← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

سيِّدِه على فَرَسٍ لسَيِّدِه، خُرِّجَ فيه الوَجْهان اللَّذان ذكَرْناهما فيما إذا غَصَبَ فرسًا فقاتَلَ عليهِ؛ لأنَّه هاهُنا بمنزِلَةِ المغْصُوبِ. فصل: ولا يجوزُ تَفْضِيلُ بعضِ الغانِمين على بعضٍ فى القِسْمَةِ، إلَّا أنْ يُنَفِّلَ بعضَهم من الغَنِيمَةِ نَفَلًا، على ما ذَكَرْنا فى الأنْفالِ، فأمَّا غيرُ ذلك فلا؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قسَم للفارِسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ، وللراجِلِ سَهْمًا (١٢)، وسَوَّى بينهم. ولأنَّهم اشْتَرَكُوا فى الغنيمَةِ على سبيلِ التَّسْوِيَةِ، فتجِبُ التَّسْوِيَةُ بينهم (١٣)، كسائِرِ الشُّرَكَاءِ. فصل: وإنْ قال الإِمامُ: مَنْ أَخَذَ شيئًا فهو له. جازَ، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ (١٤) قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. قال أحمد، فى السَّرِيَّةِ تخرُجُ، فيقولُ الوالى: مَنْ جاءَ بشيْءٍ فهو له، ومَنْ لم يَجِىءُ بشىءٍ فلا شىءَ له: الأنفالُ إلى الإِمامِ، وما (١٥) فَعَلَ من شىءٍ جازَ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال فى (١٦) يومِ بدْرٍ: "مَنْ أخَذَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ" (١٧). ولأنَّهم (١٨) على هذا غَزَوْا، ورَضُوا به. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، لا يجوزُ. وِهو القَوْلُ الثانِى للشافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقْسِمُ الغنائِمَ والخُلَفاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلِك يُفْضِى إلى اشْتِغالِهم بالنَّهْبِ عن القتالِ، وظَفَرِ العَدُوِّ بهم، فلا يجوزُ، ولأنَّ الاغْتِنامَ سببٌ لاسْتِحْقاقِهِم لها على سَبِيلِ التَّساوِى، فلا يزولُ ذلك بقولِ الإِمامِ، كسائِرِ الاكْتسابِ. وأمَّا قضِيَّةُ بَدْرٍ، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، فإنَّهُم اخْتَلَفُوا فيها، فأَنْزَلَ اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١٩).

стр. 6792

١٦٥٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا أُحْرِزَتِ الْغَنِيمَةُ، لَمْ يَكُنْ فِيها لِمَنْ جَاءَهُمْ مَدَدًا، أَوْ هَرَبَ مِنْ أسْرٍ، حَظٌّ) وجملةُ ذلك أنَّ الغنيمةَ لمَنْ حَضَرَ (١) الْوَقْعَةَ (٢)، فمَنْ تجَدَّدَ بعدَ ذلك من مَدَدٍ يلْحَقُ بالمسلمين، أو أَسِيرٍ ينْفَلِتُ من الكُفَّارِ، فيَلْحَقُ بِجَيْشِ المسلمين، أو كافِرٍ يُسْلِمُ، فلا حَقَّ له (٣) فيها. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حَنيفَةَ فى المدَدِ: إنْ لحِقَهُم قبلَ القِسْمَةِ أو إحْرازِها بدارِ الإِسلامِ، شارَكَهم، لأنَّ تَمامَ مِلْكِها بتَمامِ الاسْتيلاءِ، وهو الإِحْرازُ إلى دارِ الإسلامِ، أو قِسْمَتُها، فمَنْ جاءَ قبلَ ذلك فقد أَدْرَكَها قبلَ مِلْكِها، فاسْتَحَقَّ (٤) منها، كما لو جاءَ فى أثناءِ الحربِ، وإنْ ماتَ أحدٌ من العَسْكَرِ قبلَ ذلك، فلا شىء له؛ لما ذكرنا، وقد روَى الشَّعْبِىُّ، أَنّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كتَبَ إلى سعدٍ، أسْهِمْ لمَنْ أتاكَ قبلَ أَنْ تَتَفَقَّأَ (٥) قَتْلَى فارِسَ (٦). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنّ أبانَ بن سعيدِ بن العاص وأصحابَه، قَدِمُوا على رسولِ اللَّه ﷺ بخَيْبَرَ، بعدَ أن فَتَحَها، فقال أبانُ: اقْسِمْ لنا يا رسولَ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اجْلِسْ يَا أبَانُ". ولم يَقْسِمْ له رسولُ اللَّه ﷺ . روَاه أبو داوُدَ (٧). وعن طارِقِ بن شِهابٍ، أنَّ أهلَ البصرةِ غَزَوْا نَهاوَنْدَ (٨)، فأمدَّهم أهلُ

стр. 6793

الكوفَةِ، فكُتِبَ فى ذلك إلى عُمَرَ، رضِىَ اللَّه عنه، فكتَبَ عُمَرُ: إنَّ الغِنيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ (٩). رواه سعيدٌ، في "سُنَنِه" (١٠). ورُوِىَ نحوُه عن عثمانَ فى غزوةِ أَرمِينيَةَ (١١)، ولأنَّه مدَدٌ لحِقَ بعد تَقَضِّى الحربِ، أشْبَهَ ما لو جاءَ بعد القِسْمَةِ، أو بعدَ إحْرازِها بدارِ الإسلامِ، ولأنَّ سبَبَ مِلْكِها الاسْتيلاءُ عليها، وقد حصلَ قبلَ مَجِىءِ الْمَدَدِ. وقولُهم: إنَّ مِلْكَها بإحْرازِها إلى دارِ الإسلامِ. مَمْنوعٌ، بل هو بالاسْتيلاءِ، وقد اسْتَوْلَى عليها الجيشُ قبل الْمَدَدِ، وحديثُ الشَّعَبِىِّ مُرْسَلٌ، يروِيه المُجالِدُ، وقد تُكُلِّم فيه، ثم هم لا يعمَلُون به، ولا نحنُ، فقد حصلَ الإجماعُ منَّا على خلافِه، فكيف يُحْتَجُّ به؟ فصل: وحُكْمُ الأسيرِ يهْرُبُ إلى المسلمين حكْمُ الْمَدَدِ، سواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ. وقال أبو حَنِيفة: لا يُسْهَمُ له إلَّا أنْ يقاتِلَ؛ لأنّه لم يأتِ للقتالِ بخلافِ المدَدِ. ولَنا، أنَّ مَن استحَقَّ إذا قاتَلَ اسْتحَقَّ وإنْ لم يقاتِلْ، كالْمَدَدِ، وسائرِ مَنْ حضَرَ الوَقْعَةَ. فصل: وإنْ لحِقَهُم الْمَدَدُ بعدَ تقَضِّى الحرب، وقبلَ حِيازَةِ الغنيمَةِ، أو جاءَهم أسيرٌ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُشارِكُهم؛ لأنَّه جاءَ قبلَ إحْرازِها. وقال القاضِى: تُمْلَك الغنيمةُ بانْقضاءِ الحرْبِ قبل [حِيازَةِ الغَنِيمَةِ] (١٢). فعلى هذا، لا يُسْهَمُ لهم (١٣). وإنْ حازُوا الغنيمةَ، ثمَّ جاءَهم قومٌ من الكُفَّارِ يقاتِلُونهم، فأَدْرَكَهم الْمَدَدُ، فقاتَلُوا معهم، فقد نَصَّ أحمدُ، على أنَّه لا شيْءَ للْمَدَدِ، فإنَّه قال: إذا غَنِمَ المسلمُون غنيمةً، فلَحِقَهم العَدُوُّ وجاءَ المسلمين مَدَدٌ، فقاتَلُوا العَدُّوَ معهم [حَتّى سَلَّمُوا الغنيمَةَ] (١٤)، فلا شىءَ لهم فى الغنيمةِ؛ لأنَّهم إنَّما قاتَلُوا عن أصحابِهم، ولم يُقاتِلُوا عن الغَنِيمَةِ؛ لأنَّ الغَنِيمةَ

стр. 6794

قد صارَتْ فى أَيْدِيهم وحَوَوْها. قيلَ له: فإنَّ أهلَ الْمِصِّيصةِ (١٥) غنِمُوا ثم اسْتَنْقذَ منهم العدُوُّ، فجاءَ أهلُ طَرَسُوسَ (١٦)، فقاتَلُوا معَهم حتَّى اسْتَنْقَذُوه؟ فقال: أحبُّ إلىَّ (١٧) أنْ يصْطَلِحُوا، [أعْجَبُ إلىَّ أنْ يصْطلِحُوا] (١٨). أمَّا فى الصُّورةِ الأُولَى، فإنَّ الأوَّلين قَدْ أحْرَزُوا الغنيمةَ ومَلَكُوها بحِيَازَتِهم، فكانَتْ لهُم دونَ مَنْ قاتَلَ معَهم. أمَّا فى الصُّورَةِ الثانيةِ، فإنَّما حَصَلَتِ الغنيمةُ بقتالِ الذين اسْتَنْقَذُوها فى المرَّةِ الثانيَةِ، فيَنْبَغِى أنْ يَشْتَركُوا فيها، لأنَّ الإِحْرازَ الأوَّلَ قد زالَ بأخْذِ الكُفَّارِ لها، [ويَحْتَمِلُ أنَّ الأوَّلِين قد مَلَكُوها بالحيازَةِ الأُولى، ولم يَزُلْ مِلْكُهم بأَخْذِ الكُفَّارِ لها] (١٩) منهم، فلهذا أحَبَّ أحمد أنْ يَصْطَلِحُوا عليها. ١٦٥٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ بَعَثَهُ الْأمِيرُ لِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، فَلَمْ يَحْضُرِ الْغَنِيمَةَ، أُسهِمَ لَهُ) هذا مثلُ الرسولِ والدَّليلِ والطَّلِيعَةِ والجَاسُوسِ وأشْباهِهِم، يُبْعَثُون لمَصْلَحَةِ الجيشِ، فإنَّهم يُشارِكُون الجيشَ. وبهذا قال أبو بكر بن أبي مَرْيم، وراشدُ بني سَعْدٍ، وعَطِيَّةُ ابن قَيْسٍ، قالوا: وقد تخَلَّفَ عثمانُ يومَ بَدْرٍ، فأجْرَى له رسولُ اللَّه ﷺ سَهْمًا مِن الْغَنِيمَةِ. ويُرْوَى عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قامَ -يعنى يومَ بَدْرٍ- فقال: "إنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِى حَاجَةِ اللهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وإنِّى أُبَايِعُ لَهُ". فضَرَبَ له رسولُ اللَّه ﷺ بسَهْمِه، ولم يَضْرِبْ لأحَدٍ غابَ غيرِه. روَاه أبو داوُدَ (١). وعن ابنِ عمرَ، قال: إنَّما تَغَيَّبَ عثمانُ عن بَدْرٍ، لأنَّه كانَتْ تَحْتَه ابنةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانَتْ مريضَةً، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ (٢) شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ". روَاه البُخارِيُّ (٣)، ولأنَّه

стр. 6795

فى مَصْلَحَتِهم، فاسْتَحَقَّ سهْمًا منِ غنيمَتِهم، كالسَّرِيَّةِ مع الجيشِ، والجيشِ مع السَّرِيَّةِ فصل: وسُئِلَ أحمد عن قَوْمٍ خَلَّفَهم الأميرُ فى بلادِ العَدُوِّ، وغَزَا، وغَنِمَ، ولم يَمُرَّ بهم، فرجَعُوا، هلْ يُسْهِمُ لهم؟ قال: نَعَمْ يُسْهِمُ لهم، لأنَّ الأميرَ خلَّفهم. قيل له: فإنْ نَادَى الأميرُ: مَنْ كان ضَعِيفًا فليتَخَلَّفْ. فتَخَلَّفَ قومٌ فصارُوا إلى لُؤْلُؤةٍ، وفيها المسلمون، فأقامُوا حَتَّى فَصَلُوا، فقال: إذا كانُوا قد الْتَجأُوا إلى مَأْمَنٍ لهم، لم يُسْهِمْ لهم، ولو تَخَلَّفُوا وأقامُوا فى مَوْضعِ خَوْفٍ، أَسْهَمَ لهم. وقال فى قومٍ خَلَّفهم الأميرُ، وأغارَ فى جَلْدِ الخيلِ، فقال: إنْ أقامُوا فى بلدِ العَدُوِّ حتَّى رجَعَ، أَسْهَمَ لهم، وإنْ رَجَعُوا حتَّى صارُوا إلى مَأْمَنِهم، فلا شىءَ لهم. قيل له: فإن اعتلَّ رجلٌ، أو اعتلَّت دابَّتُه وقد أدْرَبَ، فقال له الأميرُ: أَقِمْ أُسْهِمْ لك، أو انْصَرِفْ إلى أهلِك أُسْهِمْ لك. فكرِهَه، وقال: هذا ينْصَرفُ إلى أهلِه، فكيفَ يُسْهِمُ له! فصل: يجوزُ قِسْمةُ (٤) الغَنائِم فى دارِ الحَرْبِ. وبهذا قال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأبو ثَوْرٍ. وقالَ أصحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْسَمُ (٥) إلَّا فى دارِ الإِسلامِ، لأنَّ المِلْكَ لَا (٦) يتمُّ عليها إلَّا بالاسْتِيلاءِ التَّامِّ، ولا يحْصُلُ إلَّا بإحْرازِها فى دارِ الإِسلامِ. وإنْ قُسِمَتْ أساءَ قاسِمُها، وجازَت قِسْمَتُه؛ لأنَّها مسألةٌ مُجْتَهدٌ فيها، فإذا حكم الإِمامُ فيها بما يُوافِقُ قولَ بعضِ المُجْتهِدين، نفَذَ حُكْمُه. ولَنا، ما رَوَى أبو إسحاقَ الْفَزارِىُّ، قال، : قُلْتُ للأَوزاعِىِّ: هل قسَم رسولُ اللَّه ﷺ شيئًا من الغَنائمِ بالمدينةِ؟ قال: لا أعْلَمُه (٧)، إنَّما كانَ (٨) الناسُ يتْبَعُون غنائمِهم، ويَقْسِمُونها فى أرْضِ عَدُوِّهم، ولم يَقْفُلْ رسولُ اللَّه ﷺ عن غَزاةٍ قَطُّ أصابَ فيها غَنيمةً إلَّا خَمَّسَه وقَسَمَه من قبلِ أنْ يقْفُلَ، من ذلك غَزْوَةُ بنى المُصْطَلِقِ، وهَوازِنَ، وخَيْبَرَ. ولأنَّ كلَّ دارٍ صحَّت القِسْمَةُ فيها

