَ فرسًا لِيغْزُوَ عليه، ففَعَلَ، فسَهْمُ الفرسِ للمُسْتَعِيرِ، وبهذا قال الشافِعِىُّ، لأنَّه مُتَمَكِّنٌ (٧) من الغَزْوِ عليه بإذْنٍ صحيحٍ شَرْعِىٍّ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه. وعن أحمد، رِوايَةٌ أخْرَى، أنّ سَهْمَ الفرَسِ لمالِكِه، لأنَّه من نَمائِه، فأشْبَهَ ولدَه. وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ. وقال بعضُهم: لا سَهْمَ للفرَسِ؛ لأنَّ مالِكَه لم يسْتَحِقَّ سَهْمًا، فلم يسْتَحِقَّ للفرَسِ (٨) شيئًا، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه فرَسٌ قاتَلَ عليه

стр. 6790

مَنْ يَسْتَحِقُّ سَهْمًا، وهو مالِكٌ لنَفْعِه، فاسْتَحقَّ سَهْمَ الفرَسِ، كالمُسْتأجِرِ، ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ مُسْتَحَقٌّ بمَنْفَعَتِه، وهى للمُسْتَعِيرِ بإذْنِ المالِك فيها، وفارَق النَّماءَ والولدَ، فإنَّه غيرُ مَأْذونٍ له فيه. فأمَّا إن اسَتعارَه لغيرِ الغَزْوِ، ثمَّ غَزا عليه، فهو كالفرَسِ المَغْصُوبِ، على ما سنذكُرُه. فصل: وإنْ غَصَبَ فرسًا، فقاتَلَ عليه، فسَهْمُ الفرَسِ لمالِكِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال بعضُ الحنفيَّةِ: لا سَهْمَ (٩) للفرَسِ. وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافِعِىّ. وقال بعضُهم: سَهْمُ الفَرَسِ للغاصِبِ، وعليه أُجْرَتُه لمالِكِه؛ لأنَّه آلةٌ، فكان الحاصِلُ بها لمُسْتَعْمِلِها (١٠)، كما لو غصَبَ مِنْجَلًا فاحْتَشَّ بها، أو سَيْفًا فقاتَلَ به. ولَنا، أنَّه فَرَسٌ قاتَلَ عليه مَنْ يسْتحِقُّ السَّهْمَ، فاستَحَقَّ السَّهْمَ، كما لو كان مع صاحِبِه، وإذا ثَبَتَ أنَّ له سَهْمًا كانَ لمالِكِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ للفرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا (١١)، وما كان للفرَسِ كان لمالِكِه، وفارَقَ ما يَحْتَشُّ به، فإنَّه لا شىءَ له، ولأنَّ السهْمَ مُسْتحَقُّ بِنَفْعِ الفرَسِ، ونَفْعُه لمالِكِه، فوجَبَ أن يكونَ ما يسْتَحِقُّ به له. فصل: ومَن اسْتَأْجَرَ فرسًا ليغزُوَ عليه، فغَزَا عليه، فسَهْمُ الفرس له. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ لنَفْعِه اسْتِحْقاقًا لازِمًا، فكان سَهْمُه له، كمالِكِه. فصل: فإنْ كان المُسْتأجِرُ والمُسْتَعِيرُ ممَّنْ لا سَهْمَ له؛ إمَّا لكَوْنِه لا شىءَ له كالمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ، أو ممَّنْ يُرْضَخُ له كالصَّبِىِّ، فحكْمُه حُكْمُ فرَسِه، على ما ذَكَرْنا. وإنْ غَصَبَ فرسًا فقاتَلَ عليه، احْتَمَلَ أنْ يكون حُكْمُه حكمَ فرَسِه؛ لأنَّ الفرَسَ يتْبَعُ الفارِسَ فى حُكْمِه، فيَتْبَعُه إذا كان مَغْصُوبًا، قياسًا على فَرَسِه. واحْتَمَلَ أنْ يكونَ سهمُ الفرَسِ لمالِكِه؛ لأنَّ الجنايَةَ من راكِبه، والنَّقْصَ فيه، فيخْتَصُّ المنعُ به، وبما هو تابعٌ له، وفَرَسُه تابِعَةٌ له؛ لأنَّ ما كانَ لها فهو له، والفرَسُ هاهُنا لغيرِه، وسَهْمُها لمالِكِها، فلا ينْقُصُ سَهْمُها بنَقْصِ سَهْمِه، كما لو قاتَلَ العبْدُ على فرسٍ لسَيِّدِه. ولو قاتَلَ العبدُ بغيرِ إذْنِ