стр. 6796

جازَتْ، كدارِ الإِسلامِ، ولأنَّ المِلْكَ ثبَتَ فيها بالقَهْرِ والغَلَبةِ (٩) والاسْتِيلاءِ، فصَحَّتْ قِسْمَتُها، كما لو أُحْرِزَت بدارِ الإِسلامِ. والدليلُ على ثُبوتِ المِلْكِ فيها أمورٌ ثلاثة؛ أحدُها، أنَّ سَبَبَ المِلْكِ الاسْتِيلاءُ التَّامُّ، وقد وُجِدَ، فإنَّنا أثْبَتْنَا أيْدِيَنا عليها حَقِيقةً، وقَهَرْناهم، ونَفَيْناهم عنها، والاسْتِيلاءُ يدُلُّ على حاجَةِ المُسْتَوْلِى، فيَثْبُتُ به (١٠) المِلْكُ، كما فى المُباحات. الثانى، أنَّ ملْكَ الكُفَّارِ قد زالَ عنها، بدليلِ أنَّه لا ينْفُذُ عِتْقُهم فى العَبيدِ الذين حَصَلُوا فى الغنيمةِ، ولا يصِحُّ تصَرُّفُهم فيها، ولم يُزلْ مِلْكُهم إلى غير مالِك، إذْ ليست فى هذه الحالِ مُباحةً، فعُلِمَ (١١) أنَّ مِلكَهم (١٢) زالَ إلى الغانِمين. الثالثُ، أنَّ لو أَسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ، ولَحِقَ بجيشِ المسلمين، صارَ حُرًّا، وهذا يدُلُّ على زَوالِ مِلْكِ الكافِرِ، وثُبوتِ المِلْكِ لِمَنْ قَهَرَه، وبهذا يحْصُلُ الجوابُ عمّا ذكرُوه. ١٦٥٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا سُبُوا، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِه، وَلَا بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ التَّفْرِيقَ بين الأُمِّ وولَدِها الطِّفْلِ غيرُ جائِزٍ. هذا قولُ مالِك فى أهلِ المدينةِ، والأَوْزاعِىِّ فى أهلِ الشامِ، واللَّيْث فى أهلِ مصرَ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ فيه. والأصلُ فيه ما رَوَى أبو أَيُّوبَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ فرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ ووَلَدِها، فرَّقَ اللهُ بَيْنَه وَبيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ". أخرجَهُ التِّرْمِذِىّ (١).، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" (٢). قال أحمدُ: لا يُفَرَّقُ بين الأُمّ وولَدِها وإنْ رَضِيَت. وذلك -واللَّه أعْلَمَ- لما فيه من الإِضْرارِ بالوَلدِ، ولأنَّ المرأَةَ قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثمّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُها بعدَ

стр. 6797

ذلك فتَنْدَمُ. ولا يجوزُ التَّفْرِيقُ بين الأبِ ووَلَدِه. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، ومذهبُ الشافِعِىِّ. وقال بعضُ أصحابِه: يجوزُ. وهو قولُ مالِك، واللَّيْثِ؛ لأنَّه ليس من أهلِ الْحَضانَةِ بِنَفْسِه، ولأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو فى مَعْنَى المَنْصوصِ عليه، لأنَّ الأُمَّ أشْفَقُ منه. ولَنا، أنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، فأشْبَهَ الأُمَّ، ولا نُسَلِّمُ أنّه ليس من أهلِ الْحَضانَةِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ كوْنِ الوَلَدِ كبيرًا بالغًا أو طفْلًا. وهذه إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ؛ لعُمومِ الخَبَرِ، ولأن الوالِدَةَ تتضَرَّرُ بمُفارَقَةِ ولَدِها الكبيرِ، ولهذا حَرُمَ عليه الجهادُ بدُونِ إذْنِهما. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، يَختَصُّ تَحْرِيمُ التَّفْريقِ بالصَّغِيرِ. وهو قولُ أكثر أهل العلمِ؛ منهم سعيد بن عبد (٣) العزيز، ومالِك، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ سلَمَةَ بن الأكْوَعِ أتَى بامْرأَةٍ وابنَتِها، فنَفَّلَه أبو بكْرٍ ابْنَتَها، فاسْتَوْهَبها منه النَّبِىُّ ﷺ ، فوَهَبَها له (٤)، ولم يُنْكِرِ التَّفْرِيقَ بينهما. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُهْدِيَتْ إليه مارِيَةُ وأختُها سِيرِينُ، فأَمْسَكَ مارِيَةَ، ووَهَبَ سِيرِينَ لحسَّان بن ثابتٍ (٥). ولأنَّ الأحْرارَ يتفرَّقُون بعدَ الكِبَرِ، فإنَّ المرأَةَ تُزوِّجُ ابنَتَها، فالعَبيدُ أوْلَى. وبما ذَكَرْناه يتَخَصَّصُ عُمومُ حديثِ النَّهْىِ. واختلَفُوا فى حَدِّ الكِبَرِ الذى يُجَوِّزُ (٦) التَّفْرِيقَ، فرُوِىَ عن أحمدَ: يجوزُ التَّفْرِيقُ بينهما إذا بلغ الولدُ. وهو قولُ سعيدِ بن عبد العزيز، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وقَوْلٌ للشافِعِىّ (٧). وقال مالكٌ: إذا أثْغَرَ. وقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: إذا اسْتَغْنَى عن أمِّه، ونَفَعَ نَفْسَه. وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ قوْلَيْه: إذا صارَ ابنَ سبعِ سِنِين أو ثمانِ سِنين. وقال أبو ثَوْرٍ إذا كان يَلْبَسُ وَحْدَه، ويَتَوَضَّأ وحْدَه؛ لأنَّه إذا كان كذلك يَسْتَغْنِى عن أُمِّه، وكذلك خُيِّرَ الغلامُ بين أُمِّه وأبيه إذا صار كذلك. ولأنَّه جازَ التَّفْريقُ بينهما بتَخْيِيرِه، فجازَ بَيْعُه وقِسْمَتُه. ولَنا، ما رُوِىَ عن عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا". فقيل: إلى مَتَى؟ قال: "حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ، وتَحِيضَ

стр. 6798

الْجَارِيَةُ" (٨). ولأنَّ ما دُونَ البُلوغِ مُوَلَّى عليه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ. فصل: وإنْ فُرِّقَ بَيْنَهما بالبَيْعِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: [يصِحُّ البَيْعُ] (٩)؛ لأنَّ النَّهْىَ لِمَعْنًى فى غيرِ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ البيْعَ فى وقتِ النِّداءِ. ولَنا، ما رَوَى أبو داوُدَ، [فى سُنَنِه] (١٠)، بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه فرَّقَ بينَ الأُمِّ وولَدِها، فَنَهاهُ (١١) رسولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، ورَدَّ البَيْعَ. والأَصْلُ ممنوعٌ، ولا يَصِحُّ ما ذكرُوه، فإنَّه نَهَى عنه لما يلحَقُ الْمَبِيعَ من الضَّررِ، فهو لمعنًى فيه. ١٦٥٦ - مسألة؛ قال: (والجَدُّ فِى ذلِكَ كَالْأَبِ، والْجَدَّةُ فِيه (١) كَالْأُمِّ) وجملَةُ ذلك أنَّ الجَدَّ والجَدَّةَ، فى تَحْريمِ التَّفرِيقِ بينَهُما وبَيْنَ ولَدِ ولدِهما، كالأَبَوَيْن؛ لأنَّ الجَدَّ أبٌ، والجَدَّةَ أُمٌّ، ولذلك يقُومان مَقامَ الأبَوَيْن فى اسْتِحْقاقِ الْحَضانَةِ والميراثِ والنَّفَقَةِ، فقاما مَقامَهما فى تَحْريمِ التَّفْرِيقِ، ويسْتَوِى فى ذلك الجَدُّ والجَدَّةُ من قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، لأنَّ للجميعِ وِلادَةً ومَحْرَمِيَّةً، فاسْتَووا فى ذلك، كاسْتِوائِهم فى مَنْعِ شهادَةِ بعضِهم لبَعْضٍ. ١٦٥٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أخَوَيْنِ، وَلَا أُخْتَيْنِ) وجملَتُه أنَّه يحْرُمُ التَّفْريقُ بين الإِخْوَةِ فى القِسْمةِ (١)، والبَيْعِ، ونحوِه (٢). وبهذا قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِك، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يجوزُ؛ لأنَّها قرابَةٌ لا تَمْنَعُ قَبولَ الشهادَةِ، فلم يَحْرُمِ التَّفْرِيقُ، كقرابَةِ ابنِ العَمِّ. ولَنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ،

стр. 6799

رَضِىَ اللهُ عنه، قال: وَهَبَ لى رسولُ اللَّه ﷺ غُلامَيْن أَخَوَيْن، فبِعْتُ أحدَهما، فقال لى رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا فعَلَ غُلَامُكَ؟ " فأَخبَرْتُه، فقال: "رُدَّهُ، رُدَّهُ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: هذا حديثٌ حسَنٌ غريبٌ. ورَوَى عبدُ الرحمن بن فَرُّوخٍ، عن أبيه، قال: كتَبَ إلينا عمرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه: لا تُفَرِّقُوا بينَ الأَخَوَيْن، ولا بَيْنَ الأُمِّ وولَدِها، فى البيعِ (٤). ولأنَّه (٥) ذو رَحِمٍ مَحْرَمٌ (٦)، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالولدِ والوالدِ. فصل: ويجوزُ التَّفْرِيقُ بين سائِرِ الأقارِبِ، فى ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وقال غيرُه من أصحابنا: لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بين ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخيها، والخالَةِ [مع ابنِ] (٧) أُخْتِها؛ لما ذكَرْنا من القياسِ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ حِلّ البَيْعِ والتَّفْرِيقِ، ولا يَصِحُّ القياسُ على الإِخْوَةِ؛ لأنَّهم أقرَبُ، ولذلك يَحْجُبُونَ غيرَهم عن الميرَاثِ، فيَبْقَى فى مَن عداهُم على مُقْتَضَى الأصْلِ. فأمَّا مَنْ ليس بَيْنَهما رَحِمٌ محْرَمٌ، فلا يُمَنْعُ من التَّفْريقِ بينَهم عندَ أحَدٍ عَلِمْناه؛ لعدَمِ النَّصِّ فيهم، وامْتِناعِ القياسِ على المَنْصوصِ. وكذلك يجوزُ التَّفْريقُ بيْنَ الأُمِّ من الرَّضاعِ ووَلَدِها، والأُخْتِ وأُخْتِها؛ لذلك، ولأنَّ قرابَةَ الرَّضاعِ لا تُوجِبُ عِتْقَ أحدِهما على صاحبِه، ولا نفقةً، ولا ميراثًا، فلم تَمْنَعِ التَّفْرِيقَ، كالصداقَةِ. فصل: وإذا كان فى المَغْنَمِ مَنْ لا يجوزُ التَّفْريقُ بَيْنَهم، وكان قدْرُهم حِصَّةَ واحدٍ (٨) من الغانِمين، دُفِعُوا إلى واحدٍ. وإنْ كان فيهم فضْلٌ، فرَضِىَ بَردِّ قِيمَةِ الفضْلِ، جازَ. وإنْ لم يكُنْ ذلك، بِيعُوا جُمْلةً، وقُسِمَ ثمنُهم، أو يُجْعَلُوا (٩) فى الخُمسِ. ويجوزُ التَّفْرِيقُ بينهم فى العِتْقِ والفِدَاءِ؛ لأنَّ العِتْقَ لا تَفْرِقَةَ فيه فى المكانِ، والفِداءَ تخليصٌ، فهو كالعِتْقِ.

стр. 6800

١٦٥٨ - مسألة؛ قال: (ومَن اشْتَرَى مِنْهُمْ وهُمْ مُجْتَمِعُونَ، فَتَبَيَّنَ أنْ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمْ، رَدَّ إلى المَقْسِمِ الْفَضْلَ الَّذِى فِيهِ بالتَّفْرِيقِ) وجملَتُه أنَّ مَنْ اشْتَرى من الْمَغنَمِ اثْنَيْن أو أكْثَرَ، وحُسِبُوا عليه بنصيبِه، بناءً على أنّهم أقارِبُ، يحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينهم، فبان أنَّه لا نَسَبَ بينَهم، وجَبَ عليه رَدُّ الفَضْلِ الذى فيهم على الْمَغْنَمِ؛ لأنَّ قيمَتَهم تزيدُ بذلِك، فإنَّ مَن (١) اشْتَرَى اثنَتَيْنِ (٢)، بناءً على أنَّ إحْداهُما أمُّ الأُخْرَى، لا يحِلُّ له الجَمْعُ بينهما فى الوطْءِ، ولا بَيْعُ إحْداهُما دونَ الأُخْرَى، كانتْ (٣) قيمَتُهما قليلةً لذلك، فإنْ بانَ أنَّ إحداهُما أجْنَبِيَّةٌ من الأخْرَى، أُبيحَ له وطْؤُهما، وبَيْعُ إحْداهما، فتَكْثُرُ قيمَتُهما، فَيَجِبُ رَدُّ الفَضْلِ، كما لو اشتراهُما فوجَدَ معهما حُلِيًّا أو ذَهَبًا (٤)، وكما لو أخَذَ دراهمَ، فبانَتْ أكثرَ ممَّا حُسِبَ عليه. ١٦٥٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سُبِىَ مِنْ أطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا، أوْ مَعَ أحَدِ أبَوَيْهِ، فَهُوَ مُسْلمٌ، ومَنْ سُبِىَ مَعَ أبَوَيْهِ، فَهوَ عَلَى دِينِهِمَا) وجُمْلَتُه أنَّه إذا سُبِىَ مَنْ لم يبلُغْ من أولادِ الكُفَّارِ، صار رَقِيقًا، ولا يخلُو من ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُهما، أنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عن أبَوَيْه، فهذا يصيرُ مُسْلِمًا إجْماعًا؛ لأنَّ الدِّينَ إنَّما يَثْبُتُ له تَبَعًا، وقد انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُه لأبَوَيْه، لانْقطاعِه عنهُما، وإخْراجِه عن دارِهما، ومصيرِه إلى دارِ الإِسلامِ تبعًا لسَابِيه المسلمِ، فكان تابعًا له فى دِينِه. والثانى، أن يُسْبَى مع أحَدِ أبوَيْه، فإنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِه [أيضا. وبهذا قال الأوزاعِىُّ. وقال أبو حنيفَةَ، والشافِعِىُّ: يكون تابعًا لأبِيه فى الكُفْرِ؛ لأنَّه لم ينْفَرِدْ عن أحدِ أبَوَيْه، فلم يُحْكَمْ بإسْلامِه] (١)، كما لو سُبِىَ معهما. وقال مالك: إنْ سُبِىَ مع أبِيه يَتْبَعْه (٢)، لأنَّ الولدَ يتْبَعُ أباه فى الدِّينِ، [كما يتْبَعُه فى النَّسَبِ، وإنْ سُبِىَ مع أُمِّه فهو مسلمٌ، لأنَّه لا يتْبَعُها فى النَّسَبِ، فكذلك فى الدِّينِ] (١).