стр. 6791

سيِّدِه على فَرَسٍ لسَيِّدِه، خُرِّجَ فيه الوَجْهان اللَّذان ذكَرْناهما فيما إذا غَصَبَ فرسًا فقاتَلَ عليهِ؛ لأنَّه هاهُنا بمنزِلَةِ المغْصُوبِ. فصل: ولا يجوزُ تَفْضِيلُ بعضِ الغانِمين على بعضٍ فى القِسْمَةِ، إلَّا أنْ يُنَفِّلَ بعضَهم من الغَنِيمَةِ نَفَلًا، على ما ذَكَرْنا فى الأنْفالِ، فأمَّا غيرُ ذلك فلا؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قسَم للفارِسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ، وللراجِلِ سَهْمًا (١٢)، وسَوَّى بينهم. ولأنَّهم اشْتَرَكُوا فى الغنيمَةِ على سبيلِ التَّسْوِيَةِ، فتجِبُ التَّسْوِيَةُ بينهم (١٣)، كسائِرِ الشُّرَكَاءِ. فصل: وإنْ قال الإِمامُ: مَنْ أَخَذَ شيئًا فهو له. جازَ، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ (١٤) قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. قال أحمد، فى السَّرِيَّةِ تخرُجُ، فيقولُ الوالى: مَنْ جاءَ بشيْءٍ فهو له، ومَنْ لم يَجِىءُ بشىءٍ فلا شىءَ له: الأنفالُ إلى الإِمامِ، وما (١٥) فَعَلَ من شىءٍ جازَ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال فى (١٦) يومِ بدْرٍ: "مَنْ أخَذَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ" (١٧). ولأنَّهم (١٨) على هذا غَزَوْا، ورَضُوا به. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، لا يجوزُ. وِهو القَوْلُ الثانِى للشافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقْسِمُ الغنائِمَ والخُلَفاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلِك يُفْضِى إلى اشْتِغالِهم بالنَّهْبِ عن القتالِ، وظَفَرِ العَدُوِّ بهم، فلا يجوزُ، ولأنَّ الاغْتِنامَ سببٌ لاسْتِحْقاقِهِم لها على سَبِيلِ التَّساوِى، فلا يزولُ ذلك بقولِ الإِمامِ، كسائِرِ الاكْتسابِ. وأمَّا قضِيَّةُ بَدْرٍ، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، فإنَّهُم اخْتَلَفُوا فيها، فأَنْزَلَ اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١٩).

стр. 6792

١٦٥٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا أُحْرِزَتِ الْغَنِيمَةُ، لَمْ يَكُنْ فِيها لِمَنْ جَاءَهُمْ مَدَدًا، أَوْ هَرَبَ مِنْ أسْرٍ، حَظٌّ) وجملةُ ذلك أنَّ الغنيمةَ لمَنْ حَضَرَ (١) الْوَقْعَةَ (٢)، فمَنْ تجَدَّدَ بعدَ ذلك من مَدَدٍ يلْحَقُ بالمسلمين، أو أَسِيرٍ ينْفَلِتُ من الكُفَّارِ، فيَلْحَقُ بِجَيْشِ المسلمين، أو كافِرٍ يُسْلِمُ، فلا حَقَّ له (٣) فيها. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حَنيفَةَ فى المدَدِ: إنْ لحِقَهُم قبلَ القِسْمَةِ أو إحْرازِها بدارِ الإِسلامِ، شارَكَهم، لأنَّ تَمامَ مِلْكِها بتَمامِ الاسْتيلاءِ، وهو الإِحْرازُ إلى دارِ الإسلامِ، أو قِسْمَتُها، فمَنْ جاءَ قبلَ ذلك فقد أَدْرَكَها قبلَ مِلْكِها، فاسْتَحَقَّ (٤) منها، كما لو جاءَ فى أثناءِ الحربِ، وإنْ ماتَ أحدٌ من العَسْكَرِ قبلَ ذلك، فلا شىء له؛ لما ذكرنا، وقد روَى الشَّعْبِىُّ، أَنّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كتَبَ إلى سعدٍ، أسْهِمْ لمَنْ أتاكَ قبلَ أَنْ تَتَفَقَّأَ (٥) قَتْلَى فارِسَ (٦). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنّ أبانَ بن سعيدِ بن العاص وأصحابَه، قَدِمُوا على رسولِ اللَّه ﷺ بخَيْبَرَ، بعدَ أن فَتَحَها، فقال أبانُ: اقْسِمْ لنا يا رسولَ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اجْلِسْ يَا أبَانُ". ولم يَقْسِمْ له رسولُ اللَّه ﷺ . روَاه أبو داوُدَ (٧). وعن طارِقِ بن شِهابٍ، أنَّ أهلَ البصرةِ غَزَوْا نَهاوَنْدَ (٨)، فأمدَّهم أهلُ

стр. 6793

الكوفَةِ، فكُتِبَ فى ذلك إلى عُمَرَ، رضِىَ اللَّه عنه، فكتَبَ عُمَرُ: إنَّ الغِنيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ (٩). رواه سعيدٌ، في "سُنَنِه" (١٠). ورُوِىَ نحوُه عن عثمانَ فى غزوةِ أَرمِينيَةَ (١١)، ولأنَّه مدَدٌ لحِقَ بعد تَقَضِّى الحربِ، أشْبَهَ ما لو جاءَ بعد القِسْمَةِ، أو بعدَ إحْرازِها بدارِ الإسلامِ، ولأنَّ سبَبَ مِلْكِها الاسْتيلاءُ عليها، وقد حصلَ قبلَ مَجِىءِ الْمَدَدِ. وقولُهم: إنَّ مِلْكَها بإحْرازِها إلى دارِ الإسلامِ. مَمْنوعٌ، بل هو بالاسْتيلاءِ، وقد اسْتَوْلَى عليها الجيشُ قبل الْمَدَدِ، وحديثُ الشَّعَبِىِّ مُرْسَلٌ، يروِيه المُجالِدُ، وقد تُكُلِّم فيه، ثم هم لا يعمَلُون به، ولا نحنُ، فقد حصلَ الإجماعُ منَّا على خلافِه، فكيف يُحْتَجُّ به؟ فصل: وحُكْمُ الأسيرِ يهْرُبُ إلى المسلمين حكْمُ الْمَدَدِ، سواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ. وقال أبو حَنِيفة: لا يُسْهَمُ له إلَّا أنْ يقاتِلَ؛ لأنّه لم يأتِ للقتالِ بخلافِ المدَدِ. ولَنا، أنَّ مَن استحَقَّ إذا قاتَلَ اسْتحَقَّ وإنْ لم يقاتِلْ، كالْمَدَدِ، وسائرِ مَنْ حضَرَ الوَقْعَةَ. فصل: وإنْ لحِقَهُم الْمَدَدُ بعدَ تقَضِّى الحرب، وقبلَ حِيازَةِ الغنيمَةِ، أو جاءَهم أسيرٌ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُشارِكُهم؛ لأنَّه جاءَ قبلَ إحْرازِها. وقال القاضِى: تُمْلَك الغنيمةُ بانْقضاءِ الحرْبِ قبل [حِيازَةِ الغَنِيمَةِ] (١٢). فعلى هذا، لا يُسْهَمُ لهم (١٣). وإنْ حازُوا الغنيمةَ، ثمَّ جاءَهم قومٌ من الكُفَّارِ يقاتِلُونهم، فأَدْرَكَهم الْمَدَدُ، فقاتَلُوا معهم، فقد نَصَّ أحمدُ، على أنَّه لا شيْءَ للْمَدَدِ، فإنَّه قال: إذا غَنِمَ المسلمُون غنيمةً، فلَحِقَهم العَدُوُّ وجاءَ المسلمين مَدَدٌ، فقاتَلُوا العَدُّوَ معهم [حَتّى سَلَّمُوا الغنيمَةَ] (١٤)، فلا شىءَ لهم فى الغنيمةِ؛ لأنَّهم إنَّما قاتَلُوا عن أصحابِهم، ولم يُقاتِلُوا عن الغَنِيمَةِ؛ لأنَّ الغَنِيمةَ