стр. 6801

ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِه، [أوْ يُنَصِّرانِهِ، أو] (٣) يُمَجِّسانِهِ" (٤). فمَفْهُومُه أنَّه لا يَتْبَعُ أحَدَهما؛ لانَّ الحُكْمَ مَتَى عُلِّقَ بشَيْئَيْن، لا يَثْبُتُ بأَحَدِهما، ولأنَّه يتْبَعُ سَابِيه مُنْفَرِدًا، فيتبَعُه مع أحَدِ أبوَيْه، قياسًا على ما لَوْ أسْلَمَ أحدُ الأبَوَيْن، يُحَقِّقُه أنّ كلَّ شخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسلامِه مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مع أحدِ الأبَوَيْن، كالمسلمِ من الأبَوَيْن. الثالث، أنْ يُسْبَى مع أبَوَيْه، فإنَّه يكونُ على دينِهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يكونُ مسلمًا؛ لانَّ السَّابِىَ أحَقُّ به، لكَوْنِه ملَكَه بالسَّبْىِ، وزالَت وِلايَةُ أبَوَيْه عنه، وانْقَطَعَ مِيراثُهُما منه ومِيراثُه منهما، فكان أوْلَى به منهما. ولَنا، قولُه ﵇: "فَأَبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، [أو يُنَصِّرَانِه، أوْ] (٥) يُمَجِّسانِهِ". وهما معه، ومِلْكُ السَّابِى له لا يَمْنَعُ اتِّباعَه لأَبَوَيْه، بدليلِ ما لو وُلِدَ فى مِلْكِه من عبدِه وأَمَتِه الكافِرَيْن. فصل: وإذا سُبِىَ المُتَزَوِّجُ من الكُفَّارِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أحوالٍ؛ أحدُها، أن يُسْبَى الزَّوجانِ معًا، فلا ينْفسِخُ نِكاحُهما. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والأوْزاعِىُّ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: ينْفَسِخُ نِكاحُهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) والمُحْصَناتُ المُزَوَّجاتُ (٧) ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالسَّبْىِ، قال أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىّ: نزلَتْ هذه الآيَةُ فى سَبْىِ أوْطاسَ (٨). وقال ابنُ عبَّاسٍ: إلَّا ذَواتِ الأَزْواجِ من المَسْبِيَّاتِ (٨). ولأنَّه اسْتَوْلَى على مَحلِّ حقِّ الكافِرِ، فزالَ مِلْكُه، كما لو سَباها وَحْدَها. ولَنا، أَنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لا يَمْنَعُ ابتداءَ النِّكاحِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كالعِتْقِ، والآيةُ نزلَت فى سَبايا أوْطاسَ، وكانوا أخَذُوا النِّساءَ دُونَ أزْواجِهِنَّ، وعمومُ الآيةِ مَخْصُوصٌ بالمملُوكَةِ المُزَوَّجَةِ فى دارِ الإِسلامِ،

стр. 6802

فيُخَصُّ منه مَحَلُّ النِّزاعِ بالقياسِ عليه. الحالُ الثانى، أنْ تُسْبَى المرأَةُ وحدَها، فيَنْفَسِخُ النِّكاحُ، بلا خِلافٍ عَلِمْناه. والآيَةُ دالَّةٌ عليه، وقَدْ روَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: أَصَبْنَا سَبايَا يومَ أوْطاسَ، ولَهُنَّ أَزْواجٌ فى قَوْمِهِنَّ، فذَكَرُوا (٩) ذلك لرسُولِ اللَّه ﷺ فنزَلَت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. رَواه التِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. إلَّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قال: إذا سُبِيَتِ المرأَةُ وحدها، ثُمَّ سُبِىَ زوْجُها بعدَها بيومٍ، لم ينفَسِخِ النِّكاحُ. ولَنا، أنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِى للفَسْخِ وُجِدَ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِىَ بعدَ شَهْرٍ. الحالُ الثالث، سُبِىَ الرَّجلُ وَحْدَه، فلا ينْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا القياسُ يقْتَضِيه، وقد سَبَى النَّبِىُّ ﷺ سبعين من الكُفَّارِ يومَ بَدْرٍ، فمَنَّ على بعضِهم، وفادَى بعضًا، فلم يحْكُمْ عليهم بفسْخِ أنْكِحَتِهم (١١). ولأنَّنا إذا لم نَحْكُمْ بفَسْخ النكاحِ فيما إذا سُبِيَا معًا، مع الاسْتيلاءِ على مَحَلِّ حقِّه، فلأَنْ لا ينْفَسِخُ نكاحُه مع عَدَمِ الاسْتيلاءِ عليه (١٢) أوْلَى. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا سُبِىَ أحَدُ الزَّوْجَيْن، انْفَسَخَ النِّكاحُ. ولم يُفَرِّقْ. وبه قال أبو حنيفة، لأنَّ الزَّوجَيْن افْترَقَتْ بهما الدَّارُ، وطرأ المِلْكُ على أحدِهما، فانْفَسَخَ النكاحُ، كما (١٢) لو سُبِيَتِ المرأةُ وحدَها. وقال الشافِعِىُّ: إنْ سُبِىَ واسْتُرِقَّ، انْفَسخَ نِكاحُه، وإنْ مُنَّ عليه أو فُودِىَ، لم ينْفَسِخْ (١٣). ولَنا، ما ذكرْناه، وأنَّ السَّبْىَ لم يُزِلْ مِلْكَه عن مالِه فى دارِ الحَرْبِ، فلم يُزِلْه عن زوجتِه، كما لم يُزِلْه عن أَمَتِه. فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا فى سَبْىِ الزَّوجَيْن، بينَ أنْ يسبِيَهما رجلٌ واحدٌ أو رجلان، ويَنْبغِى أنْ يُفرَّقَ بينهما، فإنَّهما إذا كانا مع رَجُلَيْن، كان مالِكُ المرأَةِ مُنْفَرِدًا بها، ولا زوجَ معه لها، فتَحِلُّ له؛ لِقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وذكرَ الأوْزاعِىُّ، أنَّ الزَّوجَيْن إذا سُبِيا، فهما على النِّكاحِ فى الْمَقاسمِ،

стр. 6803

فإن اشْتراهُما رجلٌ، فله أن يفُرِّقَ بينهما إنْ شاءَ، أو يُقِرَّهما على النِّكاحِ. ولنا، أنَّ تَجَدُّدَ المِلْكِ فى الزَّوْجَيْن لرجلٍ لا يَقتَضِى جَوازَ الفَسْخِ، كما لو اشْتَرَى زَوجَيْن مُسْلِمَيْن. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَ الزَّوجَيْن فى القِسْمَةِ والبَيْعِ؛ لأنَّ الشرْعَ لم يَرِدْ بذلك. فصل: إذا أسْلَمَ الحَرْبِىُّ فى دارِ الحَرْبِ، حُقِنَ مالُه ودَمُه وأولادُه الصِّغار من السَّبْىِ. وإنْ دخلَ دارَ الإِسلامِ فأسلمَ، وله أوْلادٌ صغارٌ فى دارِ الحَرْبِ، صارُوا مسلمين، ولم يَجُزْ سَبْيُهم. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، والأوْزاعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ما كانَ فى يدَيْهِ من مالِه ورَقيقِه ومَتاعِه وولدِه الصِّغارِ، تُرِكَ (١٤) له، وما كان من أمْوالِه بدارِ الحربِ، جازَ سَبْيُهم؛ لأنَّهم (١٥) لم يثْبُتْ إسْلامُهم بإسْلامِه، لاخْتلافِ الدَّارَيْن بينهم، ولهذا إذا سُبِىَ الطِّفلُ وأبَواهُ فى دارِ الكفرِ، لم يتْبَعْهُما، ويتْبَعُ سَابِيه فى الإِسلامِ، وما كان من أرضٍ أو دارٍ فهو فَىْءٌ، وكذلك زوجتُه إذا كانت كافِرَةً، وما فى بطْنِها فَىْءٌ. ولَنا، أنَّ أولادَه أولادُ مسلمٍ، فوَجَبَ أنْ يتْبَعُوه فى (١٦) الإِسلامِ، كما لو كانُوا معَهُ فى الدَّارِ، ولأنَّ مالَه مالُ مسلمٍ، فلا يجوزُ اغْتِنامُه، كما لو كان فى دارِ الإِسلام، وبذلك يُفارِقُ مالَ الْحَرْبِىِّ وأولادَه. وما ذكَرَه أبو حنيفة لا يَلْزَمُ؛ فإنَّنا نَجْعَلُه تَبَعًا للسَّابِى؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ بقاءَ أبَوَيْه، فأمَّا أولادُه الكبارُ، فلا يَعْصِمُهم؛ لأنَّهْم لا يتْبَعُونَه، ولا يَعْصِمُ زَوْجتَه لذلك، فإنْ سُبيَتْ صارَت رَقِيقًا، ولم ينْفَسِخْ نِكاحُه برِقِّها، ولكن يكونُ حُكْمُها فى النِّكاحِ وفَسْخِه حكمَ ما لو لم تُسْبَ، على ما مَرَّ فى نكاحِ المُشْرِكِ (١٧). فإنْ كانت حامِلًا من زوجِها، لَم يَجُزِ اسْترْقاقُ الحَمْلِ، وكان حُرًّا مسلمًا. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُحْكَمُ برقِّهِ مع أُمِّه؛ لأنَّ ما سَرَى إليه العِتْقُ سَرَى إليه الرِّقُّ، كسائِرِ أعْضائِها. ولَنا، أَنَّه مَحْكومٌ بحُرِّيَّتِه وإسْلامِه، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُنْفَصِلِ، ويُخالِفُ الأعْضاءَ؛ لأنَّها لا تنْفَرِدُ بحُكْمٍ عن الأصْلِ. فصل: وإذا أسلَمَ الْحَرْبِىُّ فى دارِ الحربِ، وله مالٌ وعَقارٌ، أو دخلَ إليها مسلمٌ فابْتاعَ عَقارًا أو مالًا، فظهرَ المسلِمُون على مالِه وعَقارِه لم يَمْلِكُوه، وكان له. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وقال أبو حنيفة: يُغْنَمُ العَقارُ، وأمَّا غيرُه، فما كان في يَدِه أو يَدِ مسلمٍ، لم

стр. 6804

يُغْنَمْ. واحْتَجَّ بأنَّها بُقْعَةٌ من دارِ الحرْبِ، فجازَ اغْتِنامُها، كما لو كانَتْ لِحَرْبِىٍّ. ولَنا، أنَّه مالُ مسلِمٍ، فأشْبَهَ ما لو كانتْ (١٨) فى دارِ الإِسْلامِ. فصل: إذا اسْتأْجَرَ المسلمُ أرضًا من حَرْبِىٍّ، ثم اسْتَوْلَى عليها المسلمون، فهى غَنِيمةٌ، ومنَافِعُها للمُسْتأْجِرِ؛ لأنَّ المنافعَ مِلْكُ المسلمِ. فإنْ قيلَ: فلِمَ أَجَزْتُم اسْتِرْقاقَ الكافِرَةِ الحَرْبيَّةِ إذا كان زوجُها قد أسلَمَ، وفى استرقاقِها إبْطالُ حَقِّ زَوْجِها؟ قُلْنا: يجوزُ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّها كافِرَةٌ، ولا (١٩) أمانَ لها، فجازَ اسْتِرْقاقُها، كما لو لم تكُنْ زوجةَ مسلمٍ، ولا يبْطُلُ نِكاحُه، بل هو باقٍ، ولأنَّ مَنْفَعةَ النِّكاحِ لا تَجْرِى مَجْرَى الأمْوالِ، بدليلِ أنَّها لا تُضْمَنُ بالْيَدِ، ولا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها، بخلافِ حَقِّ الإِجارَةِ. فصل: إذا أسْلَم عبدُ الْحَرْبِىِّ أو أَمَتُه، وخرَجَ إلينا، فهو حرٌّ، وإنْ أسَرَ سَيِّدَه وأولادَه، وأخَذَ مالَه، وخرجَ إلينا، فهو حُرٌّ، والمالُ له، والسَّبْىُ رَقِيقُه. وإنْ أسلمَ وأقامَ بدارِ الحرْبِ، فهو على رِقِّه. وإنْ أسْلَمَت أمُّ ولَدِ الْحَرْبِىِّ، وخرَجَتْ إلينا، عَتَقَتْ، واسْتَبْرَأَت نَفْسَها. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِر: وقال به كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال فى أُمِّ الولدِ: تَزَوَّجُ إن شاءَتْ من غيرِ اسْتِبْراءٍ. وأهلُ العلمِ على خلافِه، لأنَّها أمُّ ولدٍ عَتَقَتْ، فلم يجُزْ أنْ تتزوَّجَ بغيرِ اسْتِبْراءٍ، كما لو كانت لذِمِّىٍّ. وروَى سعيدُ بنُ منصورٍ (٢٠): حَدَّثَنا يَزيدُ بن هارونَ، عن الحَجَّاجِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يعْتِقُ العَبِيدَ إذا جاءُوا قبلَ مَواليهم. وعن أبى سعيدٍ الأَعسَمِ، قال: قضَى رسولُ اللَّه ﷺ فى العبدِ وسيِّدِه [قَضِيَّتَيْن؛ قَضَى أنَّ العبدَ إذا خرَجَ من دارِ الحرْبِ قبلَ سَيِّدِه أنَّه حُرٌّ، فإنْ خرَجَ سيِّدُه] (٢١) بعدُ، لم يُرَدَّ عليه، وقَضَى أنَّ السَّيِّدَ إذا خرَجَ قبلَ العَبْدِ ثم خرَجَ العبْدُ، رُدَّ على

стр. 6805

سيِّدِه. روَاه سعيدٌ أيضا (٢٢)، وعن الشَّعْبِىِّ، عن رجلٍ من ثَقِيفٍ، قال: سأَلْنا رسولَ اللَّه ﷺ أن يَرُدَّ علَينا أبا بَكْرَة، وكان عبدًا لنا، أتَى رسولَ اللَّه ﷺ وهو مُحاصِرٌ ثَقِيفًا، فأسلَم، فأبَى أن يَرُدَّه علينا، وقال: "هُوَ طَلِيقُ اللهِ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ". فلم يَرُدَّه علينا (٢٣). ١٦٦٠ - مسألة؛ قال: (وَمَا أَخَذَهُ أهْلُ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِين وَعَبِيدِهِمْ، فَأَدْرَكَهُ صاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ [وإنْ أَدْرَكَهُ مَقْسُومًا، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِى ابْتَاعَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ، فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، إذَا قُسِمَ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِحَالٍ] (١)) يعنى إذا أخَذَ الكُفَّارُ أمْوالَ المسلمين، ثم قهَرَهُم المسلمون، فأخَذُوها منهم، فإنْ عُلِمَ صاحِبُها قبلَ قَسْمِها، رُدَّت إليه بغيرِ شىءٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وسَلْمانُ (٢) بن رَبِيعةَ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُرَدُّ إليه، وهو للجَيْشِ. ونحوُه عن عمرِو بن دِينَار؛ لأنَّ الكُفَّارَ ملَكُوه باسْتِيلائِهم، فصار غنيمةً، كسائرِ أموالِهم. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ غلامًا له أبَقَ إلى العَدُوِّ، فظَهَرَ عليه المسلمون، فردَّهُ رسولُ اللَّه ﷺ إلى ابنِ عمرَ، ولم يُقْسَمْ. وعنه، قال: ذَهَبَ فرسٌ له، فأخَذَها العَدُوُّ، فظهَرَ عليه المسلمون، فرُدَّ عليه فى زمَنِ النَّبِىِّ ﷺ . روَاهما أبو دَاوُدَ (٣). وعن رَجاءِ (٤) بن حَيْوَةَ، أنَّ أبا عُبَيْدَة كتَبَ إلى عمرَ بن الخَطَّاب، فيما أحْرَزَ

стр. 6806

المشركون من المسلمين، ثم ظهرَ المسلمون عليهم بعدُ. قال: مَنْ وَجَدَ مالَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به، ما لم يُقْسَمْ. رواه سعيدٌ، والأَثْرَمُ (٥). فأمَّا ما أدرَكَه بعدَ أنْ قُسِمَ، ففيه روايتان؛ إحداهُما، أنَّ صاحِبَه أحقُّ به، بِالثَّمَنِ الذى حُسِبَ (٦) على مَنْ أَخَذَه، وكذلك إنْ بِيعَ ثم قُسِمَ ثمنُه، فهو أحقُّ به بالثمنِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ رجُلًا وجَدَ بعيرًا له كان المشرِكون أصابُوه، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "إنْ أصَبْتَهُ قَبْلَ أنْ نَقْسِمَهُ، فَهُوَ لَكَ، وَإنْ أصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ، أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ" (٧). ولأنَّه إنَّما امْتَنَعَ أخْذُه له بغيرِ شىءٍ كيْلا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ أخْذِه من الغَنيمَةِ، أو يَضِيعَ الثَّمَنُ على المُشْتَرِى، وحقُّهُما ينْجَبِرُ بالثَّمَنِ، فيَرْجِعُ صاحبُ المالِ فى عَيْنِ مالِه، بمنزلةِ مُشْتَرى الشِّقْصِ المشْفُوعِ. إلَّا أنَّ المَحْكِىَّ عن مالِك وأبى حَنِيفَةَ، أنَّه يأخُذُه بالقِيمَةِ. ويُرْوَى عن مُجاهِدٍ مثلُه. والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ، أنَّه إذا قُسِمَ فلا حَقَّ له فيه بحالٍ. نَصَّ عليه، فى روايةِ أبى داودَ وغيرِه. وهو (٨) قولُ عمرَ، وعلىٍّ، وَسَلْمانَ بن ربيعةَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، واللَّيْثِ. قال أحمدُ: أمَّا قولُ مَن قال: هو أحَقُّ به (٩) بالقيمَةِ. فهو قولٌ ضعيفٌ عن مُجاهِد. وقال الشافِعِىُّ: يأْخُذُه صاحِبُه قبلَ القِسْمَةِ وبَعْدَها، ويُعْطَى مُشْتَرِيه ثَمنَه من خُمسِ الْمَصالحِ؛ لأنَّه لم يزُلْ عن مِلْكِ صاحِبِه، فوَجَبَ أنْ يستَحِقَّ أخْذَه بغيرِ شىءٍ، كما قبلَ القِسْمَةِ، ويُعْطىَ مَنْ حُسِبَ عليه القيمةَ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ آخِذِه حَقَّه من الغنيمةِ، وجُعِلَ من سَهْمِ الْمَصالِح؛ لأنَّ هذا منها. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ عمَرَ، رضِىَ اللَّه عنه، كتَبَ إلى السَّائبِ: أيُّما رجُلٍ من المسلمين أصابَ رَقِيقَه ومَتاعه بعيْنِه، فهو أحَقُّ بِه من غيرِه، وإن أصابَه فى أيْدِى التُّجَّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سبيلَ (١٠) إليه. وقال سلمانُ بنُ

стр. 6807

رَبِيعةَ: إذا قُسِمَ فلا حَقَّ له (١١) فيه. روَاهما سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (١٢). ولأنَّه إجماعٌ. قال أحمد: إنَّما قال الناسُ [فيها قَوْلَيْن؛ إذا قُسِمَ (١٣) فلا شىءَ له. وقال قومٌ: إذا قُسِمَ] (١٤) فهو له بالثَّمَنِ. فأمَّا أنْ يكونَ له بعدَ القِسْمَةِ بغيرِ ذلك، فلم يقُلْه أحَدٌ، ومتَى ما (١٥) انْقَسَم أهلُ العَصْرِ على قَوْلَيْن فى حُكْمٍ، لم يَجُزْ إحداثُ قولٍ ثالثٍ، لأنَّه يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلم يَجُزِ المصيرُ إليه. وقد روَى أصحابُنا عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، فَهُوَ لَهُ، وإنْ أدَرَكَهُ بَعْدَ أنْ قُسِمَ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَىْءٌ" (١٦). والمعمولُ على ما ذَكَرْنا من الإِجْماعِ، وقولُهم: لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه عنه. غيرُ مُسلَّمٍ. فصل: وإنْ أخَذَه أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو بغيرِ شىءٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شىءٍ. وقال أبو حنيفة: لا يأخُذُه إلَّا بالقِيمَةِ، لأنَّه صار مِلْكًا لواحِدٍ بعَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو قُسِمَ. ولَنا، [ما رُوِىَ] (١٧)، أنَّ قومًا أغارُوا على سَرْحِ النَّبِىِّ ﷺ ، فأخَذُوا ناقَتَه، وجارِيَةً من الأنْصارِ، فأقامَتْ عِنْدَهم أيَّامًا، ثم خَرَجَت فى بعضِ الليلِ، قالتْ: فما وَضَعْتُ يَدِى على ناقةٍ إلَّا رَغَتْ، حتى وَضَعْتُها على ناقةٍ ذَلُولٍ، فامْتَطَيْتُها، ثم تَوَجَّهْتُ إلى المدينةِ، ونَذَرْتُ إنْ نَجَّانِىَ اللهُ عليها أنْ أنْحَرَها، فلما قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَعْرَفْتُ الناقَةَ، فإذا هى ناقَةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأَخَذَها، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى نَذَرْت أنْ أنْحرَها. فقال: "بِئْسَمَا جَازَيْتِهَا، لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّه (١٨) ". وفى رواية: "لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". [روَاه أحمدُ، ومسلمٌ] (١٩). ولأنَّه لم يحْصُلْ فى يدِه بعِوَضٍ، فكان صاحِبُه أحَقَّ

стр. 6808

به، كما لو أدْرَكَه فى الغَنِيمةِ قبلَ قَسْمِه (٢٠). فأما إن اشْتَراه رجُلٌ من العَدُوِّ، فليس لصاحِبِه أخْذُه إلَّا بِثَمَنِه؛ لما روَى سعيدٌ (٢١)، حَدَّثَنا عثمانُ بن مَطَرٍ الشَّيْبانِىُّ، حَدَّثَنا أبو حَرِيزٍ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: أغارَ أهلُ ماه (٢٢) وأهلُ جَلُولاءَ (٢٣) على العرَبِ، فأصابُوا سَبايَا مِن سَبايَا العرَبِ، ورَقِيقًا، ومتاعًا، ثمّ إنَّ السائِبَ بن الأقْرَعِ عامِلَ عمرَ غَزاهُم، فَفَتَح ماهَ، فكتَب إلى عمرَ فى سَبايا المسلمين ورَقِيقِهم ومتاعِهم، قد اشْتَراه التُّجَّارُ من أهلِ ماه، فكتَب إليه عمرُ: إنَّ المسلمَ أخو المسلمِ، لا يخُونُه، ولا يخْذُلُه، فأيُّما رجُلٍ من المسلمين أصابَ رقيقَه ومتاعَه بعيْنِه، فهو أحَقُّ به، وإنْ أصابَهُ فى أيْدِى التُّجَّارِ بعدَما اقْتُسِمَ، فلا سبيلَ إليه، وأيُّما حُرٍّ اشْتراه التُّجَّارُ، فإنَّه يُرَدُّ عليهم رُءوسُ أمْوالِهم، فإنّ الحُرَّ لا يُباعُ ولا يُشْتَرى. وقال القاضى: ما حَصَلَ فى يدِه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فهو كما لو وجَدَه صاحِبُه بعدَ القِسْمَةِ، هل (٢٤) يكونُ صاحِبُه أحقَّ به بالقيمَةِ؟ على روايتَيْن، والأَوْلَى ما ذكرناه. وإن علِمَ الإِمامُ بمالِ المسلمِ قبلَ قَسْمِه، فقَسَمَه، وجبَ ردُّه، وكان صاحِبُه أحَقَّ به بغيرِ شىءٍ؛ لأنَّ قِسْمَتَهُ كانتْ باطِلَةً من أصْلِها. فصل: وإنْ غَنِمَ المسلمون من المشرِكين شيئًا عليه علامةُ المسلمين، فلم يُعْلَمْ صاحِبُه، فهو غَنِيمةٌ. قال أحمدُ، فى مَراكِبَ تجىءُ من مصرَ، يَقْطَعُ عليها الرُّومُ فيأْخُذُونها، ثم يأْخُذُها المسلمون منهم: إنْ عُرِفَ صاحبُها فلا يُؤْكَلُ منها. وهذا يدُلُّ على أنَّه إذا لم يُعرَفْ صاحِبُها جازَ الأكْلُ منها. ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، قالا فى المُصْحَفِ يحْصُلُ فى الغنائِم: يُباعُ. وقال الشافِعِىُّ: يُوقَفُ حتَّى يجىءَ صاحبُه. وإنْ وُجِدَ شىءٌ موسومٌ عليه: حُبِّسَ فى سبيلِ اللَّه. رُدَّ كما كان. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الأَوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ: يُقْسَمُ ما لم يأْتِ صاحِبُه. ولَنا، أنَّ هذا قد عُرِفَ

стр. 6809

مَصْرِفُه وهو الحُبُسُ، فهو بمَنْزِلَة ما لو عُرِفَ صاحِبُه. قيل لأحمدَ: فالجواميسُ تُدْرَكُ وقَدْ ساقَها العدوُّ للمسلمين، وقد رُدَّتْ، يُؤْكَلُ منها؟ قال: إذا عُرِفَ لمَنْ هى، فلا يُؤْكَلُ منها. قيل لأحمدَ: فما حازَ العَدُوُّ للمسلمين، فأصابَه (٢٥) المسلمون، أعليهم أنْ يقِفُوه حتّى يَتَبَيَّنَ صاحِبُه؟ قال: إذا عُرِفَ فقيل: هو (٢٦) لفُلانٍ. وكان صاحِبُه بالقُرْبِ. قيل له: أُصِيبَ غلامٌ فى بلادِ الرومِ، فقال: أنا لفلانٍ. رجُلٍ بمصرَ (٢٧)؟ قال: إذا عُرِفَ الرجلُ، لم يُقْسَمْ مالُه (٢٨)، ورُدَّ على صاحِبِه. قيل له: أصَبْنا مَرْكَبًا فى بلادِ الرُّومِ، فيها النَّواتِيَّةُ (٢٩)، قالُوا: هذا لفلانٍ، وهذا لفلانٍ. قال: هذا قد عُرِفَ صاحِبُه، لا يُقْسَمُ. فصل: قال القاضى: يَمْلِكُ الكُفَّارُ أموالَ المسلمين بالقَهْرِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنِيفَةَ. وقال أبو الخَطَّاب: لا يَمْلِكُونها. وهو قولُ الشافِعِىِّ. قال (٣٠): وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، حيثُ قال: إنْ أدْرَكَه صاحِبُه قبلَ القَسْمِ (٣١)؛ فهو أحَقُّ به. قال (٣٢): وإنّما مَنَعَه أخْذَه بعدَ قَسْمِه، لأنَّ قِسْمَةَ الإِمامِ له تَجْرِى مَجْرَى الحُكْمِ، ومتى صادَفَ الحكمُ أمرًا مُجْتهَدًا فيه، نفَذَ حُكْمُه. وحُكِىَ عن أحمدَ فى ذلك روايتان، واحتَجَّ من قال: لا يَمْلِكُونها بحديثِ ناقَةِ النَّبِىِّ ﷺ ، ولأنَّه مالٌ معصومٌ، طرأَتْ عليه يَدٌ عادِيَةٌ، فلم يُمْلَكْ بها، كالغَصْبِ، ولأنَّ مَنْ لا يملِكُ رَقَبَةَ غيرِه بالقَهْرِ، لم يَمْلِكْ مالَه به، كالمُسلمِ مع المسلمِ. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ القَهْرَ سبَبٌ يملِكُ به المسلمُ مالَ الكافِرِ، فملَكَ به الكافِرُ مالَ المسلمِ، كالبَيْعِ. فأمَّا الناقَةُ، فإنَّما أخَذَها النَّبِىُّ ﷺ ، لأنَّه أدْرَكَها غيرَ مَقْسُومَةٍ ولا مُشْتَراةٍ. فعلى هذا، يَمْلِكُونَها قبلَ حِيازَتِها إلى دارِ الكُفْرِ. وهو قولُ مالكٍ. وذكر القاضِى أنَّهم إنَّما يَمْلِكُونها بالحيازَةِ إلى دارِهم. وهو قولُ أبى حنيفة. وحُكِىَ فى

стр. 6810

ذلك عن أحمد روايتان. ووَجْهُ (٣٣) الأوَّل، أنَّ الاسْتيلاءَ سَبَبٌ للمِلْك، فيَثْبُتُ قبلَ الحِيازَةِ إلى الدَّارِ، كاسْتيلاءِ المسلمين على مالِ الكُفَّارِ، ولأنَّ ما كان سببًا للمِلْك، أثْبَتَه حيثُ وُجِدَ، كالهِبَةِ والبَيْعِ. وفائِدَةُ الخلافِ فى ثُبُوتِ المِلْكِ وعَدَمِه، أنَّ مَنْ أَثْبَتَ المِلْكَ للكُفَّارِ فى أموالِ المسلمين، أباحَ للمسلمين إذا ظَهرُوا عليها قِسْمَتَها، والتَّصَرُّفَ فيها، ما لَمْ يعلمُوا صاحِبَها، وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ وهى فى يَدِه، فهو أحَقُّ بها. ومَنْ لم يُثْبِتِ المِلْكَ، اقَتَضَى مذهبُه عَكْسَ ذلك. واللَّه أعلمُ. فصل: ولا أعْلَمُ خلافًا فى أنَّ الكافِرَ الْحَرْبِىَّ، إذا أَسْلَمَ، أو دَخَلَ إلينا (٣٤) بأمانٍ، بعدَ أن اسْتَولَى على مالِ مسلمٍ فأَتْلَفَه، أنَّه لا يَلْزَمُه ضَمانُه. وإنْ أسْلَمَ وهو فى يَدِه، فهو له، بغَيْرِ خلافٍ فى المذْهَبِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَىْءٍ، فَهُوَ لَهُ" (٣٥). وإنْ كان أخَذَه من المُستَوْلىِ عليه بِهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شراءٍ، فكذلك؛ لأنَّه اسْتَوْلَى عليه فى حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ ما لو (٣٦) اسْتَوْلَى عليه (٣٧) بِقَهْرِه للمسلِمِ. وعن أحمد، أنَّ صاحِبَه يكونُ أحقَّ به بالقِيمَةِ. وإن اسْتَوْلَى على جارِيَةِ مُسْلِم فاسْتَوْلَدَها، ثم أَسْلَم، فهى له، وهى أمُّ ولدٍ له. نَصَّ عليه أحمد؛ لأنَّها مالٌ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الأموالِ. وإنْ غَنِمَها المسلمون وأولادَها قبلَ إسْلامِ سَابِيها، فعُلِمَ صاحِبُها، رُدَّت إليه، وكان أولادُها غَنِيمةً؛ لأنَّهم أولادُ كافِرٍ حَدَثُوا بعدَ مِلْكِ الكافِرِ لها. فصل: وإن استَوْلَوْا على حُرٍّ، لم يَمْلِكُوه، سواءٌ كان مسلمًا أو ذِمِّيًّا. لا أعلمُ فى هذا خلافًا؛ لأنَّه لا يُضْمَنُ بالقِيمةِ، ولا يثْبُتُ عليه يَدٌ بحالٍ، وكلُّ ما يُضْمَنُ بالقِيمةِ يَمْلكُونَه بالقَهْرِ، كالعُرُوضِ، والعَبْدِ القِنِّ، والمُدَبَّرِ، والمُكاتَبِ، وأُمِّ الولَدِ. وقال أبو حنيفة: لا يَمْلِكون المُكاتَبَ وأُمَّ الولدِ؛ لأَنهما لا يجوزُ نقلُ المِلْكِ فيهما، فهما كالحُرِّ. ولَنا، أنَّهما يُضْمَنان بالقِيمةِ، فيَمْلكُونَهما، كالعَبْدِ القِنِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَمْلِكُوا المُكاتَبَ دونَ