стр. 6794

قد صارَتْ فى أَيْدِيهم وحَوَوْها. قيلَ له: فإنَّ أهلَ الْمِصِّيصةِ (١٥) غنِمُوا ثم اسْتَنْقذَ منهم العدُوُّ، فجاءَ أهلُ طَرَسُوسَ (١٦)، فقاتَلُوا معَهم حتَّى اسْتَنْقَذُوه؟ فقال: أحبُّ إلىَّ (١٧) أنْ يصْطَلِحُوا، [أعْجَبُ إلىَّ أنْ يصْطلِحُوا] (١٨). أمَّا فى الصُّورةِ الأُولَى، فإنَّ الأوَّلين قَدْ أحْرَزُوا الغنيمةَ ومَلَكُوها بحِيَازَتِهم، فكانَتْ لهُم دونَ مَنْ قاتَلَ معَهم. أمَّا فى الصُّورَةِ الثانيةِ، فإنَّما حَصَلَتِ الغنيمةُ بقتالِ الذين اسْتَنْقَذُوها فى المرَّةِ الثانيَةِ، فيَنْبَغِى أنْ يَشْتَركُوا فيها، لأنَّ الإِحْرازَ الأوَّلَ قد زالَ بأخْذِ الكُفَّارِ لها، [ويَحْتَمِلُ أنَّ الأوَّلِين قد مَلَكُوها بالحيازَةِ الأُولى، ولم يَزُلْ مِلْكُهم بأَخْذِ الكُفَّارِ لها] (١٩) منهم، فلهذا أحَبَّ أحمد أنْ يَصْطَلِحُوا عليها. ١٦٥٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ بَعَثَهُ الْأمِيرُ لِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، فَلَمْ يَحْضُرِ الْغَنِيمَةَ، أُسهِمَ لَهُ) هذا مثلُ الرسولِ والدَّليلِ والطَّلِيعَةِ والجَاسُوسِ وأشْباهِهِم، يُبْعَثُون لمَصْلَحَةِ الجيشِ، فإنَّهم يُشارِكُون الجيشَ. وبهذا قال أبو بكر بن أبي مَرْيم، وراشدُ بني سَعْدٍ، وعَطِيَّةُ ابن قَيْسٍ، قالوا: وقد تخَلَّفَ عثمانُ يومَ بَدْرٍ، فأجْرَى له رسولُ اللَّه ﷺ سَهْمًا مِن الْغَنِيمَةِ. ويُرْوَى عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قامَ -يعنى يومَ بَدْرٍ- فقال: "إنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِى حَاجَةِ اللهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وإنِّى أُبَايِعُ لَهُ". فضَرَبَ له رسولُ اللَّه ﷺ بسَهْمِه، ولم يَضْرِبْ لأحَدٍ غابَ غيرِه. روَاه أبو داوُدَ (١). وعن ابنِ عمرَ، قال: إنَّما تَغَيَّبَ عثمانُ عن بَدْرٍ، لأنَّه كانَتْ تَحْتَه ابنةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانَتْ مريضَةً، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ (٢) شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ". روَاه البُخارِيُّ (٣)، ولأنَّه