стр. 6811

أُمِّ الوَلدِ؛ لأنَّ أمَّ الوَلدِ لا يجوزُ نَقْلُ المِلْك فيها، ولا يثْبُتُ فيها لغيرِ سَيِّدِها. وفائدَةُ الخلافِ؛ أنَّ مَنْ قال بثُبوتِ المِلْكِ فيهما، قال: متى قُسِما، أو اشتراهُما إنسانٌ، لم يكنْ لسَيِّدِهما أخْذُهما إلَّا بالثمَنِ. قال الزُّهْرِىُّ، فى أُمِّ الولدِ: يأْخُذُها سَيِّدُها (٣٨) بقِيمَةٍ عَدْلٍ. وقال مالِكٌ: يفْدِيها الإِمامُ، فإنْ لم يفْعَلْ، يأخُذُها سيِّدُها بقيمةٍ عدْلٍ، ولا يدَعُها يَسْتَحِلُّ فَرْجَها مَنْ لا تَحِلُّ له. ومن قال: لا يثبُتُ المِلْكُ فيهما. رُدَّا إلى ما كانا عليه على كلِّ حالٍ، كالحُرِّ، وإن اشْتراهما إنسانٌ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْمِ فى الحُرِّ إذا اشْتراهُ. فصل: إذا أبَقَ عبدُ المسلِمِ إلى دارِ الحَرْبِ، فأخَذُوه، ملَكُوه كالمالِ. وهذا قولُ مالِك، وأبى يوسفَ، ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يَمْلِكُونَه. وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّه إذا صارَ فى دارِ الحَرْبِ، زالَتْ يدُ مَوْلاه عنه، وصار فى يَدِ نَفْسِه، فلم يُمْلَكْ، كالحُرِّ. ولَنا، أنَّه مالٌ لو أخَذُوه من دارِ الإِسْلامِ مَلَكُوه، فإذا أخَذُوه من دارِ الحرْبِ مَلَكُوه، كالبَهِيمةِ. ١٦٦١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَطَعَ مِنْ مَوَاتِهِمْ حَجَرًا، أو عُودًا، أوْ صَادَ حُوتًا أوْ ظَبْيًا، رَدَّهُ عَلَى سَائِرِ الْجَيْشِ، إذا اسْتَغْنَى عَنْ أكْلِهِ، والْمَنْفَعَةِ بِهِ) يعنى إذا أخذَ شيئًا له قيمةٌ من دارِ الحَرْبِ، فالمسلمون شُركَاؤُه فيه. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال الشافِعِىُّ: ينْفَرِدُ آخِذُه بِمِلْكِه؛ لأنَّه لو أَخَذَه من دارِ الإِسلامِ مَلَكَهُ، فإذا أخَذَه من دارِ الحَرْبِ، مَلَكَهُ، كالشَّىءِ التَّافِهِ. وهذا قولُ مَكْحُول، والأوْزاعِىِّ، ونُقِلَ ذلِك عن القاسم، وسالِم. ولَنا، أنَّه مالٌ ذو قيمَةٍ، مأخوذٌ من أرْضِ الحْربِ (١) بِظَهْرِ المسلمين، فكان غَنِيمةً، كالمَطْعومات، وفارَقَ ما أخَذَه (٢) من دارِ الإِسلامِ، لأنَّه لا يحْتاجُ إلى الجيشِ فى أخْذِه. فأمَّا إن احتاجَ إلى أكْلِه، والانْتِفاعِ به، فله ذلك، ولا يَرُدُّه؛ لأنَّه لو وَجَدَ طعامًا مَمْلوكًا للكُفَّارِ، كان له أكْلُه إذا احْتاجَ إليه (٣)، فما أخَذَه من الصُّيودِ والمُباحاتِ أوْلى.

стр. 6812

فصل: وإنْ أخَذَ من بُيوتِهم، أو خارِجٍ منها، ما لا قِيمَةَ له فى أرْضِهِم، كالمِسَنِّ، والأقْلامِ، والأحْجارِ، والأدْوِيَةِ، فله أخْذُه، وهو أحَقُّ به، وإنْ صارَتْ له قِيمةٌ بنَقْلِه أو مُعالَجَتِه. نَصَّ أحمدُ على نحوِ هذا. وبِه قال مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا جاءَ به إلى دارِ الإِسْلامِ، دفَعَه فى الْمَقْسِمِ، وإنْ عالجَهُ فصارَ له ثمنٌ، أُعْطِىَ بقَدْرِ عَملِه فيه، وبَقِيَّتُه فى المَقْسِمِ. ولَنا، أنَّ القِيمَةَ إنَّما (٤) صارَتْ له بعَمَلِه أو بنَقْلِه (٥)، فلم تكُنْ غنيمةً، كما لو لم تَصِرْ له قِيمَةٌ (٦). فصل: وإنْ تَرَكَ صاحِبُ الْمَقْسِمِ (٧) شيئا من الغَنِيمَةِ، عَجْزًا عن حَمْلِه، فقال: مَنْ أخَذَ شيئا فهو له. فمَنْ حَمَلَ شيئا فهو له. نَصَّ عليه أحمدُ. وسُئِلَ عن قومٍ غَنِمُوا غنائِمَ كثيرةً، فيَبْقَى خُرْثِىُّ المتاعِ، ممَّا لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فيدَعُه الوالِى بمنزلَةِ العَقارِ والفَخَّارِ وما أشْبَهَ ذلك، أيأْخُذُه الإنسانُ لنَفْسِه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ، ولم يُشْتَرَ. ونحوُ هذا قولُ مالِكٍ. ونَقَلَ عنه أبو طالبٍ، فى المتاعِ لا يقْدِرُون على حَمْلِه: إذا حَمَلَه رجُلٌ يُقسَمُ. وهذا قولُ إبراهيمَ. قال الخَلَّالُ: روَى أبو طالب هذا (٨) فى ثلاثَةِ مَواضِعَ؛ فى موضِعٍ منها وَافَقَ أصحابَه، وفى موضِعٍ خالَفَهُم. قال: ولا أشُكُّ (٩) أنَّ أبا عبدِ اللَّه قال هذا أوَّلًا، ثم تَبَيَّنَ له بعد ذلك أنَّ للإِمامِ أنْ يُبِيحَه وأنْ يُحَرّمهُ، وأنَّ لهم أن يأْخُذُوه إذا تَرَكَه الإِمامُ إذا لم يجِدْ مَنْ يحمِلُه؛ [لأنَّه إذا لم يجِدْ مَنْ يحمِلُه] (١٠)، ولم يَقْدِرْ على حَمْلِه، بمنزِلَةِ ما لا قِيمةَ له، فصارَ كالذى ذكَرْناه فى الفَصْلِ قبلَ هذا. فصل: وإنْ وجَدَ فى أرضِهِم رِكازًا، فإنْ كان فى موضِعٍ يَقْدِرُ عليه بنَفْسِه، فهو كما لو وَجَدَه فى دارِ الإِسلامِ، فيه الخُمسُ، وباقِيهِ له، وإنْ قَدَرَ عليه بجماعَةِ المسلمين، فهو

стр. 6813

غَنيمةٌ. ونحوُ هذا قولُ مالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافِعِىُّ: إنْ وَجَدَه فى مَواتِهم، فهو كما لو وَجَدَه فى دارِ الإِسلامِ. ولَنا، ما رَوَى عاصِمُ بن كُلَيْب، عن أبى الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِىِّ (١١)، قال: أَصَبْتُ بأرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حمراءَ، فيها دنانِيرُ (١٢)، فى إمْرَةِ معاوِيَةَ، وعلينا مَعْنُ بن يَزِيدَ السُّلَمِىُّ، فأَتَيْتُه بها، فقسَمَها بين المسلمين، وأعطانِى مثلَ ما أعْطَى رجُلًا (١٣) منهم، ثم قال: لولا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ". لأَعْطَيْتُك. ثمَّ أخَذَ يعْرِضُ علىَّ مِن نَصِيبِه، فأبَيْتُ. أخرَجَه أبو داوُدَ (١٤). ولأنَّه مالُ مُشْرِكٍ، مَظْهُورٌ (١٥) عليه بقوَّةِ جَيْشِ المُسْلِمين، فكان غَنِيمةً، كأموالِهم الظَّاهِرَةِ. فصل: وسُئِلَ أحمدُ، عن الدَّابَّةِ تخْرُجُ من بلدِ الرُّومِ، أو تَنْفَلِتُ، فتَدْخُلُ القَرْيَةَ، وعن القومِ يَضِلُّون عن الطريقِ، فيَدْخُلُون القريَةَ من قُرَى المسلمين، فيأخذُونَهم؟ فقال: يكونُ (١٦) لأَهْلِ القَرْيَةِ كلِّهم، يتقاسَمُونَهم. وسُئِلَ عن قومٍ يكونُون فى حِصْنٍ أو رِبَاطٍ، فيَخْرُجُ منهم قومٌ إلى قَتْلاهم (١٧)، فيُصِيبوُن دَوَابَّ (١٨) أو سِلاحًا؟ فقال أبو عبد اللَّه. تكونُ بينَ أهلِ الرِّباطِ وأهلِ الحَضْرَةِ من القَرْيَةِ. وسُئِلَ عن مَرْكَبٍ بَعَثَ به مَلِكُ الرُّومِ، وفيه (١٩) رِجَالُه، فطَرَحَتْهُ الرِّيحُ إلى طَرَطُوسَ، فخرجَ إليه أهلُ طَرَطُوسَ، فقتَلُوا الرِّجالَ، وأخذُوا الأَموالَ؟ فقال: هذا فَىْءٌ للمسلمين (٢٠)، ممَّا أفاءَه (٢١) اللهُ عليهِم.

стр. 6814

وقال الزُّهْرِىُّ: هو لِمَنْ غَنِمَه، وفيه الخُمْسُ. وقال أبو الخَطَّاب: مَن ضَلَّ الطريقَ منهم، أو حَمَلَتْه الرِّيحُ إلينا، فهو لِمَنْ أخَذَه. فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، لأنَّه مُباحٌ (٢٢) أخَذَه أحَدُ المسلمين بغيرِ قُوَّةِ مُسْلِمٍ، فكان له، كالحَطَبِ (٢٣). والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، يكون فَيْئًا. فصل: ومَنْ وَجَدَ فى دارِهم لُقَطَةً، فإنْ كانتْ من مَتاعِ المسلمين، فهى لُقَطةٌ يُعَرِّفُها سَنةً ثم يَمْلِكُها، وإنْ كانَتْ من مَتاعِ المشرِكِين، فهى غَنِيمةٌ، وإن احْتَمَلَتِ (٢٤) الأَمْرَين، عَرَّفَها حَوْلًا، ثم جَعَلَها فى الغَنيمةِ، نَصَّ عليه أحمدُ. ويُعَرِّفُها فى بلدِ المسلمين، لأنَّها تَحْتَمِلُ الأَمْرَيْنِ، فغُلِّبَ فيها حُكْمُ مالِ المسلمين فى التَّعْرِيفِ، وحُكْمُ مالِ أهْلِ الحَرْبِ فى كَوْنِها غَنِيمةً احْتِياطًا. ١٦٦٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تعَلَّفَ فَضْلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمينَ، فَإنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِى الْمَقْسِمِ (١)) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ، إلَّا مَنْ شذَّ منهم، على أنَّ للغُزاةِ إذا دَخَلُوا أرضَ الحَرْبِ، أنْ يأْكُلُوا ما (٢) وجَدُوا من الطعامِ، ويَعْلِفُوا دَوابَّهم من أعْلافِهم؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والقاسِمُ، وسالمٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُؤْخَذُ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ. وقال سليمانُ بن موسى: لا يُتْرَكُ إلَّا أنْ يَنْهَى عنه الإِمامُ، فيُتَّقَى نَهْيُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّه بن أبى أَوْفَى، قال: أصَبْنَا طعامًا يومَ خَيْبَرَ، فكانَ الرجلُ [يَجِىءُ فيأْخُذُ] (٣) منه مِقْدارَ ما يكْفِيهِ، ثم ينْصرِفُ. رواه سعيدٌ، وأبو داوُدَ (٤). ورُوِىَ أنَّ صاحِبَ جيشِ الشامِ، كتَبَ إلى عمرَ:

стр. 6815

إنَّا أصَبْنا أرضًا كثيرةَ الطَّعامِ والعَلَفِ، وكرِهْتُ أنْ أتقدَّمَ فى شىءٍ من ذلك. فكتَبَ إليه: دَعِ الناسَ يعْلِفُون ويأكُلُون، فمَنْ باعَ منهم شيئًا بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ففيه خُمْسُ اللهِ وسِهامُ المسلمين. رواه سعيدٌ (٥). وقد رَوَى عبدُ اللَّه بن مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ من شَحْمٍ يومَ خَيْبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللهِ لا أُعْطِى أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ يَضْحَكُ، فاسْتَحْيَيْتُ منه. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأنَّ الحاجةَ تدْعُو إلى هذا، وفى المنْعِ منه مَضَرَّةٌ بالجيشِ وبدَوابِّهِم، فإنَّه يعْسُرُ عليهم نَقْلُ الطّعامِ والعَلَفِ من دارِ الإِسلامِ، ولا يَجِدُون بدارِ الحَرْب ما يَشْتَرُونَه، ولو وجَدُوه لم يجِدُوا ثمنَه، ولا يُمْكِنُ قِسْمةُ ما يأخُذُه الواحِدُ منهم، ولو قُسِمَ لم يحْصُلْ للواحِدِ منهم شىءٌ ينْتَفِعُ به، ولا يَدْفَعُ به حاجَتَهُ، فأباحَ اللَّه تعالَى لهم ذلك، فمَنْ أخذَ من الطَّعامِ شيئًا ممَّا يُقْتاتُ أو يصلُحُ به القُوتُ، من الأُدْمِ أو غيرِه (٧)، أو العَلَفِ لدابَّتِه، فهو أحَقُّ به، سواءٌ كان له ما يَسْتَغْنِى به عنه، أو لم يكُنْ له، ويكونُ أحَقَّ بما يأخُذُه من غيرِه، فإنْ فضَلَ منه ما لا حاجَةَ به إليه، رَدَّه على المسلمين، لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له ما يَحْتاجُ إليه. وإنْ أعْطاهُ أحَدٌ من أهْلِ الجيشِ ما يحْتاجُ إليه، جازَ له أخْذُه، وصارَ أحَقَّ به من غيرِه. وإنْ باعَ شيئًا من الطعامِ أو العلَفِ، رَدَّ قِيمَتَه (٨) فى الغَنِيمَةِ؛ لما ذَكَرْنا (٩) من حديثِ عمرَ. ورُوِىَ مثلُه عن فُضالةَ بن عُبَيْد (١٠). وبه قال سُليمانُ بن مُوسَى، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ. وكَرِهَ القاسِمُ وسالمٌ ومالكٌ بَيْعَه. قال القاضى: لا يخلُو؛ إمَّا أنْ يَبِيعَهُ من غازٍ أو غيرِه، فإنْ باعَه لغيرِه، فالبَيْعُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَبِيعُ (١١) مالَ الغنيمَةِ بغيرِ ولايَةٍ ولا نيابَةٍ، فيجبُ رَدُّ الْمَبِيعِ، ونَقْضُ البَيْع، فإنْ تعذَّرَ رَدُّه، رَدَّ قِيمَتَه، أو ثمنَهُ إنْ كان أكثرَ من قِيمَتِه إلى المَغْنَمِ. وعلى هذا الوَجْهِ، حُمِلَ كلامُ الخِرَقِىِّ. وإنْ باعَه لغازٍ، لم

стр. 6816

يَحِلَّ، إما (١٢) أنْ يُبْدِلَهُ بطعامٍ أو عَلَفٍ ممَّا له الانْتفاعُ به أو بغيرِه، فإنْ باعَه بمثْلِه، فليس هذا بَيْعًا فى الحقيقةِ، إنَّما سَلَّم إليه مُباحًا، وأخَذَ مثلَه مُباحًا، ولكُلِّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ بما أخَذَه، وصارَ أحقَّ به؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه. فعلى هذا، لو باعَ صاعًا بصاعَيْن، أو افْتَرقا (١٣) قبلَ القَبْضِ، جازَ؛ لأنَّه ليس ببَيْعٍ. وإنْ باعَه به نَسِيئَةً، أو أَقْرَضَه إيَّاه، فأخَذَه، فهو (١٤) أحَقُّ به، ولا يَلْزَمُه إيفاؤُه، فإنْ وفَّاهُ، أو رَدَّه إليه، عادَتْ اليَدُ (١٥) إليه، وإنْ باعَهُ بغَيْرِ الطعامِ والعَلَفِ، فالبَيْعُ أيضًا غيرُ صَحيحٍ، ويصيرُ المُشْتَرِى أحَقَّ به؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه، ولا ثَمَنَ عليه. وإنْ أخذَ منه، وجَبَ ردُّه إليه. فصل: وإنْ وَجَدَ دُهْنًا، فهو (١٦) كسائرِ الطعامِ؛ لما ذكَرْنا من حديثِ ابنِ مُغَفَّلٍ ولأنَّه طعامٌ، فأشْبَهَ البُرَّ والشَّعِيرَ. وإنْ كان غيرَ مَأْكولٍ، فاحْتاجَ أنْ يَدَّهِنَ به، أو يَدْهُنَ به (١٧) دابَّتَه، فظاهِرُ كلامِ أحمَد جَوازُه، إذا كان من حاجَةٍ. قال أحمدُ (١٤)، فى زَيْتِ الرُّومِ: إذا كان من ضَرورَةٍ أو صُداعٍ، فلا بأسَ، فأمَّا التَّزَيُّنُ، فلا يُعْجِبُنِى، وقال الشافِعِىُّ: ليس له دَهْنُ دابَّتِه من جَرَبٍ ولا يُوَقِّحُها (١٨) إلَّا بالْقِيمةِ؛ لأنَّ ذلك لا تَعُمُّ الحاجَةُ إليه. ويحتَمِلُ كلامُ أحمدَ مثلَ هذا؛ لأنَّ هذا ليس بطعامٍ ولا عَلَفٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذا ممَّا يحْتاجُ إليه لإِصلاحِ نَفْسِه ودابَّتِه، أشْبَهَ الطَّعامَ والعَلَفَ. وله أكْلُ ما يتدَاوَى به، وشُرْبُ (١٩) الشَّرابِ من الجُلَّابِ (٢٠) والسَّكَنْجَبِينِ (٢١) وغَيْرِهما، عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه من الطعامِ. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: ليس له تناوُلُه؛ لأنَّه ليس من القُوتِ،

стр. 6817

ولا يصْلُحُ به القُوتُ، ولأنَّه لا يُباحُ مع عَدَمِ الحاجَةِ إليه، [فلم يُبَحْ] (٢٢) مع (٢٣) وجُودِها، كغيرِ الطَّعامِ. ولَنا، أنَّه طعامٌ احْتِيجَ إليه، أشْبَهَ الفواكِهَ، وما ذَكَرُوه يبطُلُ بالفاكهَةِ، وإنَّما اعْتَبَرْنا الحاجَةَ هاهُنا، لأنَّ هذا لا يُتناوَلُ فى العادَةِ إلَّا عندَ الحاجَةِ إليه. فصل: قال أحمدُ: ولا يَغْسِلُ ثَوْبَه بالصَّابُونِ؛ لأنَّ ذلك ليس بطعامٍ ولا عَلَفٍ، ويُرادُ للتَّحسين والزِّينَةِ، فلا يكونُ فى معناهُما. ولو كان مع الغازى فَهْدٌ أو كلْبُ الصَّيْدِ (٢٤)، لم يكُنْ له إطْعامُه من الغَنِيمَةِ، فإنْ أَطْعَمهما (٢٥) غَرِمَ قِيمةَ ما أطْعَمَهما (٢٥)؛ لأنّ هذا يُرادُ للتَّفرُّجِ والزِّينَةِ، وليس ممَّا يُحْتاجُ إليه فى الغَزْوِ، بخلافِ الدَّوَابِّ. فصل: ولا يجوزُ لُبْسُ الثِّيابِ، ولا رُكوبُ دابَّةٍ من المَغْنَمِ، لما روَى رُوَيْفِعُ بن ثابِت الأَنْصارِىُّ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَىْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا [أعْجَفَها رَدَّها فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَىْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا] (٢٦) أخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ". رواه سعيدٌ (٢٧). فصل: ولا يجوزُ الانْتِفاعُ بجُلودِهم، واتِّخاذُ النَّعْلِ والْجُرُبِ منها، ولا الخُيوطِ والحبالِ. وبهذا قال ابنُ مُحَيْرِيزٍ، ويحيى بن أبى كَثِير، وإسماعيلُ بن عَيَّاش، والشافِعِىُّ. ورَخَّصَ فى اتِّخاذِ الْجُرُبِ من جُلودِ المَغْنَمِ (٢٨) سليمانُ بن موسى. ورَخَّصَ مالِكٌ فى الإِبْرَةِ، والحَبْلِ يُتَّخَذُ من الشَّعَرِ، والنَّعْلِ والخُفِّ يُتَّخَذُ من جُلودِ البَقَرِ. ولَنا، ما رَوَى

стр. 6818

قَيْسُ بن أبى حَازِمٍ، أنَّ رجلًا أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ بكُبَّةِ (٢٩) شَعَرٍ من المَغْنَمِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نَعْمَلُ (٣٠) الشَّعَرَ، فهَبْها لِى. قال: "نَصِيبِى مِنْهَا لَكَ". روَاه سعيدٌ (٣١). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَدُّوا الْخَيْطَ والْمِخْيَطَ، فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وشَنَارٌ (٣٢) يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣٣). ولأنَّ ذلِك من الغَنِيمةِ، لا تَدْعُو [إلى أخْذِه حاجَةٌ] (٣٤) عامَّةٌ، فلم يجُزْ أخْذُه، كالثيابِ. فصل: فأمَّا كتُبُهم، فإنْ كانتْ ممَّا يُنْتَفَعُ به، ككُتُبِ الطِّبِّ واللُّغَةِ والشِّعْرِ، فهى غَنِيمةٌ، وإنْ كانَتْ ممَّا لا يُنْتَفَعُ به، ككتابِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ، فأمْكَنَ الانتفاعُ بجُلُودِها أو وَرَقِها بعدَ غسْلِه، غُسِلَ، وهو غَنِيمةٌ، وإلَّا فلا يجُوزُ بَيْعُها. فصل: وإنْ أخَذُوا من الكُفَّارِ جَوارِحَ للصَّيْدِ، كالفُهودِ والبُزاةِ، فهى غَنِيمةٌ تُقْسَمُ. وإنْ كانت كِلابًا، لم يجُزْ بَيْعُها. وإنْ لم يُرِدْها أحدٌ من الغانِمين، جازَ إرْسالُها، أو إعْطاؤُها غيرَ الغانمين، وإنْ رغِبَ فيها بعضُ الغانِمين دُونَ بعْضٍ، دُفِعَتْ إليه، ولم تُحْسَبْ (٣٥) عليه؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، وإنْ رَغِبَ فيها الجميعُ، أو جماعةٌ كثيرةٌ، فأمْكَنَ قِسْمَتُها (٣٦)، فيكُونُ (٣٧) عَدَدًا من غيرِ تَقْويمٍ، وإنْ تَعَذَّرَ ذلك، أو تنازَعُوا فى (٣٨) الجَيِّدِ

стр. 6819

منها، فطَلَبَه كلُّ واحِدٍ منهم، أُقْرِعَ بينهم فيها. وإنْ وجَدُوا خَنازِيرَ، قَتَلُوها؛ لأنَّها مُؤْذِيَةٌ، ولا نَفْعَ فيها. وإنْ وجَدُوا خَمْرًا أراقُوه، وإنْ كانَ فى ظُروفِه نَفْعٌ للمسلمين، أخَذُوها، وإنْ لم يكُنْ فيها نفعٌ، كَسَرُوها؛ لئلَّا يَعُودُوا إلى اسْتِعْمالِها. فصل: وللغازِى أنْ يعْلِفَ دَوابَّه، ويُطْعِمَ رَقِيقَه، ممَّا يجُوزُ له الأكْلُ منه، سواءٌ [كانُوا لِلْقُنْيَةِ] (٣٩) أو للتِّجارةِ. قال أبو داوُدَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: يَشْتَرِى الرجلُ السَّبْىَ فى بلادِ الرُّومِ، يُطْعِمُهم من طَعامِ الرُّومِ؟ قال: نعم، يُطْعِمُهم. ورَوَى عنه ابنُه عبدُ اللَّه، قال: سأَلْتُ أبى عن (٤٠) الرَّجُلِ يدْخُلُ بلادَ الرُّومِ، ومعه الجارِيَةُ والدَّابَّةُ للتِّجارةِ، [إنْ أطْعَمَهُما - يعنِى الجاريَةَ وعَلَفَ الدابَّةِ؟ قال: لا يُعْجِبُنى ذلك. فإنْ لم تكُنْ للتجارَةِ] (٤١)، فلم يَرَ به بَأْسًا. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجُوزُ إطْعامُ ما كانَ للتِّجارَةِ؛ لأنَّه ليسَ ممَّا يسْتَعِينُ به على الغَزْوِ. وقال الخَلَّالُ: رجَعَ أحمدُ عن هذه الرِّوايَةِ، ورَوَى عنه جماعَةٌ بعدَ هذا، أنَّه لا بأسَ به؛ وذلك لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، فأشْبَهَ ما لا يُرادُ به التِّجارَةُ. ١٦٦٣ - مسألة؛ قال: (ويُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، ويُشارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ) وجُمْلَتُه أنَّ الجيشَ إذا فَصَلَ غازيًا، فخَرَجَت منه سَرِيَّةٌ أو أكثرُ، فأيُّهما غَنِمَ، شارَكَه (١) الآخَرُ. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وحَمَّادٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال النَّخَعِىُّ: إنْ شاءَ الإِمامُ خَمَّسَ ما تأْتِى به السَّرِيَّةُ، وإنْ شاءَ نَفَّلَهم إيَّاهُ كلَّهم. وقد (٢) رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ لمَّا غَزا هَوازِنَ، بعَثَ سَرِيَّةً من الجيشِ قِبَلَ أوْطاسَ، فغَنِمَت السَّرِيَّةُ، فأشْرَكَ بيْنَها وبينَ الجيْشِ (٣). قال ابنُ المُنْذِر: ورَوَيْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "ويَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى

стр. 6820

قَعَدِهمْ" (٤). وفى تَنفِيلِ النَّبِىِّ ﷺ فى الْبَداءةِ الرُّبعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثلُثَ، دليلٌ على اشْتِراكِهم فيما سِوَى ذلك؛ لأنَّهم لو اخْتَصُّوا بما غنِمُوه، لَما كان ثُلثُه نَفَلًا، ولأنَّهم جيشٌ واحدٌ، وكلُّ واحدٍ منهم رِدْءٌ لصاحِبِه، فيَشْترِكُون، كما لو غَنِمَ أحَدُ جانِبَى الجيشِ. وإنْ أقامَ الأميرُ ببَلَدِ الإِسلامِ، وَبعَثَ سَرِيَّةً أو جيْشًا، فما غَنِمَت السَّرِيَّةُ فهو لها وَحْدَها؛ لأنَّه إنَّما يَشْتَرِكُ المجاهدون، والمُقِيمُ فى بلدِ الإِسلامِ ليس بمُجاهِدٍ. وإنْ نَفَّذَ من بلدِ الإِسْلامِ جَيْشَيْن أو سَريَّتَيْن، فكُلُّ (٥) واحِدَةٍ تَنْفَرِدُ بما غَنِمَتْه؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما انْفَرَدَت بالغَزْوِ، فانْفَرَدَت بالغَنِيمَةِ، بخلافِ ما إذا فَصَلَ الجيشُ، فدَخَلَ بجُمْلَتِه بلادَ الكُفَّارِ، فإنَّ جَمِيعَهم اشتَرَكُوا فى الجِهادِ، فاشْتَرَكُوا فى الغَنِيمَةِ. ١٦٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ، فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، طَرَحَهُ فِى مَقْسِمِ تِلْكَ الغزَاةِ (١)، فِى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ) والأُخْرَى، مُباحٌ (٢) لَهُ أكْلُه إذَا كَانَ يَسِيرًا. أمَّا الكثيرُ، فيجِبُ رَدُّه، بغيرِ خلافٍ نعلَمُه؛ لأنَّ ما كانَ مُباحًا له فى دارِ الحرْبِ، فإذا أخَذَه على وجْهٍ يفْضُلُ منه كثيرٌ إلى دارِ الإِسلامِ، فقد أخَذَ ما لا يحْتاجُ إليه، فيَلْزَمُه (٣) رَدُّه؛ لأنَّ الأصْلَ تحْريمُه، لكَوْنِه مشْتَرَكًا بينَ الغانِمين، كسائِرِ المالِ. وإنَّما أُبِيحَ منه ما دَعَت الحاجَةُ إليه، فما زادَ يَبْقَى على أصْلِ التَّحْرِيمِ، ولهذا لم يُبَحْ له بَيْعُه. وأمَّا اليَسِيرُ، ففيه روايتان؛ إحداهُما، يَجِبُ رَدُّه أيضا، وهو اخْتيارُ أبى بكْرٍ، وقولُ أبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذرِ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، لما ذكَرْنا فى الكثيرِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أدُّوا الْخَيْطَ والمِخْيَطَ" (٤). ولأنَّه