стр. 6795

فى مَصْلَحَتِهم، فاسْتَحَقَّ سهْمًا منِ غنيمَتِهم، كالسَّرِيَّةِ مع الجيشِ، والجيشِ مع السَّرِيَّةِ فصل: وسُئِلَ أحمد عن قَوْمٍ خَلَّفَهم الأميرُ فى بلادِ العَدُوِّ، وغَزَا، وغَنِمَ، ولم يَمُرَّ بهم، فرجَعُوا، هلْ يُسْهِمُ لهم؟ قال: نَعَمْ يُسْهِمُ لهم، لأنَّ الأميرَ خلَّفهم. قيل له: فإنْ نَادَى الأميرُ: مَنْ كان ضَعِيفًا فليتَخَلَّفْ. فتَخَلَّفَ قومٌ فصارُوا إلى لُؤْلُؤةٍ، وفيها المسلمون، فأقامُوا حَتَّى فَصَلُوا، فقال: إذا كانُوا قد الْتَجأُوا إلى مَأْمَنٍ لهم، لم يُسْهِمْ لهم، ولو تَخَلَّفُوا وأقامُوا فى مَوْضعِ خَوْفٍ، أَسْهَمَ لهم. وقال فى قومٍ خَلَّفهم الأميرُ، وأغارَ فى جَلْدِ الخيلِ، فقال: إنْ أقامُوا فى بلدِ العَدُوِّ حتَّى رجَعَ، أَسْهَمَ لهم، وإنْ رَجَعُوا حتَّى صارُوا إلى مَأْمَنِهم، فلا شىءَ لهم. قيل له: فإن اعتلَّ رجلٌ، أو اعتلَّت دابَّتُه وقد أدْرَبَ، فقال له الأميرُ: أَقِمْ أُسْهِمْ لك، أو انْصَرِفْ إلى أهلِك أُسْهِمْ لك. فكرِهَه، وقال: هذا ينْصَرفُ إلى أهلِه، فكيفَ يُسْهِمُ له! فصل: يجوزُ قِسْمةُ (٤) الغَنائِم فى دارِ الحَرْبِ. وبهذا قال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأبو ثَوْرٍ. وقالَ أصحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْسَمُ (٥) إلَّا فى دارِ الإِسلامِ، لأنَّ المِلْكَ لَا (٦) يتمُّ عليها إلَّا بالاسْتِيلاءِ التَّامِّ، ولا يحْصُلُ إلَّا بإحْرازِها فى دارِ الإِسلامِ. وإنْ قُسِمَتْ أساءَ قاسِمُها، وجازَت قِسْمَتُه؛ لأنَّها مسألةٌ مُجْتَهدٌ فيها، فإذا حكم الإِمامُ فيها بما يُوافِقُ قولَ بعضِ المُجْتهِدين، نفَذَ حُكْمُه. ولَنا، ما رَوَى أبو إسحاقَ الْفَزارِىُّ، قال، : قُلْتُ للأَوزاعِىِّ: هل قسَم رسولُ اللَّه ﷺ شيئًا من الغَنائمِ بالمدينةِ؟ قال: لا أعْلَمُه (٧)، إنَّما كانَ (٨) الناسُ يتْبَعُون غنائمِهم، ويَقْسِمُونها فى أرْضِ عَدُوِّهم، ولم يَقْفُلْ رسولُ اللَّه ﷺ عن غَزاةٍ قَطُّ أصابَ فيها غَنيمةً إلَّا خَمَّسَه وقَسَمَه من قبلِ أنْ يقْفُلَ، من ذلك غَزْوَةُ بنى المُصْطَلِقِ، وهَوازِنَ، وخَيْبَرَ. ولأنَّ كلَّ دارٍ صحَّت القِسْمَةُ فيها
следующие страницы →