стр. 6821

من الغَنِيمَةِ، ولم يُقْسَمْ، فلم يُبَحْ فى دارِ الإِسلامِ كالكَبِيرِ، أو كما لو أخَذَه فى دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، يُباحُ. وهو قولُ مَكْحولٍ، وخالدِ بن مَعْدانَ، وعَطاءٍ الخُراسانِىِّ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ. قال أحمدُ: أهلُ الشامِ يتساهَلُون فى هذا. وقد رَوَى القاسمُ بنُ عبدِ الرحمن، عن بعض أصحابِ النَّبِىِّ ﷺ قال: كُنَّا نأْكُلُ الجَزَرَ (٥) فى الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه، حتَّى أنْ كُنَّا لنَرْجِعُ إلى رِحَالِنا وأَخْرِجَتُنا منه (٦) مُمْلَأَةٌ. روَاه سعيدٌ، وأبو داوُدَ (٧). وعن عبدِ اللَّه بن يَسارٍ السُّلَمِىِّ، قال: دَخَلْتُ على رجلٍ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، فقَدَّمَ إلىَّ تُمَيْرًا (٨) من تُمَيْرِ الرُّومِ، فقُلْتُ (٩): لقد سبَقْتَ الناسَ بهذا. قال: ليس هذا من العامِ، هذا من العامِ الأوَّل. روَاه الأَثْرَمُ، فى "سُنَنِه". وقال الأوْزاعِىُّ: أدْرَكْتُ الناسَ يقْدَمُون بالْقَدِيدِ، فيُهْدِيه بعضُهم إلى بعضٍ، لا يُنْكِرُه إمامٌ ولا عامِلٌ ولا جماعَةٌ. وهذا نقلٌ للإِجْماعِ. ولأنَّه أُبِيحَ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، فأُبِيحَ فى دارِ الإِسلامِ، كمُباحاتِ دارِ الحرْبِ التى لا قيمَةَ لها فيها (١٠). ويُفارِقُ الكبيرَ فإنَّه لا يجوزُ إمْساكُه عن القِسْمةِ، ولأنَّ اليَسِيرَ تَجْرِى المُسامَحَةُ فيه، ونَفْعُه قليَلٌ، بخلافِ الكثيرِ. ١٦٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَسِيرًا مِنْ أَيْدِى الْعَدُوِّ، لَزِمَ الْأَسِيرَ أنْ يُؤَدِّىَ إلَى الْمُشْتَرِى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (١)) لا يَخْلُو هذا من حالَيْن؛ أحدِهما، أنْ يَشْتَرِيَه بإذْنِه، فهذا يَلْزَمُه أنْ يُؤَدِّىَ إلى المُشْترِى ما أدَّاه فيه، بغيرِ خلافٍ نعلَمُه، إذا وَزَنَ بإذْنِه؛ لأنَّه (١) إذا أَذِنَ فيه، كان نائبَه فى شِرَاءِ نفسِه، فكانَ الثَّمَنُ على الآمِرِ، كالوَكيلِ. والثانى، أنْ يشتَرِيَه بغيرِ إذْنِه، فيَلْزَمُ

стр. 6822

الأسيرَ الثَّمنُ أيضا عند أحمَد. وبه قال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه تبرَّعَ بما لا يَلْزَمُه، ولم يُؤْذَنْ (٢) له فيه، فأشْبَهَ ما لو عمَّر دارَه. [وقال اللَّيْثُ إنْ كان الأسِيرُ مُوسِرًا كقولِنا، وإنْ كان معْسِرًا، أدَّى ذلك (٣) بَيْتُ المالِ] (٤). ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ (٥): ثنا عثمانُ بن مَطَرٍ، ثنا أبو حَرِيزٍ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: أغارَ أهلُ ماهَ وأهلُ جَلُولاءَ على العرَبِ، فأصابُوا سَبايا من سَبايَا العربِ، فكتَبَ السَّائِبُ بن الأَقْرَع إلى عمرَ فى سَبايا المسلمين ورَقِيقهِم ومَتاعِهم، قد اشْتراه التُّجَّارُ من أهلِ مَاهَ، فكتَبَ عمرُ: أيُّما رجُلٍ أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعينِه، فهو أحَقُّ به من غيرِه، وإنْ أصابَه في أيْدِى التُّجَّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سبيلَ إليه، وأيُّما حُرٍّ اشْتراهُ التُّجَّارُ، فإنَّه يُرَدُّ إليهم رُءوسُ أمْوالِهم؛ فإنَّ الحُرَّ لا يُباعُ ولا يُشْتَري. فحَكَمَ للتُّجَّارِ بُرءُوسِ أمْوالِهم. ولأنَّ الأسِيرَ يجبُ عليه فِداءُ نفسِه، ليتخَلَّصَ من حُكْمِ الكُفَّارِ، ويَخْرُجَ من تحتِ أيْدِيهم، فإذا نابَ عنه غيرُه فى ذلك، وجبَ عليه قَضاؤُه، كما لو قَضَى الحاكِمُ عنه حَقًّا امْتَنَع من أدائِه. فصل: فإن اخْتَلَفا فى قَدْرِ ما اشْتراهُ به، فالقوْلُ قولُ الأسِيرِ. وهو قولُ الشافِعِىِّ إذا أذِنَ له. وقال الأوزاعِىُّ: القولُ قولُ المُشْترِى؛ لأنَّهما اخْتلَفَا فى فِعْلِه، وهو أعلَمُ بفِعْلِه. ولَنا، أنَّ الأسيرَ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه من هذه الزِّيادَةِ، فيترجَّحُ (٦) قولُه بالأَصْلِ. ١٦٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا سَبَى المُشْرِكُون مَنْ يُؤَدِّى إلَيْنَا الْجِزْيَةَ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ، زُدُّوا إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ (١)، ولَمْ يُسْتَرَقُّوا، وَمَا أَخذَهُ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ مِنْ مَالٍ أوْ

стр. 6823

رَقِيقٍ، رُدَّ إلَيْهِمْ، إذَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، ويُفَادَى بِهِمْ بَعْدَ أنْ يُفَادَى بالمُسْلِمِينَ) وجملةُ ذلك أنَّ أهلَ الحربِ إذا استَوْلَوا على أهلِ ذِمَّتِنَا، فَسَبَوْهُم، وأَخَذُوا أمْوالَهم، ثم قُدِرَ عليهم، وَجَبَ رَدُّهم إلى ذِمَّتِهم، ولم يَجُز استِرْقاقُهم. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، ولا نعلَمُ لهم مُخالفًا؛ وذلك لأنَّ ذِمَّتَهُم باقِيَةٌ، ولم يُوجَدْ منهم ما يُوجِبُ نَقْضَها. وحُكْمُ أمْوالِهم، حُكْمُ أموالِ المسلمين فى حُرْمَتِها. قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: إنَّما بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وأمْوالُهُم كَأمْوالِنا (٢). فمتَى عُلِمَ صاحِبُها قبلَ قَسْمِها، وجَبَ رَدُّها إليه، فإنْ عُلِم به (٣) بَعدَ القِسْمَةِ، فعلى الرِّوايتين؛ إحداهُما، لا حَقَّ له فيه. والثانِيةُ، هو له بثَمَنِه؛ لأنَّ أمْوالَهم مَعْصومَةٌ كأمْوالِ المسلمين. وأما فِداؤُهم، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه يَجِبُ فداؤُهم، سواءٌ كانُوا فى مَعُونَتِنا أو لم يكونُوا. وهذا قولُ عمرَ بن عبد العزيز، واللَّيْثِ؛ لأنَّنا الْتَزمْنا حِفْظَهم، بمُعاهَدَتِهم، وأخْذِ جزْيَتِهم، فلَزِمَنا القتالُ مِن وَرائِهم، والقيامُ دُونَهم، فإذا عَجَزْنا عن ذلك، وأمْكَنَنَا تَخْليصُهم، لزِمَنا ذلك، كمَنْ يَحْرُمُ عليه إتْلافُ شىءٍ، فإذا أَتْلَفَه غَرِمَه. وقال القاضِى: إنَّما يجِبُ فِداؤُهم إذا استعانَ بهم الإِمامُ فى قتالِه فسُبُوا، وجَبَ عليه فِداؤُهم؛ لأنَّ أسْرَهُم كان لمَعْنًى من جِهَتِه. وهو المنصوصُ عن أحمدَ. ومتى وجَبَ فِداؤُهم، فإنَّه يُبْدَأُ بفداءِ المسلمين قَبْلَهم؛ لأنَّ حُرْمَةَ المسلم أعظمُ، والخَوْفَ عليه أشدُّ، وهو مُعَرَّضٌ لفِتْنَتِه عن دِينِ الحَقِّ، بخلافِ أهلِ الذِّمَّةِ. فصل: ويَجِبُ فِداءُ أَسْرَى المُسْلِمينَ إذا أَمْكَنَ. وبهذا قال عمرُ بن عبد العزيز، ومالكٌ، وإسحاقُ. ويُرْوَى عن ابن الزُّبَيْرِ، أنَّه سألَ الحسنَ بن علىٍّ: عَلى مَنْ فَكاكُ الأَسِيرِ؟ قال: على الأَرضِ التى يُقاتِل عليها. وثَبَتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وعُودُوا الْمَرِيضَ، وفُكُّوا الْعَانِىَ" (٤). ورَوَى سعيدٌ (٥)، بإسْنادِه عن حِبَّان بن

стр. 6824

أبى (٦) جَبَلَةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِى فَيْئِهِمْ أنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ، ويُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ". ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه كتَبَ كتابًا بين المهاجرين والأنْصارِ "أنْ يَعْقِلُوا مَعاقِلَهُمْ، وأنْ يَفُكُّوا عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" (٧). وفادَى النَّبِىُّ ﷺ رجلَيْن من المسلمين بالرَّجُلِ الذى أخَذَه من بنى عُقَيْل (٨)، وفادَى بالمرأَةِ التى اسْتَوْهَبَها من سَلَمَةَ بن الأكْوَع رَجُلَيْن (٨). ١٦٦٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا حَازَ الْأَمِيرُ الْمَغَانِمَ، ووَكَّلَ (١) مَنْ يَحْفَظُهَا، لَمْ يَجُزْ أنْ يُؤْكَلَ مِنْها، إلَّا أنْ تَدْعُوَ الضَّرورَةُ، بأنْ لا يَجِدُوا مَا يَأْكُلُونَ) وجملَةُ ذلك أنَّ الْمَغانِمَ إذا جُمِعَت، وفيها طعامٌ أو عَلَفٌ، لم يَجُزْ لأَحَدٍ أخْذُه إلَّا لضَرُورَةٍ؛ لأنَّنا إنَّما أَبَحْنا أخْذَه قبلَ جَمْعِه، لأنَّه لم يَثْبُتْ فيه مِلْكُ المسلمين بعدُ، فأشْبَهَ المُباحاتِ من الحَطَبِ والحَشِيشِ، فإذا حِيزَت الْمَغانِمُ، ثَبَتَ مِلْكُ المسلمين فيها، فخَرَجَت عن حَيِّزِ المُباحاتِ، وصارَتْ كسائِرِ أمْلاكِهم، فلم يَجُزْ الأَكْلُ منها إلَّا لضرورَةٍ، وهو أنْ لا يَجِدُوا ما يأْكُلُونَه، فحينَئِذٍ يجُوزُ؛ لأنَّ حِفْظَ نُفوسِهم ودَوابِّهِم أهَمُّ، وسواءٌ حِيزَت فى دارِ الحَرْبِ أو فى دارِ الإِسْلامِ. وقال القاضى: ما كانتْ فى دارِ الحَرْبِ، جازَ الأكلُ منها وإنْ حِيزَتْ؛ لأنَّ دارَ الحربِ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، لعُسْرِ نَقْلِ المِيرَةِ إليها، بخلافِ دارِ الإِسلامِ. وكلام الخِرَقِىِّ عامٌّ فى الموضِعَيْن، والمَعْنَى يقتَضِيه؛ فإنَّ ما ثَبَت عليه أيْدى المسلمين، وتَحَقَّقَ مِلْكُهم له، لا يَنْبَغِى أنْ يُؤْخَذَ إلَّا برِضَاهُم، كسائِرِ أمْلاكِهِم، ولأنَّ حِيازَتَه فى دارِ الحربِ تُثْبِتُ المِلْكَ فيه، بدليلِ جَوازِ قِسْمَتِه، وثُبوتِ أحكامِ المِلْكِ فيه، بخلافِ ما قبلَ الحِيازَةِ، فإنَّ المِلْكَ لم يثْبُتْ فيه بعدُ. ١٦٦٨ - مسألة؛ قال: (ومَن اشْتَرَى مِنَ الْمَغْنَمِ فِى بِلَادِ الرُّومِ، فَتَغَلَّبَ (١) عَلَيْهِ

стр. 6825

الْعَدُوُّ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وإنْ كَانَ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ الثَّمَنُ، رُدَّ إلَيْهِ) وجملَتُه أنَّ الأميرَ إذا باعَ من الْمَغْنَمِ شيئًا قبلَ قَسْمِهِ لمَصْلَحَةٍ، صَحَّ بيعُه، فإنْ عادَ الكُفَّارُ، فغَلَبُوا على المَبِيعِ، فأَخَذُوه من المُشْتَرِى فى دارِ الحَرْبِ، نَظَرْنا؛ فإنْ كان لتَفْريطٍ (٢) من المُشْتَرِى، مثل أنْ خَرَجَ به من العَسْكَرِ (٣)، ونحوِ ذلك، فضَمانُه عليه؛ لأنَّ ذَهابَه حَصَلَ بتَفْرِيطِهِ، فكانَ من ضَمانِه، كما لو أتْلَفَه، وإنْ حَصَلَ بغيرِ تَفْرِيطِه (٤)، ففيه (٥) رِوايتان؛ إحداهُما، يَنْفَسِخُ البيعُ، ويكونُ من ضَمانِ أهلِ الغَنِيمةِ، فإنْ كان الثَّمنُ لم يُؤْخَذْ من المُشْتَرِى، سَقَطَ عنه، وإنْ كان أُخِذَ منه، رُدَّ إليه؛ لأنَّ القَبْضَ لم يَكْمُلْ، لكَوْنِ المال فى دارِ الحرْبِ غيرَ مُحْرَزٍ، وكَوْنِه على خَطرٍ من العَدُوِّ، فأشْبَهَ الثَّمرَ الْمَبِيعَ على رُءوسِ الشَّجَرِ إذا تلِفَ قبلَ الجِذاذِ. والثانيةُ، هو من ضَمانِ المُشْتَرِى، وعليه ثمنُه. وهذا أكثَرُ الرِّواياتِ عن أحمد. واخْتارَهُ الخَلَّالُ، وأبو بكرٍ صاحِبُه. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه مالٌ مَقْبوضٌ، أُبِيحَ لمُشْتَرِيه، فكانَ ضَمانُه عليه، كما لو أُحْرِزَ إلى دارِ الإسلامِ، ولأَنَّ أخْذَ العَدُوِّ له تَلَفٌ، فلم يَضْمَنْه البائعُ، كسائِرِ أنْواعِ التَّلَفِ، ولأنَّ نَماءَه للمُشْتَرِى، فكان ضَمانُه عليه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمْانِ" (٦). فصل: وإذا قُسِمَتِ الغنائِمُ فى دارِ الحَرْبِ، جازَ لمَنْ أخَذَ سَهْمَه التَّصَرُّفُ فيه، بالبَيْعِ وغيرِه. فإنْ باعَ بعضُهم بعضًا شيئًا منها، فغَلَبَ عليه العَدُوُّ، ففى ضَمانِ البائِعِ له وَجْهانِ؛ بناءً على الرِّوايتَيْن فى التى قبلَها. وإنْ اشْتراهُ مُشْتَرٍ من المُشْتَرِى، فكذلك، فإذا قلْنا: هو من ضَمانِ البائِعِ. رَجَعَ البائِعُ (٧) الثانى على البائعِ الأَوَّلِ، بما رَجَعَ به عليه. فصل: قال أحمدُ، فى الرجُلِ يشْتَرِى الجارِيَةَ من المَغْنَمِ، عليها (٨) الحُلِىُّ فى عُنُقِها

стр. 6826

والثِّيابُ: يَرُدُّ ذلك فى الْمَغْنَمِ، إلَّا شيئًا تَلْبَسُه، من قَمِيصٍ ومِقْنَعةٍ وإزَارٍ. وهذا قولُ حَكِيم بن حِزَام، ومَكْحولٍ، وَيزِيدَ بن أبي مالِك، والمُتَوَكِّلِ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ويُشْبِهُ قولَ الشافِعِىِّ. واحْتَجَّ إسحاقُ بقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلبائِعِ" (٩). وقال الشَّعْبِىُّ: يَجْعَلُه فى بَيْتِ المالِ. وكان مالكٌ يُرَخِّصُ فى اليَسِيرِ، كالقُرْطَيْن وأشْباهِهِما، ولا يَرَى ذلك فى الكثيرِ. ويُمْكِنُ أنْ يُ فَصَّلَ القولُ فى هذا، فيُقالُ: ما كان عليهَا ظاهرًا مَرْئِيًّا، يُشاهِدُه البائِعُ والمُشْترِى، كالقُرْطِ والخاتَمِ والقِلادَةِ، فهو للمُشْتَرِى، لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البائِعَ إنَّما باعَها مما عَلَيْها، والمُشْتَرِىَ اشْتَراها بذلك، فيَدْخُلُ فى البَيْعِ، كثيابِ البِذْلَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ، وما خَفِىَ فلم يَعْلَمْ به البائِعُ، رَدَّه؛ لأنَّ البَيْعَ وقَعَ عليها بدُونِه، فلم يدْخُلْ فى البَيْعِ، كجارِيةٍ أُخْرَى. فصل: قال أحمدُ: لا يجوزُ لأَميرِ الجيشِ أنْ يشتَرِىَ من مَغْنَمِ المسلمين شيئًا؛ لأنَّه يُحابَى، ولأنَّ عمرَ رَدَّ ما اشْتَراه ابْنُه فى غزوةِ جَلُولَاءَ، وقال: إنَّه يُحابَى (١٠). احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه هو البائِعُ أو وكيلُه، فكأنَّه يَشْتَرِى من نَفْسِه أو وكيلِ نفْسِه. قال أبو داودَ: قيل لأبي عبد اللَّه: إذا قَوَّمَ أصْحابُ المَقاسِمِ (١١) شيئًا معروفًا، فقالُوا فى الجُلودِ (١٢): الماعِزِ بكذا. والخِرْفانِ بكذا. يَحْتاجُ إليه، يأخُذُه بتِلْك القيمَةِ، ولا يأْتِى المَقاسِمَ (١١)؟ فرخَّصَ فيه. وذلك لأنَّه يشُقُّ الاسْتِئْذانُ فيه، فسُومِحَ فيه، كما سُومِحَ فى دُخولِ الحَمَّام، ورُكوبِ سَفينةِ المَلَّاحِ، من غيرِ تَقْديرِ أُجْرَةٍ (١٣). ١٦٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا حُورِبَ الْعَدُوُّ، لَمْ يُحَرَّقُوا بِالنَّارِ) أمَّا العدُوُّ إِذا قُدِرَ عليه، فلا يجوزُ تَحْرِيقُه بالنَّارِ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. وقد كان أبو بكر الصِّدِّيقُ (١) رَضِىَ اللَّه عنه، يأمُرُ بتَحْرِيقِ أهلِ الرِّدَّةِ بالنارِ (٢). وفعَلَ ذلك خالدُ بن الوليد

стр. 6827

بأمْرِه، فأَمَّا اليومَ فلا أعلمُ فيه بينَ الناسِ خِلافًا. وقد رَوَى حمزةُ الأسْلَمِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَّرَهُ على سَرِيَّةٍ، قال: فخَرَجْتُ فيها، فقال: "إنْ أخَذْتُمْ فُلَانًا، فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ". فوَلَّيْتُ، فنادانِى، فرَجَعْتُ، فقال: "إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا، فَاقْتُلُوهُ، ولَا تُحْرِقُوهُ، فَإنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ". رَوَاه أبو داودَ، وسعيدٌ (٣). ورَوَى أحاديثَ سِواهُ فى هذا المعنى. ورَوَى البُخارِىُّ (٤)، وغيرُه، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحوَ حديثِ حمزة. فأمَّا رَمْيُهم قبلَ أخْذِهم بالنارِ، فإنْ أمْكَنَ أخْذُهم بدُونِها، لم يَجُزْ رَمْيُهم بها؛ لأنَّهُم فى معنَى المَقْدورِ عليه، وأمَّا عندَ العَجْزِ عنهم بغيرِها، فجائِزٌ، فى قولِ أَكْثرِ أهْلِ العِلْمِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ. ورَوَى سعيدٌ (٥)، بإسْنادِه عن صَفْوانَ بن عمرٍو، وجَرِيرِ بن عثمانَ، أنَّ جُنادَةَ بن أبى (٦) أُمَيَّةَ الأزْدِىَّ، وعبدَ اللَّه بن قَيْس الْفَزارِىَّ، وغيرَهما من وُلاةِ البَحْرَيْن (٧)، ومَنْ بعدَهم، كانُوا يَرْمُون العَدُوَّ من الرُّومِ وغيرِهم بالنَّارِ، ويُحَرِّقُونَهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء. قال عبدُ اللَّه بن قَيْسٍ: لم يَزلْ أمْرُ المسلمين على ذلك. فصل: وكذلك الحُكْمُ فى فَتْحِ الْبُثُوقِ عليهم، لتَغْرِيقِهم (٨)، إنْ قُدِرَ عليهم بغيرِه، لم يجُزْ، إذا تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النِّساءِ والصِّبْيانِ (٩) والذُّرِّيَّةِ، الذين يحْرُمُ إتْلافُهم قَصْدًا، وإنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا به، جازَ، كما يجوزُ الْبَياتُ المُتَضَمِّنُ لذلك. ويجوزُ نَصْبُ المَنْجَنِيقِ

стр. 6828

عليهم. وظاهِرُ كلامِ أحمد جَوازُه مع الحاجَةِ وعَدَمِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ على أهل الطَّائِفِ (١٠). وممَّنْ رأى ذلك الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: جاءَ الحديثُ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَصَبَ الْمَنْجَنيقَ على أهلِ الطَّائِفِ. وعن عمرِو بن العاص، أنَّه نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ على أهلِ (١١) الإِسْكَنْدريِّة (١٢). ولأنَّ القتالَ به مُعْتادٌ، فأشْبَهَ الرَّمْىَ بالسِّهامِ. فصل: ويجوزُ تَبْيِيتُ الكُفَّارِ، وهو كَبْسُهم ليلًا، وقَتْلُهم وهم غَارُّون. قال أحمدُ: لا بأْسَ بالْبَياتِ، وهل غَزْوُ الرُّومِ إلَّا الْبَياتُ! قال: ولا نعلَمُ أحدًا كَرِهَ بَياتَ العَدُوِّ. وقُرِئ (١٣) عليه: سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ (١٤)، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن الصَّعبِ بن جَثَّامَةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُسأَلُ عن الدِّيارِ من المشركين، نُبَيّتُهم فنُصِيبُ من نِسائِهم وذَرارِيِّهم؟ فقال: "هُمْ مِنْهُمْ" (١٥). فقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ. فإنْ قيلَ: فقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن قَتْلِ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ (١٦). قُلْنا: هذا محمولٌ على التَّعَمُّدِ لقَتْلِهِم. قال أحمد: أَمَّا أنْ يتعمَّدَ قَتْلَهم، فلا. قال: وحديثُ الصَّعْبِ بعدَ نَهْيِه عن قَتْلِ النِّساءِ؛ لأنَّ نهْيَهُ عن قَتْلِ النِّساءِ حينَ بَعَثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيْقِ. وعلى أنَّ الجَمْعَ بينهما (١٧) مُمْكِنٌ، يُحْمَلُ النَّهْىُ على التَّعَمُّدِ، والإباحَةُ على ما عَداهُ. فصل: قال الأوْزاعِىُّ: إذا كان فى الْمَطْمُورَةِ (١٨) العَدُوُّ، فعَلِمْتَ أَنَّكَ تَقْدِرُ عليهم بغيرِ النَّارِ، فأحَبُّ إلىَّ أنْ يَكُفَّ عن النَّارِ (١٩)، وإنْ لم يُمْكِنْ ذلك، وأبَوْا أنْ يَخْرُجُوا،

стр. 6829

فلا أرَى بَأْسًا، وإنْ كان مَعَهم ذُرِّيَّةٌ، قد كان المسلمون يُقاتِلُون بها. ونحوَ ذلك قال سفيانُ، وهشامٌ. ويُدَخَّنُ عليهم. وقال أحمد: أَهلُ الشامِ أعْلَمُ بهذا. فصل: وإنْ تَتَرَّسُوا فى الحربِ بنسائِهِم وصِبْيانِهِم، جازَ رَمْيُهم، ويقْصدُ المُقاتِلَةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَماهُم بالْمَنْجَنِيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبيانُ، ولأنَّ كَفَّ المسلمين عنهم يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجِهاد، لأنَّهم مَتَى علِمُوا ذلك تَتَرَّسُوا بهم عندَ خَوْفِهم (٢٠) فيَنْقَطِعُ الجِهادُ. وسواءٌ كانت الحربُ مُلْتَحِمَةً أو غيرَ مُلْتحِمَةٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يتحَيَّنُ بالرَّمْىِ حالَ الْتحامَ الحَرْبِ. فصل: ولو وَقَفَت امرأةٌ فى صَفِّ الكُفَّارِ، أو على حِصْنِهم، فشَتَمَتِ المسلِمينَ، أو تَكَشَّفَتْ لهم، جازَ رَمْيُها قَصْدًا؛ لما رَوَى سعيدٌ (٢١): حَدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: لمَّا حاصَرَ رسولُ اللَّه ﷺ أهلَ الطَّائِفِ أَشْرَفَت امرأَةٌ، فكشَفَتْ عن قُبُلِها، فقالتْ: هَادُونَكُمْ، فَارْمُوا (٢٢). فَرَماها رجلٌ من المسلمين، فما أَخْطَأَ ذلك منها. ويجوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها للحاجَةِ إلى رَمْيِها؛ لأنَّ ذلك من ضَرُورَةِ رَمْيِها. وكذلك يجوزُ رَمْيُها إذا كانت تَلْتَقِطُ لهم السِّهامَ، أو تَسْقِيهم الماءَ، أو تُحَرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها فى حُكْمِ المُقاتِلِ. وهكذا الحُكْمُ فى الصَّبِىِّ والشَّيْخِ وسائِرِ مَنْ مُنِعَ مِن قَتْلِه منهم. فصل: وإنْ تَتَرَّسُوا بمُسْلِمٍ، ولم تَدْعُ حاجَةٌ إلى رَمْيِهم، لكَوْنِ الحَرْبِ غيرَ قائِمَةٍ، أو لإمْكانِ القُدْرَةِ عليهم بدُونِه، أو للأَمْنِ (٢٣) من شَرِّهِم (٢٤)، لم يَجُزْ رَمْيُهم. فإنْ رَماهُم فأصابَ مسلمًا، فعَلَيْه ضَمانُه. وإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى رَمْيِهِم للخَوْفِ على المسلمين، جازَ رَمْيُهم؛ لأنَّها حالُ ضَرُورةٍ، ويقْصِدُ الكُفَّارَ. وإنْ لم يُخَفْ على

стр. 6830

المسلمين، لكن لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْىِ، فقال الأَوزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢٥) الآية. قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ على فَتْحِه، أفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغيرِ حَقٍّ. وقال الأوزاعِىُّ: كيفَ يَرْمُون مَنْ لا يَرَوْنَه (٢٦)! إنَّما يَرْمُون أطفالَ المسلمين. وقال القاضى، والشافِعِىُّ: يجوزُ رَمْيُهم إذا كانَت الحربُ قائِمَةً؛ لأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ. فعلى هذا، إنْ قَتَلَ مسلمًا، فعليه الكَفَّارَةُ، وفى الدِّيَةِ على عاقِلَتِه روايتان؛ إحداهُما، يَجِبُ؛ لأنَّه قَتَلَ مؤمنًا خطأً، فيدْخُلُ (٢٧) فى عُمومِ قولِه تعالى: [﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢٨). والثانيةُ، لا دِيَةَ له؛ لأنَّه قُتِلَ فى دارِ الحَرْبِ برَمْىٍ مُباحٍ، فيدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالى] (٢٩): ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢٨). ولم يَذْكُرْ دِيَةً. وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له، ولا كَفَّارَةَ فيه، لأنَّه رَمْىٌ أُبِيحَ مع العلمِ بحقيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شيئًا، كرَمْىِ مَنْ أُبِيحَ دمُه. ولَنا، الآيةُ المذكورَةُ، وأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، والقاتِلُ من أهلِ الضَّمانِ، فأشْبَهَ ما (٣٠) لو لم (٣١) يَتَتَرَّسُوا (٣٢) به. ١٦٧٠ - مسألة؛ قال: (وَلَمْ (١) يُغرِّقُوا النَّحْلَ) وجملَتُه أنَّ تَغْريقَ النَّحْلِ وتحرِيقَه لا يجوزُ، فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ. وقيل لمالِكٍ: أنُحَرِّقُ بيوتَ نَحْلِهم؟ قال: أَمَّا النَّحْلُ فلا أدْرِى ما هو؟ ومُقْتَضَى مذهبِ أبي حَنِيفة إباحَتُه؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم (٢) وإضْعافًا، فأشْبَهَ قَتْلَ
следующие страницы →